الأربعاء، ٢١ يناير ٢٠٢٦
الأربعاء، ٢١ يناير ٢٠٢٦
facebookinstagramtwitter

عرض بالصفحات

Basmala
سُورَةُ الأَنۡعَامِ
هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ يَأۡتِيَ رَبُّكَ أَوۡ يَأۡتِيَ بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَۗ يَوۡمَ يَأۡتِي بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفۡسًا إِيمَٰنُهَا لَمۡ تَكُنۡ ءَامَنَتۡ مِن قَبۡلُ أَوۡ كَسَبَتۡ فِيٓ إِيمَٰنِهَا خَيۡرٗاۗ قُلِ ٱنتَظِرُوٓاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ  ١٥٨إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗا لَّسۡتَ مِنۡهُمۡ فِي شَيۡءٍۚ إِنَّمَآ أَمۡرُهُمۡ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ  ١٥٩مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ  ١٦٠قُلۡ إِنَّنِي هَدَىٰنِي رَبِّيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ دِينٗا قِيَمٗا مِّلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ  ١٦١قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ  ١٦٢لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ  ١٦٣قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِي رَبّٗا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيۡءٖۚ وَلَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٍ إِلَّا عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ  ١٦٤وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَٰٓئِفَ ٱلۡأَرۡضِ وَرَفَعَ بَعۡضَكُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمُۢ  ١٦٥
تفسير سُورَةُ الأَنۡعَامِ
هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ يَأۡتِيَ رَبُّكَ أَوۡ يَأۡتِيَ بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَۗ يَوۡمَ يَأۡتِي بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفۡسًا إِيمَٰنُهَا لَمۡ تَكُنۡ ءَامَنَتۡ مِن قَبۡلُ أَوۡ كَسَبَتۡ فِيٓ إِيمَٰنِهَا خَيۡرٗاۗ قُلِ ٱنتَظِرُوٓاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ  ١٥٨
التفسير الميسرهل ينتظر الذين أعرضوا وصدوا عن سبيل الله إلا أن يأتيهم ملك الموت وأعوانه لقبض أرواحهم، أو يأتي ربك -أيها الرسول- للفصل بين عباده يوم القيامة، أو يأتي بعض أشراط الساعة وعلاماتها الدالة على مجيئها، وهي طلوع الشمس من مغربها؟ فحين يكون ذلك لا ينفع نفسا إيمانها، إن لم تكن آمنت من قبل، ولا يُقبل منها إن كانت مؤمنة كسب عمل صالح إن لم تكن عاملة به قبل ذلك. قل لهم -أيها الرسول-: انتظروا مجيء ذلك؛ لتعلموا المحق من المبطل، والمسيء من المحسن، إنا منتظرون ذلك.
تفسير السعدييقول تعالى: هل ينظر هؤلاء الذين استمر ظلمهم وعنادهم، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ مقدمات العذاب، ومقدمات الآخرة بأن تأتيهم الْمَلَائِكَةِ لقبض أرواحهم، فإنهم إذا وصلوا إلى تلك الحال، لم ينفعهم الإيمان ولا صالح الأعمال. أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ لفصل القضاء بين العباد، ومجازاة المحسنين والمسيئين. أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ الدالة على قرب الساعة. يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ الخارقة للعادة، التي يعلم بها أن الساعة قد دنت، وأن القيامة قد اقتربت. لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا أي: إذا وجد بعض آيات الله لم ينفع الكافر إيمانه أن آمن، ولا المؤمنَ المقصر أن يزداد خيرُه بعد ذلك، بل ينفعه ما كان معه من الإيمان قبل ذلك، وما كان له من الخير المرجوِّ قبل أن يأتي بعض الآيات. والحكمة في هذا ظاهرة، فإنه إنما كان الإيمان ينفع إذا كان إيمانا بالغيب، وكان اختيارا من العبد، فأما إذا وجدت الآيات صار الأمر شهادة، ولم يبق للإيمان فائدة، لأنه يشبه الإيمان الضروري، كإيمان الغريق والحريق ونحوهما، ممن إذا رأى الموت، أقلع عما هو فيه كما قال تعالى: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وقد تكاثرت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد ببعض آيات الله، طلوع الشمس من مغربها، وأن الناس إذا رأوها، آمنوا، فلم ينفعهم إيمانهم، ويُغلق حينئذ بابُ التوبة. ولما كان هذا وعيدا للمكذبين بالرسول صلى الله عليه وسلم، منتظرا، وهم ينتظرون بالنبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه قوارع الدهر ومصائب الأمور، قال: قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ فستعلمون أينا أحق بالأمن. وفي هذه الآية دليل لمذهب أهل السنة والجماعة في إثبات الأفعال الاختيارية لله تعالى، كالاستواء والنزول، والإتيان لله تبارك وتعالى، من غير تشبيه له بصفات المخلوقين. وفي الكتاب والسنة من هذا شيء كثير، وفيه أن من جملة أشراط الساعة طلوع الشمس من مغربها. وأن الله تعالى حكيم قد جرت عادته وسنته، أن الإيمان إنما ينفع إذا كان اختياريا لا اضطراريا، كما تقدم. وأن الإنسان يكتسب الخير بإيمانه. فالطاعة والبر والتقوى إنما تنفع وتنمو إذا كان مع العبد الإيمان. فإذا خلا القلب من الإيمان لم ينفعه شيء من ذلك.
تفسير ابن كثيريقول تعالى متوعدا للكافرين به ، والمخالفين رسله والمكذبين بآياته ، والصادين عن سبيله : ( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك ) وذلك كائن يوم القيامة . ( أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك ) الآية ، وذلك قبل يوم القيامة كائن من أمارات الساعة وأشراطها كما قال البخاري في تفسير هذه الآية :حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا عبد الواحد ، حدثنا عمارة ، حدثنا أبو زرعة ، حدثنا أبو هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها ، فإذا رآها الناس آمن من عليها . فذلك حين ( لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ) .حدثنا إسحاق ، حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن همام بن منبه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها ، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون ، وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها " ثم قرأ هذه الآية .هكذا روي هذا الحديث من هذين الوجهين . ومن الوجه الأول أخرجه بقية الجماعة في كتبهم إلا الترمذي ، من طرق ، عن عمارة بن القعقاع بن شبرمة ، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير ، عن أبي هريرة ، به .وأما الطريق الثاني : فرواه عن إسحاق غير منسوب ، فقيل : هو ابن منصور الكوسج ، وقيل : إسحاق بن نصر والله أعلم .وقد رواه مسلم عن محمد بن رافع النيسابوري ، كلاهما عن عبد الرزاق ، به .وقد ورد هذا الحديث من طرق أخر عن أبي هريرة ، كما انفرد مسلم بروايته من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، به .وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا ابن فضيل ، عن أبيه ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاث إذا خرجن ( لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ) طلوع الشمس من مغربها ، والدجال ، ودابة الأرض "ورواه أحمد ، عن وكيع ، عن فضيل بن غزوان ، عن أبي حازم سلمان ، عن أبي هريرة به ، وعنده : " والدخان "ورواه مسلم ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وزهير بن حرب ، عن وكيع .ورواه هو أيضا والترمذي ، من غير وجه ، عن فضيل بن غزوان ، به .ورواه إسحاق بن عبد الله الفروي ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة . ولكن لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه ، لضعف الفروي ، والله أعلم .وقال ابن جرير : حدثنا الربيع بن سليمان ، حدثنا شعيب بن الليث ، عن أبيه ، عن جعفر بن ربيعة ، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها ، فإذا طلعت آمن الناس كلهم ، وذلك حين ( لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ) الآية .ورواه ابن لهيعة ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، به . ورواه وكيع ، عن فضيل بن غزوان ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، به .أخرج هذه الطرق كلها الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره .وقال ابن جرير : حدثنا الحسن بن يحيى ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها ، قبل منه "لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة .حديث آخر عن أبي ذر الغفاري : في الصحيحين وغيرهما ، من طرق ، عن إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي ، عن أبيه ، عن أبي ذر جندب بن جنادة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تدري أين تذهب الشمس إذا غربت؟ " قلت : لا أدري ، قال : " إنها تنتهي دون العرش ، ثم تخر ساجدة ، ثم تقوم حتى يقال لها : ارجعي فيوشك يا أبا ذر أن يقال لها : ارجعي من حيث جئت ، وذلك حين : ( لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ) .حديث آخر عن حذيفة بن أسيد أبي سريحة الغفاري ، رضي الله عنه :قال الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا سفيان ، عن فرات ، عن أبي الطفيل ، عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال : أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غرفة ، ونحن نتذاكر الساعة ، فقال : " لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات : طلوع الشمس من مغربها ، والدخان ، والدابة ، وخروج يأجوج ومأجوج ، وخروج عيسى ابن مريم ، والدجال ، وثلاثة خسوف : خسف بالمغرب ، وخسف بالمشرق ، وخسف بجزيرة العرب ، ونار تخرج من قعر عدن تسوق - أو : تحشر - الناس ، تبيت معهم حيث باتوا ، وتقيل معهم حيث قالوا "وهكذا رواه مسلم وأهل السنن الأربعة من حديث فرات القزاز ، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة ، عن حذيفة بن أسيد ، به . وقال الترمذي : حسن صحيح .حديث آخر عن حذيفة بن اليمان ، رضي الله عنه :قال الثوري ، عن منصور ، عن ربعي ، عن حذيفة قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، ما آية طلوع الشمس من مغربها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " تطول تلك الليلة حتى تكون قدر ليلتين ، فبينما الذين كانوا يصلون فيها ، يعملون كما كانوا يعملون قبلها والنجوم لا تسري ، قد قامت مكانها ، ثم يرقدون ، ثم يقومون فيصلون ، ثم يرقدون ، ثم يقومون فيطل عليهم جنوبهم حتى يتطاول عليهم الليل ، فيفزع الناس ولا يصبحون ، فبينما هم ينتظرون طلوع الشمس من مشرقها إذ طلعت من مغربها ، فإذا رآها الناس آمنوا ، ولا ينفعهم إيمانهم " .رواه ابن مردويه ، وليس في الكتب الستة من هذا الوجه والله أعلم .حديث آخر عن أبي سعيد الخدري - واسمه : سعد بن مالك بن سنان - رضي الله عنه وأرضاه :قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا ابن أبي ليلى ، عن عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها ) قال : " طلوع الشمس من مغربها " .ورواه الترمذي ، عن سفيان بن وكيع ، عن أبيه ، به . وقال : غريب ، ورواه بعضهم ولم يرفعه .وفي حديث طالوت بن عباد ، عن فضال بن جبير ، عن أبي أمامة صدي بن عجلان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أول الآيات طلوع الشمس من مغربها "وفي حديث عاصم بن أبي النجود ، عن زر بن حبيش ، عن صفوان بن عسال قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله فتح بابا قبل المغرب عرضه سبعون عاما للتوبة " ، قال : " لا يغلق حتى تطلع الشمس منه " رواه الترمذي وصححه النسائي ، وابن ماجه في حديث طويل .حديث آخر عن عبد الله بن أبي أوفى :قال ابن مردويه : حدثنا محمد بن علي بن دحيم ، حدثنا أحمد بن حازم ، حدثنا ضرار بن صرد ، حدثنا ابن فضيل ، عن سليمان بن زيد ، عن عبد الله بن أبي أوفى قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ليأتين على الناس ليلة تعدل ثلاث ليال من لياليكم هذه ، فإذا كان ذلك يعرفها المتنفلون ، يقوم أحدهم فيقرأ حزبه ، ثم ينام ، ثم يقوم فيقرأ حزبه ، ثم ينام . فبينما هم كذلك إذ صاح الناس بعضهم في بعض فقالوا : ما هذا؟ فيفزعون إلى المساجد ، فإذا هم بالشمس قد طلعت من مغربها ، فضج الناس ضجة واحدة ، حتى إذا صارت في وسط السماء رجعت وطلعت من مطلعها " قال : " حينئذ لا ينفع نفسا إيمانها "هذا حديث غريب من هذا الوجه وليس هو في شيء من الكتب الستة .حديث آخر عن عبد الله بن عمرو .قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدثنا أبو حيان ، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير قال : جلس ثلاثة نفر من المسلمين إلى مروان بالمدينة فسمعوه يقول - وهو يحدث في الآيات - : إن أولها خروج الدجال . قال : فانصرف النفر إلى عبد الله بن عمرو ، فحدثوه بالذي سمعوه من مروان في الآيات ، فقال لم يقل مروان شيئا قد حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل ذلك حديثا لم أنسه بعد ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة ضحى ، فأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها " ثم قال عبد الله - وكان يقرأ الكتب - : وأظن أولها خروجا طلوع الشمس من مغربها ، وذلك أنها كلما غربت أتت تحت العرش فسجدت واستأذنت في الرجوع فأذن لها في الرجوع ، حتى إذا بدا الله أن تطلع من مغربها فعلت كما كانت تفعل : أتت تحت العرش فسجدت واستأذنت في الرجوع ، فلم يرد عليها شيء ، ثم تستأذن في الرجوع فلا يرد عليها شيء ، ثم تستأذن فلا يرد عليها شيء ، حتى إذا ذهب من الليل ما شاء الله أن يذهب ، وعرفت أنه إذا أذن لها في الرجوع لم تدرك المشرق ، قالت : ربي ، ما أبعد المشرق . من لي بالناس . حتى إذا صار الأفق كأنه طوق استأذنت في الرجوع ، فيقال لها : من مكانك فاطلعي . فطلعت على الناس من مغربها " ، ثم تلا عبد الله هذه الآية : ( لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ) الآية .وأخرجه مسلم في صحيحه ، وأبو داود وابن ماجه ، في سننيهما ، من حديث أبي حيان التيمي - واسمه يحيى بن سعيد بن حيان - عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير ، به .حديث آخر عنه :قال الطبراني : حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حبان الرقي ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم - بن زبريق الحمصي - حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار ، حدثنا ابن لهيعة ، عن حيي بن عبد الله ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا طلعت الشمس من مغربها خر إبليس ساجدا ينادي ويجهر : إلهي ، مرني أن أسجد لمن شئت " قال : " فيجتمع إليه زبانيته فيقولون : يا سيدهم ، ما هذا التضرع؟ فيقول : إنما سألت ربي أن ينظر إلى الوقت المعلوم ، وهذا الوقت المعلوم " قال " ثم تخرج دابة الأرض من صدع في الصفا " قال : " فأول خطوة تضعها بأنطاكية فتأتي إبليس فتخطمه .هذا حديث غريب جدا وسنده ضعيف ولعله من الزاملتين اللتين أصابهما عبد الله بن عمرو يوم اليرموك ، فأما رفعه فمنكر ، والله أعلم .حديث آخر عن عبد الله بن عمرو ، وعبد الرحمن بن عوف ، ومعاوية بن أبي سفيان ، رضي الله عنهم أجمعين :قال الإمام أحمد : حدثنا الحكم بن نافع ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن ضمضم بن زرعة ، عن شريح بن عبيد يرده إلى مالك بن يخامر ، عن ابن السعدي ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل " فقال معاوية ، وعبد الرحمن بن عوف ، وعبد الله بن عمرو بن العاص : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الهجرة خصلتان : إحداهما تهجر السيئات ، والأخرى تهاجر إلى الله ورسوله ، ولا تنقطع ما تقبلت التوبة ، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه ، وكفي الناس العمل " هذا الحديث حسن الإسناد ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة ، والله أعلم .حديث آخر عن ابن مسعود ، رضي الله عنه :قال عوف الأعرابي ، عن محمد بن سيرين ، حدثني أبو عبيدة ، عن ابن مسعود ; أنه كان يقول : ما ذكر من الآيات فقد مضى غير أربع : طلوع الشمس من مغربها ، والدجال ، ودابة الأرض ، وخروج يأجوج ومأجوج . قال : وكان يقول : الآية التي تختم بها الأعمال طلوع الشمس من مغربها ، ألم تر أن الله يقول : ( يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها ) الآية كلها ، يعني طلوع الشمس من مغربها .حديث ابن عباس ، رضي الله عنهما :رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من حديث عبد المنعم بن إدريس ، عن أبيه ، عن وهب بن منبه ، عن ابن عباس رضي الله عنه مرفوعا - فذكر حديثا طويلا غريبا منكرا رفعه ، وفيه : " أن الشمس والقمر يطلعان يومئذ مقرونين وإذا نصفا السماء رجعا ثم عادا إلى ما كانا عليه " وهو حديث غريب جدا بل منكر ، بل موضوع ، والله أعلم إن ادعى أنه مرفوع ، فأما وقفه على ابن عباس أو وهب بن منبه - وهو الأشبه - فغير مدفوع والله أعلم .وقال سفيان ، عن منصور ، عن عامر ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : إذا خرج أول الآيات ، طرحت الأقلام ، وحبست الحفظة ، وشهدت الأجساد على الأعمال . رواه ابن جرير .فقوله عز وجل ( لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ) أي : إذا أنشأ الكافر إيمانا يومئذ لا يقبل منه ، فأما من كان مؤمنا قبل ذلك ، فإن كان مصلحا في عمله فهو بخير عظيم ، وإن كان مخلطا فأحدث توبة حينئذ لم تقبل منه توبته ، كما دلت عليه الأحاديث المتقدمة ، وعليه يحمل قوله تعالى : ( أو كسبت في إيمانها خيرا ) أي : ولا يقبل منها كسب عمل صالح إذا لم يكن عاملا به قبل ذلك .وقوله : ( قل انتظروا إنا منتظرون ) تهديد شديد للكافرين ، ووعيد أكيد لمن سوف بإيمانه وتوبته إلى وقت لا ينفعه ذلك . وإنما كان الحكم هذا عند طلوع الشمس من مغربها ، لاقتراب وقت القيامة ، وظهور أشراطها كما قال : ( فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم ) [ محمد : 18 ] ، وقال تعالى : ( فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون ) [ غافر : 84 ، 85 ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرونقوله تعالى هل ينظرون معناه أقمت عليهم الحجة وأنزلت عليهم الكتاب فلم يؤمنوا ، فماذا ينتظرون .هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أي عند الموت لقبض أرواحهم .أو يأتي ربك قال ابن عباس والضحاك : أمر ربك فيهم بالقتل أو غيره ، وقد يذكر المضاف إليه والمراد به المضاف ; كقوله تعالى : واسأل القرية يعني أهل القرية . وقوله : وأشربوا في قلوبهم العجل أي حب العجل . كذلك هنا : يأتي أمر ربك أي عقوبة ربك وعذاب ربك . ويقال : هذا من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله . وقد تقدم القول في مثله في " البقرة " وغيرها .أو يأتي بعض آيات ربك قيل : هو طلوع الشمس من مغربها . بين بهذا أنهم يمهلون في الدنيا فإذا ظهرت الساعة فلا إمهال .وقيل : إتيان الله تعالى مجيئه لفصل القضاء بين خلقه في موقف القيامة ; كما قال تعالى : وجاء ربك والملك صفا صفا . وليس مجيئه تعالى حركة ولا انتقالا ولا زوالا ; لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسما أو جوهرا . والذي عليه جمهور أئمة أهل السنة أنهم يقولون : يجيء وينزل ويأتي . ولا يكيفون ; لأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصيروفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا : طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض . وعن صفوان بن عسال المرادي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن بالمغرب بابا مفتوحا للتوبة مسيرة سبعين سنة لا يغلق حتى تطلع الشمس من نحوه . أخرجه الدارقطني والدارمي والترمذي وقال : هذا حديث حسن صحيح . وقال سفيان : قبل الشام ، خلقه الله يوم خلق السماوات والأرض . " مفتوحا " يعني للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه . قال : حديث حسن صحيح .قلت : وكذب بهذا كله الخوارج والمعتزلة كما تقدم . وروى ابن عباس قال : سمعت عمر بن الخطاب فقال : أيها الناس ، إن الرجم حق فلا تخدعن عنه ، وإن آية ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجم ، وأن أبا بكر قد رجم ، وأنا قد رجمنا بعدهما ، وسيكون قوم من هذه الأمة يكذبون بالرجم ، ويكذبون بالدجال ، ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها ، ويكذبون بعذاب القبر ، ويكذبون بالشفاعة ، ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعد ما امتحشوا . ذكره أبو عمر . وذكر الثعلبي في حديث فيه طول عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما معناه : أن الشمس تحبس عن الناس - حين تكثر المعاصي في الأرض ويذهب المعروف فلا يأمر به أحد ، ويفشو المنكر فلا ينهى عنه - مقدار ليلة تحت العرش ، كلما سجدت واستأذنت ربها تعالى من أين تطلع لم يجئ لها جواب حتى يوافيها القمر فيسجد معها ، ويستأذن من أين يطلع فلا يجاء إليهما جواب حتى يحبسا مقدار ثلاث ليال للشمس وليلتين للقمر ; فلا يعرف طول تلك الليلة إلا المتهجدون في الأرض وهم يومئذ عصابة قليلة في كل بلدة من بلاد المسلمين فإذا تم لهما مقدار ثلاث ليال أرسل الله تعالى إليهما جبريل عليه السلام فيقول : إن الرب سبحانه وتعالى يأمركما أن ترجعا إلى مغاربكما فتطلعا منه ، وأنه لا ضوء لكما عندنا ولا نور . فيطلعان من مغاربهما أسودين ، لا ضوء للشمس ولا نور للقمر ، مثلهما في كسوفهما قبل ذلك . فذلك قوله تعالى : وجمع الشمس والقمر وقوله : إذا الشمس كورت فيرتفعان كذلك مثل البعيرين المقرونين ; فإذا ما بلغ الشمس والقمر سرة السماء وهي منتصفها جاءهما جبريل عليه السلام فأخذ بقرونهما وردهما إلى المغرب ، فلا يغربهما من مغاربهما ولكن يغربهما من باب التوبة ثم يرد المصراعين ، ثم يلتئم ما بينهما فيصير كأنه لم يكن بينهما صدع . فإذا أغلق باب التوبة لم تقبل لعبد بعد ذلك توبة ، ولم تنفعه بعد ذلك حسنة يعملها ; إلا من كان قبل ذلك محسنا فإنه يجري عليه ما كان عليه قبل ذلك اليوم ; فذلك قوله تعالى : يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا .ثم إن الشمس والقمر يكسيان بعد ذلك الضوء والنور ، ثم يطلعان على الناس ويغربان كما كانا قبل ذلك يطلعان ويغربان . قال العلماء : وإنما لا ينفع نفسا إيمانها عند طلوعها من مغربها ; لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة من شهوات النفس ، وتفتر كل قوة من قوى البدن ; فيصير الناس كلهم لإيقانهم بدنو القيامة في حال من حضره الموت في انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم ، وبطلانها من أبدانهم ; فمن تاب في مثل هذه الحال لم تقبل توبته ، كما لا تقبل توبة من حضره الموت . قال صلى الله عليه وسلم : إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر أي تبلغ روحه رأس حلقه ، وذلك وقت المعاينة الذي يرى فيه مقعده من الجنة أو مقعده من النار ; فالمشاهد لطلوع الشمس من مغربها مثله . وعلى هذا ينبغي أن تكون توبة كل من شاهد ذلك أو كان كالمشاهد له مردودة ما عاش ; لأن علمه بالله تعالى وبنبيه صلى الله عليه وسلم وبوعده قد صار ضرورة . فإن امتدت أيام الدنيا إلى أن ينسى الناس من هذا الأمر العظيم ما كان ، ولا يتحدثوا عنه إلا قليلا ، فيصير الخبر عنه خاصا وينقطع التواتر عنه ; فمن أسلم في ذلك الوقت أو تاب قبل منه . والله أعلم .وفي صحيح مسلم عن عبد الله قال : حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لم أنسه بعد ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبا . وفيه عن حذيفة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غرفة ونحن أسفل منه ، فاطلع إلينا فقال : ما تذاكرون ؟ قلنا : الساعة . قال : إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات : خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف في جزيرة العرب والدخان والدجال ودابة الأرض ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس .قال شعبة : وحدثني عبد العزيز بن رفيع عن أبي الطفيل عن أبي سريحة مثل ذلك ، لا يذكر النبي صلى الله عليه وسلم . وقال أحدهما في العاشرة : ونزول عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم . وقال الآخر : وريح تلقي الناس في البحر . قلت : وهذا حديث متقن في ترتيب العلامات . وقد وقع بعضها وهي الخسوفات على ما ذكر أبو الفرج الجوزي من وقوعها بعراق العجم والمغرب . وهلك بسببها خلق كثير ; ذكره في كتاب فهوم الآثار وغيره . ويأتي ذكر الدابة في " النمل " . ويأجوج ومأجوج في " الكهف " . ويقال : إن الآيات تتابع كالنظم في الخيط عاما فعاما . وقيل : إن الحكمة في طلوع الشمس من مغربها أن إبراهيم عليه السلام قال لنمروذ : فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر وأن الملحدة والمنجمة عن آخرهم ينكرون ذلك ويقولون : هو غير كائن ; فيطلعها الله تعالى يوما من المغرب ليري المنكرين قدرته أن الشمس في ملكه ، إن شاء أطلعها من المشرق وإن شاء أطلعها من المغرب . وعلى هذا يحتمل أن يكون رد التوبة والإيمان على من آمن وتاب من المنكرين لذلك المكذبين لخبر النبي صلى الله عليه وسلم بطلوعها ، فأما المصدقون لذلك فإنه تقبل توبتهم وينفعهم إيمانهم قبل ذلك . وروي عن عبد الله بن عباس أنه قال : لا يقبل من كافر عمل ولا توبة إذا أسلم حين يراها ، إلا من كان صغيرا يومئذ ; فإنه لو أسلم بعد ذلك قبل ذلك منه . ومن كان مؤمنا مذنبا فتاب من الذنب قبل منه . وروي عن عمران بن حصين أنه قال : إنما لم تقبل توبته وقت طلوع الشمس حين تكون صيحة فيهلك فيها كثير من الناس ; فمن أسلم أو تاب في ذلك الوقت وهلك لم تقبل توبته ، ومن تاب بعد ذلك قبلت توبته ; ذكره أبو الليث السمرقندي في تفسيره . وقال عبد الله بن عمر : يبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة حتى يغرسوا النخل . والله بغيبه أعلم .وقرأ ابن عمر وابن الزبير ( يوم تأتي ) بالتاء ; مثل ( تلتقطه بعض السيارة ) . وذهبت بعض أصابعه . وقال جرير :لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشعقال المبرد : التأنيث على المجاورة لمؤنث لا على الأصل . وقرأ ابن سيرين ( لا تنفع ) بالتاء . قال أبو حاتم : يذكرون أن هذا غلط من ابن سيرين . قال النحاس : في هذا شيء دقيق من النحو ذكره سيبويه ، وذلك أن الإيمان والنفس كل واحد منهما مشتمل على الآخر فأنث الإيمان إذ هو من النفس وبها ; وأنشد سيبويه :مشين كما اهتزت رماح تسفهت أعاليها مر الرياح النواسمقال المهدوي : وكثيرا ما يؤنثون فعل المضاف المذكر إذا كانت إضافته إلى مؤنث ، وكان المضاف بعض المضاف إليه منه أو به ; وعليه قول ذي الرمة : مشين . . . البيت فأنث المر لإضافته إلى الرياح وهي مؤنثة ، إذ كان المر من الرياح . قال النحاس : وفيه قول آخر وهو أن يؤنث الإيمان لأنه مصدر كما يذكر المصدر المؤنث ; مثل فمن جاءه موعظة من ربه وكما قال :فقد عذرتنا في صحابته العذرففي أحد الأقوال أنث العذر لأنه بمعنى المعذرة .قل انتظروا إنا منتظرون بكم العذاب .
تفسير الطبريهل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربكالقول في تأويل قوله تعالى : هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يقول جل ثناؤه : هل ينتظر هؤلاء العادلون بربهم الأوثان والأصنام , إلا أن تأتيهم الملائكة بالموت فتقبض أرواحهم , أو أن يأتيهم ربك يا محمد بين خلقه في موقف القيامة أو يأتي بعض آيات ربك يقول : أو أن يأتيهم بعض آيات ربك ; وذلك فيما قال أهل التأويل : طلوع الشمس من مغربها . ذكر من قال من أهل التأويل ذلك : 11050 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : إلا أن تأتيهم الملائكة يقول : عند الموت حين توفاهم , أو يأتي ربك ذلك يوم القيامة . أو يأتي بعض آيات ربك طلوع الشمس من مغربها . 11051 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة : إلا أن تأتيهم الملائكة بالموت , أو يأتي ربك يوم القيامة , أو يأتي بعض آيات ربك قال : آية موجبة طلوع الشمس من مغربها , أو ما شاء الله . - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قوله : هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة يقول : بالموت , أو يأتي ربك وذلك يوم القيامة , أو يأتي بعض آيات ربك . 11052 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي , هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة عند الموت , أو يأتي بعض آيات ربك يقول : طلوع الشمس من مغربها . 11053 - حدثنا ابن وكيع وابن حميد , قالا : ثنا جرير , عن منصور , عن أبي الضحى , عن مسروق , قال : قال عبد الله في قوله : هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك قال : يصبحون والشمس والقمر من هنا من قبل المغرب كالبعيرين القرينين . زاد ابن حميد في حديثه : فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا وقال : كالبعيرين المقترنين . 11054 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قوله : هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة تقبض الأنفس بالموت , أو يأتي ربك يوم القيامة , أو يأتي بعض آيات ربك .يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراالقول في تأويل قوله تعالى : يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا . يقول تعالى ذكره : يوم يأتي بعض آيات ربك , لا ينفع من كان قبل ذلك مشركا بالله أن يؤمن بعد مجيء تلك الآية . وقيل : إن تلك الآية التي أخبر الله جل ثناؤه أن الكافر لا ينفعه إيمانه عند مجيئها : طلوع الشمس من مغربها . ذكر من قال ذلك وما ذكر فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : 11055 - حدثني عيسى بن عثمان الرملي , قال : ثنا يحيى بن عيسى , عن ابن أبي ليلى , عن عطية , عن أبي سعيد الخدري , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها قال : " طلوع الشمس من مغربها " . * حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن ابن أبي ليلى , عن عطية , عن أبي سعيد , عن النبي صلى الله عليه وسلم , مثله . 11056 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا محمد بن فضيل , وجرير عن عمارة , عن أبي زرعة , عن أبي هريرة , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها " قال : " فإذا رآها الناس آمن من عليها , فتلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل , أو كسبت في إيمانها خيرا " . 11057 - حدثنا عبد الحميد بن بيان اليشكري وإسحاق بن شاهين , قالا : أخبرنا خالد بن عبد الله الطحان , عن يونس , عن إبراهيم التيمي , عن أبيه , عن أبي ذر , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما : " أتدرون أين تذهب هذه الشمس ؟ " قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : " إنها تذهب إلى مستقرها تحت العرش , فتخر ساجدة , فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي من حيث شئت , فتصبح طالعة من مطلعها . ثم تجري إلى أن تنتهي إلى مستقر لها تحت العرش , فتخر ساجدة , فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي من حيث شئت فتصبح طالعة من مطلعها . ثم تجري لا ينكر الناس منها شيئا , حتى تنتهي فتخر ساجدة في مستقر لها تحت العرش , فيصبح الناس لا ينكرون منها شيئا , فيقال لها : اطلعي من مغربك ! فتصبح طالعة من مغربها " . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتدرون أي يوم ذلك ؟ " قالوا : الله ورسوله أعلم , قال : " ذاك يوم لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل , أو كسبت في إيمانها خيرا " . - حدثنا مؤمل بن هشام ويعقوب بن إبراهيم , قالا : ثنا ابن علية , عن يونس , عن إبراهيم بن يزيد التيمي , عن أبيه , عن أبي ذر , عن النبي صلى الله عليه وسلم , نحوه . 11058 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا عبيد الله , عن إسرائيل , عن عاصم , عن زر , عن صفوان بن عسال , قال : ثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من قبل مغرب الشمس بابا مفتوحا للتوبة حتى تطلع الشمس من نحوه , فإذا طلعت الشمس من نحوه . لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا " . - حدثنا المفضل بن إسحاق , قال : ثنا أشعث بن عبد الرحمن بن زبيد اليامي , عن أبيه , عن زبيد , عن زر بن حبيش , عن صفوان بن عسال المرادي , قال : ذكرت التوبة , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " للتوبة باب بالمغرب مسيرة سبعين عاما أو أربعين عاما , فلا يزال كذلك حتى يأتي بعض آيات ربك " . - حدثني محمد بن عمارة , قال : ثنا سهل بن عامر , قال : ثنا مالك , عن عاصم بن أبي النجود , عن زر بن حبيش , عن صفوان بن عسال , أنه قال : " إن بالمغرب بابا مفتوحا للتوبة مسيرة سبعين عاما , فإذا طلعت الشمس من مغربها , لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل , أو كسبت في إيمانها خيرا " . - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن فضيل , عن عمارة بن القعقاع , عن أبي زرعة , عن أبي هريرة , قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها , فإذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها , فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل " . - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا خالد بن مخلد , قال : ثنا محمد بن جعفر , عن العلاء , عن أبيه , عن أبي هريرة , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها , فيومئذ يؤمن الناس كلهم أجمعون , وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل , أو كسبت في إيمانها خيرا " . 11059 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن أبي عون , عن ابن سيرين , عن أبي هريرة , قال : التوبة مقبولة ما لم تطلع الشمس من مغربها . 11060 - حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي , قال : ثنا سليمان بن عبد الرحمن , قال : ثنا ابن عياش , قال : ثنا ضمضم بن زرعة , عن شريح بن عبيد , عن مالك بن يخامر , عن معاوية بن أبي سفيان وعبد الرحمن بن عوف , وعبد الله بن عمرو بن العاص , عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال : " لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها , فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه , وكفي الناس العمل " . * حدثنا أبو كريب , قال : ثنا أبو أسامة وجعفر بن عون , بنحوه . 11061 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن أبي حيان التيمي , عن أبي زرعة , قال : جلس ثلاثة من المسلمين إلى مروان بن الحكم بالمدينة , فسمعوه وهو يحدث عن الآيات , أن أولها خروجا الدجال . فانصرف القوم إلى عبد الله بن عمرو , فحدثوه بذلك , فقال : لم يقل مروان شيئا , قد حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيئا لم أنسه , لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن أول الآيات خروجا : طلوع الشمس من مغربها , أو خروج الدابة على الناس ضحى , أيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبا " . ثم قال عبد الله بن عمرو وكان يقرأ الكتب : أظن أولهما خروجا طلوع الشمس من مغربها ; وذلك أنها كلما غربت أتت تحت العرش , فسجدت واستأذنت في الرجوع , فيؤذن لها في الرجوع , حتى إذا بدا لله أن تطلع من مغربها فعلت كما كانت تفعل أتت تحت العرش , فسجدت واستأذنت في الرجوع , فلم يرد عليها شيئا , فتفعل ذلك ثلاث مرات لا يرد عليها بشيء , حتى إذا ذهب من الليل ما شاء الله أن يذهب , وعرفت أن لو أذن لها لم تدرك المشرق , قالت : ما أبعد المشرق رب من لي بالناس , حتى إذا صار الأفق كأنه طوق استأذنت في الرجوع , فقيل لها : اطلعي من مكانك ! فتطلع من مغربها . ثم قرأ : يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها . .. إلى آخر الآية . - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو ربيعة فهد , قال : ثنا حماد , عن يحيى بن سعيد أبي حيان , عن الشعبي , أن ثلاثة نفر دخلوا على مروان بن الحكم , فذكر نحوه , عن عبد الله بن عمرو . - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , قال : سمعت عاصم بن أبي النجود يحدث عن زر بن حبيش , عن صفوان بن عسال , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن بالمغرب بابا مفتوحا للتوبة مسيرة سبعين عاما , لا يغلق حتى تطلع الشمس من نحوه " . 11062 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبو خالد , عن حجاج , عن عاصم , عن زر بن حبيش , عن صفوان بن عسال , قال : إذا طلعت الشمس من مغربها , فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل . - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو ربيعة فهد , قال : ثنا عاصم بن بهدلة , عن زر بن حبيش , قال : غدونا إلى صفوان بن عسال , فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال : " إن باب التوبة مفتوح من قبل المغرب , عرضه مسيرة سبعين عاما , فلا يزال مفتوحا حتى تطلع من قبله الشمس " . ثم قرأ : هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك . .. إلى : خيرا . - حدثني الربيع بن سليمان , قال : ثنا شعيب بن الليث , قال : ثنا الليث , عن جعفر بن ربيعة , عن عبد الرحمن بن هرمز , أنه قال : قال أبو هريرة , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من المغرب " , قال : " فإذا طلعت الشمس من المغرب آمن الناس كلهم وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل , أو كسبت في إيمانها خيرا " . 11063 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن أيوب , عن ابن سيرين , عن أبي هريرة , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها قبل منه " . 11064 - حدثني المثنى , قال : ثنا فهد , قال : ثنا حماد , عن يونس بن عبيد , عن إبراهيم بن يزيد التيمي , عن أبي ذر , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال : " إن الشمس إذا غربت , أتت تحت العرش فسجدت , فيقال لها : اطلعي من حيث غربت ! " ثم قرأ هذه الآية : هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة . .. إلى آخر الآية . 11065 - حدثني المثنى , قال : ثنا يزيد بن هارون , عن سفيان بن حسين , عن الحكم , عن إبراهيم التيمي , عن أبيه , عن أبي ذر , قال : كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم على حمار , فنظر إلى الشمس حين غربت , فقال : " إنها تغرب في عين حمئة , تنطلق حتى تخر لربها ساجدة تحت العرش حتى يأذن لها , فإذا أراد أن يطلعها من مغربها حبسها , فتقول : يا رب إن مسيري بعيد , فيقول لها : اطلعي من حيث غربت ! فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل " . - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبدة , عن موسى بن المسيب , عن إبراهيم التيمي , عن أبيه , عن أبي ذر قال : نظر النبي صلى الله عليه وسلم يوما إلى الشمس فقال : " يوشك أن تجيء حتى تقف بين يدي الله , فيقول : ارجعي من حيث جئت ! فعند ذلك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل , أو كسبت في إيمانها خيرا " . 11066 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قوله : يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا فهو أنه لا ينفع مشركا إيمانه عند الآيات , وينفع أهل الإيمان عند الآيات إن كانوا اكتسبوا خيرا قبل ذلك . قال ابن عباس : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية من العشيات , فقال لهم : " يا عباد الله , توبوا إلى الله ! فإنكم توشكون أن تروا الشمس من قبل المغرب , فإذا فعلت ذلك حبست التوبة وطوي العمل وختم الإيمان " . فقال الناس : هل لذلك من آية يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن آية تلكم الليلة أن تطول كقدر ثلاث ليال , فيستيقظ الذين يخشون ربهم فيصلون له , ثم يقضون صلاتهم والليل مكانه لم ينقض , ثم يأتون مضاجعهم فينامون , حتى إذا استيقظوا والليل مكانه , فإذا رأوا ذلك خافوا أن يكون ذلك بين يدي أمر عظيم , فإذا أصبحوا وطال عليهم طلوع الشمس . فبينا هم ينتظرونها إذ طلعت عليهم من قبل المغرب , فإذا فعلت ذلك , لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل " . - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن صالح مولى التوأمة , عن أبي هريرة , أنه سمعه يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها , فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا كلهم أجمعون , فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها " . .. الآية . 11067 - وبه قال : حدثني حجاج , قال : قال ابن جريج : أخبرني ابن أبي عتيق , أنه سمع عبيد بن عمير يتلو : يوم يأتي بعض آياته ربك لا ينفع نفسا إيمانها قال : يقول : نتحدث والله أعلم أنها الشمس تطلع من مغربها . قال ابن جريج : وأخبرني عمرو بن دينار , أنه سمع عبيد بن عمير يقول ذلك . قال ابن جريج : وأخبرني عبد الله بن أبي مليكة , أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول : إن الآية التي لا ينفع نفسا إيمانها إذا طلعت الشمس من مغربها . قال ابن جريج : وقال مجاهد ذلك أيضا . 11068 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن شعبة , عن قتادة , عن زرارة بن أوفى , عن ابن مسعود : يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها قال : طلوع الشمس من مغربها . - حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى , قالا : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , قال : سمعت قتادة يحدث عن زرارة بن أوفى , عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية : يوم يأتي بعض آيات ربك قال : طلوع الشمس من مغربها . 11069 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي وعبد الوهاب بن عوف , عن ابن سيرين , قال : ثني أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود , قال : كان عبد الله بن مسعود يقول : ما ذكر من الآيات فقد مضين غير أربع : طلوع الشمس من مغربها , ودابة الأرض , والدجال , وخروج يأجوج ومأجوج . والآية التي تختم بها الأعمال : طلوع الشمس من مغربها , ألم تر أن الله قال : يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ؟ قال : فهي طلوع الشمس من مغربها . - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن شعبة , عن سليمان , عن أبي الضحى , عن مسروق , قال : قال عبد الله : يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها قال : طلوع الشمس من مغربها مع القمر , كأنهما بعيران مقرونان . * قال شعبة : وحدثنا قتادة , عن زرارة , عن عبد الله بن مسعود : يوم يأتي بعض آيات ربك قال : طلوع الشمس من مغربها . - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا جرير , عن الأعمش , عن أبي الضحى , عن مسروق , عن عبد الله بن مسعود : يوم يأتي بعض آيات ربك قال : طلوع الشمس من مغربها مع القمر كالبعيرين المقترنين . - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن منصور والأعمش , عن أبي الضحى , عن مسروق عن عبد الله : يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها قال : طلوع الشمس من مغربها مع القمر كالبعيرين القرينين . 11070 - وقال : ثنا أبي , عن إسرائيل وأبيه , عن أشعث بن أبي الشعثاء , عن أبيه , عن عبد الله , قال : التوبة مبسوطة ما لم تطلع الشمس من مغربها . 11071 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قال : ذكر لنا أن ابن أم عبد كان يقول : لا يزال باب التوبة مفتوحا حتى تطلع الشمس من مغربها , فإذا رأى الناس ذلك آمنوا , وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا . - حدثنا بشر , قال : ثنا عبد الله بن جعفر , قال : ثنا العلاء بن عبد الرحمن , عن أبيه , عن أبي هريرة , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها , فإذا طلعت آمن الناس كلهم , فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل , أو كسبت في إيمانها خيرا " . - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن عيينة , عن عمرو بن دينار , عن عبيد بن عمير : يوم يأتي بعض آيات ربك قال : طلوع الشمس من مغربها . 11072 - وقال : حدثنا أبي , عن الحسن بن عقبة أبي كبران , عن الضحاك : يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها قال : طلوع الشمس من مغربها . - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا إسرائيل , قال : أخبرني أشعث بن أبي الشعثاء , عن أبيه , عن ابن مسعود , في قوله : لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل قال : لا تزال التوبة مبسوطة ما لم تطلع الشمس من مغربها . 11073 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , في قول الله : يوم يأتي بعض آيات ربك قال : طلوع الشمس من مغربها . 11074 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني أبو صخر , عن القرظي أنه كان يقول في هذه الآية : يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل يقول : إذا جاءت الآيات لم ينفع نفسا إيمانها , يقول : طلوع الشمس من مغربها . - حدثني الحارث , قال : ثنا عبد العزيز , قال : ثنا سفيان الثوري , عن عاصم بن أبي النجود , عن زر بن حبيش , عن صفوان بن عسال : يوم يأتي بعض آيات ربك قال : طلوع الشمس من مغربها . - حدثني الحارث , قال : ثنا عبد العزيز , قال : ثنا إسرائيل , عن أبي إسحاق , عن وهب بن جابر , عن عبد الله بن عمرو : يوم يأتي بعض آيات ربك قال : طلوع الشمس من مغربها . وقال آخرون : بل ذلك بعض الآيات الثلاثة : الدابة , ويأجوج ومأجوج , وطلوع الشمس من مغربها . ذكر من قال ذلك : 11075 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا جعفر بن عون , عن المسعودي , عن القاسم , قال : قال عبد الله : التوبة معروضة على ابن آدم إن قبلها ما لم تخرج إحدى ثلاث : ما لم تطلع الشمس من مغربها , أو الدابة , أو فتح يأجوج ومأجوج . - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : ثنا المسعودي , عن القاسم بن عبد الرحمن , قال : قال عبد الله : التوبة معروضة على ابن آدم إن قبلها ما لم تخرج إحدى ثلاث : الدابة , وطلوع الشمس من مغربها , وخروج يأجوج ومأجوج . 11076 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن منصور , عن عامر , عن عائشة , قالت : إذا خرج أول الآيات طرحت الأقلام , وحبست الحفظة , وشهدت الأجساد على الأعمال . 11077 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن فضيل , عن أبيه , عن أبي حازم , عن أبي هريرة , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاث إذا خرجت لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا : طلوع الشمس من مغربها , والدجال , ودابة الأرض " . 11078 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا معاوية بن عبد الكريم , قال : ثنا الحسن , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بادروا بالأعمال ستا : طلوع الشمس من مغربها , والدجال والدخان , ودابة الأرض , وخويصة أحدكم , وأمر العامة " . 11079 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قال : ذكر أن نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول , فذكر نحوه . وأولى الأقوال بالصواب في ذلك , ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ذلك حين تطلع الشمس من مغربها " . وأما قوله : أو كسبت في إيمانها خيرا فإنه يعني : أو عملت في تصديقها بالله خيرا من عمل صالح تصدق قيله , وتحققه من قبل طلوع الشمس من مغربها , لا ينفع كافرا لم يكن آمن بالله قبل طلوعها , كذلك إيمانه بالله إن آمن وصدق بالله ورسله , لأنها حالة لا تمتنع نفس من الإقرار بالله العظيم لهول الوارد عليهم من أمر الله , فحكم إيمانهم كحكم إيمانهم عند قيام الساعة ; وتلك حال لا يمتنع الخلق من الإقرار بوحدانية الله لمعاينتهم من أهوال ذلك اليوم ما ترتفع معه حاجتهم إلى الفكر والاستدلال والبحث والاعتبار , ولا ينفع من كان بالله وبرسله مصدقا ولفرائض الله مضيعا غير مكتسب بجوارحه لله طاعة إذا هي طلعت من مغربها أعماله إن عمل , وكسبه إن اكتسب , لتفريطه الذي سلف قبل طلوعها في ذلك . كما : 11080 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا يقول : كسبت في تصديقها خيرا عملا صالحا , فهؤلاء أهل القبلة . وإن كانت مصدقة ولم تعمل قبل ذلك خيرا فعملت بعد أن رأت الآية لم يقبل منها . وإن عملت قبل الآية خيرا ثم عملت بعد الآية خيرا , قبل منها . 11081 - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ , قال : ثنا عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك يقول , في قوله : يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها قال : من أدركه بعض الآيات وهو على عمل صالح مع إيمانه قبل الله منه العمل بعد نزول الآية كما قبل منه قبل ذلك .قل انتظروا إنا منتظرونالقول في تأويل قوله تعالى : قل انتظروا إنا منتظرون . يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام : انتظروا أن تأتيكم الملائكة بالموت , فتقبض أرواحكم , أو أن يأتي ربك لفصل القضاء بيننا وبينكم في موقف القيامة , أو أن يأتيكم طلوع الشمس من مغربها , فتطوى صحائف الأعمال , ولا ينفعكم إيمانكم حينئذ إن آمنتم , حتى تعلموا حينئذ المحق منا من المبطل , والمسيء من المحسن , والصادق من الكاذب , وتتبينوا عند ذلك بمن يحيق عذاب الله وأليم نكاله , ومن الناجي منا ومنكم ومن الهالك , إنا منتظرو ذلك , ليجزل الله لنا ثوابه على طاعتنا إياه , وإخلاصنا العبادة له , وإفرادناه بالربوبية دون ما سواه , ويفصل بيننا وبينكم بالحق , وهو خير الفاصلين .
إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗا لَّسۡتَ مِنۡهُمۡ فِي شَيۡءٍۚ إِنَّمَآ أَمۡرُهُمۡ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ  ١٥٩
التفسير الميسرإن الذين فرقوا دينهم بعد ما كانوا مجتمعين على توحيد الله والعمل بشرعه، فأصبحوا فرقا وأحزابا، إنك -أيها الرسول- بريء منهم، إنما حكمهم إلى الله تعالى، ثم يخبرهم بأعمالهم، فيجازي من تاب منهم وأحسن بإحسانه، ويعاقب المسيء بإساءته.
تفسير السعدييتوعد تعالى الذين فرقوا دينهم، أي: شتتوه وتفرقوا فيه، وكلٌّ أخذ لنفسه نصيبا من الأسماء التي لا تفيد الإنسان في دينه شيئا، كاليهودية والنصرانية والمجوسية. أو لا يكمل بها إيمانه، بأن يأخذ من الشريعة شيئا ويجعله دينه، ويدع مثله، أو ما هو أولى منه، كما هو حال أهل الفرقة من أهل البدع والضلال والمفرقين للأُمة. ودلت الآية الكريمة أن الدين يأمر بالاجتماع والائتلاف، وينهى عن التفرق والاختلاف في أهل الدين، وفي سائر مسائله الأصولية والفروعية. وأمره أن يتبرأ ممن فرقوا دينهم فقال: لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ أي لست منهم وليسوا منك، لأنهم خالفوك وعاندوك. إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ يردون إليه فيجازيهم بأعمالهم ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ
تفسير ابن كثيرقال مجاهد ، وقتادة ، والضحاك ، والسدي : نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى .وقال العوفي ، عن ابن عباس في قوله : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ) وذلك أن اليهود والنصارى اختلفوا قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم ، فتفرقوا . فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم أنزل : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) الآية .وقال ابن جرير : حدثني سعد بن عمرو السكوني ، حدثنا بقية بن الوليد : كتب إلي عباد بن كثير ، حدثني ليث ، عن طاوس ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن في هذه الأمة ( الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) وليسوا منك ، هم أهل البدع ، وأهل الشبهات ، وأهل الضلالة ، من هذه الأمة "لكن هذا الإسناد لا يصح ، فإن عباد بن كثير متروك الحديث ، ولم يختلق هذا الحديث ، ولكنه وهم في رفعه . فإنه رواه سفيان الثوري ، عن ليث - وهو ابن أبي سليم - عن طاوس ، عن أبي هريرة ، في قوله : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ) قال : نزلت في هذه الأمة .وقال أبو غالب ، عن أبي أمامة ، في قوله : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ) قال : هم الخوارج . وروي عنه مرفوعا ، ولا يصح .وقال شعبة ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن شريح ، عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ) قال : " هم أصحاب البدع " .وهذا رواه ابن مردويه ، وهو غريب أيضا ولا يصح رفعه .والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفا له ، فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق ، فمن اختلف فيه ( وكانوا شيعا ) أي : فرقا كأهل الملل والنحل - وهي الأهواء والضلالات - فالله قد برأ رسوله مما هم فيه . وهذه الآية كقوله تعالى : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) الآية [ الشورى : 13 ] ، وفي الحديث : " نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ، ديننا واحد "فهذا هو الصراط المستقيم ، وهو ما جاءت به الرسل ، من عبادة الله وحده لا شريك له ، والتمسك بشريعة الرسول المتأخر ، وما خالف ذلك فضلالات وجهالات وآراء وأهواء ، الرسل برآء منها ، كما قال : ( لست منهم في شيء ) .وقوله : ( إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ) كقوله ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد ) [ الحج : 17 ] ، ثم بين فضله يوم القيامة في حكمه وعدله فقال :
تفسير القرطبيقوله تعالى إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلونقوله تعالى إن الذين فرقوا دينهم قرأه حمزة والكسائي ( فارقوا ) بالألف ، وهي قراءة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ; من المفارقة والفراق . على معنى أنهم تركوا دينهم وخرجوا عنه . وكان علي يقول : والله ما فرقوه ولكن فارقوه . وقرأ الباقون بالتشديد ; إلا النخعي فإنه قرأ ( فرقوا ) مخففا ; أي آمنوا ببعض وكفروا ببعض . والمراد اليهود والنصارى في قول مجاهد وقتادة والسدي والضحاك . وقد وصفوا بالتفرق ; قال الله تعالى : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة . وقال : ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله . وقيل : عنى المشركين ، عبد بعضهم الصنم وبعضهم الملائكة . وقيل : الآية عامة في جميع الكفار . وكل من ابتدع وجاء بما لم يأمر الله عز وجل به فقد فرق دينه . وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية إن الذين فرقوا دينهم هم أهل البدع والشبهات ، وأهل الضلالة من هذه الأمة . وروى بقية بن الوليد حدثنا شعبة بن الحجاج حدثنا مجالد عن الشعبي عن شريح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة : إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا إنما هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأمة ، يا عائشة إن لكل صاحب ذنب توبة غير أصحاب البدع وأصحاب الأهواء ليس لهم توبة وأنا بريء منهم وهم منا برآء . وروى ليث بن أبي سليم عن طاوس عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ( إن الذين فارقوا دينهم ) .ومعنى شيعا فرقا وأحزابا . وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيع .لست منهم في شيء فأوجب براءته منهم ; وهو كقوله عليه السلام : من غشنا فليس منا أي نحن برآء منه . وقال الشاعر :إذا حاولت في أسد فجورا فإني لست منك ولست منيأي أنا أبرأ منك . وموضع في شيء نصب على الحال من المضمر الذي في الخبر ; قاله أبو علي . وقال الفراء هو على حذف مضاف . المعنى : لست من عقابهم في شيء ، وإنما عليك الإنذار .إنما أمرهم إلى الله تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159)قال أبو جعفر: اختلف القرأة في قراءة قوله: (فرقوا) .فروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه, ما:14252- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن أبي إسحاق, عن عمرو بن دينار, أن عليًّا رضي الله عنه قرأ: " إنَّ الَّذِينَ فَارَقُوا دِينَهُمْ" .14253- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير قال، قال حمزة الزيات: قرأها علي رضي الله عنه: " فَارَقُوا دِينَهُمْ" .14254- . . . وقال، حدثنا الحسن بن علي, عن سفيان, عن قتادة: " فَارَقُوا دِينَهُمْ".* * *وكأن عليًّا ذهب بقوله: " فارقوا دينهم "، خرجوا فارتدوا عنه، من " المفارقة ".* * *وقرأ ذلك عبد الله بن مسعود, كما:-14255- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن رافع, عن زهير قال، حدثنا أبو إسحاق أن عبد الله كان يقرؤها: (فَرَّقوا دِينَهُمْ) .* * *وعلى هذه القراءة = أعني قراءة عبد الله = قرأة المدينة والبصرة وعامة قرأة الكوفيين . وكأنّ عبد الله تأوّل بقراءته ذلك كذلك: أن دين الله واحد, وهو دين إبراهيم الحنيفية المسلمة, ففرّق ذلك اليهود والنصارى, فتهوّد قومٌ وتنصَّر آخرون, فجعلوه شيعًا متفرقة .* * *قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان, قد قرأت بكل واحدة منهما أئمة من القرأة, وهما متفقتا المعنى غير مختلفتيه . وذلك أن كل ضالّ فلدينه مفارق, وقد فرَّق الأحزابُ دينَ الله الذي ارتضاه لعباده, فتهود بعض وتنصر آخرون, وتمجس بعض. وذلك هو " التفريق " بعينه، ومصير أهله شيعًا متفرقين غير مجتمعين, فهم لدين الله الحقِّ مفارقون، وله مفرِّقون. (52) فبأيِّ ذلك قرأ القارئ فهو للحق مصيب, غير أني أختار القراءة بالذي عليه عُظْم القرأة, وذلك تشديد " الراء " من " فرقوا " .* * *ثم اختلف أهل التأويل في المعنيين بقوله: (إن الذين فرّقوا دينهم).فقال بعضهم: عنى بذلك اليهود والنصارى .* ذكر من قال ذلك:14256- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: (وكانوا شيعًا)، قال: يهود .14257- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, بنحوه .14258- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (فرقوا دينهم)، قال: هم اليهود والنصارى.14259- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا)، من اليهود والنصارى.14260- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء)، هؤلاء اليهود والنصارى . وأما قوله: (فارقوا دينهم)، فيقول: تركوا دينهم وكانوا شيعًا . (53)14261- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا)، وذلك أن اليهود والنصارى اختلفوا قبل أن يبعث محمد، فتفرقوا. فلما بعث محمد أنزل الله: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء) .14262- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا)، يعني اليهود والنصارى .14263- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حسين بن علي, عن شيبان, عن قتادة: " فارقوا دينهم "، قال: هم اليهود والنصارى .* * *وقال آخرون: عنى بذلك أهلَ البدع من هذه الأمة، الذين اتبعوا متشابه القرآن دون محكمه .* ذكر من قال ذلك:14264- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن ليث, عن طاوس, عن أبي هريرة قال: (إن الذين فرقوا دينهم)، قال: نزلت هذه الآية في هذه الأمة . (54)14265- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن ليث, عن طاوس, عن أبي هريرة: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا)، قال: هم أهل الصلاة . (55)14266- حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال، حدثنا بقية بن الوليد قال: كتب إليّ عباد بن كثير قال، حدثني ليث, عن طاوس, عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، في هذه الآية: إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء)، وليسوا منك, هم أهل البدع، وأهل الشبهات، وأهل الضلالة من هذه الأمة . (56)* * *قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنه بريء ممن فارق دينه الحق وفرقه, وكانوا فرقًا فيه وأحزابًا شيعًا, وأنه ليس منهم. ولا هم منه، لأن دينه الذي بعثه الله به هو الإسلام، دين إبراهيم الحنيفية، كما قال له ربه وأمره أن يقول: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [سورة الأنعام: 161].فكان من فارق دينه الذي بعث به صلى الله عليه وسلم من مشرك ووثنيّ ويهودي ونصرانيّ ومتحنِّف مبتدع قد ابتدع في الدين ما ضلّ به عن الصراط المستقيم والدين القيم ملة إبراهيم المسلم, فهو بريء من محمد صلى الله عليه وسلم، ومحمد منه بريء, وهو داخل في عموم قوله: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء) .* * *وأما قوله: (لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله)، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.فقال بعضهم: نزلت هذه الآية على نبيّ الله بالأمر بترك قتال المشركين قبل وُجوب فرض قتالهم, ثم نسخها الأمر بقتالهم في" سورة براءة ", وذلك قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ .[ سورة التوبة: 5].* ذكر من قال ذلك:14267- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: (لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله)، لم يؤمر بقتالهم, ثم نسخت, فأمر بقتالهم في" سورة براءة " .* * *وقال آخرون: بل نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم إعلامًا من الله له أنَّ من أمته من يُحْدث بعده في دينه. وليست بمنسوخة, لأنها خبرٌ لا أمر, والنسخ إنما يكون في الأمر والنهي .* ذكر من قال ذلك:14268- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا مالك بن مغول, عن علي بن الأقمر, عن أبي الأحوص, أنه تلا هذه الآية: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء)، ثم يقول: بريء نبيكم صلى الله عليه وسلم منهم . (57)14269- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي وابن إدريس وأبو أسامة ويحيى بن آدم, عن مالك بن مغول, بنحوه .14270- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا شجاع أبو بدر, عن عمرو بن قيس الملائي قال، قالت أم سلمة: ليتّق امرؤ أن لا يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ! ثم قرأت: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء) = قال عمرو بن قيس: قالها مُرَّة الطيِّب، وتلا هذه الآية . (58)* * *قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن قوله: (لست منهم في شيء)، إعلام من الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أنه من مبتدعة أمته الملحدة في دينه بريء, ومن الأحزاب من مشركي قومه، ومن اليهود والنصارى . وليس في إعلامه ذلك ما يوجب أن يكون نهاه عن قتالهم, لأنه غير محال أن في الكلام: " لست من دين اليهود والنصارى في شيء فقاتلهم. فإن أمرهم إلى الله في أن يتفضل على من شاء منهم فيتوب عليه, ويهلك من أراد إهلاكه منهم كافرًا فيقبض روحه, أو يقتله بيدك على كفره, ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون عند مقدَمهم عليه ". وإذ كان غير مستحيل اجتماع الأمر بقتالهم, وقوله: (لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله)، ولم يكن في الآية دليلٌ واضح على أنها منسوخة، ولا ورد بأنها منسوخة عن الرسول خبرٌ = كان غير جائز أن يُقْضَى عليها بأنها منسوخة، حتى تقوم حجةٌ موجبةٌ صحةَ القول بذلك، لما قد بينا من أن المنسوخ هو ما لم يجز اجتماعه وناسخه في حال واحدة، في كتابنا كتاب: " اللطيف عن أصول الأحكام " . (59)* * *وأما قوله: (إنما أمرهم إلى الله)، فإنه يقول: أنا الذي إليَّ أمر هؤلاء المشركين الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعًا, والمبتدعة من أمتك الذين ضلوا عن سبيلك, دونك ودون كل أحد. إما بالعقوبة إن أقاموا على ضلالتهم وفُرْقتهم دينهم فأهلكهم بها, وإما بالعفو عنهم بالتوبة عليهم والتفضل مني عليهم =(ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون)، (60) يقول: ثم أخبرهم في الآخرة عند ورودهم عليَّ يوم القيامة بما كانوا يفعلون، فأجازي كلا منهم بما كانوا في الدنيا يفعلون, المحسنَ منهم بالإحسان، والمسيء بالإساءة . ثم أخبر جل ثناؤه ما مبلغ جزائه من جازى منهم بالإحسان أو بالإساءة فقال: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ .--------------------الهوامش :(51) في المطبوعة : (( لا ينفع كافرًا )) بغير واو ، والسياق يقتضي إثباتها .(52) انظر تفسير (( الشيع )) فيما سلف 11 : 419 .(53) في المطبوعة والمخطوطة : (( فرقوا )) في الموضعين ، والتفسير في الأثر ، يوجب أن تكون (( فارقوا )) كما أثبتها .(54) الأثران : 14264 ، 14265 - إسنادهما صحيح إلى أبي هريرة ، موقوفًا ، وانظر التعليق على الأثر التالي .(55) كان في المطبوعة : (( هم أهل الضلالة )) ، كما سيأتي في الأثر التالي ، غير أن المخطوطة واضحة هنا (( أهل الصلاة )) ، فأثبتها كما هي ، لأنها صحيحة المعنى ، أي أنها نزلت في المؤمنين من أهل القبلة .(56) الأثر : 14266 - (( سعيد بن عمرو السكوني )) شيخ الطبري ، مضى برقم : 5563 ، 6521 .و (( بقية بن الوليد الحمصي )) ، ثقة ، نعوا عليه بالتدليس ، مضى برقم : 152 ، 5563 ، 6521 ، 6899 ، 9224 .و (( عباد بن كثير الرملي الفلسطيني )) ، ضعيف الحديث . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 85 .وهذا الخبر مرفوعًا لا يصح ، وهو ضعيف الإسناد . قال ابن كثير في تفسيره 3 : 438 : (( لكن هذا إسناد لا يصح ، فإن عباد بن كثير متروك الحديث . ولم يختلق هذا الحديث ، ولكنه وهم في رفعه ، فإنه رواه سفيان الثوري عن ليث = وهو ابن أبي سليم = عن طاوس ، عن ابي هريرة في هذه الآية أنه قال : نزلت في هذه الأمة )) .ولكن خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 22 ، 23 ، ثم قال : (( رواه الطبراني في الأوسط ، ورجاله رجال الصحيح ، غير معلل بن نفيل ، وهو ثقة )) . وهكذا في مجمع الزوائد (( معلل بن نفيل )) ، وهو محرف بلا شك .(57) الأثر : 14268 - (( مالك بن مغول البجلي ) ، ثقة : مضى برقم : 5431 ، 10872 و (( علي بن الأقمر الهمداني )) ، روى له الجماعة ، مضى برقم 11941 . وهو إسناد صحيح .(58) الأثر : 14270 - (( شجاع ، أبو بدر )) ، هو (( شجاع بن الوليد بن قيس السكوبي )) ثقة صدوق . روى عنه أحمد . مترجم في التهذيب .(( عمرو بن قيس الملائي )) . ثقة مضى مرارًا آخرها : 9646 .وهذا إسناد منقطع ، (( عمرو بن قيس )) لم يدرك أم سلمة .أما خبر (( مرة الطيب )) فهو (( مرة بن سراحيل الهمداني )) ، مضى مرارًا . آخرها : 7539 وروايته هذه أيضًا منقطعة . لأنه لم يدرك .وخرج السيوطي في الدر المنثور 3 : 63 ، خبر أم سلمة . ونسبة إلى ابن منيع في مسنده وأبي الشيخ ، وخرج خبر مرة الطيب ، ونسبه إلى ابن أبي حاتم .(59) انظر ما سلف في (( الناسخ والمنسوخ )) 10: 333 تعليق: 1 والمراجع هناك واسم كتاب أبي جعفر هو ما أثبت ، ما ورد في 5 : 414 ، وكان هنا في المخطوطة والمطبوعة (( اللطيف عن أصول الأحكام )) ، وهو لا يستقيم .(60) انظر تفسير (( النبأ )) فيما سلف ص : 37 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .
مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ  ١٦٠
التفسير الميسرمن لقي ربه يوم القيامة بحسنة من الأعمال الصالحة فله عشر حسنات أمثالها، ومن لقي ربه بسيئة فلا يعاقب إلا بمثلها، وهم لا يظلمون مثقال ذرة.
تفسير السعديثم ذكر صفة الجزاء فقال: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ القولية والفعلية، الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحق الله أو حق خلقه فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا هذا أقل ما يكون من التضعيف. وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وهذا من تمام عدله تعالى وإحسانه، وأنه لا يظلم مثقال ذرة، ولهذا قال: وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
تفسير ابن كثيروهذه الآية الكريمة مفصلة لما أجمل في الآية الأخرى ، وهي قوله : ( من جاء بالحسنة فله خير منها ) [ النمل : 89 ] ، وقد وردت الأحاديث مطابقة لهذه الآية ، كما قال الإمام أحمد بن حنبل ، رحمه الله :حدثنا عفان ، حدثنا جعفر بن سليمان ، حدثنا الجعد أبو عثمان ، عن أبي رجاء العطاردي ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما يروي عن ربه ، عز وجل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن ربكم عز وجل رحيم ، من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له عشرا إلى سبعمائة ، إلى أضعاف كثيرة . ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له واحدة ، أو يمحوها الله ، عز وجل ، ولا يهلك على الله إلا هالك "ورواه البخاري ، ومسلم ، والنسائي ، من حديث الجعد بن أبي عثمان ، به .وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن المعرور بن سويد ، عن أبي ذر ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله ، عز وجل : من عمل حسنة فله عشر أمثالها وأزيد . ومن عمل سيئة فجزاؤها مثلها أو أغفر . ومن عمل قراب الأرض خطيئة ثم لقيني لا يشرك بي شيئا جعلت له مثلها مغفرة . ومن اقترب إلي شبرا اقتربت إليه ذراعا ، ومن اقترب إلي ذراعا اقتربت إليه باعا ، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة "ورواه مسلم عن أبي كريب ، عن أبي معاوية ، به . وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن وكيع ، عن الأعمش ، به . ورواه ابن ماجه ، عن علي بن محمد الطنافسي ، عن وكيع ، به .وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا شيبان ، حدثنا حماد ، حدثنا ثابت ، عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له عشرا . ومن هم بسيئة فلم يعملها لم يكتب عليه شيء ، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة "واعلم أن تارك السيئة الذي لا يعملها على ثلاثة أقسام : تارة يتركها لله عز وجل فهذا تكتب له حسنة على كفه عنها لله تعالى ، وهذا عمل ونية; ولهذا جاء أنه يكتب له حسنة ، كما جاء في بعض ألفاظ الصحيح : " فإنما تركها من جرائي " أي : من أجلي . وتارة يتركها نسيانا وذهولا عنها ، فهذا لا له ولا عليه; لأنه لم ينو خيرا ولا فعل شرا . وتارة يتركها عجزا وكسلا بعد السعي في أسبابها والتلبس بما يقرب منها ، فهذا يتنزل منزلة فاعلها ، كما جاء في الحديث ، في الصحيحين : " إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار " قالوا : يا رسول الله ، هذا القاتل ، فما بال المقتول؟ قال : " إنه كان حريصا على قتل صاحبه "قال الإمام أبو يعلى الموصلي : حدثنا مجاهد بن موسى ، حدثنا علي - وحدثنا الحسن بن الصباح وأبو خيثمة - قالا حدثنا إسحاق بن سليمان ، كلاهما عن موسى بن عبيدة ، عن أبي بكر بن عبيد الله بن أنس ، عن جده أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من هم بحسنة كتب الله له حسنة ، فإن عملها كتبت له عشرا . ومن هم بسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها ، فإن عملها كتبت عليه سيئة ، فإن تركها كتبت له حسنة . يقول الله تعالى : إنما تركها من مخافتي "هذا لفظ حديث مجاهد - يعني ابن موسى .وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن ، عن الركين بن الربيع ، عن أبيه ، عن عمه فلان بن عميلة ، عن خريم بن فاتك الأسدي ; أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الناس أربعة ، والأعمال ستة . فالناس موسع له في الدنيا والآخرة ، وموسع له في الدنيا مقتور عليه في الآخرة ، ومقتور عليه في الدنيا موسع له في الآخرة ، وشقي في الدنيا والآخرة . والأعمال موجبتان ، ومثل بمثل ، وعشرة أضعاف ، وسبعمائة ضعف; فالموجبتان من مات مسلما مؤمنا لا يشرك بالله شيئا وجبت له الجنة ، ومن مات كافرا وجبت له النار . ومن هم بحسنة فلم يعملها ، فعلم الله أنه قد أشعرها قلبه وحرص عليها ، كتبت له حسنة . ومن هم بسيئة لم تكتب عليه ، ومن عملها كتبت واحدة ولم تضاعف عليه . ومن عمل حسنة كانت عليه بعشرة أمثالها . ومن أنفق نفقة في سبيل الله ، عز وجل ، كانت له بسبعمائة ضعف "ورواه الترمذي والنسائي ، من حديث الركين بن الربيع ، عن أبيه ، عن بشير بن عميلة ، عن خريم بن فاتك ، به ببعضه . والله أعلم .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا حبيب المعلم ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يحضر الجمعة ثلاثة نفر : رجل حضرها بلغو فهو حظه منها ، ورجل حضرها بدعاء ، فهو رجل دعا الله ، فإن شاء أعطاه ، وإن شاء منعه ، ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدا ، فهي كفارة له إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام; وذلك لأن الله يقول : ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) .وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا هاشم بن مرثد ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثني أبي ، حدثني ضمضم بن زرعة ، عن شريح بن عبيد ، عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الجمعة كفارة لما بينها وبين الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام; وذلك لأن الله تعالى قال : ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) .وعن أبي ذر ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من صام ثلاثة أيام من كل شهر فقد صام الدهر كله "رواه الإمام أحمد - وهذا لفظه - والنسائي ، وابن ماجه ، والترمذي وزاد : " فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه : ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) اليوم بعشرة أيام " ، ثم قال : هذا حديث حسن .وقال ابن مسعود : ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) من جاء ب " لا إله إلا الله " ، ( ومن جاء بالسيئة ) يقول : بالشرك .وهكذا ورد عن جماعة من السلف .وقد ورد فيه حديث مرفوع - الله أعلم بصحته ، لكني لم أره من وجه يثبت - والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدا ، وفيما ذكر كفاية ، إن شاء الله ، وبه الثقة .
تفسير القرطبيقوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمونقوله تعالى من جاء بالحسنة ابتداء ، وهو شرط ، والجواب فله عشر أمثالها أي فله عشر حسنات أمثالها فحذفت الحسنات وأقيمت الأمثال التي هي صفتها مقامها ; جمع مثل وحكى سيبويه : عندي عشرة نسابات ، أي عندي عشرة رجال نسابات . وقال أبو علي : حسن التأنيث في عشر أمثالها لما كان الأمثال مضافا إلى مؤنث ، والإضافة إلى المؤنث إذا كان إياه في المعنى يحسن فيه ذلك ; نحو " تلتقطه بعض السيارة " . وذهبت بعض أصابعه . وقرأ الحسن وسعيد بن جبير والأعمش ( فله عشر أمثالها ) والتقدير : فله عشر حسنات أمثالها ، أي له من الجزاء عشرة أضعاف مما يجب له . ويجوز أن يكون له مثل ، ويضاعف المثل فيصير عشرة . والحسنة هنا : الإيمان . أي من جاء بشهادة أن لا إله إلا الله فله بكل عمل عمله في الدنيا من الخير عشرة أمثاله من الثواب .ومن جاء بالسيئة يعني الشرك فلا يجزى إلا مثلها وهو الخلود في النار ; لأن الشرك أعظم الذنوب ، والنار أعظم العقوبة ; فذلك قوله تعالى : جزاء وفاقا يعني جزاء وافق العمل . وأما الحسنة فبخلاف ذلك ; لنص الله تعالى على ذلك . وفي الخبر الحسنة بعشر أمثالها وأزيد والسيئة واحدة وأغفر فالويل لمن غلبت آحاده أعشاره . وروى الأعمش عن أبي صالح قال : الحسنة لا إله إلا الله والسيئة الشرك .وهم لا يظلمون أي لا ينقص ثواب أعمالهم . وقد مضى في " البقرة " بيان هذه الآية ، وأنها مخالفة للإنفاق في سبيل الله ; ولهذا قال بعض العلماء : العشر لسائر الحسنات ; والسبعمائة للنفقة في سبيل الله ، والخاص والعام فيه سواء . وقال بعضهم : يكون للعوام عشرة وللخواص سبعمائة وأكثر إلى ما لا يحصى ; وهذا يحتاج إلى توقيف . والأول أصح ; لحديث خريم بن فاتك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه : وأما حسنة بعشر فمن عمل حسنة فله عشر أمثالها وأما حسنة بسبعمائة فالنفقة في سبيل الله .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (160)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: من وافَى ربَّه يوم القيامة في موقف الحساب، من هؤلاء الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعًا، بالتوبة والإيمان والإقلاع عما هو عليه مقيم من ضلالته, وذلك هو الحسنة التي ذكرها الله فقال: من جاء بها فله عشر أمثالها . (61)ويعني بقوله: (فله عشر أمثالها)، فله عشر حسنات أمثال حسنته التي جاء بها =(ومن جاء بالسيئة)، يقول: ومن وافى يوم القيامة منهم بفراق الدِّين الحقّ والكفر بالله, فلا يجزى إلا ما ساءه من الجزاء, كما وافى الله به من عمله السيئ (62) =(وهم لا يظلمون)، يقول: ولا يظلم الله الفريقين، لا فريق الإحسان, ولا فريق الإساءة, بأن يجازي المحسن بالإساءة والمسيء بالإحسان، ولكنه يجازي كلا الفريقين من الجزاء ما هو له, لأنه جل ثناؤه حكيمٌ لا يضع شيئًا إلا في موضعه الذي يستحق أن يضعه فيه, ولا يجازي أحدًا إلا بما يستحقّ من الجزاء .* * *وقد دللنا فيما مضى على أن معنى " الظلم "، وضع الشيء في غير موضعه، بشواهده المغنية عن إعادتها في هذا الموضع . (63)* * *قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فإن كان الأمر كما ذكرت، من أن معنى " الحسنة " في هذا الموضع: الإيمان بالله، والإقرار بوحدانيته، والتصديق برسوله =" والسيئة " فيه: الشرك به، والتكذيب لرسوله = أفللإيمان أمثال فيجازى بها المؤمن؟ (64) وإن كان له مثل، فكيف يجازى به, و " الإيمان "، إنما هو عندك قول وعمل, والجزاء من الله لعباده عليه الكرامة في الآخرة, والإنعام عليه بما أعدّ لأهل كرامته من النعيم في دار الخلود, وذلك أعيان ترى وتعاين وتحسّ ويلتذّ بها, لا قول يسمع، ولا كسبُ جوارح؟قيل: إن معنى ذلك غير الذي ذهبتَ إليه, وإنما معناه: من جاء بالحسنة فوافَى الله بها له مطيعًا, فإن له من الثواب ثواب عشر حسنات أمثالها .فإن قال: قلت فهل لقول " لا إله إلا الله " من الحسنات مثل؟قيل: له مثل هو غيره, [ولكن له مثل هو قول لا إله إلا الله], (65) وذلك هو الذي وعد الله جل ثناؤه من أتاه به أن يجازيه عليه من الثواب بمثل عشرة أضعاف ما يستحقه قائله. وكذلك ذلك فيمن جاء بالسيئة التي هي الشرك, إلا أنه لا يجازى صاحبها عليها إلا ما يستحقه عليها من غير إضعافه عليه .* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .* ذكر من قال ذلك:14271- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب القمي, عن جعفر بن أبي المغيرة, عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)، قال رجل من القوم: فإنّ" لا إله إلا الله " حسنة؟ قال: نعم, أفضل الحسنات .14272- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص بن غياث, عن الأعمش والحسن بن عبيد الله, عن جامع بن شداد, عن الأسود بن هلال, عن عبد الله: (من جاء بالحسنة)، لا إله إلا الله .14273- حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا حفص قال، حدثنا الأعمش والحسن بن عبيد الله, عن جامع بن شداد, عن الأسود بن هلال, عن عبد الله قال: (من جاء بالحسنة)، قال: من جاء بلا إله إلا الله. قال: (ومن جاء بالسيئة)، قال: الشرك .14274- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل, عن الحسن بن عبيد الله, عن جامع بن شداد, عن الأسود بن هلال, عن عبد الله: (من جاء بالحسنة)، قال: لا إله إلا الله .14275- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا معاوية بن عمرو المعنَّى، عن زائدة, عن عاصم, عن شقيق: (من جاء بالحسنة)، قال: لا إله إلا الله، كلمة الإخلاص =(ومن جاء بالسيئة)، قال: الشرك . (66)14276- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان, عن أشعث, عن جعفر, عن سعيد= وعن عثمان بن الأسود, عن مجاهد والقاسم بن أبي بزة: (من جاء بالحسنة)، قالوا: لا إله إلا الله، كلمة الإخلاص =(ومن جاء بالسيئة)، قالوا: بالشرك وبالكفر .14277- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير وابن فضيل, عن عبد الملك, عن عطاء: (من جاء بالحسنة)، قال: لا إله إلا الله =(ومن جاء بالسيئة)، قال: الشرك .14278- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح قال، حدثنا موسى بن عبيدة, عن محمد بن كعب: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)، قال: لا إله إلا الله .14279- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن أبي المحجل, عن إبراهيم: (من جاء بالحسنة)، قال: لا إله إلا الله =(ومن جاء بالسيئة)، قال: الشرك . (67)14280- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان, عن أبي المحجل, عن أبي معشر, عن إبراهيم, مثله .14281- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن أبي المحجل, عن إبراهيم, مثله .14282- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن أبي المحجل, عن أبي معشر قال: كان إبراهيم يحلف بالله ما يستثني: أنّ(من جاء بالحسنة)، لا إله إلا الله =(ومن جاء بالسيئة)، من جاء بالشرك .14283- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك, عن عطاء, في قوله: (من جاء بالحسنة)، قال: كلمة الإخلاص، لا إله إلا الله =(ومن جاء بالسيئة) قال: بالشرك .14284- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي = وحدثنا المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا أبو نعيم = جميعًا, عن سفيان, عن الأعمش, عن أبي صالح: (من جاء بالحسنة)، قال: لا إله إلا الله =(ومن جاء بالسيئة)، قال: الشرك .14285- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير, عن عثمان بن الأسود, عن القاسم بن أبي بزة: (من جاء بالحسنة)، قال: كلمة الإخلاص =(ومن جاء بالسيئة)، قال: الكفر .14286- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سلمة, عن الضحاك: (من جاء بالحسنة)، قال: لا إله إلا الله .14287- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن أشعث, عن الحسن: (من جاء بالحسنة)، قال: لا إله إلا الله .14288- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن سالم, عن سعيد: (من جاء بالحسنة)، قال: لا إله إلا الله .14289- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن ليث, عن مجاهد, مثله .14290- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (من جاء بالحسنة)، يقول: من جاء بلا إله إلا الله =(ومن جاء بالسيئة)، قال: الشرك .14291- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون)، ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: الأعمال ستة: مُوجِبة ومُوجِبة, ومُضْعِفة ومُضْعِفة, ومِثْل ومِثْل . فأما الموجبتان: فمن لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة, ومن لقي الله مشركًا به دخل النار. وأما المضعف والمضعف: فنفقة المؤمن في سبيل الله سبعمئة ضعف, ونفقته على أهل بيته عشر أمثالها . وأما مثل ومثل: فإذا همّ العبد بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة, وإذا هم بسيئة ثم عملها كتبت عليه سيئة .14292- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا الأعمش, عن شمر بن عطية, عن شيخ من التيم, عن أبي ذرّ قال: قلت: يا رسول الله، علمني عملا يقرِّبني إلى الجنة ويباعدني من النار . قال: إذا عملت سيئة فاعمل حسنة, فإنها عشر أمثالها . قال: قلت: يا رسول الله," لا إله إلا الله " من الحسنات؟ قال: هي أحسن الحسنات . (68)* * *وقال قوم: عني بهذه الآية الأعراب، فأما المهاجرون فإن حسناتهم سبعمئة ضعف أو أكثر .* ذكر من قال ذلك:14293- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثنا أبي, عن قتادة, عن أبي الصديق الناجي, عن أبي سعيد الخدري في قوله: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)، قال: هذه للأعراب, وللمهاجرين سبعمئة . (69)14294- حدثنا محمد أبو نشيط بن هارون الحربي قال، حدثنا يحيى بن أبي بكير قال، حدثنا فضيل بن مرزوق ، عن عطية العوفي, عن عبد الله بن عمر قال: نزلت هذه الآية في الأعراب: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)، قال: قال رجل: فما للمهاجرين؟ قال: ما هو أعظم من ذلك: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ، [سورة النساء: 40] وإذا قال الله لشيء: " عظيم ", فهو عظيم . (70)14295- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع قال: نزلت هذه الآية: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)، وهم يصومون ثلاثة أيام من الشهر، ويؤدّون عشر أموالهم. ثم نزلت الفرائض بعد ذلك: صوم رمضان والزكاة .* * *فإن قال قائل: وكيف قيل " عشر أمثالها ", فأضيف " العشر " إلى " الأمثال ", وهي" الأمثال "؟ وهل يضاف الشيء إلى نفسه؟قيل: أضيفت إليها لأنه مرادٌ بها: فله عشر حسنات أمثالها, ف" الأمثال " حلّت محل المفسّر, وأضيف " العشر " إليها, كما يقال: " عندي عشر نسوة ", فلأنه أريد بالأمثال مقامها، فقيل: " عشر أمثالها ", فأخرج " العشر " مخرج عدد الحسنات, (71) و " المثل " مذكر لا مؤنث, ولكنها لما وضعت موضع الحسنات, (72) وكان " المثل " يقع للمذكر والمؤنث, فجعلت خلفًا منها, فعل بها ما ذكرت. ومَنْ قال: " عندي عشر أمثالها ", لم يقل: " عندي عشر صالحات ", لأن " الصالحات " فعل لا يعدّ, وإنما تعدّ الأسماء. و " المثل " اسم, ولذلك جاز العدد به .* * *وقد ذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك: " فَلَهُ عَشْرٌ" بالتنوين،" أَمْثَالُهَا " بالرفع. وذلك على وجه صحيح في العربية, غير أن القرأة في الأمصار على خلافها, فلا نستجيز خلافها فيما هي عليه مُجْمِعة . (73)--------------------الهوامش :(61) انظر تفسير (( الحسنة )) فيما سلف 4 : 203 - 206 / 8 : 555 - 556 ، وفهارس اللغة ( حسن ) .(62) انظر تفسير (( السيئة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سوأ ) .(63) انظر تفسير (( الظلم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ظلم ) .(64) في المطبوعة : (( فللإيمان )) بغير همزة الاستفهام ، والصواب ما في المخطوطة .(65) هذه العبارة التي بين القوسين ، هكذا جاءت في المخطوطة ، وغيرها ناشر المطبوعة الأولى فكتب : (( وليس له مثل هو قول لا إله إلا الله )) ، ولا أدري ما معنى هذا التعبير . وعبارة المخطوطة غير مفهومة ، وأخشى أن يكون سقط من الكلام شيء ، فأودعتها بين القوسين لكي يتوقف عندها قارئها ، عسى أن يتبين له ما لم يتبين لي .(66) الأثر : 14275 - (( معاوية بن عمرو المعنى ، الأزدي )) ، ثقة مضى برقم : 4074 .(67) الآثار : 14279 - 14282 - (( أبو المحجل )) ، هكذا في المطبوعة ، وهو في المخطوطة غير منقوط ، لم أعرف من يكون ، ولم أجد له ذكرًا ، ولا تبين لي وجه في ‍تحريفه !!(68) الأثر : 14292 - (( شمر بن عطية الأسدي الكاهلي )) ، ثقة ، مضى برقم 11545 . وهذا خبر ضعيف ، لجهالة(( شيخ من التيم )) .وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 64 ، ونسبة إلى ابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه . ولم ينسبه إلى الطبري .(69) الأثر : 14293 - (( أبو الصديق الناجي )) هو (( بكر بن عمرو )) وقيل : (( بكر ابن قيس )) ، ثقة ، روى له الجماعة . مترجم في التهذيب . وهذا إسناد صحيح .(70) الأثر : 14294 - (( محمد بن هارون الحربي )) ، (( أبو نشيط )) ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 9511 ، 10371 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا : (( محمد بن نشيط بن هارون الحربي )) ، وهو خطأ محض تبين من رواية الأثر فيما سلف .و (( يحيى بن أبي بكير الأسدي )) ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 7544 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا (( يحيى بن أبي بكر )) ، وهو خطأ .وقد سلف هذا الخبر وتخريجه برقم : 9511 ، وأنه إسناد ضعيف من أجل (( عطية العوفي )) .ووقع في إسناد الخبر هناك خطأ : (( عن عبد الله بن عمير )) ، وهو خطأ في الطباعة صوابه (( عن عبد الله بن عمر )) ، فليصح .(71) في المطبوعة والمخطوطة : (( عدد الآيات )) ، وبين أنه (( عدد الحسنات )) ، ولا ذكر للآيات في هذا الموضع .(72) وكان هنا أيضًا في المخطوطة والمطبوعة : (( موضع الآيات )) ، والصواب ما أثبت .(73) في المطبوعة : (( مجتمعة )) ، وأثبت ما في المخطوطة .
قُلۡ إِنَّنِي هَدَىٰنِي رَبِّيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ دِينٗا قِيَمٗا مِّلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ  ١٦١
التفسير الميسرقل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: إنني أرشدني ربي إلى الطريق القويم الموصل إلى جنته، وهو دين الإسلام القائم بأمر الدنيا والآخرة، وهو دين التوحيد دين إبراهيم عليه السلام، وما كان إبراهيم عليه السلام من المشركين مع الله غيره.
تفسير السعدييأمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، أن يقول ويعلن بما هو عليه من الهداية إلى الصراط المستقيم: الدين المعتدل المتضمن للعقائد النافعة، والأعمال الصالحة، والأمر بكل حسن، والنهي عن كل قبيح، الذي عليه الأنبياء والمرسلون، خصوصا إمام الحنفاء، ووالد من بعث من بعد موته من الأنبياء، خليل الرحمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهو الدين الحنيف المائل عن كل دين غير مستقيم، من أديان أهل الانحراف، كاليهود والنصارى والمشركين.
تفسير ابن كثيريقول الله تعالى آمرا نبيه صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين أن يخبر بما أنعم الله به عليه من الهداية إلى صراطه المستقيم ، الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف : ( دينا قيما ) أي : قائما ثابتا ، ( ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) كقوله ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ) [ البقرة : 130 ] ، وقوله ( وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم ) [ الحج : 78 ] ، وقوله : ( إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) [ النحل : 120 123 ] .وليس يلزم من كونه عليه السلام أمر باتباع ملة إبراهيم الحنيفية أن يكون إبراهيم أكمل منه فيها; لأنه عليه السلام قام بها قياما عظيما ، وأكملت له إكمالا تاما لم يسبقه أحد إلى هذا الكمال; ولهذا كان خاتم الأنبياء ، وسيد ولد آدم على الإطلاق ، وصاحب المقام المحمود الذي يرهب إليه الخلق حتى إبراهيم الخليل ، عليه السلام .وقد قال ابن مردويه : حدثنا محمد بن عبد الله بن حفص ، حدثنا أحمد بن عصام ، حدثنا أبو داود الطيالسي ، حدثنا شعبة ، أنبأنا سلمة بن كهيل ، سمعت ذر بن عبد الله الهمداني ، يحدث عن ابن أبزى ، عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصبح قال : " أصبحنا على ملة الإسلام ، وكلمة الإخلاص ، ودين نبينا محمد ، وملة أبينا إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين " .وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، أخبرنا محمد بن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الأديان أحب إلى الله؟ قال : " الحنيفية السمحة " .وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا سليمان بن داود ، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذقني على منكبه ، لأنظر إلى زفن الحبشة ، حتى كنت التي مللت فانصرفت عنه .قال عبد الرحمن ، عن أبيه قال : قال لي عروة : إن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ : " لتعلم يهود أن في ديننا فسحة ، إني أرسلت بحنيفية سمحة .أصل الحديث مخرج في الصحيحين ، والزيادة لها شواهد من طرق عدة ، وقد استقصيت طرقها في شرح البخاري ، ولله الحمد والمنة .
تفسير القرطبيقوله تعالى قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركينقوله تعالى قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم لما بين تعالى أن الكفار تفرقوا بين أن الله هداه إلى الدين المستقيم وهو دين إبراهيمدينا نصب على الحال ; عن قطرب . وقيل : نصب ب هداني عن الأخفش . قال غيره : انتصب حملا على المعنى لأن معنى هداني عرفني دينا . ويجوز أن يكون بدلا من الصراط ، أي هداني صراطا مستقيما دينا . وقيل : منصوب بإضمار فعل ; فكأنه قال : اتبعوا دينا ، واعرفوا دينا .قيما قرأه الكوفيون وابن عامر بكسر القاف والتخفيف وفتح الياء ، مصدر كالشبع فوصف به . والباقون بفتح القاف وكسر الياء وشدها ، وهما لغتان . وأصل الياء الواو " قيوم " ثم أدغمت الواو في الياء كميت .ومعناه دينا مستقيما لا عوج فيه .ملة إبراهيم بدل حنيفا قال الزجاج : هو حال من إبراهيم . وقال علي بن سليمان : هو نصب بإضمار : أعني .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (قل)، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنامَ =(إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم)، يقول: قل لهم إنني أرشدني ربي إلى الطريق القويم, هو دين الله الذي ابتعثه به, وذلك الحنيفية المسلمة, فوفقني له (74) =(دينًا قيمًا)، يقول: مستقيمًا =(ملة إبراهيم)، يقول: دين إبراهيم (75) =(حنيفًا) يقول: مستقيمًا =(وما كان من المشركين)، يقول: وما كان من المشركين بالله, يعني إبراهيم صلوات الله عليه, لأنه لم يكن ممن يعبد الأصنام .* * *واختلفت القرأة في قراءة قوله: (دينًا قيمًا).فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض البصريين: " دِينًا قَيِّمًا " بفتح " القاف " وتشديد " الياء "، إلحاقًا منهم ذلك بقول الله: ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [سورة التوبة: 36 / سورة يوسف: 40 / سورة الروم: 30]. وبقوله: وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [سورة البينة: 5].* * *وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: ( دِينًا قِيَمًا ) بكسر " القاف " وفتح " الياء " وتخفيفها. وقالوا: " القيِّم " و " القِيَم " بمعنى واحد, وهم لغتان معناهما: الدين المستقيم .* * *قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان في قرأة الأمصار, متفقتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فهو للصواب مصيبٌ, غير أن فتح " القاف " وتشديد " الياء " أعجب إليّ, لأنه أفصح اللغتين وأشهرهما .* * *ونصب قوله: (دينًا) على المصدر من معنى قوله: (إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم)، وذلك أن المعنى: هداني ربي إلى دين قويم, فاهتديت له " دينا قيما "= فالدين منصوب من المحذوف الذي هو " اهتديت "، الذي ناب عنه قوله: (إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم) .* * *وقال بعض نحويي البصرة: إنما نصب ذلك، لأنه لما قال: (هداني ربي إلى صراط مستقيم)، قد أخبر أنه عرف شيئًا, فقال: " دينًا قيمًا "، كأنه قال: عرفت دينًا قيما ملّة إبراهيم .* * *وأما معنى الحنيف, فقد بينته في مكانه في" سورة البقرة " بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . (76)--------------------الهوامش :(74) انظر تفسير (( الهدى )) فيما سلف من فهارس اللغة ( هدى ) . = وتفسير (( صراط مستقيم )) فيما سلف ص : 288 ، تعليق 1 ، والمراجع هناك .(75) انظر تفسير (( الملة )) فيما سلف 2 : 563 / 3 : 104 / 9 : 250 .(76) انظر تفسير (( الحنيف )) فيما سلف 3 : 104 - 108 / 6 : 494 / 9 : 250 ، 251 / 11 : 487 .
قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ  ١٦٢
التفسير الميسرقل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: إن صلاتي، ونسكي، أي: ذبحي لله وحده، لا للأصنام، ولا للأموات، ولا للجن، ولا لغير ذلك مما تذبحونه لغير الله، وعلى غير اسمه كما تفعلون، وحياتي وموتي لله تعالى رب العالمين.
تفسير السعدي قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي أي: ذبحي، وذلك لشرف هاتين العبادتين وفضلهما، ودلالتهما على محبة الله تعالى، وإخلاص الدين له، والتقرب إليه بالقلب واللسان، والجوارح وبالذبح الذي هو بذل ما تحبه النفس من المال، لما هو أحب إليها وهو الله تعالى. ومن أخلص في صلاته ونسكه، استلزم ذلك إخلاصه لله في سائر أعماله. وقوله: وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي أي: ما آتيه في حياتي، وما يجريه الله عليَّ، وما يقدر عليَّ في مماتي، الجميع لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
تفسير ابن كثيروقوله تعالى : ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ) يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغير اسمه ، أنه مخالف لهم في ذلك ، فإن صلاته لله ونسكه على اسمه وحده لا شريك له ، وهذا كقوله تعالى : ( فصل لربك وانحر ) [ الكوثر : 2 ] أي : أخلص له صلاتك وذبيحتك ، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها ، فأمره الله تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه ، والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى .قال مجاهد في قوله : ( إن صلاتي ونسكي ) قال : النسك الذبح في الحج والعمرة .وقال الثوري ، عن السدي عن سعيد بن جبير : ( ونسكي ) قال : ذبحي . وكذا قال السدي والضحاك .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عوف ، حدثنا أحمد بن خالد الوهبي ، حدثنا محمد بن إسحاق ، عن زيد بن أبي حبيب ، عن ابن عباس ، عن جابر بن عبد الله قال : ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم عيد بكبشين وقال حين ذبحهما : " وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ، ( إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) .
تفسير القرطبيقوله تعالى قل إن صلاتي ونسكي قد تقدم اشتقاق لفظ الصلاة . وقيل : المراد بها هنا صلاة الليل . وقيل : صلاة العيد . والنسك جمع نسيكة ، وهي الذبيحة ، وكذلك قال مجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وغيرهم . والمعنى : ذبحي في الحج والعمرة . وقال الحسن : نسكي ديني . وقال الزجاج : عبادتي ; ومنه الناسك الذي يتقرب إلى الله بالعبادة . وقال قوم : النسك في هذه الآية جميع أعمال البر والطاعات ; من قولك نسك فلان فهو ناسك ، إذا تعبد .ومحياي أي ما أعمله في حياتي ومماتي أي ما أوصي به بعد وفاتي .لله رب العالمين أي أفرده بالتقرب بها إليه . وقيل : ومحياي ومماتي لله أي حياتي وموتي له . وقرأ الحسن : ( نسكي ) بإسكان السين . وأهل المدينة ( ومحياي ) بسكون الياء في الإدراج . والعامة بفتحها ; لأنه لا يجتمع ساكنان . قال النحاس : لم يجزه أحد من النحويين إلا يونس ، وإنما أجازه لأن قبله ألفا ، والألف المدة التي فيها تقوم مقام الحركة . وأجاز يونس اضربان زيدا ، وإنما منع النحويون هذا لأنه جمع بين ساكنين وليس في الثاني إدغام ، ومن قرأ بقراءة أهل المدينة وأراد أن يسلم من اللحن وقف على محياي فيكون غير لاحن عند جميع النحويين . وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وعاصم الجحدري ( ومحيي ) بتشديد الياء الثانية من غير ألف ; وهي لغة عليا مضر يقولون : قفي وعصي . وأنشد أهل اللغة :سبقوا هوي وأعنقوا لهواهموقد تقدم .قال إلكيا الطبري : قوله تعالى : قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم إلى قوله : قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين استدل به الشافعي على افتتاح الصلاة بهذا الذكر ; فإن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزله في كتابه ، ثم ذكر حديث علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة قال : وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين . إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين . إلى قوله : وأنا من المسلمين . قلت : روى مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال : وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين . إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين . اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ، أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك . تباركت وتعاليت . أستغفرك وأتوب إليك الحديث . وأخرجه الدارقطني وقال في آخره : بلغنا عن النضر بن شميل وكان من العلماء باللغة وغيرها قال : معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم والشر ليس إليك الشر ليس مما يتقرب به إليك . قال مالك : ليس التوجيه في الصلاة بواجب على الناس ، والواجب عليهم التكبير ثم القراءة . قال ابن القاسم : لم ير مالك هذا الذي يقوله الناس قبل القراءة : سبحانك اللهم وبحمدك . وفي مختصر ما ليس في المختصر : أن مالكا كان يقوله في خاصة نفسه ; لصحة الحديث به ، وكان لا يراه للناس مخافة أن يعتقدوا وجوبه . قال أبو الفرج الجوزي : وكنت أصلي وراء شيخنا أبي بكر الدينوري الفقيه في زمان الصبا ، فرآني مرة أفعل هذا فقال : يا بني ، إن الفقهاء قد اختلفوا في وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام ، ولم يختلفوا أن الافتتاح سنة ، فاشتغل بالواجب ودع السنن . والحجة لمالك قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي علمه الصلاة : إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ولم يقل له سبح كما يقول أبو حنيفة ، ولا قل وجهت وجهي ، كما يقول الشافعي . وقال لأبي : كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة ؟ قال : قلت الله أكبر ، الحمد لله رب العالمين فلم يذكر توجيها ولا تسبيحا . فإن قيل : فإن عليا قد أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله . قلنا : يحتمل أن يكون قاله قبل التكبير ثم كبر ، وذلك حسن عندنا . فإن قيل : فقد روى النسائي والدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة كبر ثم يقول : إن صلاتي ونسكي الحديث قلنا : هذا نحمله على النافلة في صلاة الليل ; كما جاء في كتاب النسائي عن أبي سعيد قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة بالليل قال : سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك . أو في النافلة مطلقا ; فإن النافلة أخف من الفرض ; لأنه يجوز أن يصليها قائما وقاعدا وراكبا ، وإلى القبلة وغيرها في السفر ، فأمرها أيسر .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (قل)، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام, الذين يسألونك أن تتبع أهواءهم على الباطل من عبادة الآلهة والأوثان =(إن صلاتي ونسكي)، يقول: وذبحي (77) =(ومحياي)، يقول: وحياتي =(ومماتي) يقول: ووفاتي =(لله رب العالمين)، يعني: أن ذلك كله له خالصًا دون ما أشركتم به، أيها المشركون، من الأوثان =(لا شريك له) في شيء من ذلك من خلقه, ولا لشيء منهم فيه نصيب, لأنه لا ينبغي أن يكون ذلك إلا له خالصًا =(وبذلك أمرت)، يقول: وبذلك أمرني ربي =(وأنا أول المسلمين)، يقول: وأنا أوّل من أقرَّ وأذْعن وخضع من هذه الأمة لربه بأن ذلك كذلك . (78)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .* ذكر من قال: " النسك "، في هذا الموضع، الذبح.14296- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد: (إن صلاتي ونسكي)، قال: " النسك "، الذبائح في الحج والعمرة .14297- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: (ونسكي) ، ذبحي في الحج والعمرة . (79)14298- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (ونسكي)، ذبيحتي في الحج والعمرة .14299- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن إسماعيل, وليس بابن أبي خالد, عن سعيد بن جبير, في قوله: (صلاتي ونسكي)، قال: ذبحي .14300- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن إسماعيل, عن سعيد بن جبير في قوله: (صلاتي ونسكي)، قال: ذبحي . (80)14301- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, عن سفيان, عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير= قال ابن مهدي: لا أدري من " إسماعيل " هذا !=(صلاتي ونسكي)، قال: صلاتي وذبيحتي .14302- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق قال، حدثنا الثوري, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن سعيد بن جبير, في قوله: (صلاتي ونسكي)، قال: وذبيحتي . (81)14303- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (ونسكي)، قال: ذبحي .14304- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: (ونسكي)، قال: ذبيحتي .14305- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك: (صلاتي ونسكي)، قال: " الصلاة "، الصلاة, و " النسك "، الذبح .--------------------الهوامش :(77) انظر تفسير (( النسك )) فيما سلف 3 : 77 - 80 / 4 : 86 ، 195 .(78) انظر تفسير (( الإسلام )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سلم ) .(79) في المطبوعة : (( ذبيحتي )) ، وأثبت ما في المخطوطة .(80) في المطبوعة : (( ذبيحتي )) ، غير ما في المخطوطة .(81) الآثار : 14299 - 14302 - (( إسماعيل )) ، الذي روى عنه (( سفيان الثوري )) ، وروى هو (( سعيد بن جبير )) ، والذي جاء في الخبر الأول أنه (( ليس بابن أبي خالد )) ، وفي رقم : 14302 (( إسماعيل بن أبي خالد )) مصرحًا به ، والذي جهله (( ابن مهدي )) في رقم : 14301 ، لم أجد من أشار إليه ، إلا أني وجدت في أسماء الرواة عن (( سعيد بن جبير )) :(( إسماعيل بن مسلم )) ، مولى بني مخزوم ، سمع منه وكيع ، وابن المبارك وعمرو العنقزي ، مترجم في الكبير 1 / 1 / 372 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 197 ، فلا أدري أهو هو ، أم هو غيره .
لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ  ١٦٣
التفسير الميسرلا شريك له في ألوهيته ولا في ربوبيته ولا في صفاته وأسمائه، وبذلك التوحيد الخالص أمرني ربي جل وعلا وأنا أول من أقر وانقاد لله من هذه الأمة.
تفسير السعدي لَا شَرِيكَ لَهُ في العبادة، كما أنه ليس له شريك في الملك والتدبير، وليس هذا الإخلاص لله ابتداعا مني، وبدعا أتيته من تلقاء نفسي، بل بِذَلِكَ أُمِرْتُ أمرا حتما، لا أخرج من التبعة إلا بامتثاله وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ من هذه الأمة.
تفسير ابن كثيروقوله : ( وأنا أول المسلمين ) قال قتادة : أي من هذه الأمة .وهو كما قال ، فإن جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى الإسلام ، وأصله عبادة الله وحده لا شريك له ، كما قال : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) [ الأنبياء : 25 ] ، وقد أخبر تعالى عن نوح أنه قال لقومه : ( فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين ) [ يونس : 72 ] ، وقال تعالى : ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) [ البقرة : 130 - 132 ] ، وقال يوسف ، عليه السلام : ( رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين ) [ يوسف : 101 ] ، وقال موسى ( يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين ) [ يونس : 84 - 86 ] ، وقال تعالى : ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله ) الآية [ المائدة : 44 ] ، وقال تعالى : ( وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون ) [ المائدة : 111 ] .فأخبر الله تعالى أنه بعث رسله بالإسلام ، ولكنهم متفاوتون فيه بحسب شرائعهم الخاصة التي ينسخ بعضها بعضا ، إلى أن نسخت بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم التي لا تنسخ أبد الآبدين ، ولا تزال قائمة منصورة ، وأعلامها مشهورة إلى قيام الساعة; ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : " نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد " فإن أولاد العلات هم الإخوة من أب واحد وأمهات شتى ، فالدين واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له ، وإن تنوعت الشرائع التي هي بمنزلة الأمهات ، كما أن إخوة الأخياف عكس هذا ، بنو الأم الواحدة من آباء شتى ، والإخوة الأعيان الأشقاء من أب واحد وأم واحدة ، والله أعلم .وقد قال الإمام أحمد : حدثنا أبو سعيد ، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الماجشون ، حدثنا عبد الله بن الفضل الهاشمي ، عن الأعرج ، عن عبيد الله بن أبي رافع ، عن علي رضي الله عنه; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا كبر استفتح ، ثم قال : " ( وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ) [ الأنعام : 79 ] ، ( إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) اللهم أنت الملك ، لا إله إلا أنت ، أنت ربي وأنا عبدك ، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي ، فاغفر لي ذنوبي جميعا ، لا يغفر الذنوب إلا أنت . واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت . واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت . تباركت وتعاليت ، أستغفرك وأتوب إليك " .ثم ذكر تمام الحديث فيما يقوله في الركوع والسجود والتشهد . وقد رواه مسلم في صحيحه .
تفسير القرطبيوقد روى النسائي عن محمد بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام يصلي تطوعا قال : الله أكبر . وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين . إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين . لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين . اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ثم يقرأ . وهذا نص في التطوع لا في الواجب . وإن صح أن ذلك كان في الفريضة بعد التكبير ، فيحمل على الجواز والاستحباب ، وأما المسنون فالقراءة بعد التكبير ، والله بحقائق الأمور عليم . ثم إذا قاله فلا يقل : وأنا أول المسلمين وهي :الرابعة : إذ ليس أحدهم بأولهم إلا محمدا صلى الله عليه وسلم . فإن قيل : أوليس إبراهيم والنبيون قبله ؟ قلنا عنه ثلاثة أجوبة : الأول : أنه أول الخلق أجمع معنى ; كما في حديث أبي هريرة من قوله عليه السلام : نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة . وفي حديث حذيفة نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق . الثاني : أنه أولهم لكونه مقدما في الخلق عليهم ; قال الله تعالى : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح . قال قتادة : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث . فلذلك وقع ذكره هنا مقدما قبل نوح وغيره . الثالث : أول المسلمين من أهل ملته ; قاله ابن العربي ، وهو قول قتادة وغيره .واختلفت الروايات في " أول " ففي بعضها ثبوتها وفي بعضها لا ، على ما ذكرنا . وروى عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك في أول قطرة من دمها كل ذنب عملتيه ثم قولي : إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين . لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين . قال عمران : يا رسول الله ، هذا لك ولأهل بيتك خاصة أم للمسلمين عامة ؟ قال : بل للمسلمين عامة .
تفسير الطبريوأما قوله: (وأنا أوّل المسلمين)، فإن:-14306- محمد بن عبد الأعلى حدثنا قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر، عن قتادة: (وأنا أول المسلمين)، قال: أول المسلمين من هذه الأمة .* * *
قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِي رَبّٗا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيۡءٖۚ وَلَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٍ إِلَّا عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ  ١٦٤
التفسير الميسرقل -أيها الرسول-: أغير الله أطلب إلها، وهو خالق كل شيء ومالكه ومدبره؟ ولا يعمل أي إنسان عملا سيئا إلا كان إثمه عليه، ولا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى، ثم إلى ربكم معادكم يوم القيامة، فيخبركم بما كنتم تختلفون فيه من أمر الدين.
تفسير السعدي قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ من المخلوقين أَبْغِي رَبًّا أي: يحسن ذلك ويليق بي، أن أتخذ غيره، مربيا ومدبرا والله رب كل شيء، فالخلق كلهم داخلون تحت ربوبيته، منقادون لأمره؟". فتعين علي وعلى غيري، أن يتخذ الله ربا، ويرضى به، وألا يتعلق بأحد من المربوبين الفقراء العاجزين. ثم رغب ورهب بذكر الجزاء فقال: وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ من خير وشر إِلَّا عَلَيْهَا كما قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى بل كل عليه وزر نفسه، وإن كان أحد قد تسبب في ضلال غيره ووزره، فإن عليه وزر التسبب من غير أن ينقص من وزر المباشر شيء. ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ يوم القيامة فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من خير وشر، ويجازيكم على ذلك، أوفى الجزاء.
تفسير ابن كثيريقول تعالى : ( قل ) يا محمد لهؤلاء المشركين بالله في إخلاص العبادة له والتوكل عليه : ( أغير الله أبغي ربا ) أي : أطلب ربا سواه ، وهو رب كل شيء ، يربني ويحفظني ويكلؤني ويدبر أمري ، أي : لا أتوكل إلا عليه ، ولا أنيب إلا إليه; لأنه رب كل شيء ومليكه ، وله الخلق والأمر .هذه الآية فيها الأمر بإخلاص التوكل ، كما تضمنت الآية التي قبلها إخلاص العبادة له لا شريك له . وهذا المعنى يقرن بالآخر كثيرا في القرآن كما قال تعالى مرشدا لعباده أن يقولوا : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) [ الفاتحة : 5 ] ، وقوله ( فاعبده وتوكل عليه ) [ هود : 123 ] ، وقوله ( قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا ) [ الملك : 29 ] ، وقوله ( رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا ) [ المزمل : 9 ] ، وأشباه ذلك من الآيات .وقوله : ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ) إخبار عن الواقع يوم القيامة في جزاء الله تعالى وحكمه وعدله ، أن النفوس إنما تجازى بأعمالها إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، وأنه لا يحمل من خطيئة أحد على أحد . وهذا من عدله تعالى ، كما قال : ( وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى ) [ فاطر : 18 ] ، وقوله ( فلا يخاف ظلما ولا هضما ) [ طه : 112 ] ، قال علماء التفسير : فلا يظلم بأن يحمل عليه سيئات غيره ، ولا يهضم بأن ينقص من حسناته . وقال تعالى : ( كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين ) [ المدثر : 38 ، 39 ] ، معناه : كل نفس مرتهنة بعملها السيئ إلا أصحاب اليمين ، فإنه قد تعود بركات أعمالهم الصالحة على ذراريهم ، كما قال في سورة الطور : ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء ) [ الآية : 21 ] ، أي : ألحقنا بهم ذرياتهم في المنزلة الرفيعة في الجنة ، وإن لم يكونوا قد شاركوهم في الأعمال ، بل في أصل الإيمان ، ( وما ألتناهم ) أي : أنقصنا أولئك السادة الرفعاء من أعمالهم شيئا حتى ساويناهم وهؤلاء الذين هم أنقص منهم منزلة ، بل رفعهم تعالى إلى منازل الآباء ببركة أعمالهم ، بفضله ومنته ثم قال : ( كل امرئ بما كسب رهين ) [ الطور : 21 ] ، أي : من شر .وقوله : ( ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) أي : اعملوا على مكانتكم إنا عاملون على ما نحن عليه ، فستعرضون ونعرض عليه ، وينبئنا وإياكم بأعمالنا وأعمالكم ، وما كنا نختلف فيه في الدار الدنيا ، كما قال تعالى : ( قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم ) [ سبأ : 25 ، 26 ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفونقوله تعالى قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء أي مالكه . روي أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : ارجع يا محمد إلى ديننا ، واعبد آلهتنا ، واترك ما أنت عليه ، ونحن نتكفل لك بكل تباعة تتوقعها في دنياك وآخرتك ; فنزلت الآية . وهي استفهام يقتضي التقرير والتوبيخ . و غير نصب ب أبغي و ربا تمييز .قوله تعالى ولا تكسب كل نفس إلا عليها فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : ولا تكسب كل نفس إلا عليها أي لا ينفعني في ابتغاء رب غير الله كونكم على ذلك ; إذ لا تكسب كل نفس إلا عليها ; أي لا يؤخذ بما أتت من المعصية ، وركبت من الخطيئة سواها .الثانية : وقد استدل بعض العلماء من المخالفين بهذه الآية على أن بيع الفضولي لا يصح ، وهو قول الشافعي . وقال علماؤنا : المراد من الآية تحمل الثواب والعقاب دون أحكام الدنيا ، بدليل قوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى على ما يأتي . وبيع الفضولي عندنا موقوف على إجازة المالك ، فإن أجازه جاز . هذا عروة البارقي قد باع للنبي صلى الله عليه وسلم واشترى وتصرف بغير أمره ، فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم ; وبه قال أبو حنيفة . وروى البخاري والدارقطني عن عروة بن أبي الجعد قال عرض للنبي صلى الله عليه وسلم جلب فأعطاني دينارا وقال : أي عروة ايت الجلب فاشتر لنا شاة بهذا الدينار فأتيت الجلب فساومت فاشتريت شاتين بدينار ، فجئت أسوقهما - أو قال أقودهما - فلقيني رجل في الطريق فساومني فبعته إحدى الشاتين بدينار ، وجئت بالشاة الأخرى وبدينار ، فقلت : يا رسول الله ، هذه الشاة وهذا ديناركم . قال : كيف صنعت ؟ فحدثته الحديث . قال : اللهم بارك له في صفقة يمينه . قال : فلقد رأيتني أقف في كناسة الكوفة فأربح أربعين ألفا قبل أن أصل إلى أهلي لفظ الدارقطني . قال أبو عمر : وهو حديث جيد ، وفيه صحة ثبوت النبي صلى الله عليه وسلم للشاتين ، ولولا ذلك ما أخذ منه الدينار ولا أمضى له البيع . وفيه دليل على جواز الوكالة ، ولا خلاف فيها بين العلماء . فإذا قال الموكل لوكيله : اشتر كذا ; فاشترى زيادة على ما وكل به فهل يلزم ذلك الأمر أم لا ؟ . كرجل قال لرجل : اشتر بهذا الدرهم رطل لحم ، صفته كذا ; فاشترى له أربعة أرطال من تلك الصفة بذلك الدرهم . فالذي عليه مالك وأصحابه أن الجميع يلزمه إذا وافق الصفة ومن جنسها ; لأنه محسن . وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن . وقال أبو حنيفة : الزيادة للمشتري . وهذا الحديث حجة عليه .قوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى ، أي لا تؤخذ نفس بذنب غيرها ، بل كل نفس مأخوذة بجرمها ومعاقبة بإثمها . وأصل الوزر الثقل ; ومنه قوله تعالى : ووضعنا عنك وزرك . وهو هنا الذنب ; كما قال تعالى : وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم . وقد تقدم . قال الأخفش : يقال وزر يوزر ، ووزر يزر ، ووزر يوزر وزرا . ويجوز إزرا ، كما يقال : إسادة . والآية نزلت في الوليد بن المغيرة ، كان يقول : اتبعوا سبيلي أحمل أوزاركم ; ذكره ابن عباس . وقيل : إنها نزلت ردا على العرب في الجاهلية من مؤاخذة الرجل بأبيه وبابنه وبجريرة حليفه .قلت : ويحتمل أن يكون المراد بهذه الآية في الآخرة ، وكذلك التي قبلها ; فأما التي في الدنيا فقد يؤاخذ فيها بعضهم بجرم بعض ، لا سيما إذا لم ينه الطائعون العاصين ، كما تقدم في حديث أبي بكر في قوله تعالى : عليكم أنفسكم . وقوله تعالى : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة . إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .وقالت زينب بنت جحش يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم إذا كثر الخبث . قال العلماء : معناه أولاد الزنى . والخبث " بفتح الباء " اسم للزنى . فأوجب الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم دية الخطأ على العاقلة حتى لا يطل دم الحر المسلم تعظيما للدماء . وأجمع أهل العلم على ذلك من غير خلاف بينهم في ذلك ; فدل على ما قلناه . وقد يحتمل أن يكون هذا في الدنيا ، في ألا يؤاخذ زيد بفعل عمرو ، وأن كل مباشر لجريمة فعليه مغبتها . وروى أبو داود عن أبي رمثة قال انطلقت مع أبي نحو النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي : ابنك هذا ؟ قال : أي ورب الكعبة . قال : حقا . قال : أشهد به . قال : فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم ضاحكا من ثبت شبهي في أبي ، ومن حلف أبي علي . ثم قال : أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه . وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تزر وازرة وزر أخرى . ولا يعارض ما قلناه أولا بقوله : وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ; فإن هذا مبين في الآية الأخرى ، قوله : ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم . فمن كان إماما في الضلالة ودعا إليها واتبع عليها فإنه يحمل وزر من أضله من غير أن ينقص من وزر المضل شيء ، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىيقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (قل)، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان, الداعيك إلى عبادة الأصنام واتباع خطوات الشيطان =(أغير الله أبغي ربًّا)، يقول: أسوى الله أطلب سيدًا يسودني ؟ (82) =(وهو رب كل شيء)، يقول: وهو سيد كل شيء دونه ومدبّره ومصلحه (83) =(ولا تكسب كل نفس إلا عليها)، يقول: ولا تجترح نفس إثمًا إلا عليها، أي: لا يؤخذ بما أتت من معصية الله تبارك وتعالى، وركبت من الخطيئة، سواها, بل كل ذي إثم فهو المعاقب بإثمه والمأخوذ بذنبه (84) =(ولا تزر وازرة وزر أخرى)، يقول: ولا تأثم نفس آثمة بإثم نفس أخرى غيرها, ولكنها تأثم بإثمها، وعليه تعاقب، دون إثم أخرى غيرها .وإنما يعني بذلك المشركين الذين أمرَ الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول هذا القول لهم. يقول: قل لهم: إنا لسنا مأخوذين بآثامكم, وعليكم عقوبة إجرامكم, ولنا جزاء أعمالنا . وهذا كما أمره الله جل ثناؤه في موضع آخر أن يقول لهم: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [سورة الكافرون:6]، وذلك كما:-14307- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قال: كان في ذلك الزمان، لا مخرج للعلماء العابدين إلا إحدى خَلَّتين: إحداهما أفضل من صاحبتها. إمَّا أمرٌ ودعاء إلى الحق, أو الاعتزال = فلا تشارك أهل الباطل في عملهم, وتؤدي الفرائض فيما بينك وبين ربك, وتحبّ لله وتبغض لله, ولا تشارك أحدًا في إثم . قال: وقد أنزل في ذلك آية محكمة: (قل أغير الله أبغي ربًا وهو رب كل شيء)، إلى قوله: فِيهِ تَخْتَلِفُونَ , وفي ذلك قال: وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ [سورة البينة: 4].* * *يقال من " الوزر "" وزَر يَزِر "," و وزَرَ يَوْزَر ", و " وُزِرَ يُؤزر، فهو موزور ". (85)* * *القول في تأويل قوله : ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان: كل عامل منا ومنكم فله ثواب عمله، وعليه وزره, فاعملوا ما أنتم عاملوه -(ثم إلى ربكم)، أيها الناس =(مرجعكم)، يقول: ثم إليه مصيركم ومنقلبكم (86) =(فينبئكم بما كنتم فيه)، في الدنيا,(تختلفون) من الأديان والملل, (87) إذ كان بعضكم يدين باليهودية, وبعضٌ بالنصرانية, وبعض بالمجوسية, وبعض بعبادة الأصنام وادِّعاء الشركاء مع الله والأنداد, ثم يجازي جميعَكم بما كان يعمل في الدنيا من خير أو شر, فتعلموا حينئذ من المحسنُ منَّا والمسيء .-------------------الهوامش :(82) انظر تفسير (( بغي )) فيما سلف 11 : 337 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .(83) انظر تفسير (( الرب )) فيما سلف 1 : 142 .(84) انظر تفسير (( كسب )) فيما سلف صلى الله عليه وسلم : 266 ، تعليق 2 ، والمراجع هناك .(85) في المطبوعة : (( وزر يوزر فهو وزير ، ووزر يوزر فهو موزور )) ، غير ما في المخطوطة ، وحذف وزاد من عند نفسه ، وعذره في ذلك سوء كتابة ناسخ المخطوطة ، وصواب قراءة ما فيها ما أثبت . وهو المطابق لنص كتب اللغة .(86) انظر تفسير (( المرجع )) فيما سلف ص : 37 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .(87) انظر تفسير (( النبأ )) فيما سلف ص : 274 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَٰٓئِفَ ٱلۡأَرۡضِ وَرَفَعَ بَعۡضَكُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمُۢ  ١٦٥
التفسير الميسروالله سبحانه هو الذي جعلكم تخلفون من سبقكم في الأرض بعد أن أهلكهم الله، واستخلفكم فيها؛ لتعمروها بعدهم بطاعة ربكم، ورفع بعضكم في الرزق والقوة فوق بعض درجات، ليبلوكم فيما أعطاكم من نعمه، فيظهر للناس الشاكر من غيره. إن ربك سريع العقاب لمن كفر به وعصاه، وإنه لغفور لمن آمن به وعمل صالحا وتاب من الموبقات، رحيم به، والغفور والرحيم اسمان كريمان من أسماء الله الحسنى.
تفسير السعدي وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ أي: يخلف بعضكم بعضا، واستخلفكم الله في الأرض، وسخَّر لكم جميع ما فيها، وابتلاكم، لينظر كيف تعملون. وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ في القوة والعافية، والرزق والخَلْق والخُلُق. لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ فتفاوتت أعمالكم. إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ لمن عصاه وكذّب بآياته وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لمن آمن به وعمل صالحا، وتاب من الموبقات. آخر تفسير سورة الأنعام، فلله الحمد والثناء وصلى الله وسلم على نبينا محمد [وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين] .
تفسير ابن كثيريقول تعالى : ( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ) أي : جعلكم تعمرون الأرض جيلا بعد جيل ، وقرنا بعد قرن ، وخلفا بعد سلف . قاله ابن زيد وغيره ، كما قال : ( ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون ) [ الزخرف : 60 ] ، وكقوله تعالى : ( ويجعلكم خلفاء الأرض ) [ النمل : 62 ] ، وقوله ( إني جاعل في الأرض خليفة ) [ البقرة : 30 ] ، وقوله ( عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ) [ الأعراف : 129 ] .وقوله : ( ورفع بعضكم فوق بعض درجات ) أي : فاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق ، والمحاسن والمساوئ ، والمناظر والأشكال والألوان ، وله الحكمة في ذلك ، كقوله : ( نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ) [ الزخرف : 32 ] ، وقوله تعالى : ( انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ) [ الإسراء : 21 ] .وقوله : ( ليبلوكم في ما آتاكم ) أي ليختبركم في الذي أنعم به عليكم وامتحنكم به ، ليختبر الغني في غناه ويسأله عن شكره ، والفقير في فقره ويسأله عن صبره .وقد روى مسلم في صحيحه ، من حديث أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها لينظر كيف تعملون ، فاتقوا الدنيا ، واتقوا النساء ، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء "وقوله : ( إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم ) ترهيب وترغيب ، أن حسابه وعقابه سريع ممن عصاه وخالف رسله ( وإنه لغفور رحيم ) لمن والاه واتبع رسله فيما جاءوا به من خير وطلب .وقال محمد بن إسحاق : يرحم العباد على ما فيهم . رواه ابن أبي حاتم .وكثيرا ما يقرن تعالى في القرآن بين هاتين الصفتين ، كما قال تعالى : وقوله : ( نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم ) [ الحجر : 49 ، 50 ] ، وقوله : ( وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب ) [ الرعد : 6 ] وغير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب ، فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة وصفة الجنة والترغيب فيما لديه ، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها ، وتارة بهذا وبهذا لينجع في كل بحسبه . جعلنا الله ممن أطاعه فيما أمر ، وترك ما عنه نهى وزجر ، وصدقه فيما أخبر ، إنه قريب مجيب سميع الدعاء ، جواد كريم وهاب .وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا زهير ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بالجنة أحد ، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من الجنة أحد ، خلق الله مائة رحمة فوضع واحدة بين خلقه يتراحمون بها ، وعند الله تسعة وتسعون "ورواه الترمذي ، عن قتيبة ، عن عبد العزيز الدراوردي ، عن العلاء به . وقال : حسن صحيح . ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى وقتيبة وعلي بن حجر ، ثلاثتهم عن إسماعيل بن جعفر ، عن العلاء .آخر تفسير سورة الأنعام ولله الحمد والمنة.
تفسير القرطبيقوله تعالى وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيمقوله تعالى وهو الذي جعلكم خلائف الأرض خلائف جمع خليفة ، ككرائم جمع كريمة . وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة . أي جعلكم خلفا للأمم الماضية والقرون السالفة . قال الشماخ : تصيبهم وتخطئني المنايا وأخلف في ربوع عن ربوعورفع بعضكم فوق بعض في الخلق والرزق والقوة والبسطة والفضل والعلم .درجات نصب بإسقاط الخافض ، أي إلى درجات .ليبلوكم في ما آتاكم نصب بلام كي . والابتلاء الاختبار ; أي ليظهر منكم ما يكون غايته الثواب والعقاب . ولم يزل بعلمه غنيا ; فابتلى الموسر بالغنى وطلب منه الشكر ، وابتلى المعسر بالفقر وطلب منه الصبر . ويقال : ليبلوكم أي بعضكم ببعض . كما قال : وجعلنا بعضكم لبعض فتنة على ما يأتي بيانه . ثم خوفهم فقال : إن ربك سريع العقاب لمن عصاه .وإنه لغفور رحيم لمن أطاعه . وقال : سريع العقاب مع وصفه سبحانه بالإمهال ، ومع أن عقاب النار في الآخرة ; لأن كل آت قريب ; فهو سريع على هذا . كما قال تعالى : وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب . وقال يرونه بعيدا ونراه قريبا . ويكون أيضا سريع العقاب لمن استحقه في دار الدنيا ; فيكون تحذيرا لمواقع الخطيئة على هذه الجهة . والله أعلم .تمت سورة الأنعام بحمد الله تعالى وصلواته على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأمته: والله الذي جعلكم، أيها الناس، (خلائفَ الأرض)، بأن أهلك مَنْ كان قبلكم من القرون والأمم الخالية, واستخلفكم، فجعلكم خلائف منهم في الأرض, تخلفونهم فيها, وتعمرُونها بعدَهم .* * *و " الخلائف " جمع " خليفة ", كما " الوصائف " جمع " وصيفة ", وهي من قول القائل: " خَلَف فلان فلانًا في داره يخلُفه خِلافة، فهو خليفة فيها ", (88) كما قال الشماخ:تُصِيبُهُمُ وَتُخْطِئُنِي المَنَاياوَأَخْلُفُ فِي رُبُوعٍ عَنْ رُبُوعِ (89)وذلك كما:-14308- حدثني الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض)، قال: أما " خلائف الأرض "، فأهلك القرون واستخلفنا فيها بعدهم .* * *وأما قوله: (ورفع بعضكم فوق بعض درجات)، فإنه يقول: وخالف بين أحوالكم, فجعل بعضكم فوق بعض, بأن رفع هذا على هذا، بما بسط لهذا من الرزق ففضّله بما أعطاه من المال والغِنى، على هذا الفقير فيما خوَّله من أسباب الدنيا, وهذا على هذا بما أعطاه من الأيْد والقوة على هذا الضعيف الواهن القُوى, فخالف بينهم بأن رفع من درجة هذا على درجة هذا، وخفض من درجة هذا عن درجة هذا . (90) وذلك كالذي:-14309- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (ورفع بعضكم فوق بعض درجات)، يقول: في الرزق .* * *وأما قوله: (ليبلوكم في ما آتاكم)، فإنه يعني: ليختبركم فيما خوَّلكم من فضله ومنحكم من رزقه, (91) فيعلم المطيع له منكم فيما أمره به ونهاه عنه، والعاصي؛ ومن المؤدِّي مما آتاه الحق الذي أمره بأدائه منه، والمفرِّط في أدائه .* * *القول في تأويل قوله : إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " إن ربك "، يا محمد، لسريع العقاب لمن أسخطه بارتكابه معاصيه، وخلافه أمره فيما أمره به ونهاه, ولمن ابتلى منه فيما منحه من فضله وطَوْله, تولِّيًا وإدبارًا عنه, مع إنعامه عليه، وتمكينه إياه في الأرض, كما فعل بالقرون السالفة =(وإنه لغفور) ، يقول: وإنه لساتر ذنوبَ مَنْ ابتلى منه إقبالا إليه بالطاعة عند ابتلائه إياه بنعمة, واختباره إياه بأمره ونهيه, فمغطٍّ عليه فيها، وتارك فضيحته بها في موقف الحساب =(رحيم) بتركه عقوبته على سالف ذنوبه التي سلفت بينه وبينه، إذ تاب وأناب إليه قبل لقائه ومصيره إليه. (92)* * *آخر تفسير سورة الأنعام----------------------الهوامش :(88) انظر تفسير (( الخليفة )) فيما سلف 1 : 449 - 453 .(89) ديوانه 58 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 209 ، واللسان ( ربع ) ، من قصيدته التي قالها لامرأته عائشة ، وكانت تلومه على طول تعهده ماله ، أولها :أَعَائِشَ ، مَا لِقَوْمِكِ لا أَرَاهُمْيُضِيعُونَ الهِجَانَ مَعَ المُضِيعِيقول : لها تلوميني على إصلاح مالي ، فمالي أرى قومك يقترون على أنفسهم ، ولا يهلكون أموالهم في الكرم والسخاء ؟ ثم يقول لها بعد أبيات :لَمَالُ الْمَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِيمَفَاقِرَهُ ، أَعَفُّ مِنَ القُنُوعِو (( القنوع )) ، السؤال . وقوله : (( وأخلف في ربوع ... )) ، (( الربوع )) جمع (( ربع وهو جماعة الناس الذين ينزلون (( ربعا )) يسكنونه ، يقول : أبقي في قوم بعد قوم . وعندي أن هذا البيت قلق في قصيدة الشماخ ، سقط قبله شيء من شعره .(90) انظر تفسير (( الدرجة )) فيما سلف ص : 25 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .(91) انظر تفسير (( الابتلاء )) فيما سلف 10 : 582 ، تعليق : 1 والمراجع هناك .= تفسير (( الإيتاء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أتى ) .(92) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة .* * *عند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلته عنه نسختنا ، وفيها ما نصه :(( آخر تفسير سورة الأنعام والحمد لله كما هو أهله ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله يتلوه تفسير السورة التي يذكر فيها الأعراف )) .
من نحن

موقع الحياة بالإسلام هو موقع إسلامي، يقدم لكم العديد من المواضيع الاسلامية على منهاج الكتاب و السنة، كما يتضمن بعض قراءات القران الكريم بالرسم العثماني بأصوات اشهر القراء حول العالم

عرض المزيد
إشارات

التين , سُورَةُ هُودٍ , سُورَةُ الجُمُعَةِ , الكوثر , معيض الحارثي , القارئ سيلمان الشبيبي , القارئ عبدالرحمن الشحات , محمد عبدالحكيم سعيد العبدالله , قراءة يعقوب الحضرمي بروايتي رويس وروح , المصحف المعلم , قالون عن نافع من طريق أبي نشيط , خلف عن حمزة ,

عرض المزيد