الأربعاء، ٢١ يناير ٢٠٢٦
الأربعاء، ٢١ يناير ٢٠٢٦
facebookinstagramtwitter

عرض بالصفحات

Basmala
سُورَةُ المَائـِدَةِ
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ  ١٠٤يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ  ١٠٥يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَٰدَةُ بَيۡنِكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ حِينَ ٱلۡوَصِيَّةِ ٱثۡنَانِ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ أَوۡ ءَاخَرَانِ مِنۡ غَيۡرِكُمۡ إِنۡ أَنتُمۡ ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةُ ٱلۡمَوۡتِۚ تَحۡبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعۡدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ لَا نَشۡتَرِي بِهِۦ ثَمَنٗا وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰ وَلَا نَكۡتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡأٓثِمِينَ  ١٠٦فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَيَٰنِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَيۡنَآ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ  ١٠٧ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِٱلشَّهَٰدَةِ عَلَىٰ وَجۡهِهَآ أَوۡ يَخَافُوٓاْ أَن تُرَدَّ أَيۡمَٰنُۢ بَعۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡمَعُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ  ١٠٨
تفسير سُورَةُ المَائـِدَةِ
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ  ١٠٤
التفسير الميسروإذا قيل لهؤلاء الكفار المحرِّمين ما أحل الله: تعالوا إلى تنزيل الله وإلى رسوله ليتبين لكم الحلال والحرام، قالوا: يكفينا ما ورثناه عن آبائنا من قول وعمل، أيقولون ذلك ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا أي: لا يفهمون حقًّا ولا يعرفونه، ولا يهتدون إليه؟ فكيف يتبعونهم، والحالة هذه؟ فإنه لا يتبعهم إلا من هو أجهل منهم وأضل سبيلا.
تفسير السعديفإذا دعوا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ أعرضوا فلم يقبلوا، و قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا من الدين، ولو كان غير سديد، ولا دينًا ينجي من عذاب الله. ولو كان في آبائهم كفاية ومعرفة ودراية لهان الأمر. ولكن آباءهم لا يعقلون شيئا، أي: ليس عندهم من المعقول شيء، ولا من العلم والهدى شيء. فتبا لمن قلد من لا علم عنده صحيح، ولا عقل رجيح، وترك اتباع ما أنزل الله، واتباع رسله الذي يملأ القلوب علما وإيمانا, وهدى, وإيقانا.
تفسير ابن كثير( وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ) أي : إذا دعوا إلى دين الله وشرعه وما أوجبه وترك ما حرمه ، قالوا : يكفينا ما وجدنا عليه الآباء والأجداد من الطرائق والمسالك ، قال الله تعالى ( أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ) أي : لا يفهمون حقا ، ولا يعرفونه ، ولا يهتدون إليه ، فكيف يتبعونهم والحالة هذه؟ لا يتبعهم إلا من هو أجهل منهم ، وأضل سبيلا .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدونقوله تعالى : وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا الآية . تقدم معناها والكلام عليها في " البقرة " فلا معنى لإعادتها .قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملونفيه أربع مسائل :الأولى : قال علماؤنا : وجه اتصال هذه الآية بما قبلها التحذير مما يجب أن يحذر منه ، وهو حال من تقدمت صفته ممن ركن في دينه إلى تقليد آبائه وأسلافه ، وظاهر هذه الآية يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس القيام به بواجب إذا استقام الإنسان ، وأنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره ، لولا ما ورد من تفسيرها في السنة وأقاول الصحابة والتابعين على ما نذكره بحول الله تعالى .الثانية : قوله تعالى : عليكم أنفسكم معناه احفظوا أنفسكم من المعاصي ; تقول عليك زيدا بمعنى الزم زيدا ; ولا يجوز عليه زيدا ، بل إنما يجري هذا في المخاطبة في ثلاثة ألفاظ ; عليك زيدا أي : خذ زيدا ، وعندك عمرا أي : حضرك ، ودونك زيدا أي : قرب منك ; وأنشد :يا أيها المائح دلوي دونكا إني رأيت الناس يحمدونكاوأما قوله : عليه رجلا ليسني ، فشاذ .الثالثة : روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن قيس قال : خطبنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال : إنكم تقرءون هذه الآية وتتأولونها على غير تأويلها يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح ; قال إسحاق بن إبراهيم سمعت عمرو بن علي يقول : سمعت وكيعا يقول : لا يصح عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا حديث واحد ، قلت : ولا إسماعيل عن قيس ، قال : إن إسماعيل روى عن قيس موقوفا . قال النقاش : وهذا إفراط من وكيع ; رواه شعبة عن سفيان وإسحاق عن إسماعيل مرفوعا ; وروى أبو داود والترمذي وغيرهما عن أبي أمية الشعباني قال : أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له : كيف تصنع بهذه الآية ؟ فقال : أية آية ؟ قلت : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم قال : أما والله لقد سألت عنها خبيرا ، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة فإن من ورائكم أياما ، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر ، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم ، وفي رواية قيل : يا رسول الله أجر خمسين منا أو منهم ؟ قال : بل أجر خمسين منكم . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب . قال ابن عبد البر قوله : ( بل منكم ) هذه اللفظة قد سكت عنها بعض الرواة فلم يذكرها ، وقد تقدم ، وروى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به هلك ثم يأتي زمان من عمل منهم بعشر ما أمر به نجا قال : هذا حديث غريب ، وروي عن ابن مسعود أنه قال : ليس هذا بزمان هذه الآية ; قولوا الحق ما قبل منكم ، فإذا رد عليكم فعليكم أنفسكم ، وقيل لابن عمر في بعض أوقات الفتن : لو تركت القول في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه ؟ فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا : ليبلغ الشاهد الغائب ونحن شهدنا فيلزمنا أن نبلغكم ، وسيأتي زمان إذا قيل فيه الحق لم يقبل . في رواية عن ابن عمر بعد قوله : ليبلغ الشاهد الغائب فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب ، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم ، وقالابن المبارك قوله تعالى : عليكم أنفسكم خطاب لجميع المؤمنين ، أي : عليكم أهل دينكم ; كقوله تعالى : ولا تقتلوا أنفسكم فكأنه قال : ليأمر بعضكم بعضا ; ولينه بعضكم بعضا ، فهو دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا يضركم ضلال المشركين والمنافقين وأهل الكتاب ; وهذا لأن الأمر بالمعروف يجري مع المسلمين من أهل العصيان كما تقدم ; وروي معنى هذا عن سعيد بن جبير وقال سعيد بن المسيب : معنى الآية لا يضركم من ضل إذا اهتديتم بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقال ابن خويز منداد : تضمنت الآية اشتغال الإنسان بخاصة نفسه ، وتركه التعرض لمعائب الناس ، والبحث عن أحوالهم فإنهم لا يسألون عن حاله فلا يسأل عن حالهم وهذا كقوله تعالى : كل نفس بما كسبت رهينة ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : كن جليس بيتك وعليك بخاصة نفسك ، ويجوز أن يكون أريد به الزمان الذي يتعذر فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ; فينكر بقلبه ، ويشتغل بإصلاح نفسه .قلت : قد جاء حديث غريب رواه ابن لهيعة : قال حدثنا بكر بن سوادة الجذامي عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا كان رأس مائتين فلا تأمر بمعروف ولا تنه عن منكر وعليك بخاصة نفسك . قال علماؤنا : إنما قال عليه السلام ذلك لتغير الزمان ، وفساد الأحوال ، وقلة المعينين ، وقال جابر بن زيد : معنى الآية : يا أيها الذين آمنوا من أبناء أولئك الذين بحروا البحيرة وسيبوا السوائب ; عليكم أنفسكم في الاستقامة على الدين ، لا يضركم ضلال الأسلاف إذا اهتديتم ; قال : وكان الرجل إذا أسلم قال له الكفار سفهت آباءك وضللتهم وفعلت وفعلت ; فأنزل الله الآية بسبب ذلك وقيل : الآية في أهل الأهواء الذين لا ينفعهم الوعظ ; فإذا علمت من قوم أنهم لا يقبلون ، بل يستخفون ويظهرون فاسكت عنهم ، وقيل : نزلت في الأسارى الذين عذبهم المشركون حتى ارتد بعضهم ، فقيل لمن بقي على الإسلام : عليكم أنفسكم لا يضركم ارتداد أصحابكم ، وقال سعيد بن جبير : هي في أهل الكتاب - وقال مجاهد : في اليهود والنصارى ومن كان مثلهم ; يذهبان إلى أن المعنى لا يضركم كفر أهل الكتاب إذا أدوا الجزية ، وقيل : هي منسوخة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ; قاله المهدوي . قال ابن عطية : وهذا ضعيف ولا يعلم قائله .قلت : قد جاء عن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه قال : ليس في كتاب الله تعالى آية جمعت الناسخ والمنسوخ غير هذه الآية . قال غيره : الناسخ منها قوله : إذا اهتديتم والهدى هنا هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والله أعلم .الرابعة : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متعين متى رجي القبول ، أو رجي رد الظالم ولو بعنف ، ما لم يخف الآمر ضررا يلحقه في خاصته ، أو فتنة يدخلها على المسلمين ; إما بشق عصا ، وإما بضرر يلحق طائفة من الناس ; فإذا خيف هذا ف عليكم أنفسكم محكم واجب أن يوقف عنده ، ولا يشترط في الناهي أن يكون عدلا كما تقدم ; وعلى هذا جماعة أهل العلم فاعلمه .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (104)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء الذين يبحرون البحائر ويسيِّبون السوائب؟ الذين لا يعقلون أنهم بإضافتهم تحريم ذلك إلى الله تعالى ذكره يفترون على الله الكذب: تعالوا إلى تنزيل الله وآي كتابه وإلى رسوله, ليتبين لكم كذبُ قيلكم فيم تضيفونه إلى الله تعالى ذكره من تحريمكم ما تحرِّمون من هذه الأشياء (1) = أجابوا من دعاهم إلى ذلك بأن يقولوا: حسبنا ما وجدنا عليه من قبلنا آباءَنا يعملون به, ويقولون: " نحن لهم تبع وهم لنا أئمة وقادة, وقد اكتفينا بما أخذنا عنهم، ورضينا بما كانوا عليه من تحريم وتحليل ". (2) قال الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أوَ لو كان آباء هؤلاء القائلين هذه المقالة لا يعلمون شيئًا؟ يقول: لم يكونوا يعلمون أنّ ما يضيفونه إلى الله تعالى ذكره من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، كذبٌ وفريةٌ على الله, لا حقيقة لذلك ولا صحة، لأنهم كانوا أتباع المفترين الذين ابتدءوا تحريم ذلك، افتراءً على الله بقيلهم ما كانوا يقولون من إضافتهم إلى الله تعالى ذكره ما يضيفون = ولا كانوا فيما هم به عاملون من ذلك على استقامة وصواب, (3) بل كانوا على ضلالة وخطأ.-------------------الهوامش :(1) انظر تفسير"تعالوا" فيما سلف 6: 474 ، 483 ، 485/8: 513.(2) انظر تفسير"حسب" فيما سلف 4: 244/7: 405.(3) في المطبوعة: "ما كانوا فيما هم به عاملون" ، وفي المخطوطة: "كانوا" بغير"ما" ، والسياق يقتضي ما أثبت ، لأنه معطوف على قوله آنفاً: "يقول: لم يكونوا يعلمون. . ."
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ  ١٠٥
التفسير الميسريا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه ألزموا أنفسكم بالعمل بطاعة الله واجتناب معصيته، وداوموا على ذلك وإن لم يستجب الناس لكم، فإذا فعلتم ذلك فلا يضركم ضلال مَن ضلَّ إذا لزمتم طريق الاستقامة، وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، إلى الله مرجعكم جميعًا في الآخرة، فيخبركم بأعمالكم، ويجازيكم عليها.
تفسير السعدييقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ أي: اجتهدوا في إصلاحها وكمالها وإلزامها سلوك الصراط المستقيم، فإنكم إذا صلحتم لا يضركم من ضل عن الصراط المستقيم، ولم يهتد إلى الدين القويم، وإنما يضر نفسه. ولا يدل هذا على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يضر العبدَ تركُهما وإهمالُهما، فإنه لا يتم هداه, إلا بالإتيان بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. نعم، إذا كان عاجزا عن إنكار المنكر بيده ولسانه وأنكره بقلبه، فإنه لا يضره ضلال غيره. وقوله: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا أي: مآلكم يوم القيامة، واجتماعكم بين يدي الله تعالى. فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من خير وشر.
تفسير ابن كثيريقول تعالى آمرا عباده المؤمنين أن يصلحوا أنفسهم ويفعلوا الخير بجهدهم وطاقتهم ، ومخبرا لهم أنه من أصلح أمره لا يضره فساد من فسد من الناس ، سواء كان قريبا منه أو بعيدا .قال العوفي ، عن ابن عباس عند تفسير هذه الآية : يقول تعالى : إذا ما العبد أطاعني فيما أمرته به من الحلال والحرام فلا يضره من ضل بعده ، إذا عمل بما أمرته به .وكذا روى الوالبي عنه . وهكذا قال مقاتل بن حيان . فقوله : ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ) نصب على الإغراء ( لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون ) أي : فيجازي كل عامل بعمله ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .وليس في الآية مستدل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إذا كان فعل ذلك ممكنا ، وقد قال الإمام أحمد رحمه الله :حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا زهير - يعني ابن معاوية - حدثنا إسماعيل بن أبي خالد ، حدثنا قيس قال : قام أبو بكر ، - رضي الله عنه - ، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : أيها الناس ، إنكم تقرؤون هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) إلى آخر الآية ، وإنكم تضعونها على غير موضعها ، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه أوشك الله ، عز وجل ، أن يعمهم بعقابه " . قال : وسمعت أبا بكر يقول : يا أيها الناس ، إياكم والكذب ، فإن الكذب مجانب الإيمان .وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة وابن حبان في صحيحه ، وغيرهم من طرق كثيرة عن جماعة كثيرة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، به متصلا مرفوعا ، ومنهم من رواه عنه به موقوفا على الصديق وقد رجح رفعه الدارقطني وغيره وذكرنا طرقه والكلام عليه مطولا في مسند الصديق ، - رضي الله عنه - .وقال أبو عيسى الترمذي : حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني ، وحدثنا عبد الله بن المبارك ، حدثنا عتبة بن أبي حكيم ، حدثنا عمرو بن جارية اللخمي ، عن أبي أمية الشعباني قال : أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له : كيف تصنع في هذه الآية؟ فقال : أية آية؟ قلت : قوله [ تعالى ] ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) فقال : أما والله لقد سألت عنها خبيرا ، سألت عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " بل ائتمروا بالمعروف ، وتناهوا عن المنكر ، حتى إذا رأيت شحا مطاعا ، وهوى متبعا ، ودنيا مؤثرة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك بخاصة نفسك ، ودع العوام ، فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر ، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون كعملكم " - قال عبد الله بن المبارك : وزاد غير عتبة : قيل يا رسول الله ، أجر خمسين رجلا منهم أو منا؟ قال : " بل أجر خمسين منكم " .ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب صحيح . وكذا رواه أبو داود من طريق ابن المبارك ورواه ابن ماجه وابن جرير وابن أبي حاتم ، عن عتبة بن أبي حكيم .وقال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن الحسن أن ابن مسعود سأله رجل عن قوله ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) فقال : إن هذا ليس بزمانها ، إنها اليوم مقبولة . ولكنه قد أوشك أن يأتي زمانها ، تأمرون فيصنع بكم كذا وكذا - أو قال : فلا يقبل منكم - فحينئذ ( عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل )ورواه أبو جعفر الرازي ، عن الربيع ، عن أبي العالية عن ابن مسعود في قوله : ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) الآية ، قال : كانوا عند عبد الله بن مسعود جلوسا ، فكان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس ، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه ، فقال رجل من جلساء عبد الله : ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر؟ فقال آخر إلى جنبه : عليك بنفسك ، فإن الله يقول : ( [ يا أيها الذين آمنوا ] عليكم أنفسكم ) الآية . قال : فسمعها ابن مسعود فقال : مه ، لم يجئ تأويل هذه بعد ، إن القرآن أنزل حيث أنزل ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن ، ومنه آي قد وقع تأويلهن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومنه آي قد وقع تأويلهن بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - بيسير ، ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم ، ومنه آي تأويلهن عند الساعة على ما ذكر من الساعة ، ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب على ما ذكر من الحساب والجنة والنار . فما دامت قلوبكم واحدة ، وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ، ولم يذق بعضكم بأس بعض فأمروا وانهوا . فإذا اختلفت القلوب والأهواء ، وألبستم شيعا ، وذاق بعضكم بأس بعض فامرؤ ونفسه ، عند ذلك جاءنا تأويل هذه الآية . رواه ابن جرير .وقال ابن جرير : حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا شبابة بن سوار ، حدثنا الربيع بن صبيح ، عن سفيان بن عقال قال : قيل لابن عمر : لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه ، فإن الله قال : ( عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) ؟ فقال ابن عمر : إنها ليست لي ولا لأصحابي إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " ألا فليبلغ الشاهد الغائب " . فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب ، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا ، إن قالوا لم يقبل منهم .وقال أيضا : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر وأبو عاصم قالا حدثنا عوف عن سوار بن شبيب قال : كنت عند ابن عمر ، إذ أتاه رجل جليد في العين ، شديد اللسان ، فقال : يا أبا عبد الرحمن ، نفر ستة كلهم قد قرأ القرآن فأسرع فيه ، وكلهم مجتهد لا يألو وكلهم بغيض إليه أن يأتي دناءة ، وهم في ذلك يشهد بعضهم على بعض بالشرك . فقال رجل من القوم : وأي دناءة تريد أكثر من أن يشهد بعضهم على بعض بالشرك؟فقال الرجل : إني لست إياك أسأل ، إنما أسأل الشيخ . فأعاد على عبد الله الحديث ، فقال عبد الله : لعلك ترى ، لا أبا لك ، أني سآمرك أن تذهب فتقتلهم! عظهم وانههم ، فإن عصوك فعليك نفسك فإن الله ، عز وجل يقول : ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ) الآية .وقال أيضا : حدثني أحمد بن المقدام ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، سمعت أبي ، حدثنا قتادة ، عن أبي مازن قال : انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة ، فإذا قوم من المسلمين جلوس ، فقرأ أحدهم هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل ) فقال أكبرهم لم يجئ تأويل هذه الآية اليوم .وقال : حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين ، حدثنا ابن فضالة ، عن معاوية بن صالح عن جبير بن نفير قال : كنت في حلقة فيها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإني لأصغر القوم ، فتذاكروا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فقلت أنا : أليس الله يقول في كتابه : ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) ؟ فأقبلوا علي بلسان واحد وقالوا : تنزع آية من القرآن ولا تعرفها ، ولا تدري ما تأويلها!! حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت ، وأقبلوا يتحدثون ، فلما حضر قيامهم قالوا : إنك غلام حدث السن ، وإنك نزعت بآية ولا تدري ما هي؟ وعسى أن تدرك ذلك الزمان ، إذا رأيت شحا مطاعا ، وهوى متبعا ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك بنفسك ، لا يضرك من ضل إذا اهتديت .وقال ابن جرير : حدثنا علي بن سهل ، حدثنا ضمرة بن ربيعة قال : تلا الحسن هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) فقال الحسن : الحمد لله بها ، والحمد لله عليها ، ما كان مؤمن فيما مضى ، ولا مؤمن فيما بقي ، إلا وإلى جانبه منافق يكره عمله .وقال سعيد بن المسيب : إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر ، فلا يضرك من ضل إذا اهتديت .رواه ابن جرير ، وكذا روي من طريق سفيان الثوري ، عن أبي العميس ، عن أبي البختري ، عن حذيفة مثله ، وكذا قال غير واحد من السلف .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن خالد الدمشقي ، حدثنا الوليد ، حدثنا ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن كعب في قوله : ( عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) قال : إذا هدمت كنيسة دمشق ، فجعلت مسجدا ، وظهر لبس العصب ، فحينئذ تأويل هذه الآية .
تفسير القرطبيفيه أربع مسائل: الأولى- قال علماؤنا: وجه اتصال هذه الآية بما قبلها التحذير مما يجب أن يحذر منه، وهو حال من تقدمت صفته ممن ركن في دينه إلى تقليد آبائه وأسلافه. وظاهر هذه الآية يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس القيام به بواجب إذا استقام الإنسان، وأنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، لولا ما ورد من تفسيرها في السنة وأقاويل الصحابة والتابعين على ما نذكره بحول الله تعالى.الثانية: قوله تعالى:" عليكم أنفسكم" معناه احفظوا أنفسكم من المعاصي، تقول عليك زيدا بمعنى الزم زيدا، ولا يجوز عليه زيدا، بل إنما يجري هذا في المخاطبة في ثلاثة ألفاظ عليك زيدا أي خذ زيدا، وعندك عمرا أي حضرك، ودونك زيدا أي قرب منك، وأنشد:يا أيها المائح دلوي دونكاوأما قوله: عليه رجلا ليسني، فشاذ.الثالثة- روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن قيس قال: خطبنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال: إنكم تقرءون هذه الآية وتتأولونها على غير تأويلها "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده]. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، قال إسحاق بن إبراهيم سمعت عمرو بن علي يقول سمعت وكيعا يقول: لا يصح عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا حديث واحد، قلت: ولا إسماعيل عن قيس، قال: إن إسماعيل روى عن قيس موقوفا. قال النقاش: وهذا إفراط من وكيع، رواه شعبة عن سفيان وإسحاق عن إسماعيل مرفوعا، وروى أبو داود والترمذي وغيرهما عن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع بهذه الآية؟ فقال: أية آية؟ قلت: قوله تعالى:" يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" قال أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: [بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم]. وفي رواية قيل: يا رسول الله أجر خمسين منا أو منهم؟ قال :[بل أجر خمسين منكم]. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. قال ابن عبد البر قوله: [بل منكم] هذه اللفظة قد سكت عنها بعض الرواة فلم يذكرها، وقد تقدم. وروى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به هلك ثم يأتي زمان من عمل منهم بعشر ما أمر به نجا] قال: هذا حديث غريب. وروي عن ابن مسعود أنه قال: ليس هذا بزمان هذه الآية، قولوا الحق ما قبل منكم، فإذا رد عليكم فعليكم أنفسكم. وقيل لابن عمر في بعض أوقات الفتن: لو تركت القول في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه؟ فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: [ليبلغ الشاهد الغائب] ونحن شهدنا فيلزمنا أن نبلغكم، وسيأتي زمان إذا قيل فيه الحق لم يقبل. في رواية عن ابن عمر بعد قوله: [ليبلغ الشاهد الغائب] فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا، لم يقبل منهم. وقال ابن المبارك قوله تعالى: "عليكم أنفسكم" خطاب لجميع المؤمنين، أي عليكم أهله دينكم، كقوله تعالى: "ولا تقتلوا أنفسكم" فكأنه قال: ليأمر بعضكم بعضا، ولينه بعضكم بعضا، فهو دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يضركم ضلال المشركين والمنافقين وأهل الكتاب، وهذا لأن الأمر بالمعروف يجري مع المسلمين من أهل العصيان كما تقدم، وروي معنى هذا عن سعيد بن جبير. وقال سعيد بن المسيب: معنى الآية لا يضركم من ضل إذا اهتديتم بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقال ابن خويز منداد: تضمنت الآية اشتغال الإنسان بخاصة نفسه، وتركه التعرض لمعايب الناس، والبحث عن أحوالهم فإنهم لا يسألون عن حاله فلا يسأل عن حالهم وهذا كقوله تعالى:" كل نفس بما كسبت رهينة" [المدثر: 38]، "ولا تزر وازرة وزر أخرى" [الانعام: 461]. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: [كن جليس بيتك وعليك بخاصة نفسك]. ويجوز أن يكون أريد به الزمان الذي يتعذر فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فينكر بقلبه، ويشتغل بإصلاح نفسه. قلت: قد جاء حديث غريب رواه ابن لهيعة: قال حدثنا بكر بن سوادة الجذامي عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إذا كان رأس مائتين فلا تأمر بمعروف ولا تنه عن منكر وعليك بخاصة نفسك]. قال علماؤنا: إنما قال عليه السلام ذلك لتغير الزمان، وفساد الأحوال، وقلة المعينين. وقال جابر بن زيد: معنى الآية: يا أيها الذين آمنوا من أبناء أولئك الذين بحروا البحيرة وسيبوا السوائب، عليكم أنفسكم في الاستقامة على الدين، لا يضركم ضلال الأسلاف إذا اهتديتم، قال: وكان الرجل إذا أسلم قال له الكفار سفهت آباءك وضللتهم وفعلت وفعلت، فأنزل الله الآية بسبب ذلك. وقيل: الآية في أهل الأهواء الذين لا ينفعهم الوعظ، فإذا علمت من قوم أنهم لا يقبلون، بل يستخفون ويظهرون فاسكت عنهم. وقيل: نزلت في الأسارى الذين عذبهم المشركون حتى ارتد بعضهم، فقيل لمن بقي على الإسلام: عليكم أنفسكم لا يضركم ارتداد أصحابكم. وقال: سعيد بن جبير: هي في أهل الكتاب- وقال مجاهد: في اليهود والنصارى ومن كان مثلهم، يذهبان إلى أن المعنى لا يضركم كفر أهل الكتاب إذا أدوا الجزية. وقيل: هي منسوخة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قاله المهدوي. قال ابن عطية: وهذا ضعيف ولا يعلم قائله. قلت: قد جاء عن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه قال: ليس في كتاب الله تعالى آية جمعت الناسخ والمنسوخ غير هذه الآية. قال غيره: الناسخ منها قوله: "إذا اهتديتم" والهدى هنا هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله أعلم.الرابعة- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متعين متى رجي القبول، أو رجي رد الظالم ولو بعنف، ما لم يخف الآمر ضررا يلحقه في خاصته، أو فتنة يدخلها على المسلمين، إما بشق عصا، وإما بضرر يلحق طائفة من الناس، فإذا خيف هذا ف "عليكم أنفسكم" محكم واجب أن يوقف عنده. ولا يشترط في الناهي أن يكون عدلا كما تقدم، وعلى هذا جماعة أهل العلم فاعلمه.
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم فأصلحوها, واعملوا في خلاصها من عقاب الله تعالى ذكره, وانظروا لها فيما يقرِّبها من ربها, فإنه " لا يضركم من ضَلّ" ، يقول: لا يضركم من كفر وسلك غير سبيل الحق، إذا أنتم اهتديتم وآمنتم بربكم، وأطعتموه فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه, فحرمتم حرامه وحللتم حلاله.* * *ونصب قوله: " أنفسكم " بالإغراء, والعرب تغري من الصفات ب " عليك " و " عندك "، و " دونك "، و " إليك ". (4)واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.فقال بعضهم معناه: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم " ، إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يُقبل منكم .* ذكر من قال ذلك:12848 - حدثنا سوار بن عبد الله قال ، حدثنا أبي قال ، حدثنا أبو الأشهب, عن الحسن: أن هذه الآية قرئت على ابن مسعود: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضَلّ إذا اهتديتم "، فقال ابن مسعود: " ليس هذا بزمانها, قولوها ما قُبلت منكم، فإذا رُدّت عليكم فعليكم أنفسكم ". (5)12849 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة, عن أبي الأشهب, عن الحسن قال : ذكر عند ابن مسعود (6) " يا أيها الذين آمنوا " ، ثم ذكر نحوه.12850- حدثنا يعقوب قال ، حدثنا ابن علية, عن يونس, عن الحسن قال : قال رجل لابن مسعود: ألم يقل الله: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضَلّ إذا اهتديتم " ؟ قال: ليس هذا بزمانها, قولوها ما قُبلت منكم، فإذا رُدَّت عليكم فعليكم أنفسكم. (7)12851 - حدثنا الحسن بن عرفة قال ، حدثنا شبابة بن سوار قال ، حدثنا الربيع بن صبيح, عن سفيان بن عقال قال : قيل لابن عمر: لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه, فإن الله تعالى ذكره يقول: " عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " ؟ فقال ابن عمر: إنها ليست لي ولا لأصحابي, لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألا فليبلِّغ الشاهد الغائبَ"، فكنَّا نحن الشهودَ وأنتم الغَيَب, (8) ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يقبل منهم. (9)12852 - حدثنا أحمد بن المقدام قال ، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت أبي قال ، حدثنا قتادة, عن أبي مازن قال: انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة, فإذا قومٌ من المسلمين جلوس, فقرأ أحدهم هذه الآية: " عليكم أنفسكم "، فقال أكثرهم: لم يجئ تأويل هذه الآية اليوم. (10)12853- حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عمرو بن عاصم قال ، حدثنا المعتمر, عن أبيه, عن قتادة, عن أبي مازن, بنحوه. (11)12854 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا محمد بن جعفر وأبو عاصم قالا حدثنا عوف, عن سوّار بن شبيب قال ، كنت عند ابن عمر, إذ أتاه رجل جليدٌ في العين, شديد اللسان, فقال: يا أبا عبد الرحمن، نحن ستة كلهم قد قرأ القرآن فأسرع فيه, (12) وكلهم مجتهد لا يألو, وكلهم بغيضٌ إليه أن يأتي دناءةً, (13) وهم في ذلك يشهد بعضهم على بعض بالشرك! فقال رجل من القوم: وأيَّ دناءة تريد، أكثرَ من أن يشهد بعضهم على بعض بالشرك! (14) قال: فقال الرجل: إني لستُ إيّاك أسأل, أنا أسأل الشيخ! فأعاد على عبد الله الحديث, فقال عبد الله بن عمر: لعلك ترى لا أبا لك، إني سآمرك أن تذهب أن تقتلهم! (15) عظهم وانههم, فإن عصوك فعليك بنفسك, فإن الله تعالى يقول: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون " . (16)12855- حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر, عن الحسن: أن ابن مسعود سأله رجل عن قوله: " عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، قال: إن هذا ليس بزمانها, إنها اليوم مقبولة, (17) ولكنه قد أوشك أن يأتي زمانٌ تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا = أو قال: فلا يقبل منكم = فحينئذ: عليكم أنفسكم, لا يضركم من ضلّ". (18)12856- حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر, عن قتادة, عن رجل قال: كنت في خلافة عثمان بالمدينة، في حلقة فيهم أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم, فإذا فيهم شيخ يُسْنِدون إليه, (19) فقرأ رجل: " عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " ، فقال الشيخ: إنما تأويلها آخرَ الزمان.12857- حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد, عن قتادة قال ، حدثنا أبو مازن، رجل من صالحي الأزد من بني الحُدَّان، (20) قال : انطلقت في حياة عثمان إلى المدينة, فقعدت إلى حلقة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, (21) فقرأ رجل من القوم هذه الآية " لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " ، قال فقالَ رجلٌ من أسنِّ القوم: دَعْ هذه الآية, فإنما تأويلها في آخر الزمان. (22)12858 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا ابن فضالة, عن معاوية بن صالح, عن جبير بن نفير قال : كنت في حلقة فيها أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم, وإنّي لأصغر القوم, فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فقلت أنا: أليس الله يقول في كتابه: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ؟ فأقبلوا عليَّ بلسان واحد وقالوا: أتنتزِع بآية من القرآن لا تعرفها، (23) ولا تدري ما تأويلها!! حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت. ثم أقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم قالوا: " إنك غلام حدَثُ السن, وإنك نزعت بآية لا تدري ما هي, وعسى أن تدرك ذلك الزمان، إذا رأيت شحًّا مطاعًا, وهوًى متبعًا وإعجابَ كل ذي رأي برأيه, فعليك بنفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت. (24)12859 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ليث بن هارون قال ، حدثنا إسحاق الرازي, عن أبي جعفر, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية, عن عبد الله بن مسعود في قوله: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم تعملون "، قال: كانوا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا, فكان بين رجلين ما يكون بين الناس, حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه, فقال رجل من جلساء عبد الله: ألا أقوم فآمرُهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر؟ فقال آخر إلى جنبه: عليك بنفسك, فإن الله تعالى يقول: " عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ! قال: فسمعها ابن مسعود فقال: مَهْ، (25) لَمَّا يجئ تأويل هذه بعد! (26) إن القرآن أنزل حيث أنزل، ومنه آيٌ قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن, ومنه ما وقع تأويلهن على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم, ومنه آيٌ وَقع تأويلهن بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم بيسير, (27) ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم, ومنه آي يقع تأويلهنّ عند الساعة على ما ذكر من الساعة, (28) ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب على ما ذكر من الحساب والجنة والنار، (29) فما دامت قلوبكم واحدة، وأهواؤكم واحدة، ولم تُلبَسوا شيعًا، ولم يَذُق بعضكم بأس بعض, فأمروا وانهوا. فإذا اختلفت القلوب والأهواء، وأُلبستم شيعًا، وذاق بعضكم بأس بعض, فامرؤ ونفسه, فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية. (30)12860- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية, عن ابن مسعود: أنه كان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس, حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه, ثم ذكر نحوه. (31)12861- حدثني أحمد بن المقدام قال ، حدثنا حرمي......... قال : سمعت الحسن يقول: تأوّل بعضُ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم "، فقال بعض أصحابه: دعوا هذه الآية، فليست لكم. (32)12862 - حدثني إسماعيل بن إسرائيل اللآل الرّملي قال ، حدثنا أيوب بن سويد قال ، حدثنا عتبة بن أبي حكيم, عن عمرو بن جارية اللخمي, عن أبي أمية الشعباني قال : سألت أبا ثعلبة الخشني عن هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم "، فقال: لقد سألت عنها خبيرًا, سألتُ عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبا ثعلبة، ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر, فإذا رأيت دنيا مؤثَرة، وشحًّا مطاعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه, فعليك نفسك! إنّ من بعدكم أيام الصبر, (33) للمتمسك يومئذ بمثل الذي أنتم عليه كأجر خمسين عاملا! قالوا: يا رسول الله, كأجر خمسين عاملا منهم؟ قال: لا كأجر خمسين عاملا منكم. (34)12863- حدثنا علي بن سهل قال ، أخبرنا الوليد بن مسلم, عن ابن المبارك وغيره, عن عتبة بن أبي حكيم, [عن عمرو بن جارية اللخمي]، عن أبي أمية الشعباني قال : سألت أبا ثعلبة الخشني: كيف نَصنع بهذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ؟ فقال أبو ثعلبة: سألت عنها خبيرًا, سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر, حتى إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوًى متبعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه, فعليك بِخُوَيصة نفسك, (35) وذَرْ عوامَّهم، فإن وراءكم أيامًا أجر العامل فيها كأجر خمسين منكم. (36)* * *وقال آخرون: معنى ذلك أنّ العبد إذا عمل بطاعة الله لم يضره من ضَلَّ بعده وهلك.* ذكر من قال ذلك:12864 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال : حدثني عمي قال : حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلَ"، يقول: إذا ما العبد أطاعني فيما أمرته من الحلال والحرام, فلا يضره من ضل بعدُ، إذا عمل بما أمرته به.12865 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم "، يقول: أطيعوا أمري, واحفظوا وصيَّتي.12866 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ليث بن هارون قال ، حدثنا إسحاق الرازي, عن أبي جعفر الرازي, عن صفوان بن الجون قال : دخل عليه شابّ من أصحاب الأهواء, فذكر شيئًا من أمره, فقال صفوان: ألا أدلك على خاصة الله التي خصَّ بها أولياءه؟" يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل " ، الآية. (37)12867 - حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير قال ، حدثنا أبو المطرف المخزومي قال ، حدثنا جويبر, عن الضحاك, عن ابن عباس قال : " عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، ما لم يكن سيف أو سوط. (38)12868- حدثنا علي بن سهل قال ، حدثنا ضمرة بن ربيعة قال ، تلا الحسن هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، فقال الحسن: الحمد لله بها، والحمد لله عليها, ما كان مؤمن فيما مضى، ولا مؤمن فيما بقي، إلا وإلى جانبه منافق يكرَه عمله. (39)* * *وقال آخرون: بل معنى ذلك: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم "، فاعملوا بطاعة الله =" لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، فأمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر.* ذكر من قال ذلك:12869 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام بن سلم, عن عنبسة, عن سعد البقال, عن سعيد بن المسيب: " لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم "، قال: إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر, لا يضرك من ضل إذا اهتديت.12870 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن يمان, عن سفيان, عن أبي العميس, عن أبي البختري, عن حذيفة: " عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " ، قال: إذا أمرتم ونهيتم.12871- حدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي = عن ابن أبي خالد, عن قيس بن أبي حازم قال ، قال أبو بكر: تقرءون هذه الآية: " لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، وإن الناس إذا رأوا الظالم = قال ابن وكيع = فلم يأخذوا على يديه, أوشك أن يعمّهم الله بعقابه. (40)12872- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير وابن فضيل, عن بيان, عن قيس قال ، قال أبو بكر: إنكم تقرءون هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، وإن القوم إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه, يعمُّهم الله بعقابه. (41)12873- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير, عن إسماعيل, عن قيس, عن أبي بكر, عن النبي صلى الله عليه وسلم, فذكر نحوه.12874 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، يقول: مُروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قال أبو بكر بن أبي قحافة: يا أيها الناس لا تغترُّوا بقول الله: " عليكم أنفسكم " ، فيقول أحدكم: عليَّ نفسي، والله لتأمرن بالمعروف وتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليَستعملن عليكم شراركم، فليسومنّكم سوء العذاب, ثم ليدعون الله خياركم، فلا يستجيب لهم.12875- حدثنا أبو هشام الرفاعي قال ، حدثنا ابن فضيل قال ، حدثنا بيان, عن قيس بن أبي حازم قال ، قال أبو بكر وهو على المنبر: يا أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية على غير موضعها: " لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم "، وإن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه, عَمَّهم الله بعقابه.12876 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثني عيسى بن المسيب البجلي قال ، حدثنا قيس بن أبي حازم قال : سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه يقرأ هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " ، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا رأى الناسُ المنكر فلم يغيِّروه، والظالم فلم يأخذوا على يديه, فيوشك أن يعمهم الله منه بعقاب. (42)12877- حدثنا الربيع قال ، حدثنا أسد بن موسى قال ، حدثنا سعيد بن سالم قال ، حدثنا منصور بن دينار, عن عبد الملك بن ميسرة, عن قيس بن أبي حازم قال : صَعد أبو بكر المنبرَ منبرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم, فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس، إنكم لتتلون آية من كتاب الله وتعدُّونها رُخصة، والله ما أنزل الله في كتابه أشدَّ منها: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم "، والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر, أو ليعمنكم الله منه بعقاب. (43)12878- حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا إسحاق بن إدريس قال ، حدثنا سعيد بن زيد قال ، حدثنا مجالد بن سعيد, عن قيس بن أبي حازم قال : سمعت أبا بكر يقول وهو يخطب الناس: يا أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية ولا تدرون ما هي؟ : " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم "، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا منكرًا فلم يغيِّروه، عمّهم الله بعقاب. (44)* * *وقال آخرون: بل معنى هذه الآية: لا يضركم من حاد عن قصد السبيل وكفر بالله من أهل الكتاب.* ذكر من قال ذلك:12879 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير في قوله: " لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، قال: يعني من ضلّ من أهل الكتاب.12880- حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير في هذه الآية: " لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " ، قال: أنزلت في أهل الكتاب.* * *وقال آخرون: عنى بذلك كل من ضل عن دين الله الحق.* ذكر من قال ذلك:12881 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضَل إذا اهتديتم " ، قال: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفَّهت آباءك وضللتهم, وفعلت وفعلت, وجعلت آباءك كذا وكذا! كان ينبغي لك أن تنصرهم، وتفعل!فقال الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم ".* * *قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال وأصحّ التأويلات عندنا بتأويل هذه الآية، ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فيها, وهو: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم " ، الزموا العملَ بطاعة الله وبما أمركم به, وانتهوا عما نهاكم الله عنه =" لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " ، يقول: فإنه لا يضركم ضلال من ضل إذا أنتم لزمتم العمل بطاعة الله, (45) وأدَّيتم فيمن ضل من الناس ما ألزمكم الله به فيه، من فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يركبه أو يحاول ركوبه, والأخذ على يديه إذا رام ظلمًا لمسلم أو معاهد ومنعه منه فأبى النزوع عن ذلك, ولا ضير عليكم في تماديه في غيِّه وضلاله، إذا أنتم اهتديتم وأديتم حق الله تعالى ذكره فيه.وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات في ذلك بالصواب, لأن الله تعالى ذكره أمر المؤمنين أن يقوموا بالقسط، ويتعاونوا على البر والتقوى. ومن القيام بالقسط، الأخذ على يد الظالم. ومن التعاون على البر والتقوى، الأمر بالمعروف. وهذا مع ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولو كان للناس تركُ ذلك, لم يكن للأمر به معنًى، إلا في الحال التي رخَّص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم تركَ ذلك, وهي حال العجز عن القيام به بالجوارح الظاهرة، فيكون مرخصًا له تركه، إذا قام حينئذ بأداء فرض الله عليه في ذلك بقلبه.وإذا كان ما وصفنا من التأويل بالآية أولى, فبيِّنٌ أنه قد دخل في معنى قوله: " إذا اهتديتم " ، ما قاله حذيفة وسعيد بن المسيب من أن ذلك: " إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر ", ومعنى ما رواه أبو ثعلبة الخشني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.* * *القول في تأويل قوله : إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين من عباده: اعملوا، أيها المؤمنون، بما أمرتكم به, وانتهوا عما نهيتكم عنه, ومروا أهل الزَّيغ والضلال وما حاد عن سبيلي بالمعروف, وانهوهم عن المنكر. فإن قبلوا، فلهم ولكم, وإن تمادَوْا في غيهم وضلالهم، فإن إليّ مرجع جميعكم ومصيركم في الآخرة ومصيرهم, (46) وأنا العالم بما يعمل جميعكم من خير وشر, فأخبر هناك كلَّ فريق منكم بما كان يعمله في الدنيا، (47) ثم أجازيه على عمله الذي قَدِم به عليّ جزاءه حسب استحقاقه, فإنه لا يخفى عليَّ عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى.----------------------الهوامش :(4) "الصفات" حروف الجر ، والظروف ، كما هو بين من سياقها. وانظر معاني القرآن للفراء 1: 322 ، 323.(5) الأثر: 12848 -"سوار بن عبد الله بن سوار العنبري" ، القاضي ، شيخ الطبري. ثقة ، مترجم في التهذيب. وأبوه: "عبد الله بن سوار العنبري" القاضي ، ثقة. مترجم في التهذيب.و"أبو الأشهب" هو: "جعفر بن حيان السعدي العطاردي" ، ثقة ، روي له الستة ، مضى برقم: 11408.وسيأتي تخريج الأثر في التعليق على رقم: 12850.(6) في المطبوعة: "ذكر ابن مسعود" ، بإسقاط"عند" ، والصواب من المخطوطة.(7) في الأثر: 12848 - 12850 - خبر الحسن ، عن ابن مسعود ، خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7: 19 ، وقال: "رواه الطبراني ، ورجاله رجال الصحيح ، إلا أن الحسن البصري لم يسمع من ابن مسعود".(8) "الغيب" (بفتح الغين والياء) جمع"غائب" ، مثل"خادم" و"خدم".(9) الأثر: 12851 -"الحسن بن عرفة العبدي البغدادي" ، شيخ الطبري ، مضى برقم: 9373.و"شبابة بن سوار الفزازي" ، مضى برقم: 37 ، 6701 ، 10051.و"الربيع بن صبيح السعدي" ، مضى برقم: 6403 ، 6404 ، 10533.و"سفيان بن عقال" ، مترجم في الكبير2/2/94 ، وابن أبي حاتم 2/1/219 ، وكلاهما قال: "روي عن ابن عمر ، روى عنه الربيع" ، ولم يزيدا.وخرجه في الدر المنثور 2: 340 ، وزاد نسبته لابن مردويه.(10) الأثر: 12852 ، 12853 -"أبو مازن الأزدي الحداني" ، كان من صلحاء الأزد ، قدم المدينة في زمن عثمان رضي الله عنه. روى قتادة ، عن صاحب له ، عنه. هكذا قال ابن أبي حاتم 4/2/44 . ولم يرد في هذين الإسنادين ذكر"الرجل" الذي روى عنه قتادة ، كما قال أبو حاتم. وسيأتي في الإسناد رقم: 12856"عن قتادة ، عن رجل قال: كنت في خلافة عثمان بالمدينة" ، فهذا"الرجل" هو"أبو مازن" ، ولا شك. ثم يأتي في رقم: 12857"عن قتادة ، حدثنا أبو مازن ، رجل من صالحي الأزد ، من بني الحدان" ، فصرح قتادة في هذا الخبر بالتحديث عنه ، ليس بينهما"رجل" كما قال أبو حاتم. فأخشى أن يكون في كلام أبي حاتم خطأ.وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 340 ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وأبي الشيخ.(11) الأثر: 12852 ، 12853 -"أبو مازن الأزدي الحداني" ، كان من صلحاء الأزد ، قدم المدينة في زمن عثمان رضي الله عنه. روى قتادة ، عن صاحب له ، عنه. هكذا قال ابن أبي حاتم 4/2/44 . ولم يرد في هذين الإسنادين ذكر"الرجل" الذي روى عنه قتادة ، كما قال أبو حاتم. وسيأتي في الإسناد رقم: 12856"عن قتادة ، عن رجل قال: كنت في خلافة عثمان بالمدينة" ، فهذا"الرجل" هو"أبو مازن" ، ولا شك. ثم يأتي في رقم: 12857"عن قتادة ، حدثنا أبو مازن ، رجل من صالحي الأزد ، من بني الحدان" ، فصرح قتادة في هذا الخبر بالتحديث عنه ، ليس بينهما"رجل" كما قال أبو حاتم. فأخشى أن يكون في كلام أبي حاتم خطأ.وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 340 ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وأبي الشيخ.(12) في المطبوعة: "قد قرأوا" بالجمع ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب.(13) في ابن كثير 3: 259 ، رواه عن هذا الموضع من التفسير ، وزاد فيه هنا: ". . . أن يأتي دناءة ، إلا الخير" ، وليست في مخطوطتنا.(14) في المطبوعة: "وأي دناءة تزيد" ، وصواب قراءتها ما أثبت.(15) في المطبوعة ، وابن كثير: "فتقتلهم" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب قديم.(16) الأثر: 12854 -"سوار بن شبيب السعدي الأعرجي" ، و"بنو الأعرج" ، حي من بني سعد. و"الأعرج" هو"الحارث بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم" ، قطعت رجله يوم"تياس" ، فسمي"الأعرج". وهو ثقة ، كوفي ، روى عن ابن عمر ، روى عنه عوف ، وعكرمة بن عمار. مترجم في الكبير 2/2/168 ، وابن أبي حاتم 2/1/270.وهذا الخبر نقله ابن كثير في تفسيره 3: 259 ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 341 ، واقتصر على نسبته إلى ابن مردويه.(17) قوله: "إنها اليوم مقبولة" ، يعني: كلمة الحق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.(18) الأثر: 12855 - انظر التعليق على الآثار: 12848 - 12850.وكان في المطبوعة هنا: " . . . من ضل إذا اهتديتم" ، بالزيادة ، وأثبت ما في المخطوطة.(19) قوله: "يسندون إليه" أي: ينتهون إلى عمله ومعرفته وفقهه ، ويلجئون إليه في فهم ما يشكل عليهم. ويقال: "أسندت إليه أمري" ، أي: وكلته إليه ، واعتمدت عليه. وقال الفرزدق:إلَى الأَبْرَشِ الكَلْبِيّ أَسْنَدْتُ حَاجَةًتَوَاكَلَها حَيًّا تَمِيمٍ ووَائِلِوهذا كله مما ينبغي تقييده في كتب اللغة ، فهو فيها غير بين.(20) في المطبوعة: "بني الجدان" بالجيم ، وهو خطأ.(21) في المطبوعة: "فيها أصحاب رسول الله: ، وفي المخطوطة: "فيها من أصحاب رسول الله" ، فضرب بالقلم على"فيها" فأثبتها على الصواب.(22) الأثران: 12856 ، 12857 - انظر التعليق على الأثرين السالفين رقم: 12852 ، 12853.(23) في المطبوعة: "تنزع بآية من القرآن" ، غير ما في المخطوطة ، وما غيره صواب.ولكن يقال: "انتزع معنى جيدًا ، ونزعه" ، أي: استخرجه واستنبطه ويقال: "انتزع بالآية والشعر" ، أي: تمثل به.(24) الأثر: 12858 -"ابن فضالة" هو: "مبارك بن فضالة بن أبي أمية" ، أبو فضالة البصري. وفي تفسير ابن كثير: "حدثنا أبو فضالة" ، ومضى برقم: 154 ، 597 ، 611 ، 1901.و"معاوية بن صالح بن حدير الحضرمي" ، أحد الأعلام ، مضى مرارًا منها: 186 ، 187 ، 2072 ، 8472 ، 11255 ، ولم تذكر لمعاوية بن صالح ، رواية عن جبير بن نفير ، بل روى عنه ابنه عبد الرحمن بن جبير.و"جبير بن نفير" إسلامي جاهلي ، مضى برقم: 6656 ، 7009.وهذا الخبر منقطع الإسناد ، ونقله ابن كثير في تفسيره 3: 260 ، والسيوطي في الدر المنثور 2: 340 ، ولم ينسبه لغير ابن جرير.(25) "مه" ، هكذا في المطبوعة ، وابن كثير ، والدر المنثور و"مه" كلمة زجر بمعنى: كف عن هذا. وفي المخطوطة مكانها: "مهل" ، وأخشى أن تكون خطأ من الناسخ ، ولو كتب"مهلا" ، لكان صوابًا ، يقال: "مهلا يا فلان" أي: رفقًا وسكونًا ، لا تعجل.(26) في المطبوعة: "لم يجئ" ، ومثلها في ابن كثير والدر المنثور ، وأثبت ما في المخطوطة.(27) في المطبوعة: "آي قد وقع" بالزيادة ، وأثبت ما في المخطوطة.(28) في المطبوعة: "على ما ذكر من أمر الساعة" ، بزيادة"أمر" ، وفي المخطوطة أسقط الناسخ"على" ، وإثباتها هو الصواب.(29) في المطبوعة: "من أمر الحساب" بالزيادة ، وأثبت ما في المخطوطة.(30) الأثر: 12859 -"ليث بن هرون" ، لم أجد له ترجمة ولا ذكرًا.و"إسحق الرازي" ، هو: "إسحق بن سليمان الرازي" ، مضى برقم: 6456 ، 102338 ، 11240. وانظر الإسناد الآتي رقم: 12866.وهذا الخبر نقله ابن كثير في تفسيره 3: 258 ، 259 ، والسيوطي في الدر المنثور 2: 339 ، 340 ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، ونعيم بن حماد في الفتن ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب.وسيأتي بإسناد آخر في الذي يليه.(31) الأثر: 12860 - انظر الأثر السالف.(32) الأثر: 12861 - هذا إسناد ناقص لا شك في ذلك."أحمد بن المقدام بن سليمان العجلي" ، أبو الأشعث. روى عنه البخاري والترمذي والنسائي ، وغيرهم. صالح الحديث. ولد في نحو سنة 156 ، وتوفي سنة 253.و"حرمي بن عمارة بن أبي حفصة العتكي" ، مضى برقم: 8513. ومات سنة 201 ، ومحال أن يكون أدرك الحسن وسمع منه. فإن"الحسن البصري" مات في نحو سنة 110 فالإسناد مختل ، ولذلك وضعت بينه وبين الحسن نقطًا ، دلالة على نقص الإسناد.(33) في المطبوعة: "أرى من بعدكم" ، والصواب من المخطوطة. وفي المخطوطة: "المتمسك" بغير لام الجر ، وكأن الصواب ما في المطبوعة.(34) الأثر: 12862 - سيأتي بإسناد آخر في الذي يليه."إسمعيل بن إسرائيل اللآل الرملي" ، مضى برقم: 10236 ، 12213 ، وذكرنا هناك أنه في ابن أبي حاتم"السلال" ، ومضى هناك" 10236"الدلال" ، وجاء هنا"اللآل" ، صانع اللؤلؤ وبائعه ، ولا نجد ما يرجح واحدة من الثلاث.و"أيوب بن سويد الرملي" ، ثقة متكلم فيه. مضى برقم: 12213.و"عتبة بن أبي حكيم الشعباني الهمداني ، ثم الأردني" ، ثقة ، ضعفه ابن معين. مضى برقم: 12213.و"عمرو بن جارية اللخمي" ، ثقة ، مترجم في التهذيب. وكان في المطبوعة"عمرو بن خالد" وهو خطأ محض. وفي المخطوطة كتب"خالد" ثم جعلها"جارية" ، وهو الصواب.و"أبو أمية الثعباني" اسمه"يحمد" (بضم الياء وكسر الميم) وقيل: اسمه"عبد الله بن أخامر". ثقة. مترجم في التهذيب.و"أبو ثعلبة الخشني" اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا. صحابي.وسيأتي تخريجه في الذي يليه.(35) "خويصة" تصغير"خاصة".(36) الأثر: 12863 -"عتبة بن أبي حكيم" ، في المخطوطة: "عبدة بن أبي حكيم" ، وهو خطأ ظاهر.وفي المخطوطة والمطبوعة ، أسقط: [عن عمرو بن جارية اللخمي] ، فوضعتها بين قوسين.وهذا هو نفسه إسناد الترمذي.وهذا الخبر ، رواه الترمذي في كتاب التفسير من طريق سعيد بن يعقوب الطالقاني ، عن عبد الله بن المبارك ، عن عقبة بن أبي حكيم ، بنحو لفظه هنا. ثم قال الترمذي: "قال عبد الله بن المبارك: وزادني غير عتبة = قيل: يا رسول الله ، أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال: لا ، بل أجر خمسين رجلا منكم". ثم قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".وأخرجه ابن ماجه في سننه رقم: 4014 من طريق هشام بن عمار ، عن صدقة بن خالد ، عن عتبة بن أبي حكيم ، بنحو لفظه.ورواه أبو داود في سننه 4: 174 ، رقم: 4341 ، من طريق أبي الربيع سليمان بن داود العتكي ، عن ابن المبارك ، بمثله.وخرجه ابن كثير في تفسيره 3: 258 ، والسيوطي في الدر المنثور 2: 339 ، وزاد نسبته إلى البغوي في معجمه ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب ، والحاكم في المستدرك وصححه.(37) الأثر: 12866 -"ليث بن هرون" ، لم أجده ، وانظر الإسناد السالف رقم 12859.و"إسحق" ، هو: "إسحق بن سليمان الرازي" ، وانظر رقم: 12859.وأما "صفوان بن الجون" ، فهو هكذا في المخطوطة أيضًا ، ولم أجد له ترجمة. وفي الدر المنثور 2: 341 ، "عن صفوان بن محرز" ، ونسبه لابن جرير وابن أبي حاتم.و"صفوان بن محرز بن زياد المازني ، أو الباهلي". روى عن ابن عمر ، وابن مسعود ، وأبي موسى الأشعري. روى عنه جامع بن شداد ، وعاصم الأحول ، وقتادة. كان من العباد ، اتخذ لنفسه سربًا يبكي فيه. مات سنة 74 ، مترجم في التهذيب. ومضى برقم: 6496.(38) الأثر: 12867 -"عبد الكريم بن أبي عمير" ، مضى برقم: 7578 ، 11368 و"أبو المطوف المخزومي" ، لم أجد له ذكرًا.(39) الأثر: 12868-"ضمرة بن ربيعة الفلسطيني الرملي" ، ثقة ، مضى برقم: 7134. وكان في المطبوعة: "مرة بن ربيعة" ، لم يحسن قراءة المخطوطة.وهذه الكلمة التي قالها الحسن ، لو خفيت على الناس قديمًا ، فإن مصداقها في زماننا هذا يراه المؤمن عيانًا في حيث يغدو ويروح.(40) الأثر: 12871 - خبر قيس بن أبي حازم ، عن أبي بكر ، رواه أبو جعفر بأسانيد ، من رقم: 12871 - 12878 ، موقوفًا على أبي بكر ، إلا رقم: 12876 ، 12878 ، فرواهما متصلين مرفوعين ، وإلا رقم: 12874 ، فهو مرسل. وأكثر طرق أبي جعفر طرق ضعاف.ورواه من طريق"إسمعيل بن أبي خالد" ، عن قيس بن أبي حازم برقم: 12871 ، 12873. فمن هذه الطريق رواه أحمد في مسنده رقم: 1 ، 16 ، 29 ، 30 ، 53 ، متصلا مرفوعًا. وقال ابن كثير في تفسيره 3: 258: "وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة ، وابن حبان في صحيحه ، وغيرهم ، من طرق كثيرة ، عن جماعة كثيرة ، عن إسمعيل بن أبي خالد ، به متصلا مرفوعًا. ومنهم من رواه عنه به موقوفًا على الصديق. وقد رجح رفعه الدارقطني وغيره".و"إسمعيل بن أبي خالد الأحمسي" ، ثقة. مضى برقم: 5694 ، 5777.و"قيس بن أبي حازم الأحمسي" ، ثقة ، روى له الستة ، روى عن جماعة من الصحابة ، وهو متقن الرواية. مترجم في التهذيب.وهذا إسناد صحيح.(41) الأثر: 12872 -"ابن فضيل" هو: "محمد بن فضيل بن غزوان الضبي" ، مضى مرارًا كثيرة.و"بيان" هو: "بيان بن بشر الأحمسي" ، ثقة ، مضى برقم 6501.وقد مضى تخريج الخبر في الذي قبله ، وسيأتي من هذه الطريق أيضًا برقم: 12875.وهو إسناد صحيح.(42) الأثر: 12876 -"الحارث" هو: "الحارث بن محمد بن أبي أسامة" ، مضى مرارًا ، آخرها رقم: 10553 ، وترجمته في رقم: 10295.و"عبد العزيز" ، هو: "عبد العزيز بن أبان الأموي" ، مضت ترجمته برقم: 10295 ، قال ابن معين: "كذاب خبيث ، يضع الأحاديث".و"عيسى بن المسيب البجلي" ، قاضي الكوفة. وكان شابًا ولاه خالد بن عبد الله القسري. ضعيف متكلم فيه ، حتى قال ابن حبان: "كان قاضي خراسان ، يقلب الأخبار ، ولا يفهم ، ويخطئ ، حتى خرج عن حد الاحتجاج به". مترجم في ابن أبي حاتم 3/1/288 ، وميزان الاعتدال 2: 317 ، وتعجيل المنفعة: 328 ، ولسان الميزان 4: 405.فهذا إسناد هالك ، مع روايته من طرق صحاح عن قيس ، عن أبي بكر.(43) الأثر: 12877 -"أسد بن موسى المرداني" ، "أسد السنة" ، مضى برقم: 23 ، 2530.و"سعيد بن سالم القداح" ، متكلم فيه ، وثقه ابن معين ، غير أن ابن حبان قال: "يهم في الأخبار حتى يجيء بها مقلوبة ، حتى خرج عن حد الاحتجاج به". مترجم في التهذيب.و"منصور بن دينار التميمي الضبي" ، ضعفوه. مترجم في الكبير 4/ 1/ 347 ، وابن أبي حاتم 4/1/171 ، وميزان الاعتدال 3: 201 ، وتعجيل المنفعة: 412 ، ولسان الميزان 6 : 95.و"عبد الملك بن ميسرة الهلالي الزراد" ، ثقة ، من صغار التابعين مضى برقم: 503 ، 504فهذا خبر ضعيف الإسناد ، مع روايته من طرق صحاح عن قيس ، عن أبي بكر.(44) الأثر: 12878 -"محمد بن بشار" ، هو"بندار" ، مضى مئات من المرات. وكان في المطبوعة هنا"محمد بن سيار" ، أساء قراءة المخطوطة."وإسحق بن إدريس الأسواري البصري" ، منكر الحديث ، تركه الناس ، قال ابن معين: "كذاب ، يضع الحديث". وقال ابن حبان: "كان يسرق الحديث". مترجم في الكبير 1/1/382 ، وابن أبي حاتم 1/1/213 ، وميزان الاعتدال 1: 86 ، ولسان الميزان 1: 352.و"سعيد بن زيد بن درهم الجهضمي" ، ثقة ، متكلم فيه ، حتى ضعفوا حديثه. مضى برقم: 11801.و"مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني" ، قال أحمد: "يرفع حديثًا لا يرفعه الناس" ، وهو ثقة ، متكلم فيه. ومضى برقم: 1614 ، 2987 ، 2988 ، 11156.وهذا أيضًا إسناد ضعيف.(45) في المطبوعة: "إذا أنتم رمتم العمل بطاعة الله" ، وهو لا معنى له ، أساء قراءة ما في المخطوطة ، لسوء كتابتها.(46) انظر تفسير"المرجع" فيما سلف 6: 464/10: 391 ، تعليق: 2.(47) انظر تفسير"أنبأ" فيما سلف من فهارس اللغة (نبأ).
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَٰدَةُ بَيۡنِكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ حِينَ ٱلۡوَصِيَّةِ ٱثۡنَانِ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ أَوۡ ءَاخَرَانِ مِنۡ غَيۡرِكُمۡ إِنۡ أَنتُمۡ ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةُ ٱلۡمَوۡتِۚ تَحۡبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعۡدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ لَا نَشۡتَرِي بِهِۦ ثَمَنٗا وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰ وَلَا نَكۡتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡأٓثِمِينَ  ١٠٦
التفسير الميسريا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه إذا قرب الموت من أحدكم، فلْيُشْهِد على وصيته اثنين أمينين من المسلمين أو آخرين من غير المسلمين عند الحاجة، وعدم وجود غيرهما من المسلمين، تُشهدونهما إن أنتم سافرتم في الأرض فحلَّ بكم الموت، وإن ارتبتم في شهادتهما فقفوهما من بعد الصلاة -أي صلاة المسلمين، وبخاصة صلاة العصر-، فيقسمان بالله قسمًا خالصًا لا يأخذان به عوضًا من الدنيا، ولا يحابيان به ذا قرابة منهما، ولا يكتمان به شهادة لله عندهما، وأنهما إن فَعَلا ذلك فهما من المذنبين.
تفسير السعدييخبر تعالى خبرا متضمنا للأمر بإشهاد اثنين على الوصية، إذا حضر الإنسان مقدماتُ الموت وعلائمه. فينبغي له أن يكتب وصيته، ويشهد عليها اثنين ذوي عدل ممن تعتبر شهادتهما. أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ أي: من غير أهل دينكم، من اليهود أو النصارى أو غيرهم، وذلك عند الحاجة والضرورة وعدم غيرهما من المسلمين. إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ أي: سافرتم فيها فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ أي: فأشهدوهما، ولم يأمر بشهادتهما إلا لأن قولهما في تلك الحال مقبول، ويؤكد عليهما، بأن يحبسا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ التي يعظمونها. فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ أنهما صدقا، وما غيرا ولا بدلا، هذا إِنِ ارْتَبْتُمْ في شهادتهما، فإن صدقتموهما، فلا حاجة إلى القسم بذلك. ويقولان: لَا نَشْتَرِي بِهِ أي: بأيماننا ثَمَنًا بأن نكذب فيها، لأجل عرض من الدنيا. وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى فلا نراعيه لأجل قربه منا وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ بل نؤديها على ما سمعناها إِنَّا إِذًا أي: إن كتمناها لَمِنَ الْآثِمِينَ
تفسير ابن كثيراشتملت هذه الآية الكريمة على حكم عزيز ، قيل : إنه منسوخ رواه العوفي من ابن عباس . وقال حماد بن أبي سليمان ، عن إبراهيم : إنها منسوخة . وقال آخرون - وهم الأكثرون ، فيما قاله ابن جرير - : بل هو محكم ; ومن ادعى النسخ فعليه البيان .فقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ) هذا هو الخبر ; لقوله : ( شهادة بينكم ) فقيل تقديره : " شهادة اثنين " ، حذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه . وقيل : دل الكلام على تقدير أن يشهد اثنان .وقوله : ( ذوا عدل ) وصف الاثنين ، بأن يكونا عدلين .وقوله : منكم أي : من المسلمين . قاله الجمهور . قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( ذوا عدل منكم ) قال : من المسلمين . رواه ابن أبي حاتم ، ثم قال : روي عن عبيدة وسعيد بن المسيب والحسن ومجاهد ويحيى بن يعمر والسدي وقتادة ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، نحو ذلك .قال ابن جرير : وقال آخرون : عنى : ذلك ( ذوا عدل منكم ) أي : من حي الموصي . وذلك قول روي عن عكرمة وعبيدة وعدة غيرهما .وقوله : ( أو آخران من غيركم ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا سعيد بن عون ، حدثنا عبد الواحد بن زياد ، حدثنا حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد بن جبير قال : قال ابن عباس في قوله : ( أو آخران من غيركم ) قال : من غير المسلمين ، يعني : أهل الكتاب .ثم قال : وروي عن عبيدة وشريح وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين ويحيى بن يعمر وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير والشعبي وإبراهيم النخعي وقتادة وأبي مجلز والسدي ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، نحو ذلك .وعلى ما حكاه ابن جرير ، عن عكرمة وعبيدة في قوله : ( منكم ) أي : المراد من قبيلة الموصي ، يكون المراد هاهنا : ( أو آخران من غيركم ) أي : من غير قبيلة الموصي . وقد روي عن ابن أبي حاتم مثله عن الحسن البصري والزهري ، رحمهما الله .وقوله : ( إن أنتم ضربتم في الأرض ) أي : سافرتم ( فأصابتكم مصيبة الموت ) وهذان شرطان لجواز استشهاد الذميين عند فقد المؤمنين ، أن يكون ذلك في سفر ، وأن يكون في وصية ، كما صرح بذلك شريح القاضي .قال ابن جرير : حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن شريح قال : لا تجوز إلا في سفر ، ولا تجوز في سفر إلا في وصية .ثم رواه عن أبي كريب ، عن أبي بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق السبيعي قال : قال شريح ، فذكر مثله .وقد روي مثله عن الإمام أحمد بن حنبل ، رحمه الله تعالى . وهذه المسألة من إفراده ، وخالفه الثلاثة فقالوا : لا تجوز . وأجازها أبو حنيفة فيما بين بعضهم بعضا .وقال ابن جرير : حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا أبو داود ، حدثنا صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري قال : مضت السنة أنه لا تجوز شهادة كافر في حضر ولا سفر ، إنما هي في المسلمين .وقال ابن زيد : نزلت هذه الآية في رجل توفي وليس عنده أحد من أهل الإسلام ، وذلك في أول الإسلام ، والأرض حرب ، والناس كفار ، وكان الناس يتوارثون بالوصية ، ثم نسخت الوصية وفرضت الفرائض ، وعمل الناس بها .رواه ابن جرير ، وفي هذا نظر ، والله أعلم .وقال ابن جرير : اختلف في قوله : ( شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم ) هل المراد به أن يوصي إليهما ، أو يشهدهما؟ على قولين :أحدهما : أن يوصي إليهما ، كما قال محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط قال : سئل ابن مسعود ، - رضي الله عنه - ، عن هذه الآية قال هذا رجل سافر ومعه مال ، فأدركه قدره ، فإن وجد رجلين من المسلمين دفع إليهما تركته ، وأشهد عليهما عدلين من المسلمين .رواه ابن أبي حاتم وفيه انقطاع .والقول الثاني : أنهما يكونان شاهدين . وهو ظاهر سياق الآية الكريمة ، فإن لم يكن وصي ثالث معهما اجتمع فيهما الوصفان : الوصاية والشهادة ، كما في قصة تميم الداري وعدي بن بداء ، كما سيأتي ذكرها آنفا ، إن شاء الله وبه التوفيق .وقد استشكل ابن جرير كونهما شاهدين ، قال : لأنا لا نعلم حكما يحلف فيه الشاهد . وهذا لا يمنع الحكم الذي تضمنته هذه الآية الكريمة ، وهو حكم مستقل بنفسه ، لا يلزم أن يكون جاريا على قياس جميع الأحكام ، على أن هذا حكم خاص بشهادة خاصة في محل خاص ، وقد اغتفر فيه من الأمور ما لم يغتفر في غيره ، فإذا قامت قرائن الريبة حلف هذا الشاهد بمقتضى ما دلت عليه هذه الآية الكريمة .وقوله تعالى : ( تحبسونهما من بعد الصلاة ) قال [ العوفي ، عن ] ابن عباس : يعني صلاة العصر . وكذا قال سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وقتادة وعكرمة ومحمد بن سيرين . وقال الزهري : يعني صلاة المسلمين ، وقال السدي ، عن ابن عباس : يعني صلاة أهل دينهما .والمقصود : أن يقام هذان الشاهدان بعد صلاة اجتمع الناس فيها بحضرتهم ( فيقسمان بالله ) أي : فيحلفان بالله ( إن ارتبتم ) أي : إن ظهرت لكم منهما ريبة ، أنهما قد خانا أو غلا فيحلفان حينئذ بالله ( لا نشتري به ) أي : بأيماننا . قاله مقاتل بن حيان ) ثمنا ) أي : لا نعتاض عنه بعوض قليل من الدنيا الفانية الزائلة ( ولو كان ذا قربى ) أي : ولو كان المشهود عليه قريبا إلينا لا نحابيه ( ولا نكتم شهادة الله ) أضافها إلى الله تشريفا لها ، وتعظيما لأمرها .وقرأ بعضهم : " ولا نكتم شهادة آلله " مجرورا على القسم . رواها ابن جرير ، عن عامر الشعبي . وحكي عن بعضهم أنه قرأ : " ولا نكتم شهادة الله " ، والقراءة الأولى هي المشهورة .( إنا إذا لمن الآثمين ) أي : إن فعلنا شيئا من ذلك ، من تحريف الشهادة ، أو تبديلها ، أو تغييرها أو كتمها بالكلية .
تفسير القرطبيياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمينفيه احدى وعشرون مسألة :الأولى : قال مكي رحمه الله : هذه الآيات الثلاث عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعرابا ومعنى وحكما ; قال ابن عطية : هذا كلام من لم يقع له الثلج في تفسيرها ; وذلك بين من كتابه رحمه الله .قلت : ما ذكره مكي - رحمه الله - ذكره أبو جعفر النحاس قبله أيضا ، ولا أعلم خلافا أن هذه الآيات نزلت بسبب تميم الداري وعدي بن بداء . روى البخاري والدارقطني وغيرهما عن ابن عباس قال : كان تميم الداري وعدي بن بداء يختلفان إلى مكة ، فخرج معهما فتى من بني سهم فتوفي بأرض ليس بها مسلم ، فأوصى إليهما ; فدفعا تركته إلى أهله وحبسا جاما من فضة مخوصا بالذهب ، فاستحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كتمتما ولا اطلعتما ثم وجد الجام بمكة فقالوا : اشتريناه من عدي وتميم ، فجاء رجلان من ورثة السهمي فحلفا أن هذا الجام للسهمي ، ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا ; قال : فأخذوا الجام ; وفيهم نزلت هذه الآية . لفظ الدارقطني ، وروى الترمذي عن تميم الداري في هذه الآية يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم برئ منها الناس غيري وغير عدي بن بداء - وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام ، فأتيا الشام بتجارتهما ، وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له : بديل بن أبي مريم بتجارة ، ومعه جام من فضة يريد به الملك ، وهو عظم تجارته ، فمرض فأوصى إليهما ، وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله ; قال تميم : فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ثم اقتسمناها أنا وعدي بن بداء ، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا ، وفقدوا الجام فسألونا عنه فقلنا : ما ترك غير هذا ، وما دفع إلينا غيره ; قال تميم : فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك ، فأتيت أهله وأخبرتهم الخبر ، وأديت إليهم خمسمائة درهم ، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها ، فأتوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم البينة فلم يجدوا ، فأمرهم أن يستحلفوه بما يقطع به على أهل دينه ، فحلف فأنزل الله عز وجل : يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إلى قوله ( بعد أيمانهم ) فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا فنزعت الخمسمائة من يدي عدي بن بداء . قال أبو عيسى : هذا حديث غريب وليس إسناده بصحيح ، وذكر الواقدي أن الآيات الثلاث نزلت في تميم وأخيه عدي ، وكانا نصرانيين ، وكان متجرهما إلى مكة ، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قدم ابن أبي مريم مولى عمرو بن العاص المدينة وهو يريد الشام تاجرا ، فخرج مع تميم وأخيه عدي ; وذكر الحديث ، وذكر النقاش قال : نزلت في بديل بن أبي مريم مولى العاص بن وائل السهمي ; كان خرج مسافرا في البحر إلى أرض النجاشي ، ومعه رجلان نصرانيان أحدهما يسمى تميما وكان من لخم وعدي بن بداء ، فمات بديل وهم في السفينة فرمي به في البحر ، وكان كتب وصيته ثم جعلها في المتاع فقال : أبلغا هذا المتاع أهلي ، فلما مات بديل قبضا المال ، فأخذا منه ما أعجبهما فكان فيما أخذا إناء من فضة فيه ثلاثمائة مثقال ، منقوشا مموها بالذهب ; وذكر الحديث ، وذكره سنيد وقال : فلما قدموا الشام مرض بديل وكان مسلما ; الحديث .الثانية : وقوله تعالى : شهادة بينكم ورد " شهد " في كتاب الله تعالى بأنواع مختلفة : منها قوله تعالى : واستشهدوا شهيدين من رجالكم قيل : معناه أحضروا ، ومنها " شهد " بمعنى قضى أي : أعلم ; قاله أبو عبيدة كقوله تعالى : شهد الله أنه لا إله إلا هو ، ومنها " شهد " بمعنى أقر ; كقوله تعالى : والملائكة يشهدون . ومنها " شهد " بمعنى حكم ; قال الله تعالى : وشهد شاهد من أهلها ، ومنها " شهد " بمعنى حلف ; كما في اللعان . " وشهد " بمعنى وصى ; كقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم وقيل : معناها هنا الحضور للوصية ; يقال : شهدت وصية فلان أي : حضرتها ، وذهب الطبري إلى أن الشهادة بمعنى اليمين ; فيكون المعنى يمين ما بينكم أن يحلف اثنان ; واستدل على أن ذلك غير الشهادة التي تؤدى للمشهود له بأنه لا يعلم لله حكم يجب فيه على الشاهد يمين ، واختار هذا القول القفال . وسميت اليمين شهادة ; لأنه يثبت بها الحكم كما يثبت بالشهادة ، واختار ابن عطية أن الشهادة هنا هي الشهادة التي تحفظ فتؤدى ، وضعف كونها بمعنى الحضور واليمين .الثالثة : وقوله تعالى : بينكم قيل : معناه ما بينكم فحذفت " ما " وأضيفت الشهادة إلى الظرف ، واستعمل اسما على الحقيقة ، وهو المسمى عند النحويين بالمفعول على السعة ; كما قال - هو رجل من بني عامر - :ويوما شهدناه سليما وعامرا قليلا سوى الطعن النهال نوافلهأراد شهدنا فيه ، وقال تعالى : بل مكر الليل والنهار أي : مكركم فيهما ، وأنشد :تصافح من لاقيت لي ذا عداوة صفاحا وعني بين عينيك منزويأراد ما بين عينيك فحذف ; ومنه قوله تعالى : هذا فراق بيني وبينك أي : ما بيني وبينك .الرابعة : قوله تعالى : إذا حضر أحدكم معناه إذا قارب الحضور ، وإلا فإذا حضر الموت لم يشهد ميت ، وهذا كقوله تعالى : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ، وكقوله : إذا طلقتم النساء فطلقوهن ومثله كثير ، والعامل في إذا المصدر الذي هو شهادة .الخامسة : قوله تعالى : حين الوصية اثنان حين ظرف زمان والعامل فيه حضر وقوله : اثنان يقتضي بمطلقه شخصين ، ويحتمل رجلين ، إلا أنه لما قال بعد ذلك : ذوا عدل بين أنه أراد رجلين ; لأنه لفظ لا يصلح إلا للمذكر ، كما أن " ذواتا " لا يصلح إلا للمؤنث ، وارتفع اثنان على أنه خبر المبتدأ الذي هو شهادة قال أبو علي شهادة رفع بالابتداء والخبر في قوله : اثنان التقدير شهادة بينكم في وصاياكم شهادة اثنين ; فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ; كما قال تعالى : وأزواجه أمهاتهم أي : مثل أمهاتهم ، ويجوز أن يرتفع اثنان ب شهادة ; التقدير وفيما أنزل عليكم أو ليكن منكم أن يشهد اثنان ، أو ليقم الشهادة اثنان .السادسة : قوله تعالى : ذوا عدل منكم ( ذوا عدل ) صفة لقوله : اثنان و ( منكم ) صفة بعد صفة ، وقوله : أو آخران من غيركم أي : أو شهادة آخرين من غيركم ; فمن غيركم صفة لآخرين ، وهذا الفصل هو المشكل في هذه الآية ، والتحقيق فيه أن يقال : اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال :الأول : أن الكاف والميم في قوله : منكم ضمير للمسلمين أو آخران من غيركم للكافرين فعلى هذا تكون شهادة أهل الكتاب على المسلمين جائزة في السفر إذا كانت وصية ، وهو الأشبه بسياق الآية ، مع ما تقرر من الأحاديث ، وهو قول ثلاثة من الصحابة الذين شاهدوا التنزيل ; أبو موسى الأشعري وعبد الله بن قيس وعبد الله بن عباس فمعنى الآية من أولها إلى آخرها على هذا القول أن الله تعالى أخبر أن حكمه في الشهادة على الموصي إذا حضر الموت أن تكون شهادة عدلين ، فإن كان في سفر وهو الضرب في الأرض ، ولم يكن معه أحد من المؤمنين ، فليشهد شاهدين ممن حضره من أهل الكفر ، فإذا قدما وأديا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا وما بدلا ، وأن ما شهدا به حق ، ما كتما فيه شهادة وحكم بشهادتهما ; فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا ، ونحو هذا مما هو إثم حلف رجلان من أولياء الموصي في السفر ، وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما . هذا معنى الآية على مذهب أبي موسى الأشعري ، وسعيد بن المسيب ، ويحيى بن يعمر ; وسعيد بن جبير وأبي مجلز وإبراهيم وشريح وعبيدة السلماني ; وابن سيرين ومجاهد وقتادة والسدي وابن عباس وغيرهم ، وقال به من الفقهاء سفيان الثوري ; ومال إليه أبو عبيد القاسم بن سلام لكثرة من قال به ، واختاره أحمد بن حنبل وقال : شهادة أهل الذمة جائزة على المسلمين في السفر عند عدم المسلمين كلهم يقولون منكم من المؤمنين ومعنى من غيركم يعني الكفار . قال بعضهم : وذلك أن الآية نزلت ولا مؤمن إلا بالمدينة ; وكانوا يسافرون بالتجارة صحبة أهل الكتاب وعبدة الأوثان وأنواع الكفرة ، والآية محكمة على مذهب أبي موسى وشريح وغيرهما .القول الثاني : أن قوله سبحانه : أو آخران من غيركم منسوخ ; هذا قول زيد بن أسلم والنخعي ومالك ; والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم من الفقهاء ; إلا أن أبا حنيفة خالفهم فقال : تجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض ; ولا تجوز على المسلمين واحتجوا بقوله تعالى : ممن ترضون من الشهداء وقوله : وأشهدوا ذوي عدل منكم ; فهؤلاء زعموا أن آية الدين من آخر ما نزل ; وأن فيها ممن ترضون من الشهداء فهو ناسخ لذلك ; ولم يكن الإسلام يومئذ إلا بالمدينة ; فجازت شهادة أهل الكتاب ; وهو اليوم طبق الأرض فسقطت شهادة الكفار ; وقد أجمع المسلمون على أن شهادة الفساق لا تجوز ; والكفار فساق فلا تجوز شهادتهم .قلت : ما ذكرتموه صحيح إلا أنا نقول بموجبه ; وأن ذلك جائز في شهادة أهل الذمة على المسلمين في الوصية في السفر خاصة للضرورة بحيث لا يوجد مسلم ; وأما مع وجود مسلم فلا ; ولم يأت ما ادعيتموه من النسخ عن أحد ممن شهد التنزيل ; وقد قال بالأول ثلاثة من الصحابة وليس ذلك في غيره ; ومخالفة الصحابة إلى غيرهم ينفر عنه أهل العلم ، ويقوي هذا أن سورة " المائدة " من آخر القرآن نزولا حتى قال ابن عباس والحسن وغيرهما : إنه لا منسوخ فيها ، وما ادعوه من النسخ لا يصح فإن النسخ لا بد فيه من إثبات الناسخ على وجه يتنافى الجمع بينهما مع تراخي الناسخ ; فما ذكروه لا يصح أن يكون ناسخا ; فإنه في قصة غير قصة الوصية لمكان الحاجة والضرورة ; ولا يمتنع اختلاف الحكم عند الضرورات ; ولأنه ربما كان الكافر ثقة عند المسلم يرتضيه عند الضرورة ; فليس فيما قالوه ناسخ .القول الثالث : أن الآية لا نسخ فيها ; قاله الزهري والحسن وعكرمة ، ويكون معنى قوله : منكم أي : من عشيرتكم وقرابتكم ; لأنهم أحفظ وأضبط وأبعد عن النسيان . ومعنى أو آخران من غيركم أي : من غير القرابة والعشيرة ; قال النحاس : وهذا ينبني على معنى غامض في العربية ; وذلك أن معنى " آخر " في العربية من جنس الأول ; تقول : مررت بكريم وكريم آخر ; فقوله " آخر " يدل على أنه من جنس الأول ; ولا يجوز عند أهل العربية مررت بكريم وخسيس آخر ; ولا مررت برجل وحمار آخر ; فوجب من هذا أن يكون معنى قوله : أو آخران من غيركم أي : عدلان ; والكفار لا يكونون عدولا فيصح على هذا قول من قال من غيركم من غير عشيرتكم من المسلمين ، وهذا معنى حسن من جهة اللسان ; وقد يحتج به لمالك ومن قال بقوله ; لأن المعنى عندهم من غيركم من غير قبيلتكم على أنه قد عورض هذا القول بأن في أول الآية يا أيها الذين آمنوا فخوطب الجماعة من المؤمنين .السابعة : واستدل أبو حنيفة بهذه الآية على جواز شهادة الكفار من أهل الذمة فيما بينهم ; قال : ومعنى أو آخران من غيركم أي : من غير أهل دينكم ; فدل على جواز شهادة بعضهم على بعض ; فيقال له : أنت لا تقول بمقتضى هذه الآية ; لأنها نزلت في قبول شهادة أهل الذمة على المسلمين وأنت لا تقول بها ، فلا يصح احتجاجك بها . فإن قيل : هذه الآية دلت على جواز قبول شهادة أهل الذمة على المسلمين من طريق النطق ; ودلت على قبول شهادتهم على أهل الذمة من طريق التنبيه ; وذلك أنه إذا قبلت شهادتهم على المسلمين فلأن تقبل على أهل الذمة أولى ; ثم دل الدليل على بطلان شهادتهم على المسلمين ; فبقي شهادتهم على أهل الذمة على ما كان عليه ; وهذا ليس بشيء ; لأن قبول شهادة أهل الذمة على أهل الذمة فرع لقبول شهادتهم على المسلمين ; فإذا بطلت شهادتهم على المسلمين وهي الأصل فلأن تبطل شهادتهم على أهل الذمة وهي فرعها أحرى وأولى . والله أعلم .الثامنة : قوله تعالى : إن أنتم ضربتم في الأرض أي : سافرتم ; وفي الكلام حذف تقديره إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت فأوصيتم إلى اثنين عدلين في ظنكم ; ودفعتم إليهما ما معكم من المال ; ثم متم وذهبا إلى ورثتكم بالتركة فارتابوا في أمرهما ; وادعوا عليهما خيانة ; فالحكم أن تحبسوهما من بعد الصلاة ; أي : تستوثقوا منهما ; وسمى الله تعالى الموت في هذه الآية مصيبة ; قال علماؤنا : والموت وإن كان مصيبة عظمى ، ورزية كبرى ; فأعظم منه الغفلة عنه ، والإعراض عن ذكره ، وترك التفكر فيه ; وترك العمل له ; وإن فيه وحده لعبرة لمن اعتبر ، وفكرة لمن تفكر ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لو أن البهائم تعلم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سمينا ، ويروى أن أعرابيا كان يسير على جمل له ; فخر الجمل ميتا فنزل الأعرابي عنه ، وجعل يطوف به ويتفكر فيه ويقول : ما لك لا تقوم ؟ ! ما لك لا تنبعث ؟ ! هذه أعضاؤك كاملة ، وجوارحك سالمة ; ما شأنك ؟ ! ما الذي كان يحملك ؟ ! ما الذي كان يبعثك ؟ ! ما الذي صرعك ؟ ! ما الذي عن الحركة منعك ؟ ! ثم تركه وانصرف متفكرا في شأنه ، متعجبا من أمره .التاسعة : قوله تعالى : تحبسونهما قال أبو علي : تحبسونهما صفة ل آخران واعترض بين الصفة والموصوف بقوله : إن أنتم ، وهذه الآية أصل في حبس من وجب عليه حق ; والحقوق على قسمين : منها ما يصلح استيفاؤه معجلا ; ومنها ما لا يمكن استيفاؤه إلا مؤجلا ; فإن خلي من عليه الحق غاب واختفى وبطل الحق وتوي فلم يكن بد من التوثق منه ; فإما بعوض عن الحق وهو المسمى رهنا ; وإما بشخص ينوب منابه في المطالبة والذمة وهو الحميل ; وهو دون الأول ; لأنه يجوز أن يغيب كمغيبه ويتعذر وجوده كتعذره ; ولكن لا يمكن أكثر من هذا فإن تعذرا جميعا لم يبق إلا التوثق بحبسه حتى تقع منه التوفية لما كان عليه من حق ; أو تبين عسرته .العاشرة : فإن كان الحق بدنيا لا يقبل البدل كالحدود والقصاص ولم يتفق استيفاؤه معجلا ; لم يكن فيه إلا التوثق بسجنه ; ولأجل هذه الحكمة شرع السجن ; روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلا في تهمة ، وروى أبو داود عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لي الواجد يحل عرضه وعقوبته . قال ابن المبارك يحل عرضه يغلظ له ، وعقوبته يحبس له . قال الخطابي : الحبس على ضربين ; حبس عقوبة ، وحبس استظهار ، فالعقوبة لا تكون إلا في واجب ، وأما ما كان في تهمة فإنما يستظهر بذلك ليستكشف به ما وراءه ; وقد روي أنه حبس رجلا في تهمة ساعة من نهار ثم خلى عنه ، وروى معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال : كان شريح إذا قضى على رجل بحق أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم فإن أعطاه حقه وإلا أمر به إلى السجن .الحادية عشرة : قوله تعالى : من بعد الصلاة يريد صلاة العصر ; قاله الأكثر من العلماء ; لأن أهل الأديان يعظمون ذلك الوقت ويتجنبون فيه الكذب واليمين الكاذبة ، وقال الحسن : صلاة الظهر ، وقيل : أي صلاة كانت ، وقيل : من بعد صلاتهما على أنهما كافران ; قاله السدي ، وقيل : إن فائدة اشتراطه بعد الصلاة تعظيم للوقت ، وإرهاب به ; لشهود الملائكة ذلك الوقت ; وفي الصحيح من حلف على يمين كاذبة بعد العصر لقي الله وهو عليه غضبان .الثانية عشرة : وهذه الآية أصل في التغليظ في الأيمان ، والتغليظ يكون بأربعة أشياء : أحدها : الزمان كما ذكرنا . الثاني : المكان كالمسجد والمنبر ، خلافا لأبي حنيفة وأصحابه حيث يقولون : لا يجب استحلاف أحد عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا بين الركن والمقام لا في قليل الأشياء ولا في كثيرها ; وإلى هذا القول ذهب البخاري - رحمه الله - حيث ترجم ( باب يحلف المدعى عليه حيثما وجبت عليه اليمين ولا يصرف من موضع إلى غيره ) ، وقال مالك والشافعي : ويجلب في أيمان القسامة إلى مكة من كان من أعمالها ، فيحلف بين الركن والمقام ، ويجلب إلى المدينة من كان من أعمالها ، فيحلف عند المنبر . الثالث : الحال روى مطرف وابن الماجشون وبعض أصحاب الشافعي أنه يحلف قائما مستقبل القبلة ; لأن ذلك أبلغ في الردع والزجر ، وقال ابن كنانة : يحلف جالسا ; قال ابن العربي : والذي عندي أنه يحلف كما يحكم عليه بها إن كان قائما فقائما وإن جالسا فجالسا إذ لم يثبت في أثر ولا نظر اعتبار ذلك من قيام أو جلوس .قلت : قد استنبط بعض العلماء من قوله في حديث علقمة بن وائل عن أبيه : " فانطلق ليحلف " القيام - والله أعلم - أخرجه مسلم . الرابع : التغليظ باللفظ ; فذهبت طائفة إلى الحلف بالله لا يزيد عليه ; لقوله تعالى : فيقسمان بالله وقوله : قل إي وربي وقال : وتالله لأكيدن أصنامكم وقوله عليه السلام : من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ، وقول الرجل : والله لا أزيد عليهن ، وقال مالك : يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عندي حق ، وما ادعاه علي باطل ; والحجة له ما رواه أبو داود حدثنا مسدد قال حدثنا أبو الأحوص قال حدثنا عطاء بن السائب عن أبي يحيى عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : - يعني لرجل حلفه - احلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عندك شيء يعني للمدعي ; قال أبو داود : أبو يحيى اسمه زياد كوفي ثقة ثبت ، وقال الكوفيون : يحلف بالله لا غير ، فإن اتهمه القاضي غلظ عليه اليمين ; فيحلفه بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، وزاد أصحاب الشافعي التغليظ بالمصحف . قال ابن العربي : وهو بدعة ما ذكرها أحد قط من الصحابة ، وزعم الشافعي أنه رأى ابن مازن قاضي صنعاء يحلف بالمصحف ويأمر أصحابه بذلك ويرويه عن ابن عباس ، ولم يصح .قلت : وفي كتاب ( المهذب ) وإن حلف بالمصحف وما فيه من القرآن فقد حكى الشافعي عن مطرف أن ابن الزبير كان يحلف على المصحف ، قال : ورأيت مطرفا بصنعاء يحلف على المصحف ; قال الشافعي : وهو حسن . قال ابن المنذر : وأجمعوا على أنه لا ينبغي للحاكم أن يستحلف بالطلاق والعتاق والمصحف .قلت : قد تقدم في الأيمان : وكان قتادة يحلف بالمصحف ، وقال أحمد وإسحاق : لا يكره ذلك ; حكاه عنهما ابن المنذر .الثالثة عشرة : اختلف مالك والشافعي من هذا الباب في قدر المال الذي يحلف به في مقطع الحق ; فقال مالك : لا تكون اليمين في مقطع الحق في أقل من ثلاثة دراهم قياسا على القطع ، وكل مال تقطع فيه اليد وتسقط به حرمة العضو فهو عظيم ، وقال الشافعي : لا تكون اليمين في ذلك في أقل من عشرين دينارا قياسا على الزكاة ، وكذلك عند منبر كل مسجد .الرابعة عشرة : قوله تعالى : فيقسمان بالله الفاء في فيقسمان عاطفة جملة على جملة ، أو جواب جزاء ; لأن تحبسونها معناه احبسوهما ، أي : لليمين ; فهو جواب الأمر الذي دل عليه الكلام كأنه قال : إذا حبستموهما أقسما ; قال ذو الرمة :وإنسان عيني يحسر الماء مرة فيبدو وتارات يجم فيغرقتقديره عندهم : إذا حسر بدا .الخامسة عشرة : واختلف من المراد بقوله : فيقسمان ؟ فقيل : الوصيان إذا ارتيب في قولهما وقيل : الشاهدان إذا لم يكونا عدلين وارتاب بقولهما الحاكم حلفهما . قال ابن العربي مبطلا لهذا القول : والذي سمعت - وهو بدعة - عن ابن أبي ليلى أنه يحلف الطالب مع شاهديه أن الذي شهدا به حق ; وحينئذ يقضى له بالحق ; وتأويل هذا عندي إذا ارتاب الحاكم بالقبض فيحلف إنه لباق ، وأما غير ذلك فلا يلتفت إليه ; هذا في المدعي فكيف يحبس الشاهد أو يحلف ؟ ! هذا ما لا يلتفت إليه .قلت : وقد تقدم من قول الطبري في أنه لا يعلم لله حكم يجب فيه على الشاهد يمين ، وقد قيل : إنما استحلف الشاهدان لأنهما صارا مدعى عليهما ، حيث ادعى الورثة أنهما خانا في المال .السادسة عشرة : قوله تعالى : إن ارتبتم شرط لا يتوجه تحليف الشاهدين إلا به ، ومتى لم يقع ريب ولا اختلاف فلا يمين . قال ابن عطية : أما إنه يظهر من حكم أبي موسى في تحليف الذميين أنه باليمين تكمل شهادتهما وتنفذ الوصية لأهلها ، روى أبو داود عن الشعبي أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقاء هذه ، ولم يجد أحدا من المسلمين حضره يشهده على وصيته ، فأشهد رجلين من أهل الكتاب ، فقدما الكوفة فأتيا الأشعري فأخبراه ، وقدما بتركته ووصيته ; فقال الأشعري : هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ; فأحلفهما بعد العصر : " بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا وإنها لوصية الرجل وتركته " فأمضى شهادتهما . قال ابن عطية : وهذه الريبة عند من لا يرى الآية منسوخة تترتب في الخيانة ، وفي الاتهام بالميل إلى بعض الموصى لهم دون بعض ، وتقع مع ذلك اليمين عنده ; وأما من يرى الآية منسوخة فلا يقع تحليف إلا أن يكون الارتياب في خيانة أو تعد بوجه من وجوه التعدي ; فيكون التحليف عنده بحسب الدعوى على منكر لا على أنه تكميل للشهادة . قال ابن العربي : يمين الريبة والتهمة على قسمين : أحدهما : ما تقع الريبة فيه بعد ثبوت الحق وتوجه الدعوى فلا خلاف في وجوب اليمين . الثاني : التهمة المطلقة في الحقوق والحدود ، وله تفصيل بيانه في كتب الفروع ; وقد تحققت هاهنا الدعوى وقويت حسبما ذكر في الروايات .السابعة عشرة : الشرط في قوله : إن ارتبتم يتعلق بقوله : تحبسونهما لا بقوله فيقسمان لأن هذا الحبس سبب القسم .الثامنة عشرة : قوله تعالى : لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى أي : يقولان في يمينهما لا نشتري بقسمنا عوضا نأخذه بدلا مما أوصى به ولا ندفعه إلى أحد ولو كان الذي نقسم له ذا قربى منا ، وإضمار القول كثير ، كقوله : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم أي : يقولون : سلام عليكم . والاشتراء هاهنا ليس بمعنى البيع ، بل هو التحصيل .التاسعة عشرة : اللام في قوله : لا نشتري جواب لقوله : فيقسمان لأن أقسم يلتقي بما يلتقي به القسم ; وهو " لا " و " ما " في النفي ، " وإن " واللام في الإيجاب ، والهاء في به عائد على اسم الله تعالى ، وهو أقرب مذكور ; المعنى : لا نبيع حظنا من الله تعالى بهذا العرض . ويحتمل أن يعود على الشهادة وذكرت على معنى القول ; كما قال صلى الله عليه وسلم : واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب فأعاد الضمير على معنى الدعوة الذي هو الدعاء ، وقد تقدم في سورة " النساء " .الموفية عشرين : قوله تعالى : ثمنا قال الكوفيون : المعنى ذا ثمن أي : سلعة ذا ثمن ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، وعندنا وعند كثير من العلماء أن الثمن قد يكون هو ويكون السلعة ; فإن الثمن عندنا مشترى كما أن المثمون مشترى ; فكل واحد من المبيعين ثمنا ومثمونا كان البيع دائرا على عرض ونقد ، أو على عرضين ، أو على نقدين ; وعلى هذا الأصل تنبني مسألة : إذا أفلس المبتاع ووجد البائع متاعه هل يكون أولى به ؟ قال أبو حنيفة : لا يكون أولى به ; وبناه على هذا الأصل ، وقال : يكون صاحبها أسوة الغرماء ، وقال مالك : هو أحق بها في الفلس دون الموت ، وقال الشافعي : صاحبها أحق بها في الفلس والموت . تمسك أبو حنيفة بما ذكرنا ، وبأن الأصل الكلي أن الدين في ذمة المفلس والميت ، وما بأيديهما محل للوفاء ; فيشترك جميع الغرماء فيه بقدر رءوس أموالهم ، ولا فرق في ذلك بين أن تكون أعيان السلع موجودة أو لا ، إذ قد خرجت عن ملك بائعها ووجبت أثمانها لهم في الذمة بالإجماع ، فلا يكون لهم إلا أثمانها أو ما وجد منها . وخصص مالك والشافعي هذه القاعدة بأخبار رويت في هذا الباب رواها الأئمة أبو داود وغيره .الحادية والعشرون : قوله تعالى : ولا نكتم شهادة الله أي : ما أعلمنا الله من الشهادة ، وفيها سبع قراءات من أرادها وجدها في ( التحصيل ) وغيره .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به: " يا أيها الذين آمنوا شهادةُ بينكم " ، يقول: ليشهد بينكم =" إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية " ، يقول: وقت الوصية=" اثنان ذوا عدل منكم "، يقول: ذوا رشد وعقل وحِجًى من المسلمين، (48) كما:-12882 - حدثنا محمد بن بشار وعبيد الله بن يوسف الجبيري قالا حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال ، حدثنا شعبة, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب في قوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [سورة الطلاق: 2]، قال: ذَوَي عقل. (49)واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " ذوا عدل منكم " .فقال بعضهم: عنى به: من أهل ملتكم.* ذكر من قال ذلك:12883 - حدثنا حميد بن مسعدة قال ، حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب قال : شاهدان " ذوا عدل منكم "، من المسلمين.12884 - حدثنا عمران بن موسى القزاز قال ، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال ، حدثنا إسحاق بن سويد, عن يحيى بن يعمر في قوله: " اثنان ذوا عدل منكم " ، من المسلمين.12885- حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا ابن أبي عدي, عن سعيد, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب في قوله: " اثنان ذوا عدل منكم "، قال: اثنان من أهل دينكم.12886 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس, عن أشعث, عن ابن سيرين, عن عبيدة قال : سألته, عن قول الله تعالى ذكره: " اثنان ذوا عدل منكم " ، قال: من الملة.12887- حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس, عن هشام, عن ابن سيرين, عن عبيدة, بمثله = إلا أنه قال فيه: من أهل الملة.12888- حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية, عن هشام, عن ابن سيرين قال : سألت عبيدة عن هذه الآية: " اثنان ذوا عدل منكم " ، قال: من أهل الملة.12889- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي, عن ابن عون, عن ابن سيرين, عن عبيدة, مثله.12890- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حسين, عن زائدة, عن هشام, عن ابن سيرين قال : سألت عبيدة, فذكر مثله.12891 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن مهدي, عن حماد, عن ابن أبي نجيح = وقال، حدثنا مالك بن إسماعيل, عن حماد بن زيد, عن ابن أبي نجيح = عن مجاهد, مثله.12892 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: " ذوا عدل منكم " ، قال: ذوا عدل من أهل الإسلام.12893 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله: " ذوا عدل منكم " ، قال: من المسلمين.12894- حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد, عن قتادة قال : كان سعيد بن المسيب يقول: " اثنان ذوا عدل منكم " ، أي: من أهل الإسلام.* * *وقال آخرون: عنى بذلك: ذوا عدل من حَيِّ الموصِي. وذلك قول روي عن عكرمة وعبيدة وعدّة غيرهما.* * *واختلفوا في صفة " الاثنين " اللذين ذكرهما الله في هذه الآية، ما هي, وما هما؟فقال بعضهم: هما شاهدان يشهدان على وصية الموصي.* * *وقال آخرون: هما وصيان.* * *وتأويل الذين زعموا أنهما شاهدان. قولَه: " شهادة بينكم " ، ليشهد شاهدان ذوا عدل منكم على وصيتكم.* * *وتأويل الذين قالوا: " هما وصيان لا شاهدان " قولَه: " شهادة بينكم "، بمعنى الحضور والشهود لما يوصيهما به المريضُ, من قولك: " شهدت وصية فلان ", بمعنى حضرته. (50)* * *قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بقوله: " اثنان ذوا عدل منكم " ، تأويلُ من تأوّله بمعنى أنهما من أهل الملة، دون من تأوّله أنهما من حيّ الموصي.وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية, لأن الله تعالى ذكره، عم المؤمنين بخطابهم بذلك في قوله: " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم " فغير جائز أن يصرف ما عمَّه الله تعالى ذكره إلى الخصوص إلا بحجة يجب التسليم لها. وإذ كان ذلك كذلك, فالواجب أن يكون العائدُ من ذكره على العموم, (51) كما كان ذكرهم ابتداءً على العموم.* * *وأولى المعنيين بقوله: " شهادة بينكم " اليمين, لا " الشهادة " التي يقوم بها مَنْ عنده شهادة لغيره، لمن هي عنده، على مَن هي عليه عند الحكام. (52) لأنا لا نعلم لله تعالى ذكره حكمًا يجب فيه على الشاهد اليمين, فيكون جائزًا صرفُ" الشهادة " في هذا الموضع، إلى " الشهادة " التي يقوم بها بعض الناس عند الحكام والأئمة.وفي حكم الآية في هذه، اليمينَ على ذوي العدل = وعلى من قام مقامهم، باليمين بقوله (53) " تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله " = أوضحُ الدليل على صحة ما قلنا في ذلك، من أن " الشهادة " فيه: الأيمان، دون الشهادة التي يقضَى بها للمشهود له على المشهود عليه = وفسادِ ما خالفه.* * *فإن قال قائل: فهل وجدتَ في حكم الله تعالى ذكره يمينًا تجب على المدَّعي، فتوجه قولك في الشهادة في هذا الموضع إلى الصحة؟فإن قلتَ: " لا ", تبين فساد تأويلك ذلك على ما تأوّلت, لأنه يجب على هذا التأويل أن يكون المقسمان في قوله: " فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحقّ من شهادتهما " ، هما المدعيين.وإن قلت: " بلى ", قيل لك: وفي أيّ حكم لله تعالى ذكره وجدتَ ذلك؟ قيل: وجدنا ذلك في أكثر المعاني. وذلك في حكم الرجل يدَّعي قِبَل رجل مالا فيقرّ به المدّعَى عليه قِبَله ذلك، ويدّعي قضاءه. فيكون القول قول ربّ الدين = (54)والرجل يعرّف في يد الرجل السلعةَ, فيزعم المعرّف في يده أنه اشتراها من المدّعِي، أو أنّ المدعي وهبها له, وما أشبه ذلك مما يكثر إحصاؤه. وعلى هذا الوجه أوجبَ الله تعالى ذكره في هذا الموضع اليمين على المدعيين اللذين عثرا على الخائنين فيما خانا فيه. (55)قال أبو جعفر: واختلف أهل العربية في الرافع قولَه: " شهادة بينكم ", وقولَه: " اثنان ذوا عدل منكم " .فقال بعض نحويي البصرة: معنى قوله: " شهادة بينكم " ، شهادة اثنين ذوي عدل, ثم ألقيت " الشهادة "، وأقيم " الاثنان " مقامها, فارتفعا بما كانت " الشهادة " به مرتفعة لو جعلت في الكلام. (56) قال: وذلك = في حذف ما حذف منه، وإقامة ما أقيم مقام المحذوف = نظيرُ قوله: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [سورة يوسف: 82] ، وإنما يريد: واسأل أهل القرية, وانتصبت " القرية " بانتصاب " الأهل "، وقامت مقامه, ثم عطف قوله: " أو آخران " على " الاثنين ".* * *وقال بعض نحويي الكوفة: رفع " الاثنين " ب " الشهادة "، أي: ليشهدكم اثنان من المسلمين, أو آخران من غيركم.* * *وقال آخر منهم: رفعت " الشهادة "، ب " إذا حضر ". وقال: إنما رفعت بذلك، لأنه قال: " إذا حضر " فجعلها " شهادة " محذوفة مستأنفة, ليست بالشهادة التي قد رفعت لكل الخلق, لأنه قال تعالى ذكره: " أو آخران من غيركم ", وهذه شهادة لا تقع إلا في هذا الحال, وليست مما يثبت. (57)* * *قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب, قولُ من قال: " الشهادة " مرفوعة بقوله: " إذا حضر " ، لأن قوله: " إذا حضر "، بمعنى: عند حضور أحدكم الموت, و " الاثنان " مرفوع بالمعنى المتوهَّم, وهو: أن يشهد اثنان = فاكتفي من قيل: " أن يشهد "، بما قد جرى من ذكر " الشهادة " في قوله: " شهادة بينكم ".وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب, لأن " الشهادة " مصدر في هذا الموضع, و " الاثنان " اسم, والاسم لا يكون مصدرًا. غير أن العرب قد تضع الأسماء مواضع الأفعال. (58) فالأمر وإن كان كذلك, فصرْفُ كل ذلك إلى أصح وُجوهه ما وجدنا إليه سبيلا أولى بنا من صرفه إلى أضعفها.* * *القول في تأويل قوله : أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين: ليشهد بينكم إذا حضر أحدكم الموت، عدلان من المسلمين, أو آخران من غير المسلمين.* * *وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " أو آخران من غيركم " .فقال بعضهم: معناه: أو آخران من غير أهل ملتكم، نحو الذي قلنا فيه.* ذكر من قال ذلك:12859 - حدثنا حميد بن مسعدة وبشر بن معاذ قالا (59) حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب: " أو آخران من غيركم " ، من أهل الكتاب.12896- حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة قال ، سمعت قتادة يحدث, عن سعيد بن المسيب: " أو آخران من غيركم " ، من أهل الكتاب.12897- حدثني أبو حفص الجبيري، عبيد الله بن يوسف قال ، حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال ، حدثنا شعبة, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب, مثله. (60)12898 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا ابن أبي عدي, عن سعيد, عن قتادة, عن سعيد, مثله.12899- حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا مغيرة, عن إبراهيم وسليمان التيمي, عن سعيد بن المسيب, أنهما قالا في قوله: " أو آخران من غيركم " ، قالا من غير أهل ملتكم.12900- حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا مغيرة قال ، حدثني من سمع سعيد بن جبير يقول, مثل ذلك.12901 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا التيمي, عن أبي مجلز قال : من غير أهل ملتكم.12902 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة, عن مغيرة, عن إبراهيم, مثله.12903 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن إبراهيم قال : إن كان قُرْبَه أحدٌ من المسلمين أشهدهم, وإلا أشهد رجلين من المشركين.12904 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا أبو قتيبة قال ، حدثنا هشيم, عن المغيرة, عن إبراهيم وسعيد بن جبير في قوله: " أو آخران من غيركم " ، قالا من غير أهل ملتكم. (61)12905- حدثنا عمرو قال ، حدثنا يحيى بن سعيد قال ، حدثنا سعيد, عن قتادة, عن سعيد: " أو آخران من غيركم "، قال: من أهل الكتاب.12906- حدثنا عمرو قال ، حدثنا محمد بن سواء قال ، حدثنا سعيد, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب, مثله. (62)12907- حدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي = عن شعبة, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب, مثله.12908 - حدثنا عمران بن موسى قال ، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال ، حدثنا إسحاق بن سويد, عن يحيى بن يعمر في قوله: " اثنان ذوا عدل منكم "، من المسلمين, فإن لم تجدوا من المسلمين, فمن غير المسلمين.12909 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا داود, عن عامر, عن شريح في هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموتُ حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم " ، قال: إذا كان الرجل بأرض غُرْبة ولم يجد مسلمًا يشهده على وصيته, فأشهد يهوديًّا أو نصرانيًّا أو مجوسيًّا, فشهادتهم جائزة. (63) فإن جاء رجلان مسلمان فشهدا بخلاف شهادتهما, أجيزت شهادة المسلمين, وأبطلت شهادة الآخرَيْن. (64)12910 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا الأعمش, عن إبراهيم, عن شريح: أنه كان لا يجيز شهادة اليهود والنصارى على مسلم إلا في الوصية, ولا يجيز شهادتهما على الوصية إلا إذا كانوا في سفَر.12911- حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا حدثنا الأعمش, عن إبراهيم, عن شريح قال : لا تجوز شهادة اليهودي والنصرانيّ إلا في سفر, ولا تجوز في سفر إلا في وصية. (65)12912 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي، عن الأعمش, عن إبراهيم, عن شريح, نحوه.12913 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي قال ، حدثنا سفيان, عن منصور, عن إبراهيم قال : كتب هشام بن هُبَيرة لمسلمة عن شهادة المشركين على المسلمين, فكتب: " لا تجوز شهادة المشركين على المسلمين إلا في وصية, ولا يجوز في وصية إلا أن يكون الرجل مسافرًا ".12914 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس, عن أشهب, عن ابن سيرين, عن عبيدة قال : سألته عن قول الله تعالى ذكره: " أو آخران من غيركم " ، قال: من غير الملة.12915- حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس, عن هشام, عن ابن سيرين, عن عبيدة, بمثله.12916- حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية, عن هشام, عن ابن سيرين قال : سألت عبيدة, عن ذلك فقال: من غير أهل الملة.12917- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير, عن هشام, عن ابن سيرين, عن عبيدة قال : من غير أهل الصلاة.12918- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن إدريس, عن هشام, عن ابن سيرين, عن عبيدة قال : من غير أهل دينكم.12919- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حسين, عن زائدة, عن هشام, عن ابن سيرين, عن عبيدة قال : من غير أهل الملة.12920- حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا أبو حرّة, عن محمد بن سيرين, عن عبيدة: " أو آخران من غيركم " ، قال: من غير أهل ملتكم.12921- حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا عبد الرحمن بن عثمان قال، حدثنا هشام بن محمد قال ، سألت سعيد بن جبير عن [ قول الله: " أو آخران من غيركم " ، قال: من غير أهل ملتكم] . (66)12922 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا مالك بن إسماعيل, عن حماد بن زيد, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.12923- حدثنا عمرو قال ، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا حماد بن زيد, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال : من غير أهل ملتكم.12924 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: " أو آخران من غيركم " ، من غير أهل الإسلام.12925 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا أبو بكر بن عياش قال ، قال أبو إسحاق: " أو آخران من غيركم " ، قال: من اليهود والنصارى = قال قال شريح: لا تجوز شهادة اليهوديّ والنصراني إلا في وصية, ولا تجوز في وصية إلا في سفر.12926 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا زكريا, عن الشعبي: أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدَقوقَا هذه. (67) قال: فحضرته الوفاة ولم يجد أحدًا من المسلمين يشهده على وصيته, فأشهده رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة, فأتيا الأشعريّ فأخبراه, وقدِما بتركته ووصيته, فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعدَ الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم! فأحلفهما وأمضى شهادتهما. (68)12927 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا شعبة, عن مغيرة الأزرق, عن الشعبي: أن أبا موسى قضى بها بدَقوقَا.12928 - حدثنا عمرو قال ، حدثنا عثمان بن الهيثم قال ، حدثنا عوف, عن محمد: أنه كان يقول في قوله: " اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم " ، شاهدان من المسلمين وغير المسلمين.12929 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد: " أو آحران من غيركم " ، من غير أهل الإسلام.12930- حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال ، أخبرنا أبو حفص, عن ليث, عن مجاهد قال : من غير أهل الإسلام.12931 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرني عبد الله بن عياش قال : قال زيد بن أسلم في هذه الآية: " شهادة بينكم " الآية كلها، قال: كان ذلك في رجل تُوُفّيَ وليس عنده أحد من أهل الإسلام, وذلك في أوّل الإسلام، والأرض حرب، والناس كفار, إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالمدينة, وكان الناس يتوارثون بالوصية, ثم نُسِخت الوصية وفرضت الفرائض, وعمل المسلمون بها. (69)* * *وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو آخران من غير حَيِّكم وعشيرتكم.* ذكر من قال ذلك:12932 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا عثمان بن الهيثم بن الجهم قال ، حدثنا عوف, عن الحسن في قوله: " اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم " ، قال: شاهدان من قومكم ومن غير قومكم. (70)12933 - حدثنا عمرو قال ، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا صالح بن أبي الأخضر, عن الزهري قال : مضت السُّنة أن لا تجوز شهادة كافر في حضر ولا سفر, إنما هي في المسلمين. (71)12934- حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد, عن قتادة قال : كان الحسن يقول: " اثنان ذوا عدل منكم " ، أي: من عشيرته =" أو آخران من غيركم " ، قال: من غير عشيرته.12935 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة, عن ثابت بن زيد, عن عاصم, عن عكرمة: " أو آخران من غيركم " ، قال: من غير أهل حيِّكم.12936- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن مهدي, عن ثابت بن زيد, عن عاصم, عن عكرمة: " أو آخران من غيركم "، قال: من غير حيكم.12937- حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا ثابت بن زيد, عن عاصم الأحول, عن عكرمة في قول الله تعالى ذكره: " أو آخران من غيركم " ، قال: من غير أهل حيه = يعني: من المسلمين.12938- حدثني الحارث بن محمد قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا مبارك, عن الحسن: " أو آخران من غيركم " ، قال: من غير عشيرتك, ومن غير قومك، كلهم من المسلمين.12939- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر, عن أيوب, عن ابن سيرين, عن عبيدة قوله: " أو آخران من غيركم " ، قال: مسلمين من غير حيكم.12940 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني الليث قال ، حدثني عقيل قال: سألت ابن شهاب عن قول الله تعالى ذكره: " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت " ، إلى قوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ، قلت: أرأيت الاثنين اللذين ذكر الله، من غير أهل المرء الموصي، أهما من المسلمين، أم هما من أهل الكتاب؟ وأرأيت الآخرين اللذين يقومان مقامهما, أتراهما من [غير] أهل المرء الموصي، (72) أم هما من غير المسلمين؟ قال ابن شهاب: لم نسمع في هذه الآية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا عن أئمة العامة، سنة أذكرها, وقد كنا نتذاكرها أناسًا من علمائنا أحيانًا, فلا يذكرون فيها سُنة معلومة، ولا قضاءً من إمام عادل, ولكنه يختلف فيها رأيهم. وكان أعجبهم فيها رأيًا إلينا، الذين كانوا يقولون: هي فيما بين أهل الميراث من المسلمين, يشهد بعضهم الميت الذي يرثونه، ويغيب عنه بعضهم, ويشهد من شهده على ما أوصى به لذوي القربى، فيخبرون من غاب عنه منهم بما حضرُوا من وصية. فإن سلّموا جازت وصيته، وإن ارتابوا أن يكونوا بدَّلوا قولَ الميت، وآثروا بالوصية من أرادوا ممن لم يوص لهم الميت بشيء، حَلَف اللذان يشهدان على ذلك بعد الصلاة، وهي صلاة المسلمين, فيقسمان بالله: " إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذًا لمن الآثمين ". فإذا أقسما على ذلك جازت شهادتهما وأيمانهما، ما لم يعثر على أنهما [استحقا إثمًا في شيء من ذلك, فإن عُثر على أنهما استحقا إثمًا في شيء من ذلك ] ، (73) قام آخران مقامهما من أهل الميراث، من الخصم الذين ينكرون ما شهد به عليه الأوَّلان المستحلفان أول مرة, فيقسمان بالله لشهادتنا [ أحق من شهادتكما] ، (74) على تكذيبكما أو إبطال ما شهدتما به = وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ = ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ، الآية.* * *قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك عندنا بالصواب، تأويل من تأوّله: أو آخران من غير أهل الإسلام. وذلك أن الله تعالى عرَّف عباده المؤمنين عند الوصية، شهادة اثنين من عدول المؤمنين، أو اثنين من غير المؤمنين. ولا وجه لأن يقال في الكلام صفة شهادة مؤمنين منكم، أو رجلين من غير عشيرتكم, وإنما يقال: صفة شهادة رجلين من عشيرتكم أو من غير عشيرتكم = أو رجلين من المؤمنين أو من غير المؤمنين.فإذ كان لا وجه لذلك في الكلام, فغير جائز صرف معنى كلام الله تعالى ذكره إلا إلى أحسن وجوهه. (75)وقد دللنا قبل على أن قوله تعالى: " ذوا عدل منكم " ، إنما هو من أهل دينكم وملتكم، بما فيه كفاية لمن وفق لفهمه.وإذ صح ذلك بما دللنا عليه, فمعلوم أن معنى قوله: " أو آخران من غيركم " ، إنما هو: أو آخران من غير أهل دينكم وملتكم. وإذ كان ذلك كذلك, فسواء كان الآخران اللذان من غير أهل ديننا، يهوديين كانا أو نصرانيين أو مجوسيين أو عابدَيْ وثَن، أو على أي دين كانا. لأنّ الله تعالى ذكره لم يخصص آخرين من أهل ملة بعينها دونَ ملة، بعد أن يكونا من [غير] أهل الإسلام. (76)* * *القول في تأويل قوله : إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين: صفة شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموتُ وقتَ الوصية, أن يشهد اثنان ذوا عدل منكم، أيها المؤمنون، أو رجلان آخران من غير أهل ملتكم, إن أنتم سافرتم ذاهبين وراجعين في الأرض.* * *وقد بينا فيما مضى السبب الذي من أجله قيل للمسافر: " الضارب في الأرض ". (77)=" فأصابتكم مصيبة الموت " ، يقول: فنزل بكم الموت. (78)* * *ووجَّه أكثر التأويل هذا الموضع إلى معنى التعقيب دون التخيير، وقالوا: معناه: شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية، اثنان ذوا عدل منكم إن وجدا, فإن لم يوجدا فآخران من غيركم = وإنما فعل ذلك من فعله, لأنه وجَّه معنى " الشهادة " في قوله: " شهادة بينكم " ، إلى معنى الشهادة التي توجب للقوم قيامَ صاحبها عند الحاكم, أو يُبطلها. * ذكر بعض من تأول ذلك كذلك:12941 - حدثنا عمران بن موسى القزاز قال ، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال ، حدثنا إسحاق بن سويد, عن يحيى بن يعمر في قوله: " ذوا عدل منكم " ، من المسلمين. فإن لم تجدوا من المسلمين، فمن غير المسلمين.12942 - حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا حدثنا ابن أبي عدي, عن سعيد, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب في قوله: " اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم " ، قال: اثنان من أهل دينكم =" أو آخران من غيركم " ، من أهل الكتاب، إذا كان ببلادٍ لا يجد غيرهم.12943 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا داود, عن عامر, عن شريح في هذه الآية: " شهادة بينكم " إلى قوله: " أو آخران من غيركم " ، قال: إذا كان الرجل بأرض غربة ولم يجد مسلمًا يشهده على وصيته, فأشهد يهوديًّا أو نصرانيًّا، أو مجوسيًّا, فشهادتهم جائزة.12944 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط, عن السدي: " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم " ، قال: هذا في الحضر=" أو آخران من غيركم " ، في السفر =" إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت " ، هذا، الرجل يدركه الموت في سفره وليس بحضرته أحد من المسلمين, (79) فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس, فيوصي إليهما.12945 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا مغيرة, عن إبراهيم وسعيد بن جبير أنهما قالا في هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " الآية ، قال : إذا حضر الرجلَ الوفاةُ في سفر, فيشهد رجلين من المسلمين. فإن لم يجد رجلين من المسلمين، فرجلين من أهل الكتاب.12946 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " إلى قوله: " ذوا عدل منكم " ، فهذا لمن مات وعنده المسلمون, فأمره الله أن يشهد على وصيته عَدْلين من المسلمين. ثم قال: " أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت " ، فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين, فأمره الله تعالى ذكره بشهادة رجلين من غير المسلمين.* * *ووجَّه ذلك آخرون إلى معنى التخيير, وقالوا: إنما عنى بالشهادة في هذا الموضع، الأيمان على الوصية التي أوصى إليهما، وائتمانَ الميت إياهما على ما ائتمنهما عليه من مال ليؤدِّياه إلى ورثته بعد وفاته، إن ارتيب بهما. قالوا: وقد يتَّمِن الرجلُ على ماله من رآه موضعًا للأمانة من مؤمن وكافر في السفر والحضر. (80) وقد ذكرنا الرواية عن بعض من قال هذا القول فيما مضى, وسنذكر بقيته إن شاء الله تعالى بعد.* * *القول في تأويل قوله : تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت, إن شهد اثنان ذوا عدل منكم, أو كان أوصى إليهما = أو آخران من غيركم إن كنتم في سفر فحضرتكم المنيّة، فأوصيتم إليهما، ودفعتم إليهما ما كان معكم من مال وتركة لورثتكم. فإذا أنتم أوصيتم إليهما ودفعتم إليهما ما كان معكم من مال، فأصابتكم مصيبة الموت, فأدَّيا إلى ورثتكم ما اتَّمنتموهما وادَّعوا عليهما خيانة خاناها مما اتُّمنا عليه, (81) فإن الحكم فيهما حينئذ أن تحبسوهما = يقول: تستوقفونهما بعد الصلاة. وفي الكلام محذوف اجتزئ بدلالة ما ظهر منه على ما حذف, وهو: " فأصابتكم مصيبة الموت، وقد أسندتم وصيتكم إليهما، ودفعتم إليهما ما كان معكم من مال ", فإنكم تحبسونهما من بعد الصلاة =" فيقسمان بالله إن ارتبتم " ، يقول: فيحلفان بالله إن اتهمتموهما بخيانة فيما اُّتمنا عليه من تغيير وصية أوصى إليهما بها أو تبديلها = و " الارتياب "، هو الاتهام (82) =" لا نشتري به ثمنًا " يقول: يحلفان بالله لا نشتري بأيماننا بالله ثمنًا, يقول: لا نحلف كاذبين على عوض نأخذه عليه، وعلى مال نذهب به، (83) أو لحقّ نجحده لهؤلاء القوم الذين أوصى إلينا وَليُّهم وميِّتهم. (84)* * *و " الهاء " في قوله: " به "، من ذكر " الله " , والمعنيُّ به الحلف والقسم، ولكنه لما كان قد جرى قبل ذلك ذكر القسم به, فعُرِف معنى الكلام, اكتفي به من إعادة ذكر القسم والحلف. (85)=" ولو كان ذا قربى " ، يقول: يقسمان بالله لا نطلب بإقسامنا بالله عوضًا فنكذب فيها لأحد, ولو كان الذي نقسم به له ذا قرابة منا. (86)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس.* ذكر من قال ذلك:12947- حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت "، فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين, فأمره الله بشهادة رجلين من غير المسلمين. فإن ارتيب في شهادتهما، استحلفا بعد الصلاة بالله: لم نشتر بشهادتنا ثمنًا قليلا.* * *وقوله: " تحبسونهما من بعد الصلاة " ، من صلاة الآخرين. ومعنى الكلام: أو آخران من غيركم تحبسونهما من بعد الصلاة، إن ارتبتم بهما, فيقسمان بالله لا نشتري به ثمنًا ولو كان ذا قربى.* * *واختلفوا في" الصلاة " التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية، فقال: " تحبسونهما من بعد الصلاة " .فقال بعضهم: هي صلاة العصر.* ذكر من قال ذلك:12948 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا زكريا عن الشعبي: أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا, فلم يجد أحدًا من المسلمين يشهده على وصيته, فأشهد رجلين من أهل الكتاب. قال: فقدما الكوفة, فأتيا الأشعري فأخبراه, وقدما بتركته ووصيته, فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم! قال: فأحلفهما بعد العصر: بالله ما خانا ولا كذبا ولا بَدّلا ولا كتما، ولا غيَّرا, وإنها لوصية الرجل وتركته. قال: فأمضى شهادتهما. (87)12949 - حدثنا ابن بشار وعمرو بن علي قالا حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير: " أو آخران من غيركم " ، قال: إذا كان الرجل بأرض الشرك، فأوصى إلى رجلين من أهل الكتاب, فإنهما يحلفان بعد العصر.12950 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة, عن مغيرة, عن إبراهيم, بمثله.12951 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " إلى " فأصابتكم مصيبة الموت "، فهذا رجل مات بغُرْبة من الأرض، وترك تركته، وأوصى بوصيته، وشهد على وصيته رجلان. فإن ارتيب في شهادتهما، استحلفا بعد العصر. وكان يقال: عندها تصير الأيمان.12952 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني هشيم قال ، أخبرنا مغيرة, عن إبراهيم وسعيد بن جبير: أنهما قالا في هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " ، قالا إذا حضر الرجل الوفاة في سفر, فليشهد رجلين من المسلمين. فإن لم يجد فرجلين من أهل الكتاب. فإذا قدما بتركته, فإن صدّقهما الورثة قُبِل قولهما, وإن اتهموهما أحلفا بعد صلاة العصر: بالله ما كذبنا ولا كتمنا ولا خُنَّا ولا غيَّرنا.12953- حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا يحيى بن القطان قال ، حدثنا زكريا قال ، حدثنا عامر: أن رجلا توفي بدَقُوقا, فلم يجد من يشهده على وصيته إلا رجلين نصرانيين من أهلها. فأحلفهما أبو موسى دُبُر صلاة العصر في مسجد الكوفة: بالله ما كتما ولا غيرا, وأن هذه الوصية. فأجازها. (88)* * *وقال آخرون: بل يستحلفان بعد صلاة أهل دينهما وملتهما.* ذكر من قال ذلك:12954 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط, عن السدي: " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " إلى قوله: " ذوا عدل منكم " ، قال: هذا في الوصية عند الموت، يوصي ويشهد رجلين من المسلمين على ما لَهُ وعليه، قال : هذا في الحضر=" أو آخران من غيركم " في السفر =" إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت " ، هذا، الرجل يدركه الموت في سفره وليس بحضرته أحد من المسلمين, فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس, فيوصي إليهما، ويدفع إليهما ميراثه. فيقبلان به. فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا مالَ صاحبهم، تركوا الرجلين. وإن ارتابوا، رفعوهما إلى السلطان. فذلك قوله: " تحبسونهما من بعد الصلاة إن ارتبتم " . قال عبد الله بن عباس: كأني أنظر إلى العِلْجين حين انتُهِى بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره, (89) ففتح الصحيفة، فأنكر أهل الميت، وخوَّنوهما. فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر, فقلت له: " إنهما لا يباليان صلاة العصر, ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما, فيوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما, ويحلفان بالله: لا نشتري ثمنًا قليلا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنّا إذًا لمن الآثمين, أنّ صاحبهم لبهذا أوصى, وأنّ هذه لتركته. فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا: إنكما إن كنتما كتمتما أو خنتما فضحتكما في قومكما, ولم تجز لكما شهادة، وعاقبتكما! فإذا قال لهما ذلك, فإن ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها.* * *قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب عندنا, قولُ من قال: " تحبسونهما من بعد صلاة العصر ". لأن الله تعالى عرَّف " الصلاة " في هذا الموضع بإدخال " الألف واللام " فيها, ولا تدخلهما العرب إلا في معروف, إما في جنس, أو في واحد معهود معروف عند المتخاطبين. فإذا كان كذلك, وكانت " الصلاة " في هذا الموضع مجمعًا على أنه لم يُعْنَ بها جميع الصلوات, لم يجز أن يكون مرادًا بها صلاة المستحلَف من اليهود والنصارى, لأن لهم صلوات ليست واحدة, فيكون معلومًا أنها المعنيَّة بذلك. فإذْ كان ذلك كذلك, صح أنها صلاة بعينها من صلوات المسلمين. وإذ كان ذلك كذلك, وكان النبي صلى الله عليه وسلم صحيحًا عنه أنه إذْ لاعَنَ بين العَجْلانيين، لاعَن بينهما بعد العصر دون غيره من الصلوات (90) = كان معلومًا أنّ التي عنيت بقوله: " تحبسونهما من بعد الصلاة "، هي الصلاة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخيَّرها لاستحلاف من أراد تغليظَ اليمين عليه. هذا مع ما عند أهل الكفر بالله من تعظيم ذلك الوقت, وذلك لقربه من غروب الشمس.* * *وكان ابن زيد يقول في قوله: " لا نشتري به ثمنًا " ، ما:-12955 - حدثني به يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " لا نشتري به ثمنًا " ، قال: نأخذ به رشوة.* * *القول في تأويل قوله : وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ (106)قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.فقرأته عامة قرأة الأمصار: ( ولا نكتم شهادة الله ) ، بإضافة " الشهادة " إلى " الله " ، وخفض اسم الله تعالى = يعني: لا نكتم شهادة لله عندنا.* * *وذكر عن الشعبي أنه كان يقرؤه كالذي:-12956 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة, عن ابن عون, عن عامر: أنه كان يقرأ: ( ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين ) = بقطع " الألف "، وخفض اسم الله = هكذا حدثنا به ابن وكيع.* * *وكأن الشعبي وجَّهَ معنى الكلام إلى: أنهما يقسمان بالله لا نشتري به ثمنًا، ولا نكتم شهادةً عندنا. ثم ابتدأ يمينًا باستفهام: بالله أنهما إن اشتريا بأيمانهما ثمنًا أو كتما شهادته عندهما، لمن الآثمين.* * *وقد روي عن الشعبي في قراءة ذلك رواية تخالف هذه الرواية, وذلك ما:-12957- حدثني أحمد بن يوسف التغلبي قال ، حدثنا القاسم بن سلام قال ، حدثنا عباد بن عباد, عن ابن عون, عن الشعبي: أنه قرأ: ( ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين ) = (91) قال أحمد: قال أبو عبيد: تنوّن " شهادة " ويخفض " الله " على الاتصال. قال: وقد رواها بعضهم بقطع " الألف " على الاستفهام. (92)* * *قال أبو جعفر: وحفظي أنا لقراءة الشعبي بترك الاستفهام. (93)* * *وقرأها بعضهم: ( ولا نكتم شهادة الله ) ، بتنوين " الشهادة "، ونصب اسم " الله " بمعنى: ولا نكتم الله شهادةً عندنا.* * *قال أبو جعفر: وأولى القراءات في ذلك عندنا بالصواب, قراءة من قرأ: ( ولا نكتم شهادة الله ) ، بإضافة " الشهادة " إلى اسم " الله " ، وخفض اسم " الله " لأنها القراءة المستفيضة في قرأة الأمصار التي لا تتناكر صحَّتَها الأمة.* * *وكان ابن زيد يقول في معنى ذلك: ولا نكتم شهادة الله، وإن كان بعيدًا. (94)12958 - حدثني بذلك يونس قال ، أخبرنا ابن زيد، عنه.----------------------------الهوامش :(48) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.(49) الأثر: 12882 -"عبيد الله بن يوسف الجبيري" ، "أبو حفص البصري" ، شيخ الطبري ، ثقة. روي له ابن ماجه. مترجم في التهذيب. وفي المخطوطة: "عبد الله بن يوسف" ، وهو خطأ. ومضى في رقم: 109 ، ولم يترجم هناك.وهذا الخبر في تفسير الآية الثانية من"سورة الطلاق" ، ولم يذكره أبو جعفر هناك في تفسير الآية. فهذا من ضروب اختصاره تفسيره.(50) انظر تفسير"شهد" فيما سلف من فهارس اللغة ، واختلاف معانيها.(51) في المطبوعة: "من ذكرهم" ، وما في المخطوطة صواب محض.(52) كان صدر هذه العبارة في المخطوطة: "شهادة بينكم ، لأن الشهادة . . ." ، أسقط لفظ"اليمين" ، وجعل"لا الشهادة" ، "لأن الشهادة" ، وهو فاسد ، والذي في المطبوعة هو الصواب المحض إن شاء الله ، وهو مطابق لما رواه القرطبي في تفسيره 6: 348 ، عن أبي جعفر الطبري.(53) في المطبوعة هنا"في اليمين بقوله" غير ما في المخطوطة ، وأفسد الكلام. والسياق"وفي حكم الآية . . . باليمين . . . أوضح الدليل . . .".(54) قوله: "والرجل يعترف" ، معطوف على قوله: "في حكم الرجل . . . .". وكان في المطبوعة هنا"والرجل يعترف . . . فيزعم المعترفة" ، وهو خطأ ، وصوابه ما أثبت كما في المخطوطة.(55) في المطبوعة: " . . . على الجانبين فيما جنيا فيه" ، وهو لا معنى له هنا. وفي المخطوطة: "على الجانبين فيما صاهما فيه" ، وصواب قراءتها ما أثبت.(56) في المطبوعة والمخطوطة: "بما كانت الشاهدة به مرتفعة" ، وهو خطأ لا شك فيه ، صوابه ما أثبت.(57) في المطبوعة: "مما ثبت" ، وأثبت ما في المخطوطة.(58) "الأفعال": المصادر. وانظر فهارس المصطلحات فيما سلف.(59) في المطبوعة والمخطوطة: "يونس بن معاذ" ، وهو خطأ محض. و"بشر بن معاذ" عن يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة" إسناد دائر في أكثر صفحات هذا التفسير.(60) الأثر: 12897 -"أبو حفص الجبيري" ، "عبيد الله بن يوسف" ، مضى قريبًا رقم: 12882.(61) الأثر: 12904 -"أبو قتيبة" هو"سلم بن قتيبة الشعيري الفريابي". مضى برقم: 1899 ، 1924 ، 6395 ، 9714. وكان في المطبوعة: "قتيبة" ، غير كنية ، والصواب من المخطوطة.(62) الأثر: 12906 -"عمرو" هو"عمرو بن علي الفلاس" ، مضى مرارًا.و"محمد بن سواء بن عنبر السدوسي العنبري". صدوق ، ثقة ، متكلم فيه. مترجم في التهذيب.وكان في المطبوعة: "محمد بن سوار" وهو خطأ ، وفي المخطوطة: "محمد بن سوا" ، وأساء الناشر قراءته.(63) في المطبوعة: "فشهادتها" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب ، وسيأتي كذلك في رقم: 12974.(64) الأثر: 12909 - في المخطوطة والمطبوعة: "حدثني المثنى". والصواب ما أثبته ، وسيأتي هذا الخبر في موضعين بهذا الإسناد على الصواب ، وذلك رقم: 12943 ، 12974 ، ولذلك رددته إلى الصواب.(65) في المطبوعة: "اليهود والنصارى" ، وأثبت ما في المخطوطة.(66) الأثر: 12921 - انتهى هذا الأثر في المخطوطة عند قوله: " . . . سعيد بن جبير عن" ووضع الناسخ في المخطوطة حرف (ط) بالأحمر في الهامش ، دلالة على الخطأ والشك. أما المطبوعة ، فزادت ما وضعته بين القوسين ، وهو صواب في المعنى إن شاء الله.(67) "دقوقا" و"دقوقاء" ، مقصورًا وممدودًا؛ مدينة بين إربل وبغداد معروفة ، لها ذكر في الأخبار والفتوح ، كان بها وقعة للخوارج ، وكثر ذكرها في بعض أشعار الخوارج.وكان في المطبوعة: " . . . بدقوقا ، ولم يجد أحدًا من المسلمين" ، حذف ما أثبته من المخطوطة.وأساء. وظاهر من الخبر أن الشعبي قال هذا ، وهو يومئذ بدقوقا. وهو أيضًا ثابت في سنن أبي داود.(68) الأثر: 12926 - رواه أبو داود في سننه 3: 417 رقم: 3605 .(69) الأثر: 12931 -"عبد الله بن عياش بن عباس القتباني" ، "أبو حفص" المصري. مضى برقم: 12177. وكان في المطبوعة: "عبد الله بن عباس" ، وهو خطأ ، وهو على الصواب في المخطوطة.(70) الأثر: 12932 -"عثمان بن الهيثم بن الجهم بن عيسى العصري العبدي" ، وهو"الأشج العصري" ثقة. علق عنه البخاري. يروي عن عوف الأعرابي ، مترجم في التهذيب.(71) الأثر: 12933 -"صالح بن أبي الأخضر اليمامي" ، خادم الزهري ، مضى برقم: 9312.(72) الزيادة التي بين القوسين لا بد منها. وفي المخطوطة كما كانت في المطبوعة ، إلا أن الناسخ وضع في الهامش علامة الشك ، وهي هكذا (1) ، فأثبت الصواب إن شاء الله.(73) هذه الجملة التي بين القوسين ، ليست في المخطوطة ، ووضع في المطبوعة مكانها: "فإن عثر" ، واقتصر على ذلك ، واستظهرت الجملة من سياق أبي جعفر.(74) هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها ، استظهرتها من الآية والسياق.(75) في المطبوعة: "صرف مغلق كلام الله" ، وفي المخطوطة: "معلق" ، وصواب قراءتها"معنى"(76) هذه الزيادة بين القوسين ، لا بد منها ، وإلا فسد الكلام.(77) انظر تفسير"الضرب في الأرض" فيما سلف 5: 593/7: 332/9: 123.(78) انظر تفسير"الإصابة" فيما سلف 8: 514 ، 538 ، 555/10: 393 ، 404(79) في المطبوعة: "هذا الرجل" ، زاد"في" ، وأثبت ما في المخطوطة. وسيأتي على الصواب في رقم: 12954.(80) في المطبوعة: "وقد يأمن الرجل على ماله" ، وفي المخطوطة: "سمى الرجل" غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت."أمن الرجل على كذا ، وائتمنه ، واتمنه" (الأخيرة ، مشددة التاء). وانظر ما سلف 5: 298 ، تعليق: 4.(81) في المطبوعة في المواضع كلها"ائتمن" مكان"اتمن" ، وانظر التعليق السالف.(82) انظر تفسير"الارتياب" فيما سلف 6: 78 ، وتفسير"الريب" فيما سلف 8: 592 ، تعليق: 5 ، والمراجع هناك.(83) انظر تفسير"الاشتراء" و"الثمن" فيما سلف من فهارس اللغة (شرى) و (ثمن).(84) في المطبوعة: "أوصى إلينا وإليهم وصيهم" ، غير ما في المخطوطة مع وضوحه!!(85) في المطبوعة: "فيعرف من معنى الكلام ، واكتفى به . . ." ، وفي المخطوطة: "فيعرف معنى الكلام" ، والصواب ما أثبت ، بجعل"فيعرف""فعرف" ، وحذف"من" ، وحذف الواو من"واكتفى".(86) انظر تفسير"ذو القربى" فيما سلف 2: 292/3: 344/8: 334 .(87) الأثر: 12948 - انظر الأثر السالف رقم: 12926 ، والتعليق عليه. والأثر التالي رقم: 12953.(88) الأثر: 12953 - انظر التعليق على رقم: 12948.(89) "العلج" (بكسر العين وسكون اللام): الرجل من كفار العجم.(90) انظر خبر العجلانيين في السنن الكبرى للبيهقي 7: 398 ، وما بعدها.(91) في المطبوعة: "شهادة الله" ، هو خطأ ، صوابه في المخطوطة. وقراءة الشعبي أو قراءاته التي رويت عنه - مذكورة في تفسير أبي حيان 4: 44 ، والمحتسب لابن جني ، فراجعها هناك.(92) الأثر: 12957 -"أحمد بن يوسف التغلبي الأحول" ، مضى برقم: 5919 ، 5954 ، 7664 ، وكان في المطبوعة هنا"الثعلبي" ، وهو خطأ بيناه هناك.و"عباد بن عباد الرملي الأرسوفي" ، "أبو عتبة الخواص". روى عن ابن عون. مترجم في التهذيب.(93) في المطبوعة: "وخفض إنا لقراءة الشعبي" ، وهو خلط لا معنى له ، صوابه من المخطوطة.(94) في المطبوعة: "وإن كان صاحبها بعيدًا" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وأنا في شك منه على كل حال ، أخشى أن يكون سقط من الكلام شيء. ولم أجد مقالة ابن زيد فيما بين يدي من الكتب.
فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَيَٰنِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَيۡنَآ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ  ١٠٧
التفسير الميسرفإن اطلع أولياء الميت على أن الشاهدين المذكورين قد أثما بالخيانة في الشهادة أو الوصية فليقم مقامهما في الشهادة اثنان من أولياء الميت فيقسمان بالله: لَشهادتنا الصادقة أولى بالقبول من شهادتهما الكاذبة، وما تجاوزنا الحق في شهادتنا، إنا إن اعتدينا وشهدنا بغير الحق لمن الظالمين المتجاوزين حدود الله.
تفسير السعدي فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا أي: الشاهدين اسْتَحَقَّا إِثْمًا بأن وجد من القرائن ما يدل على كذبهما وأنهما خانا فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان أي: فليقم رجلان من أولياء الميت، وليكونا من أقرب الأولياء إليه. فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا أي: أنهما كذبا، وغيرا وخانا. وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ أي: إن ظلمنا واعتدينا، وشهدنا بغير الحق.
تفسير ابن كثيرثم قال تعالى : ( فإن عثر على أنهما استحقا إثما ) أي : فإن اشتهر وظهر وتحقق من الشاهدين الوصيين ، أنهما خانا أو غلا شيئا من المال الموصى به إليهما ، وظهر عليهما بذلك ( فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان ) هذه قراءة الجمهور : " استحق عليهم الأوليان " . وروي عن علي وأبي والحسن البصري أنهم قرؤوها : ( استحق عليهم الأوليان ) .وقد روى الحاكم في المستدرك من طريق إسحاق بن محمد الفروي ، عن سليمان بن بلال ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن عبيد الله بن أبي رافع ، عن علي بن أبي طالب ; أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ : ( من الذين استحق عليهم الأوليان ) ثم قال : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه .وقرأ بعضهم ، ومنهم ابن عباس : " من الذين استحق عليهم الأولين " . وقرأ الحسن : " من الذين استحق عليهم الأولان " ، حكاه ابن جرير .فعلى قراءة الجمهور يكون المعنى بذلك : أي متى تحقق ذلك بالخبر الصحيح على خيانتهما ، فليقم اثنان من الورثة المستحقين للتركة وليكونا من أولى من يرث ذلك المال ( فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ) أي : لقولنا : إنهما خانا أحق وأصح وأثبت من شهادتهما المتقدمة ) وما اعتدينا ) أي : فيما قلنا من الخيانة ( إنا إذا لمن الظالمين ) أي : إن كنا قد كذبنا عليهما .وهذا التحليف للورثة ، والرجوع إلى قولهما والحالة هذه ، كما يحلف أولياء المقتول إذا ظهر لوث في جانب القاتل ، فيقسم المستحقون على القاتل فيدفع برمته إليهم ، كما هو مقرر في باب " القسامة " من الأحكام .وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة ، فقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا الحسين بن زياد ، حدثنا محمد بن سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن أبي النضر ، عن باذان - يعني : أبا صالح مولى أم هانئ بنت أبي طالب - عن ابن عباس ، عن تميم الداري في هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ) قال : برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بداء . وكانا نصرانيين ، يختلفان إلى الشام قبل الإسلام ، فأتيا الشام لتجارتهما وقدم عليهما مولى لبني سهم ، يقال له : بديل بن أبي مريم ، بتجارة ومعه جام من فضة يريد به الملك ، وهو عظم تجارته . فمرض فأوصى إليهما ، وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله - قال تميم : فلما مات أخذنا ذلك الجام ، فبعناه بألف درهم ، ثم اقتسمناه أنا وعدي بن بداء . فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا . وفقدوا الجام فسألونا عنه ، فقلنا : ما ترك غير هذا ، وما دفع إلينا غيره - قال تميم : فلما أسلمت بعد قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة تأثمت من ذلك ، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر ، ودفعت إليهم خمسمائة درهم ، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها ، فوثبوا إليه أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه ، فحلف فأنزل الله ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ) إلى قوله : ( فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ) فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا ، فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء .وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي وابن جرير كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني ، عن محمد بن سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، به فذكره - وعنده : فأتوا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألهم البينة فلم يجدوا ، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه ، فحلف فأنزل الله : ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ) إلى قوله : ( أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ) فقام عمرو بن العاص ورجل آخر ، فحلفا . فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء .ثم قال : هذا حديث غريب ، وليس إسناده بصحيح وأبو النضر الذي روى عنه محمد بن إسحاق هذا الحديث هو عندي محمد بن السائب الكلبي ، يكنى أبا النضر ، وقد تركه أهل العلم بالحديث ، وهو صاحب التفسير ، سمعت محمد بن إسماعيل يقول : محمد بن السائب الكلبي ، يكنى أبا النضر ، ثم قال : ولا نعرف لسالم أبي النضر رواية عن أبي صالح مولى أم هانئ ، وقد روي عن ابن عباس شيء من هذا على الاختصار من غير هذا الوجه .حدثنا سفيان بن وكيع ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن ابن أبي زائدة ، عن محمد بن أبي القاسم ، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء ، فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم ، فلما قدما بتركته فقدوا جاما من فضة مخوصا بالذهب ، فأحلفهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ووجدوا الجام بمكة ، فقيل : اشتريناه من تميم وعدي . فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ، وأن الجام لصاحبهم . وفيهم نزلت : ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم )وكذا رواه أبو داود ، عن الحسن بن علي ، عن يحيى بن آدم ، به . ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب ، وهو حديث ابن أبي زائدة .ومحمد بن أبي القاسم ، كوفي ، قيل : إنه صالح الحديث ، وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من التابعين منهم : عكرمة ومحمد بن سيرين وقتادة . وذكروا أن التحليف كان بعد صلاة العصر رواه ابن جرير . وكذا ذكرها مرسلة : مجاهد والحسن والضحاك . وهذا يدل على اشتهارها في السلف وصحتها .ومن الشواهد لصحة هذه القصة أيضا ما رواه أبو جعفر بن جرير :حدثني يعقوب ، حدثنا هشيم ، أخبرنا زكريا ، عن الشعبي أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا ، قال : فحضرته الوفاة ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته ، فأشهد رجلين من أهل الكتاب . قال : فقدما الكوفة ، فأتيا الأشعري - يعني : أبا موسى الأشعري ، رضي الله عنه - فأخبراه وقدما بتركته ووصيته ، فقال الأشعري : هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : فأحلفهما بعد العصر : بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا ، وإنها لوصية الرجل وتركته . قال : فأمضى شهادتهما .ثم رواه عن عمرو بن علي الفلاس ، عن أبي داود الطيالسي ، عن شعبة ، عن مغيرة الأزرق ، عن الشعبي ; أن أبا موسى قضى بدقوقا .وهذان إسنادان صحيحان إلى الشعبي ، عن أبي موسى الأشعري .فقوله : " هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم " الظاهر - والله أعلم - أنه إنما أراد بذلك قصة تميم وعدي بن بداء ، قد ذكروا أن إسلام تميم بن أوس الداري ، - رضي الله عنه - ، كان في سنة تسع من الهجرة فعلى هذا يكون هذا الحكم متأخرا ، يحتاج مدعي نسخه إلى دليل فاصل في هذا المقام ، والله أعلم .وقال أسباط ، عن السدي : ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم ) قال : هذا في الوصية عند الموت ، يوصي ويشهد رجلين من المسلمين على ما له وما عليه ، قال : هذا في الحضر ( أو آخران من غيركم ) في السفر ( إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت ) هذا الرجل يدركه الموت في سفره ، وليس بحضرته أحد من المسلمين ، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس ، فيوصي إليهما ، ويدفع إليهما ميراثه فيقبلان به ، فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا [ مال صاحبهم ] تركوا الرجلين ، وإن ارتابوا رفعوهما إلى السلطان . فذلك قوله تعالى : ( تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم ) قال عبد الله بن عباس : كأني أنظر إلى العلجين حين انتهي بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره ، ففتح الصحيفة ، فأنكر أهل الميت وخونوهما فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر ، فقلت له : إنهما لا يباليان صلاة العصر ، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما ، فيوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما ، فيحلفان : بالله لا نشتري به ثمنا قليلا ولو كان ذا قربى ، ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين : أن صاحبهم لبهذا أوصى ، وأن هذه لتركته . فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا : إنكما إن كتمتما أو خنتما فضحتكما في قومكما ، ولم تجز لكما شهادة ، وعاقبتكما . فإذا قال لهما ذلك ، فإن ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها . رواه ابن جرير .وقال ابن جرير : حدثنا الحسين ، حدثنا هشيم ، أخبرنا مغيرة ، عن إبراهيم وسعيد بن جبير ، أنهما قالا في هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ) الآية ، قالا إذا حضر الرجل الوفاة في سفر ، فليشهد رجلين من المسلمين ، فإن لم يجد رجلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب فإذا قدما بتركته ، فإن صدقهما الورثة قبل قولهما ، وإن اتهموهما أحلفا بعد صلاة العصر : بالله ما كتمنا ولا كذبنا ولا خنا ولا غيرنا .وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، في تفسير هذه الآية : فإن ارتيب في شهادتهما استحلفا بعد الصلاة بالله : ما اشترينا بشهادتنا ثمنا قليلا . فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما ، قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله : أن شهادة الكافرين باطلة ، وإنا لم نعتد ، فذلك قوله : ( فإن عثر على أنهما استحقا إثما ) يقول : إن اطلع على أن الكافرين كذبا ( فآخران يقومان مقامهما ) يقول : من الأولياء ، فحلفا بالله : أن شهادة الكافرين باطلة ، وإنا لم نعتد ، فنرد شهادة الكافرين ، وتجوز شهادة الأولياء .وهكذا روى العوفي ، عن ابن عباس . رواهما ابن جرير .وهكذا قرر هذا الحكم على مقتضى هذه الآية غير واحد من أئمة التابعين والسلف ، رضي الله عنهم ، وهو مذهب الإمام أحمد ، رحمه الله .
تفسير القرطبيقوله تعالى : فإن عثر على أنهما استحقا إثما قال عمر : هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام ، وقال الزجاج : أصعب ما في القرآن من الإعراب قوله : من الذين استحق عليهم الأوليان . عثر على كذا أي اطلع عليه ; يقال : عثرت منه على خيانة أي اطلعت ، وأعثرت غيري عليه ، ومنه قوله تعالى : وكذلك أعثرنا عليهم ; لأنهم كانوا يطلبونهم وقد خفي عليهم موضعهم ، وأصل العثور الوقوع والسقوط على الشيء ; ومنه قولهم : عثر الرجل يعثر عثورا إذا وقعت إصبعه بشيء صدمته ، وعثرت إصبع فلان بكذا إذا صدمته فأصابته ووقعت عليه ، وعثر الفرس عثارا ; قال الأعشى :بذات لوث عفرناة إذا عثرت فالتعس أدنى لها من أن أقول لعاوالعثير الغبار الساطع ; لأنه يقع على الوجه ، والعثير الأثر الخفي لأنه يوقع عليه من خفاء ، والضمير في أنهما يعود على الوصيين اللذين ذكرا في قوله عز وجل : اثنان عن سعيد بن جبير ، وقيل : على الشاهدين ; عن ابن عباس . و ( استحقا ) أي استوجبا إثما يعني بالخيانة ، وأخذهما ما ليس لهما ، أو باليمين الكاذبة أو بالشهادة الباطلة ، وقال أبو علي : الإثم هنا اسم الشيء المأخوذ ; لأن آخذه بأخذه آثم ، فسمي إثما كما سمي ما يؤخذ بغير حق مظلمة ، وقال سيبويه : المظلمة اسم ما أخذ منك ; فكذلك سمي هذا المأخوذ باسم المصدر وهو الجام .قوله تعالى : فآخران يقومان مقامهما يعني في الأيمان أو في الشهادة ; وقال آخران بحسب أن الورثة كانا اثنين . وارتفع ( آخران ) بفعل مضمر . ( يقومان ) في موضع نعت . ( مقامهما ) مصدر ، وتقديره : مقاما مثل مقامهما ، ثم أقيم النعت مقام المنعوت ، والمضاف مقام المضاف إليه .قوله تعالى : من الذين استحق عليهم الأوليان قال ابن السري : المعنى استحق عليهم الإيصاء ; قال النحاس : وهذا من أحسن ما قيل فيه ; لأنه لا يجعل حرف بدلا من حرف ; واختاره ابن العربي ; وأيضا فإن التفسير عليه ; لأن المعنى عند أهل التفسير : من الذين استحقت عليهم الوصية . و ( الأوليان ) بدل من قوله : فآخران قاله ابن السري ، واختاره النحاس وهو بدل المعرفة من النكرة وإبدال المعرفة من النكرة جائز ، وقيل : النكرة إذا تقدم ذكرها ثم أعيد ذكرها صارت معرفة ; كقوله تعالى : كمشكاة فيها مصباح ثم قال : المصباح في زجاجة ثم قال : الزجاجة ، وقيل : وهو بدل من الضمير في يقومان كأنه قال : فيقوم الأوليان أو خبر ابتداء محذوف ; التقدير : فآخران يقومان مقامهما هما الأوليان ، وقال ابن عيسى : " الأوليان " مفعول " استحق " على حذف المضاف ; أي استحق فيهم وبسببهم إثم الأوليين فعليهم بمعنى فيهم مثل على ملك سليمان أي : في ملك سليمان ، وقال الشاعر :متى ما تنكروها تعرفوها على أقطارها علق نفيثأي : في أقطارها ، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة " الأولين " جمع أول على أنه بدل من اللذين أو من الهاء والميم في عليهم وقرأ حفص : استحق بفتح التاء والحاء ، وروي عن أبي بن كعب ، وفاعله الأوليان والمفعول محذوف ، والتقدير : من الذين استحق عليهم الأوليان بالميت وصيته التي أوصى بها ، وقيل : استحق عليهم الأوليان رد الأيمان ، وروي عن الحسن : " الأولان " وعن ابن سيرين : " الأولين " قال النحاس : والقراءتان لحن ; لا يقال في مثنى ; مثنان ، غير أنه قد روي عن الحسن " الأولان " .قوله تعالى : فيقسمان بالله أي : يحلفان الآخران اللذان يقومان مقام الشاهدين ( أن الذي قال صاحبنا في وصيته حق ، وأن المال الذي وصى به إليكما كان أكثر مما أتيتمانا به وأن هذا الإناء لمن متاع صاحبنا الذي خرج به معه وكتبه في وصيته ، وأنكما خنتما ) فذلك قوله : لشهادتنا أحق من شهادتهما أي : يميننا أحق من يمينهما ; فصح أن الشهادة قد تكون بمعنى اليمين ، ومنه قوله تعالى : فشهادة أحدهم أربع شهادات . وقد روى معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة قال : قام رجلان من أولياء الميت فحلفا . لشهادتنا أحق ابتداء وخبر . وقوله : وما اعتدينا أي : تجاوزنا الحق في قسمنا . إنا إذا لمن الظالمين أي : إن كنا حلفنا على باطل ، وأخذنا ما ليس لنا .
تفسير الطبريفإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليانالقول في تأويل قوله تعالى : فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان يعني تعالى ذكره بقوله : فإن عثر فإن اطلع منهما , أو ظهر . وأصل العثر : الوقوع على الشيء والسقوط عليه , ومن ذلك قولهم : عثرت إصبع فلان بكذا : إذا صدمته وأصابته , ووقعت عليه ; ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس : بذات لوث عفرناة إذا عثرت فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا يعني بقوله : " عثرت " : أصاب ميسم خفها حجر أو غيره , ثم يستعمل ذلك في كل واقع على شيء كان عنه خفيا , كقولهم : " عثرت على الغزل بأخرة , فلم تدع بنجد قردة " , بمعنى : وقعت . وأما قوله : على أنهما استحقا إثما فإنه يقول تعالى ذكره : فإن اطلع من الوصيين اللذين ذكر الله أمرهما في هذه الآية بعد حلفهما بالله : لا نشتري بأيماننا ثمنا , ولو كان ذا قربى , ولا نكتم شهادة الله على أنهما استحقا إثما , يقول : على أنهما استوجبا بأيمانهما التي حلفا بها إثما , وذلك أن يطلع على أنهما كانا كاذبين في أيمانهما بالله ما خنا , ولا بدلنا , ولا غيرنا , فإن وجدا قد خانا من مال الميت شيئا , أو غيرا وصيته , أو بدلا , فأثما بذلك من حلفهما بربهما ; فآخران يقومان مقامهما يقول : يقوم حينئذ مقامهما من ورثة الميت الأوليان الموصى إليهما . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك : 10084 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن أبي بشر , عن سعيد بن جبير : أو آخران من غيركم قال : إذا كان الرجل بأرض الشرك فأوصى إلى رجلين من أهل الكتاب , فإنهما يحلفان بعد العصر , فإذا اطلع عليهما بعد حلفهما أنهما خانا شيئا , حلف أولياء الميت أنه كان كذا وكذا , ثم استحقوا . 10085 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن مغيرة , عن إبراهيم , بمثله . 10086 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس , في قوله : أو آخران من غيركم من غير المسلمين تحبسونهما من بعد الصلاة , فإن ارتيب في شهادتهما , استحلفا بعد الصلاة بالله : ما اشترينا بشهادتنا ثمنا قليلا ; فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما , قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله : إن شهادة الكافرين باطلة , وإنا لم نعتد ; فذلك قوله : فإن عثر على أنهما استحقا إثما يقول : إن اطلع على أن الكافرين كذبا , فآخران يقومان مقامهما يقول : من الأولياء , فحلفا بالله : إن شهادة الكافرين باطلة , وإنا لم نعتد . فترد شهادة الكافرين , وتجوز شهادة الأولياء . 10087 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : فإن عثر على أنهما استحقا إثما أي اطلع منهما على خيانة أنهما كذبا أو كتما . واختلف أهل التأويل في المعنى الذي له حكم الله تعالى ذكره على الشاهدين بالأيمان فنقلها إلى الآخرين بعد أن عثر عليهما أنهما استحقا إثما . فقال بعضهم : إنما ألزمهما اليمين إذا ارتيب في شهادتهما على الميت في وصيته أنه أوصى لغير الذي يجوز في حكم الإسلام , وذلك أن يشهدا أنه أوصى بماله كله , أو أوصى أن يفضل بعض ولده ببعض ماله ذكر من قال ذلك : 10088 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت إلى قوله : ذوا عدل منكم من أهل الإسلام , أو آخران من غيركم من غير أهل الإسلام , إن أنتم ضربتم في الأرض إلى : فيقسمان بالله يقول : فيحلفان بالله بعد الصلاة , فإن حلفا على شيء يخالف ما أنزل الله تعالى من الفريضة , يعني اللذين ليسا من أهل الإسلام , فآخران يقومان مقامهما من أولياء الميت , فيحلفان بالله : ما كان صاحبنا ليوصي بهذا , أو : إنهما لكاذبان , ولشهادتنا أحق من شهادتهما . 10089 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : يوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما , يحلفان بالله : لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله , إنا إذن لمن الآثمين إن صاحبكم لبهذا أوصى , وإن هذه لتركته ! فإذا شهدا , وأجاز الإمام شهادتهما على ما شهدا , قال لأولياء الرجل : اذهبوا فاضربوا في الأرض واسألوا عنهما , فإن أنتم وجدتم عليهما خيانة أو أحدا يطعن عليهما رددنا شهادتهما ! فينطلق الأولياء فيسألون , فإن وجدوا أحدا يطعن عليهما أو هما غير مرضيين عندهم , أو اطلع على أنهما خانا شيئا من المال وجدوه عندهما , فأقبل الأولياء فشهدوا عند الإمام وحلفوا بالله : لشهادتنا إنهما لخائنان متهمان في دينهما مطعون عليهما أحق من شهادتهما بما شهدا , وما اعتدينا . فذلك قوله : فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان وقال آخرون : بل إنما ألزم الشاهدان اليمين ; لأنهما ادعيا أنه أوصى لهما ببعض المال . وإنما ينقل إلى الآخرين من أجل ذلك إذا ارتابوا بدعواهما ذكر من قال ذلك : 10090 - حدثنا عمران بن موسى القزاز , قال : ثنا عبد الوارث بن سعد , قال : ثنا إسحاق بن سويد , عن يحيى بن يعمر في قوله : تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله قال : زعما أنه أوصى لهما بكذا وكذا , فإن عثر على أنهما استحقا إثما أي بدعواهما لأنفسهما , فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان أن صاحبنا لم يوص إليكما بشيء مما تقولان . والصواب من القول في ذلك عندنا , أن الشاهدين ألزما اليمين في ذلك باتهام ورثة الميت إياهما فيما دفع إليهما الميت من ماله , ودعواهم قبلها خيانة مال معلوم المبلغ , ونقلت بعد إلى الورثة عند ظهور الريبة التي كانت من الورثة فيهما , وصحة التهمة عليهما بشهادة شاهد عليهما أو على أحدهما , فيحلف الوارث حينئذ مع شهادة الشاهد عليهما أو على أحدهما إنما صحح دعواه إذا حقق حقه , أو الإقرار يكون من الشهود ببعض ما ادعى عليهما الوارث أو بجميعه , ثم دعواهما في الذي أقرا به من مال الميت ما لا يقبل فيه دعواهما إلا ببينة , ثم لا يكون لهما على دعواهما تلك بينة , فينقل حينئذ اليمين إلى أولياء الميت . وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصحة ; لأنا لا نعلم من أحكام الإسلام حكما يجب فيه اليمين على الشهود ارتيب بشهادتهما أو لم يرتب بها , فيكون الحكم في هذه الشهادة نظيرا لذلك . ولم نجد ذلك كذلك صح بخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا بإجماع من الأمة , لأن استحلاف الشهود في هذا الموضع من حكم الله تعالى , فيكون أصلا مسلما . والمقول إذا خرج من أن يكون أصلا أو نظيرا لأصل فيما تنازعت فيه الأمة , كان واضحا فساده . وإذا فسد هذا القول بما ذكرنا , فالقول بأن الشاهدين استحلفا من أجل أنهما ادعيا على الميت وصية لهما بمال من ماله أفسد من أجل أن أهل العلم لا خلاف بينهم في أن من حكم الله تعالى أن مدعيا لو ادعى في مال ميت وصية أن القول قول ورثة المدعي في ماله الوصية مع أيمانهم , دون قول مدعي ذلك مع يمينه , وذلك إذا لم يكن للمدعي بينة . وقد جعل الله تعالى اليمين في هذه الآية على الشهود إذا ارتيب بهما , وإنما نقل الأيمان عنهم إلى أولياء الميت , إذا عثر على أن الشهود استحقوا إثما في أيمانهم ; فمعلوم بذلك فساد قول من قال : ألزم اليمين الشهود لدعواهم لأنفسهم وصية أوصى بها لهم الميت في ماله , على أن ما قلنا في ذلك عن أهل التأويل هو التأويل الذي وردت به الأخبار عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به حين نزلت هذه الآية بين الذين نزلت فيهم وبسببهم ذكر من قال ذلك : 10091 - حدثني ابن وكيع , قال : ثنا يحيى بن آدم , عن يحيى بن أبي زائدة , عن محمد بن أبي القاسم , عن عبد الملك بن سعيد بن جبير , عن أبيه , عن ابن عباس , قال : . خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء , فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم , فلما قدما بتركته , فقدوا جاما من فضة مخوصا بالذهب , فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم وجد الجام بمكة , فقالوا : اشتريناه من تميم الداري وعدي بن بداء . فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا : لشهادتنا أحق من شهادتهما , وأن الجام لصاحبهم . قال : وفيهم أنزلت : يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم . 10092 - حدثنا الحسن بن أبي شعيب الحراني , قال : ثنا محمد بن سلمة الحراني , قال : ثنا محمد بن إسحاق , عن أبي النضر , عن زاذان مولى أم هانئ ابنة أبي طالب , عن ابن عباس , عن تميم الداري في هذه الآية : يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت قال : برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بداء , وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام , فأتيا الشام لتجارتهما , وقدم عليهما مولى لبني سهم , يقال له بديل بن أبي مريم بتجارة , ومعه جام فضة يريد به الملك , وهو عظم تجارته , فمرض , فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله . قال تميم : فلما مات , أخذنا ذلك الجام , فبعناه بألف درهم فقسمناه أنا وعدي بن بداء , فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا , وفقدوا الجام فسألونا عنه فقلنا : ما ترك غير هذا , وما دفع إلينا غيره . قال تميم : فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك , فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر , وأديت إليهم خمسمائة درهم , وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها , فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم , فسألهم البينة فلم يجدوا , فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه , فحلف , فأنزل الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إلى قوله : أن ترد أيمان بعد أيمانهم فقام عمرو بن العاص , ورجل آخر منهم , فحلفا , فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء . 10093 - حدثنا القاسم : ثنا الحسين , قال : ثنا أبو سفيان , عن معمر , عن قتادة وابن سيرين وغيره . قال : وثنا الحجاج , عن ابن جريج , عن عكرمة , دخل حديث بعضهم في بعض : يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم الآية , قال : كان عدي وتميم الداري - وهما من لخم - نصرانيين يتجران إلى مكة في الجاهلية . فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم حولا متجرهما إلى المدينة , فقدم ابن أبي مارية مولى عمرو بن العاص المدينة , وهو يريد الشام تاجرا . فخرجوا جميعا , حتى إذا كانوا ببعض الطريق مرض ابن أبي مارية , فكتب وصيته بيده ثم دسها في متاعه , ثم أوصى إليهما . فلما مات , فتحا متاعه , فأخذا ما أرادا . ثم قدما على أهله فدفعا ما أرادا , ففتح أهله متاعه , فوجدوا كتابه وعهده وما خرج به , وفقدوا شيئا فسألوهما عنه , فقالوا : هذا الذي قبضنا له ودفع إلينا ! قال لهما أهله : فباع شيئا أو ابتاعه ؟ قالا : لا . قالوا : فهل استهلك من متاعه شيئا ؟ قالا : لا . قالوا : فهل تجر تجارة ؟ قالا : لا . قالوا : فإنا قد فقدنا بعضه ! فاتهما , فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فنزلت هذه الآية : يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت إلى قوله : إنا إذا لمن الآثمين قال : فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستحلفوهما في دبر صلاة العصر : بالله الذي لا إله إلا هو , ما قبضنا له غير هذا ولا كتمنا ! قال : فمكثنا ما شاء الله أن نمكث , ثم ظهر معهما على إناء من فضة منقوش مموه بذهب , فقال أهله : هذا من متاعه , قالا : نعم , ولكنا اشتريناه منه ونسينا أن نذكره حين حلفنا , فكرهنا أن نكذب أنفسنا ! فترافعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فنزلت الآية الأخرى : فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من أهل الميت أن يحلفا على ما كتما وغيبا ويستحقانه . ثم إن تميما الداري أسلم وبايع النبي صلى الله عليه وسلم , وكان يقول : صدق الله ورسوله , أنا أخذت الإناء . 10094 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم الآية كلها , قال : هذا شيء حين لم يكن الإسلام إلا بالمدينة , وكانت الأرض كلها كفرا , فقال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم من المسلمين , أو آخران من غيركم من غير أهل الإسلام , إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت قال : كان الرجل يخرج مسافرا والعرب أهل كفر , فعسى أن يموت في سفره فيسند وصيته إلى رجلين منهم , فيقسمان بالله إن ارتبتم في أمرهما إذا قال الورثة : كان مع صاحبنا كذا وكذا , فيقسمان بالله : ما كان معه إلا هذا الذي قلنا . فإن عثر على أنهما استحقا إثما إنما حلفا على باطل وكذب . فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان بالميت ; فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين ذكرنا أنه كان مع صاحبنا كذا وكذا , قال هؤلاء : لم يكن معه . قال : ثم عثر على بعض المتاع عندهما , فلما عثر على ذلك ردت القسامة على وارثه , فأقسما , ثم ضمن هذان . قال الله تعالى : ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان فتبطل أيمانهم , واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين الكاذبين الذين يحلفون على الكذب . وقال ابن زيد : قدم تميم الداري وصاحب له , وكانا يومئذ مشركين ولم يكونا أسلما , فأخبرا أنهما أوصى إليهما رجل , وجاءا بتركته , فقال أولياء الميت : كان مع صاحبنا كذا وكذا , وكان معه إبريق فضة ; وقال الآخران : لم يكن معه إلا الذي جئنا به . فحلفا خلف الصلاة . ثم عثر عليهما بعد والإبريق معهما ; فلما عثر عليهما ردت القسامة على أولياء الميت بالذي قالوا مع صاحبهم , ثم ضمنها الذي حلف عليه الأوليان . 10095 - حدثنا الربيع , قال : ثنا الشافعي , قال : أخبرنا سعيد بن معاذ بن موسى الجعفري , عن بكير بن معروف , عن مقاتل بن حيان , قال بكر : قال مقاتل : أخذت هذا التفسير عن مجاهد والحسن والضحاك في قول الله : اثنان ذوا عدل منكم أن رجلين نصرانيين من أهل دارين , أحدهما تميمي والآخر يماني , صاحبهما مولى لقريش في تجارة , فركبوا البحر ومع القرشي مال معلوم قد علمه أولياؤه من بين آنية وبز ورقة . فمرض القرشي , فجعل وصيته إلى الداريين , فمات . وقبض الداريان المال والوصية , فدفعاه إلى أولياء الميت , وجاءا ببعض ماله . وأنكر القوم قلة المال , فقالوا للداريين : إن صاحبنا قد خرج معه بمال أكثر مما أتيتمونا به , فهل باع شيئا أو اشترى شيئا فوضع فيه ؟ أو هل طال مرضه فأنفق على نفسه ؟ قالا : لا . قالوا : فإنكما خنتمانا ! فقبضوا المال ورفعوا أمرهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فأنزل الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إلى آخر الآية . فلما نزل : أن يحبسا من بعد الصلاة , أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقاما بعد الصلاة , فحلفا بالله رب السموات ما ترك مولاكم من المال إلا ما أتيناكم به , وإنا لا نشتري بأيماننا ثمنا قليلا من الدنيا ولو كان ذا قربى , ولا نكتم شهادة الله , إنا إذن لمن الآثمين ! فلما حلفا خلي سبيلهما . ثم إنهم وجدوا بعد ذلك إناء من آنية الميت , فأخذ الداريان فقالا : اشتريناه منه في حياته ! وكذبا , فكلفا البينة فلم يقدرا عليها . فرفعوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فأنزل الله تعالى : فإن عثر يقول : فإن اطلع على أنهما استحقا إثما , يعني الداريين إن كتما حقا , فآخران من أولياء الميت يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان , فيقسمان بالله إن مال صاحبنا كان كذا وكذا , وإن الذي يطلب قبل الداريين لحق , وما اعتدينا , إنا إذن لمن الظالمين . هذا قول الشاهدين أولياء الميت , ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها , يعني : الداريين والناس أن يعودوا لمثل ذلك . قال أبو جعفر : ففيما ذكرنا من هذه الأخبار التي روينا دليل واضح على صحة ما قلنا من أن حكم الله تعالى باليمين على الشاهدين في هذا الموضع , إنما هو من أجل دعوى ورثته على المسند إليهما الوصية خيانة فيما دفع الميت من ماله إليهما , أو غير ذلك مما لا يبرأ فيها المدعي ذلك قبله إلا بيمين , وإن نقل اليمين إلى ورثة الميت , بما أوجبه الله تعالى بعد أن عثر على الشاهدين أنهما استحقا إثما في أيمانهما , ثم ظهر على كذبهما فيها , إن القوم ادعوا فيما صح أنه كان للميت دعوى من انتقال ملك عنه إليهما ببعض ما تزول به الأملاك , مما يكون اليمين فيها على ورثة الميت دون المدعى , وتكون البينة فيها على المدعي ; وفساد ما خالف في هذه الآية ما قلنا من التأويل . وفيها أيضا البيان الواضح على أن معنى الشهادة التي ذكرها الله تعالى في أول هذه القصة إنما هي اليمين , كما قال الله تعالى في مواضع أخر : والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين , فالشهادة في هذا الموضع معناها القسم من قول القائل : أشهد بالله إنه لمن الصادقين , وكذلك معنى قوله : شهادة بينكم إنما هو قسم بينكم , إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية أن يقسم اثنان ذوا عدل منكم إن كانا ائتمنا على ما قال , فارتيب بهما , أو اؤتمن آخران من غير المؤمنين فاتهما . وذلك أن الله تعالى لما ذكر نقل اليمين من اللذين ظهر على خيانتهما إلى الآخرين , قال : فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ومعلوم أن أولياء الميت المدعين قبل اللذين ظهر على خيانتهما , غير جائز أن يكونا شهداء بمعنى الشهادة التي يؤخذ بها في الحكم حق مدعى عليه لمدع ; لأنه لا يعلم لله تعالى حكم قضى فيه لأحد بدعواه , ويمينه على مدعى عليه بغير بينة ولا إقرار من المدعى عليه ولا برهان . فإذا كان معلوما أن قوله : لشهادتنا أحق من شهادتهما إنما معناه : قسمنا أحق من قسمهما , وكان قسم اللذين عثر على أنهما أثما هو الشهادة التي ذكر الله تعالى في قوله : أحق من شهادتهما صح أن معنى قوله : شهادة بينكم بمعنى الشهادة في قوله : لشهادتنا أحق من شهادتهما وأنها بمعنى القسم . واختلفت القراء في قراءة قوله : من الذين استحق عليهم الأوليان فقرأ ذلك قراء الحجاز والعراق والشام : " من الذين استحق عليهم الأوليان " بضم التاء . وروي عن علي وأبي بن كعب والحسن البصري أنهم قرءوا ذلك : من الذين استحق عليهم بفتح التاء . واختلفت أيضا في قراءة قوله : الأوليان فقرأته عامة قراء أهل المدينة والشام والبصرة : الأوليان , وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة : " الأولين " . وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك : " من الذين استحق عليهم الأولان " . وأولى القراءتين بالصواب في قوله : " من الذين استحق عليهم " قراءة من قرأ بضم التاء , لإجماع الحجة من القراء عليه , مع مساعدة عامة أهل التأويل على صحة تأويله , وذلك إجماع عامتهم على أن تأويله : فآخران من أهل الميت الذين استحق المؤتمنان على مال الميت الإثم فيهم , يقومان مقام المستحق الإثم فيهما بخيانتهما ما خانا من مال الميت . وقد ذكرنا قائل ذلك أو أكثر قائليه فيما مضى قبل , ونحن ذاكروا باقيهم إن شاء الله تعالى ذلك . 10096 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله تعالى : شهادة بينكم أن يموت المؤمن فيحضر موته مسلمان أو كافران لا يحضره غير اثنين منهم , فإن رضي ورثته ما عاجل عليه من تركته فذاك , وحلف الشاهدان إن اتهما إنهما لصادقان , فإن عثر وجد لطخ حلف الاثنان الأوليان من الورثة , فاستحقا , وأبطلا أيمان الشاهدين . وأحسب أن الذين قرءوا ذلك بفتح التاء , أرادوا أن يوجهوا تأويله إلى : فآخران يقومان مقامهما مقام المؤتمنين اللذين عثر على خيانتهما في القسم والاستحقاق به عليهما دعواهما قبلهما من الذين استحق على المؤتمنين على المال على خيانتهما القيام مقامهما في القسم والاستحقاق في الأوليان بالميت . وكذلك كانت قراءة من رويت هذه القراءة عنه , فقرأ ذلك : من الذين استحق بفتح التاء على معنى : الأوليان بالميت وماله . وذلك مذهب صحيح وقراءة غير مدفوعة صحتها , غير أنا نختار الأخرى لإجماع الحجة من القراء عليها مع موافقتها التأويل الذي ذكرنا عن الصحابة والتابعين . 10097 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا يحيى بن آدم , عن إسرائيل , عن أبي إسحاق , عن أبي عبد الرحمن وكريب عن علي , أنه كان يقرأ : " من الذين استحق عليهم الأوليان " . 10098 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا مالك بن إسماعيل , عن حماد بن زيد , عن وائل مولى أبي عبيد , عن يحيى بن عقيل , عن يحيى بن يعمر , عن أبي بن كعب , أنه كان يقرأ : " من الذين استحق عليهم الأوليان " . وأما أولى القراءات بالصواب في قوله : الأوليان عندي , فقراءة من قرأ : الأوليان بصحة معناها وذلك لأن معنى : فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق فيهم الإثم , ثم حذف " الإثم " وأقيم مقامه " الأوليان " , لأنهما هما اللذان ظلما وأثما فيهما بما كان من خيانة اللذين استحقا الإثم وعثر عليهما بالخيانة منهما فيما كان ائتمنهما عليه الميت , كما قد بينا فيما مضى من فعل العرب مثل ذلك من حذفهم الفعل اجتزاء بالاسم , وحذفهم الاسم اجتزاء بالفعل . ومن ذلك ما قد ذكرنا في تأويل هذه القصة , وهو قوله : شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ومعناه : أن يشهد اثنان , وكما قال : فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا فقال " به " , فعاد بالهاء على اسم " الله " ; وإنما المعنى : لا نشتري بقسمنا بالله , فاجتزئ بالعود على اسم الله بالذكر , والمراد به : لا نشتري بالقسم بالله ; استغناء بفهم السامع بمعناه عن ذكر اسم القسم . وكذلك اجتزئ بذكر الأوليين من ذكر الإثم الذي استحقه الخائنان لخيانتهما إياها , إذ كان قد جرى ذكر ذلك بما أغنى السامع عند سماعه إياه عن إعادته , وذلك قوله : فإن عثر على أنهما استحقا إثما وأما الذين قرءوا ذلك " الأولين " فإنهم قصدوا في معناه إلى الترجمة به عن " الذين " , فأخرجوا ذلك على وجه الجمع , إذ كان " الذين " جمعا وخفضا , إذ كان " الذين " مخفوضا . وذلك وجه من التأويل , غير أنه إنما يقال للشيء أول إذا كان له آخر هو له أول , وليس للذين استحق عليهم الإثم آخرهم له أول , بل كانت أيمان الذين عثر على أنهما استحقا إثما قبل إيمانهم , فهم إلى أن يكونوا إذ كانت أيمانهم آخرا أولى أن يكونوا آخرين من أن يكونوا أولين وأيمانهم آخرة لأولى قبلها . وأما القراءة التي حكيت عن الحسن , فقراءة عن قراءة الحجة من القراء شاذة , وكفى بشذوذها عن قراءتهم دليلا على بعدها من الصواب . واختلف أهل العربية في الرافع لقوله : الأوليان إذا قرئ كذلك , فقال بعض نحويي البصرة : يزعم أنه رفع ذلك بدلا من " آخران " في قوله : فآخران يقومان مقامهما وقال : إنما جاز أن يبدل الأوليان وهو معرفة من آخران وهو نكرة , لأنه حين قال : يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم كان كأنه قد حدهما حتى صارا كالمعرفة في المعنى , فقال : " الأوليان " , فأجرى المعرفة عليهما بدلا . قال : ومثل هذا مما يجري على المعنى كثير . واستشهد لصحة قوله ذلك بقول الراجز : علي يوم يملك الأمورا صوم شهور وجبت نذورا وبادنا مقلدا منحورا قال : فجعله " علي واجب " ; لأنه في المعنى قد أوجب . وكان بعض نحويي الكوفة ينكر ذلك ويقول : لا يجوز أن يكون " الأوليان " بدلا من " آخران " من أجل أنه قد نسق " فيقسمان " على " يقومان " في قوله : فآخران يقومان فلم يتم الخبر عند من قال : لا يجوز الإبدال قبل إتمام الخبر , كما قال : غير جائز " مررت برجل قام زيد وقعد " وزيد بدل من رجل . والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : " الأوليان " مرفوعان بما لم يسم فاعله , وهو قوله : " استحق عليهم " وأنهما موضع الخبر عنهما , فعمل فيهما ما كان عاملا في الخبر عنهما ; وذلك أن معنى الكلام : فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الإثم بالخيانة , فوضع " الأوليان " موضع " الإثم " كما قال تعالى في موضع آخر : أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ومعناه : أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر ؟ وكما قال : وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم , وكما قال بعض الهذليين : يمشي بيننا حانوت خمر من الخرس الصراصرة القطاط وهو يعني صاحب حانوت خمر , فأقام الحانوت مقامه لأنه معلوم أن الحانوت لا يمشي , ولكن لما كان معلوما عنده أنه لا يخفى على سامعه ما قصد إليه من معناه حذف الصاحب , واجتزأ بذكر الحانوت منه , فكذلك قوله : " من الذين استحق عليهم الأوليان " إنما هو من الذين استحق فيهم خيانتهما , فحذفت " الخيانة " وأقيم " المختانان " مقامها , فعمل فيهما ما كان يعمل في المحذوف ولو ظهر . وأما قوله : " عليهم " في هذا الموضع , فإن معناها : فيهم , كما قال تعالى : واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان يعني : في ملك سليمان , وكما قال : ولأصلبنكم في جذوع النخل ف " في " توضع موضع " على " , و " على " في موضع " في " كل واحدة منهما تعاقب صاحبتها في الكلام , ومنه قول الشاعر : متى ما تنكروها تعرفوها على أقطارها علق نفيث وقد تأولت جماعة من أهل التأويل قول الله تعالى : " فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان " أنهما رجلان آخران من المسلمين , أو رجلان أعدل من المقسمين الأولين ذكر من قال ذلك : 10099 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا داود بن أبي هند , عن عامر , عن شريح في هذه الآية : يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم قال : إذا كان الرجل بأرض غربة , ولم يجد مسلما يشهده على وصيته , فأشهد يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا , فشهادتهم جائزة . فإن جاء رجلان مسلمان , فشهدا بخلاف شهادتهم , أجيزت شهادة المسلمين وأبطلت شهادة الآخرين . 10100 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : فإن عثر أي اطلع منهما على خيانة على أنهما كذبا أو كتما , فشهد رجلان هما أعدل منهما بخلاف ما قالا , أجيزت شهادة الآخرين وأبطلت شهادة الأولين . 10101 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا جرير , عن عبد الملك , عن عطاء , قال : كان ابن عباس يقرأ : " من الذين استحق عليهم الأوليان " قال : كيف يكون " الأوليان " , أرأيت لو كان الأوليان صغيرين . * - حدثنا هناد وابن وكيع , قال : ثنا عبدة , عن عبد الملك , عن عطاء , عن ابن عباس , قال : كان يقرأ : " من الذين استحق عليهم الأوليان " قال : وقال : أرأيت لو كان الأوليان صغيرين , كيف يقومان مقامهما . قال الإمام أبو جعفر : فذهب ابن عباس فيما أرى إلى نحو القول الذي حكيت عن شريح وقتادة , من أن ذلك رجلان آخران من المسلمين يقومان مقام النصرانيين , أو عدلان من المسلمين هما أعدل وأجوز شهادة من الشاهدين الأولين أو المقسمين . وفي إجماع جميع أهل العلم على أن لا حكم لله تعالى يجب فيه على شاهد يمين فيما قام به من الشهادة , دليل واضح على أن غير هذا التأويل الذي قاله الحسن ومن قال بقوله في قول الله تعالى : فآخران يقومان مقامهما أولى به . وأما قوله الأوليان فإن معناه عندنا : الأولى - بالميت من المقسمين الأولين - فالأولى , وقد يحتمل أن يكون معناه : الأولى باليمين منهما فالأولى , ثم حذف " منهما " ; والعرب تفعل ذلك فتقول : فلان أفضل , وهي تريد أفضل منك , وذلك إذا وضع أفعل موضع الخبر . وإن وقع موقع الاسم وأدخلت فيه الألف واللام , فعلوا ذلك أيضا إذا كان جوابا لكلام قد مضى , فقالوا : هذا الأفضل , وهذا الأشرف ; يريدون هو الأشرف منك . وقال ابن زيد : معنى ذلك : الأوليان بالميت . 10102 - حدثني يونس , عن ابن وهب , عنه .فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهماالقول في تأويل قوله تعالى : فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما يقول تعالى ذكره : فيقسم الآخران اللذان يقومان مقام اللذين عثر على أنهما استحقا إثما بخيانتهما مال الميت الأوليان باليمين والميت من الخائنين : لشهادتهما أحق من شهادتهما يقول : لأيماننا أحق من أيمان المقسمين المستحقين الإثم وأيمانهما الكاذبة في أنهما قد خانا في كذا وكذا من مال ميتنا , وكذا في أيمانهما التي حلفا بها .وما اعتديناقول : وما تجاوزنا الحق في أيماننا . وقد بينا أن معنى الاعتداء : المجاوزة في الشيء حده .إنا إذا لمن الظالمينيقول : إنا إن كنا اعتدينا في أيماننا , فحلفنا مبطلين فيها كاذبين , لمن الظالمين يقول : لمن عداد من يأخذ ما ليس له أخذه , ويقتطع بأيمانه الفاجرة أموال الناس .
ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِٱلشَّهَٰدَةِ عَلَىٰ وَجۡهِهَآ أَوۡ يَخَافُوٓاْ أَن تُرَدَّ أَيۡمَٰنُۢ بَعۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡمَعُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ  ١٠٨
التفسير الميسرذلك الحكم عند الارتياب في الشاهدين من الحلف بعد الصلاة وعدم قبول شهادتهما، أقرب إلى أن يأتوا بالشهادة على حقيقتها خوفًا من عذاب الآخرة، أو خشية من أن ترد اليمين الكاذبة من قِبَل أصحاب الحق بعد حلفهم، فيفتضح الكاذب الذي ردت يمينه في الدنيا وقت ظهور خيانته. وخافوا الله -أيها الناس- وراقبوه أن تحلفوا كذبًا، وأن تقتطعوا بأيمانكم مالا حرامًا، واسمعوا ما توعظون به. والله لا يهدي القوم الفاسقين الخارجين عن طاعته.
تفسير السعديقال الله تعالى في بيان حكمة تلك الشهادة وتأكيدها، وردها على أولياء الميت حين تظهر من الشاهدين الخيانة: ذَلِكَ أَدْنَى أي: أقرب أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا حين تؤكد عليهما تلك التأكيدات. أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ أي: أن لا تقبل أيمانهم، ثم ترد على أولياء الميت. وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ أي: الذين وصْفُهم الفسق، فلا يريدون الهدى والقصد إلى الصراط المستقيم. وحاصل هذا، أن الميت - إذا حضره الموت في سفر ونحوه، مما هو مظنة قلة الشهود المعتبرين- أنه ينبغي أن يوصي شاهدين مسلمين عدلين. فإن لم يجد إلا شاهدين كافرين، جاز أن يوصي إليهما، ولكن لأجل كفرهما فإن الأولياء إذا ارتابوا بهما فإنهم يحلفونهما بعد الصلاة، أنهما ما خانا، ولا كذبا، ولا غيرا، ولا بدلا، فيبرآن بذلك من حق يتوجه إليهما. فإن لم يصدقوهما ووجدوا قرينة تدل على كذب الشاهدين، فإن شاء أولياء الميت، فليقم منهم اثنان، فيقسمان بالله: لشهادتهما أحق من شهادة الشاهدين الأولين، وأنهما خانا وكذبا، فيستحقون منهما ما يدعون. وهذه الآيات الكريمة نزلت في قصة "تميم الداري" و "عدي بن بداء" المشهورة حين أوصى لهما العدوي، والله أعلم. ويستدل بالآيات الكريمات على عدة أحكام: منها: أن الوصية مشروعة، وأنه ينبغي لمن حضره الموت أن يوصي. ومنها: أنها معتبرة، ولو كان الإنسان وصل إلى مقدمات الموت وعلاماته، ما دام عقله ثابتا. ومنها: أن شهادة الوصية لابد فيها من اثنين عدلين. ومنها: أن شهادة الكافرين في هذه الوصية ونحوها مقبولة لوجود الضرورة، وهذا مذهب الإمام أحمد. وزعم كثير من أهل العلم: أن هذا الحكم منسوخ، وهذه دعوى لا دليل عليها. ومنها: أنه ربما استفيد من تلميح الحكم ومعناه، أن شهادة الكفار -عند عدم غيرهم، حتى في غير هذه المسألة- مقبولة، كما ذهب إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية. ومنها: جواز سفر المسلم مع الكافر إذا لم يكن محذور. ومنها: جواز السفر للتجارة. ومنها: أن الشاهدين -إذا ارتيب منهما، ولم تبد قرينة تدل على خيانتهما، وأراد الأولياء- أن يؤكدوا عليهم اليمين، ويحبسوهما من بعد الصلاة، فيقسمان بصفة ما ذكر الله تعالى. ومنها: أنه إذا لم تحصل تهمة ولا ريب لم يكن حاجة إلى حبسهما، وتأكيد اليمين عليهما. ومنها: تعظيم أمر الشهادة حيث أضافها تعالى إلى نفسه، وأنه يجب الاعتناء بها والقيام بها بالقسط. ومنها: أنه يجوز امتحان الشاهدين عند الريبة منهما، وتفريقهما لينظر عن شهادتهما. ومنها: أنه إذا وجدت القرائن الدالة على كذب الوصيين في هذه المسألة - قام اثنان من أولياء الميت فأقسما بالله: أن أيماننا أصدق من أيمانهما، ولقد خانا وكذبا. ثم يدفع إليهما ما ادعياه، فتكون القرينة -مع أيمانهما- قائمة مقام البينة.
تفسير ابن كثيروقوله : ( ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ) أي : شرعية هذا الحكم على هذا الوجه المرضي من تحليف الشاهدين الذميين وقد استريب بهما ، أقرب إلى إقامتهما الشهادة على الوجه المرضي .وقوله : ( أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ) أي : يكون الحامل لهم على الإتيان بالشهادة على وجهها ، هو تعظيم الحلف بالله ومراعاة جانبه وإجلاله ، والخوف من الفضيحة بين الناس إذا ردت اليمين على الورثة ، فيحلفون ويستحقون ما يدعون ، ولهذا قال : ( أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم )ثم قال : ( واتقوا الله ) أي : في جميع أموركم ) واسمعوا ) أي : وأطيعوا ( والله لا يهدي القوم الفاسقين ) يعني : الخارجين عن طاعته ومتابعة شريعته .
تفسير القرطبيذلك أدنى ابتداء وخبر . أن في موضع نصب . ( يأتوا ) نصب ب أن . ( أو يخافوا ) عطف عليه . ( أن ترد ) في موضع نصب ب ( يخافوا ) . أيمان بعد أيمانهم قيل : الضمير في يأتوا ويخافوا راجع إلى الموصى إليهما ; وهو الأليق بمساق الآية ، وقيل : المراد به الناس ، أي : أحرى أن يحذر الناس الخيانة فيشهدوا بالحق خوف الفضيحة في رد اليمين على المدعي ، والله أعلم .قوله تعالى : واتقوا الله واسمعوا أمر ; ولذلك حذفت منه النون ، أي اسمعوا ما يقال لكم ، قابلين له متبعين أمر الله فيه . والله لا يهدي القوم الفاسقين فسق يفسق ويفسق إذا خرج من الطاعة إلى المعصية ، وقد تقدم ، والله أعلم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْقال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " ذلك " ، هذا الذي قلت لكم في أمر الأوصياء = إذا ارتبتم في أمرهم، واتهمتموهم بخيانة لمالِ من أوصى إليهم، من حبسهم بعد الصلاة, واستحلافكم إيَّاهم على ما ادَّعى قِبَلهم أولياء الميت =" أدنى " لهم " أن يأتوا بالشهادة على وجهها " ، يقول: هذا الفعل، إذا فعلتم بهم، أقربُ لهم أن يصدُقوا في أيمانهم, (164) ولا يكتموا, ويقرُّوا بالحق ولا يخونوا (165) =" أو يخافوا أن تردّ أيمان بعد أيمانهم " ، يقول: أو يخاف هؤلاء الأوصياء إن عثر عليهم أنهم استحقُّوا إثمًا في أيمانهم بالله, أن تردَّ أيمانهم على أولياء الميت، بعد أيمانهم التي عُثِر عليها أنها كذب, فيستحقُّوا بها ما ادّعوا قِبَلهم من حقوقهم, فيصدقوا حينئذٍ في أيمانهم وشهادتهم، مخافةَ الفضيحة على أنفسهم، وحذرًا أن يستحقّ عليهم ما خانُوا فيه أولياء الميِّت وورثته.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. وقد تقدّمت الروايةُ بذلك عن بعضهم, نحن ذاكرو الرواية في ذلك عن بعضِ من بَقي منهم.12979 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا ، يقول: إن اطُّلع على أنّ الكافرين كذبَا = فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا ، يقول: من الأولياء, فحلفا بالله أنّ شهادة الكافرين باطلة، وأنا لم نعتد, فتردّ شهادة الكافرين، وتجوز شهادة الأولياء. يقول تعالى ذكره: ذلك أدنى أن يأتي الكافرون بالشهادة على وجهها, أو يخافوا أن تردّ أيمان بعد أيمانهم. وليس على شُهود المسلمين أقسْام, وإنما الأقسام إذا كانوا كافرين.12980 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة " الآية, يقول: ذلك أحرَى أن يصدقوا في شهادتهم, وأن يخافوا العَقِب. (166)12981 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله: " أو يخافوا أن تردَّ أيمان بعد أيمانهم " ، قال: فتبطل أيمانهم, وتؤخذ أيمانُ هؤلاء.* * *وقال آخرون: [معنى ذلك تحبسونهما من بعد الصلاة. ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها, على أنهما استحقا إثمًا, فآخران يقومان مقامهما]. (167)* ذكر من قال ذلك:12982 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط, عن السدي قال : يوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما, فيحلفان بالله: " لا نشتري به ثمنًا قليلا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذًا لمن الآثمين, أنّ صاحبكم لبهذا أوصى, وأنّ هذه لتركته ". فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا: " إنكما إن كنتما كتمتما أو خنتما، فضحتكما في قومكما، ولم أجز لكما شهادة، وعاقبتكما ". فإن قال لهما ذلك, فإنّ ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها.* * *القول في تأويل قوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وخافوا الله، أيها الناس, وراقبوه في أيمانكم أن تحلفوا بها كاذبةً، وأن تُذْهبوا بها مال من يَحْرم عليكم ماله, وأن تخونوا من اتَّمنكم (168) =" واسمعوا "، يقول: اسمعوا ما يقال لكم وما توعظون به, فاعملوا به، وانتهوا إليه =" والله لا يهدي القوم الفاسقين "، يقول: والله لا يوفِّق من فَسَق عن أمر ربّه، فخالفه وأطاع الشيطانَ وعصى ربَّه.* * *وكان ابن زيد يقول: " الفاسق "، في هذا الموضع، هو الكاذب. (169)12983 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد: " والله لا يهدي القومَ الفاسقين " ، الكاذبين، يحلفون على الكذب.* * *وليس الذي قال ابن زيد من ذلك عندي بمدفُوعٍ, إلا أن الله تعالى ذكره عَمَّ الخبر بأنه لا يهدي جميع الفسَّاق, ولم يخصص منهم بعضًا دون بعض بخبر ولا عقلٍ, فذلك على معاني" الفسق " كلها، حتى يخصِّص شيئًا منها ما يجب التسليمُ له، فيُسلِّم له.* * *ثم اختلف أهل العلم في حكم هاتين الآيتين, هل هو منسوخ, أو هو مُحكَم ثابت؟فقال بعضهم: هو منسوخ* ذكر من قال ذلك:12984 - حدثنا أبو كريب قال ، ثنا ابن إدريس, عن رجل قد سماه, عن حماد, عن إبراهيم قال : هي منسوخة.12985 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: هي منسوخة = يعني هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ، الآية.* * *وقال جماعة: هي محكمة وليست بمنسوخة. وقد ذكرنا قولَ أكثرهم فيما مضَى.* * *قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن حكم الآية غيرُ منسوخ (170) وذلك أن من حكم الله تعالى ذكره الذي عليه أهل الإسلام, من لدن بعث الله تعالى ذكره نبيّه محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا, أنّ من ادُّعِي عليه دَعْوى ممَّا يملكه بنو آدم، أنّ المدَّعَى عليه لا يبرئه مما ادُّعي عليه إلا اليمين، إذا لم يكن للمدَّعِي بيّنة تصحح دَعواه = وأنه إن اعترف في يَدِ المدَّعى [عليه] سلعةً له, (171) فادَّعَى أنها له دون الذي في يده, فقال الذي هي في يده: " بل هي لي، اشتريتها من هذا المدَّعِي", أنّ القول قول من زَعَم الذي هي في يده أنه اشتراها منه، دون من هي في يده مع يمينه، إذا لم يكن للذي هي في يده بيّنة تحقق به دعواه الشراءَ منه.فإذ كان ذلك حكم الله الذي لا خلافَ فيه بين أهل العلم, وكانت الآيتان اللتان ذكر الله تعالى ذكره فيهما أمرَ وصية الموصِي إلى عدلين من المسلمين، أو إلى آخرين من غيرهم, إنما ألزَم النبي صلى الله عليه وسلم، فيما ذكر عنه، الوصيَّين اليمينَ حين ادَّعَى عليهما الورثة ما ادَّعوا، ثم لم يلزم المدَّعَى عليهما شيئًا إذ حلفا, حتى اعترفت الورثة في أيديهما ما اعترفُوا من الجام أو الإبريق أو غير ذلك من أموالهم، فزعما أنهما اشترياه من ميتهم, فحينئذ ألزم النبيُّ صلى الله عليه وسلم ورثَة الميِّت اليمين, لأن الوصيين تحوَّلا مُدَّعِيين بدعواهما ما وجدَا في أيديهما من مال الميِّت أنه لهما، اشتريَا ذلك منه، فصارَا مُقِرَّين بالمال للميِّت، مدَّعيين منه الشراء, فاحتاجا حينئذ إلى بيِّنةٍ تصحِّح دعواهما، وصارتْ وورثة الميتِ ربِّ السلعة، (172) أولى باليمين منهما. فذلك قوله تعالى ذكره: فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا ، الآية.فإذ كان تأويل ذلك كذلك، فلا وجه لدعوَى مدَّعٍ أن هذه الآية منسوخة, لأنه غير جائز أن يُقْضَى على حُكم من أحكام الله تعالى ذكره أنه منسوخ، إلا بخبَرٍ يقطع العذرَ: أمّا من عند الله، أو من عند رسوله صلى الله عليه وسلم, أو بورود النَّقل المستفيض بذلك. فأمَّا ولا خبر بذلك, ولا يدفع صحته عقل, فغير جائز أن يقضى عليه بأنه منسوخ.---------------الهوامش :(164) انظر تفسير"أدنى" فيما سلف 6: 78/7: 548.(165) انظر تفسير"على وجهه" فيما سلف 2: 511.(166) في المطبوعة: "وأن يخافوا العقاب" ، والصواب ما في المخطوطة و"العقب" (بفتح فكسر): العاقبة ، وذلك عاقبة أمرهما في وبطلان أيمانهم ، وعاقبة رد الفضيحة على أنفسهم.(167) هذه الجملة كلها مضطربة المعنى ، ولا تطابق الأثر التالي ، وظني أن في الكلام سقطًا ، أسقط الناسخ سطرًا أو نحوه ، وتركتها على حالها في المخطوطة والمطبوعة ، ولكني وضعتها بين قوسين ، شكًّا مني في صحتها.(168) انظر ما كتبته في"اتمن" فيما سلف ص: 197 ، تعليق: 3.(169) انظر تفسير"الفاسق" بهذا المعنى من تفسير ابن زيد ، فيما سلف رقم: 12103 في الجزء 10: 376. ثم انظر تفسير"الفسق" فيما سلف من فهارس اللغة (فسق).(170) في المطبوعة والمخطوطة: "أن حكم الآية منسوخ" ، وهو خطأ فاحش ، فإن أبا جعفر يقول بعد ذلك أنها غير منسوخة ، كما سترى ، فالصواب ما أثبته.(171) في المطبوعة: "وأنه إن اعترف وفي يدي المدعي سلعة" ، غير ما في المخطوطة ، وفيها: "وأنه إن اعترف في يد المدعي سلعة" ، فأثبت ذلك ، وهو الصواب ، وزدت"عليه" بين القوسين ، لأنه حق المعنى.وقوله: "اعترف" بمعنى: عرفها وميزها ، كما سيأتي في سائر الفقرة.(172) في المطبوعة: " . . . تصحح دعواهما ، وورثة الميت رب السلعة" ، حذف قوله"وصارت" ، مع أن الكلام لا يستقيم إلا بها ، وهي في المخطوطة ثابتة ، إلا أن الناسخ أساء كتابتها.
من نحن

موقع الحياة بالإسلام هو موقع إسلامي، يقدم لكم العديد من المواضيع الاسلامية على منهاج الكتاب و السنة، كما يتضمن بعض قراءات القران الكريم بالرسم العثماني بأصوات اشهر القراء حول العالم

عرض المزيد
إشارات

التين , سُورَةُ هُودٍ , سُورَةُ الجُمُعَةِ , الكوثر , معيض الحارثي , القارئ سيلمان الشبيبي , القارئ عبدالرحمن الشحات , محمد عبدالحكيم سعيد العبدالله , قراءة يعقوب الحضرمي بروايتي رويس وروح , المصحف المعلم , قالون عن نافع من طريق أبي نشيط , خلف عن حمزة ,

عرض المزيد