وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٦٤التفسير الميسرواذكر -أيها الرسول- إذ قالت جماعة منهم لجماعة أخرى كانت تعظ المعتدين في يوم السبت، وتنهاهم عن معصية الله فيه: لِمَ تعظون قومًا الله مهلكهم في الدنيا بمعصيتهم إياه أو معذبهم عذابا شديدًا في الآخرة؟ قال الذين كانوا ينهَوْنهم عن معصية الله: نَعِظهم وننهاهم لِنُعْذَر فيهم، ونؤدي فرض الله علينا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورجاء أن يتقوا الله، فيخافوه، ويتوبوا من معصيتهم ربهم وتعذِّيهم على ما حرَّم عليهم.
تفسير السعديمعظمهم اعتدوا وتجرؤوا، وأعلنوا بذلك. وفرقة أعلنت بنهيهم والإنكار عليهم. وفرقة اكتفت بإنكار أولئك عليهم، ونهيهم لهم، وقالوا لهم: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا كأنهم يقولون: لا فائدة في وعظ من اقتحم محارم اللّه، ولم يصغ للنصيح، بل استمر على اعتدائه وطغيانه، فإنه لا بد أن يعاقبهم اللّه، إما بهلاك أو عذاب شديد. فقال الواعظون: نعظهم وننهاهم مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ أي: لنعذر فيهم. وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي: يتركون ما هم فيه من المعصية، فلا نيأس من هدايتهم، فربما نجع فيهم الوعظ، وأثر فيهم اللوم. وهذا المقصود الأعظم من إنكار المنكر ليكون معذرة، وإقامة حجة على المأمور المنهي، ولعل اللّه أن يهديه، فيعمل بمقتضى ذلك الأمر، والنهي.
تفسير ابن كثيرخبر تعالى عن أهل هذه القرية أنهم صاروا إلى ثلاث فرق : فرقة ارتكبت المحذور ، واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت ، كما تقدم بيانه في سورة البقرة . وفرقة نهت عن ذلك ، [ وأنكرت ] واعتزلتهم . وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه ، ولكنها قالت للمنكرة : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ) ؟ أي : لم تنهون هؤلاء ، وقد علمتم أنهم هلكوا واستحقوا العقوبة من الله ؟ فلا فائدة في نهيكم إياهم . قالت لهم المنكرة : ( معذرة إلى ربكم ) قرأ بعضهم بالرفع ، كأنه على تقديره : هذا معذرة وقرأ آخرون بالنصب ، أي : نفعل ذلك ( معذرة إلى ربكم ) أي : فيما أخذ علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ولعلهم يتقون ) يقولون : ولعل بهذا الإنكار يتقون ما هم فيه ويتركونه ، ويرجعون إلى الله تائبين ، فإذا تابوا تاب الله عليهم ورحمهم .
تفسير القرطبيويكون المعنى في قوله تعالى وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا أي قال الفاعلون للواعظين حين وعظوهم : إذا علمتم أن الله مهلكنا فلم تعظوننا ؟ فمسخهم الله قردة .قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون أي قال الواعظون : موعظتنا إياكم معذرة إلى ربكم ; أي إنما يجب علينا أن نعظكم لعلكم تتقون . أسند هذا القول الطبري عن ابن الكلبي . وقال جمهور المفسرين : إن بني إسرائيل افترقت ثلاث فرق ، وهو الظاهر من الضمائر في الآية . فرقة عصت وصادت ، وكانوا نحوا من سبعين ألفا . وفرقة اعتزلت ولم تنه ولم تعص ، وأن هذه الطائفة قالت للناهية : لم تعظون قوما - تريد العاصية - الله مهلكهم أو معذبهم على غلبة الظن ، وما عهد من فعل الله تعالى حينئذ بالأمم العاصية . فقالت الناهية : موعظتنا معذرة إلى الله لعلهم يتقون . ولو كانوا فرقتين لقالت الناهية للعاصية : ولعلكم تتقون ، بالكاف . ثم اختلف بعد هذا ; فقالت فرقة : إن الطائفة التي لم تنه ولم تعص هلكت مع العاصية عقوبة على ترك النهي ; قاله ابن عباس . وقال أيضا : ما أدري ما فعل بهم ; وهو الظاهر من الآية . وقال عكرمة : قلت لابن عباس لما قال ما أدري ما فعل بهم : ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم فقالوا : لم تعظون قوما الله مهلكهم ؟ فلم أزل به حتى عرفته أنهم قد نجوا ; فكساني حلة . وهذا مذهب الحسن . ومما يدل على أنه إنما هلكت الفرقة العادية لا غير قوله : وأخذنا الذين ظلموا . وقوله : ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت الآية . وقرأ عيسى وطلحة معذرة بالنصب . ونصبه عند الكسائي من وجهين : أحدهما على المصدر . والثاني على تقدير فعلنا ذلك معذرة . وهي قراءة حفص عن عاصم . والباقون بالرفع : وهو الاختيار ; لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا اعتذارا مستأنفا من أمر ليموا عليه ، ولكنهم قيل لهم : لم تعظون ؟ فقالوا : موعظتنا معذرة . ولو قال رجل لرجل : معذرة إلى الله وإليك من كذا ، يريد اعتذارا ; لنصب . هذا قول سيبويه . ودلت الآية على القول بسد الذرائع . وقد مضى في " البقرة " ومضى فيها الكلام في الممسوخ هل ينسل أم لا ، مبينا . والحمد لله . ومضى في " آل عمران " و " المائدة " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . ومضى في " النساء " اعتزال أهل الفساد ومجانبتهم ، وأن من جالسهم كان مثلهم ، فلا معنى للإعادة .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) (1)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر أيضًا، يا محمد= " إذ قالت أمة منهم ", جماعة منهم لجماعة كانت تعظ المعتدين في السبت، وتنهاهم عن معصية الله فيه = (2) " لم تعظون قومًا الله مهلكهم "، في الدنيا بمعصيتهم إياه, وخلافهم أمره, واستحلالهم ما حرم عليهم= " أو معذبهم عذابًا شديدًا "، في الآخرة، قال الذين كانوا ينهونهم عن معصية الله مجيبيهم عن قولهم: عظتنا إياهم معذرةٌ إلى ربكم، نؤدِّي فرضه علينا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر= " ولعلهم يتقون "، يقول: ولعلهم أن يتقوا الله فيخافوه, فينيبوا إلى طاعته، ويتوبوا من معصيتهم إياه، وتعدِّيهم على ما حرّم عليهم من اعتدائهم في السبت، كما: -15264- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن داود بن الحصين, عن عكرمة, عن ابن عباس: " قالوا معذرة إلى ربكم "، لسخطنا أعمالهم. (3)* * *= " ولعلهم يتقون "، : أي ينزعون عما هم عليه. (4)* * *15265- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد, في قوله: " ولعلهم يتقون " قال: يتركون هذا العمل الذي هم عليه.* * *واختلفت القرأة في قراءة قوله: " قالوا معذرة " . (5) فقرأ دلك عامة قرأة الحجاز والكوفة والبصرة: (مَعْذِرَةٌ) بالرفع، على ما وصفتُ من معناها.* * *وقرأ ذلك بعض أهل الكوفة: (مَعْذِرَةً) نصبًا, بمعنى: إعذارًا وعظناهم وفعلنا ذلك.* * *واختلف أهل العلم في هذه الفرقة التي قالت: " لم تعظون قوما الله مهلكهم "، هل كانت من الناجية, أم من الهالكة!فقال بعضهم: كانت من الناجية, لأنها كانت هي الناهيةَ الفرقةَ الهالكةَ عن الاعتداء في السبت. (6)* ذكر من قال ذلك:15266- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: " وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا "، هي قرية على شاطئ البحر بين مكة والمدينة، يقال لها: " أيلة ", فحرم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم, فكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعًا في ساحل البحر. فإذا مضى يوم السبت، لم يقدروا عليها. فمكثوا بذلك ما شاء الله، ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم, فنهتهم طائفة، وقالوا: تأخذونها، وقد حرمها الله عليكم يوم سبتكم ! فلم يزدادوا إلا غيًّا وعتوًّا, وجعلت طائفة أخرى تنهاهم. فلما طال ذلك عليهم، قالت طائفة من النهاة: تعلَّموا أنّ هؤلاء قوم قد حق عليهم العذاب، (7) لم تعظون قومًا الله مهلكهم، وكانوا أشد غضَبًا لله من الطائفة الأخرى, فقالوا: " معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون "، وكلّ قد كانوا ينهون، فلما وقع عليهم غضب الله, نجت الطائفتان اللتان قالوا: " لم تعظون قومًا الله مهلكهم "، والذين قالوا: " معذرة إلى ربكم "، وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان, فجعلهم قردة وخنازير.15267- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي ، قال حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ، إلى قوله: وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ ، وذلك أن أهل قرية كانت حاضرة البحر، كانت تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم. يقول: إذا كانوا يوم يسبتون تأتيهم شرعًا= يعني: من كل مكان= ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، وأنهم قالوا: لو أنا أخذنا من هذه الحيتان يوم تجيء ما يكفينا فيما سوى ذلك من الأيام! فوعظهم قوم مؤمنون ونهوهم. وقالت طائفة من المؤمنين: إن هؤلاء قوم قد هموا بأمر ليسوا بمنتهين دونه, والله مخزيهم ومعذبهم عذابًا شديدًا. قال المؤمنون بعضهم لبعض: " معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون "، إن كان هلاك، فلعلنا ننجو، وإما أن ينتهوا فيكون لنا أجرًا. وقد كان الله جعل على بني إسرائيل يومًا يعبدونه ويتفرغون له فيه, وهو يوم الاثنين. فتعدى الخبثاء من الاثنين إلى السبت, وقالوا: هو يوم السبت! فنهاهم موسى, فاختلفوا فيه, فجعل عليهم السبت, ونهاهم أن يعملوا فيه وأن يعتدوا فيه، وأنّ رجلا منهم ذهب ليحتطب, فأخذه موسى عليه السلام فسأله: هل أمرك بهذا أحد؟ فلم يجد أحدًا أمره, فرجمه أصحابه.15268- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: قال بعض الذين نهوهم لبعض: " لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا "، يقول: لم تعظونهم، وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم؟ فقال بعضهم: " معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ".15269- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا معاذ بن هانئ قال، حدثنا حماد, عن داود, عن عكرمة, عن ابن عباس: " وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا "، قال: ما أدري أنجا الذين قالوا: " لم تعظون قوما الله مهلكهم " أم لا! قال: فلم أزل به حتى عرَّفته أنهم قد نجوا, فكساني حلة. (8)15270- حدثني المثني قال، حدثنا حماد, عن داود, عن عكرمة قال: قرأ ابن عباس هذه الآية, فذكر نحوه= إلا أنه قال في حديثه: فما زلت أبصِّره حتى عرَف أنهم قد نجوا.15271- حدثني سلام بن سالم الخزاعي قال، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي قال، حدثنا ابن جريج, عن عكرمة قال: دخلت على ابن عباس والمصحف في حجره، وهو يبكي, فقلت: ما يبكيك، جعلني الله فداءك؟ قال: فقرأ: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ، إلى قوله: بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ قال ابن عباس: لا أسمع الفرقة الثالثة ذكرت، نخاف أن نكون مثلهم! فقلت: أما تسمع الله يقول: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ ؟ فسُرِّي عنه، وكساني حُلّة . (9)15272- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج قال، حدثني رجل, عن عكرمة قال: جئت ابن عباس يومًا وهو يبكي, وإذا المصحف في حجره, فأعظمت أن أدنو, ثم لم أزل على ذلك حتى تقدَّمت فجلستُ, فقلت: ما يبكيك يا ابن عباس، جعلني الله فداءك؟ فقال: هؤلاء الورقات! قال: وإذا هو في " سورة الأعراف "، قال: تعرف أيلة! قلت: نعم! قال: فإنه كان حيّ من يهود، سيقت الحيتان إليهم يوم السبت، ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغُوصوا، بعد كدٍّ ومؤنة شديدة, كانت تأتيهم يوم السبت شرعًا بيضًا سمانًا كأنها الماخض, (10) تنبطحُ ظهورُها لبطونها بأفنيتهم وأبنيتهم. (11) فكانوا كذلك برهة من الدهر, ثم إن الشيطان أوحى إليهم فقال: إنما نهيتم عن أكلها يوم السبت, فخذوها فيه، وكلوها في غيره من الأيام ! فقالت ذلك طائفة منهم, وقالت طائفة منهم: بل نُهيتم عن أكلها وأخذِها وصيدها في يوم السبت. وكانوا كذلك، حتى جاءت الجمعة المقبلة, فعدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها, واعتزلت طائفة ذات اليمين، وتنحَّت, واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت. وقال الأيمنون: ويلكم! اللهَ، اللهَ، ننهاكم أن تتعرّضوا لعقوبة الله! (12) وقال الأيسرون: " لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا "؟ قال الأيمنون: " معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون "! أي: ينتهون, فهو أحب إلينا أن لا يصابوا ولا يهلكوا, وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم. فمضوا على الخطيئة, فقال الأيمنون: قد فعلتم، يا أعداء الله! والله لا نُبَايتكم الليلة في مدينتكم, (13) والله ما نراكم تصبحون حتى يصيبكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده بالعذاب ! (14) فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا, فلم يجابوا, فوضعوا سلّمًا، وأعلوا سور المدينة رجلا فالتفت إليهم فقال: أي عبادَ الله، قردةٌ والله تعاوَى لها أذناب! قال: ففتحوا فدخلوا عليهم, فعرفت القردةُ أنسابها من الإنس, ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة, فجعلت القرود تأتي نسيبها من الإنس فتشمّ ثيابه وتبكي, فتقولُ لهم: ألم ننهكم عن كذا؟ فتقول برأسها: نعم! ثم قرأ ابن عباس: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ . قال: فأرى اليهود الذين نَهَوْا قد نجوا, ولا أرى الآخرين ذُكروا, ونحن نرى أشياء ننكرها فلا نقول فيها! قال قلت: إنَّ، جعلني الله فداك, (15) ألا ترى أنهم قد كَرِهوا ما هم عليه، وخالفوهم وقالوا: " لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم "؟ قال: فأمرَ بي فكسيِت بُرْدَين غليظين.15273- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة، وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ، ذُكر لنا أنه إذا كان يوم السبت أقبلت الحيتان، حتى تتبطَّح على سواحلهم وأفنيتهم، (16) لما بلغها من أمر الله في الماء, فإذا كان في غير يوم السبت، بعدت في الماء حتى يطلبها طالبهم. فأتاهم الشيطان فقال: إنما حرم عليكم أكلها يوم السبت, فاصطادوها يوم السبت وكلوها فيما بعد! ..... (17) قوله: " وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون "، صار القوم ثلاثة أصناف، (18) أما صنف فأمسكوا عن حرمة الله ونهوا عن معصية الله، وأما صنف فأمسك عن حرمة الله هيبةً لله، وأما صنف فانتهك الحرمة ووقع في الخطيئة.15274- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, عن ابن عباس في قول الله: حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ، قال: حرمت عليهم الحيتان يوم السبت, وكانت تأتيهم يوم السبت شُرّعًا, بلاء ابتلوا به, ولا تأتيهم في غيره إلا أن يطلبوها, بلاء أيضًا، بما كانوا يفسقون. فأخذوها يوم السبت استحلالا ومعصية, فقال الله لهم: كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ، إلا طائفة منهم لم يعتدوا ونهوهم, فقال بعضهم لبعض: " لم تعظون قومًا ".15275- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم " حتى بلغ " ولعلهم يتقون "، لعلّهم يتركون ما هم عليه. قال: كانوا قد بُلوا بكفّ الحيتان عنهم, وكانوا يسبتون في يوم السبت ولا يعملون فيه شيئًا, فإذا كان يوم السبت أتتهم الحيتانُ شُرّعًا, وإذا كان غير يوم السبت لم يأت حوتٌ واحد. قال: وكانوا قومًا قد قَرِموا بحب الحيتان ولقوا منه بلاءً, (19) فأخذ رجل منهم حوتًا فربط في ذنبه خيطًا, ثم ربطه إلى خَشَفَةٍ، (20) ثم تركه في الماء, حتى إذا غربت الشمس من يوم الأحد، اجتره بالخيط ثم شواه. فوجد جارٌ له ريح حوت, فقال: يا فلان، إني أجد في بيتك ريح نًونٍ! (21) فقال: لا! قال: فتطلع في تنُّوره فإذا هو فيه، فأخبره حينئذ الخبرَ, فقال: إني أرى الله سيعذِّبك. قال: فلما لم يره عجَّل عذابًا, فلما أتى السبت الآخر أخذ اثنين فربَطَهما, ثم اطلع جارٌ له عليه، فلما رآه لم يعجِّل عذابًا، جعلوا يصيدونه, (22) فاطلع أهل القرية عليهم, فنهاهم الذين ينهون عن المنكر, فكانوا فرقتين: فرقة تنهاهم وتكفّ, وفرقة تنهاهم ولا تكف. فقال الذين نهوا وكفوا، للذين ينهون ولا يكفون: " لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا "؟ فقال الآخرون: " معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ". فقال الله: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ . إلى قوله: بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ قَالَ اللَّهُ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ . وقال لهم أهل تلك القرية: عملتم بعمل سَوْء, من كان يريد يعتزل ويتطهَّر فليعتزل هؤلاء ! قال: فاعتزل هؤلاء وهؤلاء في مدينتهم, وضربوا بينهم سورًا, فجعلوا في ذلك السور أبوابًا يخرج بعضُهم إلى بعض. قال: فلما كان الليل طرقهم الله بعذابٍ, (23) فأصبح أولئك المؤمنون لا يرون منهم أحدًا, فدخلوا عليهم فإذا هم قردة, الرجل وأزواجه وأولاده، فجعلوا يدخلون على الرجل يعرفونه فيقولون: يا فلان، ألم نحذرك سطوات الله؟ ألم نحذرك نقمات الله؟ ونحذرك ونحذرك؟ قال: فليس إلا بكاء! (24) قال: وإنما عذب الله الذين ظلموا، الذين أقاموا على ذلك. قال: وأما الذين نَهَوْا، فكلهم قد نهى, ولكن بعضهم أفضل من بعض. فقرأ: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ .15276- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي, عن داود, عن عكرمة قال: قرأ ابن عباس هذه الآية: " لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا "، قال: لا أدري أنجا القوم أو هلكوا؟ فما زلت أبصِّره حتى عرف أنهم نجوا, وكساني حُلَّة.15277- حدثني يونس قال، أخبرني أشهب بن عبد العزيز, عن مالك قال: زعم ابن رُومان أن قوله: تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ ، قال: كانت تأتيهم يوم السبت, فإذا كان المساء ذهبتْ، فلا يرى منها شيء إلى السبت. فاتخذ لذلك رجل منهم خيطًا ووتدًا, فربط حوتًا منها في الماء يوم السبت, حتى إذا أمسوا ليلة الأحد أخذه فاشتواه, فوجد الناس ريحه, فأتوه فسألوه عن ذلك, فجحدهم, فلم يزالوا به حتى قال لهم: فإنه جلد حوتٍ وجدناه! فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك= ولا أدري لعله قال: ربط حوتين= فلما أمسى من ليلة الأحد أخذه فاشتواه, فوجدوا ريحه, فجاءوا فسألوه, فقال لهم: لو شئتم صنعتم كما أصنع! فقالوا له: وما صنعت؟ فأخبرهم, ففعلوا مثل ما فعل, حتى كثر ذلك. وكانت لهم مدينة لها رَبض, (25) فغلَّقوها, فأصابهم من المسْخ ما أصابهم. فغدا إليهم جيرانهم ممن كان يكون حولهم, يطلبون منهم ما يطلب الناس, فوجدوا المدينة مغلقة عليهم, فنادوا فلم يجيبوهم, فتسوَّروا عليهم, فإذا هم قردة, فجعل القرد يدنو يتمسَّح بمن كان يعرف قبل ذلك، ويدنو منه ويتمسَّح به.* * *وقال آخرون: بل الفرقة التي قالت: " لم تعظون قومًا الله مهلكهم "، كانت من الفرقة الهالكة.* ذكر من قال ذلك:15278- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس, عن محمد بن إسحاق, عن داود بن حصين, عن عكرمة, عن ابن عباس: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إلى قوله: شُرَّعًا ، قال: قال ابن عباس: ابتدعوا السبت فابتلُوا فيه, فحرِّمت عليهم فيه الحيتان, فكانوا إذا كان يوم السبت شَرَعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر. فإذا انقضى السبتُ، ذهبتْ فلم تُرَ حتى السبت المقبل، فإذا جاء السبت جاءت شرَّعًا. فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا كذلك, ثم إنّ رجلا منهم أخذ حوتًا فخزمه بأنفه, (26) ثم ضرب له وَتِدًا في الساحل، وربطه وتركه في الماء. فلما كان الغد، أخذه فشواه فأكله. ففعل ذلك وهم ينظرُون ولا ينكرون, ولا ينهاه منهم أحد إلا عصبة منهم نَهوه, حتى ظهر ذلك في الأسواق وفُعِل علانيةً. قال: فقالت طائفة للذين يَنهون: " لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا قالوا معذرة إلى ربكم "، في سخطنا أعمالهم، وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ، إلى قوله: قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ، قال ابن عباس: كانوا أثلاثًا: ثلث نَهوا, وثلث قالوا: " لم تعظون قوما الله مهلكهم "، وثلث أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين نهوا, وهلك سائرهم. فأصبح الذين نهوا عن السوء ذات يوم في مجالسهم يتفقَّدون الناس لا يرونهم, فَعَلوْا على دورهم, (27) فجعلوا يقولون: إنّ للناس لشأنًا, فانظروا ما شأنهم ! فاطلعوا في دورهم, فإذا القوم قد مسخوا في ديارهم قردة, يعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد, ويعرفون المرأة بعينها وإنها لقردة، قال الله: فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [سورة البقرة: 66].15279- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبي بكر الهذلي, عن عكرمة, عن ابن عباس: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ الآية، قال ابن عباس: نجا الناهون, وهلك الفاعلون, ولا أدري ما صنع بالساكتين!15280- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة, عن ابن عباس: " لم تعظون قومًا الله مهلكهم "، قال: هم ثلاث فرق: الفرقة التي وَعَظت, والموعوظة التي وُعِظت, والله أعلم ما فعلت الفرقة الثالثة, وهم الذين قالوا: " لم تعظون قوما الله مهلكهم ".=وقال الكلبي: هما فرقتان: الفرقة التي وَعَظت, والتي قالت: " لم تعظون قومًا الله مهلكهم " قال: هي الموعوظة.15281- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمران بن عيينة, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: لأن أكون علمتُ من هؤلاء الذين قالوا: " لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا "، أحبُّ إليّ مما عُدِل به!15282- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن عطاء قال، قال ابن عباس: " وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم "، قال: أسمع، الله يقول: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ، فليت شعري ما فُعِل بهؤلاء الذين قالوا: " لم تعظون قومًا الله مهلكهم "؟15283- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب, عن جعفر, عن ماهان الحنفي أبي صالح في قوله: تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ ، قال: كانوا في المدينة التي على ساحل البحر, وكانت الأيام ستةً, الأحد إلى الجمعة. فوضعت اليهود يوم السبْت, وسبّتوه على أنفسهم, فسبَّته الله عليهم, ولم يكن السبت قبل ذلك, فوكّده الله عليهم, وابتلاهم فيه بالحيتَانِ, فجعلت تشرع يوم السبت, فيتقون أن يصيبُوا منها, حتى قال رجل منهم: والله ما السَّبت بيوم وَكّده الله علينا, ونحن وكّدناه على أنفسنا, فلو تناولت من هذا السمك ! فتناول حوتًا من الحيتان, فسمع بذلك جارُه, فخاف العقوبة، فهرب من منزله. فلما مكث ما شاء الله ولم تصبه عقوبة، تناول غيرُه أيضًا في يوم السبت. فلما لم تصبهم العقوبة، كثر مَنْ تناول في يوم السبت, واتخذوا يوم السبت، وليلةَ السبت عيدًا يشربون فيه الخمورَ، ويلعبون فيه بالمعازف. فقال لهم خيارهم وصلحاؤهم: ويحكم, انتهوا عما تفعلون, إن الله مهلككم أو معذِّبكم عذابًا شديدًا، أفلا تعقلون؟ ولا تعدوا في السبت! فأبوا, فقال خِيارهم: نضرب بيننا وبينهم حائطًا. ففعلوا، وكان إذا كان ليلة السبت تأذَّوا بما يسمعون من أصواتهم وأصوات المعازف، حتى إذا كانت الليلة التي مُسِخوا فيها, سكنت أصواتهم أوّل الليل, فقال خيارهم: ما شأن قومكم قد سكنت أصواتهم الليلة؟ فقال بعضهم: لعل الخمر غلبَتهم فناموا! فلما أصبحوا، لم يسمعوا لهم حسًّا، فقال بعضهم لبعض: ما لنا لا نسمع من قومكم حسًّا؟ فقالوا لرجل: اصعد الحائط وانظر ما شأنهم. فصعد الحائط، فرآهم يموجُ بعضهم في بعض, قد مُسخوا قردةً, فقال لقومه: تعالوا فانظروا إلى قومكم ما لَقُوا! فصعدوا, فجعلوا ينظرون إلى الرجل فيتوسَّمُون فيه, فيقولون: أي فلان، أنت فلان؟ فيومئ بيده إلى صدره أن نعم، (28) بما كسبت يداي. (29)15284- حدثني يعقوب وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية, عن أيوب قال، تلا الحسن ذات يوم: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ، فقال: حوتٌ حرمه الله عليهم في يوم، (30) وأحله لهم فيما سوى ذلك, فكان يأتيهم في اليوم الذي حرَّمه الله عليهم كأنه المخاض، (31) لا يمتنع من أحد. وقلَّما رأيت أحدًا يكثر الاهتمامَ بالذنب إلا واقعه، (32) فجعلوا يَهتمُّون ويمْسِكون، حتى أخذوه, فأكلوا أوْخَم أكلة أكلها قوم قطُّ, (33) أبقاه خزيًا في الدنيا، وأشدُّه عقوبة في الآخرة! (34) وايم الله، [ما حوتُ أخذه قوم فأكلوه، أعظم عند الله من قتل رجل مؤمن] ! (35) وللمؤمن أعظم حرمة عند الله من حوت, ولكن الله جعل موعدَ قومٍ الساعة وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ، [سورة القمر: 46].15285- حدثني يونس قال، أخبرنا سفيان, عن أبي موسى, عن الحسن قال: جاءتهم الحيتان تشرع في حياضهم كأنها المخاض, (36) فأكلوا والله أوخم أكلة أكلها قوم قط, (37) أسوأه عقوبة في الدنيا، وأشدُّه عذابًا في الآخرة!وقال الحسن: وقتل المؤمن والله أعظم من أكل الحيتان!15286- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن عطاء قال: كنت جالسًا في المسجد، فإذا شيخ قد جاء وجلس الناسُ إليه, فقالوا: هذا من أصحاب عبد الله بن مسعود! قال: قال ابن مسعود: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ الآية، قال: لما حرم عليهم السبت، كانت الحيتان تأتي يوم السبت, وتأمن فتجيء، (38) فلا يستطيعون أن يمسوها. وكان إذا ذهب السبت ذهبت, فكانوا يتصيّدون كما يتصيد الناس. فلما أرادوا أن يعدوا في السبت, اصطادوا, فنهاهم قوم من صالحيهم, فأبوا, وكَثَرَهم الفجَّار, (39) فأراد الفجار قتالهم, فكان فيهم من لا يشتهون قتاله, أبو أحدهم وأخوه أو قريبه. فلما نهوهم وأبوا، قال الصالحون: إذًا نُتَّهم! وإنا نجعل بيننا وبينهم حائطًا! (40) ففعلوا, فلما فقدوا أصواتهم قالوا: لو نظرتم إلى إخوانكم ما فعلوا ! فنظروا، فإذا هم قد مُسخوا قردةً, يعرفون الكبير بكبره، والصغير بصغره, فجعلوا يبكون إليهم. وكان هذا بعد موسى صلى الله عليه وسلم.--------------------الهوامش :(1) (2) ضبطت الآية (( معذرة )) بالنصب على قراءتنا في مصحفنا ، وتفسير أبي جعفر واختياره في القراءة ، رفع (( معذرة )) ، فتنبه إليه .(2) (3) انظر تفسير (( أمة )) فيما سلف ص 176 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .(3) الأثر: 15264 مضى مطولا برقم: 1139 (2: 170) .(4) (2) انظر تفسير (( اتقى ) فيما سلف من فهارس اللغة ( وقى ) .(5) (3) انظر ذكر هذه الآية وإعرابها فيما سلف 2 : 107 ، 108 .(6) (1) في المطبوعة والمخطوطة : (( لأنها كانت من الناهية )) ، ولا معنى لقوله : (( من )) ، هنا ، والصواب ما أثبت .(7) (2) في المطبوعة والمخطوطة : (( تعلمون ) ، والصواب ما أثبت : (( تعلموا )) فعل أمر ، بتشديد اللام ، بمعنى : اعلموا .(8) الأثر : 15269 - (( معاذ بن هانئ القيسى )) ، ثقة ، روى عن همام بن يحيى ، ومحمد بن مسلم الطائفي ، وحماد بن سلمة ، وغيرهم 0 0مترجم في التهذيب ، والكبير 4/1/367 ، وابن أبي حاتم 4/1/250 .(9) (1 ) الأثر: 15271 - مضى صدر هذا الخبر ، وجزء آخر منه فيما سلف برقم : 15254 .(10) (2) (( الماخض )) ، التي قد دنا ولادها من الشاء وغيرها . وفي حديث الزكاة : (( فاعمد إلى شاة قد امتلأت مخاضاً ، وشحماً )) ، أي نتاجاً ، يعنى بذلك سمنها وبضاضتها .(11) (3) في المطبوعة وابن كثير 3 : 577 : (( تنتطح )) ولامعنى لها هنا ، وفي المخطوطة (( تلتطح )) ، كانها من قولهم (( لطح الرجل به الأرض )) ، و (( لطحه بالأرض )) ، إاذا ضربه بالأرض . وقاس منه (( التطح )) أي تتقلب ضاربة بظهورها وبطونها الأرض . وصوابها ما أثبت (( تنبطح )) أو ((تتبطح )) ( بتشديد الطاء ) ، أي تتمرغ في البطحاء . وانظر ما سيأتي في ص : 190 ، تعليق : 02 وقد حذف هذه الكلمة السيوطي في روايته للخبر في الدر المنثور 3 : 137 ، كعادته إذا أشكل عليه الكلام .(12) (1) هذه الجملة : (( وقال الأيمنون ....)) ساقطة من المخطوطة ، ثابتة في المطبوعة . وفي المطبوعة : (( الله ينهاكم عن أن تعترضوا لعقوبة الله )) ، ولا أدرى من أين جاء بها . وأثبت نص ابن كثير في تفسيره 3 : 557 ، وفي الدر المنثور 3 : 137 : (( ويلكم ، لا تتعرضوا لعقوبة الله )) .(13) (2) في المطبوعة : (( والله لا نبايتنكم )) وفي ابن كثير : 3: 577 : (( لنأتينكم )) ، وفي الدر المنثور 3 : 137 : (( لنسبايتنكم )) ، ومثله في المخطوطة ، وأرجح أن الصواب ما أثبت ، يعنون أنهم لن يبيتوا معهم في مدينتهم . فهذا ظاهر السياق .(14) (3) في المخطوطة والمطبوعة ، والدر المنثور : (( ما أراكم )) ، والصواب من ابن كثير .(15) (1) في المطبوعة ، والدر المنثور : (( أي جعلني الله فداك )) ، ولا معنى لها ، وحذفها ابن كثير في روايته الخبر . وأثبت ما في المخطوطة ، وقوله : (( إن )) ( مكسورة الألف مشددة النون ) بمعنى : نعم ، يعنى : إنه قد كان ، وإنهم قد نجوا . قال أبو عبيد في مثله : (( وهذا اختصار من كلام العرب ، يكتفي منه بالضمير ، لأنه قد علم معناه )) . وقد قال مسعود بن عبد الله الأسدي : قَالُوا :غَدَرْتَ! فَقُلْتُ: إنّ! وَرُبّمَانَالَ العُلَى وشَفَى الغَلِيلَ الغادِرُ(16) في المطبوعة : (( تنتطح )) ، وهي في المخطوطة واضحة كما أثبتها ، وانظر التعليق السالف ص : 188 ، رقم : 3 .(17) وضعت هذه النقط ، لدلالة على خرم في الخبر لاشك فيه ، فإنه غير متصل . ولكن كهذا هو في المخطوطة . وفي المخطوطة لم يسق الآية هكذا بل كتب : ( قوله : (( وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً )) ، فقرأ حتى بلغ (( ولعلهم يتقون )) ) ، فكان هذا دليلاً أيضاً على الخرم الذي وقع في نسخة التفسير . ولكن انظر بعض هذا الخبر بهذا الإسناد فيما سلف : 1140.(18) في المطبوعة : (( فصار )) ، وأثبت ما في المخطوطة بغير فاء ، لأنى لا أعلم ما قبله من السقط الذي حدث ، ما هو .(19) (( قرم إلى اللحم )) ( بكسر الراء ) ((قرماً)) بفتحتين: اشتدت شهوته إليه. وقوله : (( لقوامنه )) ، الضمير في ((منة))عائد إلى مصدر ((قرموا)) ، أي: القرم.(20) (2) في المطبوعة : (( خسفة )) ، ولا معنى لها ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، والصواب ما أثبت . و (( الخشفة )) بالخاء المعجمة و (( الحشفة )) بالحاء المهلة ( وبفتح الخاء والشين ) : هي حجارة تنبت في الأرض نباتاً ، أو صخرة رخوة في سهل من الأرض .(21) (3) (( النون )) : الحوت والسمك .(22) (4) قوله : (( جعلوا يصيدونه )) ، فخالف السياق المفرد السابق ، فأخشى أن يكون سقط من الكلام ما معناه أن بعض جيرانه اتبعوه وفشا فيهم ، فجعلوا يصيدونه ...(23) (1) في المطبوعة : (( بعذابه )) ، وأثبت ما في المخطوطة .(24) (2) في المخطوطة : (( فليس إلا تكاكا )) ، ولا أدرى ما وجهها ، وقد سلف في الخبر رقم 15272 ، في آخره : (( فتشم ثيابه فتبكي)) ، فتركت ما في المطبوعة على حاله ، حتى يتبين لما في المخطوطة وجه مرضى من الصواب .(25) (1) (( الربض )) ( بفتحتين ) : هو الفضاء حول المدينة .(26) (1) في المطبوعة : (( فخرم أنفه )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهذا صواب قراءته ونقطه . (( خزم الدابة )) ثقب في أنفها ثقباً ، وجعل فيه خزامة من شعر أو غيره ، و(( الخزامة )) ( بكسر الخاء ) الحلقة المعقودة .(27) (2) في المطبوعة : (( فعلقوا عليهم دورهم )) ، أراد أن يجتهد فأخطأ أشنع الخطأ ، والصواب البين ما في المخطوطة ، كما أثبته .(28) (1) في المخطوطة والمطبوعة : (( أي نعم )) ، والصواب الجيد ما أثبت .(29) (2) الأثر : 15283 - ( ما هان أبو صالح الحنفي )) ، قال البخاري (( ما هان ، أبو سالم الحنفي ، ...وقال بعضهم : ما هان ، أبو صالح ، ولا يصح )) وقد مضى ذلك برقم 3226 ، 13291 ، وهو مترجم في التهذيب و الكبير 4 / 2 / 67 ، ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 434 .(30) (3) في المطبوعة : (( كان حوتاً حرمه الله )) ، وأثبت ما في المخطوطة .(31) (4) في المخطوطة : (( كأنه المحاصر )) غير منقوطة ، وكأن ما في المطبوعة هو الصواب ، وقد سلف في ص : 188 ، وتعليق : 2 ، : (( كانت تأتيهم ... بيضاً سماناً كأنها بالمخاض )) ، وفسرته هناك بأنه أراد بالمخاض ، الشاة أو الناقة التي دنا ولادها ، وأنه عنى بذلك سمنها وترارتها . و(( الماخض )) : الإبل الحوامل ، يريد التي امتلأت حملا وسمناً .(32) (1) (( الاهتمام )) ، يريد : الهم به ، لا من (( الاهتمام )) بمعنى الاغتمام والحزن . وهو صريح القياس : (( اهتم بالأمر )) ، بمعنى (( هم به )) ، ولم تذكرها معاجم اللغة .(33) (2) استعمال (( قط )) مع غير النفي ، أعنى في المثبت ، مما أنكروه ، وقد جاء في الكلام كثيراً ، ونبه إليه ابن مالك في مشكلات الجامع الصحيح : 193 ، قال : (( وفي قوله : ونحن أكثر ما كنا قط ، استعمال قط غير مسبوقة بنفي ، وهو مما خفي على كثير من النحويين . لأن المعهود استعمالها لاستغراق الزمان الماضي بعد نفي ، نحو : ما فعلت ذلك قط وقد جاءت في هذا الحديث دون نفي . وله نظائر )) . وانظر الخبر الآتي رقم 15285 .(34) (3) قوله : (( أبقاه خزياً )) ، أعاد الضمير مع (( أفعل )) التفضيل بالإفراد والتذكير ، وهي عائدة إلى (( أكلة )) ، وهي مؤنثة ، وذلك صريح العربية ، وقد مضت الإشارة إلى ذلك فيما سلف 5 : 488 ، تعليق : 1 : 5 : 557 ، تعليق 1 / 6 : 395 ، 396 ، تعليق : 2 / 7 : 87 ، تعليق : 4 والأثر رقم : 14813 . وكان في المطبوعة : (( أثقله خزياً )) ، والصواب من الدر المنثور 3 : 138 ، وفي المخطوطة : (( أبقى خزياً في الدنيا ، وأشد عقوبة في الآخرة )) .(35) (4) هذه الجملة التي بين القوسين في المطبوعة ، ولم ترد في المخطوطة ، ولا في الدر المنثور 3 : 138 ، ونصها في المخطوطة : (( وايم الله ، للمؤمن أعظم حرمة )) ، فلا أدرى ، أهي زيادة من ناسخ لنسخة أخرى ، أم سقطت من ناسخ نسختنا .(36) (5) في المخطوطة : (( كأنها المحاصر )) ، كما سلف في الخبر السالف ، انظر ص 196 ، تعليق : 4(37) (6) انظر التعليق السالف رقم : 3 .(38) (1) في المطبوعة : (( وتجئ )) ، وأثبت ما في المخطوطة .(39) (2) (( كثرهم الفجار )) ، أي : غلبوهم بكثرتهم .(40) (3) في المخطوطة : (( أدانهم ، و أنا نجعل بيننا وبينكم حائطاً )) ، هكذا ، فرأيت قراءتها كما أثبتها . أما في المطبوعة ، فقد غير الجملة وغير ضمائرها فكتب : (( إذًا نباينهم ، وأنا نجعل بيننا وبينهم حائطاً )) . وقوله (( إذا نتهم )) ، يعنى : إذا نتهم بما فعلتم من العدوان في السبت ، ويأخذنا الله بالعقاب ، ونحن براء مما فعلتم .
فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦٓ أَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذۡنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابِۭ بَـِٔيسِۭ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ١٦٥التفسير الميسرفلما تركت الطائفة التي اعتدت في يوم السبت ما ذُكِّرت به، واستمرت على غيِّها واعتدائها فيه، ولم تستجب لما وَعَظَتْها به الطائفة الواعظة، أنجى الله الذين ينهون عن معصيته، وأخذ الذين اعتدَوْا في يوم السبت بعذاب أليم شديد؛ بسبب مخالفتهم أمر الله وخروجهم عن طاعته.
تفسير السعديفَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أي: تركوا ما ذكروا به، واستمروا على غيهم واعتدائهم. أَنْجَيْنَا من العذاب الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وهكذا سنة اللّه في عباده، أن العقوبة إذا نزلت نجا منها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا وهم الذين اعتدوا في السبت بِعَذَابٍ بَئِيسٍ أي: شديد بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وأما الفرقة الأخرى التي قالت للناهين: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ فاختلف المفسرون في نجاتهم وهلاكهم، والظاهر أنهم كانوا من الناجين، لأن اللّه خص الهلاك بالظالمين، وهو لم يذكر أنهم ظالمون. فدل على أن العقوبة خاصة بالمعتدين في السبت، ولأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، فاكتفوا بإنكار أولئك، ولأنهم أنكروا عليهم بقولهم: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فأبدوا من غضبهم عليهم، ما يقتضي أنهم كارهون أشد الكراهة لفعلهم، وأن اللّه سيعاقبهم أشد العقوبة.
تفسير ابن كثيرقال تعالى : ( فلما نسوا ما ذكروا به ) أي : فلما أبى الفاعلون المنكر قبول النصيحة ، ( أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا ) أي : ارتكبوا المعصية ( بعذاب بئيس ) فنص على نجاة الناهين وهلاك الظالمين ، وسكت عن الساكتين ; لأن الجزاء من جنس العمل ، فهم لا يستحقون مدحا فيمدحوا ، ولا ارتكبوا عظيما فيذموا ، ومع هذا فقد اختلف الأئمة فيهم : هل كانوا من الهالكين أو من الناجين ؟ على قولين :قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ) [ قال : ] هي قرية على شاطئ البحر بين مصر والمدينة ، يقال لها : " أيلة " ، فحرم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم ، وكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعا في ساحل البحر ، فإذا مضى يوم السبت لم يقدروا عليها . فمضى على ذلك ما شاء الله ، ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم ، فنهتهم طائفة وقالوا : تأخذونها وقد حرمها الله عليكم يوم سبتكم ؟ فلم يزدادوا إلا غيا وعتوا ، وجعلت طائفة أخرى تنهاهم ، فلما طال ذلك عليهم قالت طائفة من النهاة : تعلمون أن هؤلاء قوم قد حق عليهم العذاب ، ( لم تعظون قوما الله مهلكهم [ أو معذبهم عذابا شديدا ] ) وكانوا أشد غضبا لله من الطائفة الأخرى ؟ فقالوا : ( معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ) وكل قد كانوا ينهون ، فلما وقع عليهم غضب الله نجت الطائفتان اللتان قالوا : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم ) والذين قالوا : ( معذرة إلى ربكم ) وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان ، فجعلهم قردة .وروى العوفي ، عن ابن عباس قريبا من هذا .وقال حماد بن زيد ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ) قال : ما أدري أنجى الذين قالوا : " أتعظون قوما الله مهلكهم " ، أم لا ؟ قال : فلم أزل به حتى عرفته أنهم نجوا ، فكساني حلة .قال عبد الرزاق : أخبرنا ابن جريج ، حدثني رجل ، عن عكرمة قال : جئت ابن عباس يوما وهو يبكي ، وإذا المصحف في حجره ، فأعظمت أن أدنو ، ثم لم أزل على ذلك حتى تقدمت فجلست ، فقلت : ما يبكيك يا أبا عباس ، جعلني الله فداك ؟ قال : فقال : هؤلاء الورقات . قال : وإذا هو في " سورة الأعراف " ، قال : تعرف أيلة قلت : نعم . قال : فإنه كان بها حي من يهود سيقت الحيتان إليهم يوم السبت ، ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغوصوا بعد كد ومؤنة شديدة ، كانت تأتيهم يوم السبت شرعا بيضا سمانا كأنها الماخض ، تتبطح ظهورها لبطونها بأفنيتهم . فكانوا كذلك برهة من الدهر ، ثم إن الشيطان أوحى إليهم فقال : إنما نهيتم عن أكلها يوم السبت ، فخذوها فيه ، وكلوها في غيره من الأيام . فقالت ذلك طائفة منهم ، وقالت طائفة : بل نهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها يوم السبت . فكانوا كذلك ، حتى جاءت الجمعة المقبلة ، فغدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها ، واعتزلت طائفة ذات اليمين ، وتنحت واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت . وقال الأيمنون : ويلكم ، الله الله ننهاكم أن تتعرضوا لعقوبة الله . وقال الأيسرون : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ) ؟ قال الأيمنون : ( معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ) إن ينتهوا فهو أحب إلينا ألا يصابوا ولا يهلكوا ، وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم . فمضوا على الخطيئة ، وقال الأيمنون : فقد فعلتم ، يا أعداء الله . والله لا نبايتكم الليلة في مدينتكم ، والله ما نراكم تصبحون حتى يصبحكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده من العذاب . فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا ، فلم يجابوا ، فوضعوا سلما ، وأعلوا سور المدينة رجلا فالتفت إليهم فقال : أي عباد الله ، قردة والله تعاوي لها أذناب . قال : ففتحوا فدخلوا عليهم ، فعرفت القرود أنسابها من الإنس ، ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة ، فجعلت القرود يأتيها نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي ، فتقول : ألم ننهكم عن كذا ؟ فتقول برأسها ، أي نعم . ثم قرأ ابن عباس : ( فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ) قال : فأرى الذين نهوا قد نجوا ، ولا أرى الآخرين ذكروا ، ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها ؟ . قال : قلت : جعلني الله فداك ، ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه ، وخالفوهم وقالوا : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم ) ؟ قال : فأمر لي فكسيت ثوبين غليظينوكذا روى مجاهد ، عنه .وقال ابن جرير : حدثنا يونس ، أخبرنا أشهب بن عبد العزيز ، عن مالك ، قال : زعم ابن رومان أن قوله تعالى : ( تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم ) قال : كانت تأتيهم يوم السبت ، فإذا كان المساء ذهبت ، فلا يرى منها شيء إلى يوم السبت الآخر ، فاتخذ - لذلك - رجل خيطا ووتدا ، فربط حوتا منها في الماء يوم السبت ، حتى إذا أمسوا ليلة الأحد ، أخذه فاشتواه ، فوجد الناس ريحه ، فأتوه فسألوه عن ذلك ، فجحدهم ، فلم يزالوا به حتى قال لهم : " فإنه جلد حوت وجدناه " . فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك - ولا أدري لعله قال : ربط حوتين - فلما أمسى من ليلة الأحد أخذه فاشتواه ، فوجدوا رائحة ، فجاءوا فسألوه فقال لهم : لو شئتم صنعتم كما أصنع . فقالوا له : وما صنعت ؟ فأخبرهم ، ففعلوا مثل ما فعل ، حتى كثر ذلك . وكانت لهم مدينة لها ربض يغلقونها عليهم ، فأصابهم من المسخ ما أصابهم . فغدوا عليهم جيرانهم مما كانوا حولهم ، يطلبون منهم ما يطلب الناس ، فوجدوا المدينة مغلقة عليهم ، فنادوا فلم يجيبوهم ، فتسوروا عليهم ، فإذا هم قردة ، فجعل القرد يدنو يتمسح بمن كان يعرف قبل ذلك ، ويدنو منه ويتمسح بهوقد قدمنا في سورة " البقرة " من الآثار في خبر هذه القرية ما فيه مقنع وكفاية ، ولله الحمد والمنة .القول الثاني : أن الساكتين كانوا من الهالكين .قال محمد بن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ; أنه قال : ابتدعوا السبت فابتلوا فيه ، فحرمت عليهم فيه الحيتان ، فكانوا إذا كان يوم السبت ، شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر . فإذا انقضى السبت ، ذهبت فلم تر حتى السبت المقبل ، فإذا جاء السبت جاءت شرعا ، فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا كذلك ، ثم إن رجلا منهم أخذ حوتا فخزم أنفه ثم ، ضرب له وتدا في الساحل ، وربطه وتركه في الماء . فلما كان الغد ، أخذه فشواه فأكله ، ففعل ذلك وهم ينظرون ولا ينكرون ، ولا ينهاه منهم أحد ، إلا عصبة منهم نهوه ، حتى ظهر ذلك في الأسواق ، ففعل علانية . قال : فقالت طائفة للذين ينهونهم : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ) فقالوا : سخط أعمالهم ( ولعلهم يتقون فلما نسوا ما ذكروا به ) إلى قوله : ( قردة خاسئين ) قال ابن عباس : كانوا أثلاثا : ثلث نهوا ، وثلث قالوا : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم ) وثلث أصحاب الخطيئة ، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم .وهذا إسناد جيد عن ابن عباس ، ولكن رجوعه إلى قول عكرمة في نجاة الساكتين ، أولى من القول بهذا ; لأنه تبين حالهم بعد ذلك ، والله أعلم .وقوله تعالى : ( وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ) فيه دلالة بالمفهوم على أن الذين بقوا نجوا .و ) بئيس ) فيه قراءات كثيرة ، ومعناه في قول مجاهد : " الشديد " ، وفي رواية : " أليم " . وقال قتادة : موجع . والكل متقارب ، والله أعلم .وقوله : ( خاسئين ) أي : ذليلين حقيرين مهانين .
تفسير القرطبيقوله تعالى فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون والنسيان يطلق على الساهي . والعامد : التارك ; لقوله تعالى : فلما نسوا ما ذكروا به أي تركوه عن قصد ; ومنه نسوا الله فنسيهم .ومعنى بعذاب بئيس أي شديد . وفيه إحدى عشرة قراءة : الأولى : قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي ( بئيس ) على وزن فعيل . الثانية : قراءة أهل مكة ( بئيس ) بكسر الباء والوزن واحد . والثالثة : قراءة أهل المدينة ( بيس ) الباء مكسورة بعدها ياء ساكنة بعدها سين مكسورة منونة ، وفيها قولان . قال الكسائي : الأصل فيه " بييس " خفيفة الهمزة ، فالتقت ياءان فحذفت إحداهما وكسر أوله كما يقال : رغيف وشهيد . وقيل : أراد " بئس " على وزن فعل ; فكسر أوله وخفف الهمزة وحذف الكسرة ; كما يقال : رحم ورحم . الرابعة : قراءة الحسن ، الباء مكسورة بعدها همزة ساكنة بعدها سين مفتوحة . الخامسة : قرأ أبو عبد الرحمن المقرئ ( بئس ) الباء مفتوحة والهمزة مكسورة والسين مكسورة منونة . السادسة : قال يعقوب القارئ : وجاء عن بعض القراء ( بعذاب بئس ) الباء مفتوحة والهمزة مكسورة والسين مفتوحة . السابعة : قراءة الأعمش ( بيئس ) على وزن فيعل . وروي عنه ( بيأس ) على وزن فيعل . وروي عنه ( بئس ) بباء مفتوحة وهمزة مشددة مكسورة ، والسين في كله مكسورة منونة ، أعني قراءة الأعمش . العاشرة : قراءة نصر بن عاصم ( بعذاب بيس ) الباء مفتوحة والياء مشددة بغير همز . قال يعقوب القارئ : وجاء عن بعض القراء ( بئيس ) الباء مكسورة بعدها همزة ساكنة بعدها ياء مفتوحة . فهذه إحدى عشرة قراءة ذكرها النحاس . قال علي بن سليمان : العرب تقول جاء ببنات بيس أي بشيء رديء . فمعنى ( بعذاب بيس ) بعذاب رديء . وأما قراءة الحسن فزعم أبو حاتم أنه لا وجه لها ، قال : لأنه لا يقال مررت برجل بئس ، حتى يقال : بئس الرجل ، أو بئس رجلا . قال النحاس : وهذا مردود من كلام أبي حاتم ; حكى النحويون : إن فعلت كذا وكذا فبها ونعمت . يريدون فبها ونعمت الخصلة . والتقدير على قراءة الحسن : بعذاب بئس العذاب .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما تركت الطائفة التي اعتدت في السبت ما أمرها الله به من ترك الاعتداء فيه، وضيَّعت ما وَعظتْها الطائفة الواعظة وذكَّرتها به، (41) من تحذيرها عقوبةَ الله على معصيتها، فتقدّمت على استحلال ما حرم الله عليها (42) أنجى الله الذين ينهون منهم عن " السوء "= يعني عن معصية الله, واسْتحلال حِرْمه (43) = " وأخذنا الذين ظلموا "، يقول: وأخذ الله الذين اعتدوا في السبت، فاستحلوا فيه ما حرَّم الله من صيد السمك وأكله, فأحلَّ بهم بأسَه، وأهلكهم بعذاب شديدٍ بئيس بما كانوا يخالفون أمر الله, (44) فيخرجون من طاعته إلى معصيته, وذلك هو " الفسق ". (45)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:15287- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج في قوله: " فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء "، قال: فلما نسُوا موعظة المؤمنين إياهم, الذين قالوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا .15288- حدثني محمد بن المثني قال، حدثنا حرمي قال، حدثني شعبة قال، أخبرني عمارة, عن عكرمة, عن ابن عباس: " أنجينا الذين ينهون عن السوء " قال: يا ليت شعري، ما السُّوء الذي نهوا عنه؟* * *وأما قوله: " بعذاب بَئيس "، فإنّ القرأة اختلفت في قراءته.فقرأته عامة قرأة أهل المدينة: (بِعَذَابٍ بِيسٍ) بكسر الباء وتخفيف الياء، بغير همز, على مثال " فِعْل ".* * *وقرأ ذلك بعضُ قرأة الكوفة والبصرة: (بِعَذَابٍ بَئِيسٍ) على مثل " فعيل "، من " البؤس ", بنصب الباء وكسر الهمزة ومدِّها.* * *وقرأ ذلك كذلك بعض المكيين, غير أنه كسر باء: (بِئِيسٍ) على مثال " فِعِيل ".* * *وقرأه بعض الكوفيين: (بَيْئِسٍ) بفتح الباء وتسكين الياء, وهمزة بعدها مكسورة، على مثال " فَيْعِل ".* * *= وذلك شاذ عند أهل العربية, لأن " فَيْعِل " إذا لم يكن من ذوات الياء والواو, فالفتح في عينه الفصيحُ في كلام العرب, وذلك مثل قولهم في نظيره من السالم: " صَيْقَل, ونَيْرَب ", وإنما تُكْسر العين من ذلك في ذوات الياء والواو كقولهم: " سَيِّد " و " ميِّت "، وقد أنشد بعضهم قول امرئ القيس بن عابسٍ الكنديّ:كِلاهُمَا كَانَ رَئيسًا بَيْئِسَايَضْرِبُ فِي يَوْمِ الهِيَاجِ القَوْنَسَا (46)بكسر العين من " فيعِل ", وهي الهمزة من " بيئس "، فلعلَّ الذي قرأ ذلك كذلك قرأه على هذه.* * *وذكر عن آخر من الكوفيين أيضًا أنه قرأه: (بَيْئَسٍ)، نحو القراءة التي ذكرناها قبل هذه, وذلك بفتح الباء وتسكين الياء وفتح الهمزة بعد الياء، على مثال " فَيْعَل " مثل " صَيْقَل ".* * *وروي عن بعض البصريين أنه قرأه: (بَئِسٍ) بفتح الباء وكسر الهمزة، على مثال " فَعِل ", كما قال ابن قيس الرقيَّات:لَيْتَنِي أَلْقَي رُقَيَّةَ فِيخَلْوَةٍ مِنْ غَيْرِ مَا بَئِسِ (47)* * *وروي عن آخر منهم أنه قرأ: (بِئْسَ) بكسر الباء وفتح السين، على معنى: بِئْسَ العذاب.* * *قال أبو جعفر: وأولى هذه القراءات عندي بالصواب، قراءةُ من قرأه: (بَئِيسٍ) بفتح الباء، وكسر الهمزة ومدّها، على مثال " فَعِيل ", كما قال ذو الإصبع العَدْوانيّ:حَنَقًا عَلَيَّ, وَمَا تَرَىلِي فِيهِمُ أَثَرًا بَئيسَا (48)= لأن أهل التأويل أجمعوا على أن معناه: شديد, فدلّ ذلك على صحة ما اخترنا. (49)* ذكر من قال ذلك:15289- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج قال، أخبرني رجل عن عكرمة, عن ابن عباس في قوله: " وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس "، : أليم وجيع.15290- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " بعذاب بئيس "، قال: شديد.15291- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " بعذاب بئيس "، أليم شديد.15292- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: " بعذاب بئيس " قال: موجع.15293- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " بعذاب بئيس "، قال: بعذاب شديد.-------------------الهوامش :(41) (1) في المطبوعة : (( وذكرتها ما ذكرتها به )) زاد في الكلام ما لا حاجة إليه به ، وخالف المخطوطة .(42) (2) انظر تفسير (( النسيان )) فيما سلف من فهارس اللغة ( نسى ) .(43) (3) (( الحرم )) ( بكسر فسكون ) ، (( هو الحرام )) .(44) (4) في المطبوعة : (( بما كانوا يفسقون يخالفون )) ، وقوله (( يفسقون )) كانت في المخطوطة ، ولكنه ضرب عليها ، فكان حقاً على الناشر أن يحذفها كما فعلت .(45) (5) انظر تفسير (( الفسق )) فيما سلف من فهارس اللغة ( فسق ) .(46) (1) تفسير أبي حيان 4 : 413 .(47) (1) ديوانه : 386 ، والخزانة 3 : 587 ، والعينى ( بهامش الخزانة ) 4 : 379 ، ورواية صاحب الخزانة (( من غير ما أنس )) ، وشرحها فقال : (( الأنس ، بفتحتين ، بمعنى الإنس ، بكسر الهمزة وسكون النون ، وما زائدة ، وفيه مضاف محذوف ، تقديره : في غير حضور إنس )) ، وهذا في ظني ، اجتهاد من صاحب الخزانة ، وأن البيت مصحف صوابه ما في الطبري . وأما العينى ، فكتب (( من غير ما يبس )) ( بالياء ثم الباء ) ، وهو تصحيف لا شك فيه ، ومثله في الديوان منقولاً عنه . والصواب ما شرحه أبو جعفر .(48) (2) الأغاني 3 : 102 ، 103 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 231 من شعر جيد في ابن عم له كان يعاديه ، فكان يتدسس إلى مكارهه ، ويؤلب عليه ، ويسعى بينه وبين عمه ، ويبغيه شراً ، فقال فيه :وَليَ ابْنُ عَمٍّ لا يَزَالُ إِلَىَّ مُنْكَرُه دَسِيسَادَبَّتْ لَهُ، فأحَسَّ بَعْدَ البُرْءِ مِنْ سَقَمٍ رَسِيسَاإِمَّا عَلانِيَةً، وَإِمَّامُخْمِرًا أَكْلا وَهِيسًاإِنِّي رَأَيتُ بَني أَبِيكَ يحمِّجُون إِليَّ شُوسَاحَنَقًا عَليَّ،.............. . . . . . . . . . . . . . . . . . .وقوله : (( دبت له )) ، يعني العداوة . و(( الرسيس )) : أول الحمى ، وقوله : (( مخمرا )) أي يستر ما يريد ، (( أخمر الشيء )) : ستره . (( الأكل الوهيس )) : الشديد ، يعنى ما يغتابه به ويأكل به لحمه . و (( التحميج )) ، إدامة النظر ، والقلب كاره أو محنق . و (( الشوس )) جمع (( أشوس )) ، وهو الذي ينظر بمؤخر عينه مغيظاً يتحرق . وكان في المطبوعة : (( ولن ترى )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وإنما جاء بها من الأغاني .(49) انظر تفسير "البائس" فيما سلف 12 : 304 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
فَلَمَّا عَتَوۡاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ ١٦٦التفسير الميسرفلما تمردت تلك الطائفة، وتجاوزت ما نهاها الله عنه من عدم الصيد في يوم السبت، قال لهم الله: كونوا قردة خاسئين مبعدين من كل خير، فكانوا كذلك.
تفسير السعديفَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ أي: قسوا فلم يلينوا، ولا اتعظوا، قُلْنَا لَهُمْ قولا قدريا: كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فانقلبوا بإذن اللّه قردة، وأبعدهم اللّه من رحمته، ثم ذكر ضرب الذلة والصغار على من بقي منهم
تفسير ابن كثيرقال تعالى : ( فلما نسوا ما ذكروا به ) أي : فلما أبى الفاعلون المنكر قبول النصيحة ، ( أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا ) أي : ارتكبوا المعصية ( بعذاب بئيس ) فنص على نجاة الناهين وهلاك الظالمين ، وسكت عن الساكتين ; لأن الجزاء من جنس العمل ، فهم لا يستحقون مدحا فيمدحوا ، ولا ارتكبوا عظيما فيذموا ، ومع هذا فقد اختلف الأئمة فيهم : هل كانوا من الهالكين أو من الناجين ؟ على قولين :قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ) [ قال : ] هي قرية على شاطئ البحر بين مصر والمدينة ، يقال لها : " أيلة " ، فحرم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم ، وكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعا في ساحل البحر ، فإذا مضى يوم السبت لم يقدروا عليها . فمضى على ذلك ما شاء الله ، ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم ، فنهتهم طائفة وقالوا : تأخذونها وقد حرمها الله عليكم يوم سبتكم ؟ فلم يزدادوا إلا غيا وعتوا ، وجعلت طائفة أخرى تنهاهم ، فلما طال ذلك عليهم قالت طائفة من النهاة : تعلمون أن هؤلاء قوم قد حق عليهم العذاب ، ( لم تعظون قوما الله مهلكهم [ أو معذبهم عذابا شديدا ] ) وكانوا أشد غضبا لله من الطائفة الأخرى ؟ فقالوا : ( معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ) وكل قد كانوا ينهون ، فلما وقع عليهم غضب الله نجت الطائفتان اللتان قالوا : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم ) والذين قالوا : ( معذرة إلى ربكم ) وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان ، فجعلهم قردة .وروى العوفي ، عن ابن عباس قريبا من هذا .وقال حماد بن زيد ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ) قال : ما أدري أنجى الذين قالوا : " أتعظون قوما الله مهلكهم " ، أم لا ؟ قال : فلم أزل به حتى عرفته أنهم نجوا ، فكساني حلة .قال عبد الرزاق : أخبرنا ابن جريج ، حدثني رجل ، عن عكرمة قال : جئت ابن عباس يوما وهو يبكي ، وإذا المصحف في حجره ، فأعظمت أن أدنو ، ثم لم أزل على ذلك حتى تقدمت فجلست ، فقلت : ما يبكيك يا أبا عباس ، جعلني الله فداك ؟ قال : فقال : هؤلاء الورقات . قال : وإذا هو في " سورة الأعراف " ، قال : تعرف أيلة قلت : نعم . قال : فإنه كان بها حي من يهود سيقت الحيتان إليهم يوم السبت ، ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغوصوا بعد كد ومؤنة شديدة ، كانت تأتيهم يوم السبت شرعا بيضا سمانا كأنها الماخض ، تتبطح ظهورها لبطونها بأفنيتهم . فكانوا كذلك برهة من الدهر ، ثم إن الشيطان أوحى إليهم فقال : إنما نهيتم عن أكلها يوم السبت ، فخذوها فيه ، وكلوها في غيره من الأيام . فقالت ذلك طائفة منهم ، وقالت طائفة : بل نهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها يوم السبت . فكانوا كذلك ، حتى جاءت الجمعة المقبلة ، فغدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها ، واعتزلت طائفة ذات اليمين ، وتنحت واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت . وقال الأيمنون : ويلكم ، الله الله ننهاكم أن تتعرضوا لعقوبة الله . وقال الأيسرون : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ) ؟ قال الأيمنون : ( معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ) إن ينتهوا فهو أحب إلينا ألا يصابوا ولا يهلكوا ، وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم . فمضوا على الخطيئة ، وقال الأيمنون : فقد فعلتم ، يا أعداء الله . والله لا نبايتكم الليلة في مدينتكم ، والله ما نراكم تصبحون حتى يصبحكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده من العذاب . فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا ، فلم يجابوا ، فوضعوا سلما ، وأعلوا سور المدينة رجلا فالتفت إليهم فقال : أي عباد الله ، قردة والله تعاوي لها أذناب . قال : ففتحوا فدخلوا عليهم ، فعرفت القرود أنسابها من الإنس ، ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة ، فجعلت القرود يأتيها نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي ، فتقول : ألم ننهكم عن كذا ؟ فتقول برأسها ، أي نعم . ثم قرأ ابن عباس : ( فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ) قال : فأرى الذين نهوا قد نجوا ، ولا أرى الآخرين ذكروا ، ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها ؟ . قال : قلت : جعلني الله فداك ، ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه ، وخالفوهم وقالوا : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم ) ؟ قال : فأمر لي فكسيت ثوبين غليظينوكذا روى مجاهد ، عنه .وقال ابن جرير : حدثنا يونس ، أخبرنا أشهب بن عبد العزيز ، عن مالك ، قال : زعم ابن رومان أن قوله تعالى : ( تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم ) قال : كانت تأتيهم يوم السبت ، فإذا كان المساء ذهبت ، فلا يرى منها شيء إلى يوم السبت الآخر ، فاتخذ - لذلك - رجل خيطا ووتدا ، فربط حوتا منها في الماء يوم السبت ، حتى إذا أمسوا ليلة الأحد ، أخذه فاشتواه ، فوجد الناس ريحه ، فأتوه فسألوه عن ذلك ، فجحدهم ، فلم يزالوا به حتى قال لهم : " فإنه جلد حوت وجدناه " . فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك - ولا أدري لعله قال : ربط حوتين - فلما أمسى من ليلة الأحد أخذه فاشتواه ، فوجدوا رائحة ، فجاءوا فسألوه فقال لهم : لو شئتم صنعتم كما أصنع . فقالوا له : وما صنعت ؟ فأخبرهم ، ففعلوا مثل ما فعل ، حتى كثر ذلك . وكانت لهم مدينة لها ربض يغلقونها عليهم ، فأصابهم من المسخ ما أصابهم . فغدوا عليهم جيرانهم مما كانوا حولهم ، يطلبون منهم ما يطلب الناس ، فوجدوا المدينة مغلقة عليهم ، فنادوا فلم يجيبوهم ، فتسوروا عليهم ، فإذا هم قردة ، فجعل القرد يدنو يتمسح بمن كان يعرف قبل ذلك ، ويدنو منه ويتمسح بهوقد قدمنا في سورة " البقرة " من الآثار في خبر هذه القرية ما فيه مقنع وكفاية ، ولله الحمد والمنة .القول الثاني : أن الساكتين كانوا من الهالكين .قال محمد بن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ; أنه قال : ابتدعوا السبت فابتلوا فيه ، فحرمت عليهم فيه الحيتان ، فكانوا إذا كان يوم السبت ، شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر . فإذا انقضى السبت ، ذهبت فلم تر حتى السبت المقبل ، فإذا جاء السبت جاءت شرعا ، فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا كذلك ، ثم إن رجلا منهم أخذ حوتا فخزم أنفه ثم ، ضرب له وتدا في الساحل ، وربطه وتركه في الماء . فلما كان الغد ، أخذه فشواه فأكله ، ففعل ذلك وهم ينظرون ولا ينكرون ، ولا ينهاه منهم أحد ، إلا عصبة منهم نهوه ، حتى ظهر ذلك في الأسواق ، ففعل علانية . قال : فقالت طائفة للذين ينهونهم : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ) فقالوا : سخط أعمالهم ( ولعلهم يتقون فلما نسوا ما ذكروا به ) إلى قوله : ( قردة خاسئين ) قال ابن عباس : كانوا أثلاثا : ثلث نهوا ، وثلث قالوا : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم ) وثلث أصحاب الخطيئة ، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم .وهذا إسناد جيد عن ابن عباس ، ولكن رجوعه إلى قول عكرمة في نجاة الساكتين ، أولى من القول بهذا ; لأنه تبين حالهم بعد ذلك ، والله أعلم .وقوله تعالى : ( وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ) فيه دلالة بالمفهوم على أن الذين بقوا نجوا .و ) بئيس ) فيه قراءات كثيرة ، ومعناه في قول مجاهد : " الشديد " ، وفي رواية : " أليم " . وقال قتادة : موجع . والكل متقارب ، والله أعلم .وقوله : ( خاسئين ) أي : ذليلين حقيرين مهانين .
تفسير القرطبيقوله تعالى فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين قوله تعالى فلما عتوا عن ما نهوا عنه أي فلما تجاوزوا في معصية الله قلنا لهم كونوا قردة خاسئين يقال : خسأته فخسأ ; أي باعدته وطردته . وقد تقدم في " البقرة " ودل على أن المعاصي سبب النقمة : وهذا لا خفاء به . فقيل : قال لهم ذلك بكلام يسمع ، فكانوا كذلك . وقيل : المعنى كوناهم قردة .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما تمرَّدوا، فيما نهوا عنه من اعتدائهم في السبت, واستحلالهم ما حرَّم الله عليهم من صيد السمك وأكله، وتمادوا فيه (50) " قلنا لهم كونوا قردة خاسئين "، أي: بُعَداء من الخير. (51)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:15294- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " فلما عتوا عما نهوا عنه "، يقول: لما مَرَد القوم على المعصية= " قلنا لهم كونوا قردة خاسئين "، فصارُوا قردةً لها أذناب، تعاوى، بعدما كانوا رجالا ونساءً.15295- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: " فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين "، فجعل الله منهم القردة والخنازير. فزعم أن شباب القوم صارُوا قردةً, وأن المشيخة صاروا خنازيرَ.15296- حدثني المثني قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن السدي, عن أبي مالك أو سعيد بن جبير قال: رأى موسى عليه السلام رجلا يحمل قصَبًا يوم السبت, فضرب عنقه.-----------------------الهوامش :(50) (1) انظر تفسير (( عتا )) فيما سلف 12 : 543 .(51) (2) انظر تفسير (( خسأ )) فيما سلف 2 : 174 ، 175 .
وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبۡعَثَنَّ عَلَيۡهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٦٧التفسير الميسرواذكر -أيها الرسول- إذ علم ذلك إعلامًا صريحًا ليبعثن على اليهود مَن يذيقهم سوء العذاب والإذلال إلى يوم القيامة. إن ربك -أيها الرسول- لسريع العقاب لِمَن استحقه بسبب كفره ومعصيته، وإنه لغفور عن ذنوب التائبين، رحيم بهم.
تفسير السعديوَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ أي: أعلم إعلاما صريحا: لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ أي: يهينهم، ويذلهم. إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ لمن عصاه، حتى إنه يعجل له العقوبة في الدنيا. وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لمن تاب إليه وأناب، يغفر له الذنوب، ويستر عليه العيوب، ويرحمه بأن يتقبل منه الطاعات، ويثيبه عليها بأنواع المثوبات، وقد فعل اللّه بهم ما أوعدهم به، فلا يزالون في ذل وإهانة، تحت حكم غيرهم، لا تقوم لهم راية، ولا ينصر لهم عَلَمٌ.
تفسير ابن كثير( تأذن ) تفعل من الإذن أي : أعلم ، قاله مجاهد . وقال غيره : أمر .وفي قوة الكلام ما يفيد معنى القسم من هذه اللفظة ، ولهذا تلقيت باللام في قوله : ( ليبعثن عليهم ) أي : على اليهود ( إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب ) أي : بسبب عصيانهم ومخالفتهم أوامر الله وشرعه واحتيالهم على المحارم .ويقال : إن موسى ، عليه السلام ، ضرب عليهم الخراج سبع سنين - وقيل : ثلاث عشرة سنة ، وكان أول من ضرب الخراج . ثم كانوا في قهر الملوك من اليونانيين والكشدانيين والكلدانيين ، ثم صاروا في قهر النصارى وإذلالهم وإياهم ، أخذهم منهم الجزية والخراج ، ثم جاء الإسلام ، ومحمد ، عليه أفضل الصلاة والسلام ، فكانوا تحت صفاره وذمته يؤدون الخراج والجزىقال العوفي ، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال : هي المسكنة ، وأخذ الجزية منهم .وقال علي بن أبي طلحة ، عنه : هي الجزية ، والذين يسومهم سوء العذاب : محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته ، إلى يوم القيامة .وكذا قال سعيد بن جبير ، وابن جريج ، والسدي ، وقتادة .وقال عبد الرزاق : عن معمر ، عن عبد الكريم الجزري ، عن سعيد بن المسيب قال : يستحب أن تبعث الأنباط في الجزية .قلت : ثم آخر أمرهم أنهم يخرجون أنصار الدجال ، فيقتلهم المسلمون مع عيسى ابن مريم ، عليه السلام ، وذلك آخر الزمان .وقوله : ( إن ربك لسريع العقاب ) أي : لمن عصاه وخالف [ أمره و ] شرعه ، ( وإنه لغفور رحيم ) أي : لمن تاب إليه وأناب .وهذا من باب قرن الرحمة مع العقوبة ، لئلا يحصل اليأس ، فيقرن [ الله ] تعالى بين الترغيب والترهيب كثيرا ; لتبقى النفوس بين الرجاء والخوف .
تفسير القرطبيقوله تعالى وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم أي أعلم أسلافهم أنهم إن غيروا ولم يؤمنوا بالنبي الأمي بعث الله عليهم من يعذبهم . وقال أبو علي : " آذن " بالمد ، أعلم . و " أذن " بالتشديد ، نادى . وقال قوم : آذن وأذن بمعنى أعلم ; كما يقال : أيقن وتيقن . قال زهير :فقلت تعلم إن للصيد غرة فإلا تضيعها فإنك قاتلهوقال آخر :تعلم إن شر الناس حي ينادى في شعارهم يسارأي اعلم .ومعنى يسومهم يذيقهم ; وقد تقدم في " البقرة " قيل : المراد بختنصر . وقيل : العرب . وقيل : أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهو أظهر ; فإنهم الباقون إلى يوم القيامة . والله أعلم . قال ابن عباس : سوء العذاب هنا أخذ الجزية . فإن قيل : فقد مسخوا ، فكيف تؤخذ منهم الجزية ؟ فالجواب أنها تؤخذ من أبنائهم وأولادهم ، وهم أذل قوم ، وهم اليهود . وعن سعيد بن جبير سوء العذاب قال : الخراج ، ولم يجب نبي قط الخراج ، إلا موسى عليه السلام هو أول من وضع الخراج ، فجباه ثلاث عشرة سنة ، ثم أمسك ، ونبينا عليه السلام .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِقال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " وإذ تأذن "، واذكر، يا محمد، إذ آذن ربك، وأعلم. (52)* * *=وهو " تفعل " من " الإيذان ", كما قال الأعشى، ميمون بن قيس:أَذِنَ اليَوْمَ جِيرَتِي بِخُفُوفِصَرَمُوا حَبْلَ آلِفٍ مَأْلُوفِ (53)يعني بقوله: " أذِن "، أعلم. وقد بينا ذلك بشواهده في غير هذا الموضع. (54)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:15297- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: " وإذ تأذن ربك "، قال: أمرَ ربك.15298- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد, عن مجاهد: " وإذ تأذن ربك "، قال: أمر ربك.* * *وقوله: " ليبعثن عليهم "، يعني: أعلم ربك ليبعثن على اليهود من يسومهم سوء العذاب. (55) قيل: إن ذلك، العربُ، بعثهم الله على اليهود، يقاتلون من لم يسلم منهم ولم يعط الجزية, ومن أعطى منهم الجزية كان ذلك له صغارًا وذلة.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:15299- حدثني المثني بن إبراهيم وعلي بن داود قالا حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب "، قال: هي الجزية, والذين يسومونهم: محمد صلى الله عليه وسلم وأمّته، إلى يوم القيامة.15300- حدثني محمد بن سعد قال, حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب " ، فهي المسكنة, وأخذ الجزية منهم.15301- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال ابن عباس: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب "، قال: يهود, وما ضُرب عليهم من الذلة والمسكنة.15302- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب "، قال: فبعث الله عليهم هذا الحيَّ من العرب, فهم في عذاب منهم إلى يوم القيامة.15303- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: " ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم "، قال: بعث عليهم هذا الحي من العرب, فهم في عذاب منهم إلى يوم القيامة. = وقال عبد الكريم الجزريّ: يُستحبُّ أن تُبعث الأنباط في الجزية. (56)15304- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق بن إسماعيل, عن يعقوب, عن جعفر, عن سعيد: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم "، قال: العرب= " سوء العذاب "، قال: الخراج. وأوّلُ من وضع الخراج موسى عليه السلام, فجبى الخراجَ سبعَ سنين.15305- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب, عن جعفر, عن سعيد: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم "، قال: العرب= " سوء العذاب "؟ قال: الخراج. قال: وأول من وضع الخراج موسى, فجبى الخراج سبعَ سنين.15306- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب, عن جعفر, عن سعيد: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب "، قال: هم أهل الكتاب, بعث الله عليهم العرب يجبُونهم الخراجَ إلى يوم القيامة, فهو سوء العذاب. ولم يجب نبيٌّ الخراجَ قطُّ إلا مُوسى صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنةً، ثم أمسك, وإلا النبي صلى الله عليه وسلم.15307- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب "، قال: يبعث عليهم هذا الحي من العرب, فهم في عذاب منهم إلى يوم القيامة.15308- ..... قال أخبرنا معمر قال، أخبرني عبد الكريم, عن ابن المسيب قال: يستحبُّ أن تبعث الأنباط في الجزية. (57)15309- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط عن السدي: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب "، يقول: إن ربك يبعث على بني إسرائيل العرب, فيسومونهم سوء العذاب، يأخذون منهم الجزية ويقتلونهم.15310- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة "، ليبعثن على يَهُود.* * *القول في تأويل قوله : إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن ربك يا محمد، لسريعٌ عقابه إلى من استوجَب منه العقوبة على كفره به ومعصيته= " وإنه لغفور رحيم "، يقول: وإنه لذو صفح عن ذنوب من تاب من ذنوبه، فأناب وراجع طاعته, يستر عليها بعفوه عنها= " رحيم "، له، أن يعاقبه على جرمه بعد توبته منها, لأنه يقبل التوبة ويُقِيل العَثْرة. (58)-----------------الهوامش :(52) (1) كان في المطبوعة : (( إذ أذن ربك فأعلم )) ، وأثبت ما في المخطوطة .(53) (2) ديوانه : 211 ، مطلع قصيدة له طويلة . وفي الديوان المطبوع (( بحفوفي )) ، وهو خطأ صرف ، صوابه في مصورة ديوانه . و (( الخفوف )) مصدر قولهم : ((خف القوم عن منزلهم خفوفاً )) ، ارتحلوا ، أو أسرعوا في الارتحال ، وفي خطبته صلى الله عليه وسلم في مرضه : (( أيها الناس ، إنه قد دنا منى خفوف من بين أظهركم )) ، أي قرب ارتحال ، منذراً صلى الله عليه وسلم بموته .(54) (3) انظر تفسير (( الإذن )) فيما سلف 11 : 215 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .(55) (1) انظر تفسير (( البعث )) فيما سلف من فهارس اللغة ( بعث ) ، وأخشى أن يكون الصواب : (( يعنى : أعلم ربك ليرسلن على اليهود )) .(56) (1) القائل : (( قال عبد الكريم الجزرى ... )) ، إلى آخر الكلام ، هو (( معمر )) ، وسيأتي بيان ذلك و مصداقه في ا"لأثر رقم : 15308 ، رواية معمر ، عن عبد الكريم ، عن ابن المسيب .(57) (1) الأثر : 15308 - انظر ختام الأثر السالف رقم : 15303 .(58) (2) انظر تفسير (( سريع العقاب )) ، و(( غفور )) ،و (( رحيم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سرع ) و ( غفر ) و ( رحم ) .
وَقَطَّعۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُمَمٗاۖ مِّنۡهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنۡهُمۡ دُونَ ذَٰلِكَۖ وَبَلَوۡنَٰهُم بِٱلۡحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ١٦٨التفسير الميسروفرَّقنا بني إسرائيل في الأرض جماعات، منهم القائمون بحقوق الله وحقوق عباده، ومنهم المقصِّرون الظالمون لأنفسهم، واختبرنا هؤلاء بالرخاء في العيش والسَّعَة في الرزق، واختبرناهم أيضًا بالشدة في العيش والمصائب والرزايا؛ رجاء أن يرجعوا إلى طاعة ربهم ويتوبوا من معاصيه.
تفسير السعديوَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرْضِ أُمَمًا أي: فرقناهم ومزقناهم في الأرض بعد ما كانوا مجتمعين، مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ القائمون بحقوق اللّه، وحقوق عباده، وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ أي: دون الصلاح، إما مقتصدون، وإما ظالمون لأنفسهم، وَبَلَوْنَاهُمْ على عادتنا وسنتنا، بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ أي: بالعسر واليسر. لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عما هم عليه مقيمون من الردى، يراجعون ما خلقوا له من الهدى
تفسير ابن كثيريذكر تعالى أنه فرقهم في الأرض أمما ، أي : طوائف وفرقا ، كما قال [ تعالى ] ( وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا ) [ الإسراء : 104 ]( منهم الصالحون ومنهم دون ذلك ) أي : فيهم الصالح وغير ذلك ، كما قالت الجن : ( وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا ) [ الجن : 11 ] ، ( وبلوناهم ) أي : اختبرناهم ( بالحسنات والسيئات ) أي : بالرخاء والشدة ، والرغبة والرهبة ، والعافية والبلاء ، ( لعلهم يرجعون )
تفسير القرطبيقوله تعالى وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون قوله تعالى وقطعناهم في الأرض أمما أي فرقناهم في البلاد . أراد به تشتيت أمرهم ، فلم تجمع لهم كلمة .منهم الصالحون رفع على الابتداء . والمراد من آمن بمحمد عليه السلام . ومن لم يبدل منهم ومات قبل نسخ شرع موسى . أو هم الذين وراء الصين ; كما سبق .ومنهم دون ذلك منصوب على الظرف . قال النحاس : ولا نعلم أحدا رفعه . والمراد الكفار منهم .وبلوناهم أي اختبرناهم بالحسنات أي بالخصب والعافية والسيئات أي الجدب والشدائد لعلهم يرجعون ليرجعوا عن كفرهم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وفرّقنا بني إسرائيل في الأرض (59) = " أممًا " يعني: جماعات شتى متفرِّقين، (60) كما: -15311- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق بن إسماعيل, عن يعقوب, عن جعفر, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: " وقطعناهم في الأرض أممًا "، قال: في كل أرض يدخلها قومٌ من اليهود. (61)15312- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " وقطعناهم في الأرض أممًا "، قال: يهود.* * *وقوله: " منهم الصالحون "، يقول: من هؤلاء القوم الذين وصفهم الله من بني إسرائيل= " الصالحون ", يعني: من يؤمن بالله ورسله= " ومنهم دون ذلك "، يعني: دون الصالح. وإنما وصفهم الله جل ثناؤه بأنهم كانوا كذلك قبل ارتدادِهم عن دينهم، وقبل كفرهم بربهم, وذلك قبل أن يبعث فيهم عيسى ابن مريم صلوات الله عليه.* * *وقوله: " وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون "، يقول: واختبرناهم بالرخاء في العيش, (62) والخفض في الدنيا والدعة، والسعة في الرزق, وهي " الحسنات " التي ذكرها جل ثناؤه (63) ويعني ب " السيئات "، الشدة في العيش, والشظف فيه, والمصائب والرزايا في الأموال (64) = " لعلهم يرجعون "، يقول: ليرجعوا إلى طاعة ربهم وينيبوا إليها, ويتوبوا من معاصيه.-------------------الهوامش :(59) (1) انظر تفسير (( قطع )) فيما سلف ص : 164 .(60) (2) انظر تفسير (( أمة )) فيما سلف ص : 184 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .(61) (3) الأثر : 15311 - (( إسحق بن إسماعيل )) ، هو (( أبو يزيد )) (( حبويه )) ، انظر ما سلف رقم : 15221 ، والتعليق عليه هناك .(62) (4) انظر تفسير (( الابتلاء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( بلا ) .(63) (1) انظر تفسير (( الحسنات )) فيما سلف من فهارس اللغة ( حسن ) .(64) (2) انظر تفسير (( السيئات )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سوأ ) .
فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٦٩التفسير الميسرفجاء من بعد هؤلاء الذين وصفناهم بَدَلُ سوء أخذوا الكتاب من أسلافهم، فقرءوه وعلموه، وخالفوا حكمه، يأخذون ما يعرض لهم من متاع الدنيا من دنيء المكاسب كالرشوة وغيرها؛ وذلك لشدة حرصهم ونَهَمهم، ويقولون مع ذلك: إن الله سيغفر لنا ذنوبنا تمنيًا على الله الأباطيل، وإن يأت هؤلاء اليهودَ متاعٌ زائلٌ من أنواع الحرام يأخذوه ويستحلوه، مصرِّين على ذنوبهم وتناولهم الحرام، ألَمْ يؤخذ على هؤلاء العهود بإقامة التوراة والعمل بما فيها، وألا يقولوا على الله إلا الحق وألا يكذبوا عليه، وعلموا ما في الكتاب فضيعوه، وتركوا العمل به، وخالفوا عهد الله إليهم في ذلك؟ والدار الآخرة خير للذين يتقون الله، فيمتثلون أوامره، ويجتنبون نواهيه، أفلا يعقل هؤلاء الذين يأخذون دنيء المكاسب أن ما عند الله خير وأبقى للمتقين؟
تفسير السعديفلم يزالوا بين صالح وطالح ومقتصد، حتى خلف من بعدهم خلف. زاد شرهم وَرِثُوا بعدهم الْكِتَابُ وصار المرجع فيه إليهم، وصاروا يتصرفون فيه بأهوائهم، وتبذل لهم الأموال، ليفتوا ويحكموا، بغير الحق، وفشت فيهم الرشوة. يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ مقرين بأنه ذنب وأنهم ظلمة: سَيُغْفَرُ لَنَا وهذا قول خال من الحقيقة، فإنه ليس استغفارا وطلبا للمغفرة على الحقيقة. فلو كان ذلك لندموا على ما فعلوا، وعزموا على أن لا يعودوا، ولكنهم - إذا أتاهم عرض آخر، ورشوة أخرى - يأخذوه. فاشتروا بآيات اللّه ثمنا قليلا واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، قال اللّه [تعالى] في الإنكار عليهم، وبيان جراءتهم: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ فما بالهم يقولون عليه غير الحق اتباعا لأهوائهم، وميلا مع مطامعهم. و الحال أنهم قد دَرَسُوا مَا فِيهِ فليس عليهم فيه إشكال، بل قد أَتَوْا أمرهم متعمدين، وكانوا في أمرهم مستبصرين، وهذا أعظم للذنب، وأشد للوم، وأشنع للعقوبة، وهذا من نقص عقولهم، وسفاهة رأيهم، بإيثار الحياة الدنيا على الآخرة، ولهذا قال: وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ما حرم اللّه عليهم، من المآكل التي تصاب، وتؤكل رشوة على الحكم بغير ما أنزل اللّه، وغير ذلك من أنواع المحرمات. أَفَلا تَعْقِلُونَ أي: أفلا يكون لكم عقول توازن بين ما ينبغي إيثاره، وما ينبغي الإيثار عليه، وما هو أولى بالسعي إليه، والتقديم له على غيره. فخاصية العقل النظر للعواقب.
تفسير ابن كثيرثم قال تعالى : ( فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ) يقول تعالى : فخلف من بعد ذلك الجيل الذين فيهم الصالح والطالح ، خلف آخر لا خير فيهم ، وقد ورثوا دراسة [ هذا ] الكتاب وهو التوراة - وقال مجاهد : هم النصارى - وقد يكون أعم من ذلك ، ( يأخذون عرض هذا الأدنى ) أي : يعتاضون عن بذل الحق ونشره بعرض الحياة الدنيا ، ويسوفون أنفسهم ويعدونها بالتوبة ، وكلما لاح لهم مثل الأول وقعوا فيه ; ولهذا قال : ( وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ) كما قال سعيد بن جبير : يعملون الذنب ، ثم يستغفرون الله منه ، فإن عرض ذلك الذنب أخذوه .وقول مجاهد في قوله : ( يأخذون عرض هذا الأدنى ) قال : لا يشرف لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه ، حلالا كان أو حراما ، ويتمنون المغفرة ، ويقولون : ( سيغفر لنا ) وإن يجدوا عرضا مثله يأخذوه .وقال قتادة في : ( فخلف من بعدهم خلف ) أي : والله لخلف سوء ، ورثوا الكتاب بعد أنبيائهم ورسلهم ، ورثهم الله وعهد إليهم ، وقال الله في آية أخرى : ( فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ) [ مريم : 59 ] ، قال ( يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ) تمنوا على الله أماني ، وغرة يغترون بها ، ( وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ) لا يشغلهم شيء عن شيء ، ولا ينهاهم شيء عن ذلك ، كلما هف لهم شيء من [ أمر ] الدنيا أكلوه ، ولا يبالون حلالا كان أو حراما .وقال السدي [ في ] قوله : ( فخلف من بعدهم خلف ) إلى قوله : ( ودرسوا ما فيه ) قال : كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلا ارتشى في الحكم ، وإن خيارهم اجتمعوا ، فأخذ بعضهم على بعض العهود ألا يفعلوا ولا يرتشي ، فجعل الرجل منهم إذا استقضى ارتشى ، فيقال له : ما شأنك ترتشي في الحكم ، فيقول : " سيغفر لي " ، فتطعن عليه البقية الآخرون من بني إسرائيل فيما صنع ، فإذا مات ، أو نزع ، وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه ، فيرتشي . يقول : وإن يأت الآخرين عرض الدنيا يأخذوه .قال الله تعالى : ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه ) يقول تعالى منكرا عليهم في صنيعهم هذا ، مع ما أخذ عليهم من الميثاق ليبينن الحق للناس ، ولا يكتمونه كقوله : ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون ) [ آل عمران : 187 ]وقال ابن جريج : قال ابن عباس : ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ) قال : فيما يوجبون على الله من غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون فيها ، ولا يتوبون منها .وقوله تعالى : ( والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ) يرغبهم تعالى في جزيل ثوابه ، ويحذرهم من وبيل عقابه ، أي : وثوابي وما عندي خير لمن اتقى المحارم ، وترك هوى نفسه ، وأقبل على طاعة ربه .( أفلا تعقلون ) يقول : أفليس لهؤلاء الذين اعتاضوا بعرض الدنيا عما عندي عقل يردعهم عما هم فيه من السفه والتبذير ؟ ثم أثنى تعالى على من تمسك بكتابه الذي يقوده إلى اتباع رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، كما هو مكتوب فيه
تفسير القرطبيقوله تعالى فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلونقوله تعالى فخلف من بعدهم خلف يعني أولاد الذين فرقهم في الأرض . قال أبو حاتم : الخلف بسكون اللام : الأولاد ، الواحد والجميع فيه سواء . و " الخلف " بفتح اللام البدل ، ولدا كان أو غريبا . وقال ابن الأعرابي : " الخلف " بالفتح الصالح ، وبالجزم الطالح . قال لبيد :ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجربومنه قيل للرديء من الكلام : خلف . ومنه المثل السائر " سكت ألفا ونطق خلفا " . فخلف في الذم بالإسكان ، وخلف بالفتح في المدح . هذا هو المستعمل المشهور . قال صلى الله عليه وسلم : يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر . قال حسان بن ثابت :لنا القدم الأولى إليك وخلفنا لأولنا في طاعة الله تابعوقال آخر .إنا وجدنا خلفا بئس الخلف أغلق عنا بابه ثم حلفلا يدخل البواب إلا من عرف عبدا إذا ما ناء بالحمل وقفويروى : خضف ; أي ردم . والمقصود من الآية الذم .ورثوا الكتاب قال المفسرون : هم اليهود ، ورثوا كتاب الله فقرءوه وعلموه ، وخالفوا حكمه وأتوا محارمه مع دراستهم له . فكان هذا توبيخا لهم وتقريعا .يأخذون عرض هذا الأدنى ثم أخبر عنهم أنهم يأخذون ما يعرض لهم من متاع الدنيا لشدة حرصهم ونهمهم . ويقولون سيغفر لنا وهم لا يتوبون . ودل على أنهم لا يتوبون قوله تعالى وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه والعرض : متاع الدنيا ; بفتح الراء . وبإسكانها ما كان من المال سوى الدراهم والدنانير . والإشارة في هذه الآية إلى الرشا والمكاسب الخبيثة . ثم ذمهم باغترارهم في قولهم " سيغفر لهم " وأنهم بحال إذا أمكنتهم ثانية ارتكبوها ، فقطعوا باغترارهم بالمغفرة وهم مصرون ، وإنما يقول سيغفر لنا من أقلع وندم . قلت : وهذا الوصف الذي ذم الله تعالى به هؤلاء موجود فينا .أسند الدارمي أبو محمد : حدثنا محمد بن المبارك حدثنا صدقة بن خالد عن ابن جابر عن شيخ يكنى أبا عمرو عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب فيتهافت ، يقرءونه لا يجدون له شهوة ولا لذة ، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب ، أعمالهم طمع لا يخالطه خوف ، إن قصروا قالوا سنبلغ ، وإن أساءوا قالوا سيغفر لنا ، إنا لا نشرك بالله شيئا .وقيل : إن الضمير في يأتهم ليهود المدينة ; أي وإن يأت يهود يثرب الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم عرض مثله يأخذوه كما أخذه أسلافهم .قوله تعالى ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب يريد التوراة . وهذا تشديد في لزوم قول الحق في الشرع والأحكام ، وألا يميل الحكام بالرشا إلى الباطل . قلت : وهذا الذي لزم هؤلاء وأخذ عليهم به الميثاق في قول الحق لازم لنا على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم وكتاب ربنا ، على ما تقدم بيانه في " النساء " . ولا خلاف فيه في جميع الشرائع ، والحمد لله .الثانية : ودرسوا ما فيه أي قرءوه ، وهم قريبو عهد به . وقرأ أبو عبد الرحمن ( وادارسوا ما فيه ) فأدغم التاء في الدال . قال ابن زيد : كان يأتيهم المحق برشوة فيخرجون له كتاب الله فيحكمون له به ، فإذا جاء المبطل أخذوا منه الرشوة وأخرجوا له كتابهم الذي كتبوه بأيديهم وحكموا له . وقال ابن عباس : ألا يقولوا على الله إلا الحق وقد قالوا الباطل في غفران ذنوبهم الذي يوجبونه ويقطعون به . وقال ابن زيد : يعني في الأحكام التي يحكمون بها ; كما ذكرنا .وقال بعض العلماء : إن معنى ودرسوا ما فيه أي محوه بترك العمل به والفهم له ; من قولك : درست الريح الآثار ، إذا محتها . وخط دارس وربع دارس ، إذا امحى وعفا أثره . وهذا المعنى مواطئ - أي موافق - لقوله تعالى : نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم الآية . وقوله : فنبذوه وراء ظهورهم . حسب ما تقدم بيانه في " البقرة "
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فخلف من بعد هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم (65) = " خلف " يعني: خَلف سوء. يقول: حدث بعدهم وخلافَهم, وتبدل منهم، بَدَلُ سَوْءٍ.* * *يقال منه: " هو خَلَف صِدْقٍ", " وخَلْفُ سَوْءٍ", وأكثر ما جاء في المدح بفتح " اللام "، وفي الذم بتسكينها, وقد تحرَّك في الذم، وتسكّن في المدح, ومن ذلك في تسكينها في المدح قول حسان:لَنَا القَدَمُ الأُولَى إلَيْكَ, وَخَلْفُنَالأَوَّلِنَا فِي طَاعَةِ اللهِ تَابِعُ (66)وأحسب أنّه إذا وُجّه إلى الفساد، مأخوذ من قولهم: " خَلَف اللبن "، إذا حمض من طُول تَركه في السقاء حتى يفسد, فكأنَّ الرجل الفاسد مشبَّهٌ به. وقد يجوز أن يكون منه قولهم (67) " خَلَف فم الصائم "، إذا تغيرت ريحه. وأما في تسكين " اللام " في الذمّ, فقول لبيد:ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْوَبَقِيتُ فِي خَلْفٍ كَجِلْدِ الأَجْرَبِ (68)* * *وقيل: إن الخلف الذي ذكر الله في هذه الآية أنهم خَلَفوا من قبلهم، هم النصارى.* ذكر من قال ذلك:15313- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: " فخلف من بعدهم خلف "، قال: النصارى.* * *قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره، إنما وصف أنه خَلَف القومَ الذين قصّ قصصهم في الآيات التي مضت، خَلْف سوءِ رديء, ولم يذكر لنا أنهم نصارى في كتابه, وقصتهم بقصص اليهود أشبه منها بقصص النصارى. وبعدُ, فإن ما قبل ذلك خبرٌ عن بني إسرائيل، وما بعده كذلك, فما بينهما بأن يكون خبرًا عنهم أشبه, إذ لم يكن في الآية دليل على صرف الخبر عنهم إلى غيرهم, ولا جاء بذلك دليل يوجب صحة القول به.* * *فتأويل الكلام إذًا: فتبدَّل من بعدهم بَدَل سوء, ورثوا كتاب الله فَعُلِّموه, (69) وضيعوا العمل به، فخالفوا حكمه, يُرْشَون في حكم الله, فيأخذون الرشوة فيه من عَرَض هذا العاجل " الأدنى ", (70) يعني ب " الأدنى ": الأقرب من الآجل الأبعد. (71) ويقولون إذا فعلوا ذلك: إن الله سيغفر لنا ذنوبنا، تمنِّيًا على الله الأباطيل, كما قال جل ثناؤه فيهم: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ، [سورة البقرة: 79]= " وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه "، يقول: وإن شرع لهم ذنبٌ حرامٌ مثله من الرشوة بعد ذلك، (72) أخذوه واستحلوه ولم يرتدعوا عنه. يخبر جل ثناؤه عنهم أنهم أهل إصرار على ذنُوبهم, وليسوا بأهل إنابة ولا تَوْبة.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل وإن اختلفت عنه عباراتهم.* ذكر من قال ذلك:15314- حدثنا أحمد بن المقدام قال، حدثنا فضيل بن عياض, عن منصور, عن سعيد بن جبير في قوله: " يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عَرَض مثله يأخذوه "، قال: يعملون الذنب، ثم يستغفرون الله, فإن عرض ذلك الذنب أخذوه.15315- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن سعيد بن جبير: " وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه "، قال: من الذنوب.153116- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن سعيد بن جبير: " يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا "، قال: يعملون بالذنوب = " وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه "، : قال: ذنبٌ آخر، يعملون به.15317- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن منصور, عن سعيد بن جبير: " يأخذون عرض هذا الأدنى "، قال: الذنوب= " وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه "، قال: الذنوب.15318- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (يأخذون عرض هذا الأدنى) قال: ما أشرف لهم من شيء في اليوم من الدنيا حلالٌ أو حرام يشتهونه أخذوه, ويبتغون المغفرة, فإن يجدوا الغد مثلَه يأخذوه.15319- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, بنحوه= إلا أنه قال: يتمنَّون المغفرة.15320- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد, عن مجاهد: " يأخذون عرض هذا الأدنى "، قال: لا يشرف لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه، حلالا كان أو حرامًا, ويتمنون المغفرة, ويقولون: " سيغفر لنا "، وإن يجدوا عرضًا مثله يأخذوه.15321- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " فخلف من بعدهم خلف "، إي والله، لَخَلْفُ سَوْء ورِثوا الكتابَ بعد أنبيائهم ورسلهم, ورَّثهم الله وَعهِد إليهم, وقال الله في آية أخرى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ، [سورة مريم: 59]، قال: " يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا "، تمنوا على الله أمانيّ، وغِرّةٌ يغتَرُّون بها. = " وإن يأتهم عرض مثله "، لا يشغلهم شيء عن شيء ولا ينهاهم عن ذلك, (73) كلما أشرف لهم شيء من الدنيا أكلوه، لا يبالون حلالا كان أو حرامًا.15322- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: " يأخذون عرض هذا الأدنى "، قال: يأخذونه إن كان حلالا وإن كان حرامًا= " وإن يأتهم عرض مثله "، قال: إن جاءهم حلال أو حرامٌ أخذوه.15323- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: " فخلف من بعدهم خلف " إلى قوله: وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ، قال: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيًا إلا ارتشى في الحكم، وإن خيارهم اجتمعُوا، فأخذ بعضهم على بعض العهود أن لا يفعلوا ولا يرتشوا, (74) فجعل الرجل منهم إذا استُقْضِي ارتشى, فيقال له: ما شأنك ترتشي في الحكم؟ فيقول: سيغفر لي ! فيطعن عليه البقية الآخرون من بني إسرائيل فيما صنع. فإذا مات، أو نزع, وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه، فيرتشي. يقول: وإن يأت الآخرين عرضُ الدنيا يأخذوه. وأما " عرض الأدنى ", فعرض الدنيا من المال.15324- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا "، يقول: يأخذون ما أصابوا ويتركون ما شاءوا من حلال أو حرام, ويقولون: " سيغفر لنا ".15325- وحدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " يأخذون عرض هذا الأدنى "، قال: الكتاب الذي كتبوه= " ويقولون سيغفر لنا "، لا نشرك بالله شيئًا= " وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه "، يأتهم المحقّ برشوة فيخرجوا له كتاب الله، ثم يحكموا له بالرشوة. وكان الظالم إذا جاءهم برشوة أخرجوا له " المثنّاة ", وهو الكتاب الذي كتبوه, فحكموا له بما في " المثنّاة "، بالرشوة, فهو فيها محق, وهو في التوراة ظالم, فقال الله: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ .15326- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن سعيد بن جبير قوله: " فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى "، قال: يعملون بالذنوب= " ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه "، قال: الذنوب.* * *القول في تأويل قوله : أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (169)وقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: " ألم يؤخذ "، على هؤلاء المرتشين في أحكامهم, القائلين: " سيغفر الله لنا فعلنا هذا ", إذا عوتبوا على ذلك= " ميثاقُ الكتاب ", وهو أخذ الله العهود على بني إسرائيل، بإقامة التوراة، والعمل بما فيها. فقال جل ثناؤه لهؤلاء الذين قص قصتهم في هذه الآية، موبخًا على خلافهم أمرَه، ونقضهم عهده وميثاقه: ألم يأخذ الله عليهم ميثاق كتابه، (75) ألا يقولوا على الله إلا الحق، ولا يُضيفوا إليه إلا ما أنزله على رسوله موسى صلى الله عليه وسلم في التوراة, وأن لا يكذبوا عليه؟ كما: -15327- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: " ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق "، قال: فيما يوجبون على الله من غُفران ذنوبهم التي لا يَزَالون يعودون فيها ولا يَتُوبون منها.* * *وأما قوله: " ودرسوا ما فيه "، فإنه معطوف على قوله: وَرِثُوا الْكِتَابَ ، ومعناه: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ , " ودرسوا ما فيه "= ويعني بقوله: " ودرسوا ما فيه "، قرأوا ما فيه، (76) يقول: ورثوا الكتاب فعلموا ما فيه ودرسوه, فضيعوه وتركوا العمل به, وخالفوا عهد الله إليهم في ذلك، كما: -15328- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ودرسوا ما فيه "، قال: علّموه، علّموا ما في الكتاب الذي ذكر الله، وقرأ: بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ، [سورة آل عمران: 79].* * *قال أبو جعفر: " والدار الآخرة خير للذين يتقون "، يقول جل ثناؤه: وما في الدار الآخرة, وهو ما في المعادِ عند الله، (77) مما أعدّ لأوليائه، والعاملين بما أنزل في كتابه، المحافظين على حدوده= " خير للذين يتقون الله "، (78) ويخافون عقابه, فيراقبونه في أمره ونهيه, ويطيعونه في ذلك كله في دنياهم= " أفلا يعقلون "، (79) يقول: أفلا يعقل هؤلاء الذين يأخذون عرض هذا الأدنى على أحكامهم, ويقولون: سَيُغْفَرُ لَنَا , أنَّ ما عند الله في الدار الآخرة للمتقين العادِلين بين الناس في أحكامهم, خير من هذا العرض القليل الذي يستعجلونه في الدنيا على خلافِ أمر الله، والقضاء بين الناس بالجور؟-----------------الهوامش :(65) (3) انظر تفسير (( خلف )) فيما سلف ص : 122 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .(66) (4) ديوانه : 254 ، وسيرة ابن هشام 3 : 283 واللسان( خلف ) ، وسيأتي في التفسير 11: 59 بولاق ، من قصيدة بكى فيها سعد بن معاذ ، في يوم بنى قريظة ورجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشهداء . وقوله : (( القدم الأولى )) ، يعنى سابقة الأنصار في الإسلام .وروى السيرة : (( في ملة الله تابع )) .(67) ( 1) في المطبوعة والمخطوطة : (( منه قولهم )) ، وهو خطأ .(68) (2) ديوانه ، القصيدة : 8 ، واللسان ( خلف ) ، وغيرها كثير . يرثي بها أربد ، صاحبه وابن عمه ، قال :قَضِّ اللُّبَانَةَ لا أَبَالَكَ وَاذْهبِوَالْحَقْ بأُسْرَتِكَ الكِرام الغُيَّبِذَهَبَ الَّذِين.................ذَهَبَ الَّذِين..................يَتَأَكَّلُونَ مَغَالَةً وَخِيَانَةًوَيُعَابُ قَائلُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَشْغَبِيَا أرْبَدَ الخَيْرِ الكريمُ جُدُودُهُخَلَّيْتَني أَمْشِي بِقَرْنٍ أعْضَبِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . .إنَّ الرَّزِيَّةَ، لا رَزِيَّةَ مِثْلُهَافِقْدَانُ كُلَّ أَخٍ كَضَوْءِ الكَوْكَبِ(( المغالة )) الفحش في العداوة والوشاية عن تعاديه ، و(( القرن الأعْضب )) ، المكسور ، يعنى أنه قد فتر حده بموت أربد .(69) (1) في المطبوعة : (( تعلموه )) وصواب قراءة ما في المخطوطة ، هو ما أثبت(70) (2) انظر تفسير (( عرض الدنيا )) فيما سلف 9 : 71 .(71) (3) انظر تفسير (( الأدنى )) فيما سلف 2 : 131 .(72) (4) في المخطوطة : (( وإن شرع لهم ذنباً )) ، سيئة الكتابة ، والذي في المطبوعة ليس يبعد عن الصواب ، وإن كنت غير راض عنه .(73) (1) في المخطوطة : (( لا يسلعهم شيء ... )) سيئة الكتابة ، وكأن ما في المطبوعة صواب .(74) (2) في المخطوطة : (( ولا يرتشى )) ، والصواب ما في المطبوعة .(75) (1) انظر تفسير (( الميثاق )) فيما سلف 10 : 110 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .(76) (2 ) انظر تفسير (( درس )) فيما سلف 6 : 546 / 12 : 25 - 31 / 12 : 241 .(77) (3) انظر تفسير (( الدار الآخرة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أخر ) .(78) (4) انظر تفسير (( التقوى)) فيما سلف من فهارس اللغة ( وقى ) .(79) (1) قراءة أبي جعفر كما هو بين أَفَلا يَعْقِلُونَ بإلياء ، وتفسيره جرى عليها ، فلذلك تركتها هنا كما فسرها ، وإن كنت قد وضعت الآية فيما سلف برسم مصحفنا وقراءتنا . ولم يشر أبو جعفر إلى هذه القراءة .
وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ ١٧٠التفسير الميسروالذين يتمسَّكون بالكتاب، ويعملون بما فيه من العقائد والأحكام، ويحافظون على الصلاة بحدودها، ولا يضيعون أوقاتها، فإن الله يثيبهم على أعمالهم الصالحة، ولا يضيعها.
تفسير السعديوأما من نظر إلى عاجل طفيف منقطع، يفوت نعيما عظيما باقيا فأنى له العقل والرأي؟ وإنما العقلاء حقيقة من وصفهم اللّه بقوله وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ أي: يتمسكون به علما وعملا فيعلمون ما فيه من الأحكام والأخبار، التي علمها أشرف العلوم. ويعلمون بما فيها من الأوامر التي هي قرة العيون وسرور القلوب، وأفراح الأرواح، وصلاح الدنيا والآخرة. ومن أعظم ما يجب التمسك به من المأمورات، إقامة الصلاة، ظاهرا وباطنا، ولهذا خصها الله بالذكر لفضلها، وشرفها، وكونها ميزان الإيمان، وإقامتها داعية لإقامة غيرها من العبادات. ولما كان عملهم كله إصلاحا، قال تعالى: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ في أقوالهم وأعمالهم ونياتهم، مصلحين لأنفسهم ولغيرهم. وهذه الآية وما أشبهها دلت على أن اللّه بعث رسله عليهم الصلاة والسلام بالصلاح لا بالفساد، وبالمنافع لا بالمضار، وأنهم بعثوا بصلاح الدارين، فكل من كان أصلح، كان أقرب إلى اتباعهم.
تفسير ابن كثيرفقال تعالى ( والذين يمسكون بالكتاب ) أي : اعتصموا به واقتدوا بأوامره ، وتركوا زواجره ( وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين )
تفسير القرطبيقوله تعالى والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين قوله تعالى : والذين يمسكون بالكتاب أي بالتوراة ، أي بالعمل بها ; يقال : مسك به وتمسك به أي استمسك به . وقرأ أبو العالية وعاصم في رواية أبي بكر ( يمسكون ) بالتخفيف من أمسك يمسك . والقراءة الأولى أولى ; لأن فيها معنى التكرير والتكثير للتمسك بكتاب الله تعالى وبدينه فبذلك يمدحون . فالتمسك بكتاب الله والدين يحتاج إلى الملازمة والتكرير لفعل ذلك . وقال كعب بن زهير :فما تمسك بالعهد الذي زعمت إلا كما تمسك الماء الغرابيلفجاء به على طبعه يذم بكثرة نقض العهد .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170)قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة ذلك.فقرأ بعضهم: (يُمْسِكُونَ) بتخفيف الميم وتسكينها, من " أمْسك يمسك ".* * *وقرأه آخرون: (يُمَسِّكُونَ)، بفتح الميم وتشديد السين, من " مَسَّك يُمَسِّك ".* * *قال أبو جعفر: ويعني بذلك: والذين يعملون بما في كتاب الله= " وأقاموا الصلاة "، بحدودها, ولم يضيعوا أوقاتها (80) = " إنا لا نضيع أجر المصلحين ". يقول تعالى ذكره: فمن فعل ذلك من خلقي, فإني لا أضيع أجر عمله الصالح، كما: -15329- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " والذين يمسكون بالكتاب "، قال: كتاب الله الذي جاء به موسى عليه السلام.15330- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال مجاهد قوله: " والذين يمسكون بالكتاب "، من يهود أو نصارى= " إنا لا نضيع أجر المصلحين ".------------------------الهوامش:(80) (2) انظر تفسير (( إقامة الصلاة )) في فهارس اللغة ( قوم )) .