
تفسير رؤية الجدي في المنام – ابن سيرين والنابلسي وابن قتيبة
الحكم السريع
رؤية الجدي في المنام تدل في أصلها على الولد، ثم يتفرع معناها بحسب ما يقع عليه من فعل؛ فالجدي الحيّ راجع إلى معنى الذرية والصبي، وذبحه للأكل يدل على مالٍ يصيبه الرائي، وأكل لحمه يدل على مالٍ قليلٍ من صبي، أمّا الجدي المذبوح أو ذبحه لغير اللحم ففيه شدةٌ تتصل بولدٍ أو بولدٍ من أهل الرائي.
الدلالة العامة
الجدي من الرموز التي ترجع في التعبير إلى معنى الصغير من الأولاد، ولذلك كانت رؤيته من الرؤى التي يكثر دورانها على أمر الذرية وما يتصل بها من نفعٍ أو مصيبة، ومن خيرٍ أو تحذير. وليس المقصود في هذا الباب صورة الحيوان من جهة طبيعته فقط، بل من جهة ما جرى به التأويل من حمله على الولد، فصار أصل الرؤيا قائمًا على هذا المعنى، وما بعده تابع له.
ولهذا فإن الجدي إذا ظهر في المنام مجردًا من غير ذبحٍ ولا أكلٍ ولا ركوب، كان الأصل فيه أنه ولد، أو أمرٌ راجع إلى ولد، أو خبرٌ يتصل بصغيرٍ من أهل البيت. فإذا تغيّرت الصورة، تغيّر الحكم؛ لأن الرؤيا هنا مبناها على الهيئة والفعل والغاية. فالجدي المذبوح ليس كالجدي الحي، وذبحه للأكل ليس كذبحه لغير الأكل، وأكل لحمه ليس كذبحه من غير انتفاع.
ومن دقائق هذا الرمز أن الخير فيه ليس مطلقًا في جميع صوره، كما أن التحذير فيه ليس عامًّا في كل حالاته. فبعض صوره راجع إلى المال، وبعضها راجع إلى المصيبة في الولد، وبعضها راجع إلى معنى مذموم في الفعل والسلوك. ومن هنا كانت هذه الرؤيا من الرؤى التي لا تُفهم على وجهها إلا بالنظر إلى القصد الواقع في المنام: هل كان الذبح للحم، أم لغير اللحم؟ وهل كان هناك أكل وانتفاع، أم كان مجرد عبثٍ وفعلٍ لا جهة نفع فيه؟
فإذا ضُبط هذا الأصل، انكشف معنى الرؤيا:
وهذه هي الأصول التي يدور عليها التفسير، وما سواها تابع لها لا خارج عنها.
تفسير ابن سيرين
رؤية الجدي عند ابن سيرين تُحمل على معنى الولد، لأن الجدي صغيرٌ في جنسه، فصار في الرؤيا دالًا على الصغير من الأولاد، أو على ما يتصل بهم من شأن. فإذا رأى الرائي جديًا في منامه، كان ذلك راجعًا إلى هذا الأصل، ولا يُعدل عنه إلا بقرينةٍ ظاهرةٍ في المنام تنقل المعنى إلى غيره.
فإن كان الجدي مذبوحًا، كان هذا من الصور الشديدة في التأويل، لأنه يدل على نزول مصيبةٍ في الولد، أو شدةٍ تقع في باب الذرية، أو أمرٍ مؤلمٍ يتصل بصغيرٍ من أولاد الرائي أو من أهل بيته. وهذا المعنى إنما جاء من انتقال الرمز من صورة الحياة إلى صورة الذبح، فصار دالًا على الفقد لا على البقاء، وعلى المصيبة لا على مجرد الإشارة إلى الولد.
وإن رأى الرائي أنه يذبح الجدي ليأكله، خرجت الرؤيا من باب المصيبة إلى باب المال، لأن جهة الانتفاع باللحم جهة مقصودة، فصار الذبح هنا دالًا على مالٍ يصيبه الرائي ومنفعةٍ تعود إليه. فالعبرة ليست بمجرد الذبح، بل بكونه واقعًا على وجه الأكل والانتفاع. ولهذا كان الذبح هنا محمودًا من جهة ما يفضي إليه من رزق.
أما إن ذبحه لغير اللحم، عاد التأويل إلى الشدة والمصيبة، لأن الفعل فقد جهة الانتفاع، وصار الذبح مجردًا من معنى الرزق، فرجع إلى ما فيه من انقطاعٍ وفقد. فهذه الصورة تدل على موت ولدٍ له أو ولدٍ لبعض أهله، وهذا من أشد ما في هذا الباب.
وإن رأى أنه يأكل لحم جدي، دلّ ذلك على مالٍ قليل من صبي، لا مال كثير، لأن النص إنما جرى على التقليل، فكان هذا المال يسيرًا في قدره، غير أنه متصل بجهة الصبي أو الولد. والمعنى هنا لا يخرج عن باب المنفعة المالية، لكنه منفعة محدودة لا واسعة.
تفسير النابلسي
ذكر النابلسي في هذا الرمز أصوله الجامعة، فجعل الجدي في المنام ولدًا، وهذا هو أصل الباب الذي تُبنى عليه سائر الصور. فإذا ظهر الجدي في المنام، كان الأصل في رؤيته أنها راجعة إلى الولد أو إلى أمرٍ يتصل به.
ثم قال: فمن رأى جديًا مذبوحًا فهو موت ولده، فجعل صورة الجدي المذبوح من أوضح الصور في الدلالة على المصيبة التي تقع في الولد، أو على الشدة العظيمة التي تتصل به. وهذا الحكم من جهة الرمز من أشد أحكام هذا الباب، لأن الذبح هنا ليس ذبح انتفاع، بل هو صورة فقدٍ وانقطاع.
وقال أيضًا: وإن ذبح الرائي الجدي ليأكله فإنه يصيب مالًا، فبيّن أن الذبح إذا كان لأجل الأكل خرج عن معنى المصيبة وصار إلى معنى المال. وهذا فرقٌ دقيق في التأويل، لأن الفعل واحد في الظاهر، لكن الغاية منه هي التي تغيّر حكمه. فإذا كانت الغاية اللحم والأكل، كانت الرؤيا في باب الرزق والمنفعة.
ثم قال: وإن ذبحه لغير اللحم فيموت له ولد، أو يموت ولد لبعض أهله، فهذه الصورة تعيد الرؤيا إلى جهة التحذير والشدة، لأن الذبح هنا لم يقع على وجه الانتفاع، فصار دالًا على فقدٍ أو نزول مصيبة في باب الأولاد.
وقال أيضًا: ومن رأى أنه يذبح جديًا أو خروفًا، أو يركب أحدهما، فإنه يعبث بالصبيان، فهذه دلالة مستقلة في هذا الباب، وهي من معاني الذم والتحذير. فالجدي هنا لم يَعُد دالًا على الولد وحده، بل صار الفعل الواقع عليه دالًا على فساد في السلوك من جهة الصبيان، فيكون المنام زاجرًا ومنذرًا.
ثم قال: ومن رأى أنه يأكل لحم جدي أصاب مالًا قليلًا من صبي، فجعل أكل لحم الجدي بابًا من أبواب المال، لكنه مال قليل، ومتصل بجهة صبي، لا مالًا مطلقًا من كل وجه.
فخلاصة النابلسي في هذا الباب أن الجدي يدور على الولد، ثم تنقسم صوره إلى ثلاثة أبواب:
باب المصيبة في الولد، وباب المال والمنفعة، وباب التحذير من العبث بالصبيان.
تفسير ابن قتيبة
وعلى جهة ابن قتيبة في التعبير، فإن الجدي يُحمل على معناه الأصلي الثابت، وهو الولد، ثم يُنظر فيما يعرض له في المنام من ذبحٍ أو أكلٍ أو ركوب، لأن الأحكام في هذا الباب ليست مبنية على الاسم وحده، بل على ما اقترن به من حالٍ وفعل.
فإذا جاء الجدي في الرؤيا على حاله من غير تغيير، كان التأويل راجعًا إلى الصبي والولد وما يتصل به من أمر. وإذا جاء مذبوحًا، دخلت الرؤيا في معنى الفقد والشدة في الولد، لأن صورة الذبح هنا ليست صورة نفع، بل صورة انقطاع. وإذا كان الذبح للحم والأكل، صار ذلك مالًا ومنفعة، لأن الرؤيا انتقلت من معنى الفقد إلى معنى الكسب.
وأما إذا كان الذبح لغير جهة الأكل، عادت الرؤيا إلى ما فيها من الشدة في الذرية، لأن الفعل خرج عن جهة النفع. وكذلك إذا كان في المنام أكل لحم الجدي، كان المعنى مالًا قليلًا من صبي، فيبقى باب المال حاضرًا في الرؤيا، لكنه مال محدود لا كثير.
وإذا اقترن المنام بركوب الجدي أو ذبحه على وجه العبث، صار التأويل في معنى مذموم يتصل بالصبيان، لأن الرؤيا هنا لا تعود إلى مجرد الولد أو المال، بل إلى فساد الفعل الواقع على هذا الرمز.
فمدار الرؤيا عند ابن قتيبة في هذا الباب على أصل الولد، ثم على الفرق بين الانتفاع والعبث، وبين الذبح للأكل والذبح لغير الأكل، وبين اللحم الذي يُؤكل فيصير مالًا، وبين الذبح الذي لا نفع فيه فيصير شدةً ومصيبة.
التفسير حسب الحالة
للعزباء
إذا رأت العزباء الجدي في المنام، فالأصل في الرؤيا أنه راجع إلى ولدٍ من أهل بيتها، أو إلى خبرٍ يتصل بصغير، أو إلى أمرٍ يجري في باب الذرية عند أهلها. فإن رأت الجدي على حاله، كان ذلك من جنس الرؤى الراجعة إلى هذا الباب من غير زيادة تحذير ولا زيادة منفعة.
فإن رأت جديًا مذبوحًا، كان في الرؤيا شدةٌ تتصل بولدٍ من أهلها، أو خبرٌ مؤلمٌ في هذا الباب، لأن الجدي المذبوح محمول على المصيبة في الولد. وإن رأت أنها تذبحه لتأكله، كان ذلك مالًا تصيبه أو منفعةً تنالها. وإن رأت أنها تأكل لحم جدي، أصابت مالًا قليلًا من جهة صبي. وإن كان في الرؤيا ركوب الجدي أو ذبحه على وجه العبث، كانت الرؤيا من باب التحذير والذم.
للمتزوجة
رؤية الجدي للمتزوجة أوثق اتصالًا بباب الولد والذرية، لأن الرؤيا هنا أقرب إلى ظاهر معناها. فإذا رأت الجدي، كان ذلك راجعًا إلى ولدٍ من أولادها أو إلى أمرٍ يتصل بالصغار في بيتها. فإن جاء الجدي حيًّا، فالأصل أنه دال على الولد من حيث هو ولد. وإن جاء مذبوحًا، دخلت الرؤيا في معنى الشدة والمصيبة في هذا الباب.
وإن رأت أنها تذبح الجدي للأكل، كان ذلك مالًا ومنفعةً تدخل بيتها. وإن كان الذبح لغير اللحم، كان في الرؤيا تحذيرٌ شديدٌ يتعلق بولدٍ لها أو بولدٍ لبعض أهلها. وإن رأت أنها تأكل من لحم الجدي، كان ذلك مالًا قليلًا من صبي. وإن اقترن المنام بفعلٍ من العبث أو الركوب على الوجه المذموم، فهو من باب الإنذار والزجر.
للحامل
الجدي للحامل من أوضح الرموز اتصالًا بمعنى الولد، لأن أصل الرؤيا في هذا الباب قائم على الصبي والذرية. فإذا رأت الجدي، كان ذلك داخلًا في هذا الأصل. فإن كان الجدي على حاله، كان المنام راجعًا إلى جهة الولد من غير انتقالٍ إلى معنى آخر إلا بقرينة.
فإن رأت جديًا مذبوحًا، كانت هذه من الصور الشديدة في هذا الباب، لأن الجدي المذبوح محمول على المصيبة في الولد. وإن رأت أنها تذبحه لتأكله، كان ذلك مالًا ومنفعةً تصيبها. وإن رأت أنها تأكل لحمه، كان ذلك مالًا قليلًا من صبي. وإن ظهر في المنام عبثٌ بالجدي أو ركوب له على وجه مذموم، انصرفت الرؤيا إلى معنى التحذير.
للرجل
إذا رأى الرجل الجدي في المنام، دلّ ذلك في أصل الرؤيا على ولدٍ، أو على أمرٍ يتصل بولدٍ له أو لبعض أهله. فإن رأى جديًا مذبوحًا، كانت الرؤيا داخلة في معنى الشدة في الولد. وإن رأى أنه يذبح الجدي ليأكله، أصاب مالًا، لأن الذبح هنا ذبح منفعة. وإن ذبحه لغير اللحم، عاد المعنى إلى المصيبة في ولدٍ له أو في ولدٍ لبعض أهله.
وإن رأى أنه يأكل لحم جدي، أصاب مالًا قليلًا من صبي. وإن رأى أنه يذبح جديًا أو خروفًا أو يركب أحدهما على الوجه المذكور في التعبير، كانت الرؤيا من باب الذم والتحذير، لأنها تدل على العبث بالصبيان.
أهم الحالات التي تغيّر المعنى
رؤية الجدي مجردًا: تدل على الولد في أصل الرؤيا.
رؤية الجدي مذبوحًا: تدل على شدةٍ ومصيبةٍ في ولد.
رؤية ذبح الجدي للأكل: تدل على مالٍ يصيبه الرائي.
رؤية ذبح الجدي لغير اللحم: تدل على موت ولدٍ له أو ولدٍ لبعض أهله.
رؤية أكل لحم الجدي: تدل على مالٍ قليلٍ من صبي.
رؤية ذبح الجدي أو الخروف أو ركوب أحدهما على وجه العبث: تدل على العبث بالصبيان، وهي من أشد صور التحذير في هذا الباب.
والفرق بين هذه الحالات ليس فرق ألفاظٍ فقط، بل هو فرق معانٍ وأحكام؛ لأن الذبح قد يكون رزقًا إذا كان للأكل، وقد يكون مصيبةً إذا كان لغير اللحم، وقد يكون ذمًّا وتحذيرًا إذا اقترن بالعبث.
المعاني الإيجابية
من المعاني الإيجابية في هذه الرؤيا أن الجدي يدل على الولد، وهذه دلالة أصلية جامعة. ومنها أن ذبحه للأكل يدل على مال، فتصير الرؤيا في هذا الموضع بشارةً بالرزق والمنفعة. ومنها أن أكل لحمه يدل على مالٍ قليل من صبي، فهو وإن كان قليلًا، فإنه داخل في باب النفع لا في باب الضرر.
فهذه الصور الثلاث هي مواضع الخير في هذه الرؤيا:
المعاني التحذيرية
أما المعاني التحذيرية في هذه الرؤيا فأظهرها رؤية الجدي مذبوحًا، لأن ذلك من أقوى ما يدل على الشدة في الولد. ويلي ذلك ذبحه لغير اللحم، لأن هذه الصورة تدل على موت ولدٍ للرائي أو ولدٍ لبعض أهله. ومن أشد ما في هذا الباب أيضًا ما جاء في ذبح الجدي أو الخروف أو ركوب أحدهما على وجه العبث، لأن ذلك يدل على العبث بالصبيان، وهو معنى مذموم شديد.
فمواضع التحذير في هذه الرؤيا ثلاثة:
وكل ذلك خارج عن جهة النفع، داخل في جهة الإنذار والزجر.
الخلاصة
رؤية الجدي في المنام تدور على الولد في أصلها، ثم تختلف باختلاف الصورة والفعل والقصد. فالجدي إذا رؤي مجردًا كان دالًا على الصبي والذرية، وإذا رؤي مذبوحًا دلّ على شدةٍ في ولد، وإذا ذُبح للأكل دلّ على مالٍ يصيبه الرائي، وإذا ذُبح لغير اللحم دلّ على مصيبةٍ تتصل بولدٍ له أو ببعض أهله، وإذا أكل الرائي لحمه أصاب مالًا قليلًا من صبي، وإذا اقترنت الرؤيا بالذبح أو الركوب على وجه العبث كانت من باب التحذير الشديد. فهذه الرؤيا من الرموز التي يتبدل معناها بتبدل القصد، ويظهر فيها الفرق الواضح بين المنفعة والمصيبة والتحذير.
موقع الحياة بالإسلام هو موقع إسلامي، يقدم لكم العديد من المواضيع الاسلامية على منهاج الكتاب و السنة، كما يتضمن بعض قراءات القران الكريم بالرسم العثماني بأصوات اشهر القراء حول العالم
عرض المزيدالتين , سُورَةُ هُودٍ , سُورَةُ الجُمُعَةِ , الكوثر , معيض الحارثي , القارئ سيلمان الشبيبي , القارئ عبدالرحمن الشحات , محمد عبدالحكيم سعيد العبدالله , قراءة يعقوب الحضرمي بروايتي رويس وروح , المصحف المعلم , قالون عن نافع من طريق أبي نشيط , خلف عن حمزة ,
عرض المزيد