وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٨٩التفسير الميسروحين جاءهم القرأن من عند الله مصدقا لما معهم من التوراة جحدوه، وأنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وكانوا قبل بعثته يستنصرون به على مشركي العرب، ويقولون: قَرُبَ مبعث نبيِّ آخرِ الزمان، وسنتبعه ونقاتلكم معه. فلمَّا جاءهم الرسول الذي عرفوا صفاتِه وصِدْقَه كفروا به وكذبوه. فلعنةُ الله على كل مَن كفر بنبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وكتابه الذي أوحاه الله إليه.
تفسير السعديأي: ولما جاءهم كتاب من عند الله على يد أفضل الخلق وخاتم الأنبياء, المشتمل على تصديق ما معهم من التوراة, وقد علموا به, وتيقنوه حتى إنهم كانوا إذا وقع بينهم وبين المشركين في الجاهلية حروب, استنصروا بهذا النبي, وتوعدوهم بخروجه, وأنهم يقاتلون المشركين معه، فلما جاءهم هذا الكتاب والنبي الذي عرفوا, كفروا به, بغيا وحسدا, أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، فلعنهم الله, وغضب عليهم غضبا بعد غضب, لكثرة كفرهم وتوالى شكهم وشركهم. وللكافرين عذاب مهين أي: مؤلم موجع, وهو صلي الجحيم, وفوت النعيم المقيم، فبئس الحال حالهم, وبئس ما استعاضوا واستبدلوا من الإيمان بالله وكتبه ورسله, الكفر به, وبكتبه, وبرسله, مع علمهم وتيقنهم, فيكون أعظم لعذابهم.
تفسير ابن كثيريقول تعالى : ( ولما جاءهم ) يعني اليهود ( كتاب من عند الله ) وهو : القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ( مصدق لما معهم ) يعني : من التوراة ، وقوله : ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ) أي : وقد كانوا من قبل مجيء هذا الرسول بهذا الكتاب يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم ، يقولون : إنه سيبعث نبي في آخر الزمان نقتلكم معه قتل عاد وإرم ، كما قال محمد بن إسحاق ، عن عاصم بن عمر عن قتادة الأنصاري ، عن أشياخ منهم قال : قالوا : فينا والله وفيهم يعني في الأنصار وفي اليهود الذين كانوا جيرانهم ، نزلت هذه القصة يعني : ( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) قالوا كنا قد علوناهم دهرا في الجاهلية ، ونحن أهل شرك وهم أهل كتاب ، فكانوا يقولون : إن نبيا من [ الأنبياء ] يبعث الآن نتبعه ، قد أظل زمانه ، نقتلكم معه قتل عاد وإرم . فلما بعث الله رسوله من قريش [ واتبعناه ] كفروا به . يقول الله تعالى : ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ) [ النساء : 155 ] .وقال الضحاك ، عن ابن عباس ، في قوله : ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ) قال : يستظهرون يقولون : نحن نعين محمدا عليهم ، وليسوا كذلك ، يكذبون .وقال محمد بن إسحاق : أخبرني محمد بن أبي محمد ، أخبرني عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه . فلما بعثه الله من العرب كفروا به ، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه . فقال لهم معاذ بن جبل ، وبشر بن البراء بن معرور ، أخو بني سلمة يا معشر يهود ، اتقوا الله وأسلموا ، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شرك ، وتخبروننا بأنه مبعوث ، وتصفونه لنا بصفته . فقال سلام بن مشكم أخو بني النضير : ما جاءنا بشيء نعرفه ، وما هو بالذي كنا نذكر لكم ، فأنزل الله في ذلك من قولهم : ( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين )وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ) يقول : يستنصرون بخروج محمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب يعني بذلك أهل الكتاب فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم ورأوه من غيرهم كفروا به وحسدوه .وقال أبو العالية : كانت اليهود تستنصر بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب ، يقولون : اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم . فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ، ورأوا أنه من غيرهم ، كفروا به حسدا للعرب ، وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الله : ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين )وقال قتادة : ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ) قال : كانوا يقولون : إنه سيأتي نبي . ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به )وقال مجاهد : ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ) قال : هم اليهود .وقال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب ، حدثنا أبي ، عن ابن إسحاق ، حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، عن محمود بن لبيد ، أخي بني عبد الأشهل عن سلمة بن سلامة بن وقش ، وكان من أهل بدر قال : كان لنا جار يهودي في بني عبد الأشهل قال : فخرج علينا يوما من بيته قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بيسير ، حتى وقف على مجلس بني عبد الأشهل . قال سلمة : وأنا يومئذ أحدث من فيهم سنا على بردة مضطجعا فيها بفناء أهلي . فذكر البعث والقيامة والحسنات والميزان والجنة والنار . قال ذلك لأهل شرك أصحاب أوثان لا يرون بعثا كائنا بعد الموت ، فقالوا له : ويحك يا فلان ، ترى هذا كائنا أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار ، يجزون فيها بأعمالهم ؟ فقال : نعم ، والذي يحلف به ، لود أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطبق به عليه ، وأن ينجو من تلك النار غدا . قالوا له : ويحك وما آية ذلك ؟ قال : نبي يبعث من نحو هذه البلاد ، وأشار بيده نحو مكة واليمن . قالوا : ومتى نراه ؟ قال : فنظر إلي وأنا من أحدثهم سنا ، فقال : إن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه . قال سلمة : فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهرنا ، فآمنا به وكفر به بغيا وحسدا .فقلنا : ويلك يا فلان ، ألست بالذي قلت لنا ؟ قال : بلى وليس به . تفرد به أحمد .وحكى القرطبي وغيره عن ابن عباس ، رضي الله عنهما : أن يهود خيبر اقتتلوا في زمان الجاهلية مع غطفان فهزمتهم غطفان ، فدعا اليهود عند ذلك ، فقالوا : اللهم إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا بإخراجه في آخر الزمان ، إلا نصرتنا عليهم . قال : فنصروا عليهم . قال : وكذلك كانوا يصنعون يدعون الله فينصرون على أعدائهم ومن نازلهم . قال الله تعالى : ( فلما جاءهم ما عرفوا ) أي من الحق وصفة محمد صلى الله عليه وسلم " كفروا به " فلعنة الله على الكافرين .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين قوله تعالى : ولما جاءهم يعني اليهود . كتاب يعني القرآن . من عند الله مصدق نعت لكتاب ، ويجوز في غير القرآن نصبه على الحال ، وكذلك هو في مصحف أبي بالنصب فيما روي . لما معهم يعني التوراة والإنجيل يخبرهم بما فيهما . وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا أي يستنصرون . والاستفتاح الاستنصار . استفتحت : استنصرت . وفي الحديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح بصعاليك المهاجرين ، أي يستنصر بدعائهم وصلاتهم . ومنه فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده . والنصر : فتح شيء مغلق ، فهو يرجع إلى قولهم : فتحت الباب . وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنما نصر الله هذه الأمة بضعفائها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم . وروى النسائي أيضا عن أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أبغوني الضعيف فإنكم إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم . قال ابن عباس : كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فلما التقوا هزمت يهود ، فعادت يهود بهذا الدعاء وقالوا : إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا تنصرنا عليهم . قال : فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان ، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا ، فأنزل الله تعالى : وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا أي بك يا محمد ، إلى قوله : فلعنة الله على الكافرين .قوله تعالى : ولما جاءهم جواب لما الفاء وما بعدها في قوله فلما جاءهم ما عرفوا في قول الفراء ، وجواب لما الثانية كفروا . وقال الأخفش سعيد : جواب لما محذوف لعلم السامع ، وقاله الزجاج . وقال المبرد : جواب لما في قوله : كفروا ، وأعيدت لما الثانية لطول الكلام . ويفيد ذلك تقرير الذنب وتأكيدا له .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْقال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم)، ولما جاء اليهود من بني إسرائيل الذين وصف جل ثناؤه صفتهم-(كتاب من عند الله) = يعني ب " الكتاب " القرآن الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم =(مصدق لما معهم)، يعني مصدق للذي معهم من الكتب التي أنزلها الله من قبل القرآن، كما:-1518 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم)، وهو القرآن الذي أنزل على محمد، مصدق لما معهم من التوراة والإنجيل.1518 - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم)، وهو القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، مصدق لما معهم من التوراة والإنجيل.* * *القول في تأويل قوله تعالى : وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِقال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا)، أي: وكان هؤلاء اليهود - الذين لما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم من الكتب التي أنزلها الله قبل الفرقان, كفروا به - يستفتحون بمحمد صلى الله عليه وسلم = ومعنى " الاستفتاح "، الاستنصار = (1) يستنصرون الله به على مشركي العرب من قبل مبعثه، أي من قبل أن يبعث، كما:-1519 - حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق, عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري, عن أشياخ منهم قالوا: فينا والله وفيهم - يعني في الأنصار، وفي اليهود = الذين كانوا جيرانهم - نزلت هذه القصة = يعني: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) = قالوا: كنا قد علوناهم دهرا في الجاهلية - (2) ونحن أهل الشرك, وهم أهل الكتاب - (3) فكانوا يقولون: إن نبيا الآن مبعثه قد أظل زمانه, يقتلكم قتل عاد وإرم. (4) فلما بعث الله تعالى ذكره رسوله من قريش واتبعناه، كفروا به. يقول الله: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به). (5)1520 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت, عن سعيد بن جبير، أو عكرمة مولى ابن عباس, عن ابن عباس: أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه. فلما بعثه الله من العرب, كفروا به, وجحدوا ما كانوا يقولون فيه. فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور أخو بني سلمة: يا معشر يهود, اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شرك, وتخبروننا أنه مبعوث, وتصفونه لنا بصفته! فقال سَلام بن مِشْكَم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه, وما هو بالذي كنا نذكر لكم! فأنزل الله جل ثناؤه في ذلك من قوله: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين). (6)1521 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة, عن ابن عباس مثله.1522 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي عن أبيه, عن ابن عباس: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا)، يقول: يستنصرون بخروج محمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب - يعني بذلك أهل الكتاب - فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ورأوه من غيرهم، كفروا به وحسدوه.1523 - وحدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثني عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن علي الأزدي في قول الله: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا)، قال: اليهود, كانوا يقولون: اللهم ابعث لنا هذا النبي يحكم بيننا وبين الناس، يستفتحون - يستنصرون - به على الناس.1524 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن علي الأزدي - وهو البارقي - في قول الله جل ثناؤه: (وكانوا من قبل يستفتحون)، فذكر مثله. (7)1525 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا)، كانت اليهود تستفتح بمحمد صلى الله عليه وسلم على كفار العرب من قبل, وقالوا: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده في التوراة يعذبهم ويقتلهم! فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فرأوا أنه بعث من غيرهم، كفروا به حسدا للعرب, وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به).1526 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية قال: كانت اليهود تستنصر بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب, يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا حتى يعذب المشركين ويقتلهم! فلما بعث الله محمدا، ورأوا أنه من غيرهم، كفروا به حسدا للعرب, وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال الله: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين).1527 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به). قال: كانت العرب تمر باليهود فيؤذونهم, وكانوا يجدون محمدا صلى الله عليه وسلم في التوراة, ويسألون الله أن يبعثه فيقاتلوا معه العرب. فلما جاءهم محمد كفروا به، حين لم يكن من بني إسرائيل.1528 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: قلت لعطاء قوله: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا)، قال: كانوا يستفتحون على كفار العرب بخروج النبي صلى الله عليه وسلم, ويرجون أن يكون منهم. فلما خرج ورأوه ليس منهم، كفروا وقد عرفوا أنه الحق، وأنه النبي. قال: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين).1529 - قال حدثنا ابن جريج, وقال مجاهد: يستفتحون بمحمد صلى الله عليه وسلم تقول: إنه - يخرج.(فلما جاءهم ما عرفوا) -وكان من غيرهم- كفروا به. (8)1530 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال: قال ابن جريج - وقال ابن عباس: كانوا يستفتحون على كفار العرب.1531 - حدثني المثنى قال، حدثني الحماني قال، حدثني شريك, عن أبي الجحاف, عن مسلم البطين, عن سعيد بن جبير قوله: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به)، قال: هم اليهود عرفوا محمدا أنه نبي وكفروا به.1532 - حُدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس في قوله: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا)، قال: كانوا يستظهرون، يقولون: نحن نعين محمدا عليهم. وليسوا كذلك، يكذبون.1533 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سألت ابن زيد عن قول الله عز وجل: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به). قال: كانت يهود يستفتحون على كفار العرب، يقولون: أما والله لو قد جاء النبي الذي بشر به موسى وعيسى، أحمد، لكان لنا عليكم! وكانوا يظنون أنه منهم، والعرب حولهم, وكانوا يستفتحون عليهم به، ويستنصرون به. فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به وحسدوه، وقرأ قول الله جل ثناؤه: كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [ سورة البقرة: 109]. قال: قد تبين لهم أنه رسول, فمن هنالك نفع الله الأوس والخزرج بما كانوا يسمعون منهم أن نبيا خارج.* * *قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فأين جواب قوله: وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ ؟قيل: قد اختلف أهل العربية في جوابه. فقال بعضهم: هو مما ترك جوابه، استغناء بمعرفة المخاطبين به بمعناه، وبما قد ذكر من أمثاله في سائر القرآن. (9) وقد تفعل العرب ذلك إذا طال الكلام, فتأتي بأشياء لها أجوبة، فتحذف أجوبتها، لاستغناء سامعيها - بمعرفتهم بمعناها - عن ذكر الأجوبة, كما قال جل ثناؤه: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا [سورة الرعد: 31]، فترك جوابه. والمعنى: " ولو أن قرآنا سوى هذا القرآن سيرت به الجبال لسيرت بهذا القرآن - استغناء بعلم السامعين بمعناه. قالوا: فكذلك قوله: وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ .* * *وقال آخرون: جواب قوله: وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ في" الفاء " التي في قوله: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به)، وجواب الجزاءين في" كفروا به "، كقولك: " لما قمت، فلما جئتنا أحسنت ", بمعنى: لما جئتنا إذْ قمت أحسنت. (10)* * *القول في تأويل قوله تعالى : فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)قال أبو جعفر: قد دللنا فيما مضى على معنى اللعنة، وعلى معنى " الكفر "، بما فيه الكفاية. (11)* * *فمعنى الآية: فخزي الله وإبعاده على الجاحدين ما قد عرفوا من الحق عليهم لله ولأنبيائه، المنكرين لما قد ثبت عندهم صحته من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ففي إخبار الله عز وجل عن اليهود - بما أخبر الله عنهم بقوله: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ - البيان الواضح أنهم تعمدوا الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، بعد قيام الحجة بنبوته عليهم، وقطع الله عذرهم بأنه رسوله إليهم.------------------الهوامش :(1) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 524 .(2) في سيرة ابن هشام 2 : 190"علوناهم ظهرا" .(3) في سيرة ابن هشام 2 : 190"ونحن أهل شرك ، وهم أهل كتاب" .(4) في سيرة ابن هشام 2 : 190"نقتلكم معه . . " ، وكذلك هو في ابن كثير 1 : 230 ، وكأنه الصواب .(5) الخبر : 1519 - هذا له حكم الحديث المرفوع ، لأنه حكاية عن وقائع في عهد النبوة ، كانت سببا لنزول الآية ، تشير الآية إليها . الراجح أن يكون موصولا . لأن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري الظفري المدني : تابعي ثقة ، وهو يحكي عن"أشياخ منهم" ، فهم آله من الأنصار . وعن هذا رجحنا اتصاله . وقد نقل السيوطي 1 : 87 هذا الخبر ، ونسبه لابن إسحاق ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وأبي نعيم ، والبيهقي ، كلاهما في الدلائل .(6) الخبر : 1520 - فس يرة ابن هشام 2 : 196 .(7) الأثر: 1523، 1524 - عليٍ الأزدى البارقي، هو علي بن عبد الله أبو عبد الله بن أبي الوليد البارقي، روى عن ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وعبيد بن عمير، وأرسل عن زيد بن حارثة. وعنه مجاهد بن جبر، وهو من أقرانه. قال ابن عدى: ليس عنده كثير حديث، وهو عندي لا بأس به (تهذيب 7: 358، 359).(8) الأثر : 1529 - هذا إسناد قد سقط صدره ، فما أدري ما هو . وهو مضطرب اللفظ أيضًا .(9) أنا في شك من هذه الجملة الأخيرة ، أن يكون فيها تحريف .(10) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 59 .(11) انظر ما سلف (الكفر) 1 : 255 ، 382 ، 522 ، وهذا الجزء (اللعنة) 2 : 328
بِئۡسَمَا ٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡ أَن يَكۡفُرُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغۡيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٩٠التفسير الميسرقَبُحَ ما اختاره بنو إسرائيل لأنفسهم؛ إذ استبدلوا الكفر بالإيمان ظلمًا وحسدًا لإنزال الله من فضله القرآن على نبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فرجعوا بغضب من الله عليهم بسبب جحودهم بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، بعد غضبه عليهم بسبب تحريفهم التوراة. وللجاحدين نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم عذابٌ يذلُّهم ويخزيهم.
تفسير السعديأي: ولما جاءهم كتاب من عند الله على يد أفضل الخلق وخاتم الأنبياء, المشتمل على تصديق ما معهم من التوراة, وقد علموا به, وتيقنوه حتى إنهم كانوا إذا وقع بينهم وبين المشركين في الجاهلية حروب, استنصروا بهذا النبي, وتوعدوهم بخروجه, وأنهم يقاتلون المشركين معه، فلما جاءهم هذا الكتاب والنبي الذي عرفوا, كفروا به, بغيا وحسدا, أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، فلعنهم الله, وغضب عليهم غضبا بعد غضب, لكثرة كفرهم وتوالى شكهم وشركهم. وللكافرين عذاب مهين أي: مؤلم موجع, وهو صلي الجحيم, وفوت النعيم المقيم، فبئس الحال حالهم, وبئس ما استعاضوا واستبدلوا من الإيمان بالله وكتبه ورسله, الكفر به, وبكتبه, وبرسله, مع علمهم وتيقنهم, فيكون أعظم لعذابهم.
تفسير ابن كثيرقال مجاهد : ( بئسما اشتروا به أنفسهم ) يهود شروا الحق بالباطل ، وكتمان ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بأن يبينوه .وقال السدي : ( بئسما اشتروا به أنفسهم ) يقول : باعوا به أنفسهم ، يعني : بئسما اعتاضوا لأنفسهم ورضوا به [ وعدلوا إليه من الكفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم إلى تصديقه ومؤازرته ونصرته ] .وإنما حملهم على ذلك البغي والحسد والكراهية ( أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده ) ولا حسد أعظم من هذا .قال ابن إسحاق عن محمد ، عن عكرمة أو سعيد ، عن ابن عباس : ( بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده ) أي : إن الله جعله من غيرهم ( فباءوا بغضب على غضب ) قال ابن عباس : فالغضب على الغضب ، فغضبه عليهم فيما كانوا ضيعوا من التوراة وهي معهم ، وغضب بكفرهم بهذا النبي الذي أحدث الله إليهم .قلت : ومعنى ( باءوا ) استوجبوا ، واستحقوا ، واستقروا بغضب على غضب . وقال أبو العالية : غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وعيسى ، ثم غضب عليهم بكفرهم بمحمد ، وبالقرآن عليهما السلام ، [ وعن عكرمة وقتادة مثله ] .قال السدي : أما الغضب الأول فهو حين غضب عليهم في العجل ، وأما الغضب الثاني فغضب عليهم حين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم [ وعن ابن عباس مثله ] .وقوله : ( وللكافرين عذاب مهين ) لما كان كفرهم سببه البغي والحسد ، ومنشأ ذلك التكبر ، قوبلوا بالإهانة والصغار في الدنيا والآخرة ، كما قال تعالى : ( إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) [ غافر : 60 ] ، [ أي : صاغرين حقيرين ذليلين راغمين ] .وقد قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى ، حدثنا ابن عجلان ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس ، يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنا في جهنم ، يقال له : بولس فيعلوهم نار الأنيار يسقون من طينة الخبال : عصارة أهل النار " .
تفسير القرطبيقوله تعالى : بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين قوله تعالى : بئسما اشتروا بئس في كلام العرب مستوفية للذم ، كما أن " نعم " مستوفية للمدح . وفي كل واحدة منها أربع لغات : بئس ، بئس ، بئس ، بئس . نعم ، نعم ، نعم ، نعم . ومذهب سيبويه أن " ما " فاعلة بئس ، ولا تدخل إلا على أسماء الأجناس والنكرات . وكذا نعم ، فتقول نعم الرجل زيد ، ونعم رجلا زيد ، فإذا كان معها اسم بغير ألف ولام فهو نصب أبدا ، فإذا كان فيه ألف ولام فهو رفع أبدا ، ونصب رجل على التمييز . وفي نعم مضمر على شريطة التفسير ، وزيد مرفوع على وجهين : على خبر ابتداء محذوف ، كأنه قيل من الممدوح ؟ قلت هو زيد ، والآخر على الابتداء وما قبله خبره . وأجاز أبو علي أن تليها " ما " موصولة وغير موصولة من حيث كانت مبهمة تقع على الكثرة ولا تخص واحدا بعينه ، والتقدير عند سيبويه : بئس الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا . ف أن يكفروا في موضع رفع بالابتداء ، وخبره فيما قبله ، كقولك : بئس الرجل زيد ، و " ما " على هذا القول موصولة . وقال الأخفش : " ما " في موضع نصب على التمييز ، كقولك : بئس رجلا زيد ، فالتقدير بئس شيئا أن يكفروا . ف اشتروا به أنفسهم على هذا القول صفة " ما " . وقال الفراء : بئسما بجملته شيء واحد ركب كحبذا . وفي هذا القول اعتراض ; لأنه يبقى فعل بلا فاعل . وقال الكسائي : " ما " واشتروا بمنزلة اسم واحد قائم بنفسه ، والتقدير بئس اشتراؤهم أن يكفروا . وهذا مردود ، فإن نعم وبئس لا يدخلان على اسم معين معرف ، والشراء قد تعرف بإضافته إلى الضمير . قال النحاس : وأبين هذه الأقوال قول الأخفش وسيبويه . قال الفراء والكسائي : أن يكفروا إن شئت كانت أن في موضع خفض ردا على الهاء في به . قال الفراء : أي اشتروا أنفسهم بأن يكفروا بما أنزل الله . فاشترى بمعنى باع وبمعنى ابتاع ، والمعنى : بئس الشيء الذي اختاروا لأنفسهم حيث استبدلوا الباطل بالحق ، والكفر بالإيمان .قوله تعالى : بغيا معناه حسدا ، قاله قتادة والسدي ، وهو مفعول من أجله ، وهو على الحقيقة مصدر . الأصمعي : وهو مأخوذ من قولهم : قد بغى الجرح إذا فسد . وقيل : أصله الطلب ، ولذلك سميت الزانية بغيا .أن ينزل الله في موضع نصب ، أي لأن ينزل ، أي لأجل إنزال الله الفضل على نبيه صلى الله عليه وسلم . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وابن محيصن " أن ينزل " مخففا ، وكذلك سائر ما في القرآن ، إلا وما ننزله في " الحجر " ، وفي " الأنعام " على أن ينزل آية .قوله تعالى : فباءوا أي رجعوا ، وأكثر ما يقال في الشر ، وقد تقدم . بغضب على غضب تقدم معنى غضب الله عليهم ، وهو عقابه ، فقيل : الغضب الأول لعبادتهم العجل ، والثاني لكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن عباس . وقال عكرمة : لأنهم كفروا بعيسى ثم كفروا بمحمد ، يعني اليهود . وروى سعيد عن قتادة : الأول لكفرهم بالإنجيل ، والثاني لكفرهم بالقرآن . وقال قوم : المراد التأبيد وشدة الحال عليهم ، لا أنه أراد غضبين معللين بمعصيتين . ومهين مأخوذ من الهوان ، وهو ما اقتضى الخلود في النار دائما بخلاف خلود العصاة من المسلمين ، فإن ذلك تمحيص لهم وتطهير ، كرجم الزاني وقطع يد السارق ، على ما يأتي بيانه في سورة " النساء " من حديث أبي سعيد الخدري إن شاء الله تعالى .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًاقال أبوجعفر ومعنى قوله جل ثناؤه: (بئس ما اشتروا به أنفسهم): ساء ما اشتروا به أنفسهم.* * *وأصل " بئس " " بَئِس " من " البؤس ", سكنت همزتها، ثم نقلت حركتها إلى " الباء ", كما قيل في" ظللت "" ظلت ", وكما قيل " للكبد "،" كِبْد " - فنقلت حركة " الباء " إلى " الكاف " لما سكنت " الباء ".وقد يحتمل أن تكون " بئس "، وإن كان أصلها " بَئِس "، من لغة الذين ينقلون حركة العين من " فعل " إلى الفاء، إذا كانت عين الفعل أحد حروف الحلق الستة, كما قالوا من " لعب " " لِعْب ", ومن " سئم "" سِئْم ", وذلك -فيما يقال- لغة فاشية في تميم.ثم جعلت دالة على الذم والتوبيخ، ووصلت ب " ما ".واختلف أهل العربية في معنى " ما " التي مع " بئسما ". فقال بعض نحويي البصرة: هي وحدها اسم, و " أن يكفروا " تفسير له, (12) نحو: نعم رجلا زيد, و أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ بدل من " أنزل الله ".وقال بعض نحويي الكوفة: معنى ذلك: بئس الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا, ف " ما " اسم " بئس ", و " أن يكفروا " الاسم الثاني. وزعم أن: " أن يكفروا " إن شئت جعلت " أن " في موضع رفع, وإن شئت في موضع خفض. (13) أما الرفع: فبئس الشيء هذا أن يفعلوه. وأما الخفض: فبئس الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا. قال: وقوله: لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [سورة المائدة: 80] كمثل ذلك. والعرب تجعل " ما " وحدها في هذا الباب، بمنزلة الاسم التام، كقوله: فَنِعِمَّا هِيَ [سورة البقرة: 271]، و " بئسما أنت "، واستشهد لقوله ذلك برجز بعض الرجاز:لا تعجلا في السير وادْلُوهالبئسما بطءٌ ولا نرعاها (14)قال أبو جعفر: والعرب تقول: لبئسما تزويج ولا مهر ", فيجعلون " ما " وحدها اسما بغير صلة. وقائل هذه المقالة لا يجيز أن يكون الذي يلي" بئس " معرفة مُوَقَّتَة، وخبره معرفة موقتة. وقد زعم أن " بئسما " بمنزلة: بئس الشيء اشتروا به أنفسهم, فقد صارت " ما " بصلتها اسما موقتا، لأن " اشتروا " فعل ماض من صلة " ما "، في قول قائل هذه المقالة. وإذا وصلت بماض من الفعل، كانت معرفة موقتة معلومة، فيصير تأويل الكلام حينئذ: " بئس شراؤهم كفرهم ". وذلك عنده غير جائز: فقد تبين فساد هذا القول. (15)وكان آخر منهم يزعم أن " أن " في موضع خفض إن شئت, ورفع إن شئت. فأما الخفض: فأن ترده على " الهاء " التي في،" به " على التكرير على كلامين. كأنك قلت: اشتروا أنفسهم بالكفر. وأما الرفع: فأن يكون مكرورا على موضع " ما " التي تلي" بئس ". (16) قال: ولا يجوز أن يكون رفعا على قولك: " بئس الرجل عبد الله. (17)وقال بعضهم: " بئسما " شيء واحد يرافع ما بعده (18) كما حكي عن العرب: " بئسما تزويج ولا مهر " فرافع " تزويج "" بئسما ", (19) كما يقال: " بئسما زيد, وبئس ما عمرو ", فيكون " بئسما " رفعا بما عاد عليها من " الهاء ". كأنك قلت: بئس شيء الشيء اشتروا به أنفسهم, وتكون " أن " مترجمة عن " بئسما ". (20)* * *وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول من جعل " بئسما " مرفوعا بالراجع من " الهاء " في قوله: (اشتروا به)، كما رفعوا ذلك ب " عبد الله " إذ قالوا: " بئسما عبد الله ", وجعل " أن يكفروا " مترجمة عن " بئسما ". (21) فيكون معنى الكلام حينئذ: بئس الشيء باع اليهود به أنفسهم، كفرهم بما أنزل الله بغيا وحسدا أن ينزل الله من فضله. وتكون أَنْ التي في قوله: أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ , في موضع نصب. لأنه يعني به " أن يكفروا بما أنزل الله ": من أجل أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده. موضع أَنْ جزاء. (22) وكان بعض أهل العربية من الكوفيين يزعم أن أَنْ في موضع خفض بنية " الباء ". وإنما اخترنا فيها النصب لتمام الخبر قبلها, ولا خافض معها يخفضها. والحرف الخافض لا يخفض مضمرا.* * *وأما قوله: (اشتروا به أنفسهم)، فإنه يعني به: باعوا أنفسهم كما:-1534 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (بئسما اشتروا به أنفسهم)، يقول: باعوا أنفسهم " أن يكفروا بما أنزل الله بغيا ".1535 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال مجاهد: (بئسما اشتروا به أنفسهم)، يهود، شروا الحق بالباطل، وكتمان ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بأن يبينوه. (23)قال أبو جعفر: والعرب تقول: " شريته "، بمعنى بعته. و " اشتروا "، في هذا الموضع،" افتعلوا " من " شريت ". وكلام العرب -فيما بلغنا- أن يقولوا: " شريت " بمعنى: بعت, و " اشتريت " بمعنى: ابتعت. وقيل: إنما سمي" الشاري"،" شاريا "، لأنه باع نفسه ودنياه بآخرته. (24)ومن ذلك قول يزيد بن مفرغ الحميري:وشريت بردا ليتنيمن قبل برد كنت هامة (25)ومنه قول المسيب بن علس:يعطى بها ثمنا فيمنعهاويقول صاحبها ألا تشري? (26)يعني به: بعت بردا. وربما استعمل " اشتريت " بمعنى: بعت, و " شريت " في معنى: " ابتعت ". والكلام المستفيض فيهم هو ما وصفت.* * *وأما معنى قوله: (بغيا)، فإنه يعني به: تعديا وحسدا، كما:-1536 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد عن قتادة: (بغيا)، قال: أي حسدا, وهم اليهود.1537 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (بغيا)، قال: بغوا على محمد صلى الله عليه وسلم وحسدوه, وقالوا: إنما كانت الرسل من بني إسرائيل, فما بال هذا من بني إسماعيل؟ فحسدوه أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده.1538 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (بغيا)، يعني: حسدا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده, وهم اليهود كفروا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.1539 - حُدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع مثله.* * *قال أبو جعفر: فمعنى الآية: بئس الشيء باعوا به أنفسهم، الكفر بالذي أنزل الله في كتابه على موسى - من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والأمر بتصديقه واتباعه - من أجل أن أنزل الله من فضله = وفضله: حكمته وآياته ونبوته = على من يشاء من عباده - يعني به: على محمد صلى الله عليه وسلم - بغيا وحسدا لمحمد صلى الله عليه وسلم, من أجل أنه كان من ولد إسماعيل, ولم يكن من بني إسرائيل.* * *فإن قال قائل: وكيف باعت اليهود أنفسها بالكفر، فقيل: (بئس ما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله)؟ وهل يشتري بالكفر شيء؟قيل: إن معنى: " الشراء " و " البيع " عند العرب، هو إزالة مالك ملكه إلى غيره، بعوض يعتاضه منه. ثم تستعمل العرب ذلك في كل معتاض من عمله عوضا، شرا أو خيرا, فتقول: " نعم ما باع به فلان نفسه " و " بئس ما باع به فلان نفسه ", بمعنى: نعم الكسب أكسبها، وبئس الكسب أكسبها - إذا أورثها بسعيه عليها خيرا أو شرا. فكذلك معنى قوله جل ثناؤه: (بئس ما اشتروا به أنفسهم) - لما أوبقوا أنفسهم بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فأهلكوها, خاطبهم الله والعرب بالذي يعرفونه في كلامهم، فقال: (بئس ما اشتروا به أنفسهم)، يعني بذلك: بئس ما أكسبوا أنفسهم بسعيهم, وبئس العوض اعتاضوا، من كفرهم بالله في تكذيبهم محمدا, إذْ كانوا قد رضوا عوضا من ثواب الله وما أعد لهم - لو كانوا آمنوا بالله وما أنزل على أنبيائه - بالنار وما أعد لهم بكفرهم بذلك.* * *وهذه الآية - وما أخبر الله فيها عن حسد اليهود محمدا صلى الله عليه وسلم وقومه من العرب, من أجل أن الله جعل النبوة والحكمة فيهم دون اليهود من بني إسرائيل, حتى دعاهم ذلك إلى الكفر به، مع علمهم بصدقه, وأنه نبي لله مبعوث ورسول مرسل - (27) نظيره الآية الأخرى في سورة النساء, وذلك قوله, أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا * أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا [سورة النساء: 51-54].* * *القول في تأويل قوله : أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِقال أبو جعفر: قد ذكرنا تأويل ذلك وبينا معناه, ولكنا نذكر الرواية بتصحيح ما قلنا فيه:-1540 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق, عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري, عن أشياخ منهم ، قوله: (بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده)، أي أن الله تعالى جعله في غيرهم. (28) .1541 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: هم اليهود. لما بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم فرأوا أنه بعث من غيرهم, كفروا به - حسدا للعرب - وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة.1542 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية مثله.1543 - حُدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع مثله.1544 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: قالوا: إنما كانت الرسل من بني إسرائيل, فما بال هذا من بني إسماعيل؟1545- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن علي الأزدي. قال: نزلت في اليهود. (29)* * *القول في تأويل قوله تعالى : فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍقال أبو جعفر: يعني بقوله: (فباءوا بغضب على غضب)، (30) فرجعت اليهود من بني إسرائيل - بعد الذي كانوا عليه من الاستنصار بمحمد صلى الله عليه وسلم والاستفتاح به, وبعد الذي كانوا يخبرون به الناس من قبل مبعثه أنه نبي مبعوث - مرتدين على أعقابهم حين بعثه الله نبيا مرسلا فباءوا بغضب من الله = استحقوه منه بكفرهم بمحمد حين بعث, وجحودهم نبوته, وإنكارهم إياه أن يكون هو الذي يجدون صفته في كتابهم، عنادا منهم له وبغيا وحسدا له وللعرب = على غضب سالف، كان من الله عليهم قبل ذلك، سابقٍ غضبه الثاني، لكفرهم الذي كان قبل عيسى ابن مريم, أو لعبادتهم العجل, أو لغير ذلك من ذنوب كانت لهم سلفت، يستحقون بها الغضب من الله، كما:-1546 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال، حدثني ابن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد, فيما روى عن سعيد بن جبير، أو عكرمة, عن ابن عباس: (فباءوا بغضب على غضب)، فالغضب على الغضب، غضبه عليهم فيما كانوا ضيعوا من التوراة وهي معهم, وغضب بكفرهم بهذا النبي الذي أحدث الله إليهم. (31)1547 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن, قالا حدثنا سفيان، عن أبي بكير, عن عكرمة: (فباءوا بغضب على غضب) قال: كفر بعيسى، وكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم. (32)1548 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يحيى بن يمان قال، حدثنا سفيان,عن أبي بكير, عن عكرمة: (فباءوا بغضب على غضب)، قال: كفرهم بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم.1549 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن أبي بكير, عن عكرمة مثله.1550 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن الشعبي قال: الناس يوم القيامة على أربعة منازل: رجل كان مؤمنا بعيسى وآمن بمحمد صلى الله عليهما، فله أجران. ورجل كان كافرا بعيسى فآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، فله أجر. ورجل كان كافرا بعيسى فكفر بمحمد, فباء بغضب على غضب. ورجل كان كافرا بعيسى من مشركي العرب, فمات بكفره قبل محمد صلى الله عليه وسلم، فباء بغضب.1551 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (فباءوا بغضب على غضب)، غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وبعيسى, وغضب عليهم بكفرهم بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم.1552 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (فباءوا بغضب)، اليهود بما كان من تبديلهم التوراة قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم,(على غضب)، جحودهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكفرهم بما جاء به.1553 - حدثنا المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (فباءوا بغضب على غضب)، يقول: غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وعيسى, ثم غضبه عليهم بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن.1554 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (فباءوا بغضب على غضب)، أما الغضب الأول فهو حين غضب الله عليهم في العجل؛ وأما الغضب الثاني فغضب عليهم حين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم.1555 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج وعطاء وعبيد بن عمير قوله: (فباءوا بغضب على غضب)، قال: غضب الله عليهم فيما كانوا فيه من قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم - من تبديلهم وكفرهم -, ثم غضب عليهم في محمد صلى الله عليه وسلم - إذ خرج، فكفروا به.* * *قال أبو جعفر: وقد بينا معنى " الغضب " من الله على من غضب عليه من خلقه - واختلاف المختلفين في صفته - فيما مضى من كتابنا هذا، بما أغنى عن إعادته. (33)* * *القول في تأويل قوله تعالى : وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90)قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (وللكافرين عذاب مهين)، وللجاحدين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من الناس كلهم، عذاب من الله، إما في الآخرة, وإما في الدنيا والآخرة، (مهين) هو المذل صاحبه، المخزي، الملبسه هوانا وذلة.* * *فإن قال قائل: أي عذاب هو غير مهين صاحبه، فيكون للكافرين المهين منه؟قيل: إن المهين هو الذي قد بينا أنه المورث صاحبه ذلة وهوانا، الذي يخلد فيه صاحبه، لا ينتقل من هوانه إلى عز وكرامة أبدا, وهو الذي خص الله به أهل الكفر به وبرسله. وأما الذي هو غير مهين صاحبه، فهو ما كان تمحيصا لصاحبه. وذلك هو كالسارق من أهل الإسلام، يسرق ما يجب عليه به القطع فتقطع يده, والزاني منهم يزني فيقام عليه الحد, وما أشبه ذلك من العذاب والنكال الذي جعله الله كفارات للذنوب التي عذب بها أهلها, وكأهل الكبائر من أهل &; 2-348 &; الإسلام الذين يعذبون في الآخرة بمقادير جرائمهم التي ارتكبوها، ليمحصوا من ذنوبهم، ثم يدخلون الجنة. فإن كل ذلك، وإن كان عذابا، فغير مهين من عذب به. إذ كان تعذيب الله إياه به ليمحصه من آثامه، ثم يورده معدن العز والكرامة، ويخلده في نعيم الجنان.----------------(12) "التفسير" هو ما اصطلح البصريون على تسميته"التمييز" ، ويقال له التبيين أيضًا ، (همع الهوامع 1 : 250) .(13) في المطبوعة : "وزعم أن أن ينزل من فضله إن شئت جعلت . . . " ، وهو سهو من النساخ ، وصوابه ماأثبته من معاني القرآن للفراء 1 : 56 .(14) لم أعرف الراجز ، والبيتان في اللسان (دلو) . دلوت الناقة دلوا : سقتها سوقا رفيقا رويدا ورعى الماشية وأرعاها : أطلقها في المرعى .(15) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 56 - 57 ، كأنه قول الكسائي . والمعرفة الموقتة : وهي المعرفة المحددة . وانظر شرح ذلك فيما سلف 1 : 181 ، تعليق : 1 .(16) في المطبوعة : "مكررا" ، والصواب من معاني القرآن للفراء 1 : 56 .(17) هذه الفقرة هي نص كلام الفراء في معاني القرآن 1 : 56 .(18) في المطبوعة : "يعرف ما بعده" ، والصواب ما أثبت .(19) في المطبوعة : "فرفع" ، والصواب ما أثبت .(20) الترجمة : هو ما يسميه البصريون : "عطف البيان" و"البدل" ، فقوله"مترجما عن بئسما" ، أي عطف بيان .(21) الترجمة : هو ما يسميه البصريون : "عطف البيان" و"البدل" ، فقوله"مترجما عن بئسما" ، أي عطف بيان .(22) الجزاء : المفعول لأجله هنا ، وفي المطبوعة : "جر" ، وهو خطأ ، وصوابه في معاني القرآن للفراء 1 : 58 .(23) في المطبوعة : "بأن بينوه" ، وهو خطأ ، والصواب من تفسير ابن كثير 1 : 231 . والمعنى اشتروا الكتمان بالبيان .(24) الشاري واحد الشراة (بضم الشين) ، وهم الخوارج ، وقال قطري بن الفجاءة الخارجي في معنى ذلك ، ويذكر أم حكيم ، وذلك في يوم دولاب:فلو شهدتنا يوم ذاك, وخيلناتبيح من الكفار كل حريمرأت فتية باعوا الإله نفوسهمبجنات عدن عنده ونعيموقال الخوارج : نحن الشراة ، لقول الله عز وجل : "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله" أي يبيعها ويبذلها في الجهاد ، وثمنها الجنة ، وقيل : سموا بذلك لقولهم : "إنا شرينا أنفسنا في طاعة الله حين فارقنا الأئمة الجائرة" ، أي : بعناها بالجنة .(25) طبقات فحول الشعراء : 555 من قصيدة له ، في هجاء عباد بن زياد ، حين باع ما له في دين كان عليه ، وقضى الغرماء ، وكان فيما باع غلام لابن مفرغ ، يقال له"برد" ، وجارية يقال لها"أراكة" . وقوله : "كنت هامة" أي هالكا . يقال : فلان هامة اليوم أو غد ، أي قريب هلاكه ، فإذا هو"هامة" ، وذلك زعم أبطله الله بالإسلام كان في الجاهلية : أن عظم الميت أو روحه تصير هامة (وهو طير كالبومة) فتطير . ورواية غيره : "من بعد برد" .(26) ديوانه: 352 (من ملحق ديوان الأعشى - والمسيب خال الأعشى، والأعشى راويته)، ورواية الديوان"ويقول صاحبه"، وهي الصواب. والبيت من أبيات آية في الجودة، يصف الغواص الفقير، قد ظفر بدرة لا شبيه لها، فضن بها على البيع، وقد أعطى فيها ما يغنى من الثمن، فأبى، وصاحبه يحضضه على بيعها، وبعده:وترى الصراري يسجدون لهاويضمها بيديه للنحروالصراري : الملاحون ، من أصحاب الغواصين .(27) قوله"- نظيره الآية . . " خبر قوله في صدر هذه الفقرة : "وهذه الآية-" .(28) الأثر : 1540 - سيرة ابن هشام 2 : 190(29) الأثر : 1545 - انظر التعليق على رقم : 1523 ، 1524 .(30) انظر تفسير . "باء" فيما سلف من هذا الجزء 2 : 138 .(31) الأثر : 1546- سيرة ابن هشام 2 : 190 .(32) الأثر : 1547 - في الدر المنثور : "كفرهم" في الموضعين ، وهما سواء .(33) انظر ما سلف 1 : 188 - 189 ، وما مضى في هذا الجزء 2 : 138 هذا وقد كان في المطبوعة بعد قوله : "عن إعادته" ما نصه : "والله تعالى أعلم" ، وليس لها مكان هنا ، وهي بلا شك زيادة بعض النساخ ، فلذلك تركتها .
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ نُؤۡمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَيَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَهُمۡۗ قُلۡ فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٩١التفسير الميسروإذا قال بعض المسلمين لليهود: صدِّقوا بما أنزل الله من القرآن، قالوا: نحن نصدِّق بما أنزل الله على أنبيائنا، ويجحدون ما أنزل الله بعد ذلك، وهو الحق مصدقًا لما معهم. فلو كانوا يؤمنون بكتبهم حقًا لآمنوا بالقرآن الذي صدَّقها. قل لهم -يا محمد-: إن كنتم مؤمنين بما أنزل الله عليكم، فلماذا قتلتم أنبياء الله مِن قبل؟
تفسير السعديأي: وإذا أمر اليهود بالإيمان بما أنزل الله على رسوله, وهو القرآن استكبروا وعتوا, و قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ أي: بما سواه من الكتب، مع أن الواجب أن يؤمن بما أنزل الله مطلقا, سواء أنزل عليهم, أو على غيرهم, وهذا هو الإيمان النافع, الإيمان بما أنزل الله على جميع رسل الله. وأما التفريق بين الرسل والكتب, وزعم الإيمان ببعضها دون بعض, فهذا ليس بإيمان, بل هو الكفر بعينه, ولهذا قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ولهذا رد عليهم تبارك وتعالى هنا ردا شافيا, وألزمهم إلزاما لا محيد لهم عنه, فرد عليهم بكفرهم بالقرآن بأمرين فقال: وَهُوَ الْحَقُّ فإذا كان هو الحق في جميع ما اشتمل عليه من الإخبارات, والأوامر والنواهي, وهو من عند ربهم, فالكفر به بعد ذلك كفر بالله, وكفر بالحق الذي أنزله. ثم قال: مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ أي: موافقا له في كل ما دل عليه من الحق ومهيمنا عليه. فلم تؤمنون بما أنزل عليكم, وتكفرون بنظيره؟ هل هذا إلا تعصب واتباع للهوى لا للهدى؟ وأيضا, فإن كون القرآن مصدقا لما معهم, يقتضي أنه حجة لهم على صدق ما في أيديهم من الكتب, قلا سبيل لهم إلى إثباتها إلا به، فإذا كفروا به وجحدوه, صاروا بمنزلة من ادعى دعوى بحجة وبينة ليس له غيرها, ولا تتم دعواه إلا بسلامة بينته, ثم يأتي هو لبينته وحجته, فيقدح فيها ويكذب بها; أليس هذا من الحماقة والجنون؟ فكان كفرهم بالقرآن, كفرا بما في أيديهم ونقضا له. ثم نقض عليهم تعالى دعواهم الإيمان بما أنزل إليهم بقوله: قُلْ لهم: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
تفسير ابن كثيرقول تعالى : ( وإذا قيل لهم ) أي : لليهود وأمثالهم من أهل الكتاب ( آمنوا بما أنزل الله ) [ أي ] : على محمد صلى الله عليه وسلم وصدقوه واتبعوه ( قالوا نؤمن بما أنزل علينا ) أي : يكفينا الإيمان بما أنزل علينا من التوراة والإنجيل ولا نقر إلا بذلك ، ( ويكفرون بما وراءه ) يعني : بما بعده ( وهو الحق مصدقا لما معهم ) أي : وهم يعلمون أن ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم الحق ( مصدقا ) منصوب على الحال ، أي في حال تصديقه لما معهم من التوراة والإنجيل ، فالحجة قائمة عليهم بذلك ، كما قال تعالى : ( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ) [ البقرة : 146 ] ثم قال تعالى : ( [ قل ] فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ) أي : إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنزل إليكم ، فلم قتلتم الأنبياء الذين جاءوكم بتصديق التوراة التي بأيديكم والحكم بها وعدم نسخها ، وأنتم تعلمون صدقهم ؟ قتلتموهم بغيا [ وحسدا ] وعنادا واستكبارا على رسل الله ، فلستم تتبعون إلا مجرد الأهواء ، والآراء والتشهي كما قال تعالى ( أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون ) [ البقرة : 87 ] .وقال السدي : في هذه الآية يعيرهم الله تعالى : ( قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين )وقال أبو جعفر بن جرير : قل يا محمد ليهود بني إسرائيل [ الذين ] إذا قلت لهم : آمنوا بما أنزل الله قالوا : ( نؤمن بما أنزل علينا ) : لم تقتلون إن كنتم يا معشر اليهود مؤمنين بما أنزل الله عليكم أنبياءه وقد حرم الله في الكتاب الذي أنزل عليكم قتلهم ، بل أمركم فيه باتباعهم وطاعتهم وتصديقهم ، وذلك من الله تكذيب لهم في قولهم : ( نؤمن بما أنزل علينا ) وتعيير لهم .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين قوله تعالى : وإذا قيل لهم آمنوا أي صدقوا بما أنزل الله يعني القرآن قالوا نؤمن أي نصدق بما أنزل علينا يعني التوراة . ويكفرون بما وراءه أي بما سواه ، عن الفراء . وقتادة : بما بعده ، وهو قول أبي عبيدة ، والمعنى واحد . قال الجوهري : وراء بمعنى خلف ، وقد تكون بمعنى قدام . وهي من الأضداد ، قال الله تعالى : وكان وراءهم ملك أي أمامهم ، وتصغيرها وريئة ( بالهاء ) وهي شاذة . وانتصب " وراءه " على الظرف . قال الأخفش : يقال لقيته من وراء ، فترفعه على الغاية إذا كان غير مضاف تجعله اسما وهو غير متمكن ، كقولك : من قبل ومن بعد ، وأنشد :إذا أنا لم أومن عليك ولم يكن لقاؤك إلا من وراء وراءقلت : ومنه قول إبراهيم عليه السلام في حديث الشفاعة : ( إنما كنت خليلا من وراء وراء ) . والوراء : ولد الولد أيضا .قوله تعالى : وهو الحق ابتداء وخبر . مصدقا حال مؤكدة عند سيبويه . لما معهم ما في موضع خفض باللام ، و " معهم " صلتها ، و " معهم " نصب بالاستقرار ، ومن أسكن جعله حرفا .قوله تعالى : قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل رد من الله تعالى عليهم في قولهم إنهم آمنوا بما أنزل عليهم ، وتكذيب منه لهم وتوبيخ ، المعنى : فكيف قتلتم وقد نهيتم عن ذلك ! فالخطاب لمن حضر محمدا صلى الله عليه وسلم والمراد أسلافهم . وإنما توجه الخطاب لأبنائهم ; لأنهم كانوا يتولون أولئك الذين قتلوا ، كما قال : ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء فإذا تولوهم فهم بمنزلتهم . وقيل : لأنهم رضوا فعلهم فنسب ذلك إليهم . وجاء تقتلون بلفظ الاستقبال وهو بمعنى المضي لما ارتفع الإشكال بقوله : من قبل . وإذا لم يشكل فجائز أن يأتي الماضي بمعنى المستقبل ، والمستقبل بمعنى الماضي ، قال الحطيئة :شهد الحطيئة يوم يلقى ربه أن الوليد أحق بالعذرشهد بمعنى يشهد .إن كنتم مؤمنين أي إن كنتم معتقدين الإيمان فلم رضيتم بقتل الأنبياء ! وقيل : إن بمعنى ما ، وأصل " لم " لما ، حذفت الألف فرقا بين الاستفهام والخبر ، ولا ينبغي أن يوقف عليه ; لأنه إن وقف عليه بلا هاء كان لحنا ، وإن وقف عليه بالهاء زيد في السواد .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَاقال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (وإذا قيل لهم)، وإذا قيل لليهود من بني إسرائيل - للذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم-: (آمنوا)، أي صدقوا,(بما أنزل الله)، يعني بما أنزل الله من القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، (قالوا: نؤمن)، أي نصدق,(بما أنزل علينا)، يعني بالتوراة التي أنزلها الله على موسى.* * *القول في تأويل قوله تعالى : وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُقال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (ويكفرون بما وراءه)، ويجحدون،" بما وراءه ", يعني: بما وراء التوراة.* * *قال أبو جعفر: وتأويل " وراءه " في هذا الموضع " سوى ". كما يقال للرجل المتكلم بالحسن: " ما وراء هذا الكلام شيء " يراد به: ليس عند المتكلم به شيء سوى ذلك الكلام. فكذلك معنى قوله: (ويكفرون بما وراءه)، أي بما سوى التوراة، وبما بعدها من كتب الله التي أنزلها إلى رسله، (34) كما:-1556 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (ويكفرون بما وراءه)، يقول: بما بعده.1557 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (ويكفرون بما وراءه)، أي بما بعده - يعني: بما بعد التوراة.1558 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: (ويكفرون بما وراءه)، يقول: بما بعده.* * *القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْقال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (وهو الحق مصدقا)، أي: ما وراء الكتاب - الذي أنزل عليهم من الكتب التي أنزلها الله إلى أنبيائه - الحق. وإنما يعني بذلك تعالى ذكره القرآن الذي أنزله إلى محمد صلى الله عليه وسلم، كما:-1559 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ، وهو القرآن. يقول الله جل ثناؤه: (وهو الحق مصدقا لما معهم). وإنما قال جل ثناؤه: (مصدقا لما معهم)، لأن كتب الله يصدق بعضها بعضا. ففي الإنجيل والقرآن من الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، والإيمان به وبما جاء به, مثل الذي من ذلك في توراة موسى عليه السلام. فلذلك قال جل ثناؤه لليهود - إذْ أخبرهم عما وراء كتابهم الذي أنزله على موسى صلوات الله عليه، من الكتب التي أنزلها إلى أنبيائه -: إنه الحق مصدقا للكتاب الذي معهم, يعني: أنه له موافق فيما اليهود به مكذبون.قال: وذلك خبر من الله أنهم من التكذيب بالتوراة، على مثل الذي هم عليه من التكذيب بالإنجيل والفرقان, عنادا لله، وخلافا لأمره، وبغيا على رسله صلوات الله عليهم.* * *القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)قال أبو جعفر: يعني جل ذكره بقوله: (قل فلم تقتلون أنبياء الله)، قل يا محمد، ليهود بني إسرائيل - الذين إذا قلت لهم: آمنوا بما أنزل الله قالوا: نؤمن بما أنزل علينا-: لم تقتلون = إن كنتم يا معشر اليهود مؤمنين بما أنزل الله عليكم = أنبياءه، وقد حرم الله في الكتاب الذي أنزل عليكم قتلهم, بل أمركم فيه باتباعهم وطاعتهم وتصديقهم؟ وذلك من الله جل ثناؤه تكذيب لهم في قولهم: نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وتعيير لهم، كما:-1560 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: قال الله تعالى ذكره - وهو يعيرهم - يعني اليهود: (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين)؟* * *فإن قال قائل: وكيف قيل لهم: (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل)، فابتدأ الخبر على لفظ المستقبل, ثم أخبر أنه قد مضى؟قيل: إن أهل العربية مختلفون في تأويل ذلك. فقال بعض البصريين: معنى ذلك: فلم قتلتم أنبياء الله من قبل، كما قال جل ثناؤه: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ [سورة البقرة: 102]، أي: ما تلت, (35) وكما قال الشاعر: (36)ولقد أمر على اللئيم يسبنيفمضيت عنه وقلت لا يعنيني (37)يريد بقوله: " ولقد أمر " ولقد مررت. واستدل على أن ذلك كذلك، بقوله: " فمضيت عنه ", ولم يقل: فأمضي عنه. وزعم أن " فعل " و " يفعل " قد تشترك في معنى واحد, واستشهد على ذلك بقول الشاعر: (38)وإني لآتيكم تَشَكُّرَ ما مضىمن الأمر, واسْتِيجابَ ما كان في غد (39)يعني بذلك: ما يكون في غد، وبقول الحطيئة:شهد الحطيئة يوم يلقى ربهأن الوليد أحق بالعذر (40)يعني: يشهد. وكما قال الآخر:فما أضحي ولا أمسيت إلاأراني منكم في كَوَّفان (41)فقال: أضحي, ثم قال: " ولا أمسيت ".* * *وقال بعض نحويي الكوفيين: إنما قيل: (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل)، فخاطبهم بالمستقبل من الفعل، ومعناه الماضي, كما يعنف الرجل الرجل على ما سلف منه من فعل فيقول له: ويحك، لم تكذب؟ ولم تبغض نفسك إلى الناس؟ كما قال الشاعر:إذا ما انتسبنا, لم تلدني لئيمةولم تجدي من أن تُقِري به بُدَّا (42)فالجزاء للمستقبل, والولادة كلها قد مضت. وذلك أن المعنى معروف, فجاز ذلك. قال: ومثله في الكلام: " إذا نظرت في سيرة عمر، لم تجده يسيء ". (43) المعنى: لم تجده أساء. فلما كان أمر عمر لا يشك في مضيه، لم يقع في الوهم أنه مستقبل. فلذلك صلحت " من قبل " مع قوله: (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل). قال: وليس الذين خوطبوا بالقتل هم القتلة, إنما قتل الأنبياء أسلافهم الذين مضوا, فتولوهم على ذلك ورضوا به، فنسب القتل إليهم. (44)* * *قال أبو جعفر: والصواب فيه من القول عندنا، أن الله خاطب الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل - بما خاطبهم في سورة البقرة وغيرها من سائر السور - بما سلف من إحسانه إلى أسلافهم, وبما سلف من كفران أسلافهم نعمه, وارتكابهم معاصيه, واجترائهم عليه وعلى أنبيائه, وأضاف ذلك إلى المخاطبين به، نظير قول العرب بعضها لبعض: فعلنا بكم يوم كذا كذا وكذا, وفعلتم بنا يوم كذا كذا وكذا - على نحو ما قد بيناه في غير موضع من كتابنا هذا -، (45) يعنون بذلك أن أسلافنا فعلوا ذلك بأسلافكم، وأن أوائلنا فعلوا ذلك بأوائلكم. فكذلك ذلك في قوله: (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل)، إذْ كان قد خرج على لفظ الخبر عن المخاطبين به خبرا من الله تعالى ذكره عن فعل السالفين منهم - (46) على نحو الذي بينا - جاز أن يقال " من قبل "، إذْ كان معناه: قل: فلم يقتل أسلافكم أنبياء الله من قبل "؟ وكان معلوما بأن قوله: (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل)، إنما هو خبر عن فعل سلفهم.* * *وتأويل قوله: (من قبل)، أي: من قبل اليوم.* * *وأما قوله: (إن كنتم مؤمنين)، فإنه يعني: إن كنتم مؤمنين بما نزل الله عليكم كما زعمتم. وإنما عنى بذلك اليهود الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلافهم - إن كانوا وكنتم، كما تزعمون أيها اليهود، مؤمنين. وإنما عيرهم جل ثناؤه بقتل أوائلهم أنبياءه، عند قولهم حين قيل لهم: آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا . لأنهم كانوا لأوائلهم - الذين تولوا قتل أنبياء الله، مع قيلهم: نؤمن بما أنزل علينا - متولين, وبفعلهم راضين. فقال لهم: إن كنتم كما تزعمون مؤمنين بما أنزل عليكم, فلم تتولون قتلة أنبياء الله؟ أي: ترضون أفعالهم. (47)----------------الهوامش:(34) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 60 .(35) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 60 - 61 .(36) هو رجل من بني سلول .(37) سيبويه 1 : 416 ، الخزانة 1 : 173 ، وشرح شواهد المغني : 107 وغيرها كثير . وروايتهم جميعا"ثمت قلت" . وبعده بيت آخر :غضبان ممتلئا علي إهابهإني وربك سخطه يرضيني(38) هو الطرماح بن حكيم الطائي .(39) ديوانه : 146 ، وسيأتي في 4 : 97 (بولاق) ، وحماسة البحتري : 109 ، واللسان (كون) وقد كان في هذا الموضع"بشكرى" ، وهو خطأ ، سيأتي من رواية الطبري على الصواب . وروى اللسان : "واستنجاز ما كان" . وصواب الرواية : "فإني لآتيكم" فإنه قبله :من كان لا يأتيك إلا لحاجةيروح بها فيما يروح ويغتدىفإني لآتيكم . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .(40) ديوانه : 85 ، ونسب قريش : 138 ، والاستيعاب : 604 ، وأنساب الأشراف 5 : 32 ، وسمط اللآلئ : 674 . قالها الحطيئة في الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، وكان من رجالات قريش همة وسخاء . استعمله أبو بكر وعمر وعثمان ، فلما كان زمان عثمان ، رفعوا عليه أنه شرب الخمر ، فعزله عثمان وجلده الحد ، وكان لهذا شأن كبير ، فقال الحطيئة يعذره ويمدحه ، ويذكر عزله :شهد الحطيئة حين يلقى ربهأن الوليد أحق بالعذرخلعوا عنانك إذ جريت, ولوتركوا عنانك لم تزل تجريورأوا شمائل ماجد أنفيعطي على الميسور والعسرفنزعت, مكذوبا عليك, ولمتردد إلى عوز ولا فقرقال مصعب بن عبد الله الزبيري في نسب قريش : "فزادوا فيها من غير قول الحطيئة :نادى وقد تمت صلاتهمأأزيدكم? ثملا ولا يدريليزيدهم خمسا, ولو فعلوامرت صلاتهم على العشروقد أكثر الناس فيما كان من خبر الوليد ، وما كان من شعر الحطيئة فيه . وهذا نص من أعلم قريش بأمر قريش ، على أن البيتين قد نحلهما الحطيئة ، متكذب على الوليد ، لما كان له في الشأن في أمر عثمان رضي الله عنه . ولقد جلد الوليدبن عقبة مكذوبا عليه كما قال الحطيئة ، فاعتزل الناس . وروى أبو العباس المبرد في التعازي والمراثي (ورقة : 196) قال : : "قال الوليد بن عقبة عند الموت ، وهو بالبليخ من أرض الجزيرة : "اللهم إن كان أهل الكوفة صدقوا على ، فلا تلق روحي منك روحا ولا ريحانا ، وإن كانوا كذبوا على فلا ترضهم بأمير ولا ترض أميرا عنهم . انتقم لي منهم ، واجعله كفارة لما لا يعلمون من ذنوبي" . فليت أهل الشر كفوا ألسنتهم عن رجل من عقلاء الرجال وأشرافهم .(41) لم أعرف قائله ، وهو في اللسان (كوف) والصاحبي : 187 . والكوفان (بتشديد الواو) : الاختلاط والشدة والعناء . يقال : إنا منه في كوفان ، أي في عنت وشقاء ودوران واختلاط .(42) سلف تخريجه في هذا الجزء 2 : 165 .(43) في معاني القرآن للفراء : "لم يسئ" ، بحذف"تجده" .(44) في المطبوعة : "فتلوهم على ذلك ورضوا . فنسب . . " ، والصواب ما أثبته من معاني القرآن للفراء 1 : 60 - 61 ، وهذا الذي نقله الطبري هو نص كلامه .(45) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 302 تعليق : 1 والمراجع .(46) في المطبوعة : "وإن كان قد خرج على لفظ الخبر . . " ، والصواب : "إذ . . " كما أثبته .(47) في المطبوعة : "أي وترضون . . " بزيادة واو لا خير فيها .
۞ وَلَقَدۡ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ ٩٢التفسير الميسرولقد جاءكم نبي الله موسى بالمعجزات الواضحات الدالة على صدقه، كالطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع، وغير ذلك مما ذكره الله في القرآن العظيم، ومع ذلك اتخذتم العجل معبودًا، بعد ذهاب موسى إلى ميقات ربه، وأنتم متجاوزون حدود الله.
تفسير السعدي وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ أي: بالأدلة الواضحات المبينة للحق، ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ أي: بعد مجيئه وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ في ذلك ليس لكم عذر.
تفسير ابن كثير( ولقد جاءكم موسى بالبينات ) أي : بالآيات الواضحات والدلائل القاطعة على أنه رسول الله ، وأنه لا إله إلا الله . والبينات هي : الطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم ، والعصا ، واليد ، وفلق البحر ، وتظليلهم بالغمام ، والمن والسلوى ، والحجر ، وغير ذلك من الآيات التي شاهدوها ( ثم اتخذتم العجل ) أي : معبودا من دون الله في زمان موسى وآياته . وقوله ( من بعده ) أي : من بعد ما ذهب عنكم إلى الطور لمناجاة الله كما قال تعالى : ( واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ) [ الأعراف : 148 ] ، ( وأنتم ظالمون ) [ أي وأنتم ظالمون ] في هذا الصنيع الذي صنعتموه من عبادتكم العجل ، وأنتم تعلمون أنه لا إله إلا الله ، كما قال تعالى : ( ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ) [ الأعراف : 149 ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمونقوله تعالى : ولقد جاءكم موسى بالبينات اللام لام القسم . والبينات قوله تعالى : ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات وهي العصا ، والسنون ، واليد ، والدم ، والطوفان ، والجراد والقمل ، والضفادع ، وفلق البحر . وقيل : البينات التوراة ، وما فيها من الدلالات .قوله تعالى : ثم اتخذتم العجل توبيخ ، و " ثم " أبلغ من الواو في التقريع ، أي بعد النظر في الآيات والإتيان بها اتخذتم . وهذا يدل على أنهم إنما فعلوا ذلك بعد مهلة من النظر في الآيات ، وذلك أعظم لجرمهم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92)قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (ولقد جاءكم موسى بالبينات)، أي جاءكم بالبينات الدالة على صدقه وصحة نبوته، (48) كالعصا التي تحولت ثعبانا مبينا, ويده التي أخرجها بيضاء للناظرين. وفلق البحر ومصير أرضه له طريقا يبسا, والجراد والقمل والضفادع, وسائر الآيات التي بينت صدقه وصحة نبوته. (49)وإنما سماها الله " بينات " لتبينها للناظرين إليها أنها معجزة لا يقدر على أن يأتي بها بشر، إلا بتسخير الله ذلك له. وإنما هي جمع " بينة "، مثل " طيبة وطيبات ". (50)* * *قال أبو جعفر: ومعنى الكلام: ولقد جاءكم - يا معشر يهود بني إسرائيل - موسى بالآيات البينات على أمره وصدقه وصحة نبوته. (51)* * *وقوله: " ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون " يقول جل ثناؤه لهم: ثم اتخذتم العجل من بعد موسى إلها. فالهاء التي في قوله: " من بعده "، من ذكر موسى. وإنما قال: من بعد موسى, لأنهم اتخذوا العجل من بعد أن فارقهم موسى ماضيا إلى ربه لموعده - على ما قد بينا فيما مضى من كتابنا هذا. (52)وقد يجوز أن تكون " الهاء " التي في" بعده " إلى ذكر المجيء. فيكون تأويل الكلام حينئذ: ولقد جاءكم موسى بالبينات، ثم اتخذتم العجل من بعد مجيء البينات وأنتم ظالمون. كما تقول: جئتني فكرهته، يعني كرهت مجيئك.* * *وأما قوله: (وأنتم ظالمون)، فإنه يعني بذلك أنكم فعلتم ما فعلتم من عبادة العجل وليس ذلك لكم، وعبدتم غير الذي كان ينبغي لكم أن تعبدوه. لأن العبادة لا تنبغي لغير الله. وهذا توبيخ من الله لليهود, وتعيير منه لهم, وإخبار منه لهم أنهم إذا كانوا فعلوا ما فعلوا - من اتخاذ العجل إلها وهو لا يملك لهم ضرا ولا نفعا, بعد الذي علموا أن ربهم هو الرب الذي يفعل من الأعاجيب وبدائع الأفعال ما أجراه على يدي موسى صلوات الله عليه، من الأمور التي لا يقدر عليها أحد من خلق الله, ولم يقدر عليها فرعون وجنده مع بطشه وكثرة أتباعه, وقرب عهدهم بما عاينوا من عجائب حِكَم الله - فهم إلى تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وجحود ما في كتبهم = التي زعموا أنهم بها مؤمنون = من صفته ونعته، مع بعد ما بينهم وبين عهد موسى من المدة - أسرع (53) وإلى التكذيب بما جاءهم به موسى من ذلك أقرب.--------------الهوامش :(48) في المطبوعة : "وحقية نبوته" ، وليست مما يقوله أبو جعفر ، وقد مضى آنفًا مثل هذا التبديل من النساخ ، وكان في المخطوطة العتيقة ، على مثل الذي أثبته ، وانظر ما سلف 2 : 318 .(49) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 318 ، 354 .(50) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 318 ، 319 .(51) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 318 ، 354 .(52) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 60 - 69 .(53) سياق هذه الجملة المفصلة : . . "وإخبار منه لهم أنهم إذا كانوا فعلوا ما فعلوا . . فهم إلى تكذيب محمد . . . أسرع" ، وكل ما بين ذلك فصول متتابعة كدأبه .
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱسۡمَعُواْۖ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَأُشۡرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡعِجۡلَ بِكُفۡرِهِمۡۚ قُلۡ بِئۡسَمَا يَأۡمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٩٣التفسير الميسرواذكروا حين أَخَذْنا عليكم عهدًا مؤكدًا بقَبول ما جاءكم به موسى من التوراة، فنقضتم العهد، فرفعنا جبل الطور فوق رؤوسكم، وقلنا لكم: خذوا ما آتيناكم بجدٍّ، واسمعوا وأطيعوا، وإلا أسقطنا الجبل عليكم، فقلتم: سمعنا قولك وعصينا أمرك؛ لأن عبادة العجل قد امتزجت بقلوبكم بسبب تماديكم في الكفر. قل لهم -أيها الرسول-: قَبُحَ ما يأمركم به إيمانكم من الكفر والضلال، إن كنتم مصدِّقين بما أنزل الله عليكم.
تفسير السعدي وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا أي: سماع قبول وطاعة واستجابة، قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا أي: صارت هذه حالتهم وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بسبب كفرهم. قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي: أنتم تدعون الإيمان وتتمدحون بالدين الحق, وأنتم قتلتم أنبياء الله, واتخذتم العجل إلها من دون الله, لما غاب عنكم موسى, نبي الله, ولم تقبلوا أوامره ونواهيه إلا بعد التهديد ورفع الطور فوقكم, فالتزمتم بالقول, ونقضتم بالفعل، فما هذا الإيمان الذي ادعيتم, وما هذا الدين؟. فإن كان هذا إيمانا على زعمكم, فبئس الإيمان الداعي صاحبه إلى الطغيان, والكفر برسل الله, وكثرة العصيان، وقد عهد أن الإيمان الصحيح, يأمر صاحبه بكل خير, وينهاه عن كل شر، فوضح بهذا كذبهم, وتبين تناقضهم.
تفسير ابن كثيريعدد ، تبارك وتعالى ، عليهم خطأهم ومخالفتهم للميثاق وعتوهم وإعراضهم عنه ، حتى رفع الطور عليهم حتى قبلوه ثم خالفوه ; ولهذا قال : ( قالوا سمعنا وعصينا ) وقد تقدم تفسير ذلك .( وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ) قال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة : ( وأشربوا في قلوبهم العجل [ بكفرهم ] ) قال : أشربوا [ في قلوبهم ] حبه ، حتى خلص ذلك إلى قلوبهم . وكذا قال أبو العالية ، والربيع بن أنس .وقال الإمام أحمد : حدثنا عصام بن خالد ، حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني ، عن خالد بن محمد الثقفي ، عن بلال بن أبي الدرداء ، عن أبي الدرداء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " حبك الشيء يعمي ويصم " .ورواه أبو داود عن حيوة بن شريح عن بقية ، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم به وقال السدي : أخذ موسى ، عليه السلام ، العجل فذبحه ثم حرقه بالمبرد ، ثم ذراه في البحر ، فلم يبق بحر يجري يومئذ إلا وقع فيه شيء منه ، ثم قال لهم موسى : اشربوا منه . فشربوا ، فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب . فذلك حين يقول الله تعالى : ( وأشربوا في قلوبهم العجل )وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن رجاء ، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق ، عن عمارة بن عبد وأبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي بن أبي طالب ، قال : عمد موسى إلى العجل ، فوضع عليه المبارد ، فبرده بها ، وهو على شاطئ نهر ، فما شرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد العجل إلا اصفر وجهه مثل الذهب .وقال سعيد بن جبير : ( وأشربوا في قلوبهم العجل ) قال : لما أحرق العجل برد ثم نسف ، فحسوا الماء حتى عادت وجوههم كالزعفران .وحكى القرطبي عن كتاب القشيري : أنه ما شرب منه أحد ممن عبد العجل إلا جن [ ثم قال القرطبي ] وهذا شيء غير ما هاهنا ; لأن المقصود من هذا السياق ، أنه ظهر النقير على شفاههم ووجوههم ، والمذكور هاهنا : أنهم أشربوا في قلوبهم حب العجل ، يعني : في حال عبادتهم له ، ثم أنشد قول النابغة في زوجته عثمة :تغلغل حب عثمة في فؤادي فباديه مع الخافي يسير تغلغل حيث لم يبلغ شرابولا حزن ولم يبلغ سرور أكاد إذا ذكرت العهد منهاأطير لو ان إنسانا يطيروقوله : ( قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين ) أي : بئسما تعتمدونه في قديم الدهر وحديثه ، من كفركم بآيات الله ومخالفتكم الأنبياء ، ثم اعتمادكم في كفركم بمحمد صلى الله عليه وسلم وهذا أكبر ذنوبكم ، وأشد الأمور عليكم إذ كفرتم بخاتم الرسل وسيد الأنبياء والمرسلين المبعوث إلى الناس أجمعين ، فكيف تدعون لأنفسكم الإيمان وقد فعلتم هذه الأفاعيل القبيحة ، من نقضكم المواثيق ، وكفركم بآيات الله ، وعبادتكم العجل ؟ !
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنينقوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا تقدم الكلام في هذا . ومعنى اسمعوا أطيعوا ، وليس معناه الأمر بإدراك القول فقط ، وإنما المراد اعملوا بما سمعتم والتزموه ، ومنه قولهم : سمع الله لمن حمده ، أي قبل وأجاب . قال :دعوت الله حتى خفت ألا يكون الله يسمع ما أقولأي يقبل ، وقال الراجز :والسمع والطاعة والتسليم خير وأعفى لبني تميمقالوا سمعنا وعصينا اختلف هل صدر منهم هذا اللفظ حقيقة باللسان نطقا ، أو يكونون فعلوا فعلا قام مقام القول فيكون مجازا ، كما قال :امتلأ الحوض وقال قطني مهلا رويدا قد ملأت بطنيوهذا احتجاج عليهم في قولهم : نؤمن بما أنزل علينا .قوله تعالى : وأشربوا في قلوبهم العجل أي حب العجل والمعنى : جعلت قلوبهم تشربه ، وهذا تشبيه ومجاز عبارة عن تمكن أمر العجل في قلوبهم . وفي الحديث : تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء . . . . الحديث ، خرجه مسلم . يقال أشرب قلبه حب كذا ، قال زهير :فصحوت عنها بعد حب داخل والحب تشربه فؤادك داءوإنما عبر عن حب العجل بالشرب دون الأكل لأن شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها ، والطعام مجاور لها غير متغلغل فيها . وقد زاد على هذا المعنى أحد التابعين فقال في زوجته عثمة ، وكان عتب عليها في بعض الأمر فطلقها وكان محبا لها :تغلغل حب عثمة في فؤادي فباديه مع الخافي يسيرتغلغل حيث لم يبلغ شراب ولا حزن ولم يبلغ سرورأكاد إذا ذكرت العهد منها أطير لو ان إنسانا يطيروقال السدي وابن جريج : إن موسى عليه السلام برد العجل وذراه في الماء ، وقال لبني إسرائيل : اشربوا من ذلك الماء ، فشرب جميعهم ، فمن كان يحب العجل خرجت برادة الذهب على شفتيه . وروي أنه ما شربه أحد إلا جن ، حكاه القشيري .قلت : أما تذريته في البحر فقد دل عليه قوله تعالى : ثم لننسفنه في اليم نسفا ، وأما شرب الماء وظهور البرادة على الشفاه فيرده قوله تعالى : وأشربوا في قلوبهم العجل والله تعالى أعلم .قوله تعالى : قل بئسما يأمركم به إيمانكم أي إيمانكم الذي زعمتم في قولكم : نؤمن بما أنزل علينا . وقيل : إن هذا الكلام خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، أمر أن يوبخهم ، أي قل لهم يا محمد : بئس هذه الأشياء التي فعلتم وأمركم بها إيمانكم . وقد مضى الكلام في ( بئسما ) والحمد لله وحده .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَاقال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (وإذ أخذنا ميثاقكم)، واذكروا إذ أخذنا عهودكم، بأن خذوا ما آتيناكم من التوراة - التي أنزلتها إليكم أن تعملوا بما فيها من أمري, وتنتهوا عما نهيتكم فيها - بجد منكم في ذلك ونشاط, فأعطيتم على العمل بذلك ميثاقكم, إذ رفعنا فوقكم الجبل. (54)وأما قوله: (واسمعوا)، فإن معناه: واسمعوا ما أمرتكم به وتقبلوه بالطاعة، كقول الرجل للرجل يأمره بالأمر: " سمعت وأطعت ", يعني بذلك: سمعت قولك، وأطعت أمرك، كما قال الراجز:السمع والطاعة والتسليمخير وأعفى لبني تميمْ (55)يعني بقوله: " السمع "، قبول ما يسمع، و " الطاعة " لما يؤمر. فكذلك معنى قوله: (واسمعوا)، اقبلوا ما سمعتم واعملوا به.* * *قال أبو جعفر: فمعنى الآية: وإذ أخذنا ميثاقكم أن خذوا ما آتيناكم بقوة, واعملوا بما سمعتم, وأطيعوا الله, ورفعنا فوقكم الطور من أجل ذلك.* * *وأما قوله: (قالوا سمعنا)، فإن الكلام خرج مخرج الخبر عن الغائب بعد أن كان الابتداء بالخطاب, فإن ذلك كما وصفنا، (56) من أن ابتداء الكلام، إذا كان حكاية، فالعرب تخاطب فيه ثم تعود فيه إلى الخبر عن الغائب، وتخبر عن الغائب ثم تخاطب، كما بينا ذلك فيما مضى قبل. (57) فكذلك ذلك في هذه الآية، لأن قوله: (وإذ أخذنا ميثاقكم)، بمعنى: قلنا لكم، فأجبتمونا.* * *وأما قوله: (قالوا سمعنا)، فإنه خبر من الله - عن اليهود الذين أخذ ميثاقهم أن يعملوا بما في التوراة، وأن يطيعوا الله فيما يسمعون منها - أنهم قالوا حين قيل لهم ذلك: سمعنا قولك، وعصينا أمرك.* * *القول في تأويل قوله تعالى : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْقال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم: وأشربوا في قلوبهم حب العجل.* ذكر من قال ذلك:1561 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا معمر, عن قتادة: (وأشربوا في قلوبهم العجل)، قال: أشربوا حبه، حتى خلص ذلك إلى قلوبهم.1562 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (وأشربوا في قلوبهم العجل)، قال: أشربوا حب العجل بكفرهم.1563 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه, عن الربيع: (وأشربوا في قلوبهم العجل)، قال: أشربوا حب العجل في قلوبهم.* * *وقال آخرون: معنى ذلك أنهم سقوا الماء الذي ذري فيه سحالة العجل. (58)* ذكر من قال ذلك:1564 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: لما رجع موسى إلى قومه، أخذ العجل الذي وجدهم عاكفين عليه، فذبحه, ثم حرقه بالمبرد, (59) ثم ذرّاه في اليم, فلم يبق بحر يومئذ يجري إلا وقع فيه شيء منه. ثم قال لهم موسى: اشربوا منه، فشربوا منه, فمن كان يحبه خرج على شاربه الذهب. فذلك حين يقول الله عز وجل: (وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم). (60)1565 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج عن ابن جريج قال: لما سحل فألقي في اليم، استقبلوا جرية الماء, فشربوا حتى ملئوا بطونهم, فأورث ذلك من فعله منهم جبنا.* * *قال أبو جعفر: وأولى التأويلين اللذين ذكرت بقول الله جل ثناؤه: (وأشربوا &; 2-359 &; في قلوبهم العجل) تأويل من قال: وأشربوا في قلوبهم حب العجل. لأن الماء لا يقال منه: أشرب فلان في قلبه, وإنما يقال ذلك في حب الشيء, فيقال منه: " أشرب قلب فلان حب كذا ", بمعنى سقي ذلك حتى غلب عليه وخالط قلبه، كما قال زهير:فصحوت عنها بعد حب داخلوالحب يُشْرَبُه فؤادُك داء (61)قال أبو جعفر: ولكنه ترك ذكر " الحب " اكتفاء بفهم السامع لمعنى الكلام. إذ كان معلوما أن العجل لا يُشرِب القلب, وأن الذي يشرب القلب منه حبه, كما قال جل ثناؤه: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ [سورة الأعراف: 163]، وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا [يوسف: 82]، وكما قال الشاعر: (62)ألا إنني سُقِّيت أسود حالكاألا بَجَلِي من الشراب ألا بَجَل (63)يعني بذلك سُمّا أسود, فاكتفى بذكر " أسود " عن ذكر " السم " لمعرفة السامع معنى ما أراد بقوله: " سقيت أسود ". ويروى:ألا إنني سقيت أسود سالخا (64)وقد تقول العرب: " إذا سرك أن تنظر إلى السخاء فانظر إلى هرم، أو إلى حاتم ", (65)فتجتزئ بذكر الاسم من ذكر فعله، إذا كان معروفا بشجاعة أو سخاء أو ما أشبه ذلك من الصفات، ومنه قول الشاعر:يقولون جاهد يا جميل بغزوةوإن جهادا طيئ وقتالها (66)* * *القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: قل يا محمد ليهود بني إسرائيل: بئس الشيء يأمركم به إيمانكم؛ إن كان يأمركم بقتل أنبياء الله ورسله, والتكذيب بكتبه, وجحود ما جاء من عنده. ومعنى " إيمانهم ": تصديقهم الذي زعموا أنهم به مصدقون من كتاب الله, إذْ قيل لهم: آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ . فقالوا: نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا . وقوله: (إن كنتم مؤمنين)، أي: إن كنتم مصدقين كما زعمتم بما أنزل الله عليكم، (67) وإنما كذبهم الله بذلك - لأن التوراة تنهي عن ذلك كله، وتأمر بخلافه. فأخبرهم أن تصديقهم بالتوراة، إن كان يأمرهم بذلك، فبئس الأمر تأمر به. وإنما ذلك نفي من الله تعالى ذكره عن التوراة، أن تكون تأمر بشيء مما يكرهه الله من أفعالهم, وأن يكون التصديق بها يدل على شيء من مخالفة أمر الله، وإعلام منه جل ثناؤه أن الذي يأمرهم بذلك أهواؤهم, والذي يحملهم عليه البغي والعدوان.* * *--------------الهوامش :(54) سلف شرحه لألفاظ هذه الآية : "ميثاق" ، "الطور" ، "الإيتاء" ، "قوة" ، فاطلبه في المواضع الآتية 2 : 156 ، 157 ، 160 والمراجع .(55) قائلة رجل من ضبة ، من بني ضرار يدعى جبير بن الضحاك ، ومن خبره أن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي والي البصرة في سنة 55 ، خطب على منبرها فحصبه جبير هذا ، فأمر به عبد الله بن عمرو فقطعت يده . فقال الرجز . ورفعوا الأمر إلى معاوية فعزله (تاريخ الطبري 6 : 167) .(56) في المطبوعة : "مما وصفنا" ، ليست شيئا .(57) انظر ما سلف 1 : 153 - 154 ، وهذا الجزء 2 : 293 ، 294 .(58) السحالة : ما سقط من الذهب والفضة ونحوهما إذا سحلا ، أي بردا بالمبرد .(59) حرقه : برده بالمبرد ، وانظر ما سلف من هذا الجزء 2 : 74 .(60) الأثر : 1564 - سلف برقم : 937 .(61) ديوانه : 339 ، وهو هناك"تشربه" بضم التاء وسكون الشين وكسر الراء ونصب"فؤادك" ، وشرحه فيه دليل على ذلك ، فإنه قال : "تدخله" وقال : "تشربه" تلزمه ولكن استدلال الطبري ، كما ترى يدل على ضبطه مبنيا للمجهول ، ورفع"فؤادك" . وحب داخل ، وداء داخل : قد خالط الجوف فأدخل الفساد على العقل والبدن .(62) هو طرفة بن العبد .(63) ديوانه : 343 (أشعار الستة الجاهليين) ، ونوادر أبي زيد : 83 ، واللسان (سود) . واختلف فيما أراد بقوله : "أسود" . قيل : الماء ، وقيل : المنية والموت . قال أبو زيد في نوادره : "يقال ما سقاني فلان من سويد قطرة ، (سويد : بالتصغير) هو الماء ، يدعى الأسود" . واستدل بالبيت . والصواب في ذلك أن يقال كما قال الطبري ، ويعني به : سوء ما لقى من هم وشقاء حالك في حب صاحبته الحنظلية ، التي ذكرها في شعره هذا قبل البيت :فقل لخيال الحنظلية ينقلبإليها, فإني واصل حبل من وصلألا إنما أبكى ليوم لقيتهبجرثم قاس, كل ما بعده جللإذا جاء ما لا بد منه فمرحبابه حين يأتي - لا كذاب ولا عللألا إنني . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . .ويروى : "ألا بجلى من الحياة" ، وهي أجود . . ورواية الديوان واللسان : (ألا إنني شربت) ، والتي هنا أجود . وقوله : "بجل" ، أي حسبي ما سقيت منك ومن الحياة .(64) السالخ من الحيات : الأسود الشديد السواد ، وهو أقتل ما يكون إذا سلخ جلده في إبانه من كل عام .(65) هرم بن سنان ، صاحب زهير بن أبي سلمى ، وحاتم : هو الطائي الذي لا يخفى له ذكر . وأكثر هذا في معاني القرآن للفراء 1 : 61 - 62 .(66) معاني القرآن للفراء 1 : 62 ، ومجالس ثعلب : 76 ، واللسان (غزا) ، ونسبه لجميل ، ولا أظنه إلا أخطأ ، لذكر جميل في البيت ، ولمشابهته لقول جميل :يقولون : جاهد يا جميل بغزوة!وأي جهاد غيرهن أريد?ولكن البيت من شعر آخر ، لم أهتد إليه بعد البحث ، ويريد الأول : وإن الجهاد جهاد طيئ وقتالها ، فحذف واجتزأ .(67) انظر ما سلف في معنى"الإيمان" 1 : 235 ، 2 : 143 وغيرهما .