۞ يَوۡمَ يَجۡمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبۡتُمۡۖ قَالُواْ لَا عِلۡمَ لَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ١٠٩التفسير الميسرواذكروا -أيها الناس- يوم القيامة يوم يجمع الله الرسل عليهم السلام، فيسألهم عن جواب أممهم لهم حينما دعوهم إلى التوحيد فيجيبون: لا علم لنا، فنحن لا نعلم ما في صدور الناس، ولا ما أحدثوا بعدنا. إنك أنت عليم بكل شيء مما ظهر وخفي.
تفسير السعدييخبر تعالى عن يوم القيامة وما فيه من الأهوال العظام، وأن الله يجمع به جميع الرسل فيسألهم: مَاذَا أُجِبْتُمْ أي: ماذا أجابتكم به أممكم. ف قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا وإنما العلم لك يا ربنا، فأنت أعلم منا. إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ أي: تعلم الأمور الغائبة والحاضرة.
تفسير ابن كثيروهذا إخبار عما يخاطب الله به المرسلين يوم القيامة ، عما أجيبوا به من أممهم الذين أرسلهم إليهم ، كما قال تعالى : ( فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ) [ الأعراف : 6 ] وقال تعالى : ( فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ) [ الحجر : 92 ، 93 ] .وقول الرسل : ( لا علم لنا ) قال مجاهد والحسن البصري والسدي : إنما قالوا ذلك من هول ذلك اليوم .قال عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن الأعمش ، عن مجاهد : ( يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم ) فيفزعون فيقولون : ( لا علم لنا ) رواه ابن جرير وابن أبي حاتم .وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا حكام ، حدثنا عنبسة قال : سمعت شيخا يقول : سمعت الحسن يقول في قوله : ( يوم يجمع الله الرسل ) الآية ، قال : من هول ذلك اليوم .وقال أسباط ، عن السدي : ( يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا ) ذلك : أنهم نزلوا منزلا ذهلت فيه العقول ، فلما سئلوا قالوا : ( لا علم لنا ) ثم نزلوا منزلا آخر ، فشهدوا على قومهم . رواه ابن جرير .ثم قال ابن جرير : حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين ، حدثنا الحجاج ، عن ابن جريج قوله : ( يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم ) ماذا عملوا بعدكم؟ وماذا أحدثوا بعدكم؟ قالوا : ( لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب )وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب ) يقولون للرب ، عز وجل : لا علم لنا ، إلا علم أنت أعلم به منا .رواه ابن جرير . ثم اختاره على هذه الأقوال الثلاثة ولا شك أنه قول حسن ، وهو من باب التأدب مع الرب ، عز وجل ، أي : لا علم لنا بالنسبة إلى علمك المحيط بكل شيء ، فنحن وإن كنا قد أجبنا وعرفنا من أجابنا ، ولكن منهم من كنا إنما نطلع على ظاهره ، لا علم لنا بباطنه ، وأنت العليم بكل شيء ، المطلع على كل شيء . فعلمنا بالنسبة إلى علمك كلا علم ، فإنك ( أنت علام الغيوب )
تفسير القرطبيقوله تعالى : يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوبقوله تعالى : يوم يجمع الله الرسل يقال : ما وجه اتصال هذه الآية بما قبلها ؟ فالجواب : أنه اتصال الزجر عن الإظهار خلاف الإبطان في وصية أو غيرها مما ينبئ أن المجازي عليه عالم به . ويوم ظرف زمان والعامل فيه واسمعوا أي : واسمعوا خبر يوم ، وقيل : التقدير واتقوا يوم يجمع الله الرسل عن الزجاج ، وقيل : التقدير اذكروا أو احذروا يوم القيامة حين يجمع الله الرسل ، والمعنى متقارب ; والمراد التهديد والتخويف . فيقول ماذا أجبتم أي : ما الذي أجابتكم به أممكم ؟ وما الذي رد عليكم قومكم حين دعوتموهم إلى توحيدي ؟ قالوا أي : فيقولون : لا علم لنا واختلف أهل التأويل في المعنى المراد بقولهم : لا علم لنا فقيل : معناه لا علم لنا بباطن ما أجاب به أممنا ; لأن ذلك هو الذي يقع عليه الجزاء ; وهذا مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : المعنى لا علم لنا إلا ما علمتنا ، فحذف ; عن ابن عباس ومجاهد بخلاف ، وقال ابن عباس أيضا : معناه لا علم لنا إلا علما أنت أعلم به منا ، وقيل : إنهم يذهلون من هول ذلك ويفزعون من الجواب ، ثم يجيبون بعدما تثوب إليهم عقولهم فيقولون : لا علم لنا قاله النحاس ومجاهد والسدي . قال النحاس : وهذا لا يصح ; لأن الرسل صلوات الله عليهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون .قلت : هذا في أكثر مواطن القيامة ; ففي الخبر ( إن جهنم إذا جيء بها زفرت زفرة فلا يبقى نبي ولا صديق إلا جثا لركبتيه ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خوفني جبريل يوم القيامة حتى أبكاني فقلت يا جبريل ألم يغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر ؟ فقال لي : يا محمد لتشهدن من هول ذلك اليوم ما ينسيك المغفرة .قلت : فإن كان السؤال عند زفرة جهنم - كما قال بعضهم - فقول مجاهد والحسن صحيح ; والله أعلم . قال النحاس : والصحيح في هذا أن المعنى : ماذا أجبتم في السر والعلانية ليكون هذا توبيخا للكفار ; فيقولون : لا علم لنا ; فيكون هذا تكذيبا لمن اتخذ المسيح إلها ، وقال ابن جريج : معنى قوله : ماذا أجبتم ماذا عملوا بعدكم ؟ قالوا : لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب . قال أبو عبيد : ويشبه هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : يرد علي أقوام الحوض فيختلجون فأقول أمتي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، وكسر الغين من الغيوب حمزة والكسائي وأبو بكر ، وضم الباقون . قال الماوردي فإن قيل : فلم سألهم عما هو أعلم به منهم ؟ فعنه جوابان : أحدهما : أنه سألهم ليعلمهم ما لم يعلموا من كفر أممهم ونفاقهم وكذبهم عليهم من بعدهم . الثاني : أنه أراد أن يفضحهم بذلك على رءوس الأشهاد ليكون ذلك نوعا من العقوبة لهم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ (109)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واتقوا الله، أيها الناس. واسمعوا وَعْظه إياكم وتذكيرَه لكم, واحذروا يَوْم يَجْمع الله الرسل = ثم حذف وَاحْذَرُوا ، واكتفى بقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ، عن إظهاره, كما قال الراجز:عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًاحَتَّى شَتَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا (1)يريد: " وسقيتها ماء باردًا ", فاستغنى بقوله " علفتها تبنًا " من إظهار " سقيتها ", إذ كان السامع إذا سَمِعه عرف معناه. فكذلك في قوله: " يوم يجمع الله الرسل " ، حذف وَاحْذَرُوا لعلم السامع معناه, اكتفاءً بقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ، إذ كان ذلك تحذيرًا من أمر الله تعالى ذكره، خلقَه عقابَه على معاصيه.* * *وأما قوله: " ماذا أُجبتم " ، فإنه يعني به: ما الذي أجابتكم به أممكم، (2) حين دعوتموهم إلى توحيدي، والإقرار بي، والعمل بطاعتي، والانتهاء عن معصيتي؟ =" قالوا لا علم لنا ".* * *فاختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.فقال بعضهم: معنى قولهم: " لا علم لنا " ، لم يكن ذلك من الرسل إنكارًا أن يكونوا كانوا عالمين بما عملت أممهم, ولكنهم ذَهِلوا عن الجواب من هَوْلِ ذلك اليوم, ثم أجابوا بعد أن ثَابَتْ إليهم عقولهم بالشَّهادة على أممهم.* ذكر من قال ذلك:12986 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل. قال ، حدثنا أسباط, عن السديّ: " يوم يجمع الله الرسل فيقول مَاذا أجبتم قالوا لا علم لنا " ، قال: فذلك أنهم نزلوا منزلا ذَهِلت فيه العقول, (3) فلما سئلوا قالوا: " لا علم لنا "، ثم نزلوا منزلا آخر, فشهدوا على قومهم.12987 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام, عن عنبسة......... قال : سمعت الحسن يقول في قوله: " يوم يجمع الله الرسل " ، الآية، قال : من هول ذلك اليوم. (4)12988 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الثوري, عن الأعمش, عن مجاهد في قوله: " يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم " ، فيفزعون, فيقول: ماذا أجبتم؟ فيقولون: لا علم لنا !* * *وقال آخرون: معنى ذلك: لا علم لنا إلا ما علّمتنا.* ذكر من قال ذلك:12989- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد في قوله: " يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم "، فيقولون: = لا علم لنا إلا ما علمتنا =" إنك أنتَ علام الغيوب ".* * *وقال آخرون: معنى ذلك: قالوا لا علم لنا، إلا علمٌ أنت أعلَمُ به منَّا.* ذكر من قال ذلك:12990- حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا " ، إلا علم أنت أعلم به منا.* * *وقال آخرون: معنى ذلك: " ماذا أجبتم " ، ماذا عملوا بعدكم؟ وماذا أحدثوا؟* ذكر من قال ذلك:12991 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: " يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم " ، ماذا عملوا بعدكم؟ وماذا أحدثوا بعدكم؟ =" قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب ".* * *قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب، قولُ من قال: " معناه: لا علم لنا، إلا علم أنت أعلم به منّا ", لأنه تعالى ذكره أخبر عنهم أنهم قالوا: " لا علم لنا إنَّك أنتَ علام الغيوب " ، أي: إنك لا يخفى عليك ما عندنا من علم ذلك ولا غيره من خفيِّ العلوم وجليِّها. فإنما نَفى القومُ أن يكون لهم بما سُئلوا عنه من ذلك علم لا يعلمه هو تعالى ذكره = لا أنَّهم نَفَوا أن يكونوا علموا ما شاهدُوا. كيف يجوز أن يكون ذلك كذلك، وهو تعالى ذكره يخبر عنهم أنَّهم يُخْبرون بما أجابتهم به الأمم، وأنهم يسْتشهدون على تبليغهم الرسالة شهداء, (5) فقال تعالى ذكره: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [سورة البقرة:143].* * *وأما الذي قاله ابن جريج، من أن معناه: " ماذا عملت الأمم بعدكم؟ وماذا أحدثوا؟" فتأويل لا معنَى له. لأن الأنبياء لم يكن عندها من العلم بما يَحدُث بعدها إلا ما أعلمها الله من ذلك, وإذا سئلت عَمَّا عملت الأمم بعدها والأمر كذلك، فإنما يقال لها: ماذا عَرَّفناك أنه كائن منهم بعدك؟ وظاهرُ خَبر الله تعالى ذكره عن مسألته إيّاهم، يدلّ على غير ذلك.------------------------الهوامش :(1) مضى تخريج البيت وتفسيره فيما سلف 1: 264 ، وكان في المطبوعة هنا: "حتى غدت همالة" ، غير ما في المخطوطة.(2) انظر تفسير"ماذا" فيما سلف 4: 292 ، 346 ، 347/8: 359.(3) في المطبوعة: "ذلك أنهم لما نزلوا" ، وفي المخطوطة: "فذلك أنهم لما نزلوا" وأثبت ما في المخطوطة ، وحذفت"لما" لأنه لا موضع لها هنا ، وكأنها زيادة من عجلة الناسخ.(4) الأثر: 12987 - هذا إسناد ناقص بلا شك ، بين"عتبة" ، و"الحسن البصري" ، فوضعت مكانه النقط ، وقد أعجلت أن أجد مثله فيما سلف ، فتركته حتى أجد تمامه.(5) في المطبوعة: "سيشهدون على تبليغهم" ، حرف ما في المخطوطة وأساء.
إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱذۡكُرۡ نِعۡمَتِي عَلَيۡكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذۡ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗاۖ وَإِذۡ عَلَّمۡتُكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَۖ وَإِذۡ تَخۡلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ بِإِذۡنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِيۖ وَتُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ تُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ كَفَفۡتُ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذۡ جِئۡتَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ١١٠التفسير الميسرإذ قال الله يوم القيامة: يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك إذ خلقتك من غير أب، وعلى والدتك حيث اصطفيتها على نساء العالمين، وبرأتها مما نُسِب إليها، ومن هذه النعم على عيسى أنه قوَّاه وأعانه بجبريل عليه السلام، يكلم الناس وهو رضيع، ويدعوهم إلى الله وهو كبير بما أوحاه الله إليه من التوحيد، ومنها أن الله تعالى علَّمه الكتابة والخط بدون معلم، ووهبه قوة الفهم والإدراك، وعَلَّمه التوراة التي أنزلها على موسى عليه السلام، والإنجيل الذي أنزل عليه هداية للناس، ومن هذه النعم أنه يصوِّر من الطين كهيئة الطير فينفخ في تلك الهيئة، فتكون طيرًا بإذن الله، ومنها أنه يشفي الذي وُلِد أعمى فيبصر، ويشفي الأبرص، فيعود جلده سليمًا بإذن الله، ومنها أنه يدعو الله أن يحييَ الموتى فيقومون من قبورهم أحياء، وذلك كله بإرادة الله تعالى وإذنه، وهي معجزات باهرة تؤيد نبوة عيسى عليه السلام، ثم يذكِّره الله جل وعلا نعمته عليه إذ منع بني إسرائيل حين همُّوا بقتله، وقد جاءهم بالمعجزات الواضحة الدالة على نبوته، فقال الذين كفروا منهم: إنَّ ما جاء به عيسى من البينات سحر ظاهر.
تفسير السعدي إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ أي: اذكرها بقلبك ولسانك، وقم بواجبها شكرا لربك، حيث أنعم عليك نعما ما أنعم بها على غيرك. إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ أي: إذ قويتك بالروح والوحي، الذي طهرك وزكاك، وصار لك قوة على القيام بأمر الله والدعوة إلى سبيله. وقيل: إن المراد "بروح القدس" جبريل عليه السلام، وأن الله أعانه به وبملازمته له، وتثبيته في المواطن المشقة. تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا المراد بالتكليم هنا، غير التكليم المعهود الذي هو مجرد الكلام، وإنما المراد بذلك التكليم الذي ينتفع به المتكلم والمخاطب، وهو الدعوة إلى الله. ولعيسى عليه السلام من ذلك، ما لإخوانه من أولي العزم من المرسلين، من التكليم في حال الكهولة، بالرسالة والدعوة إلى الخير، والنهي عن الشر، وامتاز عنهم بأنه كلم الناس في المهد، فقال: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا الآية. وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ فالكتاب يشمل الكتب السابقة، وخصوصا التوراة، فإنه من أعلم أنبياء بني إسرائيل -بعد موسى- بها. ويشمل الإنجيل الذي أنزله الله عليه. والحكمة هي: معرفة أسرار الشرع وفوائده وحكمه، وحسن الدعوة والتعليم، ومراعاة ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي. وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ أي: طيرا مصورا لا روح فيه. فتنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، وتبرئ الأكمه الذي لا بصر له ولا عين. وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي فهذه آيات بيِّنَات، ومعجزات باهرات، يعجز عنها الأطباء وغيرهم، أيد الله بها عيسى وقوى بها دعوته. وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ لما جاءهم الحق مؤيدا بالبينات الموجبة للإيمان به. إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ وهموا بعيسى أن يقتلوه، وسعوا في ذلك، فكفَّ الله أيديهم عنه، وحفظه منهم وعصمه. فهذه مِنَنٌ امتَنَّ الله بها على عبده ورسوله عيسى ابن مريم، ودعاه إلى شكرها والقيام بها، فقام بها عليه السلام أتم القيام، وصبر كما صبر إخوانه من أولي العزم.
تفسير ابن كثيريذكر تعالى ما امتن به على عبده ورسوله عيسى ابن مريم - عليه السلام - مما أجراه على يديه من المعجزات وخوارق العادات ، فقال تعالى : ( إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك ) أي : في خلقي إياك من أم بلا ذكر ، وجعلي إياك آية ودلالة قاطعة على كمال قدرتي على الأشياء ( وعلى والدتك ) حيث جعلتك لها برهانا على براءتها مما نسبه الظالمون الجاهلون إليها من الفاحشة ( إذ أيدتك بروح القدس ) وهو جبريل ، - عليه السلام - ، وجعلتك نبيا داعيا إلى الله في صغرك وكبرك ، فأنطقتك في المهد صغيرا ، فشهدت ببراءة أمك من كل عيب ، واعترفت لي بالعبودية ، وأخبرت عن رسالتي إياك ودعوتك إلى عبادتي ; ولهذا قال تعالى : ( تكلم الناس في المهد وكهلا ) أي : تدعو إلى الله الناس في صغرك وكبرك . وضمن " تكلم " تدعو ; لأن كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب .وقوله : ( وإذ علمتك الكتاب والحكمة ) أي : الخط والفهم ) والتوراة ) وهي المنزلة على موسى بن عمران الكليم ، وقد يرد لفظ التوراة في الحديث ويراد به ما هو أعم من ذلك .وقوله : ( وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني ) أي : تصوره وتشكله على هيئة الطائر بإذني لك في ذلك فيكون طائرا بإذني ، أي : فتنفخ في تلك الصورة التي شكلتها بإذني لك في ذلك ، فتكون طيرا ذا روح بإذن الله وخلقه .وقوله : ( وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني ) قد تقدم الكلام على ذلك في سورة آل عمران بما أغنى عن إعادته .وقوله : ( وإذ تخرج الموتى بإذني ) أي : تدعوهم فيقومون من قبورهم بإذن الله وقدرته ، وإرادته ومشيئته .وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا مالك بن إسماعيل ، حدثنا محمد بن طلحة - يعني ابن مصرف - عن أبي بشر ، عن أبي الهذيل قال : كان عيسى ابن مريم ، - عليه السلام - ، إذا أراد أن يحيي الموتى صلى ركعتين ، يقرأ في الأولى : ( تبارك الذي بيده الملك ) [ سورة الملك ] ، وفي الثانية : ( الم . تنزيل الكتاب ) [ سورة السجدة ] . فإذا فرغ منهما مدح الله وأثنى عليه ، ثم دعا بسبعة أسماء : يا قديم ، يا خفي ، يا دائم ، يا فرد ، يا وتر ، يا أحد ، يا صمد - وكان إذا أصابته شدة دعا بسبعة أخر : يا حي ، يا قيوم ، يا الله ، يا رحمن ، يا ذا الجلال والإكرام ، يا نور السموات والأرض ، وما بينهما ورب العرش العظيم ، يا رب .وهذا أثر عجيب جدا .وقوله : ( وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين ) أي : واذكر نعمتي عليك في كفي إياهم عنك حين جئتهم بالبراهين والحجج القاطعة على نبوتك ورسالتك من الله إليهم ، فكذبوك واتهموك بأنك ساحر ، وسعوا في قتلك وصلبك ، فنجيتك منهم ، ورفعتك إلي ، وطهرتك من دنسهم ، وكفيتك شرهم . وهذا يدل على أن هذا الامتنان كان من الله إليه بعد رفعه إلى السماء الدنيا ، أو يكون هذا الامتنان واقعا يوم القيامة ، وعبر عنه بصيغة الماضي دلالة على وقوعه لا محالة . وهذا من أسرار الغيوب التي أطلع الله عليها رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - .
تفسير القرطبيقوله تعالى : إذ قال الله ياعيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبينقوله تعالى : إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك هذا من صفة يوم القيامة كأنه قال : اذكر يوم يجمع الله الرسل وإذ يقول الله لعيسى كذا ; قاله المهدوي . و ( عيسى ) يجوز أن يكون في موضع رفع على أن يكون ابن مريم نداء ثانيا ، ويجوز أن يكون في موضع نصب ; لأنه نداء منصوب كما قال :يا حكم بن المنذر بن الجارودولا يجوز الرفع في الثاني إذا كان مضافا إلا عند الطوال .قوله تعالى : اذكر نعمتي عليك إنما ذكر الله تعالى عيسى نعمته عليه وعلى والدته وإن كان لهما ذاكرا لأمرين : أحدهما : ليتلو على الأمم ما خصهما به من الكرامة ، وميزهما به من علو المنزلة . الثاني : ليؤكد به حجته ، ويرد به جاحده . ثم أخذ في تعديد نعمه فقال : إذ أيدتك يعني قويتك ; مأخوذ من الأيد وهو القوة ، وقد تقدم . وفي روح القدس وجهان : أحدهما : أنها الروح الطاهرة التي خصه الله بها كما تقدم في قوله وروح منه . الثاني : أنه جبريل عليه السلام وهو الأصح ، كما تقدم في " البقرة " . تكلم الناس يعني وتكلم الناس في المهد صبيا ، وفي الكهولة نبيا ، وقد تقدم ما في هذا في ( آل عمران ) فلا معنى لإعادته . كففت معناه دفعت وصرفت بني إسرائيل عنك حين هموا بقتلك إذ جئتهم بالبينات أي الدلالات والمعجزات ، وهي المذكورة في الآية . فقال الذين كفروا يعني الذين لم يؤمنوا بك وجحدوا نبوتك . إن هذا أي المعجزات إلا سحر مبين وقرأ حمزة والكسائي " ساحر " أي : إن هذا الرجل إلا ساحر قوي على السحر .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لعباده: احذروا يومَ يجمع الله الرسلَ فيقول لهم: ماذا أجابتكم أممكم في الدنيا =" إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس ".* * *ف " إذْ" من صلة أُجِبْتُمْ , كأنّ معناها: ماذا أجابت عيسى الأمم التي أرسل إليها عيسى.* * *فإن قال قائل: وكيف سئلت الرسل عن إجابة الأمم إيَّاها في عهد عيسى, ولم يكن في عهد عيسى من الرُّسل إلا أقلُّ ذلك؟ (6)قيل: جائزٌ أن يكون الله تعالى ذكره عنى بقوله: فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ، الرسلَ الذين كانوا أرسلوا في عهد عيسى، فخرَج الخبر مخرج الجميع, والمراد منهم من كان في عهد عيسى, كما قال تعالى ذكره: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [سورة آل عمران : 173] ، والمراد واحدٌ من الناس, وإن كان مخرج الكلام على جميع الناس. (7)قال أبو جعفر: ومعنى الكلام: " إذ قال الله " ، حين قال =" يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس " ، يقول: يا عيسى اذكر أياديّ عندك وعند والدتك, (8) إذ قوّيتك برُوح القُدس و أعنتُك به. (9)* * *وقد اختلف أهل العربية في" أيدتك "، ما هو من الفعل.فقال بعضهم: هو " فعّلتك ", [" من الأيد "]، كما قولك: " قوّيتك "" فعّلت " من " القوّة ". (10)* * *وقال آخرون: بل هو " فاعلتك " من " الأيد ".وروي عن مجاهد أنه قرأ: (إذْ آيَدْتُك)، بمعنى " أفعلتك "، من القوّة والأيد. (11) .* * *وقوله: " بروح القدس " ، يعني: بجبريل. يقول: إذ أعنتك بجبريل.* * *وقد بينت معنى ذلك، وما معنى " القدس "، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (12)* * *القول في تأويل قوله : تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ (110)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مخبرًا عن قِيله، لعيسى: اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ، في حال تكليمك الناسَ في المهدِ وكهلا.* * *وإنما هذا خبر من الله تعالى ذكره: أنه أيده بروح القدس صغيرًا في المهد وكهلا كبيرًا = فردّ" الكهل " على قوله " في المهد "، لأن معنى ذلك: صغيرًا, كما قال الله تعالى ذكره: دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا ، [سورة يونس: 12] .* * *وقوله: " وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل " ، يقول: واذكر أيضًا نعمتي عليك " إذ علمتك الكتاب "، وهو الخطّ =" والحكمة "، وهي الفهم بمعاني الكتاب الذي أنزلته إليك، وهو الإنجيل =" وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير "، يقول: كصورة الطير...... (13) =" بإذني" ، يعني بقوله " تخلق " تعمل وتصلح -" من الطين كهيئة الطير بإذني"، يقول: بعوني على ذلك، وعلمٍ منّي به =" فتنفخ فيها " ، يقول: فتنفخ في الهيئة, قتكون الهيئة والصورة طيرًا بإذني =" وتبرئ الأكمه " ، يقول: وتشفي" الأكمهَ"، وهو الأعمى الذي لا يبصر شيئًا، المطموس البصر=" والأبرص بإذني".* * *وقد بينت معاني هذه الحروف فيما مضى من كتابنا هذا مفسرًا بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (14)* * *وقوله " وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات " ، يقول: واذكر أيضًا نعمتي عليك بكفِّي عنك بني إسرائيل إذ كففتهم عنك، (15) وقد هموا بقتلك =" إذ جئتهم بالبينات " ، يقول: إذ جئتهم بالأدِلة والأعلام المعجزة على نبوّتك، (16) وحقيقة ما أرسلتك به إليهم. (17) =" فقال الذين كفروا منهم "، يقول تعالى ذكره: فقال الذين جحدُوا نبوَّتك وكذبوك من بني إسرائيل=" إن هذا إلا سحر مبين ".* * *واختلفت القرأة في قراءة ذلك.فقرأته قرأة أهل المدينة وبعض أهل البصرة: إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ يعني: يبين عمَّا أتى به لمن رأه ونظر إليه، أنه سحر لا حقيقةَ له.* * *وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة: ( إن هذا إلا ساحر مبين ) ، بمعنى: " ما هذا ", يعني به عيسى," إلا ساحر مبين ", يقول: يبين بأفعاله وما يأتي به من هذه الأمور العجيبة عن نفسه، أنه ساحرٌ لا نبيٌّ صادق. (18)* * *قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أنَّهما قراءتان معروفتان صحيحتَا المعنى، متفقتان غير مختلفتين. وذلك أن كل من كان موصوفًا بفعل " السحر "، فهو موصوف بأنه " ساحر ". ومن كان موصوفًا بأنه " ساحر "، فأنه موصوف بفعل " السحر ". فالفعل دالٌ على فاعله، والصفة تدلُّ على موصوفها, والموصوف يدل على صفته، والفاعلُ يدلُّ على فعله. فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ في قراءته.--------------الهوامش :(6) في المطبوعة: "إلا أقل من ذلك" ، زاد"من" ، فأفسد الكلام ، والصواب ما في المخطوطة.(7) انظر ما سلف: 405 413.(8) انظر تفسير"النعمة" فيما سلف من فهارس اللغة (نعم).(9) انظر تفسير"أيد" فيما سلف 2: 319/5: 379/6: 242.(10) الزيادة بين القوسين ، لا بد منها. وفي المطبوعة: "كما في قوله" بزيادة"في" ، والصواب ما في المخطوطة بحذفها.(11) انظر معاني القرآن للفراء 1: 325. وهذا الذي ذكره هنا في"أيدتك" تفصيل أغفله في بيانه السالف في: 2: 319 ، وهذا من ضروب اختصاره في التفسير ، وهو دال أيضًا على طريقته في تأليف هذا التفسير.(12) انظر تفسير"روح القدس" فيما سلف 2: 320 ، 321/5: 379.(13) مكان هذا النقط بياض في المخطوطة ، وفي هامشها حرف (ط) ، دلالة على موضع خطأ. فأثبتها كذلك. وإن كنت أرجح أن سياق أبي جعفر يقتضي أن تكون عبارته هكذا:وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير ، يعني بقوله: "تخلق" ، تعمل وتصلح"من الطين كهيئة الطير" ، يقول: كصورة الطير: "بإذني" ، يقول: بعوني على ذلك . . . ومع ذلك ، فقد تركت ما في المخطوطة على ما هو عليه.(14) انظر تفسير"المهد" فيما سلف 6: 417 = وتفسير"الكهل" 6: 417 ، 418 = وتفسير"الكتاب" ، و"الحكمة" فيما سلف من فهارس اللغة (كتب) و (حكم) = وأما تفسير"خلق" و"هيأة" بهذا المعنى ، فلم يذكره فيما سلف ، وإن كان ذلك مضى في 6: 424 وتفسير"أبرأ" 6: 428 = وتفسير"الأكمه" 6: 428 - 430 = وأما "الأبرص" فلم يفسره = وتفسير"الإذن" فيما سلف 10: 145 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.(15) انظر تفسير"الكف" فيما سلف 8: 548 ، 579/ 9: 29/10: 101(16) انظر تفسير"البينات" فيما سلف من فهارس اللغة (بين).(17) في المطبوعة: "وحقية ما أرسلتك" ، غيرها كما فعل مرارًا كثيرة فيما سلف ، والصواب ما في المخطوطة ، وانظر ما سلف 10: 242 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(18) انظر تفسير"مبين" فيما سلف من فهارس اللغة (بين).
وَإِذۡ أَوۡحَيۡتُ إِلَى ٱلۡحَوَارِيِّـۧنَ أَنۡ ءَامِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّنَا مُسۡلِمُونَ ١١١التفسير الميسرواذكر نعمتي عليك، إذ ألهمتُ، وألقيتُ في قلوب جماعة من خلصائك أن يصدقوا بوحدانية الله تعالى ونبوتك، فقالوا: صدَّقنا يا ربنا، واشهد بأننا خاضعون لك منقادون لأمرك.
تفسير السعديواذكر نعمتي عليك إذ يسرت لك أتباعا وأعوانا. فأوحيت إلى الحواريين أي: ألهمتهم، وأوزعت قلوبهم الإيمان بي وبرسولي، أو أوحيت إليهم على لسانك، أي: أمرتهم بالوحي الذي جاءك من عند الله، فأجابوا لذلك وانقادوا، وقالوا: آمنا بالله، واشهد بأننا مسلمون، فجمعوا بين الإسلام الظاهر، والانقياد بالأعمال الصالحة، والإيمان الباطن المخرج لصاحبه من النفاق ومن ضعف الإيمان.
تفسير ابن كثيروقوله : ( وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ) وهذا أيضا من الامتنان عليه - - عليه السلام - - بأن جعل له أصحابا وأنصارا . ثم قيل : المراد بهذا الوحي وحي إلهام ، كما قال : ( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه ) الآية [ القصص : 7 ] ، وهذا وحي إلهام بلا خوف ، وكما قال تعالى : ( وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون . ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا ) الآية [ النحل : 68 ، 69 ] . وهكذا قال بعض السلف في هذه الآية : ( وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا ) [ أي : بالله وبرسول الله ] ( واشهد بأننا مسلمون ) أي : ألهموا ذلك فامتثلوا ما ألهموا .قال الحسن البصري : ألهمهم الله . عز وجل ذلك ، وقال السدي : قذف في قلوبهم ذلك .ويحتمل أن يكون المراد : وإذ أوحيت إليهم بواسطتك ، فدعوتهم إلى الإيمان بالله وبرسوله ، واستجابوا لك وانقادوا وتابعوك ، فقالوا : ( آمنا واشهد بأننا مسلمون )
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمونقوله تعالى : وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قد تقدم القول في معاني هذه الآية ، والوحي في كلام العرب معناه الإلهام ويكون على أقسام : وحي بمعنى إرسال جبريل إلى الرسل عليهم السلام ، ووحي بمعنى الإلهام كما في هذه الآية ; أي ألهمتهم وقذفت في قلوبهم ; ومنه قوله تعالى : وأوحى ربك إلى النحل وأوحينا إلى أم موسى ووحي بمعنى الإعلام في اليقظة والمنام قال أبو عبيدة : أوحيت بمعنى أمرت ، وإلى صلة يقال : وحى وأوحى بمعنى ; قال الله تعالى : بأن ربك أوحى لها وقال العجاج :وحى لها القرار فاستقرت بإذنه الأرض وما تعتتأي : أمرها بالقرار فاستقرت ، وقيل : أوحيت هنا بمعنى أمرتهم وقيل : بينت لهم . واشهد بأننا مسلمون على الأصل ; ومن العرب من يحذف إحدى النونين ; أي : واشهد يا رب ، وقيل : يا عيسى بأننا مسلمون لله .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واذكر أيضًا، يا عيسى، إذ ألقيت (19) =" إلى الحواريين "، وهم وزراء عيسى على دينه.* * *وقد بينا معنى ذلك، ولم قيل لهم " الحواريون "، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته. (20)* * *وقد اختلفت ألفاظ أهل التأويل في تأويل قوله: " وإذ أوحيت " ، وإن كانت متفقة المعاني.فقال بعضهم، بما:-12992 - حدثني به محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وإذ أوحيت إلى الحواريين " ، يقول: قدفت في قلوبهم.* * *وقال آخرون: معنى ذلك: ألهمتهم.* * *قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: وإذْ ألقيتُ إلى الحواريين أنْ صدّقوا بي وبرسولي عيسى، فقالوا: "آمنا "، أي: صدقنا بما أمرتنا أن نؤمنَ يا ربنا =" واشهد " علينا " بأننا مسلمون " ، يقول: واشهد علينا بأننا خاضِعُون لك بالذّلة، سامعون مطيعُون لأمرك.------------------الهوامش :(19) انظر تفسير"أوحى" فيما سلف 6: 405 ، 406/9 : 399.(20) انظر تفسير"الحواريون" فيما سلف 6: 449 - 451.
إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ هَلۡ يَسۡتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِۖ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١١٢التفسير الميسرواذكر إذ قال الحواريون: يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك إن سألته أن ينزل علينا مائدة طعام من السماء؟ فكان جوابه أن أمرهم بأن يتقوا عذاب الله تعالى، إن كانوا مؤمنين حقَّ الإيمان.
تفسير السعديوالحواريون هم: الأنصار، كما قال تعالى كما قال عيسى ابن مريم للحواريين: مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ أي: مائدة فيها طعام، وهذا ليس منهم عن شك في قدرة الله، واستطاعته على ذلك. وإنما ذلك من باب العرض والأدب منهم. ولما كان سؤال آيات الاقتراح منافيا للانقياد للحق، وكان هذا الكلام الصادر من الحواريين ربما أوهم ذلك، وعظهم عيسى عليه السلام فقال: اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فإن المؤمن يحمله ما معه من الإيمان على ملازمة التقوى، وأن ينقاد لأمر الله، ولا يطلب من آيات الاقتراح التي لا يدري ما يكون بعدها شيئا.
تفسير ابن كثيرهذه قصة المائدة ، وإليها تنسب السورة فيقال : " سورة المائدة " . وهي مما امتن الله به على عبده ورسوله عيسى ، - عليه السلام - ، لما أجاب دعاءه بنزولها ، فأنزلها الله آية ودلالة معجزة باهرة وحجة قاطعة .وقد ذكر بعض الأئمة أن قصة المائدة ليست مذكورة في الإنجيل ، ولا يعرفها النصارى إلا من المسلمين ، فالله أعلم .فقوله تعالى : ( إذ قال الحواريون ) وهم أتباع عيسى - عليه السلام - : ( يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك ) هذه قراءة كثيرين ، وقرأ آخرون : " هل تستطيع ربك " أي : هل تستطيع أن تسأل ربك ( أن ينزل علينا مائدة من السماء ) .والمائدة هي : الخوان عليه طعام . وذكر بعضهم أنهم إنما سألوا ذلك لحاجتهم وفقرهم فسألوا أن ينزل عليهم مائدة كل يوم يقتاتون منها ، ويتقوون بها على العبادة .قال : ( اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ) أي : فأجابهم المسيح ، - عليه السلام - ، قائلا لهم : اتقوا الله ، ولا تسألوا هذا ، فعساه أن يكون فتنة لكم ، وتوكلوا على الله في طلب الرزق إن كنتم مؤمنين .
تفسير القرطبيقوله تعالى : إذ قال الحواريون ياعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنينقوله تعالى : إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم على ما تقدم من الإعراب . هل يستطيع ربك . قراءة الكسائي وعلي وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد " هل تستطيع " بالتاء " ربك " بالنصب ، وأدغم الكسائي اللام من هل في التاء ، وقرأ الباقون بالياء ، " ربك " بالرفع ، وهذه القراءة أشكل من الأولى ; فقال السدي : المعنى هل يطيعك ربك إن سألته أن ينزل فيستطيع بمعنى يطيع ; كما قالوا : استجاب بمعنى أجاب ، وكذلك استطاع بمعنى أطاع ، وقيل المعنى : هل يقدر ربك وكان هذا السؤال في ابتداء أمرهم قبل استحكام معرفتهم بالله عز وجل ; ولهذا قال عيسى في الجواب عند غلطهم وتجويزهم على الله ما لا يجوز : اتقوا الله إن كنتم مؤمنين أي : لا تشكوا في قدرة الله تعالى .قلت : وهذا فيه نظر ; لأن الحواريين خلصان الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم كما قال : من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله ، وقال عليه السلام : لكل نبي حواري وحواري الزبير ومعلوم أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جاءوا بمعرفة الله تعالى وما يجب له وما يجوز وما يستحيل عليه وأن يبلغوا ذلك أممهم ; فكيف يخفى ذلك على من باطنهم واختص بهم حتى يجهلوا قدرة الله تعالى ؟ إلا أنه يجوز أن يقال : إن ذلك صدر ممن كان معهم ، كما قال بعض جهال الأعراب للنبي صلى الله عليه وسلم : اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ، وكما قال من قال من قوم موسى : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة على ما يأتي بيانه في " الأعراف " إن شاء الله تعالى ، وقيل : إن القوم لم يشكوا في استطاعة الباري سبحانه لأنهم كانوا مؤمنين عارفين عالمين ، وإنما هو كقولك للرجل : هل يستطيع فلان أن يأتي وقد علمت أنه يستطيع ; فالمعنى : هل يفعل ذلك ؟ وهل يجيبني إلى ذلك أم لا ؟ وقد كانوا عالمين باستطاعة الله تعالى لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر فأرادوا علم معاينة كذلك ; كما قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم : رب أرني كيف تحي الموتى على ما تقدم ، وقد كان إبراهيم علم لذلك علم خبر ونظر ، ولكن أراد المعاينة التي لا يدخلها ريب ولا شبهة ; لأن علم النظر والخبر قد تدخله الشبهة والاعتراضات ، وعلم المعاينة لا يدخله شيء من ذلك ، ولذلك قال الحواريون : وتطمئن قلوبنا كما قال إبراهيم : ولكن ليطمئن قلبي .قلت : وهذا تأويل حسن ; وأحسن منه أن ذلك كان من قول من كان مع الحواريين ; على ما يأتي بيانه وقد أدخل ابن العربي المستطيع في أسماء الله تعالى ، وقال : لم يرد به كتاب ولا سنة اسما وقد ورد فعلا ، وذكر قول الحواريين : هل يستطيع ربك ورده عليه ابن الحصار في كتاب شرح السنة له وغيره ; قال ابن الحصار : وقوله سبحانه مخبرا عن الحواريين لعيسى : هل يستطيع ربك ليس بشك في الاستطاعة ، وإنما هو تلطف في السؤال ، وأدب مع الله تعالى ; إذ ليس كل ممكن سبق في علمه وقوعه ولا لكل أحد ، والحواريون هم كانوا خيرة من آمن بعيسى ، فكيف يظن بهم الجهل باقتدار الله تعالى على كل شيء ممكن ؟ ! وأما قراءة " التاء " فقيل المعنى هل تستطيع أن تسأل ربك ، هذا قول عائشة ومجاهد - رضي الله عنهما ; قالت عائشة رضي الله عنها : كان القوم أعلم بالله عز وجل من أن يقولوا هل يستطيع ربك قالت : ولكن " هل تستطيع ربك " ، وروي عنها أيضا أنها قالت : كان الحواريون لا يشكون أن الله يقدر على إنزال مائدة ولكن قالوا : " هل تستطيع ربك " وعن معاذ بن جبل قال : أقرأنا النبي صلى الله عليه وسلم " هل تستطيع ربك " قال معاذ : وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم مرارا يقرأ بالتاء " هل تسطيع ربك " وقال الزجاج : المعنى هل تستدعي طاعة ربك فيما تسأله ، وقيل : هل تستطيع أن تدعو ربك أو تسأله ; والمعنى متقارب ، ولا بد من محذوف ، كما قال : واسأل القرية وعلى قراءة الياء لا يحتاج إلى حذف . قال اتقوا الله أي اتقوا معاصيه وكثرة السؤال ; فإنكم لا تدرون ما يحل بكم عند اقتراح الآيات ; إذ كان الله عز وجل إنما يفعل الأصلح لعباده . إن كنتم مؤمنين أي : إن كنتم مؤمنين به وبما جئت به فقد جاءكم من الآيات ما فيه غنى .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واذكر، يا عيسى، أيضًا نعمتي عليك, إذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي, إذ قالوا لعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء - ف " إذ "، الثانية من صلة أَوْحَيْتُ .* * *واختلفت القرأة في قراءة قوله: " يستطيع ربك "فقرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين: (هَلْ تَسْتَطِيعُ) بالتاء (رَبَّكَ) بالنصب, بمعنى: هل تستطيع أن تسأل ربك؟ أو: هل تستطيع أن تدعوَ ربَّك؟ أو: هل تستطيع وترى أن تدعوه؟ وقالوا: لم يكن الحواريون شاكِّين أن الله تعالى ذكره قادرٌ أن ينزل عليهم ذلك, وإنما قالوا لعيسى: هل تستطيع أنت ذلك؟ (21)12993 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بشر, عن نافع, عن ابن عمر, عن ابن أبي مليكة قال : قالت عائشة: كان الحواريون لا يشكّون أن الله قادر أن ينزل عليهم مائدة, ولكن قالوا: يا عيسى هل تَسْتطيع ربَّك؟12994- حدثني أحمد بن يوسف التَّغْلِبيّ قال ، حدثنا القاسم بن سلام قال ، حدثنا ابن مهدي, عن جابر بن يزيد بن رفاعة, عن حسّان بن مخارق, عن سعيد بن جبير: أنه قرأها كذلك: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ)، وقال: تستطيع أن تسأل ربَّك. وقال: ألا ترى أنهم مؤمنون؟ (22)* * *وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة والعراق: (هَلْ يَسْتَطِيعُ) بالياء (رَبُّكَ)، بمعنى: أن ينزل علينا ربُّك, كما يقول الرجل لصاحبه: " أتستطيع أن تنهض معنا في كذا "؟ وهو يعلم أنه يستطيع, ولكنه إنما يريد: أتنهض معنا فيه؟ وقد يجوز أن يكون مرادُ قارئه كذلك: هل يستجيب لك ربك ويُطِيعك أنْ تنزل علينا؟* * *قال أبو جعفر: وأولى القراءتين عندي بالصواب، قراءة من قرأ ذلك: (هَلْ يَسْتَطِيعُ) بالياء (رَبُّكَ) برفع " الربّ", بمعنى: هل يستجيب لك إن سألته ذلك ويطيعك فيه؟وإنما قلنا ذلك أولى القراءتين بالصواب، لما بيّنّا قبلُ من أن قوله: " إذ قال الحواريون " ، من صلة: " إذ أوحيت ", وأنَّ معنى الكلام: وإذ أوحيت إلى الحواريون أن آمنوا بي وبرسولي ، إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربَّك؟ فبيِّنٌ إذ كان ذلك كذلك, أن الله تعالى ذكره قد كرِه منهم ما قالوا من ذلك واستعظمه, وأمرهم بالتوبة ومراجعة الإيمان من قِيلهم ذلك, والإقرارِ لله بالقدرة على كل شيء, وتصديقِ رسوله فيما أخبرهم عن ربِّهم من الأخبار. وقد قال عيسى لهم، عند قيلهم ذلك له، استعظامًا منه لما قالوا: " اتقوا الله إن كنتم مؤمنين " . ففي استتابة الله إيّاهم, ودعائه لهم إلى الإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم عند قيلهم ما قالوا من ذلك, واستعظام نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم كلمتهم = (23) الدلالةُ الكافيةُ من غيرها على صحة القراءة في ذلك بالياء ورفع " الرب "، إذ كان لا معنى في قولهم لعيسى، لو كانوا قالوا له: " هل تستطيع أن تسأل ربَّك أن ينزل علينا مائدة من السماء "؟ أن يُستكبر هذا الاستكبار.فإن ظنّ ظانّ أنّ قولهم ذلك له إنما استُعظِمَ منهم, (24) لأنّ ذلك منهم كان مسألة آيةٍ, [فقد ظنّ خطأ]. (25) فإن الآيةَ، إنّما يسألها الأنبياء مَنْ كان بها مكذّبًا ليتقرَّر عنده حقيقةُ ثبوتها وصحَّة أمرها, كما كانت مسألة قريش نبيَّنا محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يحوِّل لهم الصَّفَا ذهبًا، ويفجر فجَاج مكة أنهارًا، مَنْ سأله من مشركي قومه = وكما كانت مسألة صالح الناقةَ من مكذّبي قومه = ومسألة شُعَيْب أن يسقط كِسْفًا من السماءِ، من كفّار من أرسل إليه. (26)فإنْ وكان الذين سألوا عيسى أن يسأل ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء, (27) على هذا الوجه كانت مسألتهم, فقد أحلّهم الذين قرءوا ذلك ب " التاء " ونصب " الرب " محلا أعظم من المحلِّ الذي ظنوا أنَّهم يحيدون بهم عنه (28) = أو يكونوا سألوا ذلك عيسى وهم موقنون بأنه لله نبي مبعوث ورسول مرسلٌ, وأن الله تعالى ذكره على ما سألوا من ذلك قادر.فإن كانوا سألوا ذلك وهم كذلك, وإنما كانت مسألتهم إيَّاه ذلك على نحو ما يسأل أحدُهم نبيَّه, إذا كان فقيرًا، أن يسأل له ربه أن يُغْنيه = وإن عرضتْ له حاجة، (29) أن يسأل له ربه أن يقضيَها, فليسَ ذلك من مسألةَ الآية في شيء، (30) بل ذلك سؤال ذي حاجة عرضت له إلى ربه, فسأل نبيَّه مسألةَ ربه أن يقضيها له.وخبر الله تعالى ذكره عن القوم، ينبئ بخلاف ذلك. وذلك أنهم قالوا لعيسى, إذ قال لهم: " اتقوا الله إن كنتم مؤمنين " = نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا . فقد أنبأ هذا من قِيلهم، (31) أنهم لم يكونوا يعلمون أن عيسى قد صدَقهم, ولا اطمأنت قلوبهم إلى حقيقة نبوّته. فلا بيان أبين من هذا الكلام، في أن القوم كانوا قد خالط قلوبَهم مرضٌ وشك فى دينهم وتصديق رسولهم, وأنهم سَألوا ما سألوا من ذلك اختبارًا.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:12995 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج, عن ليث, عن عقيل, عن ابن عباس: أنه كان يحدِّث عن عيسى صلى الله عليه وسلم: أنه قال لبني إسرائيل: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يومًا, ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم؟ فإن أجرَ العامل على من عمل له! ففعلوا، ثم قالوا: يا معلِّم الخير, قلت لنا: " إن أجر العامل على من عمل له "، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يومًا، ففعلنا, ولم نكن نعمل لأحدٍ ثلاثين يومًا إلا أطعمنا حين نفرُغ طعامًا، فهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟ قال عيسى: " اتقوا الله إن كنتم مؤمنين " = قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ ، إلى قوله: لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ . قال: فأقبلت الملائكة تطير بمائدةٍ من السماء عليها سبعةُ أحواتٍ وسبعة أرغفة, حتى وضعتها بين أيديهم, فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أوّلهم.12996 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط, عن السدي: " هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ" ، قالوا: هل يطيعك ربُّك، إن سألته؟ فأنزل الله عليهم مائدة من السماء فيها جميع الطَّعام إلا اللحم، فأكلوا منها.* * *وأما " المائدة " فإنها " الفاعلة " من: " ماد فلان القوم يَميدهم مَيْدًا "، إذا أطعمهم ومارهم، ومنه قول رؤبة:نُهْدِي رُؤُوسَ المتْرَفينَ الأنْدَادْإلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ المُمْتَادْ (32)يعني بقوله: " الممتاد "، المستعْطَى. ف " المائدة " المطعِمة، سميت " الخوان " بذلك, لأنها تطعم الآكل ممّا عليها. و " المائد "، المُدَار به في البحر, يقال: " مادَ يَمِيدُ مَيْدًا ".* * *وأما قوله: " قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين " ، فإنه يعني: قال عيسى للحواريّين القائلين له: " هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء " = راقبوا الله، أيها القوم, وخافوه (33) أن يَنزل بكم من الله عقوبة على قولكم هذا, فإن الله لا يعجزه شيء أراده, وفي شكّكم في قدرة الله على إنزال مائدة من السماء، كفرٌ به, فاتقوا الله أن يُنزل بكم نقمته =" إن كنتم مؤمنين "، يقول: إن كنتم مصدقيَّ على ما أتوعدكم به من عقوبة الله إياكم على قولكم: " هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء "؟--------------------الهوامش :(21) انظر معاني القرآن للفراء 1: 325.(22) الأثر: 12994 -"أحمد بن يوسف التغلبي" ، مضى قريبًا برقم: 12957 ، وكان في المطبوعة هنا أيضًا: "الثعلبي" ، وهو خطأ.و"جابر بن يزيد بن رفاعة العجلي" ، ثقة عزيز الحديث. مترجم في التهذيب ، والكبير 1/2/210 ، وابن أبي حاتم 1/1/498."حسان بن مخارق". قال البخاري: "أراه: الشيباني" ، مترجم في الكبير 2/1/31 ، وابن أبي حاتم 1/2/235 ، وقال المعلق على تاريخ البخاري: "في الثقات رجلان ، أحدهما في التابعين: حسان بن مخارق الكوفي ، يروي عن أم سلمة. روى عنه أبو إسحق الشيباني = والآخر في أتباع التابعين: حسان بن مخارق الشيباني ، وقد قيل: حسان بن أبي المخارق ، أبو العوام ، يروي عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ: هل تستطيع ربك. روى عنه جابر بن يزيد ، وجعلهما ابن أبي حاتم واحدًا".وكان في المطبوعة: "حيان بن مخارق" حرف ما هو صواب في المخطوطة.(23) السياق: " . . . ففي استتابة الله إياهم . . . الدلالة الكافية . . ." ، وما بينهما عطوف.(24) في المطبوعة: "إنما هو استعظام منهم" ، غير ما في المخطوطة وزاد على نصها ، فضرب على الكلام فسادا لا يفهم!! و"استعظم" بالبناء للمجهول.(25) هذه الزيادة بين القوسين ، لا بد منها ، لا أشك أن الناسخ قد أسقطها غفلة ، فاضطرب سياق الكلام ، وسياق حجة أبي جعفر ، فاضطر الناشر أن يعبث بكلمات أبي جعفر لكي تستقيم معه ، فأفسد الكلام إفسادًا بينًا لا يحل له. وقد رددت الكلام إلى أصله ، كما سترى في التعليقات التالية.(26) في المطبوعة: "من أرسل إليهم" ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو صواب محض.(27) في المطبوعة: "وكان الذين سألوا . . ." ، حذف"فإن" ، وعطف الكلام بعضه على بعض فاضطرب اضطرابًا فاحشًا.(28) في المطبوعة: "الذي ظنوا أنهم نزهوا ربهم عنه" ، سبحانه وتعالى ، ولكن ما فعله الناشر بنص المخطوطة جعل هذا الكلام كله لا معنى له. وكان في المخطوطة: "يحمدوا ربهم" ، مضطربة الكتابة ، فأساء الناشر قراءتها ، وأبلغ في الإساءة حين غير الكلام على الوجه الذي نشره به.(29) في المطبوعة والمخطوطة: "إن عرضت به حاجة" ، وهو غير عربي ، عربيته ما أثبت(30) في المطبوعة: "فأنى ذلك من مسألة الآية" ، وفي المخطوطة: "فإن ذلك" وصواب ذلك ما أثبت.(31) في المطبوعة والمخطوطة: "فقد أنبأ هذا عن قيلهم" ، وهو خطأ محض ، مخل بالسياق.(32) ديوانه: 40 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 183 ، واللسان (ميد) ، وسيأتي في التفسير 12: 84 (بولاق) ، من رجز تمدح فيه بنفسه ، ومدح قومه تميما وسعدًا وخندفًا. ثم قبله في آخرها يذكر قومه:نَكْفِي قُريشًا مَنْ سَعَى بِالإفْسَادْمِنْ كُلِّ مَرْهُوبِ الشِّقَاقِ جَحَّادْومُلْحِدٍ خَالَطَ أَمْرَ الإلْحَادْوقوله: "نهدي" بالنون ، لا بالتاء كما في لسان العرب ، وكما كان في المطبوعة هنا. و"المترفون": المتنعمون المتوسعون في لذات الدنيا وشهواتها. و"الأنداد" جمع"ند" (بكسر النون) وهو هنا بمعنى"الضد" ، يقال للرجل إذا خالفك ، فأردت وجهًا تذهب إليه ، ونازعك في ضده: "هو ندى ، ونديدي". ويأتي أيضًا بمعنى"المثل والشبيه". ورواية الديوان ، ورواية أبي جعفر في المكان الآتي بعد: "الصداد" ، جمع"صاد" ، وهو المعرض المخالف. يقول: نقتل الخارجين على أمير المؤمنين ، ثم نهدي إليه رؤوسهم ، وهو المسئول دون الناس.(33) في المطبوعة: "وخافوا" ، وأثبت ما في المخطوطة.
قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأۡكُلَ مِنۡهَا وَتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعۡلَمَ أَن قَدۡ صَدَقۡتَنَا وَنَكُونَ عَلَيۡهَا مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ١١٣التفسير الميسرقال الحواريون: نريد أن نأكل من المائدة وتسكن قلوبنا لرؤيتها، ونعلم يقينا صدقك في نبوتك، وأن نكون من الشاهدين على هذه الآية أن الله أنزلها حجة له علينا في توحيده وقدرته على ما يشاء، وحجة لك على صدقك في نبوتك.
تفسير السعديفأخبر الحواريون أنهم ليس مقصودهم هذا المعنى، وإنما لهم مقاصد صالحة، ولأجل الحاجة إلى ذلك ف قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وهذا دليل على أنهم محتاجون لها، وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا بالإيمان حين نرى الآيات العيانية، فيكون الإيمان عين اليقين، كما كان قبل ذلك علم اليقين. كما سأل الخليل عليه الصلاة والسلام ربه أن يريه كيف يحيي الموتى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي فالعبد محتاج إلى زيادة العلم واليقين والإيمان كل وقت، ولهذا قال: وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا أي: نعلم صدق ما جئت به، أنه حق وصدق، وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ فتكون مصلحة لمن بعدنا، نشهدها لك، فتقوم الحجة، ويحصل زيادة البرهان بذلك.
تفسير ابن كثير( قالوا نريد أن نأكل منها ) أي : نحن محتاجون إلى الأكل منها ( وتطمئن قلوبنا ) إذا شاهدنا نزولها رزقا لنا من السماء ( ونعلم أن قد صدقتنا ) أي : ونزداد إيمانا بك وعلما برسالتك ( ونكون عليها من الشاهدين ) أي : ونشهد أنها آية من عند الله ، ودلالة وحجة على نبوتك وصدق ما جئت به .
تفسير القرطبيقوله تعالى : قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدينقوله تعالى : قالوا نريد أن نأكل منها نصب بأن . وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين عطف كله بينوا به سبب سؤالهم حين نهوا عنه ، وفي قولهم : نأكل منها وجهان : أحدهما : أنهم أرادوا الأكل منها للحاجة الداعية إليها ; وذلك أن عيسى عليه السلام كان إذا خرج اتبعه خمسة آلاف أو أكثر ، بعضهم كانوا أصحابه ، وبعضهم كانوا يطلبون منه أن يدعو لهم لمرض كان بهم أو علة ، إذ كانوا زمنى أو عميانا ، وبعضهم كانوا ينظرون ويستهزئون ، فخرج يوما إلى موضع فوقعوا في مفازة ، ولم يكن معهم نفقة فجاعوا وقالوا للحواريين : قولوا لعيسى حتى يدعو بأن تنزل علينا مائدة من السماء ; فجاءه شمعون رأس الحواريين وأخبره أن الناس يطلبون بأن تدعو بأن تنزل عليهم مائدة من السماء ، فقال عيسى لشمعون : " قل لهم اتقوا الله إن كنتم مؤمنين " فأخبر بذلك شمعون القوم فقالوا له : قل له : نريد أن نأكل منها الآية . الثاني : نأكل منها لننال بركتها لا لحاجة دعتهم إليها ، قال الماوردي : وهذا أشبه ; لأنهم لو احتاجوا لم ينهوا عن السؤال وقولهم : وتطمئن قلوبنا يحتمل ثلاثة أوجه : أحدها : تطمئن إلى أن الله تعالى بعثك إلينا نبيا . الثاني : تطمئن إلى أن الله تعالى قد اختارنا لدعوتنا . الثالث : تطمئن إلى أن الله تعالى قد أجابنا إلى ما سألنا ; ذكرها الماوردي وقال المهدوي : أي : تطمئن بأن الله قد قبل صومنا وعملنا . قال الثعلبي : نستيقن قدرته فتسكن قلوبنا . ونعلم أن قد صدقتنا بأنك رسول الله ونكون عليها من الشاهدين لله بالوحدانية ، ولك بالرسالة والنبوة ، وقيل : ونكون عليها من الشاهدين لك عند من لم يرها إذا رجعنا إليهم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: قال الحواريون مجيبي عيسى على قوله لهم: اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، في قولكم لي هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ =: إنا إنما قلنا ذلك، وسألناك أن تسأل لنا ربنا لنأكل من المائدة, فنعلم يقينًا قدرته على كل شيء =" وتطمئن قلوبنا " ، يقول: وتسكن قلوبنا، وتستقرّ على وحدانيته وقدرته على كل ما شاء وأراد, (34) " ونعلم أن قد صدقتنا ", ونعلم أنك لم تكذبنا في خبرك أنك لله رسول مرسل ونبيّ مبعوث =" ونكون عليها " ، يقول: ونكون على المائدة =" من الشاهدين " ، يقول: ممن يشهد أن الله أنزلها حجةً لنفسه علينا في توحيده وقدرته على ما شاء، ولك على صدقكَ في نبوّتك. (35)* * *---------------الهوامش:(34) انظر تفسير"الاطمئنان" فيما سلف 5: 492/9 : 165.(35) انظر تفسير"الشاهد" فيما سلف من فهارس اللغة (شهد).