
تفسير رؤية الجنة في المنام – ابن سيرين والنابلسي وابن قتيبة
الحكم السريع
رؤية الجنة في المنام من أجلّ الرؤى وأعظمها قدرًا، وهي في أكثر وجوهها دالة على الخير، والسرور، والأمن، وصلاح الدين والدنيا، وبلوغ المنى بعد مشقة، ونيل البركة، ورضا الوالدين، وحسن العاقبة. فمن رأى الجنة ولم يدخلها كانت رؤياه بشارة بخير عمله، وقيل: من رأى الجنة عيانًا نال ما اشتهى وكشف عنه همه. ومن رأى أنه دخلها نال سرورًا وأمنًا في الدارين، ومن رأى أنه يدخلها متبسمًا دل على كثرة ذكره لله تعالى، ومن رأى أنه يدخلها بسيفه دل على أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ونيله النعمة والثناء والثواب.
غير أن هذا الرمز، مع عظم خيره، قد يحمل في بعض صوره معنى التنبيه والتحذير؛ فمن رأى أنه يريد دخول الجنة فمنع منها دل ذلك على المنع من الحج أو الجهاد بعد أن عقدهما في نفسه، أو المنع من التوبة مع الإصرار على الذنب. ومن رأى أنه أُدخل الجنة فلم يدخلها دلت رؤياه على ترك الدين. ومن رأى أبوابها مغلقة دلت الرؤيا على سخط الوالدين أو موت أحدهما أو كليهما بحسب عدد الأبواب المغلقة. فالجنة في المنام رمز جامع، يجمع بين البشارة العظيمة، والتنبيه الشديد، بحسب صورة الرؤيا وما اقترن بها من حال.
الدلالة العامة
الجنة في المنام ليست رمزًا يقتصر على معنى واحد، وإن كان أصلها في التأويل راجعًا إلى الخير والنجاة والنعيم والفرج. فهي من الرؤى التي تتسع دلالتها اتساعًا كبيرًا، لأن الجنة في أصل المعنى دار الجزاء، وموضع الكرامة، ومحل السلامة من الآفات، والفوز بالنعمة، والبلوغ إلى الغاية القصوى. ولهذا كانت رؤيتها في المنام ترجع إلى كل ما يناسب هذه المعاني من سرور، وأمن، ورفعة، وبلوغ مطلوب، وصلاح حال، وكشف كرب، وحسن خاتمة.
فمن رأى الجنة رؤية ظاهرة من غير دخول، كانت الرؤيا بشارة له بخير عمله، لأن مجرد رؤيتها يدل على أن للرائي صلة بمعنى الخير، وأن عمله في أصله متجه إلى وجه محمود. ولهذا قيل أيضًا: من رأى الجنة عيانًا نال ما اشتهى وكشف عنه همه. فالرؤيا هنا لا تدل فقط على ثواب آجل، بل على أثر عاجل يظهر في قضاء حاجة الرائي، وكشف ما به من هم، وتهيئة ما يطلبه من مطلوب.
وأما دخول الجنة فهو أقوى في الدلالة من مجرد رؤيتها، لأنه انتقال من مشاهدة الخير إلى المباشرة التامة له. ولهذا جاء التأويل بأن من رأى أنه دخلها نال سرورًا وأمنًا في الدارين. فالسرور هنا ليس سرورًا محدودًا بباب واحد، بل سرور يجري في الدنيا والآخرة، والأمن ليس أمنًا من شيء بعينه فقط، بل أمن من جهات الخوف والاضطراب، وطمأنينة يرزقها الرائي في حاله ومآله. ولهذا كانت هذه الرؤيا من أعظم رؤى الفرج والطمأنينة.
وقد قيل: من رأى نفسه يدخل الجنة نال مراده بعد احتمال مشقة، لأن الجنة محفوفة بالمكاره. وهذه من أدق دلالات الرؤيا، لأنها تربط بين النعمة والابتلاء، وبين الغاية والشدة السابقة عليها. فالجنة في المنام لا تدل دائمًا على خير يأتي بغير كلفة، بل قد تدل على أن الرائي يظفر بما يطلبه بعد صبرٍ واحتمال ومجاهدة. ومن هنا صار دخولها في بعض الوجوه علامة على بلوغ الغاية بعد عناء، وعلى أن المشقة التي يحتملها الرائي ليست ذهابًا باطلًا، بل طريقًا إلى ما يرجوه من خير.
كما تدل الجنة في المنام على صحبة الأخيار، وحسن المعاشرة، والقيام بفرائض الله تعالى. وهذا لأن الجنة لا تُنال إلا بما يناسبها من الأعمال والأحوال، فإذا ظهرت في المنام كانت دالة في بعض صورها على أن الرائي في طريق الاستقامة، أو أنه يخالط أهل الخير، أو أنه قائم بشيء من الطاعات والفرائض التي تكون سببًا في هذه البشارة. ولهذا لا تنفصل رؤيتها عن باب صلاح الدين والظاهر والباطن.
وتتسع دلالتها أيضًا حتى تشمل الجامع، ومجلس الذكر، وسوق الربح، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعلم، والعمل الصالح، وقد تكون جُنّة يتوقى بها من العدو. وهذه المعاني كلها ترجع إلى كون الجنة في المنام ليست نعيمًا مجردًا فقط، بل رمزًا لكل موضع أو حال أو عمل يُفضي إلى الخير، أو يحفظ الإنسان، أو يرفعه، أو ينفعه في دينه ودنياه. فالجنة من هذه الجهة ليست فقط دار مآل، بل معنى جامع لكل ما فيه أمن ونفع وذكر وطاعة وربح ووقاية.
تفسير ابن سيرين
يجري معنى الجنة عند ابن سيرين على أصل البشارة والنجاة وبلوغ المراد، مع ما يتفرع عن ذلك من صلاح العمل، وكشف الهم، ونيل الأمن، وفتح أبواب الخير بعد المشقة. فمن رأى الجنة ولم يدخلها، كانت رؤياه بشارة له بخير عمله، لأن رؤية الجنة في ذاتها تدل على أن للرائي نصيبًا من الصلاح أو من حسن التوجه، وأن ما يقوم به من عمل ليس ضائعًا. وإذا رآها عيانًا، نال ما يشتهيه وكُشف عنه همه، لأن الجنة في المنام لا تُرى إلا على وجهٍ يليق بما فيها من تفريج الكرب وتحقيق المنى.
وأما دخولها، فهو عند ابن سيرين من أقوى وجوه الرؤيا في الدلالة على السرور والأمن في الدارين. فإذا دخلها الرائي، كان في ذلك دليل على أن الله يفتح له بابًا من الطمأنينة لا يقف عند حدود الدنيا وحدها، بل يمتد أثره إلى ما يرجوه في آخرته أيضًا. ولهذا كانت هذه الرؤيا من دلائل اجتماع الخيرين: خير الحال في الدنيا، وخير العاقبة في الآخرة.
ويدخل في هذا الباب معنى نيل المراد بعد احتمال المشقة، لأن الجنة محفوفة بالمكاره. فليست الرؤيا دالة دائمًا على خير يأتي بغير سبب أو بغير صبر، بل قد تكون إشارة إلى أن الرائي على طريقٍ فيه مشقة، غير أن مآله إلى خير. ومن هنا كانت رؤيا دخول الجنة عند ابن سيرين مرتبطة في بعض صورها بالصبر على الطاعة، واحتمال ما يلقاه الإنسان من كلفة في سبيل الاستقامة، ثم ينفتح له بعد ذلك باب النعمة والقبول.
وإذا رأى الرائي أنه دخل الجنة متبسمًا، دل ذلك على كثرة ذكره لله تعالى. وهذه صورة فيها انتقال من معنى الجنة العام إلى معنى عبادة بعينها، وهي الذكر، لأن التبسم في هذا الموضع علامة على صفاء القلب ورضاه واستقراره في باب الطاعة، فناسب أن يكون التأويل متعلقًا بكثرة الذكر وما يورثه من طمأنينة وبشارة.
وإذا رأى أنه سل سيفًا ودخل الجنة، دل ذلك على أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وينال نعمة وثناء وثوابًا. وهذه من الصور التي تربط الرؤيا بالجهاد المعنوي وإقامة الحق، لأن السيف هنا ليس رمز بطش مجرد، بل رمز لإظهار الحق ودفع الباطل. فصار دخوله الجنة بالسيف علامة على أن الرائي ممن يقوم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيترتب له على ذلك النعمة في الدنيا، والثناء بين الناس، والثواب في الآخرة.
وأما إذا رأى أنه أُدخل الجنة، فقد قرب أجله، وقيل: إن صاحب هذه الرؤيا يتعظ ويتوب من الذنوب على يد من أدخله الجنة. فهذه من أخص صور الرؤيا وأشدها، لأنها تنقل معنى الجنة من باب البشارة العامة إلى باب التحول الحاسم في حياة الرائي، إما من جهة قرب الأجل، وإما من جهة التوبة والهداية على يد من كان سببًا في إدخاله. وإذا رأى أنه أُدخل الجنة فلم يدخلها، دلت الرؤيا على ترك الدين، لأن باب الجنة قد فُتح له في الصورة، لكنه لم يباشر الدخول، فكان ذلك علامة على ضياع السبب مع ظهوره، وعلى التفريط فيما يوجب النجاة.
تفسير النابلسي
النابلسي يقرر في الجنة معانيها على وجه مفصل واسع، فيجعل رؤيتها من أعظم البشائر، ويعدد ما يتصل بها من دلالات الثمار، والأنهار، والأبواب، والقصور، والحور، والملائكة، ورضوان خازن الجنة، ودار السلام وما فيها من نعم. فهو لا يرد الجنة إلى معنى واحد، بل يجعلها بابًا عظيمًا تتفرع منه معانٍ كثيرة، كلها راجعة إلى الخير أو التحذير بحسب ما يظهر للرائي منها.
فمن رأى الجنة ولم يدخلها، كانت الرؤيا بشارة بخير عمله، وقيل: نال ما اشتهى وكشف عنه همه إذا رآها عيانًا. ومن رأى أنه دخلها، نال سرورًا وأمنًا في الدارين. وهذا أصل الباب عند النابلسي. ثم يزيده بيانًا بقوله: من رأى نفسه يدخل الجنة نال مراده بعد احتمال مشقة، لأن الجنة محفوفة بالمكاره. فصار الدخول علامة على بلوغ الغاية بعد تعب، لا على مجرد حصول الخير بغير كلفة.
ثم يربط النابلسي بين الجنة ووجوه من الطاعة الظاهرة، فإذا دخلها الرائي متبسمًا كان كثير الذكر لله تعالى، وإذا دخلها بسيفه كان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، ونال نعمة وثناء وثوابًا. وهذا يبين أن صورة الدخول نفسها قد تتبدل بها جهة التأويل، فتارة تكون في الذكر، وتارة تكون في إقامة الحق، بحسب ما يقترن بها من هيئة.
وأما من رأى أنه يريد دخول الجنة فمنع منها، فإن هذه الرؤيا تدل على المنع من الحج أو الجهاد بعد أن يكون الرائي قد قررهما في نفسه، أو تدل على المنع من التوبة من ذنبٍ هو عليه مصر. وهذه صورة شديدة في التحذير، لأنها تدل على أن الرائي يرى الخير ويقصده، لكن بينه وبينه مانع من إصرار أو تفريط أو عائق لم يتخلص منه. فالرؤيا هنا ليست نفيًا للخير في أصله، بل تنبيه إلى ما يمنع الوصول إليه.
ويتصل بهذا الباب ما يراه الرائي من أبواب الجنة. فإذا رأى بابًا من أبوابها أغلق أمامه مات أحد أبويه، وإذا رأى بابين أغلقا مات أبواه. وإذا رأى جميع الأبواب أغلقت أمامه ولا تفتح له، فإن أبويه ساخطان عليه. أما إذا دخلها من أي باب شاء، فإن أبويه راضيان عنه. وهذه من أدق مواضع التأويل في الجنة، لأنها تربط بين أبوابها وبين رضى الوالدين أو فقدهما، وتكشف أن بر الوالدين من أعظم أسباب الفتح في هذا الباب.
ثم يذكر النابلسي دلالات الثمار والأنهار، فيجعل الأكل من ثمار الجنة دليلًا على رزق العلم بقدر ما أكل. ويجعل الشرب من مائها وخمرها ولبنها دليلًا على الحكمة والعلم والغنى. ويفصل في معاني الأنهار: فنهر الماء يدل على الرزق الحلال، ونهر اللبن يدل على الفطرة السليمة والدين الحق، ونهر الخمر يدل على السكر من حب الله تعالى وبغض محارمه، ونهر العسل يدل على العلم والقرآن والعمل بهما. وهذه المعاني من أرقى ما ورد في هذا الباب، لأنها تنقل نعم الجنة من ظاهر النعيم إلى معاني الدين والعلم والفطرة واليقين.
وأما ماء الكوثر، فمن شرب منه نال رئاسة وظفرًا على العدو، وقيل: نال علمًا وعملًا ويقينًا حسنًا واتباعًا للسنة، وإن كان كافرًا أسلم، أو عاصيًا تاب، أو مبتدعًا رجع إلى السنة، أو انتقل من زوجة فاجرة إلى زوجة صالحة، أو من كسب حرام إلى كسب حلال. فهذه من أعظم صور الرؤيا في باب التحول والصلاح، لأنها تجعل الكوثر رمزًا جامعًا للرئاسة الدينية والدنيوية، وللتحول من حال الفساد إلى حال الصلاح.
كما يذكر النابلسي شجرة طوبى، فمن رأى أنه جالس تحتها نال خير الدارين، وقد تدل على النفع من الأصحاب وأرباب الجاه. ومن رأى أنه في رياض الجنة رزق الإخلاص وكمال الدين. ومن رأى أنه منع من ثمارها دل على فساد دينه. ومن رأى أنه التقط من ثمارها وأطعم غيره أفاد غيره علمًا يعمل به وينتفع. وكل هذه الصور تزيد الرمز إشراقًا وعمقًا، لأنها تربط الجنة بالإخلاص، والعلم، والنفع المتعدي، وكمال الدين.
ثم يذكر النابلسي ما في الجنة من قصور وحور وولدان ورضوان والملائكة. فمن رأى أنه في قصر من قصورها نال رئاسة، وتزوج امرأة جميلة. ومن رأى أنه يتوج فتاة من فتيات الجنة نال مملكة ونعمة. ومن رأى رضوان خازن الجنة نال سرورًا ونعمة وطيب عيش وسلم من البلاء، وربما دل على إنجاز الوعد وإجابة الدعاء. ومن رأى الملائكة يدخلون عليه ويسلمون عليه في الجنة، فإنه يصير إلى وضع يصل به إلى الجنة ويختم له بخير. فهذه من أتم البشارات، لأنها تربط الرؤيا بحسن الخاتمة والنعمة والقبول والسلامة من البلاء.
تفسير ابن قتيبة
يجري معنى الجنة عند ابن قتيبة على أصل الخير الكامل وما يتفرع عنه من السرور، والأمن، والرفعة، وتمام الدين، وسعة الرزق، وحسن العاقبة، مع ما يقابل ذلك من صور المنع والإغلاق والطرد التي تدل على التفريط أو ضعف الحال أو سخط الوالدين أو فساد الدين. فالجنة عنده رمز جامع لكل ما يليق بالنعيم إذا حضر، ولكل ما يليق بالتحذير إذا ظهر المنع منها أو الطرد عنها أو الإغلاق في أبوابها.
فإذا كانت الرؤيا في دخول الجنة، كان المعنى في السرور والأمن وبلوغ المراد بعد المشقة. وإذا كانت في رؤية ثمارها وأنهارها، كان المعنى في العلم، والحكمة، والغنى، والفطرة، وحب الله، والقرآن، والعمل الصالح. وإذا كانت في شجرة طوبى أو رياض الجنة، كان المعنى في خير الدارين، أو الإخلاص وكمال الدين. وإذا كانت في القصور والحور، كان المعنى في الرئاسة والنعمة والزواج الحسن. وإذا كانت في رؤية رضوان أو سلام الملائكة، كان المعنى في السرور، والقبول، وحسن الخاتمة.
وأما إذا كانت الرؤيا في المنع من دخول الجنة، أو المنع من ثمارها، أو في إغلاق أبوابها، أو في إدخال الرائي إليها ثم امتناعه عن الدخول، انتقل المعنى إلى باب التحذير، فكان في المنع من التوبة أو من الطاعات العظيمة، أو في فساد الدين، أو في سخط الوالدين، أو في آثار ذلك من الحرمان المعنوي. وعلى هذا تكون الجنة عند ابن قتيبة رمزًا لما يُفتح للعبد من أبواب الخير، فإذا رأى الفتح كان في البشارة، وإذا رأى الإغلاق أو المنع كان في التنبيه الشديد.
دقائق تغيّر المعنى
يتغير معنى الجنة في المنام بحسب صورة الرؤيا وهيئتها. فمجرد رؤيتها من غير دخول يختلف عن الدخول إليها، والدخول يختلف عن الدخول متبسمًا أو بسيف، والشرب من أنهارها يختلف عن الأكل من ثمارها، ورؤية الأبواب تختلف عن رؤية القصور أو رياض الجنة أو رضوان أو الملائكة. ولهذا كانت الجنة من أكثر الرموز احتياجًا إلى ضبط التفصيل.
فمن رأى الجنة فقط، كانت الرؤيا في خير عمله أو في نيل ما يشتهي وكشف همه. ومن دخلها، نال السرور والأمن. ومن دخلها متبسمًا، دل على كثرة ذكره. ومن دخلها بسيفه، كان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر. ومن أُدخلها، فقد قرب أجله، أو تاب واتعظ على يد من أدخله. ومن أُدخلها فلم يدخلها، دل على ترك الدين. فالفارق بين هذه الصور ليس في الجنة نفسها، بل في موقف الرائي منها وطريقة دخوله أو امتناعه.
ويتغير المعنى أيضًا بحسب ما يأخذه الرائي من الجنة أو يتعامل معه. فالأكل من الثمار علم، والشرب من الأنهار حكمة وعلم وغنى، ولكل نهر معنى مخصوص. والجلوس تحت طوبى خير الدارين، والوجود في رياضها إخلاص وكمال دين، والمنع من ثمارها فساد في الدين، والتقاطها وإطعامها للغير نفع الغير بعلمٍ ينتفعون به. فالمعنى هنا يختلف باختلاف نوع النعمة وطريقة الانتفاع بها.
كما تتغير الرؤيا بمعنى الأبواب، لأنها قد تدل على الوالدين رضًا أو سخطًا أو موتًا، وبالقصور والحور، لأنها قد تدل على الرئاسة أو الزواج أو النعمة، وبرضوان والملائكة، لأنهما يدلان على السرور والقبول وحسن الخاتمة. فليس في الجنة شيء يظهر في المنام إلا وله جهة خاصة من التأويل، وكلها راجعة إلى ما في الشيء نفسه من معنى ديني أو نعيمي أو رمزي.
حالات الرؤيا التفصيلية
من رأى الجنة ولم يدخلها، دلت رؤياه على خير عمله، وقيل: نال ما اشتهى وكشف عنه همه. وهذه من الرؤى المحمودة، لأنها تدل على أصل القبول والبشارة، وإن لم يبلغ الرائي مباشرة الدخول في صورة المنام.
ومن رأى أنه يريد أن يدخل الجنة فمنع، دلت الرؤيا على أنه يُمنع من الحج أو الجهاد بعد أن عقدهما في نفسه، أو يُمنع من التوبة من ذنب هو عليه مصر. وهذه من أشد صور التحذير، لأنها تدل على وجود مانع في داخل الرائي أو في عمله يمنعه من بلوغ الخير.
ومن رأى أنه دخل الجنة، نال سرورًا وأمنًا في الدارين، ونال مراده بعد احتمال مشقة. وإن دخلها متبسمًا، كان كثير الذكر لله تعالى. وإن دخلها بسيفه، كان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، ونال نعمة وثناء وثوابًا.
ومن رأى أنه أُدخل الجنة، فقد قرب أجله، وقيل: يتوب ويتعظ على يد من أدخله. فإن رأى أنه أُدخلها فلم يدخلها، دلت الرؤيا على ترك الدين. ومن رأى أنه طرد من الجنة، افتقر، لقصة آدم عليه السلام.
ومن رأى بابًا من أبواب الجنة أغلق أمامه، مات أحد أبويه. وإن رأى بابين أُغلقا، مات أبواه. وإن رأى جميع الأبواب أُغلقت أمامه ولا تفتح له، فإن أبويه ساخطان عليه. وإن دخلها من أي باب شاء، فإن أبويه راضيان عنه.
ومن رأى أنه أكل من ثمار الجنة، رزق علمًا بقدر ما أكل. وإن شرب من مائها أو خمرها أو لبنها، نال حكمة وعلمًا وغنى. وإن شرب من ماء الكوثر، نال رئاسة وظفرًا على العدو، وقيل: نال علمًا وعملًا ويقينًا حسنًا واتباعًا للسنة، وتحول من حال فساد إلى حال صلاح على حسب حاله.
ومن رأى أنه جالس تحت شجرة طوبى، نال خير الدارين. ومن رأى أنه في رياض الجنة، رزق الإخلاص وكمال الدين. ومن رأى أنه منع من ثمار الجنة، دل على فساد دينه. ومن رأى أنه التقط الثمار منها وأطعمها غيره، أفاد غيره علمًا يعمل به وينتفع.
ومن رأى أنه في قصر من قصور الجنة، نال رئاسة، وتزوج امرأة جميلة. ومن رأى أنه يتوج فتاة من فتيات الجنة، نال مملكة ونعمة. ومن رأى رضوان خازن الجنة، نال سرورًا ونعمة وطيب عيش وسلم من البلاء. ومن رأى الملائكة يدخلون عليه ويسلمون عليه في الجنة، صار إلى وضع يصل به إلى الجنة، ويختم له بخير.
ومن رأى أنه متكئ على فراش الجنة، دل ذلك على عفة امرأته وصلاحها. ومن رأى أنه يطوف في الجنة، دل ذلك على سعة رزقه وعلو شأنه والأمن من الخوف. وإن كان مهمومًا فرج عنه، وإن كان أعزب تزوج. وإن دخلها وهو مريض، سلم من مرضه. وإن دخلها ومعه سيفه أو لامة حربه، مات شهيدًا. وإن دخلها وكانت معه زوجته، دل على معاشرتها في الدنيا بالمعروف. وإن دخلها ذاكرًا أو مسبحًا، نالها بتهجده وتسبيحه وتقديسه. وإن دخلها من باب الريان، نالها بصيامه.
التفسير حسب الحالة:
عزباء
إذا رأت العزباء الجنة في المنام، فإن الرؤيا في حقها من الرؤى العظيمة المحمودة، لأنها تدل على الخير، والبركة، وبلوغ ما ترجوه، وصلاح حالها في دينها ودنياها. فإن رأت الجنة عيانًا ولم تدخلها، دلت رؤياها على خير عملها، وعلى أن ما تتمناه يتهيأ لها، ويكشف عنها ما بها من هم أو ضيق. وإن رأت أنها دخلت الجنة، كان ذلك أدل على السرور والأمن وبلوغ المراد بعد مشقة. وإذا دخلتها من أي باب شاءت، دل ذلك على رضا والديها عنها، وهذا من أعظم وجوه الخير في الرؤيا.
وإن رأت أنها تأكل من ثمار الجنة، رزقت علمًا أو نفعًا بقدر ما رأت من الأكل. وإن شربت من أنهارها، دلت الرؤيا على الحكمة والعلم والرزق الحسن. وإن رأت أنها في قصر من قصورها، حملت الرؤيا على الرفعة والنعمة. وإن رأت أنها في رياض الجنة، دل ذلك على الإخلاص وكمال الدين. فالرؤيا في حقها تدور على الفتح، والبشارة، والنفع، وبلوغ الخير. وأما إن رأت أنها تريد دخول الجنة فمنعت، أو رأت أبوابها مغلقة، فذلك تنبيه شديد إلى مراجعة حالها مع الطاعة أو مع والديها، لأن هذا الباب من أشد أبواب التنبيه في الرمز.
متزوجة
ورؤية الجنة للمتزوجة تجري على المعاني الثابتة نفسها، وتزداد في حقها اتصالًا بصلاح الحال، وحسن المعاشرة، وبركة البيت، ورضا الوالدين، وحسن الدين. فإذا رأت أنها دخلت الجنة، دلت الرؤيا على سرور وأمن ونعمة في الدارين، وعلى أن أمرها يفتح بعد كلفة، وأن خيرًا يجتمع لها بعد تفرق. وإذا رأت نفسها متكئة على فراش الجنة، دل ذلك على عفتها وصلاحها أو على صلاح زوجها وحسن معاشرته لها، لأن الفراش في هذا الموضع يدل على السكينة والطهارة واستقامة الحال.
وإن رأت أنها تدخل الجنة ومع زوجها، دل ذلك على معاشرتها له في الدنيا بالمعروف، وعلى حسن العشرة بينهما. وإن رأت ثمار الجنة أو أنهارها، كان في ذلك دلالة على رزق العلم، والحكمة، والغنى، والبركة. وإن رأت أبواب الجنة مفتوحة لها، أو دخلتها من أي باب شاءت، كان في ذلك معنى رضا والديها عنها. وإن رأت الأبواب مغلقة أو مُنعت من الثمار، حملت الرؤيا على ما فيها من تنبيه إلى فساد في بعض الشأن أو إلى سخط الوالدين أو ضعف الصلة بالطاعة.
حامل
وإذا رأت الحامل الجنة في المنام، فالرؤيا في حقها من الرؤى المحمودة العظيمة، لأنها تدل على السرور، والأمن، والبركة، وتمام الخير بعد مشقة، وعلى أن ما تلقاه من تعب أو انتظار لا يذهب سدى، بل يكون طريقًا إلى راحة ونعمة. فإن رأت الجنة ولم تدخلها، كانت رؤياها بشارة بخير عملها وبما يرجى لها من خير. وإن رأت أنها دخلتها، كان ذلك أدل على الأمن والسرور والنجاة من الشدة إلى اليسر.
وإن رأت نفسها في رياض الجنة، أو تحت شجرة طوبى، أو تشرب من أنهار الجنة، دلت الرؤيا على الإخلاص، وكمال الدين، والحكمة، والعلم، والغنى، والخير في الحال والمآل. وإن رأت الملائكة يدخلون عليها ويسلمون عليها في الجنة، كان ذلك من أقوى وجوه البشارة بحسن العاقبة وسلامة المآل. وتبقى الرؤيا في حقها جارية على الأصول الثابتة نفسها: خير، وطمأنينة، وبركة، وأمن، ما لم يظهر فيها منع أو إغلاق أو طرد، فإن ذلك يكون من باب التنبيه لا من باب قطع الخير.
رجل
وإذا رأى الرجل الجنة في المنام، حملت رؤياه على ما فيها من الخير العظيم، والصلاح، والنصرة، والسرور، والرفعة، بحسب ما يظهر في المنام من تفاصيلها. فإن رأى الجنة ولم يدخلها، كانت رؤياه بشارة بخير عمله، أو بنيل ما يشتهيه وكشف همه. وإن رأى أنه دخلها، نال سرورًا وأمنًا في الدارين، وبلغ مراده بعد احتمال مشقة. وإن دخلها متبسمًا، كان كثير الذكر لله. وإن دخلها بسيفه، كان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، ونال نعمة وثناء وثوابًا.
وإن رأى أنه في قصر من قصور الجنة، نال رئاسة، وتزوج امرأة جميلة. وإن شرب من ماء الكوثر، نال رئاسة وظفرًا على العدو، وعلمًا وعملًا ويقينًا حسنًا. وإن رأى رضوان خازن الجنة، نال سرورًا ونعمة وطيب عيش وسلم من البلاء. وإن رأى الملائكة يدخلون عليه ويسلمون عليه في الجنة، كانت الرؤيا دالة على حسن الخاتمة. وإن كان أعزبًا ودخل الجنة، لم يبعد أن تكون الرؤيا في باب الزواج الحسن أو النعمة الظاهرة. وإن دخلها من باب الريان، كانت الرؤيا في باب الصيام. وإن دخلها بسيفه أو لامة حربه، دخلت الرؤيا في معنى الشهادة. وأما إن مُنع من دخولها أو أُغلق بابها في وجهه، فذلك من باب التحذير من الإصرار على الذنب أو من فساد الحال أو سخط الوالدين.
المعاني الإيجابية
من أعظم المعاني المحمودة في رؤية الجنة: السرور والأمن في الدارين، وبلوغ المراد بعد المشقة، وخير العمل، وكشف الهم، والبركة، وصلاح الدين، والإخلاص، وكمال الدين، ورضا الوالدين، والعلم، والحكمة، والغنى، والرئاسة، والنعمة، وطيب العيش، وسلامة العاقبة، وحسن الخاتمة، والنجاة من البلاء، والظفر على العدو، والزواج الجميل، وحسن المعاشرة، وسعة الرزق، والأمن من الخوف. وكل هذه الوجوه ثابتة في الرؤيا بحسب صورها المختلفة، ولهذا كانت رؤية الجنة من أجلّ الرؤى وأعلاها منزلة في باب البشارة.
المعاني التحذيرية
ومن المعاني التحذيرية في هذا الرمز: أن يرى الرائي أنه يريد دخول الجنة فمنع منها، فإن ذلك يدل على المنع من الحج أو الجهاد أو من التوبة مع الإصرار على الذنب. ومن رأى أنه أُدخلها فلم يدخلها، دل ذلك على ترك الدين. ومن رأى أنه مُنع من ثمارها، دل على فساد دينه. ومن رأى بابًا أو بابين من أبوابها أُغلقا، كان في ذلك معنى فقد أحد الوالدين أو كليهما. ومن رأى جميع الأبواب مغلقة ولا تفتح له، فإن أبويه ساخطان عليه. ومن رأى أنه طُرد من الجنة، افتقر. فهذه صور تنبه الرائي إلى أن الجنة في المنام لا تأتي دائمًا في باب البشارة فقط، بل قد تأتي أيضًا في باب التحذير من التفريط والحرمان المعنوي والديني.
الخلاصة
تفسير رؤية الجنة في المنام يدور على أصول عظيمة ثابتة: فهي بشارة بخير العمل، وكشف الهم، ونيل ما يشتهيه الرائي، والسرور، والأمن، وبلوغ المراد بعد المشقة، وحسن العاقبة. ودخولها يدل على خير الدنيا والآخرة، ودخولها متبسمًا يدل على كثرة الذكر، ودخولها بالسيف يدل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والأكل من ثمارها علم، والشرب من أنهارها حكمة وعلم وغنى، وشجرة طوبى خير الدارين، ورياضها إخلاص وكمال دين، وقصورها رئاسة ونعمة، ورضوان فيها سرور وطيب عيش وسلامة من البلاء، وسلام الملائكة فيها علامة على حسن الخاتمة.
وفي مقابل ذلك، فإن المنع من دخولها، أو المنع من ثمارها، أو إغلاق أبوابها، أو الطرد منها، يدل على ترك الدين، أو الإصرار على الذنب، أو فساد الحال، أو سخط الوالدين، أو الفقر. فالجنة في المنام ليست رمزًا بسيطًا، بل هي رمز جامع لبشارات الخير كلها تقريبًا، ويقابلها في بعض صورها تنبيه شديد على ما يمنع العبد من أبواب الخير أو يحجبه عنها. وعلى هذا يستقيم تأويل رؤية الجنة، وبه ينضبط معناها على الوجه التراثي الصحيح.
موقع الحياة بالإسلام هو موقع إسلامي، يقدم لكم العديد من المواضيع الاسلامية على منهاج الكتاب و السنة، كما يتضمن بعض قراءات القران الكريم بالرسم العثماني بأصوات اشهر القراء حول العالم
عرض المزيدالتين , سُورَةُ هُودٍ , سُورَةُ الجُمُعَةِ , الكوثر , معيض الحارثي , القارئ سيلمان الشبيبي , القارئ عبدالرحمن الشحات , محمد عبدالحكيم سعيد العبدالله , قراءة يعقوب الحضرمي بروايتي رويس وروح , المصحف المعلم , قالون عن نافع من طريق أبي نشيط , خلف عن حمزة ,
عرض المزيد