الخميس، ٢٢ يناير ٢٠٢٦
الخميس، ٢٢ يناير ٢٠٢٦
facebookinstagramtwitter

عرض بالصفحات

Basmala
سُورَةُ الأَعۡرَافِ
۞ قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَنُخۡرِجَنَّكَ يَٰشُعَيۡبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرۡيَتِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۚ قَالَ أَوَلَوۡ كُنَّا كَٰرِهِينَ  ٨٨قَدِ ٱفۡتَرَيۡنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنۡ عُدۡنَا فِي مِلَّتِكُم بَعۡدَ إِذۡ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنۡهَاۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَاۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰتِحِينَ  ٨٩وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَئِنِ ٱتَّبَعۡتُمۡ شُعَيۡبًا إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ  ٩٠فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ  ٩١ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَاۚ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَانُواْ هُمُ ٱلۡخَٰسِرِينَ  ٩٢فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَنَصَحۡتُ لَكُمۡۖ فَكَيۡفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوۡمٖ كَٰفِرِينَ  ٩٣وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّآ أَخَذۡنَآ أَهۡلَهَا بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَضَّرَّعُونَ  ٩٤ثُمَّ بَدَّلۡنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلۡحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدۡ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ  ٩٥
تفسير سُورَةُ الأَعۡرَافِ
۞ قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَنُخۡرِجَنَّكَ يَٰشُعَيۡبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرۡيَتِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۚ قَالَ أَوَلَوۡ كُنَّا كَٰرِهِينَ  ٨٨
التفسير الميسرقال السادة والكبراء من قوم شعيب الذين تكبروا عن الإيمان بالله واتباع رسوله شعيب عليه السلام: لنخرجنك يا شعيب ومَن معك من المؤمنين من ديارنا، إلا إذا صرتم إلى ديننا، قال شُعيب منكرًا ومتعجبًا من قولهم: أنتابعكم على دينكم ومِلَّتكم الباطلة، ولو كنا كارهين لها لعِلْمِنا ببطلانها؟
تفسير السعدي قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ْ وهم الأشراف والكبراء منهم الذين اتبعوا أهواءهم ولهوا بلذاتهم، فلما أتاهم الحق ورأوه غير موافق لأهوائهم الرديئة، ردوه واستكبروا عنه، فقالوا لنبيهم شعيب ومن معه من المؤمنين المستضعفين: لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ْ استعملوا قوتهم السبعية، في مقابلة الحق، ولم يراعوا دينا ولا ذمة ولا حقا، وإنما راعوا واتبعوا آهواءهم وعقولهم السفيهة التي دلتهم على هذا القول الفاسد، فقالوا: إما أن ترجع أنت ومن معك إلى ديننا أو لنخرجنكم من قريتنا. ف شعيب ْ عليه الصلاة والسلام كان يدعوهم طامعا في إيمانهم، والآن لم يسلم من شرهم، حتى توعدوه إن لم يتابعهم - بالجلاء عن وطنه، الذي هو ومن معه أحق به منهم. ف قَالَ ْ لهم شعيب عليه الصلاة والسلام متعجبا من قولهم: أَوَ لَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ْ أي: أنتابعكم على دينكم وملتكم الباطلة، ولو كنا كارهين لها لعلمنا ببطلانها، فإنما يدعى إليها من له نوع رغبة فيها، أما من يعلن بالنهي عنها، والتشنيع على من اتبعها فكيف يدعى إليها؟"
تفسير ابن كثيرهذا إخبار من الله تعالى عما واجهت به الكفار نبي الله شعيبا ومن معه من المؤمنين ، في توعدهم إياه ومن معه بالنفي من القرية ، أو الإكراه على الرجوع في ملتهم والدخول معهم فيما هم فيه . وهذا خطاب مع الرسول والمراد أتباعه الذين كانوا معه على الملة .وقوله : ( أولو كنا كارهين ) يقول : أو أنتم فاعلون ذلك ولو كنا كارهين ما تدعونا إليه ؟ فإنا إن رجعنا إلى ملتكم ودخلنا معكم فيما أنتم فيه ، فقد أعظمنا الفرية على الله في جعل الشركاء معه أندادا . وهذا تعبير منه عن أتباعه .
تفسير القرطبيقوله تعالى قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك ياشعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا تقدم معناه . ومعنى أو لتعودن في ملتنا أي لتصيرن إلى ملتنا وقيل : كان أتباع شعيب قبل الإيمان به على الكفر ، أي لتعودن إلينا كما كنتم من قبل . قال الزجاج : يجوز أن يكون العود بمعنى الابتداء ; يقال : عاد إلي من فلان مكروه ، أي صار ، وإن لم يكن سبقه مكروه قبل ذلك ، أي لحقني ذلك منه . فقال لهم شعيب : أولو كنا كارهين أي ولو كنا كارهين تجبروننا عليه ، أي على الخروج من الوطن أو العود في ملتكم . أي إن فعلتم هذا أتيتم عظيما .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88)قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ( قال الملأ الذين استكبروا ) ، يعني بالملأ الجماعة من الرجال (1) = ويعني بالذين استكبروا ، الذين تكبروا عن الإيمان بالله ، والانتهاء إلى أمره ، واتباع رسوله شعيب ، لما حذرهم شعيبٌ بأسَ الله ، على خلافهم أمرَ ربهم، وكفرهم به (2) =(لنخرجنك يا شعيب ) ، ومن تبعك وصدقك وآمن بك، وبما جئت به معك=(من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ) ، يقول: لترجعن أنت وهم في ديننا وما نحن عليه (3) =قال شعيب مجيبًا لهم: ( أولو كنا كارهين ) .ومعنى الكلام: أن شعيبًا قال لقومه: أتخرجوننا من قريتكم، وتصدّوننا عن سبيل الله، ولو كنا كارهين لذلك؟= ثم أدخلت " ألف " الاستفهام على " واو " " ولو ".-----------------الهوامش :(1) انظر تفسير"الملأ" فيما سلف ص: 542 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.(2) انظر تفسير"استكبر" فيما سلف ص: 542 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.(3) انظر تفسير"الملة" فيما سلف ص: 282 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
قَدِ ٱفۡتَرَيۡنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنۡ عُدۡنَا فِي مِلَّتِكُم بَعۡدَ إِذۡ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنۡهَاۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَاۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰتِحِينَ  ٨٩
التفسير الميسروقال شعيب لقومه مستدركًا: قد اختلقنا على الله الكذب إن عُدْنا إلى دينكم بعد أن أنقذنا الله منه، وليس لنا أن نتحول إلى غير دين ربنا إلا أن يشاء الله ربنا، وقد وسع ربنا كل شيء علمًا، فيعلم ما يصلح للعباد، على الله وحده اعتمادنا هداية ونصرة، ربنا احكم بيننا وبين قومنا بالحق، وأنت خير الحاكمين.
تفسير السعدي قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ْ أي: اشهدوا علينا أننا إن عدنا إليها بعد ما نجانا اللّه منها وأنقذنا من شرها، أننا كاذبون مفترون على اللّه الكذب، فإننا نعلم أنه لا أعظم افتراء ممن جعل للّه شريكا، وهو الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يتخذ ولدا ولا صاحبة، ولا شريكا في الملك. وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا ْ أي: يمتنع على مثلنا أن نعود فيها، فإن هذا من المحال، فآيسهم عليه الصلاة والسلام من كونه يوافقهم من وجوه متعددة، من جهة أنهم كارهون لها مبغضون لما هم عليه من الشرك. ومن جهة أنه جعل ما هم عليه كذبا، وأشهدهم أنه إن اتبعهم ومن معه فإنهم كاذبون. ومنها: اعترافهم بمنة اللّه عليهم إذ أنقذهم اللّه منها. ومنها: أن عودهم فيها - بعد ما هداهم اللّه - من المحالات، بالنظر إلى حالتهم الراهنة، وما في قلوبهم من تعظيم اللّه تعالى والاعتراف له بالعبودية، وأنه الإله وحده الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، وأن آلهة المشركين أبطل الباطل، وأمحل المحال. وحيث إن اللّه منَّ عليهم بعقول يعرفون بها الحق والباطل، والهدى والضلال. وأما من حيث النظر إلى مشيئة اللّه وإرادته النافذة في خلقه، التي لا خروج لأحد عنها، ولو تواترت الأسباب وتوافقت القوى، فإنهم لا يحكمون على أنفسهم أنهم سيفعلون شيئا أو يتركونه، ولهذا استثنى وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ْ أي: فلا يمكننا ولا غيرنا، الخروج عن مشيئته التابعة لعلمه وحكمته، وقد وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ْ فيعلم ما يصلح للعباد وما يدبرهم عليه. عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ْ أي: اعتمدنا أنه سيثبتنا على الصراط المستقيم، وأن يعصمنا من جميع طرق الجحيم، فإن من توكل على اللّه، كفاه، ويسر له أمر دينه ودنياه. رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ ْ أي: انصر المظلوم، وصاحب الحق، على الظالم المعاند للحق وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ْ وفتحه تعالى لعباده نوعان: فتح العلم، بتبيين الحق من الباطل، والهدى من الضلال، ومن هو من المستقيمين على الصراط، ممن هو منحرف عنه.
تفسير ابن كثير( وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا ) وهذا رد إلى المشيئة ، فإنه يعلم كل شيء ، وقد أحاط بكل شيء علما ، ( على الله توكلنا ) أي : في أمورنا ما نأتي منها وما نذر ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) أي : افصل بيننا وبين قومنا ، وانصرنا عليهم ، ( وأنت خير الفاتحين ) أي : خير الحاكمين ، فإنك العادل الذي لا يجور أبدا .
تفسير القرطبيقد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها إياس من العود إلى ملتهم .وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا قال أبو إسحاق الزجاج : أي إلا بمشيئة الله عز وجل ، قال : وهذا قول أهل السنة ; أي وما يقع منا العود إلى الكفر إلا أن يشاء الله ذلك . فالاستثناء منقطع . وقيل : الاستثناء هنا على جهة التسليم لله عز وجل ; كما قال : وما توفيقي إلا بالله والدليل على هذا أن بعده وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا . وقيل : هو كقولك : لا أكلمك حتى يبيض الغراب ، وحتى يلج الجمل في سم الخياط . والغراب لا يبيض أبدا ، والجمل لا يلج في سم الخياط .قوله تعالى وسع ربنا كل شيء علما أي علم ما كان وما يكون . علما نصب على التمييز . وقيل المعنى : وما يكون لنا أن نعود فيها أي في القرية بعد أن كرهتم مجاورتنا ، بل نخرج من قريتكم مهاجرين إلى غيرها . إلا أن يشاء الله ردنا إليها . وفيه بعد ; لأنه يقال : عاد للقرية ولا يقال عاد في القرية .قوله تعالى على الله توكلنا أي اعتمدنا . وقد تقدم في غير موضعربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق قال قتادة : بعثه الله إلى أمتين : أهل مدين ، وأصحاب الأيكة . قال ابن عباس : وكان شعيب كثير الصلاة ، فلما طال تمادي قومه في كفرهم وغيهم ، ويئس من صلاحهم ، دعا عليهم فقال : ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين فاستجاب الله دعاءه فأهلكهم بالرجفة .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه: قال شعيب لقومه إذ دعوه إلى العود إلى ملتهم ، والدخول فيها، وتوعَّدوه بطرده ومَنْ تبعه من قريتهم إن لم يفعل ذلك هو وهم: ( قد افترينا على الله كذبًا ) ، يقول: قد اختلقنا على الله كذبًا، (4) وتخرّصنا عليه من القول باطلا= إن نحن عدنا في ملتكم، فرجعنا فيها بعد إذ أنقذنا الله منها، بأن بصَّرنا خطأها وصوابَ الهدى الذي نحن عليه= وما يكون لنا أن نرجع فيها فندين بها ، ونترك الحق الذي نحن عليه=( إلا أن يشاء الله ربنا ) إلا أن يكون سبق لنا في علم الله أنّا نعود فيها ، فيمضي فينا حينئذ قضاء الله، فينفذ مشيئته علينا=(وسع ربنا كل شيء علما ) ، يقول: فإن علم ربنا وسع كل شيء فأحاط به، فلا يخفى عليه شيء كان، ولا شيء هو كائن. (5) فإن يكن سبق لنا في علمه أنّا نعود في ملتكم ، ولا يخفى عليه شيء كان ولا شيء هو كائن، (6) فلا بد من أن يكون ما قد سبق في علمه، وإلا فإنا غير عائدين في ملّتكم.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:14853-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ( قد افترينا على الله كذبًا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، يقول: ما ينبغي لنا أن نعود في شرككم بعد إذ نجانا الله منها ، إلا أن يشاء الله ربنا، فالله لا يشاء الشرك، ولكن يقول: إلا أن يكون الله قد علم شيئًا، فإنه وسع كل شيء علمًا.* * *وقوله: ( على الله توكلنا ) ، يقول: على الله نعتمد في أمورنا وإليه نستند فيما تعِدوننا به من شرِّكم ، أيها القوم، فإنه الكافي من توكَّل عليه. (7)* * *ثم فزع صلوات الله عليه إلى ربه بالدعاء على قومه= إذ أيس من فلاحهم، وانقطع رجاؤه من إذعانهم لله بالطاعة ، والإقرار له بالرسالة، وخاف على نفسه وعلى من اتبعه من مؤمني قومه من فَسَقتهم العطبَ والهلكة= (8) بتعجيل النقمة، فقال: ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، يقول: احكم بيننا وبينهم بحكمك الحقّ الذي لا جور فيه ولا حَيْف ولا ظلم، ولكنه عدل وحق=( وأنت خير الفاتحين ) ، يعني: خير الحاكمين. (9)* * *ذكر الفرَّاء أنّ أهلَ عُمان يسمون القاضي" الفاتح " و " الفتّاح ". (10)وذكر غيره من أهل العلم بكلام العرب: أنه من لغة مراد، (11) وأنشد لبعضهم بيتًا وهو: (12)أَلا أَبْلِغْ بَني عُصْمٍ رَسُولابِأَنِّي عَنْ فُتَاحَتِكُمْ غَنِيُّ (13)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:14854-حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن مسعر، عن قتادة، عن ابن عباس قال: ما كنت أدري ما قوله: ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول: " تعالَ أفاتحك " ، تعني: أقاضيك.14855-حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، يقول: اقض بيننا وبين قومنا.14856-حدثني المثنى قال، حدثنا ابن دكين قال، حدثنا مسعر قال، سمعت قتادة يقول: قال ابن عباس: ما كنت أدري ما قوله: ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، حتى سمعت ابنةَ ذي يزن تقول: " تعالَ أفاتحك ".14857-حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، أي: اقض بيننا وبين قومنا بالحق.14858-حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر، عن قتادة: ( افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، : اقض بيننا وبين قومنا بالحق.14859-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي، أما قوله: ( افتح بيننا ) ، فيقول: احكم بيننا.14860-حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال الحسن البصري: افتح احكم بيننا وبين قومنا، و إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ، [الفتح: 1] حكمنا لك حكمًا مبينًا.14861-حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: " افتح "، اقض.14862-حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير قال، حدثنا مسعر ، عن قتادة، عن ابن عباس قال: لم أكن أدري ما( افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها: " انطلق أُفاتحك ".------------------الهوامش :(4) انظر تفسير"الافتراء" فيما سلف ص: 481 ، تعليق: 6 ، والمراجع هناك.(5) انظر تفسير"وسع" فيما سلف ص: 207 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(6) في المطبوعة: "فلا يخفى" بالفاء ، ومثلها في المخطوطة غير منقوطة ، والصواب بالواو.(7) انظر تفسير"التوكل" فيما سلف 7: 346/ 8: 566/ 10: 108 ، 184.(8) السياق: "... بالدعاء على قومه... بتعجيل النقمة".(9) انظر تفسير"الفتح" فيما سلف 2: 254/ 10: 405.(10) انظر معاني القرآن للفراء 1: 385.(11) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1: 220 ، 221.(12) هو الأسعر الجعفي ، أو محمد بن حمران بن أبي حمران.(13) سلف البيت وتخريجه 2: 254 ، ولم أنسبه هناك إلى هذا الموضع من تفسير الطبري ، فقيده ، ويزاد أنه في مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 220 ، 221 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا"فإني عن فتاحتكم" ، والصواب ما سلف ، وما في المخطوطة هناك.
وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَئِنِ ٱتَّبَعۡتُمۡ شُعَيۡبًا إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ  ٩٠
التفسير الميسروقال السادة والكبراء المكذبون الرافضون لدعوة التوحيد إمعانًا في العتوِّ والتمرد، محذرين من اتباع شعيب: لئن اتبعتم شعيبًا إنكم إذًا لهالكون.
تفسير السعدي وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ْ محذرين عن اتباع شعيب، لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ْ هذا ما سولت لهم أنفسهم أن الخسارة والشقاء في اتباع الرشد والهدى، ولم يدروا أن الخسارة كل الخسارة في لزوم ما هم عليه من الضلال والإضلال، وقد علموا ذلك حين وقع بهم النكال.
تفسير ابن كثيرخبر تعالى عن شدة كفر قوم شعيب وتمردهم وعتوهم ، وما هم فيه من الضلال ، وما جبلت عليه قلوبهم من المخالفة للحق ، ولهذا أقسموا وقالوا ( لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون ) فلهذا عقب ذلك بقوله :
تفسير القرطبيقوله تعالى وقال الملأ الذين كفروا من قومه أي قالوا لمن دونهم لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون أي هالكون .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90)قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: وقالت الجماعة من كفرة رجال قوم شعيب= وهم " الملأ " (14) = الذين جحدوا آيات الله ، وكذبوا رسوله ، وتمادوا في غيِّهم، لآخرين منهم: لئن أنتم اتبعتم شُعَيبًا على ما يقول ، وأجبتموه إلى ما يدعوكم إليه من توحيد الله ، والانتهاء إلى أمره ونهيه ، وأقررتم بنبوَّته=( إنكم إذًا لخاسرون ) ، يقول: لمغبونون في فعلكم، وترككم ملتكم التي أنتم عليها مقيمون ، إلى دينه الذي يدعوكم إليه= وهالِكُون بذلك من فعلكم. (15)------------------الهوامش :(14) انظر تفسير"الملأ" فيما سلف ص561 ، تعليق: 22 والمراجع هناك.(15) انظر تفسير"الخسارة" فيما سلف ص: 481 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ  ٩١
التفسير الميسرفأخذَتْ قومَ شعيب الزلزلةُ الشديدة، فأصبحوا في دارهم صرعى ميتين.
تفسير السعدي فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ْ أي: الزلزلة الشديدة فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ْ أي: صرعى ميتين هامدين.
تفسير ابن كثيرفأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ) أخبر تعالى هاهنا أنهم أخذتهم الرجفة كما أرجفوا شعيبا وأصحابه وتوعدوهم بالجلاء ، كما أخبر عنهم في سورة " هود " فقال : ( ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين ) [ هود : 94 ] والمناسبة في ذلك - والله أعلم - أنهم لما تهكموا بنبي الله شعيب في قولهم : ( أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد ) [ هود : 87 ] فجاءت الصيحة فأسكتتهم .وقال تعالى إخبارا عنهم في سورة الشعراء : ( فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم ) [ الشعراء : 189 ] وما ذاك إلا لأنهم قالوا له في سياق القصة : ( فأسقط علينا كسفا من السماء [ إن كنت من الصادقين ] ) [ الشعراء : 187 ] فأخبر أنه أصابهم عذاب يوم الظلة ، وقد اجتمع عليهم ذلك كله : أصابهم عذاب يوم الظلة ، " وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم ، ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم ، فزهقت الأرواح ، وفاضت النفوس وخمدت الأجساد ، ( فأصبحوا في دارهم جاثمين )
تفسير القرطبيأي الزلزلة .وقيل : الصيحة .وأصحاب الأيكة أهلكوا بالظلة , على ما يأتي .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91)قال أبو جعفر : يقول: فأخذت الذين كفروا من قوم شعيب ، الرجفة. وقد بيّنت معنى " الرجفة " قبل ، وأنها الزلزلة المحركة لعذاب الله. (16)* * *( فأصبحوا في دارهم جاثمين ) ، على ركبهم ، موتَى هلكى. (17)* * *وكانت صفة العذاب الذي أهلكهم الله به ، كما:-14863-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ، قال: إن الله بعث شعيبًا إلى مدين، وإلى أصحاب الأيكة = و " الأيكة " ، هي الغيضة من الشجر = وكانوا مع كفرهم يبخَسون الكيل والميزان، فدعاهم فكذبوه، فقال لهم ما ذكر الله في القرآن، وما ردُّوا عليه. فلما عتوا وكذبوه، سألوه العذابَ، ففتح الله عليهم بابًا من أبواب جهنم، فأهلكهم الحرّ منه، فلم ينفعهم ظلٌ ولا ماء. ثم إنه بعثَ سحابةً فيها ريحٌ طيبة، فوجدوا بَرْدَ الرّيح وطيبِها، فتنادوا: " الظُّلّةَ، عليكم بها " ! فلما اجتمعوا تحت السحابة رجالهم ونساؤهم وصبيانهم، انطبقت عليهم فأهلكتهم، فهو قوله: فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ، [سورة الشعراء: 189].14864-حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، كان من خبر قصة شعيب وخبر قومه ما ذكر الله في القرآن. كانوا أهلَ بخسٍ للناس في مكاييلهم وموازينهم، مع كفرهم بالله ، وتكذيبهم نبيَّهم . وكان يدعوهم إلى الله وعبادته ، وترك ظلم الناس وبخسهم في مكاييلهم وموازينهم ، فقال نُصْحًا لهم ، وكان صادقا: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ، [هود: 88]. قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم= فيما ذكر لي يعقوب بن أبي سلمة= إذا ذكر شعيبًا قال: " ذاك خطيب الأنبياء "! لحسن مراجعته قومه فيما يرادُ بهم. فلما كذَّبوه وتوعَّدوه بالرَّجْم والنفي من بلادهم ، وعتوا على الله، أخذهُم عذاب يوم الظُّلة ، إنه كان عذاب يوم عظيم. فبلغني أن رجلا من أهل مدين يقال له : عمرو بن جلهاء، لما رآها قال : يَا قَوْم إنَّ شُعَيْبًا مُرْسَلٌ فَذَرُواعنكم سُمَيْرًا وَعِمْرَانَ بْنَ شَدَّادِإنِّي أَرَى غَبْيَةً يَا قَوْم قَدْ طَلَعَتْتَدْعُو بِصَوْتٍ عَلَى صَمَّانَةِ الْوَادِي (18)وَإِنَّكمْ لَنْ تَرَوْا فِيهَا ضَحَاءَ غَدٍإلا الرَّقِيمَ يُمَشِّي بَيْنَ أنْجَادِ (19)و " سمير " و " عمران " ، كاهناهم= و " الرقيم " ، كلبهم. (20)حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق (21) قال: فبلغني ، والله أعلم ، أنَّ الله سلط عليهم الحرّ حتى أنضجهم، ثم أنشأ لهم الظُّلةَ كالسحابة السوداء، فلما رأوها ابتدرُوها يستغيثون ببَرْدها مما هم فيه من الحر، حتى إذا دَخلوا تحتها ، أطبقت عليهم، فهلكوا جميعًا، ونجى الله شعيبًا والذين آمنوا معه برحمته.14865-حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني أبو عبد الله البجلي قال: " أبو جاد " و " هوّز " و " حُطّي" و " كلمون " و " سعفص " و " قرشت " ، أسماء ملوك مدين، وكان ملكهم يوم الظلة في زمان شعيب " كلمون "، فقالت أخت كلمون تبكيه:كَلَمُونٌ (22) هَدَّ رُكْنِيهُلْكُهُ وَسْطَ المَحَلَّهْسَيِّدُ الْقَوْمِ أَتَاهُ الْحَتْفُ نَارًا وَسْطَ ظُلَّةْجُعِلَتْ نَارًا عَلَيْهِمْ ,دَارُهُمْ كَالْمُضْمَحِلَّةْ (23)---------------------الهوامش :(16) انظر تفسير"الرجفة" فيما سلف ص: 544 ، 545.(17) انظر تفسير"الجثوم" فيما سلف: ص: 545 ، 546.(18) في المطبوعة: "إني أرى غيمة" ، وهي كذلك في قصص الأنبياء ، وفي المخطوطة ما أثبت ، وهي في الدر المنثور"عينة" خطأ ، صوابه ما أثبت.و"الغبية" (بفتح فسكون): الدفعة الشديدة من المطر ، وقيل: هي المطرة ليست بالكثيرة. وأراد بها هنا سحابة ذات غبية. و"الصمانة". و"الصمان" ، أرض صلبة ذات حجارة إلى جنب رمل.(19) في المطبوعة والمخطوطة: "وإنكم إن تروا" ، والصواب ما أثبت ، وفي قصص الأنبياء: "فإنه لن يرى فيها" ، وفي الدر المنثور: "فإنه لا يرى". وكان في المطبوعة: "ما فيها إلا الرقيم..." زيادة مفسدة للوزن ، ليست في المخطوطة ، ولعلها من الطباعة. و"الأنجاد" جمع"نجد" ، وهي الأرض المرتفعة. و"الضحاء" بفتح الضاد ، ممدودًا ، مثل"الضحى" (بضم الضاد) ، وهو إذا امتد النهار وقارب أن ينتصف. وكان في المطبوعة: "ضحاة غد".(20) الأثر: 14869- الدر المنثور 3: 103 ، وقصص الأنبياء للثعلبي: 144.(21) في المطبوعة و المخطوطة: "أبو سحق" ، وهو خطأ ظاهر.(22) في المطبوعة والمخطوطة: "كلمون"، هكذا، وفي التاريخ 1: 99، وسائر الكتب"كلمن"، فتركتها على حالها هنا.(23) الأثر: 14871-"أبو عبد الله البجلي" ، لم أجد من يكنى بها ، ولكن روى أبو جعفر في تاريخه مثل هذا الخبر ، في ذكر هلاء الملوك (1: 99) ، وإسناد يفسر هذا الإسناد قال:"حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة بن الفضل ، عن يحيى بن العلاء ، عن القاسم بن سلمان ، عن الشعبي قال: أبجد ، وهوز ، وحطي ، وكلمن ، وسعفص ، وقرشت ، كانوا ملوكًا جبابرة..."و"يحيى بن العلاء البجلي" ، كنيته"أبو سلمة" ، ويقال"أبو عمرو". ولم أجد كنيته"أبو عبد الله" ، ولكن ظاهر هذا الإسناد يرجح أن"أبا عبد الله البجلي" ، هو نفسه"يحيى بن العلاء البجلي" ، والله أعلم.و"يحيى بن العلاء البجلي" ، قال أحمد: "كذاب يضع الحديث. مترجم في التهذيب ، والكبير 4/ 2 / 297 ، وابن أبي حاتم 4 2/ 179.وهذا الخبر رواه البغوي (هامش تفسير ابن كثير 3: 520) ، وقصص الأنبياء للثعلبي: 144 ، عن أبي عبد الله البجلي ، وفيها جميعًا"كلمن" ، وزدت منها ما بين القوسين ، ولكني كتبته كأخواته في المخطوطة.وروي في البغوي: "كلمن قد هد ركني" ، وفي قصص الأنبياء: "كلمن أهدد ركني" ، ولا أدري ما هذا!!
ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَاۚ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَانُواْ هُمُ ٱلۡخَٰسِرِينَ  ٩٢
التفسير الميسرالذين كذَّبوا شعيبًا كأنهم لم يقيموا في ديارهم، ولم يتمتعوا فيها، حيث استؤصلوا، فلم يبق لهم أثر، وأصابهم الخسران والهلاك في الدنيا والآخرة.
تفسير السعديقال تعالى ناعيا حالهم الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ْ أي: كأنهم ما أقاموا في ديارهم، وكأنهم ما تمتعوا في عرصاتها، ولا تفيئوا في ظلالها، ولا غنوا في مسارح أنهارها، ولا أكلوا من ثمار أشجارها، حين فاجأهم العذاب، فنقلهم من مورد اللهو واللعب واللذات، إلى مستقر الحزن والشقاء والعقاب والدركات ولهذا قال: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ ْ أي: الخسار محصور فيهم، لأنهم خسروا دينهم وأنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين، لا من قالوا لهم: لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ْ
تفسير ابن كثيرثم قال تعالى : ( كأن لم يغنوا فيها ) أي : كأنهم لما أصابتهم النقمة لم يقيموا بديارهم التي أرادوا إجلاء الرسول وصحبه منها .ثم قال مقابلا لقيلهم : ( الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين )
تفسير القرطبيقوله تعالى الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها قال الجرجاني : قيل هذا كلام مستأنف ; أي الذين كذبوا شعيبا صاروا كأنهم لم يزالوا موتى . و يغنوا يقيموا ; يقال : غنيت بالمكان إذا أقمت به . وغني القوم في دارهم أي طال مقامهم فيها . والمغنى : المنزل ; والجمع المغاني . قال لبيد :وغنيت ستا قبل مجرى داحس لو كان للنفس اللجوج خلودوقال حاتم طيئ :غنينا زمانا بالتصعلك والغنى كما الدهر في أيامه العسر واليسركسبنا صروف الدهر لينا وغلظة وكلا سقاناه بكأسهما الدهرفما زادنا بغيا على ذي قرابة غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقرالذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين ابتداء خطاب ، وهو مبالغة في الذم والتوبيخ وإعادة لتعظيم الأمر وتفخيمه . ولما قالوا : من اتبع شعيبا خاسر ، قال الله : الخاسرون هم الذين قالوا هذا القول .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92)قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: فأهلك الذين كذبوا شعيبًا فلم يؤمنوا به، فأبادَهم، فصارت قريتهم منهم خاوية خلاءً=( كأن لم يغنوا فيها ) ، يقول: كأن لم ينزلوا قطّ ولم يعيشوا بها حين هلكوا .* * *يقال: " غَنِيَ فلان بمكان كذا ، فهو يَغْنَى به غِنًى وغُنِيًّا " ، (24) إذا نزل به وكان به، كما قال الشاعر. (25)وَلَقَدْ يَغْنَى بِهَا جِيرَانُكِ الْمُمْسِكُو مِنْكِ بِعَهْدٍ وَوِصَالِ (26)وقال رؤبة:وَعَهْدُ مَغْنَى دِمْنَةٍ بِضَلْفَعَا (27)إنما هو " مفعل " من " غني".* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:14866-حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر، عن قتادة.( كأن لم يغنوا فيها ) ، : كأن لم يعيشوا، كأن لم ينعموا.14867-حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح، قال : حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ( كأن لم يغنوا فيها ) ، يقول : كأن لم يعيشوا فيها.14868-حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( كأن لم يغنوا فيها ) ، كأن لم يكونوا فيها قطُّ.* * *وقوله: ( الذين كذبوا شعيبًا كانوا هم الخاسرين ) ، يقول تعالى ذكره: لم يكن الذين اتَّبعوا شعيبًا الخاسرين ، بل الذين كذّبوه كانوا هم الخاسرين الهالكين. (28) لأنه أخبر عنهم جل ثناؤه: أن الذين كذبوا شعيبًا قالوا للذين أرادُوا اتباعه: لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ، فكذبهم الله بما أحلَّ بهم من عاجلِ نَكاله، ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ما خسر تُبَّاع شعيب، بل كانَ الذين كذبوا شعيبًا لما جاءت عقوبة الله ، هم الخاسرين ، دون الذين صدّقوا وآمنوا به.------------------الهوامش :(24) هذا المصدر الثاني"غنيا" ليس في شيء من مراجع اللغة ، وضبطته بضم الغين وكسر النون وتشديد الياء ، على زنة"فعول" وهكذا استظهرت. ولا أدري أيصح ذلك أم لا يصح.(25) هو عبيد بن الأبرص.(26) ديوانه: 58 ، مختارات ابن الشجري 2: 37 ، والخصائص لابن جني 2: 2455 والمنصف لابن جني 1: 66 ، والخزانة 3: 237 ، وهي القصيدة الفاخرة التي لم يتجشم فيها إلا ما في نهضته ووسعه ، عن غير اغتصاب واستكراه أجاءه إليه ، فقاد القصيدة كلها على أن آخر مصراع كل بيت منها منته إلى (ال) التعريف ، كما قال ابن جني في الخصائص ، أولها:يَا خَلِيلَيَّ اُرْبَعَا وَاُسْتَخْبِرَا الْمَنْزِلَ الدَّارِسَ مِنْ أهْلِ الحِلالِمِثْلَ سَحْقِ البُرْدِ عَفَّى بَعْدَكِ الْقَطْرُ مَغْنَاهُ، وَتَأَوِيبُ الشَّمَالِوَلَقَدْ يَغْنَى بِه جِيرَانُكِ الْمُمْسِكُو مِنْكِ بِأَسْبَابِ الوِصَالِواستمر بها على ذلك النهج. وكان في المطبوعة: "المستمسكو" ، وهو تغيير لما في المخطوطة ، وللرواية معًا. وقوله: "الممسكو" يعني"الممسكون" ، فحذف النون لطول الاسم ، لا للإضافة. وهكذا تفعل العرب أحيانا ، كما قال الأنصاري:الْحَافِظُو عَوْرةَ العَشِيرَةِ لايَأْتِيهِمُ مِنْ وَرَائِنَا نَطَفُوقول الأخطل:أَبَنيِ كُلَيْبٍ، إِنْ عَمَّيَّ اللَّذَاقَتَلا المُلُوكَ وَفَكَّكَا الأَغْلالاانظر سيبويه 1: 95 ، والمنصف 1: 67.(27) ديوانه: 87 ، ومضى منها بيت فيما سلف 2: 540 في مديح قومه بني تميم ، يقول:هَاجَتْ، وَمِثْلي نَوْلُهُ أَنْ يَرْبَعَاحَمَامَةٌ هَاجَتْ حَمَامًا سُجَّعَاأَبْكَتْ أَبَا الشَّعْثَاءِ وَالسَّمَيْدَعَاوعَهْدُ مَغْنَى دِمْنَةٍ بضَلْفَعَابَادَتْ وَأَمْسَى خَيْمُها تَذَعْذَعَاو"أبو الشعثاء" يعني نفسه. و"ضلفع" ، اسم موضع.(28) انظر تفسير"الخسران" فيما سلف ص: 565 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَنَصَحۡتُ لَكُمۡۖ فَكَيۡفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوۡمٖ كَٰفِرِينَ  ٩٣
التفسير الميسرفأعرض شعيب عنهم حينما أيقن بحلول العذاب بهم، وقال: يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم بالدخول في دين الله والإقلاع عما أنتم عليه، فلم تسمعوا ولم تطيعوا، فكيف أحزن على قوم جحدوا وحدانية الله وكذبوا رسله؟
تفسير السعديفحين هلكوا تولى عنهم نبيهم شعيب عليه الصلاة والسلام وَقَالَ ْ معاتبا وموبخا ومخاطبا بعد موتهم: يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي ْ أي: أوصلتها إليكم، وبينتها حتى بلغت منكم أقصى ما يمكن أن تصل إليه، وخالطت أفئدتكم وَنَصَحْتُ لَكُمْ ْ فلم تقبلوا نصحي، ولا انقدتم لإرشادي، بل فسقتم وطغيتم. فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ ْ أي: فكيف أحزن على قوم لا خير فيهم، أتاهم الخير فردوه ولم يقبلوه ولا يليق بهم إلا الشر، فهؤلاء غير حقيقين أن يحزن عليهم، بل يفرح بإهلاكهم ومحقهم. فعياذا بك اللهم من الخزي والفضيحة، وأي: شقاء وعقوبة أبلغ من أن يصلوا إلى حالة يتبرأ منهم أنصح الخلق لهم؟".
تفسير ابن كثيرأي : فتولى عنهم " شعيب " عليه السلام بعد ما أصابهم ما أصابهم من العذاب والنقمة والنكال ، وقال مقرعا لهم وموبخا : ( يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم ) أي : قد أديت إليكم ما أرسلت به ، فلا أسفة عليكم وقد كفرتم بما جئتكم به ، ولهذا قال : ( فكيف آسى على قوم كافرين ) ؟ .
تفسير القرطبيفكيف آسى على قوم كافرين أي أحزن . أسيت على الشيء آسى أسى ، وأنا آس .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: فأدبر شعيب عنهم ، شاخصًا من بين أظهرهم حين أتاهم عذاب الله، (29) وقال لما أيقن بنزول نقمة الله بقومه الذين كذّبوه ، حزنًا عليهم: ( يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ) ، وأدّيت إليكم ما بعثني به إليكم، (30) من تحذيركم غضبَه على إقامتكم على الكفر به ، وظلم الناس أشياءهم=(ونصحت لكم ) ، بأمري إياكم بطاعة الله ، ونهيكم عن معصيته-(فكيف آسى ) ، يقول: فكيف أحزن على قوم جَحَدوا وحدانية الله وكذبوا رسوله ، وأتوجَّع لهلاكهم؟ (31)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك.14869-حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: ( فكيف آسى ) ، يعني: فكيف أحزن؟14870-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ( فكيف آسى ) ، يقول: فكيف أحزن؟14871-حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: أصاب شعيبًا على قومه حُزْن لما يرى بهم من نقمةِ الله، ثم قال يعزي نفسه ، فيما ذكر الله عنه: ( يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين).-------------------الهوامش :(29) انظر تفسير"تولى" فيما سلف ص: 546 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.(30) انظر تفسير"البلاغ" فيما سلف ص: 547 تعليق: 2 ، والمراجع هناك.(31) انظر تفسير"الأسى" فيما سلف 10: 200 ، 475.
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّآ أَخَذۡنَآ أَهۡلَهَا بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَضَّرَّعُونَ  ٩٤
التفسير الميسروما أرسلنا في قرية من نبي يدعوهم إلى عبادة الله، وينهاهم عمَّا هم فيه من الشرك، فكذَّبه قومه، إلا ابتليناهم بالبأساء والضراء، فأصبناهم في أبدانهم بالأمراض والأسقام، وفي أموالهم بالفقر والحاجة؛ رجاء أن يستكينوا، وينيبوا إلى الله، ويرجعوا إلى الحق.
تفسير السعدييقول تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ ْ يدعوهم إلى عبادة اللّه، وينهاهم عن ما هم فيه من الشر، فلم ينقادوا له: إلا ابتلاهم الله بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ْ أي: بالفقر والمرض وأنواع البلايا لَعَلَّهُمْ ْ إذا أصابتهم، أخضعت نفوسهم فتضرعوا إلى الله واستكانوا للحق.
تفسير ابن كثيرقول تعالى مخبرا عما اختبر به الأمم الماضية ، الذين أرسل إليهم الأنبياء بالبأساء والضراء ، يعني ) بالبأساء ) ما يصيبهم في أبدانهم من أمراض وأسقام . ) والضراء ) ما يصيبهم من فقر وحاجة ونحو ذلك ، ( لعلهم يضرعون ) أي : يدعون ويخشعون ويبتهلون إلى الله تعالى في كشف ما نزل بهم .وتقدير الكلام : أنه ابتلاهم بالشدة ليتضرعوا ، فما فعلوا شيئا من الذي أراد الله منهم ، فقلب الحال إلى الرخاء ليختبرهم فيه ; ولهذا قال :
تفسير القرطبيقوله تعالى وما أرسلنا في قرية من نبي فيه إضمار ، وهو فكذب أهلها إلا أخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون تقدم القول فيه
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94)قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، معرِّفَه سنّته في الأمم التي قد خَلَت من قبل أمته، ومذكّرَ من كفر به من قريش ، لينزجروا عما كانوا عليه مقيمين من الشرك بالله ، والتكذيب لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( وما أرسلنا في قرية من نبي ) ، قبلك=( إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء ) ، وهو البؤس وشَظَف المعيشة وضِيقها= و " الضراء " ، وهي الضُّرُ وسوء الحال في أسباب دُنياهم=(لعلهم يضرعون ) ، يقول: فعلنا ذلك ليتضرّعوا إلى ربهم، ويستكينوا إليه، وينيبوا ، (32) بالإقلاع عن كفرهم، والتوبة من تكذيب أنبيائِهم.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك.14872-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ( أخذنا أهلها بالبأساء والضراء ) ، يقول: بالفقر والجوع.* * *وقد ذكرنا فيما مضى الشواهدَ على صحّة القول بما قلنا في معنى: " البأساء " ، و " الضراء " ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (33)* * *وقيل: " يضرّعون "، والمعنى: يتضرعون، ولكن أدغمت " التاء " في" الضاد "، لتقارب مخرجهما.---------------الهوامش :(32) انظر تفسير"التضرع" فيما سلف 11: 345 ، 414/ 12: 485.(33) انظر تفسير"البأساء" فيما سلف 3: 349- 353/ 4: 288/11: 354= وتفسير"الضراء" فيما سلف 3: 349- 353/ 4: 288/ 7: 214/ 11: 355.
ثُمَّ بَدَّلۡنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلۡحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدۡ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ  ٩٥
التفسير الميسرثم بدَّلنا الحالة الطيبة الأولى مكان الحالة السيئة، فأصبحوا في عافية في أبدانهم، وسَعَة ورخاء في أموالهم؛ إمهالا لهم، ولعلهم يشكرون، فلم يُفِد معهم كل ذلك، ولم يعتبروا ولم ينتهوا عمَّا هم فيه، وقالوا: هذه عادة الدهر في أهله، يوم خير ويوم شر، وهو ما جرى لآبائنا من قبل، فأخذناهم بالعذاب فجأة وهم آمنون، لا يخطر لهم الهلاك على بال.
تفسير السعدي ثُمَّ ْ إذا لم يفد فيهم، واستمر استكبارهم، وازداد طغيانهم. بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ ْ فَأدَرَّ عليهم الأرزاق، وعافى أبدانهم، ورفع عنهم البلاء حَتَّى عَفَوْا ْ أي: كثروا، وكثرت أرزاقهم وانبسطوا في نعمة اللّه وفضله، ونسوا ما مر عليهم من البلاء. وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ ْ أي: هذه عادة جارية لم تزل موجودة في الأولين واللاحقين، تارة يكونون في سراء وتارة في ضراء، وتارة في فرح، ومرة في ترح، على حسب تقلبات الزمان وتداول الأيام، وحسبوا أنها ليست للموعظة والتذكير، ولا للاستدراج والنكير حتى إذا اغتبطوا، وفرحوا بما أوتوا، وكانت الدنيا، أسر ما كانت إليهم، أخذناهم بالعذاب بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ْ أي: لا يخطر لهم الهلاك على بال، وظنوا أنهم قادرون على ما آتاهم اللّه، وأنهم غير زائلين ولا منتقلين عنه.
تفسير ابن كثير( ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة ) أي : حولنا الحال من شدة إلى رخاء ، ومن مرض وسقم إلى صحة وعافية ، ومن فقر إلى غنى ، ليشكروا على ذلك ، فما فعلوا .وقوله : ( حتى عفوا ) أي : كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم ، يقال : عفا الشيء إذا كثر ، ( وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ) يقول تعالى : ابتلاهم بهذا وهذا ليتضرعوا وينيبوا إلى الله ، فما نجع فيهم لا هذا ولا هذا ، ولا انتهوا بهذا ولا بهذا بل قالوا : قد مسنا من البأساء والضراء ، ثم بعده من الرخاء مثل ما أصاب آباءنا في قديم الدهر ، وإنما هو الدهر تارات وتارات ، ولم يتفطنوا لأمر الله فيهم ، ولا استشعروا ابتلاء الله لهم في الحالين . وهذا بخلاف حال المؤمنين الذين يشكرون الله على السراء ، ويصبرون على الضراء ، كما ثبت في الصحيحين : " عجبا للمؤمن ، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له ، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له " فالمؤمن من يتفطن لما ابتلاه الله به من السراء والضراء ; ولهذا جاء في الحديث : " لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يخرج نقيا من ذنوبه ، والمنافق مثله كمثل الحمار ، لا يدري فيم ربطه أهله ، ولا فيم أرسلوه " ، أو كما قال . ولهذا عقب هذه الصفة بقوله : ( فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ) أي : أخذناهم بالعقوبة بغتة ، أي : على بغتة منهم ، وعدم شعور منهم ، أي : أخذناهم فجأة كما جاء في الحديث : " موت الفجأة رحمة للمؤمن وأخذة أسف للكافر " .
تفسير القرطبيثم بدلنا مكان السيئة الحسنة أي أبدلناهم بالجدب خصبا .حتى عفوا أي كثروا ; عن ابن عباس . وقال ابن زيد : كثرت أموالهم وأولادهم . وعفا : من الأضداد : عفا : كثر . وعفا : درس . أعلم الله تعالى أنه أخذهم بالشدة والرخاء فلم يزدجروا ولم يشكروا .وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فنحن مثلهم .فأخذناهم بغتة أي فجأة ليكون أكثر حسرة .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (95)قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: (ثم بدلنا) أهلَ القرية التي أخذنا أهلها بالبأساء والضراء=(مكان السيئة)، وهي البأساء والضراء. وإنما جعل ذلك " سيئة " ، لأنه ممّا يسوء الناس= ولا تسوءهم " الحَسَنة "، وهي الرخاء والنعمة والسعة في المعيشة (34) =( حتى عفوا ) ، يقول: حتى كَثرُوا.* * *وكذلك كل شيء كثر، فإنه يقال فيه: " قد عفا "، (35) كما قال الشاعر: (36)ولَكِنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ مِنْهَابِأَسْوُقِ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ (37)وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك.14873-حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ( مكان السيئة الحسنة ) ، قال: مكان الشدة رخاء=( حتى عفوا) .14874-حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( مكان السيئة الحسنة ) ، قال: " السيئة " ، الشر، و " الحسنة " ، الرخاء والمالُ والولد.14875-حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن أبن أبي نجيح، عن مجاهد: ( مكان السيئة الحسنة ) ، قال: " السيئة " ، الشر، و " الحسنة " ، الخير.14876-حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ( ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة ) ، يقول: مكان الشدة الرَّخاء.14877-حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا ) ، قال: بدلنا مكان ما كرهوا ما أحبُّوا في الدنيا=(حتى عفوا) ، من ذلك العذاب=( وقالوا قد مسّ آباءنا الضراء والسراء) .* * *واختلفوا في تأويل قوله: ( حتى عفوا ) .فقال بعضهم نحو الذي قلنا فيه.* ذكر من قال ذلك:14878-حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( حتى عفوا ) ، يقول: حتى كثروا وكثرت أموالهم.حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: ( حتى عفوا ) ، قال: جَمُّوا. (38)14879-حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( حتى عفوا ) ، قال: كثرت أموالهم وأولادهم.14880-حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.14881-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ( حتى عفوا ) ، حتى كثروا.14882-حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم: ( حتى عفوا ) ، قال: حتى جَمُّوا وكثروا.14883-... قال، حدثنا جابر بن نوح، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ( حتى عفوا ) ، قال: حتى جَمُّوا.14884-... قال ، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: ( حتى عفوا ) ، يعني: جَمُّوا وكثروا.14885-... قال ، حدثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن مجاهد: ( حتى عفوا ) ، قال: حتى كثرت أموالهم وأولادهم.حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( حتى عفوا ) ، كثروا كما يكثر النّبات والرّيش، (39) ثم أخذهم عند ذلك (بغتة وهم لا يَشْعُرون).* * *وقال آخرون: معنى ذلك: حتى سُرُّوا.* ذكر من قال ذلك.14886-حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ( حتى عفوا ) ، يقول: حتى سُرُّوا بذلك.* * *قال أبو جعفر : وهذا الذي قاله قتادة في معنى : " عفوا " ، تأويلٌ لا وجه له في كلام العرب. لأنه لا يعرف " العفو " بمعنى السرور ،في شيء من كلامها ، إلا أن يكون أراد: حتى سُرُّوا بكثرتهم وكثرةِ أموالهم، فيكون ذلك وجهًا، وإن بَعُد.* * *وأما قوله: ( وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء ) ، فإنه خبرٌ من الله عن هؤلاء القوم الذين أبدلهم مكان الحسنة السيئة التي كانوا فيها ، استدراجًا وابتلاء ، أنهم قالوا إذ فعل ذلك بهم: هذه أحوال قد أصابتْ مَنْ قبلنا من آبائنا ، ونالت أسلافَنا، ونحن لا نعدُو أن نكون أمثالَهم يصيبنا ما أصابهم من الشدة في المعايش والرخاء فيها= وهي" السراء "، لأنها تَسرُّ أهلها. (40)وجهل المساكين شكرَ نعمة الله، وأغفلوا من جهلهم استدامةَ فضلهِ بالإنابة إلى طاعته، والمسارعة إلى الإقلاع عما يكرهه بالتوبة، حتى أتاهم أمره وهم لا يشعرون.يقول جل جلاله: ( فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ) ، يقول: فأخذناهم بالهلاك والعذاب فجأة ، أتاهم على غِرّة منهم بمجيئه، (41) وهم لا يدرون ولا يعلمون أنّه يجيئهم، بل هُم بأنه آتيهم مكذّبون حتى يعاينوه ويَرَوه. (42)* * *------------------------الهوامش:(34) انظر تفسير"الضراء" فيما سلف قبل في التعليق السابق.= وتفسير"السراء" فيما سلف 7: 213.= وتفسير"السيئة" و"الحسنة" ، فيما سلف من فهارس اللغة (سوأ) (حسن).= وتفسير"مس" فيما سلف ص: 540 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(35) انظر تفسير"عفا" فيما سلف 3: 370/ 4: 343.(36) هو لبيد.(37) مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف 4: 343.(38) "جم الشيء" ، و"استجم" ، كثر. و"مال جم" ، كثيرة.(39) "الريش" (بكسر الراء): المتاع والأموال.(40) انظر تفسير"السراء" ومراجعه فيما سلف قريبًا ص: 573 ، تعليق: 1.(41) انظر تفسير"البغتة" فيما سلف 11: 325 ، 360 ، 368.(42) انظر تفسير"شعر" فيما سلف ص: 93 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
من نحن

موقع الحياة بالإسلام هو موقع إسلامي، يقدم لكم العديد من المواضيع الاسلامية على منهاج الكتاب و السنة، كما يتضمن بعض قراءات القران الكريم بالرسم العثماني بأصوات اشهر القراء حول العالم

عرض المزيد
إشارات

التين , سُورَةُ هُودٍ , سُورَةُ الجُمُعَةِ , الكوثر , معيض الحارثي , القارئ سيلمان الشبيبي , القارئ عبدالرحمن الشحات , محمد عبدالحكيم سعيد العبدالله , قراءة يعقوب الحضرمي بروايتي رويس وروح , المصحف المعلم , قالون عن نافع من طريق أبي نشيط , خلف عن حمزة ,

عرض المزيد