۞ وَإِذۡ نَتَقۡنَا ٱلۡجَبَلَ فَوۡقَهُمۡ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٞ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُۥ وَاقِعُۢ بِهِمۡ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٧١التفسير الميسرواذكر -أيها الرسول- إذ رفعنا الجبل فوق بني إسرائيل كأنه سحابة تظلهم، وأيقنوا أنه واقع بهم إن لم يقبلوا أحكام التوراة، وقلنا لهم: خذوا ما آتيناكم بقوة، أي اعملوا بما أعطيناكم باجتهاد منكم، واذكروا ما في كتابنا من العهود والمواثيق التي أخذناها عليكم بالعمل بما فيه؛ كي تتقوا ربكم فتنجوا من عقابه.
تفسير السعديثم قال تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ حين امتنعوا من قبول ما في التوراة. فألزمهم اللّه العمل ونتق فوق رءوسهم الجبل، فصار فوقهم كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ وقيل لهم: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ أي: بجد واجتهاد. وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ دراسة ومباحثة، واتصافا بالعمل به لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ إذا فعلتم ذلك.
تفسير ابن كثيرقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : ( وإذ نتقنا الجبل فوقهم ) يقول : رفعناه ، وهو قوله : ( ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم ) [ النساء : 154 ]وقال سفيان الثوري ، عن الأعمش ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، رفعته الملائكة فوق رءوسهم .وقال القاسم بن أبي أيوب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : ثم سار بهم موسى ، عليه السلام ، متوجها نحو الأرض المقدسة ، وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب ، فأمرهم بالذي أمره الله تعالى [ به ] - أن يبلغهم من الوظائف ، فثقلت عليهم ، وأبوا أن يقربوها حتى ينتق الله الجبل فوقهم كأنه ظلة ، قال : رفعته الملائكة فوق رءوسهم . رواه النسائي بطولهوقال سنيد بن داود في تفسيره ، عن حجاج بن محمد ، عن أبي بكر بن عبد الله قال : هذا كتاب ، أتقبلونه بما فيه ، فإن فيه بيان ما أحل لكم وما حرم عليكم ، وما أمركم وما نهاكم ؟ قالوا : انشر علينا ما فيها ، فإن كانت فرائضها يسيرة ، وحدودها خفيفة قبلناها . قال : اقبلوها بما فيها . قالوا : لا حتى نعلم ما فيها ، كيف حدودها وفرائضها ؟ فراجعوا موسى مرارا ، فأوحى الله إلى الجبل فانقلع فارتفع في السماء ، حتى إذا كان بين رءوسهم وبين السماء قال لهم موسى : ألا ترون ما يقول ربي ، عز وجل ؟ لئن لم تقبلوا التوراة بما فيها ، لأرمينكم بهذا الجبل . قال : فحدثني الحسن البصري قال : لما نظروا إلى الجبل خر كل رجل ساجدا على حاجبه الأيسر ، ونظر بعينه اليمنى إلى الجبل ، فرقا من أن يسقط [ عليه ] فكذلك ليس اليوم في الأرض يهودي يسجد إلا على حاجبه الأيسر ، يقولون : هذه السجدة التي رفعت بها العقوبة . قال أبو بكر : فلما نشر الألواح فيها كتاب الله كتبه بيده ، لم يبق على وجه الأرض جبل ولا شجر ولا حجر إلا اهتز ، فليس اليوم يهودي على وجه الأرض صغير ، ولا كبير ، تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونفض لها رأسه . [ أي : حرك كما قال تعالى : ( فسينغضون إليك رءوسهم ) [ الإسراء : 51 ] أي يحركونها ]
تفسير القرطبيقوله تعالى وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون قوله تعالى وإذ نتقنا الجبل نتقنا معناه رفعنا . وقد تقدم بيانه في " البقرة " كأنه ظلة أي كأنه لارتفاعه سحابة تظل .خذوا ما آتيناكم بقوة أي بجد . وقد مضى في " البقرة " . إلى آخر الآية .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر، يا محمد، إذ اقتلعنا الجبل فرفعناه فوق بني إسرائيل, كأنه ظلة غمام من الظلال= وقلنا لهم: " خذوا ما آتيناكم بقوة "، من فرائضنا, وألزمناكم من أحكام كتابنا, فاقبلوه, اعملوا باجتهاد منكم في أدائه، من غير تقصير ولا توانٍ (1) = " واذكروا ما فيه " ، يقول ما في كتابنا من العهود والمواثيق التي أخذنا عليكم بالعمل بما فيه = " لعلكم تتقون "، يقول: كي تتقوا ربكم, فتخافوا عقابه بترككم العمل به إذا ذكرتم ما أخذ عليكم فيه من المَواثيق.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:15331- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة "، فقال لهم موسى: " خذوا ما آتيناكم بقوة "، يقول: من العمل بالكتاب، وإلا خَرَّ عليكم الجبل فأهلككم! فقالوا: بل نأخذ ما آتانا الله بقوّة! ثم نكثُوا بعد ذلك.15332- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي عن ابن عباس قوله: " وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة "، فهو قوله: وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ ، [سورة النساء: 154]، فقال: " خذوا ما آتيناكم بقوة "، وإلا أرسلته عليكم.15333- حدثني إسحاق بن شاهين قال، حدثنا خالد بن عبد الله, عن داود, عن عامر, عن ابن عباس قال: إنّي لأعلم خَلْقِ الله لأيِّ شيء سجدت اليهود على حَرْفِ وُجوههم: لما رفع الجبل فوقهم سَجَدُوا، وجعلوا ينظرون إلى الجبل مخافةَ أن يقع عليهم. قال: فكانت سجدةً رضيها الله, فاتخذوها سُنَّة. (2)15334- حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الأعلى قال: حدثنا داود, عن عامر, عن ابن عباس, مثله.15335- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة "، أي: بجدّ= " واذكروا ما فيه لعلكم تتقون "، جبل نزعه الله من أصله ثم جعله فوق رؤوسهم، فقال: لتأخذُنّ أمري, أو لأرمينَّكم به!15336- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال مجاهد: " وإذ نتقنا الجبل "، قال: كما تنتق الزُّبْدَة (3) = قال ابن جريج: كانوا أبوا التوراة أن يقبلوها أو يؤمنوا بها= " خذوا ما آتيناكم بقوّة "، قال: يقول: لتؤمنن بالتوراة ولتقبلُنَّها, أو ليقعَنَّ عليكم.15337- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن أبي بكر بن عبد الله قال: هذا كتاب الله، أتقبلونه بما فيه, فإن فيه بيانَ ما أحلَّ لكم وما حرَّم عليكم، وما أمركم وما نهاكم! قالوا: انشُرْ علينا ما فيها, فإن كانت فرائضها يسيرةً وحدودها خفيفةً، قبلناها! قال: اقبلوها بما فيها! قالوا: لا حتى نعلم ما فيها، كيف حدودها وفرائضها! فراجعوا موسى مرارًا, فأوحى الله إلى الجبل فانقلع فارتفع في السماء، حتى إذا كان بين رؤوسهم وبين السماء قال لهم موسى: ألا ترون ما يقول ربِّي؟ " لئن لم تقبلوا التوراةَ بما فيها لأرمينَّكم بهذا الجبل ". قال: فحدثني الحسن البصريّ، قال: لما نظروا إلى الجبل خرَّ كلُّ رجل ساجدًا على حاجبه الأيسر, ونظر بعينه اليُمْنَى إلى الجبلِ, فَرَقًا من أن يسقط عليه، فلذلك ليس في الأرض يهوديُّ يسجدُ إلا على حاجبه الأيسر, يقولون: هذه السجدة التي رُفِعت عنا بها العقوبة= قال أبو بكر: فلما نشر الألواح فيها كتاب الله كتَبَه بيده, لم يبقَ على وجه الأرض جبلٌ ولا شجرٌ ولا حجرٌ إلا اهتزّ, فليس اليوم يهوديّ على وجه الأرضِ صغيرٌ ولا كبير تقرأ عليه التوراة إلا اهتزّ، ونَفضَ لها رأسَه.* * *قال أبو جعفر: واختلف أهل العلم بكلام العرب في معنى قوله: " نتقنا ".فقال بعض البصريين (4) معنى " نتقنا "، رفعنا، واستشهد بقول العجاج:يَنْتُقُ أَقْتَادَ الشَّلِيلِ نَتْقَا (5)وقال: يعني بقوله: " ينتق "، يرفعها عن ظهره، وبقول الآخر: (6)*وَنَتَقُوا أحْلامَنَا الأثَاقِلا* (7)وقد حكي عن قائل هذه المقالة قول آخر: (8) وهو أن أصل " النتق " و " النُّتُوق "، كل شيء قلعته من موضعه فرميت به, يقال منه: " نَتَقْتُ نَتْقًا ". قال: ولهذا قيل للمرأة الكثيرة [الولد]: " ناتق "، (9) لأنها ترمي بأولادها رَمْيًا, واستشهد ببيت النابغة:لم يحرموا حسن الغذاء وأمهمدحقت عليك بناتق مذكار (10)* * *وقال آخر: معناه في هذا الموضع: رفعناه. وقال: قالوا: " نَتَقَني السَّيرُ": حرَّكني. وقال: قالوا: " ما نَتَق برجْلِه لا يركُض ", و " النتق ": نتق الدابة صاحبها حين تعدُو به وتتعبه حتى يربو, فذلك " النَّتق " و " النتوق ", و " نتقتني الدَّابة ", و " نتقت المرأة تنْتُق نُتوقًا ": كثر ولدها.* * *وقال بعض الكوفيين: " نتقنا الجبل "، عَلَّقنا الجبل فوقهم فرفعناه، ننتقه نتقًا, و " امرأة مِنْتاق "، كثيرة الولد: قال: وسمعت " أخذ الجراب، فنتق ما فيه "، (11) إذا نثر ما فيه. (12)-------------------الهوامش :(1) ( 1) انظر تفسير (( بقوة )) فيما سلف 1 : 160 ، 161 ، 356 ، 357 ، وسائر فهارس اللغة ( قوى ) .(2) (1) الأثر : 15333 - (( إسحق بن شاهين الواسطي )) ، شيخ أبي جعفر ، لم أجد له ترجمة ، ومضى برقم : 7211 ، 9788 .و(( خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن المزني الواسطى )) ، مضى برقم : 7211 . و (( داود )) هو (( داود بن أبي هند )) . و(( عامر )) هو الشعبى .(3) (2) في المطبوعة : (( كما تنتق الربذة )) ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، فأساء إعجامها غاية الإساءة . ونتق الزبدة )) ، هو أن تنفض السقاء لكي تقتلع منه زبدته .(4) (1) هو أبو عبيدة ، كما يظهر لك من التخريج الآتي .(5) (2) ديوانه : 40 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 232 ، من آبيات يذكر فيها بعيره وسرعته وشدة سيره . و (( الشليل )) ، الحلس ، أو مسح من شعر أو صوف يجعل على عجز البعير وراء الرحل . و (( الأقتاد )) جمع (( قتد )) ( بفتحتين ) . خشب الرحل . وكان في المطبوعة : (( السليل )) ، تابع المخطوطة ، وهي غير منقوطة(6) (1) هو رؤبه بن العجاج .(7) (2) ديوانه : 122 ، ومجاز القرآن 1 : 232 ، واللسان ( نتق ) ، من أرجوزة تمدح فيها بقومه ، ثم مدح سليمان بن علي ، قال في ذكر قومه:فالنَّاسُ إنْ فَصَّلْتَهُمْ فَصَائِلاكُلُّ إلَيْنَا يَبْتَغِي الوَسَائِلاقَدْ جَرِّبُوا أَخْلاقَنَا الجَلائِلاوَنَتَقُوا أَحْلامَنَا الأثاقِلافَلَمْ يَرَ النَّاسُ لَنَا مُعَادِلاأَكْثَرَ عِزًّا وَأَعَزَّ جَاهِلاو ((الأثاقل )) جمع (( الأثقل )) ، يعنى أثقل من سائر أحلام الناس ، كما يقال (( الأكابر )) ، و (( الأصاغر )) ، و (( الأماثل ))(8) (3) يعني أبا عبيدة أيضا ، ولم أجده في موضع آخر فيما طبع من مجاز القرآن .(9) (4) في المطبوعة والمخطوطة : (( للمرأة الكبيرة )) وهو لا يصح ، وإنما أسقط الناسخ ما أثبته بين القوسين ، والصواب ما أثبت .(10) (5) ديوانه : 50 ، واللسان ( دحق ) و ( نتق ) ، من قصيدتة التي قالها في زرعة بن عمرو بن خويلد ، حين لقى النابغة بعكاظ ، فأشار عليه أن يشير علي قومه بني ذبيان بترك حلف بني أسد ، فأبي النابغة الغدر ، فتهدده زرعة وتوعده ، فلما بلغه تهدده ، ذمه وهجاه ، ومجد بني أسد ، فقال في أول شعره : نُبِّئتُ زُرْعَةَ، وَالسَّفَاهَةُ كَاسْمِهَايُهْدِي إلَيَّ غَرَائِبَ الأَشْعَارِثم يقول في ذكر الغاضريين من بني أسد حلفاء بني ذبيان :وَالغَاضِرِيًّونَ الَّذِينَ تَحَمَّلُوابِلِوَائِهِمْ سَيْرًا لِدَارِ قَرارتَمْشِي بِهِمْ أُدْمٌ كَأنَّ رِحَالِهَاعَلَقُ هُرِيقَ عَلَى مُتُونِ صُوَارِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . .جَمْعًا يَظَلُّ بِهِ الفَضَاءُ مُعَضِّلايَدَعُ الإِكامَ كأنَّهنَّ صَحَارِيلَمْ يُحْرَمُوا................... . . . . . . . . . . . . . . . . . .يصفهم في البيت الأخير بالنعمة ، ولين العيش ، وأن أمهاتهم عشن بخير معيشة ، فكثر ولدهن . وقوله : (( دحقت )) ، وذلك أن المرأة إذا ولدت ولدها بعضهم في إثر بعض قيل : (( دحقت )) ، (( مذكار )) تلد الذكور . ورواية الديوان وغيره : (( طفحت عليك )) ، أي : أتسعت بولدها وغلبت ، كما يطفح الماء فيغطي ما حوله ويغرقه .(11) في المطبوعة : (( ونتق )) بالواو ، وأثبت . في المخطوطة .(12) لم يفسر أبو جعفر (( الظل)) ، فانظر تفسيرها فيما سلف 4 : 261 ، 262 .
وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ ١٧٢التفسير الميسرواذكر -أيها النبي- إذ استخرج ربك أولاد آدم مِن أصلاب آبائهم، وقررهم بتوحيده بما أودعه في فطرهم من أنه ربهم وخالقهم ومليكهم، فأقروا له بذلك، خشية أن ينكروا يوم القيامة، فلا يقروا بشيء فيه، ويزعموا أن حجة الله ما قامت عليهم، ولا عندهم علم بها، بل كانوا عنها غافلين.
تفسير السعدييقول تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ أي: أخرج من أصلابهم ذريتهم، وجعلهم يتناسلون ويتوالدون قرنا بعد قرن. و حين أخرجهم من بطون أمهاتهم وأصلاب آبائهم أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ أي: قررهم بإثبات ربوبيته، بما أودعه في فطرهم من الإقرار، بأنه ربهم وخالقهم ومليكهم. قالوا: بلى قد أقررنا بذلك، فإن اللّه تعالى فطر عباده على الدين الحنيف القيم. فكل أحد فهو مفطور على ذلك، ولكن الفطرة قد تغير وتبدل بما يطرأ عليها من العقائد الفاسدة، ولهذا قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أي: إنما امتحناكم حتى أقررتم بما تقرر عندكم، من أن اللّه تعالى ربكم، خشية أن تنكروا يوم القيامة، فلا تقروا بشيء من ذلك، وتزعمون أن حجة اللّه ما قامت عليكم، ولا عندكم بها علم، بل أنتم غافلون عنها لاهون. فاليوم قد انقطعت حجتكم، وثبتت الحجة البالغة للّه عليكم.
تفسير ابن كثيريخبر تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم ، شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم ، وأنه لا إله إلا هو . كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه ، قال تعالى : ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ) [ الروم : 30 ] وفي الصحيحين عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل مولود يولد على الفطرة - وفي رواية : على هذه الملة - فأبواه يهودانه ، وينصرانه ، ويمجسانه ، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحسون فيها من جدعاء " وفي صحيح مسلم ، عن عياض بن حمار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله [ تعالى ] إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم ، عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم "وقال الإمام أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني السري بن يحيى : أن الحسن بن أبي الحسن حدثهم ، عن الأسود بن سريع من بني سعد ، قال : غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع غزوات ، قال : فتناول القوم الذرية بعد ما قتلوا المقاتلة ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاشتد عليه ، ثم قال : " ما بال أقوام يتناولون الذرية ؟ " قال رجل : يا رسول الله ، أليسوا أبناء المشركين ؟ فقال : " إن خياركم أبناء المشركين ! ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة ، فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها ، فأبواها يهودانها أو ينصرانها " . قال الحسن : والله لقد قال الله في كتابه : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ) الآيةوقد رواه الإمام أحمد ، عن إسماعيل ابن علية ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن البصري به . وأخرجه النسائي في سننه من حديث هشيم ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن قال : حدثنا الأسود بن سريع ، فذكره ، ولم يذكر قول الحسن البصري واستحضاره الآية عند ذلكوقد وردت أحاديث في أخذ الذرية من صلب آدم ، عليه السلام ، وتمييزهم إلى أصحاب اليمين و [ إلى ] أصحاب الشمال ، وفي بعضها الاستشهاد عليهم بأن الله ربهم .قال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ، حدثنا شعبة ، عن أبي عمران الجوني ، عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة : أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا به ؟ " قال : " فيقول : نعم . فيقول : قد أردت منك أهون من ذلك ، قد أخذت عليك في ظهر آدم ألا تشرك بي شيئا ، فأبيت إلا أن تشرك بي " .أخرجاه في الصحيحين ، من حديث شعبة ، بهحديث آخر : وقال الإمام أحمد : حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا جرير - يعني ابن حازم - عن كلثوم بن جابر عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم ، عليه السلام ، بنعمان . يعني عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه ، ثم كلمهم قبلا قال : ( ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ) إلى قوله : ( المبطلون )وقد روى هذا الحديث النسائي في كتاب التفسير من سننه ، عن محمد بن عبد الرحيم - صاعقة - عن حسين بن محمد المروزي ، به . ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث حسين بن محمد به . إلا أن ابن أبي حاتم جعله موقوفا . وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث حسين بن محمد وغيره ، عن جرير بن حازم ، عن كلثوم بن جبر ، به . وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وقد احتج مسلم بكلثوم بن جبير هكذا قال ، وقد رواه عبد الوارث ، عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، فوقفه وكذا رواه إسماعيل ابن علية ووكيع ، عن ربيعة بن كلثوم ، عن جبير ، عن أبيه ، به . وكذا رواه عطاء بن السائب ، وحبيب بن أبي ثابت ، وعلي بن بذيمة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قوله ، وكذا رواه العوفي وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس فهذا أكثر وأثبت ، والله أعلم .وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن أبي هلال ، عن أبي جمرة الضبعي ، عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] قال : أخرج الله ذرية آدم [ عليه السلام ] من ظهره كهيئة الذر ، وهو في آذي من الماء .وقال أيضا : حدثنا علي بن سهل ، حدثنا ضمرة بن ربيعة ، حدثنا أبو مسعود عن جوبير قال : مات ابن للضحاك بن مزاحم ، [ وهو ] ابن ستة أيام . قال : فقال : يا جابر ، إذا أنت وضعت ابني في لحده ، فأبرز وجهه ، وحل عنه عقده ، فإن ابني مجلس ، ومسئول . ففعلت به الذي أمر ، فلما فرغت قلت : يرحمك الله ، عم يسأل ابنك ؟ من يسأله إياه ؟ قال : يسأل عن الميثاق الذي أقر به في صلب آدم . قلت : يا أبا القاسم ، وما هذا الميثاق الذي أقر به في صلب آدم ؟ قال : حدثني ابن عباس [ رضي الله عنه ] ; أن الله مسح صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خلقها إلى يوم القيامة ، فأخذ منهم الميثاق : أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، وتكفل لهم بالأرزاق ، ثم أعادهم في صلبه . فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطى الميثاق يومئذ ، فمن أدرك منهم الميثاق الآخر فوفى به ، نفعه الميثاق الأول . ومن أدرك الميثاق الآخر فلم يف به ، لم ينفعه الميثاق الأول . ومن مات صغيرا قبل أن يدرك الميثاق الآخر ، مات على الميثاق الأول على الفطرةفهذه الطرق كلها مما تقوي وقف هذا على ابن عباس ، والله أعلم .حديث آخر : وقال ابن جرير : حدثنا عبد الرحمن بن الوليد ، حدثنا أحمد بن أبي طيبة ، عن سفيان بن سعيد ، عن الأجلح ، عن الضحاك وعن - منصور ، عن مجاهد - عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ) قال : " أخذ من ظهره ، كما يؤخذ بالمشط من الرأس ، فقال لهم : ( ألست بربكم قالوا بلى ) قالت الملائكة ( شهدنا أن يقولوا ) يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلينأحمد بن أبي طيبة هذا هو : أبو محمد الجرجاني قاضي قومس ، كان أحد الزهاد ، أخرج له النسائي في سننه ، وقال أبو حاتم الرازي : يكتب حديثه . وقال ابن عدي : حدث بأحاديث أكثرها غرائب .وقد روى هذا الحديث عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان الثوري ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمرو ، قوله ، وكذا رواه جرير ، عن منصور ، به . وهذا أصح والله أعلم .حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا روح - هو ابن عبادة - حدثنا مالك ، وحدثنا إسحاق ، أخبرنا مالك ، عن زيد بن أبي أنيسة : أن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ، أخبره ، عن مسلم بن يسار الجهني : أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ) الآية ، فقال عمر بن الخطاب : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سئل عنها ، فقال : " إن الله خلق آدم ، عليه السلام ، ثم مسح ظهره بيمينه ، فاستخرج منه ذرية ، قال : خلقت هؤلاء للجنة ، وبعمل أهل الجنة يعملون . ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية ، قال : خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون " . فقال رجل : يا رسول الله ، ففيم العمل ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا خلق الله العبد للجنة ، استعمله بأعمال أهل الجنة ، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة ، فيدخله به الجنة . وإذا خلق العبد للنار ، استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار ، فيدخله به النار " .وهكذا رواه أبو داود عن القعنبي - والنسائي عن قتيبة - والترمذي عن إسحاق بن موسى ، عن معن . وابن أبي حاتم ، عن يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب . وابن جرير من حديث روح بن عبادة وسعيد بن عبد الحميد بن جعفر . وأخرجه ابن حبان في صحيحه ، من رواية أبي مصعب الزبيري ، كلهم عن الإمام مالك بن أنس ، بهقال الترمذي : وهذا حديث حسن ، ومسلم بن يسار لم يسمع عمر . وكذا قاله أبو حاتم وأبو زرعة . زاد أبو حاتم : وبينهما نعيم بن ربيعة .وهذا الذي قاله أبو حاتم ، رواه أبو داود في سننه ، عن محمد بن مصفى ، عن بقية ، عن عمر بن جعثم القرشي ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ، عن مسلم بن يسار الجهني ، عن نعيم بن ربيعة قال : كنت عند عمر بن الخطاب [ رضي الله عنه ] وقد سئل عن هذه الآية : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ) فذكرهوقال الحافظ الدارقطني : وقد تابع عمر بن جعثم بن زيد بن سنان أبو فروة الرهاوي ، وقولهما أولى بالصواب من قول مالك ، والله أعلمقلت : الظاهر أن الإمام مالكا إنما أسقط ذكر " نعيم بن ربيعة " عمدا ; لما جهل حاله ولم يعرفه ، فإنه غير معروف إلا في هذا الحديث ، وكذلك يسقط ذكر جماعة ممن لا يرتضيهم ; ولهذا يرسل كثيرا من المرفوعات ، ويقطع كثيرا من الموصولات ، والله أعلم .حديث آخر : قال الترمذي عند تفسيره هذه الآية : حدثنا عبد بن حميد ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة [ رضي الله عنه ] قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما خلق الله [ عز وجل ] آدم مسح ظهره ، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة ، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور ، ثم عرضهم على آدم ، فقال : أي رب ، من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء ذريتك . فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه ، فقال : أي رب ، من هذا ؟ قال : هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك ، يقال له : داود . قال : رب ، وكم جعلت عمره ؟ قال : ستين سنة . قال : أي رب ، زده من عمري أربعين سنة . فلما انقضى عمر آدم ، جاءه ملك الموت قال : أو لم يبق من عمري أربعون سنة ؟ قال : أو لم تعطها ابنك داود ؟ قال : فجحد آدم فجحدت ذريته ، ونسي آدم فنسيت ذريته ، وخطئ آدم فخطئت ذريته " .ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح ، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .ورواه الحاكم في مستدركه ، من حديث أبي نعيم الفضل بن دكين ، به . وقال : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاهورواه ابن أبي حاتم في تفسيره ، من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، أنه حدثه عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر نحو ما تقدم ، إلى أن قال : " ثم عرضهم على آدم فقال : يا آدم ، هؤلاء ذريتك . وإذا فيهم الأجذم والأبرص والأعمى ، وأنواع الأسقام ، فقال آدم : يا رب ، لم فعلت هذا بذريتي ؟ قال : كي تشكر نعمتي . وقال آدم : يا رب ، من هؤلاء الذين أراهم أظهر الناس نورا ؟ قال : هؤلاء الأنبياء يا آدم من ذريتك " . ثم ذكر قصة داود ، كنحو ما تقدمحديث آخر : قال عبد الرحمن بن قتادة النصري عن أبيه ، عن هشام بن حكيم ، رضي الله عنه ، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، أتبدأ الأعمال ، أم قد قضي القضاء ؟ قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله قد أخذ ذرية آدم من ظهورهم ، ثم أشهدهم على أنفسهم ، ثم أفاض بهم في كفيه " ثم قال : " هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار ، فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة ، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار " .رواه ابن جرير ، وابن مردويه من طرق عنهحديث آخر : روى جعفر بن الزبير - وهو ضعيف - عن القاسم ، عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما خلق الله الخلق ، وقضى القضية ، أخذ أهل اليمين بيمينه وأهل الشمال بشماله ، فقال : يا أصحاب اليمين . فقالوا : لبيك وسعديك . قال : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى . قال : يا أصحاب الشمال . قالوا : لبيك وسعديك . قال : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى ثم خلط بينهم ، فقال قائل : يا رب ، لم خلطت بينهم ؟ قال : لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون ، أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ، ثم ردهم في صلب آدم [ عليه السلام ] . رواه ابن مردويهأثر آخر : قال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب [ رضي الله عنه ] في قول الله تعالى ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ) الآية والتي بعدها ، قال : فجمعهم له يومئذ جميعا ، ما هو كائن منه إلى يوم القيامة ، فجعلهم أرواحا ثم صورهم ثم استنطقهم فتكلموا ، وأخذ عليهم العهد والميثاق ، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ؟ قالوا : بلى ، الآية . قال : فإني أشهد عليكم السماوات السبع ، والأرضين السبع ، وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة : لم نعلم بهذا اعلموا أنه لا إله غيري ، ولا رب غيري ، فلا تشركوا بي شيئا ، وإني سأرسل إليكم رسلا يذكرونكم عهدي وميثاقي ، وأنزل عليكم كتبي . قالوا : نشهد أنك ربنا وإلهنا ، لا رب لنا غيرك ، ولا إله لنا غيرك . فأقروا له يومئذ بالطاعة ، ورفع أباهم آدم فنظر إليهم ، فرأى فيهم الغني والفقير ، وحسن الصورة ودون ذلك . فقال : يا رب ، لو سويت بين عبادك ؟ قال : إني أحببت أن أشكر . ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم النور ، وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة ، فهو الذي يقول تعالى ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم [ ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ] ) [ الأحزاب : 7 ] وهو الذي يقول : ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله [ التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ] ) الآية [ الروم : 30 ] ، ومن ذلك قال : ( هذا نذير من النذر الأولى ) [ النجم : 56 ] ومن ذلك قال : ( وما وجدنا لأكثرهم من عهد [ وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ] ) [ الأعراف : 102 ] .رواه عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه ، ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه في تفاسيرهم ، من رواية ابن جعفر الرازي ، به . وروي عن مجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، وقتادة ، والسدي ، وغير واحد من علماء السلف ، سياقات توافق هذه الأحاديث ، اكتفينا بإيرادها عن التطويل في تلك الآثار كلها ، وبالله المستعان .فهذه الأحاديث دالة على أن الله ، عز وجل ، استخرج ذرية آدم من صلبه ، وميز بين أهل الجنة وأهل النار ، وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربهم ، فما هو إلا في حديث كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] وفي حديث عبد الله بن عمرو [ رضي الله عنهما ] وقد بينا أنهما موقوفان لا مرفوعان ، كما تقدم . ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف : إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد ، كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار المجاشعي ، ومن رواية الحسن البصري عن الأسود بن سريع . وقد فسر الحسن البصري الآية بذلك ، قالوا : ولهذا قال : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم ) ولم يقل : " من آدم " ، ( من ظهورهم ) ولم يقل : " من ظهره " ) ذرياتهم ) أي : جعل نسلهم جيلا بعد جيل ، وقرنا بعد قرن ، كما قال تعالى : ( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ) [ الأنعام : 165 ] وقال : ( ويجعلكم خلفاء الأرض ) [ النمل : 62 ] وقال : ( كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ) [ الأنعام : 133 ]ثم قال : ( وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ) أي : أوجدهم شاهدين بذلك ، قائلين له حالا وقالا . والشهادة تارة تكون بالقول ، كما قال [ تعالى ] ( قالوا شهدنا على أنفسنا ) [ الأنعام : 130 ] الآية ، وتارة تكون حالا كما قال تعالى : ( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر ) [ التوبة : 17 ] أي : حالهم شاهد عليهم بذلك لا أنهم قائلون ذلك ، وكذلك قوله تعالى : ( وإنه على ذلك لشهيد ) [ العاديات : 7 ] كما أن السؤال تارة يكون بالقال ، وتارة يكون بالحال ، كما في قوله : ( وآتاكم من كل ما سألتموه ) [ إبراهيم : 34 ] قالوا : ومما يدل على أن المراد بهذا هذا ، أن جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك ، فلو كان قد وقع هذا كما قاله من قال لكان كل أحد يذكره ، ليكون حجة عليه . فإن قيل : إخبار الرسول به كاف في وجوده ، فالجواب : أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره . وهذا جعل حجة مستقلة عليهم ، فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد ; ولهذا قال : ( أن يقولوا ) أي : لئلا يقولوا يوم القيامة : ( إنا كنا عن هذا ) أي : [ عن ] التوحيد ( غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا ) الآية .
تفسير القرطبيقوله تعالى وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلينفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى وإذ أخذ ربك أي واذكر لهم مع ما سبق من تذكير المواثيق في كتابهم ما أخذت من المواثيق من العباد يوم الذر . وهذه آية مشكلة ، وقد تكلم العلماء في تأويلها وأحكامها ، فنذكر ما ذكروه من ذلك حسب ما وقفنا عليه فقال قوم : معنى الآية أن الله تعالى أخرج من ظهور بني آدم بعضهم من بعض . قالوا ومعنى وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم دلهم بخلقه على توحيده ; لأن كل بالغ يعلم ضرورة أن له ربا واحدا . ألست بربكم أي قال . فقام ذلك مقام الإشهاد عليهم ، والإقرار منهم ; كما قال تعالى في السماوات والأرض : قالتا أتينا طائعين ذهب إلى هذا القفال وأطنب . وقيل : إنه سبحانه أخرج الأرواح قبل خلق الأجساد ، وأنه جعل فيها من المعرفة ما علمت به ما خاطبها .قلت : وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذين القولين ، وأنه تعالى أخرج الأشباح فيها الأرواح من ظهر آدم عليه السلام . وروى مالك في موطئه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الآية وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين فقال عمر رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عنها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون . فقال رجل : ففيم العمل ؟ قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار . قال أبو عمر : هذا حديث منقطع الإسناد ; لأن مسلم بن يسار لم يلق عمر . وقال فيه يحيى بن معين : مسلم بن يسار لا يعرف ، بينه وبين عمر نعيم بن ربيعة ، ذكره النسائي ، ونعيم غير معروف بحمل العلم . لكن معنى هذا الحديث قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة كثيرة من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وعبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين وغيرهم . روى الترمذي وصححه عن أبي هريرة قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة وجعل بين عيني كل رجل منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم فقال يا رب من هؤلاء قال هؤلاء ذريتك فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه فقال أي رب من هذا ؟ فقال هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود فقال رب كم جعلت عمره قال ستين سنة قال أي رب زده من عمري أربعين سنة فلما انقضى عمر آدم عليه السلام جاءه ملك الموت فقال أولم يبق من عمري أربعون سنة قال أولم تعطها ابنك داود قال فجحد آدم فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته . في غير الترمذي : فحينئذ أمر بالكتاب والشهود . في رواية فرأى فيهم الضعيف والغني والفقير والذليل والمبتلى والصحيح . فقال له آدم : يا رب ، ما هذا ؟ ألا سويت بينهم ! قال : أردت أن أشكر وروى عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أخذوا من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس . وجعل الله لهم عقولا كنملة سليمان ، وأخذ عليهم العهد بأنه ربهم وأن لا إله غيره . فأقروا بذلك والتزموه ، وأعلمهم بأنه سيبعث إليهم الرسل ; فشهد بعضهم على بعض . قال أبي بن كعب : وأشهد عليهم السماوات السبع ، فليس من أحد يولد إلى يوم القيامة إلا وقد أخذ عليه العهد .واختلف في الموضع الذي أخذ فيه الميثاق حين أخرجوا على أربعة أقوال ; فقال ابن عباس : ببطن نعمان ، واد إلى جنب عرفة . وروي عنه أن ذلك برهبا - أرض بالهند - الذي هبط فيه آدم عليه السلام . وقال يحيى بن سلام قال ابن عباس في هذه الآية : أهبط الله آدم بالهند ، ثم مسح على ظهره فأخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة ، ثم قال : ألست بربكم قالوا بلى شهدنا قال يحيى قال الحسن : ثم أعادهم في صلب آدم عليه السلام . وقال الكلبي : بين مكة والطائف . وقال السدي : في السماء الدنيا حين أهبط من الجنة إليها مسح على ظهره فأخرج من صفحة ظهره اليمنى ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ ، فقال لهم ادخلوا الجنة برحمتي . وأخرج من صفحة ظهره اليسرى ذرية سوداء وقال لهم ادخلوا النار ولا أبالي . قال ابن جريج : خرجت كل نفس مخلوقة للجنة بيضاء ، وكل نفس مخلوقة للنار سوداء .الثانية : قال ابن العربي رحمه الله : فإن قيل فكيف يجوز أن يعذب الخلق وهم لم يذنبوا ، أو يعاقبهم على ما أراده منهم وكتبه عليهم وساقهم إليه ، قلنا : ومن أين يمتنع ذلك ، أعقلا أم شرعا ؟ فإن قيل : لأن الرحيم الحكيم منا لا يجوز أن يفعل ذلك . قلنا : لأن فوقه آمرا يأمره وناهيا ينهاه ، وربنا تعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ولا يجوز أن يقاس الخلق بالخالق ، ولا تحمل أفعال العباد على أفعال الإله ، وبالحقيقة الأفعال كلها لله جل جلاله ، والخلق بأجمعهم له ، صرفهم كيف شاء ، وحكم بينهم بما أراد ، وهذا الذي يجده الآدمي إنما تبعث عليه رقة الجبلة وشفقة الجنسية وحب الثناء والمدح ; لما يتوقع في ذلك من الانتفاع ، والباري تعالى متقدس عن ذلك كله ، فلا يجوز أن يعتبر به .الثالثة : واختلف في هذه الآية ، هل هي خاصة أو عامة . فقيل : الآية خاصة ; لأنه تعالى قال : من بني آدم من ظهورهم فخرج من هذا الحديث من كان من ولد آدم لصلبه .
تفسير الطبريوإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلينالقول في تأويل قوله تعالى : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : واذكر يا محمد ربك إذ استخرج ولد آدم من أصلاب آبائهم , فقررهم بتوحيده , وأشهد بعضهم على بعض شهادتهم بذلك , وإقرارهم به . كما : 11915 - حدثني أحمد بن محمد الطوسي , قال : ثنا الحسين بن محمد , قال : ثنا جرير بن حازم , عن كلثوم بن جبر , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , عن النبي صلى الله عليه وسلم , قال : " أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان " يعني عرفة " فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها , فنثرهم بين يديه كالذر , ثم كلمهم فتلا فقال : ألست بربكم ؟ قالوا بلى شهدنا أن تقولوا الآية - إلى ما فعل المبطلون " . 11916 - حدثنا عمران بن موسى , قال : ثنا عبد الوارث , قال : ثنا كلثوم بن جبر , قال : سألت سعيد بن جبير عن قوله : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم قال : سألت عنها ابن عباس , فقال : مسح ربك ظهر آدم , فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة بنعمان هذا , وأشار بيده , فأخذ مواثيقهم , وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى * حدثنا ابن وكيع ويعقوب قالا : ثنا ابن علية , قال : ثنا كلثوم بن جبر , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , في قوله : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا قال : مسح ربك ظهر آدم , فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة بنعمان هذا الذي وراء عرفة , وأخذ ميثاقهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا اللفظ لحديث يعقوب . 11917 - وحدثني يعقوب قال : ثنا ابن علية , قال ربيعة بن كلثوم , عن أبيه في هذا الحديث : قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * حدثنا عمرو , قال : ثنا عمران بن عيينة , قال : أخبرنا عطاء بن السائب , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , قال : أول ما أهبط الله آدم , أهبطه بدجني , أرض بالهند , فمسح الله ظهره , فأخرج منه كل نسمة هو بارئها إلى أن تقوم الساعة , ثم أخذ عليهم الميثاق : وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عمران بن عيينة , عن عطاء , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , قال : أهبط آدم حين أهبط , فمسح الله ظهره , فأخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة , ثم قال ألست بربكم قالوا بلى , ثم تلا : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم فجف القلم من يومئذ بما هو كائن إلى يوم القيامة . 11918 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا يحيى بن عيسى , عن الأعمش , عن حبيب بن أبي ثابت , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم قال : لما خلق الله آدم , أخذ ذريته من ظهره مثل الذر , فقبض قبضتين , فقال لأصحاب اليمين ادخلوا الجنة بسلام , وقال للآخرين : ادخلوا النار ولا أبالي . 11919 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن الأعمش , عن حبيب , عن ابن عباس , قال : مسح الله ظهر آدم , فأخرج كل طيب في يمينه , وأخرج كل خبيث في الأخرى . * حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن علية , عن شريك , عن عطاء , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس قال : مسح الله ظهر آدم , فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة . * حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , قال : ثنا عمرو بن أبي قيس , عن عطاء , عن سعيد , عن ابن عباس : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم قال : لما خلق الله آدم مسح ظهره بدجني , وأخرج من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة , فقال : ألست بربكم قالوا بلى قال : فيرون يومئذ جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة . * حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن المسعودي , عن علي بن بذيمة , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , قال : لما خلق الله آدم عليه السلام أخذ ميثاقه , فمسح ظهره , فأخذ ذريته كهيئة الذر , فكتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم , وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى * قال : ثنا يزيد بن هارون , عن المسعودي , عن علي بن بذيمة , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم قال : لما خلق الله آدم , أخذ ميثاقه أنه ربه , وكتب أجله ومصائبه , واستخرج ذريته كالذر , وأخذ ميثاقهم , وكتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم . * حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن ربيعة بن كلثوم بن جبر , عن أبيه سعيد بن جبير , عن ابن عباس , في قوله : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم قال : مسح الله ظهر آدم عليه السلام وهو ببطن نعمان , واد إلى جنب عرفة , وأخرج ذريته من ظهره كهيئة الذر , ثم أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا 11920 - قال : ثنا أبي , عن أبي هلال , عن أبي حمزة الضبعي , عن ابن عباس , قال : أخرج الله ذرية آدم عليه السلام من ظهره كهيئة الذر , وهو في آذي من الماء . 11921 - حدثني علي بن سهل , قال : ثنا ضمرة بن ربيعة , قال : ثنا أبو مسعود , عن جويبر , قال : مات ابن للضحاك بن مزاحم ابن ستة أيام , قال : فقال : يا جابر إذا أنت وضعت ابني في لحده , فأبرز وجهه , وحل عنه عقده , فإن ابني مجلس ومسئول ! ففعلت به الذي أمرني , فلما فرغت , قلت : يرحمك الله , عم يسأل ابنك ؟ قال : يسأل عن الميثاق الذي أقر به في صلب آدم عليه السلام . قلت : يا أبا القاسم , وما هذا الميثاق الذي أقر به في صلب آدم ؟ قال : ثني ابن عباس أن الله مسح صلب آدم , فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة , وأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه , ولا يشركوا به شيئا , فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطي الميثاق يومئذ , فمن أدرك منهم الميثاق الآخر فوفى به نفعه الميثاق الأول , ومن أدرك الميثاق الآخر فلم يف به لم ينفعه الميثاق الأول , ومن مات صغيرا قبل أن يدرك الميثاق الآخر مات على الميثاق الأول على الفطرة. 11922 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني السري بن يحيى , أن الحسن بن أبي الحسن , حدثهم عن الأسود بن سريع من بني سعد , قال : غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع غزوات , قال : فتناول القوم الذرية بعدما قتلوا المقاتلة , فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم , فاشتد عليه , ثم قال : " ما بال أقوام يتناولون الذرية ؟ " فقال رجل : يا رسول الله , أليسوا أبناء المشركين ؟ فقال : " إن خياركم أولاد المشركين , ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة , فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها , فأبواها يهودانها أو ينصرانها " . قال الحسن : والله لقد قال الله ذلك في كتابه , قال : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم 11923 - حدثنا عبد الرحمن بن الوليد , قال : ثنا أحمد بن أبي طيبة , عن سفيان , عن سعيد , عن الأجلح , عن الضحاك , وعن منصور , عن مجاهد , عن عبد الله بن عمرو , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم قال : " أخذوا من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس , فقال لهم ألست بربكم ؟ قالوا بلى , قالت الملائكة : شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ". 11924 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا يحيى بن سعيد , قال : ثنا سفيان , عن منصور , عن مجاهد , عن عبد الله بن عمرو , في قوله : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم قال : أخذهم كما يأخذ المشط من الرأس . * حدثنا ابن وكيع وابن حميد , قالا : ثنا جرير , عن منصور , عن مجاهد , عن عبد الله بن عمرو : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم قال : أخذهم كما يأخذ المشط عن الرأس . قال ابن حميد : كما يؤخذ بالمشط . 11925 - حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري , قال : ثنا روح بن عبادة , وسعد بن عبد الحميد بن جعفر بن مالك بن أنس , عن زيد بن أبي أنيسة , عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب , عن مسلم بن يسار الجهني : أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم فقال عمر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية , فقال : خلقت هؤلاء للجنة , وبعمل أهل الجنة يعملون . ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية , فقال : خلقت هؤلاء للنار , وبعمل أهل النار يعملون " . فقال رجل : يا رسول الله ففيم العمل ؟ قال : " إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من عمل أهل الجنة فيدخله الجنة ; وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من عمل أهل النار فيدخله النار " . * حدثنا إبراهيم , قال : ثنا محمد بن المصفى , عن بقية , عن عمرو بن جعثم القرشي , قال : ثني زيد بن أبي أنيسة , عن عبد الحميد بن عبد الرحمن , عن مسلم بن يسار , عن نعيم بن ربيعة , عن عمر , عن النبي صلى الله عليه وسلم , بنحوه . 11926 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عنبسة , عن عمارة , عن أبي محمد رجل من المدينة , قال : سألت عمر بن الخطاب عن قوله : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عنه كما سألتني , فقال : " خلق الله آدم بيده , ونفخ فيه من روحه , ثم أجلسه فمسح ظهره بيده اليمنى , فأخرج ذرءا , فقال : ذرء ذرأتهم للجنة , ثم مسح ظهره بيده الأخرى , وكلتا يديه يمين , فقال : ذرء ذرأتهم للنار , يعملون فيما شئت من عمل , ثم أختم لهم بأسوأ أعمالهم فأدخلهم النار " . * حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم قال : إن الله خلق آدم , ثم أخرج ذريته من صلبه مثل الذر , فقال لهم : من ربكم ؟ قالوا : الله ربنا , ثم أعادهم في صلبه , حتى يولد كل من أخذ ميثاقه لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم إلى أن تقوم الساعة . 11927 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قوله : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم إلى قوله : قالوا بلى شهدنا قال ابن عباس : إن الله لما خلق آدم مسح ظهره , وأخرج ذريته كلهم كهيئة الذر , فأنطقهم فتكلموا , وأشهدهم على أنفسهم , وجعل مع بعضهم النور , وإنه قال لآدم : هؤلاء ذريتك آخذ عليهم الميثاق , أنا ربهم , لئلا يشركوا بي شيئا , وعلي رزقهم . قال آدم : فمن هذا الذي معه النور ؟ قال : هو داود . قال : يا رب كم كتبت له من الأجل ؟ قال : ستين سنة . قال : كم كتبت لي ؟ قال : ألف سنة , وقد كتبت لكل إنسان منهم كم يعمر وكم يلبث . قال : يا رب زده ! قال : هذا الكتاب موضوع فأعطه إن شئت من عمرك . قال : نعم. وقد جف القلم عن أجل سائر بني آدم , فكتب له من أجل آدم أربعين سنة , فصار أجله مائة سنة . فلما عمر تسعمائة سنة وستين جاءه ملك الموت ; فلما رآه آدم , قال : ما لك ؟ قال له : قد استوفيت أجلك . قال له آدم : إنما عمرت تسعمائة وستين سنة , وبقي أربعون سنة. قال : فلما قال ذلك للملك , قال الملك : قد أخبرني بها ربي . قال : فارجع إلى ربك فاسأله ! فرجع الملك إلى ربه , فقال : ما لك ؟ قال : يا رب رجعت إليك لما كنت أعلم من تكرمتك إياه . قال الله : ارجع فأخبره أنه قد أعطى ابنه داود أربعين سنة ! 11928 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن الزبير بن موسى , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , قال : إن الله تبارك وتعالى ضرب منكبه الأيمن , فخرجت كل نفس مخلوقة للجنة بيضاء نقية , فقال : هؤلاء أهل الجنة . ثم ضرب منكبه الأيسر , فخرجت كل نفس مخلوقة للنار سوداء , فقال : هؤلاء أهل النار . ثم أخذ عهودهم على الإيمان والمعرفة له ولأمره , والتصديق به وبأمره بني آدم كلهم , فأشهدهم على أنفسهم , فآمنوا وصدقوا وعرفوا وأقروا. وبلغني أنه أخرجهم على كفه أمثال الخردل . قال ابن جريج عن مجاهد , قال : إن الله لما أخرجهم قال : يا عباد الله أجيبوا الله - والإجابة : الطاعة - فقالوا : أطعنا , اللهم أطعنا , اللهم أطعنا , اللهم لبيك ! قال : فأعطاها إبراهيم عليه السلام في المناسك : لبيك اللهم لبيك . قال : ضرب متن آدم حين خلقه . قال : وقال ابن عباس : خلق آدم , ثم أخرج ذريته من ظهره مثل الذر , فكلمهم , ثم أعادهم في صلبه , فليس أحد إلا وقد تكلم فقال : ربي الله . فقال : وكل خلق خلق فهو كائن إلى يوم القيامة وهي الفطرة التي فطر الناس عليها . قال ابن جريج , قال سعيد بن حبير : أخذ الميثاق عليهم بنعمان - ونعمان من وراء عرفة - أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين عن الميثاق الذي أخذ عليهم . 11929 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن أبي جعفر , عن الربيع , عن أبي العالية , عن أبي بن كعب , قال : جمعهم يومئذ جميعا ما هو كائن إلى يوم القيامة , ثم استنطقهم , وأخذ عليهم الميثاق وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون ؟ قال : فإني أشهد عليكم السماوات السبع والأرضين السبع , وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا , اعلموا أنه لا إله غيري , ولا رب غيري , ولا تشركوا بي شيئا , وسأرسل إليكم رسلا يذكرونكم عهدي وميثاقي , وسأنزل عليكم كتبي ! قالوا : شهدنا أنك ربنا وإلهنا , لا رب لنا غيرك , ولا إله لنا غيرك . فأقروا له يومئذ بالطاعة , ورفع عليهم أباهم آدم , فنظر إليهم , فرأى منهم الغني والفقير , وحسن الصورة , ودون ذلك , فقال : رب لولا ساويت بينهم ! قال : فإني أحب أن أشكر . قال : وفيهم الأنبياء عليهم السلام يومئذ مثل السرج. وخص الأنبياء بميثاق آخر , قال الله : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا 33 7 وهو الذي يقول تعالى ذكره : فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله 30 30 وفي ذلك قال : هذا نذير من النذر الأولى 53 56 يقول : أخذنا ميثاقه مع النذر الأولى , ومن ذلك قوله : وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين 7 102 ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل 10 74 قال : كان في علمه يوم أقروا به من يصدق ومن يكذب . 11930 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن أبي بشر , عن سعيد بن جبير في هذه الآية : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قال : أخرجهم من ظهر آدم , وجعل لآدم عمر ألف سنة , قال : فعرضوا على آدم , فرأى رجلا من ذريته له نور فأعجبه , فسأل عنه , فقال : هو داود , قد جعل عمره ستين سنة , فجعل له من عمره أربعين سنة ; فلما احتضر آدم , جعل يخاصمهم في الأربعين سنة , فقيل له : إنك أعطيتها داود , قال : فجعل يخاصمهم . * حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يعقوب , عن جعفر , عن سعيد , في قوله : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم قال : أخرج ذريته من ظهره كهيئة الذر , فعرضهم على آدم بأسمائهم وأسماء آبائهم وآجالهم , قال : فعرض عليه روح داود في نور ساطع , فقال : من هذا ؟ قال : هذا من ذريتك نبي خليفة , قال : كم عمره ؟ قال : ستون سنة , قال : زيدوه من عمري أربعين سنة ! قال : والأقلام رطبة تجري . فأثبت لداود الأربعون , وكان عمر آدم عليه السلام ألف سنة ; فلما استكملها إلا الأربعين سنة , بعث إليه ملك الموت , فقال : يا آدم أمرت أن أقبضك , قال : ألم يبق من عمري أربعون سنة ؟ قال : فرجع ملك الموت إلى ربه , فقال : إن آدم يدعي من عمره أربعين سنة , قال : أخبر آدم أنه جعلها لابنه داود والأقلام رطبة ! فأثبتت لداود . * حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبو داود , عن يعقوب , عن جعفر , عن سعيد بنحوه. 11931 - قال : ثنا ابن فضيل وابن نمير , عن عبد الملك , عن عطاء : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم قال : أخرجهم من ظهر آدم حتى أخذ عليهم الميثاق , ثم ردهم في صلبه . 11932 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن نمير , عن نضر بن عربي : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم قال : أخرجهم من ظهر آدم حتى أخذ عليهم الميثاق , ثم ردهم في صلبه. 11933 - قال : ثنا محمد بن عبيد , عن أبي بسطام , عن الضحاك , قال : حيث ذرأ الله خلقه لآدم , قال : خلقهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ؟ قالوا : بلى. * حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ , قال : ثنا عبيد , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم قال : قال ابن عباس : خلق الله آدم , ثم أخرج ذريته من ظهره , فكلمهم الله وأنطقهم , فقال : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى , ثم أعادهم في صلبه , فليس أحد من الخلق إلا قد تكلم فقال ربي الله , وإن القيامة لن تقوم حتى يولد من كان يومئذ أشهد على نفسه. 11934 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عمر بن طلحة , عن أسباط , عن السدي : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى وذلك حين يقول تعالى ذكره : وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها 3 83 وذلك حين يقول : فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين 6 149 يعني : يوم أخذ منهم الميثاق , ثم عرضهم على آدم عليه السلام. 11935 - قال : ثنا عمر , عن أسباط , عن السدي , قال : أخرج الله آدم من الجنة , ولم يهبط من السماء , ثم مسح صفحة ظهره اليمنى , فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر , فقال لهم : ادخلوا الجنة برحمتي ! ومسح صفحة ظهره اليسرى , فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر , فقال : ادخلوا النار ولا أبالي ! فذلك حين يقول : " وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال " ثم أخذ منهم الميثاق , فقال : ألست بربكم قالوا بلى , فأطاعه طائفة طائعين , وطائفة كارهين على وجه التقية . 11936 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمر , قال : ثنا أسباط , عن السدي بنحوه , وزاد فيه بعد قوله : وطائفة على وجه التقية , فقال هو والملائكة : شهدنا أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو يقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم . فلذلك ليس في الأرض أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف أن ربه الله , ولا مشرك إلا وهو يقول لابنه : إنا وجدنا آباءنا على أمة والأمة : الدين وإنا على آثارهم مقتدون 43 23 وذلك حين يقول الله : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى وذلك حين يقول : وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها 3 83 وذلك حين يقول : فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين 6 149 يعني يوم أخذ منهم الميثاق. 11937 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن الكلبي : من ظهورهم ذرياتهم قال : مسح الله على صلب آدم , فأخرج من صلبه من ذريته ما يكون إلى يوم القيامة , وأخذ ميثاقهم أنه ربهم , فأعطوه ذلك , ولا يسأل أحد كافر ولا غيره : من ربك ؟ إلا قال : الله. وقال الحسن مثل ذلك أيضا . 11938 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حفص بن غياث , عن جعفر , عن أبيه , عن علي بن حسين أنه كان يعزل , ويتأول هذه الآية : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم 11939 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا موسى بن عبيدة , عن محمد بن كعب القرظي في قوله : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم قال : أقرت الأرواح قبل أن تخلق أجسادها . 11940 - حدثنا أحمد بن الفرج الحمصي , قال : ثنا بقية بن الوليد , قال : ثني الزبيدي , عن راشد بن سعد , عن عبد الرحمن بن قتادة النضري , عن أبيه , عن هشام بن حكيم : أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : يا رسول الله , أتبدأ الأعمال أم قد قضي القضاء ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله أخذ ذرية آدم من ظهورهم , ثم أشهدهم على أنفسهم , ثم أفاض بهم في كفيه ثم قال : هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار , فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة , وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار " . * حدثني محمد بن عوف الطائي , قال : ثنا حيوة ويزيد , قالا : ثنا بقية , عن الزبيدي , عن راشد بن سعد , عن عبد الرحمن بن قتادة النضري , عن أبيه , عن هشام بن حكيم , عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . * حدثني أحمد بن شبوية , قال : ثنا إسحاق بن إبراهيم , قال : ثنا عمرو بن الحارث , قال : ثنا عبد الله بن مسلم , عن الزبيدي , قال : ثنا راشد بن سعد أن عبد الرحمن بن قتادة , حدثه أن أباه حدثه أن هشام بن حكيم حدثه أنه قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فذكر مثله . * حدثنا محمد بن عوف , قال : ثني أبو صالح , قال : ثنا معاوية , عن راشد بن سعد , عن عبد الرحمن بن قتادة , عن هشام بن حكيم , عن النبي صلى الله عليه وسلم , بنحوه . واختلف في قوله : شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين فقال السدي : هو خبر من الله عن نفسه وملائكته أنه جل ثناؤه قال هو وملائكته إذ أقر بنو آدم بربوبيته حين قال لهم : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى . فتأويل الكلام على هذا التأويل : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم , وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ؟ قالوا : بلى. فقال الله وملائكته : شهدنا عليكم بإقراركم بأن الله ربكم كيلا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين . وقد ذكرت الرواية عنه بذلك فيما مضى والخبر الآخر الذي روي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك . وقال آخرون : ذلك خبر من الله عن قيل بعض بني آدم لبعض , حين أشهد الله بعضهم على بعض . وقالوا : معنى قوله : وأشهدهم على أنفسهم وأشهدهم بعضهم على بعض بإقرارهم بذلك , وقد ذكرت الرواية بذلك أيضا عمن قاله قبل . قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بالصواب , ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان صحيحا , ولا أعلمه صحيحا ; لأن الثقات الذين يعتمد على حفظهم وإتقانهم حدثوا بهذا الحديث عن الثوري , فوقفوه على عبد الله بن عمرو ولم يرفعوه , ولم يذكروا في الحديث هذا الحرف الذي ذكره أحمد بن أبي طيبة عنه. وإن لم يكن ذلك عنه صحيحا , فالظاهر يدل على أنه خبر من الله عن قيل بني آدم بعضهم لبعض , لأنه جل ثناؤه قال : وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا فكأنه قيل : فقال الذين شهدوا على المقرين حين أقروا , فقالوا : بلى شهدنا عليكم بما أقررتم به على أنفسكم كيلا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين.
أَوۡ تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أَشۡرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةٗ مِّنۢ بَعۡدِهِمۡۖ أَفَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ١٧٣التفسير الميسرأو لئلا تقولوا: إنما أشرك آباؤنا من قبلنا ونقضوا العهد، فاقتدينا بهم من بعدهم، أفتعذبنا بما فعل الذين أبطلوا أعمالهم بجعلهم مع الله شريكا في العبادة؟
تفسير السعديأو تحتجون أيضا بحجة أخرى، فتقولون: إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ فحذونا حذوهم، وتبعناهم في باطلهم. أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ فقد أودع اللّه في فطركم، ما يدلكم على أن ما مع آبائكم باطل، وأن الحق ما جاءت به الرسل، وهذا يقاوم ما وجدتم عليه آباءكم، ويعلو عليه. نعم قد يعرض للعبد من أقوال آبائه الضالين، ومذاهبهم الفاسدة ما يظنه هو الحق، وما ذاك إلا لإعراضه، عن حجج اللّه وبيناته، وآياته الأفقية والنفسية، فإعراضه عن ذلك، وإقباله على ما قاله المبطلون، ربما صيره بحالة يفضل بها الباطل على الحق، هذا هو الصواب في تفسير هذه الآيات. وقد قيل: إن هذا يوم أخذ اللّه الميثاق على ذرية آدم، حين استخرجهم من ظهره وأشهدهم على أنفسهم، فشهدوا بذلك، فاحتج عليهم بما أقروا به في ذلك الوقت على ظلمهم في كفرهم، وعنادهم في الدنيا والآخرة، ولكن ليس في الآية ما يدل على هذا، ولا له مناسبة، ولا تقتضيه حكمة اللّه تعالى، والواقع شاهد بذلك. فإن هذا العهد والميثاق، الذي ذكروا، أنه حين أخرج اللّه ذرية آدم من ظهره، حين كانوا في عالم كالذر، لا يذكره أحد، ولا يخطر ببال آدمي، فكيف يحتج اللّه عليهم بأمر ليس عندهم به خبر، ولا له عين ولا أثر؟"
تفسير ابن كثيريخبر تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم ، شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم ، وأنه لا إله إلا هو . كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه ، قال تعالى : ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ) [ الروم : 30 ] وفي الصحيحين عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل مولود يولد على الفطرة - وفي رواية : على هذه الملة - فأبواه يهودانه ، وينصرانه ، ويمجسانه ، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحسون فيها من جدعاء " وفي صحيح مسلم ، عن عياض بن حمار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله [ تعالى ] إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم ، عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم "وقال الإمام أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني السري بن يحيى : أن الحسن بن أبي الحسن حدثهم ، عن الأسود بن سريع من بني سعد ، قال : غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع غزوات ، قال : فتناول القوم الذرية بعد ما قتلوا المقاتلة ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاشتد عليه ، ثم قال : " ما بال أقوام يتناولون الذرية ؟ " قال رجل : يا رسول الله ، أليسوا أبناء المشركين ؟ فقال : " إن خياركم أبناء المشركين ! ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة ، فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها ، فأبواها يهودانها أو ينصرانها " . قال الحسن : والله لقد قال الله في كتابه : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ) الآيةوقد رواه الإمام أحمد ، عن إسماعيل ابن علية ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن البصري به . وأخرجه النسائي في سننه من حديث هشيم ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن قال : حدثنا الأسود بن سريع ، فذكره ، ولم يذكر قول الحسن البصري واستحضاره الآية عند ذلكوقد وردت أحاديث في أخذ الذرية من صلب آدم ، عليه السلام ، وتمييزهم إلى أصحاب اليمين و [ إلى ] أصحاب الشمال ، وفي بعضها الاستشهاد عليهم بأن الله ربهم .قال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ، حدثنا شعبة ، عن أبي عمران الجوني ، عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة : أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا به ؟ " قال : " فيقول : نعم . فيقول : قد أردت منك أهون من ذلك ، قد أخذت عليك في ظهر آدم ألا تشرك بي شيئا ، فأبيت إلا أن تشرك بي " .أخرجاه في الصحيحين ، من حديث شعبة ، بهحديث آخر : وقال الإمام أحمد : حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا جرير - يعني ابن حازم - عن كلثوم بن جابر عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم ، عليه السلام ، بنعمان . يعني عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه ، ثم كلمهم قبلا قال : ( ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ) إلى قوله : ( المبطلون )وقد روى هذا الحديث النسائي في كتاب التفسير من سننه ، عن محمد بن عبد الرحيم - صاعقة - عن حسين بن محمد المروزي ، به . ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث حسين بن محمد به . إلا أن ابن أبي حاتم جعله موقوفا . وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث حسين بن محمد وغيره ، عن جرير بن حازم ، عن كلثوم بن جبر ، به . وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وقد احتج مسلم بكلثوم بن جبير هكذا قال ، وقد رواه عبد الوارث ، عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، فوقفه وكذا رواه إسماعيل ابن علية ووكيع ، عن ربيعة بن كلثوم ، عن جبير ، عن أبيه ، به . وكذا رواه عطاء بن السائب ، وحبيب بن أبي ثابت ، وعلي بن بذيمة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قوله ، وكذا رواه العوفي وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس فهذا أكثر وأثبت ، والله أعلم .وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن أبي هلال ، عن أبي جمرة الضبعي ، عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] قال : أخرج الله ذرية آدم [ عليه السلام ] من ظهره كهيئة الذر ، وهو في آذي من الماء .وقال أيضا : حدثنا علي بن سهل ، حدثنا ضمرة بن ربيعة ، حدثنا أبو مسعود عن جوبير قال : مات ابن للضحاك بن مزاحم ، [ وهو ] ابن ستة أيام . قال : فقال : يا جابر ، إذا أنت وضعت ابني في لحده ، فأبرز وجهه ، وحل عنه عقده ، فإن ابني مجلس ، ومسئول . ففعلت به الذي أمر ، فلما فرغت قلت : يرحمك الله ، عم يسأل ابنك ؟ من يسأله إياه ؟ قال : يسأل عن الميثاق الذي أقر به في صلب آدم . قلت : يا أبا القاسم ، وما هذا الميثاق الذي أقر به في صلب آدم ؟ قال : حدثني ابن عباس [ رضي الله عنه ] ; أن الله مسح صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خلقها إلى يوم القيامة ، فأخذ منهم الميثاق : أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، وتكفل لهم بالأرزاق ، ثم أعادهم في صلبه . فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطى الميثاق يومئذ ، فمن أدرك منهم الميثاق الآخر فوفى به ، نفعه الميثاق الأول . ومن أدرك الميثاق الآخر فلم يف به ، لم ينفعه الميثاق الأول . ومن مات صغيرا قبل أن يدرك الميثاق الآخر ، مات على الميثاق الأول على الفطرةفهذه الطرق كلها مما تقوي وقف هذا على ابن عباس ، والله أعلم .حديث آخر : وقال ابن جرير : حدثنا عبد الرحمن بن الوليد ، حدثنا أحمد بن أبي طيبة ، عن سفيان بن سعيد ، عن الأجلح ، عن الضحاك وعن - منصور ، عن مجاهد - عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ) قال : " أخذ من ظهره ، كما يؤخذ بالمشط من الرأس ، فقال لهم : ( ألست بربكم قالوا بلى ) قالت الملائكة ( شهدنا أن يقولوا ) يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلينأحمد بن أبي طيبة هذا هو : أبو محمد الجرجاني قاضي قومس ، كان أحد الزهاد ، أخرج له النسائي في سننه ، وقال أبو حاتم الرازي : يكتب حديثه . وقال ابن عدي : حدث بأحاديث أكثرها غرائب .وقد روى هذا الحديث عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان الثوري ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمرو ، قوله ، وكذا رواه جرير ، عن منصور ، به . وهذا أصح والله أعلم .حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا روح - هو ابن عبادة - حدثنا مالك ، وحدثنا إسحاق ، أخبرنا مالك ، عن زيد بن أبي أنيسة : أن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ، أخبره ، عن مسلم بن يسار الجهني : أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ) الآية ، فقال عمر بن الخطاب : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سئل عنها ، فقال : " إن الله خلق آدم ، عليه السلام ، ثم مسح ظهره بيمينه ، فاستخرج منه ذرية ، قال : خلقت هؤلاء للجنة ، وبعمل أهل الجنة يعملون . ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية ، قال : خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون " . فقال رجل : يا رسول الله ، ففيم العمل ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا خلق الله العبد للجنة ، استعمله بأعمال أهل الجنة ، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة ، فيدخله به الجنة . وإذا خلق العبد للنار ، استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار ، فيدخله به النار " .وهكذا رواه أبو داود عن القعنبي - والنسائي عن قتيبة - والترمذي عن إسحاق بن موسى ، عن معن . وابن أبي حاتم ، عن يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب . وابن جرير من حديث روح بن عبادة وسعيد بن عبد الحميد بن جعفر . وأخرجه ابن حبان في صحيحه ، من رواية أبي مصعب الزبيري ، كلهم عن الإمام مالك بن أنس ، بهقال الترمذي : وهذا حديث حسن ، ومسلم بن يسار لم يسمع عمر . وكذا قاله أبو حاتم وأبو زرعة . زاد أبو حاتم : وبينهما نعيم بن ربيعة .وهذا الذي قاله أبو حاتم ، رواه أبو داود في سننه ، عن محمد بن مصفى ، عن بقية ، عن عمر بن جعثم القرشي ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ، عن مسلم بن يسار الجهني ، عن نعيم بن ربيعة قال : كنت عند عمر بن الخطاب [ رضي الله عنه ] وقد سئل عن هذه الآية : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ) فذكرهوقال الحافظ الدارقطني : وقد تابع عمر بن جعثم بن زيد بن سنان أبو فروة الرهاوي ، وقولهما أولى بالصواب من قول مالك ، والله أعلمقلت : الظاهر أن الإمام مالكا إنما أسقط ذكر " نعيم بن ربيعة " عمدا ; لما جهل حاله ولم يعرفه ، فإنه غير معروف إلا في هذا الحديث ، وكذلك يسقط ذكر جماعة ممن لا يرتضيهم ; ولهذا يرسل كثيرا من المرفوعات ، ويقطع كثيرا من الموصولات ، والله أعلم .حديث آخر : قال الترمذي عند تفسيره هذه الآية : حدثنا عبد بن حميد ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة [ رضي الله عنه ] قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما خلق الله [ عز وجل ] آدم مسح ظهره ، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة ، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور ، ثم عرضهم على آدم ، فقال : أي رب ، من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء ذريتك . فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه ، فقال : أي رب ، من هذا ؟ قال : هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك ، يقال له : داود . قال : رب ، وكم جعلت عمره ؟ قال : ستين سنة . قال : أي رب ، زده من عمري أربعين سنة . فلما انقضى عمر آدم ، جاءه ملك الموت قال : أو لم يبق من عمري أربعون سنة ؟ قال : أو لم تعطها ابنك داود ؟ قال : فجحد آدم فجحدت ذريته ، ونسي آدم فنسيت ذريته ، وخطئ آدم فخطئت ذريته " .ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح ، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .ورواه الحاكم في مستدركه ، من حديث أبي نعيم الفضل بن دكين ، به . وقال : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاهورواه ابن أبي حاتم في تفسيره ، من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، أنه حدثه عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر نحو ما تقدم ، إلى أن قال : " ثم عرضهم على آدم فقال : يا آدم ، هؤلاء ذريتك . وإذا فيهم الأجذم والأبرص والأعمى ، وأنواع الأسقام ، فقال آدم : يا رب ، لم فعلت هذا بذريتي ؟ قال : كي تشكر نعمتي . وقال آدم : يا رب ، من هؤلاء الذين أراهم أظهر الناس نورا ؟ قال : هؤلاء الأنبياء يا آدم من ذريتك " . ثم ذكر قصة داود ، كنحو ما تقدمحديث آخر : قال عبد الرحمن بن قتادة النصري عن أبيه ، عن هشام بن حكيم ، رضي الله عنه ، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، أتبدأ الأعمال ، أم قد قضي القضاء ؟ قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله قد أخذ ذرية آدم من ظهورهم ، ثم أشهدهم على أنفسهم ، ثم أفاض بهم في كفيه " ثم قال : " هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار ، فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة ، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار " .رواه ابن جرير ، وابن مردويه من طرق عنهحديث آخر : روى جعفر بن الزبير - وهو ضعيف - عن القاسم ، عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما خلق الله الخلق ، وقضى القضية ، أخذ أهل اليمين بيمينه وأهل الشمال بشماله ، فقال : يا أصحاب اليمين . فقالوا : لبيك وسعديك . قال : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى . قال : يا أصحاب الشمال . قالوا : لبيك وسعديك . قال : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى ثم خلط بينهم ، فقال قائل : يا رب ، لم خلطت بينهم ؟ قال : لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون ، أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ، ثم ردهم في صلب آدم [ عليه السلام ] . رواه ابن مردويهأثر آخر : قال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب [ رضي الله عنه ] في قول الله تعالى ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ) الآية والتي بعدها ، قال : فجمعهم له يومئذ جميعا ، ما هو كائن منه إلى يوم القيامة ، فجعلهم أرواحا ثم صورهم ثم استنطقهم فتكلموا ، وأخذ عليهم العهد والميثاق ، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ؟ قالوا : بلى ، الآية . قال : فإني أشهد عليكم السماوات السبع ، والأرضين السبع ، وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة : لم نعلم بهذا اعلموا أنه لا إله غيري ، ولا رب غيري ، فلا تشركوا بي شيئا ، وإني سأرسل إليكم رسلا يذكرونكم عهدي وميثاقي ، وأنزل عليكم كتبي . قالوا : نشهد أنك ربنا وإلهنا ، لا رب لنا غيرك ، ولا إله لنا غيرك . فأقروا له يومئذ بالطاعة ، ورفع أباهم آدم فنظر إليهم ، فرأى فيهم الغني والفقير ، وحسن الصورة ودون ذلك . فقال : يا رب ، لو سويت بين عبادك ؟ قال : إني أحببت أن أشكر . ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم النور ، وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة ، فهو الذي يقول تعالى ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم [ ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ] ) [ الأحزاب : 7 ] وهو الذي يقول : ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله [ التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ] ) الآية [ الروم : 30 ] ، ومن ذلك قال : ( هذا نذير من النذر الأولى ) [ النجم : 56 ] ومن ذلك قال : ( وما وجدنا لأكثرهم من عهد [ وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ] ) [ الأعراف : 102 ] .رواه عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه ، ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه في تفاسيرهم ، من رواية ابن جعفر الرازي ، به . وروي عن مجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، وقتادة ، والسدي ، وغير واحد من علماء السلف ، سياقات توافق هذه الأحاديث ، اكتفينا بإيرادها عن التطويل في تلك الآثار كلها ، وبالله المستعان .فهذه الأحاديث دالة على أن الله ، عز وجل ، استخرج ذرية آدم من صلبه ، وميز بين أهل الجنة وأهل النار ، وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربهم ، فما هو إلا في حديث كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] وفي حديث عبد الله بن عمرو [ رضي الله عنهما ] وقد بينا أنهما موقوفان لا مرفوعان ، كما تقدم . ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف : إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد ، كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار المجاشعي ، ومن رواية الحسن البصري عن الأسود بن سريع . وقد فسر الحسن البصري الآية بذلك ، قالوا : ولهذا قال : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم ) ولم يقل : " من آدم " ، ( من ظهورهم ) ولم يقل : " من ظهره " ) ذرياتهم ) أي : جعل نسلهم جيلا بعد جيل ، وقرنا بعد قرن ، كما قال تعالى : ( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ) [ الأنعام : 165 ] وقال : ( ويجعلكم خلفاء الأرض ) [ النمل : 62 ] وقال : ( كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ) [ الأنعام : 133 ]ثم قال : ( وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ) أي : أوجدهم شاهدين بذلك ، قائلين له حالا وقالا . والشهادة تارة تكون بالقول ، كما قال [ تعالى ] ( قالوا شهدنا على أنفسنا ) [ الأنعام : 130 ] الآية ، وتارة تكون حالا كما قال تعالى : ( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر ) [ التوبة : 17 ] أي : حالهم شاهد عليهم بذلك لا أنهم قائلون ذلك ، وكذلك قوله تعالى : ( وإنه على ذلك لشهيد ) [ العاديات : 7 ] كما أن السؤال تارة يكون بالقال ، وتارة يكون بالحال ، كما في قوله : ( وآتاكم من كل ما سألتموه ) [ إبراهيم : 34 ] قالوا : ومما يدل على أن المراد بهذا هذا ، أن جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك ، فلو كان قد وقع هذا كما قاله من قال لكان كل أحد يذكره ، ليكون حجة عليه . فإن قيل : إخبار الرسول به كاف في وجوده ، فالجواب : أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره . وهذا جعل حجة مستقلة عليهم ، فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد ; ولهذا قال : ( أن يقولوا ) أي : لئلا يقولوا يوم القيامة : ( إنا كنا عن هذا ) أي : [ عن ] التوحيد ( غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا ) الآية .
تفسير القرطبيوقال عز وجل أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل فخرج منها كل من لم يكن له آباء مشركون . وقيل : هي مخصوصة فيمن أخذ عليه العهد على ألسنة الأنبياء . وقيل : بل هي عامة لجميع الناس ; لأن كل أحد يعلم أنه كان طفلا فغذي وربي ، وأن له مدبرا وخالقا . فهذا معنى وأشهدهم على أنفسهم .ومعنى قالوا بلى أي إن ذلك واجب عليهم . فلما اعترف الخلق لله سبحانه بأنه الرب ثم ذهلوا عنه ذكرهم بأنبيائه وختم الذكر بأفضل أصفيائه لتقوم حجته عليهم فقال له : فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر ثم مكنه من السيطرة ، وأتاه السلطنة ، ومكن له دينه في الأرض . قال الطرطوشي : إن هذا العهد يلزم البشر وإن كانوا لا يذكرونه في هذه الحياة ، كما يلزم الطلاق من شهد عليه به وقد نسيه .وقد استدل بهذه الآية من قال : إن من مات صغيرا دخل الجنة لإقراره في الميثاق الأول . ومن بلغ العقل لم يغنه الميثاق الأول . وهذا القائل يقول : أطفال المشركين في الجنة ، وهو الصحيح في الباب . وهذه المسألة اختلف فيها لاختلاف الآثار ، والصحيح ما ذكرناه . وسيأتي الكلام في هذا في " الروم " إن شاء الله . وقد أتينا عليها في كتاب " التذكرة " والحمد لله .قوله تعالى : من ظهورهم بدل اشتمال من قوله من بني آدم . وألفاظ الآية تقتضي أن الأخذ إنما كان من بني آدم ، وليس لآدم في الآية ذكر بحسب اللفظ . ووجه النظم على هذا : وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم ذريتهم . وإنما لم يذكر ظهر آدم لأن المعلوم أنهم كلهم بنوه . وأنهم أخرجوا يوم الميثاق من ظهره . فاستغنى عن ذكره لقوله : من بني آدم . ذريتهم قرأ الكوفيون وابن كثير بالتوحيد وفتح التاء ، وهي تقع للواحد والجمع ; قال الله تعالى : هب لي من لدنك ذرية طيبة فهذا للواحد ; لأنه إنما سأل هبة ولد فبشر بيحيى . وأجمع القراء على التوحيد في قوله : من ذرية آدم ولا شيء أكثر من ذرية آدم . وقال : وكنا ذرية من بعدهم فهذا للجمع . وقرأ الباقون ( ذرياتهم ) بالجمع ، لأن الذرية لما كانت تقع للواحد أتى بلفظ لا يقع للواحد فجمع لتخلص الكلمة إلى معناها المقصود إليه لا يشركها فيه شيء وهو الجمع ; لأن ظهور بني آدم استخرج منها ذريات كثيرة متناسبة ، أعقاب بعد أعقاب ، لا يعلم عددهم إلا الله ; فجمع لهذا المعنى .قوله تعالى بلى تقدم القول فيها في " البقرة " عند قوله بلى من كسب سيئة مستوفى ، فتأمله هناك .أن تقولوا أو تقولوا قرأ أبو عمرو بالياء فيهما . ردهما على لفظ الغيبة المتكرر قبله ، وهو قوله : من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم .وقوله : قالوا بلى أيضا لفظ غيبة . وكذا وكنا ذرية من بعدهم ولعلهم فحمله على ما قبله وما بعده من لفظ الغيبة . وقرأ الباقون بالتاء فيهما ; ردوه على لفظ الخطاب المتقدم في قوله : ألست بربكم قالوا بلى . ويكون شهدنا من قول الملائكة . لما قالوا بلى قالت الملائكة : شهدنا أن تقولوا أو تقولوا أي لئلا تقولوا . وقيل : معنى ذلك أنهم لما قالوا بلى ، فأقروا له بالربوبية ، قال الله تعالى للملائكة : اشهدوا قالوا شهدنا بإقراركم لئلا تقولوا أو تقولوا . وهذا قول مجاهد والضحاك والسدي . وقال ابن عباس وأبي بن كعب : قوله شهدنا هو من قول بني آدم ، والمعنى : شهدنا أنك ربنا وإلهنا ، وقال ابن عباس : أشهد بعضهم على بعض ; فالمعنى على هذا قالوا بلى شهد بعضنا على بعض ; فإذا كان ذلك من قول الملائكة فيوقف على بلى ولا يحسن الوقف عليه إذا كان من قول بني آدم ; لأن أن متعلقة بما قبل بلى ، من قوله : وأشهدهم على أنفسهم لئلا يقولوا . وقد روى مجاهد عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم كما يؤخذ بالمشط من الرأس فقال لهم ألست بربكم قالوا بلى قالت الملائكة شهدنا أن تقولوا . أي شهدنا عليكم بالإقرار بالربوبية لئلا تقولوا . فهذا يدل على التاء . قال مكي : وهو الاختيار لصحة معناه ، ولأن الجماعة عليه . وقد قيل : إن قوله شهدنا من قول الله تعالى والملائكة . والمعنى : فشهدنا على إقراركم ; قاله أبو مالك ، وروي عن السدي أيضا . وكنا ذرية من بعدهم أي اقتدينا بهم .أفتهلكنا بما فعل المبطلون بمعنى : لست تفعل هذا . ولا عذر للمقلد في التوحيد .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: شهدنا عليكم أيها المقرُّون بأن الله ربكم, كيلا تقولوا يوم القيامة: إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ , إنا كنا لا نعلم ذلك، وكنا في غفلة منه = أو تقولوا: (إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم)، اتبعنا منهاجهم =(أفتهلكنا)، بإشراك من أشرك من أبائنا, واتباعنا منهاجَهم على جهل منا بالحق؟ ويعني بقوله: (بما فعل المبطلون)، بما فعل الذين أبطلوا في دَعواهم إلهًا غير الله.* * *واختلفت القرأة في قراءة ذلك. فقرأ بعض المكيين والبصريين: " أَنْ يَقُولُوا " بالياء, بمعنى: شهدنا لئلا يقولوا، على وجه الخبر عن الغَيَب.* * *وقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: (أَنْ تَقُولُوا)، بالتاء على وجه الخطابِ من الشهود للمشهود عليهم.* * *قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك، أنهما قراءتان صحيحتا المعنى، متَّفقتَا التأويل، وإن اختلفت ألفاظهما, لأن العرب تفعل ذلك في الحكاية, كما قال الله: لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ و (لَيُبَيِّنُنَّهُ) [سورة آل عمران: 187] , وقد بينا نظائر ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته. (74)-----------------الهوامش :(74) انظر ما سلف في فهارس مباحث العربية والنحو وغيرهما .
وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ١٧٤التفسير الميسروكما فَصَّلْنا الآيات، وبيَّنَّا فيها ما فعلناه بالأمم السابقة، كذلك نفصِّل الآيات ونبيِّنها لقومك أيها الرسول؛ رجاء أن يرجعوا عن شركهم، وينيبوا إلى ربهم.
تفسير السعديوَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ أي: نبينها ونوضحها، وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلى ما أودع اللّه في فطرهم، وإلى ما عاهدوا اللّه عليه، فيرتدعون عن القبائح.
تفسير ابن كثيريخبر تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم ، شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم ، وأنه لا إله إلا هو . كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه ، قال تعالى : ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ) [ الروم : 30 ] وفي الصحيحين عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل مولود يولد على الفطرة - وفي رواية : على هذه الملة - فأبواه يهودانه ، وينصرانه ، ويمجسانه ، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحسون فيها من جدعاء " وفي صحيح مسلم ، عن عياض بن حمار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله [ تعالى ] إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم ، عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم "وقال الإمام أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني السري بن يحيى : أن الحسن بن أبي الحسن حدثهم ، عن الأسود بن سريع من بني سعد ، قال : غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع غزوات ، قال : فتناول القوم الذرية بعد ما قتلوا المقاتلة ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاشتد عليه ، ثم قال : " ما بال أقوام يتناولون الذرية ؟ " قال رجل : يا رسول الله ، أليسوا أبناء المشركين ؟ فقال : " إن خياركم أبناء المشركين ! ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة ، فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها ، فأبواها يهودانها أو ينصرانها " . قال الحسن : والله لقد قال الله في كتابه : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ) الآيةوقد رواه الإمام أحمد ، عن إسماعيل ابن علية ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن البصري به . وأخرجه النسائي في سننه من حديث هشيم ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن قال : حدثنا الأسود بن سريع ، فذكره ، ولم يذكر قول الحسن البصري واستحضاره الآية عند ذلكوقد وردت أحاديث في أخذ الذرية من صلب آدم ، عليه السلام ، وتمييزهم إلى أصحاب اليمين و [ إلى ] أصحاب الشمال ، وفي بعضها الاستشهاد عليهم بأن الله ربهم .قال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ، حدثنا شعبة ، عن أبي عمران الجوني ، عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة : أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا به ؟ " قال : " فيقول : نعم . فيقول : قد أردت منك أهون من ذلك ، قد أخذت عليك في ظهر آدم ألا تشرك بي شيئا ، فأبيت إلا أن تشرك بي " .أخرجاه في الصحيحين ، من حديث شعبة ، بهحديث آخر : وقال الإمام أحمد : حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا جرير - يعني ابن حازم - عن كلثوم بن جابر عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم ، عليه السلام ، بنعمان . يعني عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه ، ثم كلمهم قبلا قال : ( ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ) إلى قوله : ( المبطلون )وقد روى هذا الحديث النسائي في كتاب التفسير من سننه ، عن محمد بن عبد الرحيم - صاعقة - عن حسين بن محمد المروزي ، به . ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث حسين بن محمد به . إلا أن ابن أبي حاتم جعله موقوفا . وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث حسين بن محمد وغيره ، عن جرير بن حازم ، عن كلثوم بن جبر ، به . وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وقد احتج مسلم بكلثوم بن جبير هكذا قال ، وقد رواه عبد الوارث ، عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، فوقفه وكذا رواه إسماعيل ابن علية ووكيع ، عن ربيعة بن كلثوم ، عن جبير ، عن أبيه ، به . وكذا رواه عطاء بن السائب ، وحبيب بن أبي ثابت ، وعلي بن بذيمة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قوله ، وكذا رواه العوفي وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس فهذا أكثر وأثبت ، والله أعلم .وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن أبي هلال ، عن أبي جمرة الضبعي ، عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] قال : أخرج الله ذرية آدم [ عليه السلام ] من ظهره كهيئة الذر ، وهو في آذي من الماء .وقال أيضا : حدثنا علي بن سهل ، حدثنا ضمرة بن ربيعة ، حدثنا أبو مسعود عن جوبير قال : مات ابن للضحاك بن مزاحم ، [ وهو ] ابن ستة أيام . قال : فقال : يا جابر ، إذا أنت وضعت ابني في لحده ، فأبرز وجهه ، وحل عنه عقده ، فإن ابني مجلس ، ومسئول . ففعلت به الذي أمر ، فلما فرغت قلت : يرحمك الله ، عم يسأل ابنك ؟ من يسأله إياه ؟ قال : يسأل عن الميثاق الذي أقر به في صلب آدم . قلت : يا أبا القاسم ، وما هذا الميثاق الذي أقر به في صلب آدم ؟ قال : حدثني ابن عباس [ رضي الله عنه ] ; أن الله مسح صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خلقها إلى يوم القيامة ، فأخذ منهم الميثاق : أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، وتكفل لهم بالأرزاق ، ثم أعادهم في صلبه . فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطى الميثاق يومئذ ، فمن أدرك منهم الميثاق الآخر فوفى به ، نفعه الميثاق الأول . ومن أدرك الميثاق الآخر فلم يف به ، لم ينفعه الميثاق الأول . ومن مات صغيرا قبل أن يدرك الميثاق الآخر ، مات على الميثاق الأول على الفطرةفهذه الطرق كلها مما تقوي وقف هذا على ابن عباس ، والله أعلم .حديث آخر : وقال ابن جرير : حدثنا عبد الرحمن بن الوليد ، حدثنا أحمد بن أبي طيبة ، عن سفيان بن سعيد ، عن الأجلح ، عن الضحاك وعن - منصور ، عن مجاهد - عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ) قال : " أخذ من ظهره ، كما يؤخذ بالمشط من الرأس ، فقال لهم : ( ألست بربكم قالوا بلى ) قالت الملائكة ( شهدنا أن يقولوا ) يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلينأحمد بن أبي طيبة هذا هو : أبو محمد الجرجاني قاضي قومس ، كان أحد الزهاد ، أخرج له النسائي في سننه ، وقال أبو حاتم الرازي : يكتب حديثه . وقال ابن عدي : حدث بأحاديث أكثرها غرائب .وقد روى هذا الحديث عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان الثوري ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمرو ، قوله ، وكذا رواه جرير ، عن منصور ، به . وهذا أصح والله أعلم .حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا روح - هو ابن عبادة - حدثنا مالك ، وحدثنا إسحاق ، أخبرنا مالك ، عن زيد بن أبي أنيسة : أن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ، أخبره ، عن مسلم بن يسار الجهني : أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ) الآية ، فقال عمر بن الخطاب : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سئل عنها ، فقال : " إن الله خلق آدم ، عليه السلام ، ثم مسح ظهره بيمينه ، فاستخرج منه ذرية ، قال : خلقت هؤلاء للجنة ، وبعمل أهل الجنة يعملون . ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية ، قال : خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون " . فقال رجل : يا رسول الله ، ففيم العمل ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا خلق الله العبد للجنة ، استعمله بأعمال أهل الجنة ، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة ، فيدخله به الجنة . وإذا خلق العبد للنار ، استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار ، فيدخله به النار " .وهكذا رواه أبو داود عن القعنبي - والنسائي عن قتيبة - والترمذي عن إسحاق بن موسى ، عن معن . وابن أبي حاتم ، عن يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب . وابن جرير من حديث روح بن عبادة وسعيد بن عبد الحميد بن جعفر . وأخرجه ابن حبان في صحيحه ، من رواية أبي مصعب الزبيري ، كلهم عن الإمام مالك بن أنس ، بهقال الترمذي : وهذا حديث حسن ، ومسلم بن يسار لم يسمع عمر . وكذا قاله أبو حاتم وأبو زرعة . زاد أبو حاتم : وبينهما نعيم بن ربيعة .وهذا الذي قاله أبو حاتم ، رواه أبو داود في سننه ، عن محمد بن مصفى ، عن بقية ، عن عمر بن جعثم القرشي ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ، عن مسلم بن يسار الجهني ، عن نعيم بن ربيعة قال : كنت عند عمر بن الخطاب [ رضي الله عنه ] وقد سئل عن هذه الآية : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ) فذكرهوقال الحافظ الدارقطني : وقد تابع عمر بن جعثم بن زيد بن سنان أبو فروة الرهاوي ، وقولهما أولى بالصواب من قول مالك ، والله أعلمقلت : الظاهر أن الإمام مالكا إنما أسقط ذكر " نعيم بن ربيعة " عمدا ; لما جهل حاله ولم يعرفه ، فإنه غير معروف إلا في هذا الحديث ، وكذلك يسقط ذكر جماعة ممن لا يرتضيهم ; ولهذا يرسل كثيرا من المرفوعات ، ويقطع كثيرا من الموصولات ، والله أعلم .حديث آخر : قال الترمذي عند تفسيره هذه الآية : حدثنا عبد بن حميد ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة [ رضي الله عنه ] قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما خلق الله [ عز وجل ] آدم مسح ظهره ، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة ، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور ، ثم عرضهم على آدم ، فقال : أي رب ، من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء ذريتك . فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه ، فقال : أي رب ، من هذا ؟ قال : هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك ، يقال له : داود . قال : رب ، وكم جعلت عمره ؟ قال : ستين سنة . قال : أي رب ، زده من عمري أربعين سنة . فلما انقضى عمر آدم ، جاءه ملك الموت قال : أو لم يبق من عمري أربعون سنة ؟ قال : أو لم تعطها ابنك داود ؟ قال : فجحد آدم فجحدت ذريته ، ونسي آدم فنسيت ذريته ، وخطئ آدم فخطئت ذريته " .ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح ، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .ورواه الحاكم في مستدركه ، من حديث أبي نعيم الفضل بن دكين ، به . وقال : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاهورواه ابن أبي حاتم في تفسيره ، من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، أنه حدثه عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر نحو ما تقدم ، إلى أن قال : " ثم عرضهم على آدم فقال : يا آدم ، هؤلاء ذريتك . وإذا فيهم الأجذم والأبرص والأعمى ، وأنواع الأسقام ، فقال آدم : يا رب ، لم فعلت هذا بذريتي ؟ قال : كي تشكر نعمتي . وقال آدم : يا رب ، من هؤلاء الذين أراهم أظهر الناس نورا ؟ قال : هؤلاء الأنبياء يا آدم من ذريتك " . ثم ذكر قصة داود ، كنحو ما تقدمحديث آخر : قال عبد الرحمن بن قتادة النصري عن أبيه ، عن هشام بن حكيم ، رضي الله عنه ، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، أتبدأ الأعمال ، أم قد قضي القضاء ؟ قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله قد أخذ ذرية آدم من ظهورهم ، ثم أشهدهم على أنفسهم ، ثم أفاض بهم في كفيه " ثم قال : " هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار ، فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة ، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار " .رواه ابن جرير ، وابن مردويه من طرق عنهحديث آخر : روى جعفر بن الزبير - وهو ضعيف - عن القاسم ، عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما خلق الله الخلق ، وقضى القضية ، أخذ أهل اليمين بيمينه وأهل الشمال بشماله ، فقال : يا أصحاب اليمين . فقالوا : لبيك وسعديك . قال : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى . قال : يا أصحاب الشمال . قالوا : لبيك وسعديك . قال : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى ثم خلط بينهم ، فقال قائل : يا رب ، لم خلطت بينهم ؟ قال : لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون ، أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ، ثم ردهم في صلب آدم [ عليه السلام ] . رواه ابن مردويهأثر آخر : قال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب [ رضي الله عنه ] في قول الله تعالى ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ) الآية والتي بعدها ، قال : فجمعهم له يومئذ جميعا ، ما هو كائن منه إلى يوم القيامة ، فجعلهم أرواحا ثم صورهم ثم استنطقهم فتكلموا ، وأخذ عليهم العهد والميثاق ، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ؟ قالوا : بلى ، الآية . قال : فإني أشهد عليكم السماوات السبع ، والأرضين السبع ، وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة : لم نعلم بهذا اعلموا أنه لا إله غيري ، ولا رب غيري ، فلا تشركوا بي شيئا ، وإني سأرسل إليكم رسلا يذكرونكم عهدي وميثاقي ، وأنزل عليكم كتبي . قالوا : نشهد أنك ربنا وإلهنا ، لا رب لنا غيرك ، ولا إله لنا غيرك . فأقروا له يومئذ بالطاعة ، ورفع أباهم آدم فنظر إليهم ، فرأى فيهم الغني والفقير ، وحسن الصورة ودون ذلك . فقال : يا رب ، لو سويت بين عبادك ؟ قال : إني أحببت أن أشكر . ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم النور ، وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة ، فهو الذي يقول تعالى ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم [ ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ] ) [ الأحزاب : 7 ] وهو الذي يقول : ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله [ التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ] ) الآية [ الروم : 30 ] ، ومن ذلك قال : ( هذا نذير من النذر الأولى ) [ النجم : 56 ] ومن ذلك قال : ( وما وجدنا لأكثرهم من عهد [ وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ] ) [ الأعراف : 102 ] .رواه عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه ، ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه في تفاسيرهم ، من رواية ابن جعفر الرازي ، به . وروي عن مجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، وقتادة ، والسدي ، وغير واحد من علماء السلف ، سياقات توافق هذه الأحاديث ، اكتفينا بإيرادها عن التطويل في تلك الآثار كلها ، وبالله المستعان .فهذه الأحاديث دالة على أن الله ، عز وجل ، استخرج ذرية آدم من صلبه ، وميز بين أهل الجنة وأهل النار ، وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربهم ، فما هو إلا في حديث كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] وفي حديث عبد الله بن عمرو [ رضي الله عنهما ] وقد بينا أنهما موقوفان لا مرفوعان ، كما تقدم . ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف : إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد ، كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار المجاشعي ، ومن رواية الحسن البصري عن الأسود بن سريع . وقد فسر الحسن البصري الآية بذلك ، قالوا : ولهذا قال : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم ) ولم يقل : " من آدم " ، ( من ظهورهم ) ولم يقل : " من ظهره " ) ذرياتهم ) أي : جعل نسلهم جيلا بعد جيل ، وقرنا بعد قرن ، كما قال تعالى : ( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ) [ الأنعام : 165 ] وقال : ( ويجعلكم خلفاء الأرض ) [ النمل : 62 ] وقال : ( كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ) [ الأنعام : 133 ]ثم قال : ( وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ) أي : أوجدهم شاهدين بذلك ، قائلين له حالا وقالا . والشهادة تارة تكون بالقول ، كما قال [ تعالى ] ( قالوا شهدنا على أنفسنا ) [ الأنعام : 130 ] الآية ، وتارة تكون حالا كما قال تعالى : ( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر ) [ التوبة : 17 ] أي : حالهم شاهد عليهم بذلك لا أنهم قائلون ذلك ، وكذلك قوله تعالى : ( وإنه على ذلك لشهيد ) [ العاديات : 7 ] كما أن السؤال تارة يكون بالقال ، وتارة يكون بالحال ، كما في قوله : ( وآتاكم من كل ما سألتموه ) [ إبراهيم : 34 ] قالوا : ومما يدل على أن المراد بهذا هذا ، أن جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك ، فلو كان قد وقع هذا كما قاله من قال لكان كل أحد يذكره ، ليكون حجة عليه . فإن قيل : إخبار الرسول به كاف في وجوده ، فالجواب : أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره . وهذا جعل حجة مستقلة عليهم ، فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد ; ولهذا قال : ( أن يقولوا ) أي : لئلا يقولوا يوم القيامة : ( إنا كنا عن هذا ) أي : [ عن ] التوحيد ( غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا ) الآية .
تفسير القرطبي
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وكما فصلنا يا محمد لقومك آيات هذه السورة, وبيّنا فيها ما فعلنا بالأمم السالفة قبلَ قومك, (75) وأحللنا بهم من المَثُلات بكفرهم وإشراكهم في عبادتي غيري, كذلك نفصل الآيات غيرِها ونبيّنها لقومك, لينزجروا ويرتدعوا, فينيبوا إلى طاعتي ويتوبوا من شركهم وكفرهم, فيرجعوا إلى الإيمان والإقرار بتوحيدي وإفراد الطاعة لي وترك عبادة ما سواي.----------------الهوامش :(75) انظر تفسير (( التفصيل )) فيما سلف ص : 106 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك = وتفسير (( الآية )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أيي) .
وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱلَّذِيٓ ءَاتَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ ١٧٥التفسير الميسرواقصص -أيها الرسول- على أمتك خبر رجل من بني إسرائيل أعطيناه حججنا وأدلتنا، فتعلَّمها، ثم كفر بها، ونبذها وراء ظهره، فاستحوذ عليه الشيطان، فصار من الضالين الهالكين؛ بسبب مخالفته أمر ربه وطاعته الشيطان.
تفسير السعدييقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا أي: علمناه كتاب اللّه، فصار العالم الكبير والحبر النحرير. فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ أي: انسلخ من الاتصاف الحقيقي بالعلم بآيات اللّه، فإن العلم بذلك، يصير صاحبه متصفا بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويرقى إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات، فترك هذا كتاب اللّه وراء ظهره، ونبذ الأخلاق التي يأمر بها الكتاب، وخلعها كما يخلع اللباس. فلما انسلخ منها أتبعه الشيطان، أي: تسلط عليه حين خرج من الحصن الحصين، وصار إلى أسفل سافلين، فأزه إلى المعاصي أزا. فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ بعد أن كان من الراشدين المرشدين.
تفسير ابن كثيرقال عبد الرزاق ، عن سفيان الثوري ، عن الأعمش ومنصور ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، في قوله تعالى : ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها [ فأتبعه ] ) الآية ، قال : هو رجل من بني إسرائيل ، يقال له : بلعم بن أبر . وكذا رواه شعبة وغير واحد ، عن منصور ، به .وقال سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] هو صيفي بن الراهب .قال قتادة : وقال كعب : كان رجلا من أهل البلقاء ، وكان يعلم الاسم الأكبر ، وكان مقيما ببيت المقدس مع الجبارين .وقال العوفي ، عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] هو رجل من أهل اليمن ، يقال له : بلعم ، آتاه الله آياته فتركها .وقال مالك بن دينار : كان من علماء بني إسرائيل ، وكان مجاب الدعوة ، يقدمونه في الشدائد ، بعثه نبي الله موسى إلى ملك مدين يدعوه إلى الله ، فأقطعه وأعطاه ، فتبع دينه وترك دين موسى ، عليه السلام .وقال سفيان بن عيينة ، عن حصين ، عن عمران بن الحارث ، عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] هو بلعم بن باعر . وكذا قال مجاهد وعكرمة .وقال ابن جرير : حدثني الحارث ، حدثنا عبد العزيز ، حدثنا إسرائيل ، عن مغيرة ، عن مجاهد ، عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] قال : هو بلعام - وقالت ثقيف : هو أمية بن أبي الصلت .وقال شعبة ، عن يعلى بن عطاء ، عن نافع بن عاصم ، عن عبد الله بن عمرو [ رضي الله عنهما ] في قوله : ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه [ آياتنا ] ) قال : هو صاحبكم أمية بن أبي الصلت .وقد روي من غير وجه ، عنه وهو صحيح إليه ، وكأنه إنما أراد أن أمية بن أبي الصلت يشبهه ، فإنه كان قد اتصل إليه علم كثير من علم الشرائع المتقدمة ، ولكنه لم ينتفع بعلمه ، فإنه أدرك زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبلغته أعلامه وآياته ومعجزاته ، وظهرت لكل من له بصيرة ، ومع هذا اجتمع به ولم يتبعه ، وصار إلى موالاة المشركين ومناصرتهم وامتداحهم ، ورثى أهل بدر من المشركين بمرثاة بليغة ، قبحه الله [ تعالى ] وقد جاء في بعض الأحاديث : " أنه ممن آمن لسانه ، ولم يؤمن قلبه " ; فإن له أشعارا ربانية وحكما وفصاحة ، ولكنه لم يشرح الله صدره للإسلام .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا سفيان عن أبي سعيد الأعور ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ) قال : هو رجل أعطي ثلاث دعوات يستجاب له فيهن ، وكانت له امرأة له منها ولد ، فقالت : اجعل لي منها واحدة . قال : فلك واحدة ، فما الذي تريدين ؟ قالت : ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل . فدعا الله ، فجعلها أجمل امرأة في بني إسرائيل ، فلما علمت أن ليس فيهم مثلها رغبت عنه ، وأرادت شيئا آخر ، فدعا الله أن يجعلها كلبة ، فصارت كلبة ، فذهبت دعوتان . فجاء بنوها فقالوا : ليس بنا على هذا قرار ، قد صارت أمنا كلبة يعيرنا الناس بها ، فادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليها ، فدعا الله ، فعادت كما كانت ، فذهبت الدعوات الثلاث ، وسميت البسوس . غريب .وأما المشهور في سبب نزول هذه الآية الكريمة ، فإنما هو رجل من المتقدمين في زمن بني إسرائيل ، كما قال ابن مسعود وغيره من السلف .وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : هو رجل من مدينة الجبارين ، يقال له : " بلعام " وكان يعلم اسم الله الأكبر .وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وغيره من علماء السلف : كان [ رجلا ] مجاب الدعوة ، ولا يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه .وأغرب ، بل أبعد ، بل أخطأ من قال : كان قد أوتي النبوة فانسلخ منها . حكاه ابن جرير ، عن بعضهم ، ولا يصحوقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : لما نزل موسى بهم - يعني بالجبارين - ومن معه ، أتاه يعني بلعام - أتاه بنو عمه وقومه ، فقالوا : إن موسى رجل حديد ، ومعه جنود كثيرة ، وإنه إن يظهر علينا يهلكنا ، فادع الله أن يرد عنا موسى ومن معه . قال : إني إن دعوت الله أن يرد موسى ومن معه ، ذهبت دنياي وآخرتي . فلم يزالوا به حتى دعا عليهم ، فسلخه الله ما كان عليه ، فذلك قوله تعالى : ( فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان [ من الغاوين ] )وقال السدي : إن الله لما انقضت الأربعون سنة التي قال الله : ( فإنها محرمة عليهم أربعين سنة ) [ المائدة : 26 ] بعث يوشع بن نون نبيا ، فدعا بني إسرائيل ، فأخبرهم أنه نبي ، وأن الله [ قد ] أمره أن يقاتل الجبارين ، فبايعوه وصدقوه . وانطلق رجل من بني إسرائيل يقال له : " بلعم " وكان عالما ، يعلم الاسم الأعظم المكتوم ، فكفر - لعنه الله - وأتى الجبارين وقال لهم : لا ترهبوا بني إسرائيل ، فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعوا عليهم دعوة فيهلكون ! وكان عندهم فيما شاء من الدنيا ، غير أنه كان لا يستطيع أن يأتي النساء ، يعظمهن فكان ينكح أتانا له ، وهو الذي قال الله تعالى ) فانسلخ منها )وقوله : ( فأتبعه الشيطان ) أي : استحوذ عليه وغلبه على أمره ، فمهما أمره امتثل وأطاعه ; ولهذا قال : ( فكان من الغاوين ) أي : من الهالكين الحائرين البائرين .وقد ورد في معنى هذه الآية حديث رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده حيث قال : حدثنا محمد بن مرزوق ، حدثنا محمد بن بكر ، عن الصلت بن بهرام ، حدثنا الحسن ، حدثنا جندب البجلي في هذا المسجد ; أن حذيفة - يعني ابن اليمان ، رضي الله عنه - حدثه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن ، حتى إذا رؤيت بهجته عليه وكان ردء الإسلام اعتراه إلى ما شاء الله ، انسلخ منه ، ونبذه وراء ظهره ، وسعى على جاره بالسيف ، ورماه بالشرك " . قال : قلت : يا نبي الله ، أيهما أولى بالشرك : المرمي أو الرامي ؟ قال : " بل الرامي " .هذا إسناد جيد والصلت بن بهرام كان من ثقات الكوفيين ، ولم يرم بشيء سوى الإرجاء ، وقد وثقه الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ، وغيرهما .
تفسير القرطبيقوله تعالى واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ذكر أهل الكتاب قصة عرفوها في التوراة . واختلف في تعيين الذي أوتي الآيات . فقال ابن مسعود وابن عباس : هو بلعام بن باعوراء ، ويقال ناعم ، من بني إسرائيل في زمن موسى عليه السلام ، وكان بحيث إذا نظر رأى العرش . وهو المعني بقوله واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا ولم يقل آية ، وكان في مجلسه اثنتا عشرة ألف محبرة للمتعلمين الذين يكتبون عنه . ثم صار بحيث إنه كان أول من صنف كتابا في أن " ليس للعالم صانع " . قال مالك بن دينار : بعث بلعام بن باعوراء إلى ملك مدين ليدعوه إلى الإيمان ; فأعطاه وأقطعه فاتبع دينه وترك دين موسى ; ففيه نزلت هذه الآيات . روى المعتمر بن سليمان عن أبيه قال : كان بلعام قد أوتي النبوة ، وكان مجاب الدعوة ، فلما أقبل موسى في بني إسرائيل يريد قتال الجبارين ، سأل الجبارون بلعام بن باعوراء أن يدعو على موسى فقام ليدعو فتحول لسانه بالدعاء على أصحابه . فقيل له في ذلك ; فقال : لا أقدر على أكثر مما تسمعون ; واندلع لسانه على صدره . فقال : قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة ، فلم يبق إلا المكر والخديعة والحيلة ، وسأمكر لكم ، فإني أرى أن تخرجوا إليهم فتياتكم فإن الله يبغض الزنى ، فإن وقعوا فيه هلكوا ; ففعلوا فوقع بنو إسرائيل في الزنى ، فأرسل الله عليهم الطاعون فمات منهم سبعون ألفا . وقد ذكر هذا الخبر بكماله الثعلبي وغيره .وروي أن بلعام بن باعوراء دعا ألا يدخل موسى مدينة الجبارين ، فاستجيب له وبقي في التيه . فقال موسى : يا رب ، بأي ذنب بقينا في التيه . فقال : بدعاء بلعام . قال : فكما سمعت دعاءه علي فاسمع دعائي عليه . فدعا موسى أن ينزع الله عنه الاسم الأعظم ; فسلخه الله ما كان عليه ، وقال أبو حامد في آخر كتاب منهاج العارفين له : وسمعت بعض العارفين يقول إن بعض الأنبياء سأل الله تعالى عن أمر بلعام وطرده بعد تلك الآيات والكرامات ، فقال الله تعالى : لم يشكرني يوما من الأيام على ما أعطيته ، ولو شكرني على ذلك مرة لما سلبته . وقال عكرمة : كان بلعام نبيا وأوتي كتابا . وقال مجاهد : إنه أوتي النبوة ; فرشاه قومه على أن يسكت ففعل وتركهم على ما هم عليه . قال الماوردي : وهذا غير صحيح ; لأن الله تعالى لا يصطفي لنبوته إلا من علم أنه لا يخرج عن طاعته إلى معصيته . وقال عبد الله بن عمرو بن العاص وزيد بن أسلم : نزلت في أمية بن أبي الصلت الثقفي ، وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولا في ذلك الوقت ، وتمنى أن يكون هو ذلك الرسول ، فلما أرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم حسده وكفر به . وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : " آمن شعره وكفر قلبه " .وقال سعيد بن المسيب : نزلت في أبي عامر بن صيفي ، وكان يلبس المسوح في الجاهلية ; فكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم . وذلك أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فقال : يا محمد ، ما هذا الذي جئت به ؟ قال : جئت بالحنيفية دين إبراهيم . قال : فإني عليها . فقال النبي صلى الله عليه وسلم لست عليها لأنك أدخلت فيها ما ليس منها . فقال أبو عامر : أمات الله الكاذب منا طريدا وحيدا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : نعم أمات الله الكاذب منا كذلك - وإنما قال هذا يعرض برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث خرج من مكة - فخرج أبو عامر إلى الشأم ومر إلى قيصر وكتب إلى المنافقين : استعدوا فإني آتيكم من عند قيصر بجند لنخرج محمدا من المدينة ; فمات بالشام وحيدا . وفيه نزل : وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وسيأتي في " براءة " . وقال ابن عباس في رواية : نزلت في رجل كان له ثلاث دعوات يستجاب له فيها ، وكانت له امرأة يقال لها " البسوس " فكان له منها ولد ; فقالت : اجعل لي منها دعوة واحدة . فقال : لك واحدة ، فما تأمرين ؟ قالت : ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل . فلما علمت أنه ليس فيهم مثلها رغبت عنه ; فدعا الله عليها أن يجعلها كلبة نباحة . فذهب فيها دعوتان ; فجاء بنوها وقالوا : لا صبر لنا عن هذا ، وقد صارت أمنا كلبة يعيرنا الناس بها ، فادع الله أن يردها كما كانت ; فدعا فعادت إلى ما كانت ، وذهبت الدعوات فيها .والقول الأول أشهر ، وعليه الأكثر . قال عبادة بن الصامت : نزلت في قريش ، آتاهم الله آياته التي أنزلها الله - تعالى - على محمد صلى الله عليه وسلم فانسلخوا منها ، ولم يقبلوها . قال ابن عباس : كان بلعام من مدينة الجبارين . وقيل : كان من اليمن .فانسلخ منها أي من معرفة الله تعالى ، أي نزع منه العلم الذي كان يعلمه . وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : العلم علمان علم في القلب فذلك العلم النافع وعلم على اللسان فذلك حجة الله تعالى على ابن آدم . فهذا مثل علم بلعام وأشباهه ، نعوذ بالله منه ; ونسأله التوفيق والممات على التحقيق .والانسلاخ : الخروج ; يقال : انسلخت الحية من جلدها أي خرجت منه . وقيل : هذا من المقلوب ، أي انسلخت الآيات منه . فأتبعه الشيطان أي لحق به ; يقال : أتبعت القوم أي لحقتهم . وقيل : نزلت في اليهود والنصارى ، انتظروا خروج محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " واتل "، يا محمد، على قومك = " نبأ الذي آتيناه آياتنا ", يعني خبره وقصته. (76)* * *وكانت آيات الله للذي آتاه الله إياها فيما يقال: اسم الله الأعظم = وقيل: النبوّة.* * *واختلف أهل التأويل فيه.فقال بعضهم: هو رجل من بني إسرائيل. (77)* ذكر من قال ذلك:15381 - حدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا بشر بن المفضل قال: حدثنا شعبة, عن منصور, عن أبي الضحى, عن مسروق, عن عبد الله في هذه الآية: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: هو بَلْعَم.15382 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا جرير, عن منصور, عن أبي الضحى, عن مسروق, عن عبد الله, مثله.15383 - .... قال: حدثنا أبي, عن سفيان, عن منصور, عن أبي الضحى, عن مسروق, عن عبد الله قال: هو بلعم بن أَبَر.15384 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير, عن منصور, عن أبي الضحى, عن مسروق, عن ابن مسعود, في قوله: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا) قال: رجل من بني إسرائيل يقال له: بَلْعَم بن أَبَر.15385 - حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر وابن مهدي وابن أبي عدي، قالوا: حدثنا شعبة, عن منصور, عن أبي الضحى, عن مسروق, عن عبد الله: أنه قال في هذه الآية, فذكر مثله =ولم يقل: " بن أبر ".15386 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام, عن عمرو, عن منصور, عن أبي الضحى, عن مسروق, عن ابن مسعود: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: رجل من بني إسرائيل يقال له: بلعم بن أَبَر.15387 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا عمران بن عيينة, عن حصين, عن عمران بن الحارث, عن ابن عباس قال: هو بلعم بن باعر.15388 - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا سفيان, عن الأعمش, عن أبي الضحى, عن مسروق, عن ابن مسعود, في قوله: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا) إلى (فكان من الغاوين)، هو بلعم بن أبَر.15389 - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري, عن الأعمش, عن منصور عن أبي الضحى, عن مسروق, عن ابن مسعود, مثله =إلا أنه قال ابن أَبُر, بضم " الباء ".15390 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: ثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: هو رجل من مدينة الجبارين يقال له: بلعم.15391 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (فانسلخ منها) قال: بلعام بن باعر, من بني إسرائيل.15392 - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا أبو سعد قال: سمعت مجاهدًا يقول, فذكر مثله.15393 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني حجاج, عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن كثير, أنه سمع مجاهدًا يقول, فذكر مثله.15394 - حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا عبد الرحمن وابن أبي عدي, عن شعبة, عن حصين, عن عكرمة قال في الذي (آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: هو بلعام.15395 - وحدثنا ابن وكيع قال: حدثنا غندر, عن شعبة, عن حصين, عن عكرمة قال: هو بلعم.15396 - .... قال: حدثنا عمران بن عيينة, عن حصين, عن عكرمة قال: هو بلعم.15397 - حدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا بشر قال: حدثنا شعبة, عن حصين قال: سمعت عكرمة يقول: هو بلعام.15398 - حدثنا الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا إسرائيل, عن حصين, عن مجاهد قال: هو بلعم.15399 - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا إسرائيل, عن مغيرة, عن مجاهد, عن ابن عباس قال: هو بلعم. =وقالت ثقيف: هو أمية بن أبي الصلت. (78)* * *وقال آخرون: كان بلعم هذا من أهل اليمن.* ذكر من قال ذلك:15400 - حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: هو رجل يدعى بلعم، من أهل اليمن.* * *وقال آخرون: كان من الكنعانيين.* ذكر من قال ذلك:15401 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: هو رجل من مدينة الجبارين يقال له: بلعم.* * *وقال آخرون: هو أمية بن أبي الصلت.* ذكر من قال ذلك:15402 - حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا سعيد بن السائب, عن غطيف بن أبي سفيان, عن يعقوب ونافع بن عاصم, عن عبد الله بن عمرو قال في هذه الآية: (الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: هو أمية بن أبي الصلت. (79)15403 - حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا ابن أبي عدي قال: أنبأنا شعبة, عن يعلى بن عطاء, عن نافع بن عاصم قال: قال عبد الله بن عمرو: هو صاحبُكم أمية بن أبي الصلت. (80)15404 - حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا عبد الرحمن ووهب بن جرير قالا حدثنا شعبة, عن يعلى بن عطاء, عن نافع بن عاصم, عن عبد الله بن عمرو، بمثله.15405 - حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا سفيان, عن حبيب بن أبي ثابت, عن رجل, عن عبد الله بن عمرو: وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ قال: هو أمية بن أبي الصلت.15406 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا غندر, عن شعبة, عن يعلى بن عطاء قال: سمعت نافع بن عاصم بن عروة بن مسعود قال: سمعت عبد الله بن عمرو قال في هذه الآية: (الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: هو صاحبكم = يعني أمية بن أبي الصلت.15407 - .... قال: حدثنا أبي, عن سفيان عن حبيب, عن رجل، عن عبد الله بن عمرو قال: هو أمية بن أبي الصلت.15408 - .... قال: حدثنا يزيد, عن شريك, عن عبد الملك, عن فضالة =أو ابن فضالة= عن عبد الله بن عمرو قال: هو أمية.15409 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام, عن عنبسة, عن عبد الملك بن عمير قال: تذاكروا في جامع دمشق هذه الآية: (فانسلخ منها)، فقال بعضهم: نزلت في بلعم بن باعوراء, وقال بعضهم: نزلت في الراهب. (81) = فخرج عليهم عبد الله بن عمرو بن العاص, فقالوا: فيمن نزلت هذه؟ قال: نزلت في أمية بن أبي الصلت الثقفي.15410 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الكلبي: (الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: هو أمية بن أبي الصلت, وقال قتادةُ: يشكّ فيه, يقول بعضهم: بلعم, ويقول بعضهم: أمية بن أبي الصلت.* * *قال أبو جعفر: واختلف أهل التأويل في الآيات التي كان أوتيها، التي قال جل ثناؤه: (آتيناه آياتنا) .فقال بعضهم: كانت اسمَ الله الأعظم.* ذكر من قال ذلك:15411 - حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي قال: إن الله لما انقضت الأربعون سنة = يعني التي قال الله فيها: فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، [سورة المائدة: 26] بعث يوشع بن نون نبيًّا, فدعا بني إسرائيل، فأخبرهم أنه نبيٌّ، وأن الله قد أمره أن يقاتل الجبَّارين, فبايعوه وصدَّقوه. وانطلق رجل من بني إسرائيل يقال له: " بلعم " وكان عالمًا يعلم الاسم الأعظم المكتوم, فكفر، وأتى الجبارين, فقال: لا ترهبوا بني إسرائيل, فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعو عليهم دعوةً فيهلكون ! وكان عندهم فيما شاء من الدنيا, غير أنه كان لا يستطيع أن يأتي النساءَ من عِظَمهنّ, (82) فكان ينكح أتانًا له, (83) وهو الذي يقول الله: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها)، : أي تبصَّر، (84) فانسلخ منها, إلى قوله: وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ . (85)15412 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا) قال: هو رجل يقال له: " بلعم ", وكان يعلم اسم الله الأعظم.15413 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: كان لا يسأل الله شيئًا إلا أعطاه.* * *وقال آخرون: بل الآيات التي كان أوتيها كتابٌ من كتب الله.* ذكر من قال ذلك:15414 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا أبو تميلة, عن أبي حمزة, عن جابر, عن مجاهد، وعكرمة, عن ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل بلعام بن باعر أوتي كتابًا. (86) وقال آخرون: بل كان أوتي النبوّة.* ذكر من قال ذلك:15415 - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا أبو سعد, عن غيره = قال: الحارث: قال عبد العزيز: يعني: عن غير نفسه=، عن مجاهد قال: هو نبي في بني إسرائيل, يعني بلعم, أوتي النبوّة, فرشاه قومه على أن يسكت, ففعل وتركهم على ما هُمْ عليه.15416 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا المعتمر بن سليمان, عن أبيه, أنه سُئل عن الآية: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها)، فحدّث عن سَيَّار أنه كان رجلا يقال له " بلعام ", وكان قد أوتي النبوّة, وكان مجابَ الدعوة. (87)* * *قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمرَ نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتلو على قومه خبرَ رجلٍ كان الله آتاه حُجَجه وأدلته, وهي " الآيات ".وقد دللنا على أن معنى " الآيات ": الأدلة والأعلام، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته. (88) =وجائز أن يكونَ الذي كان الله آتاه ذلك " بلعم " =وجائز أن يكون أمية. وكذلك " الآيات " إن كانت بمعنى الحجة التي هي بعض كتب الله التي أنزلها على بعض أنبيائه, فتعلمها الذي ذكره الله في هذه الآية, وعناه بها; فجائز أن يكون الذي كان أوتيها " بلعم " =وجائز أن يكون " أمية ", لأن " أمية " كان، فيما يقال، قد قرأ من كتب أهل الكتاب.وإن كانت بمعنى كتاب أنزله الله على مَنْ أمر نبيَّ الله عليه الصلاة والسلام أن يتلوَ على قومه نبأه =أو بمعنى اسم الله الأعظم= أو بمعنى النبوّة =, فغير جائز أن يكون معنيًّا به " أمية "; لأن " أمية " لا تختلف الأمة في أنه لم يكن أوتي شيئًا من ذلك، ولا خبرَ بأيِّ ذلك المراد، وأيّ الرجلين المعنيّ ، يوجب الحجة، ولا في العقل دلالة على أيِّ ذلك المعنيُّ به من أيٍّ. (89) فالصواب أن يقال فيه ما قال الله, ونُقِرّ بظاهر التنزيل على ما جاء به الوحي من الله.* * *وأما قوله: (فانسلخ منها)، فإنه يعني: خرج من الآيات التي كان الله آتاها إياه, فتبرَّأ منها.وبنحو ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:15417 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قال: لما نزل موسى عليه السلام .... (90) =يعني بالجبارين= ومن معه، أتاه =يعني بلعم= أتاه بنُو عمّه وقومُه، (91) فقالوا: إن موسى رجلٌ حديد, ومعه جنودٌ كثيرة, وإنه إنْ يظهر علينا يهلكنا. فادع الله أن يردَّ عنَّا موسى ومن معه. قال: إني إنْ دعوت الله أن يردَّ موسى ومن معه ذهبت دنياي وآخرتي! فلم يزالوا به حتى دعا عليهم, فسلخه الله مما كان عليه, فذلك قوله: (فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين) .15418 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: كان الله آتاه آياته فتركها.15419 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج قال: قال ابن جريج: قال ابن عباس: (فانسلخ منها) قال: نزع منه العلم.* * *وقوله: (فأتبعه الشيطان)، يقول: فصيَّره لنفسه تابعًا ينتهي إلى أمره في معصية الله, ويخالف أمر ربِّه في معصية الشيطان وطاعةِ الرحمن.* * *وقوله: (فكان من الغاوين)، يقول: فكان من الهالكين، لضلاله وخلافه أمر ربه، وطاعة الشيطان. (92)------------------الهوامش :(76) انظر تفسير (( تلا )) فيما سلف : 12 : 215 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك = وتفسير (( النبأ )) فيما سلف ص : 7 تعليق : 1 ، والمراجع هناك .(77) انظر خبر (( بلعم بن باعور )) في تاريخ الطبري 1 : 226 - 228 .(78) هذه الجملة ، (( وقالت ثقيف ... )) ، حذفت من المطبوعة ، وهي ثابتة في المخطوطة ، ولا أدري أهي من كلام أبي جعفر ، أم كلام ابن عباس ، أو من كلام بعض رواة خبر ابن عباس . والأرجح أنها من قول بعض رواة الخبر .(79) (2) الأثر : : 15402 - (( سعيد بن السائب بن يسار الثقفي الطائفي )) ، (( سعيد بن أبي حفص )) ثقة ، كان بعضهم يعده من الأبدال ، وكانت لا تجف له دمعة . مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 1 / 439 ، وابن أبي حاتم 2/1/30 . و (( غطيف بن أبي سفيان الطائفي )) أو (( غضيف )) ، تابعى ثقة . مترجم في التهذيب 0 ( غضيف ) ، والكبير 4/1/106 ( غطيف ) ، وابن أبي حاتم 3/2/55 ، (غضيف ) . وكان في المطبوعة : (( غضيف )) ، وأثبت ما في المخطوطة . و (( نافع بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي )) ، تابعي ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 2 / 84 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 454 .(80) الأثر : 15403 - (( يعلى بن عطاء العامري الطائفي )) ، مضى برقم : 2858 ، 11527 ، 11529 . (( نافع بن عاصم الثقفي )) ، مضى في الأثر السالف ، ولذلك قال له عبد الله بن عمرو : (( هو صاحبكم )) ، لأنه ثقفي مثله .(81) (( الراهب )) ، هو (( أبو عامر الراهب ، عبد عمرو بن صيفي من مالك بن النعمان )) ، كان يسمى في الجاهلية (( الراهب )) ، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أبا عامر الفاسق )) ، وخبره مشهور في السير .(82) في المطبوعة : (( النساء يعظمهن )) ، غير ما في المخطوطة ، فأفسد . وإنما عنى عظم نساء الجبارين ، وقد وصفوا بأجسام لا يعرف قدرها إلا الله .(83) (( الأتان )) أنثى الحمار .(84) في المطبوعة : (( أي تنصل )) ، وأثبت ما في المخطوطة . أما في التاريخ : (( فبصر )) ، والصواب ما في المخطوطة .(85) الأثر : 15411 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 227 ، 228 ، وسيأتي بتمامه برقم : 15423 .(86) الأثر : 15414 - سيأتي مطولا برقم : 15432.(87) الأثر : 15416 - سيأتي بطوله برقم 15420 .(88) انظر تفسير (( الآية )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أيى ) .(89) ( 1) السياق : (( ولا خبر بأي ذلك المراد ، وأي الرجلين المعنى ... ولا في العقل دلالة على أي ذلك المعنى به من أي )) . وانظر تفسير (( أي ذلك من أي )) فيما سلف ص : 182 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك . وكان في المطبوعة والمخطوطة : (( على أن ذلك المعنى به من أي )) ، والصواب ما أثبت .(90) في المخطوطة ، بياض بعد (( عليه السلام )) ، وبالهامش حرف ( ط ) دلالة على الخطأ .(91) في المطبوعة ، حذف (( أتاه )) الثانية .(92) انظر تفسير (( غوى )) فيما سلف 5 : 416 / 12 : 333 / 13 : 114 .
وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ١٧٦التفسير الميسرولو شئنا أن نرفع قدره بما آتيناه من الآيات لفعلنا، ولكنه رَكَنَ إلى الدنيا واتبع هواه، وآثر لَذَّاته وشهواته على الآخرة، وامتنع عن طاعة الله وخالف أمره. فَمَثَلُ هذا الرجل مثل الكلب، إن تطرده أو تتركه يُخْرج لسانه في الحالين لاهثًا، فكذلك الذي انسلخ من آيات الله يظل على كفره إن اجتهدْتَ في دعوتك له أو أهملته، هذا الوصف -أيها الرسول- وصف هؤلاء القوم الذين كانوا ضالين قبل أن تأتيهم بالهدى والرسالة، فاقصص -أيها الرسول- أخبار الأمم الماضية، ففي إخبارك بذلك أعظم معجزة، لعل قومك يتدبرون فيما جئتهم به فيؤمنوا لك.
تفسير السعديوَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا بأن نوفقه للعمل بها، فيرتفع في الدنيا والآخرة، فيتحصن من أعدائه. وَلَكِنَّهُ فعل ما يقتضي الخذلان، فَأَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ، أي: إلى الشهوات السفلية، والمقاصد الدنيوية. وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وترك طاعة مولاه، فَمَثَلُهُ في شدة حرصه على الدنيا وانقطاع قلبه إليها، كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ أي: لا يزال لاهثا في كل حال، وهذا لا يزال حريصا، حرصا قاطعا قلبه، لا يسد فاقته شيء من الدنيا. ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا بعد أن ساقها اللّه إليهم، فلم ينقادوا لها، بل كذبوا بها وردوها، لهوانهم على اللّه، واتباعهم لأهوائهم، بغير هدى من اللّه. فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ في ضرب الأمثال، وفي العبر والآيات، فإذا تفكروا علموا، وإذا علموا عملوا.
تفسير ابن كثيروقوله تعالى : ( ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه ) يقول تعالى : ( ولو شئنا لرفعناه بها ) أي : لرفعناه من التدنس عن قاذورات الدنيا بالآيات التي آتيناه إياها ، ( ولكنه أخلد إلى الأرض ) أي : مال إلى زينة الدنيا وزهرتها ، وأقبل على لذاتها ونعيمها ، وغرته كما غرت غيره من غير أولي البصائر والنهى .وقال أبو الزاهرية في قوله تعالى : ( ولكنه أخلد إلى الأرض ) قال : تراءى له الشيطان على غلوة من قنطرة بانياس ، فسجدت الحمارة لله ، وسجد بلعام للشيطان . وكذا قال عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، وغير واحد .وقال الإمام أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله : وكان من قصة هذا الرجل : ما حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، حدثنا المعتمر ، عن أبيه : أنه سئل عن هذه الآية : ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا [ فانسلخ منها ] ) فحدث عن سيار أنه كان رجلا يقال له بلعام ، وكان قد أوتي النبوة وكان مجاب الدعوة ، قال : وإن موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها بلعام - أو قال : الشام - قال فرعب الناس منه رعبا شديدا ، قال : فأتوا بلعام ، فقالوا : ادع الله على هذا الرجل وجيشه ! قال : حتى أوامر ربي - أو : حتى أؤامر - قال : فوامر في الدعاء عليهم ، فقيل له : لا تدع عليهم ، فإنهم عبادي ، وفيهم نبيهم . قال : فقال لقومه : إني قد آمرت ربي في الدعاء عليهم ، وإني قد نهيت . فأهدوا له هدية فقبلها ، ثم راجعوه فقالوا : ادع عليهم . فقال : حتى أوامر . فوامر ، فلم يحر إليه شيء . فقال : قد وامرت فلم يحر إلي شيء ! فقالوا : لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك المرة الأولى . قال : فأخذ يدعو عليهم ، فإذا دعا عليهم ، جرى على لسانه الدعاء على قومه ، وإذا أراد أن يدعو أن يفتح لقومه دعا أن يفتح لموسى وجيشه - أو نحوا من ذا إن شاء الله . قال ما نراك تدعو إلا علينا . قال : ما يجري على لساني إلا هكذا ، ولو دعوت عليه أيضا ما استجيب لي ، ولكن سأدلكم على أمر عسى أن يكون فيه هلاكهم . إن الله يبغض الزنا ، وإنهم إن وقعوا بالزنا هلكوا ، ورجوت أن يهلكهم الله ، فأخرجوا النساء يستقبلنهم ; فإنهم قوم مسافرون ، فعسى أن يزنوا فيهلكوا . قال : ففعلوا . قال : فأخرجوا النساء يستقبلنهم . قال : وكان للملك ابنة ، فذكر من عظمها ما الله أعلم به ! قال : فقال أبوها - أو بلعام - : لا تمكني نفسك إلا من موسى ! قال : ووقعوا في الزنا . قال : وأتاها رأس سبط من أسباط بني إسرائيل ، قال : فأرادها على نفسه ، فقالت : ما أنا بممكنة نفسي إلا من موسى . قال : فقال : إن منزلتي كذا وكذا ، وإن من حالي كذا وكذا . قال : فأرسلت إلى أبيها تستأمره ، قال : فقال لها : فأمكنيه قال : ويأتيهما رجل من بني هارون ومعه الرمح فيطعنهما . قال : وأيده الله بقوة . فانتظمهما جميعا ، ورفعهما على رمحه فرآهما الناس - أو كما حدث - قال : وسلط الله عليهم الطاعون ، فمات منهم سبعون ألفا .قال أبو المعتمر : فحدثني سيار : أن بلعام ركب حمارة له حتى أتى العلولى - أو قال : طريقا من العلولى - جعل يضربها ولا تقدم ، وقامت عليه فقالت : علام تضربني ؟ أما ترى هذا الذي بين يديك ؟ فإذا الشيطان بين يديه ، قال : فنزل وسجد له ، قال الله تعالى : ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ) إلى قوله : ( لعلهم يتفكرون )قال : فحدثني بهذا سيار ، ولا أدري لعله قد دخل فيه شيء من حديث غيره .قلت : هو بلعام - ويقال : بلعم - بن باعوراء ، ابن أبر . ويقال : ابن باعور بن شهوم بن قوشتم بن ماب بن لوط بن هاران - ويقال : ابن حران - بن آزر . وكان يسكن قرية من قرى البلقاء .قال ابن عساكر : وهو الذي كان يعرف اسم الله الأعظم ، فانسلخ من دينه ، له ذكر في القرآن . ثم أورد من قصته نحوا مما ذكرنا هاهنا ، وأورده عن وهب وغيره ، والله أعلم .وقال محمد بن إسحاق بن يسار عن سالم أبي النضر ; أنه حدث : أن موسى ، عليه السلام ، لما نزل في أرض بني كنعان من أرض الشام ، أتى قوم بلعام إليه فقالوا له : هذا موسى بن عمران في بني إسرائيل ، قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل ، وإنا قومك ، وليس لنا منزل ، وأنت رجل مجاب الدعوة ، فاخرج فادع الله عليهم . قال : ويلكم ! نبي الله معه الملائكة والمؤمنون ، كيف أذهب أدعو عليهم ، وأنا أعلم من الله ما أعلم ؟ ! قالوا له : ما لنا من منزل ! فلم يزالوا به يرققونه ويتضرعون إليه ، حتى فتنوه فافتتن ، فركب حمارة له متوجها إلى الجبل الذي يطلعه على عسكر بني إسرائيل ، وهو جبل حسبان ، فلما سار عليها غير كثير ، ربضت به ، فنزل عنها فضربها ، حتى إذا أذلقها قامت فركبها . فلم تسر به كثيرا حتى ربضت به ، فضربها حتى إذا أذلقها أذن الله لها فكلمته حجة عليه ، فقالت : ويحك يا بلعم : أين تذهب ؟ أما ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا ؟ أتذهب إلى نبي الله والمؤمنين لتدعو عليهم ؟ فلم ينزع عنها يضربها ، فخلى الله سبيلها حين فعل بها ذلك . فانطلقت به حتى إذا أشرفت به على رأس حسبان ، على عسكر موسى وبني إسرائيل ، جعل يدعو عليهم ، ولا يدعو عليهم بشر إلا صرف الله لسانه إلى قومه ، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف لسانه إلى بني إسرائيل . فقال له قومه : أتدري يا بلعم ما تصنع ؟ إنما تدعو لهم ، وتدعو علينا ! قال : فهذا ما لا أملك ، هذا شيء قد غلب الله عليه ! قال : واندلع لسانه فوقع على صدره ، فقال لهم : قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة ، ولم يبق إلا المكر والحيلة ، فسأمكر لكم وأحتال ، جملوا النساء وأعطوهن السلع ، ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعنها فيه ، ومروهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها ، فإنهم إن زنى رجل منهم واحد كفيتموهم ، ففعلوا . فلما دخل النساء العسكر ، مرت امرأة من الكنعانيين اسمها " كسبى ابنة صور ، رأس أمته " برجل من عظماء بني إسرائيل ، وهو " زمرى بن شلوم " ، رأس سبط بني سمعان بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، عليهم السلام ، فقام إليها ، فأخذ بيدها حين أعجبه جمالها ، ثم أقبل بها حتى وقف بها على موسى ، عليه السلام ، فقال : إني أظنك ستقول هذا حرام عليك ؟ قال : أجل ، هي حرام عليك ، لا تقربها . قال : فوالله لا نطيعك في هذا . ثم دخل بها قبته فوقع عليها . وأرسل الله ، عز وجل ، الطاعون في بني إسرائيل ، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون ، صاحب أمر موسى ، وكان غائبا حين صنع زمرى بن شلوم ما صنع ، فجاء والطاعون يجوس في بني إسرائيل ، فأخبر الخبر ، فأخذ حربته ، وكانت من حديد كلها ، ثم دخل القبة وهما متضاجعان ، فانتظمهما بحربته ، ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء ، والحربة قد أخذها بذراعه ، واعتمد بمرفقه على خاصرته ، وأسند الحربة إلى لحييه - وكان بكر العيزار - وجعل يقول : اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك . ورفع الطاعون ، فحسب من هلك من بني إسرائيل في الطاعون فيما بين أن أصاب زمرى المرأة إلى أن قتله فنحاص ، فوجدوه قد هلك منهم سبعون ألفا - والمقلل لهم يقول : عشرون ألفا - في ساعة من النهار . فمن هنالك تعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص من كل ذبيحة ذبحوها القبة والذراع واللحي - لاعتماده بالحربة على خاصرته ، وأخذه إياها بذراعه ، وإسناده إياها إلى لحييه - والبكر من كل أموالهم وأنفسهم ; لأنه كان بكر أبيه العيزار . ففي بلعام بن باعوراء أنزل الله : ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها [ فأتبعه الشيطان ] ) - إلى قوله : ( لعلهم يتفكرون )وقوله تعالى : ( فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ) اختلف المفسرون في معناه فأما على سياق ابن إسحاق ، عن سالم بن أبي النضر : أن بلعام اندلع لسانه على صدره - فتشبيهه بالكلب في لهثه في كلتا حالتيه إن زجر وإن ترك . وقيل : معناه : فصار مثله في ضلاله واستمراره فيه ، وعدم انتفاعه بالدعاء إلى الإيمان وعدم الدعاء ، كالكلب في لهثه في حالتيه ، إن حملت عليه وإن تركته ، هو يلهث في الحالين ، فكذلك هذا لا ينتفع بالموعظة والدعوة إلى الإيمان ولا عدمه ; كما قال تعالى : ( سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) [ البقرة : 6 ] ، ( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) [ التوبة : 80 ] ونحو ذلك .وقيل : معناه : أن قلب الكافر والمنافق والضال ، ضعيف فارغ من الهدى ، فهو كثير الوجيب فعبر عن هذا بهذا ، نقل نحوه عن الحسن البصري وغيره .وقوله تعالى : ( فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ) يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ( فاقصص القصص لعلهم ) أي : لعل بني إسرائيل العالمين بحال بلعام ، وما جرى له في إضلال الله إياه وإبعاده من رحمته ، بسبب أنه استعمل نعمة الله عليه - في تعليمه الاسم الأعظم الذي إذا سئل به أعطى ، وإذا دعي به أجاب - في غير طاعة ربه ، بل دعا به على حزب الرحمن ، وشعب الإيمان ، أتباع عبده ورسوله في ذلك الزمان ، كليم الله موسى بن عمران ، [ عليه السلام ] ; ولهذا قال : ( لعلهم يتفكرون ) أي : فيحذروا أن يكونوا مثله ; فإن الله قد أعطاهم علما ، وميزهم على من عداهم من الأعراب ، وجعل بأيديهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم يعرفونها كما يعرفون أبناءهم ، فهم أحق الناس وأولاهم باتباعه ومناصرته ومؤازرته ، كما أخبرتهم أنبياؤهم بذلك وأمرتهم به ; ولهذا من خالف منهم ما في كتابه وكتمه فلم يعلم به العباد ، أحل الله به ذلا في الدنيا موصولا بذل الآخرة .
تفسير القرطبيقوله تعالى ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرونقوله تعالى ولو شئنا لرفعناه بها يريد بلعام . أي لو شئنا لأمتناه قبل أن يعصي فرفعناه إلى الجنة . بها أي بالعمل بها .ولكنه أخلد إلى الأرض أي ركن إليها ; عن ابن جبير والسدي . مجاهد : سكن إليها ; أي سكن إلى لذاتها . وأصل الإخلاد اللزوم . يقال : أخلد فلان بالمكان إذا أقام به ولزمه . قال زهير :لمن الديار غشيتها بالغرقد كالوحي في حجر المسيل المخلديعني المقيم ; فكأن المعنى لزم لذات الأرض فعبر عنها بالأرض ; لأن متاع الدنيا على وجه الأرض .واتبع هواه أي ما زين له الشيطان . وقيل : كان هواه مع الكفار . وقيل : اتبع رضا زوجته ، وكانت رغبت في أموال حتى حملته على الدعاء على موسى .فمثله كمثل الكلب ابتداء وخبر . إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث شرط وجوابه . وهو في موضع الحال ، أي فمثله كمثل الكلب لاهثا . والمعنى : أنه على شيء واحد لا يرعوي عن المعصية ; كمثل الكلب الذي هذه حالته . فالمعنى : أنه لاهث على كل حال ، طردته أو لم تطرده . قال ابن جريج : الكلب منقطع الفؤاد ، لا فؤاد له ، إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ; كذلك الذي يترك الهدى لا فؤاد له ، وإنما فؤاده منقطع . قال القتيبي : كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش ، إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة وحال المرض وحال الصحة وحال الري وحال العطش . فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته فقال : إن وعظته ضل وإن تركته ضل ; فهو كالكلب إن تركته لهث وإن طردته لهث ; كقوله تعالى : وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون . قال الجوهري : لهث الكلب " بالفتح " يلهث لهثا ولهاثا " بالضم " إذا أخرج لسانه من التعب أو العطش ; وكذلك الرجل إذا أعيي .وقوله تعالى إن تحمل عليه يلهث لأنك إذا حملت على الكلب نبح وولى هاربا ، وإذا تركته شد عليك ونبح ; فيتعب نفسه مقبلا عليك ومدبرا عنك فيعتريه عند ذلك ما يعتريه عند العطش من إخراج اللسان . قال الترمذي الحكيم في نوادر الأصول : إنما شبهه بالكلب من بين السباع ; لأن الكلب ميت الفؤاد ، وإنما لهاثه لموت فؤاده . وسائر السباع ليست كذلك فلذلك لا يلهثن . وإنما صار الكلب كذلك لأنه لما نزل آدم صلى الله عليه وسلم إلى الأرض شمت به العدو ، فذهب إلى السباع فأشلاهم على آدم ، فكان الكلب من أشدهم طلبا . فنزل جبريل بالعصا التي صرفت إلى موسى بمدين وجعلها آية له إلى فرعون وملئه ، وجعل فيها سلطانا عظيما وكانت من آس الجنة ; فأعطاها آدم صلى الله عليه وسلم يومئذ ليطرد بها السباع عن نفسه ، وأمره فيما روي أن يدنو من الكلب ويضع يده على رأسه ، فمن ذلك ألفه الكلب ومات الفؤاد منه لسلطان العصا ، وألف به وبولده إلى يومنا هذا ، لوضع يده على رأسه ، وصار حارسا من حراس ولده . وإذا أدب وعلم الاصطياد تأدب وقبل التعليم ; وذلك قوله : تعلمونهن مما علمكم الله . السدي : كان بلعام بعد ذلك يلهث كما يلهث الكلب . وهذا المثل في قول كثير من أهل العلم بالتأويل عام في كل من أوتي القرآن فلم يعمل به . وقيل : هو في كل منافق . والأول أصح . قال مجاهد في قوله تعالى : فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث أي إن تحمل عليه بدابتك أو برجلك يلهث أو تتركه يلهث . وكذلك من يقرأ الكتاب ولا يعمل بما فيه . وقال غيره : هذا شر تمثيل ; لأنه مثله في أنه قد غلب عليه هواه حتى صار لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا بكلب لاهث أبدا ، حمل عليه أو لم يحمل عليه ; فهو لا يملك لنفسه ترك اللهثان . وقيل : من أخلاق الكلب الوقوع بمن لم يخفه على جهة الابتداء بالجفاء ، ثم تهدأ طائشته بنيل كل عوض خسيس . ضربه الله مثلا للذي قبل الرشوة في الدين حتى انسلخ من آيات ربه . فدلت الآية لمن تدبرها على ألا يغتر أحد بعمله ولا بعلمه ; إذ لا يدري بما يختم له . ودلت على منع أخذ الرشوة لإبطال حق أو تغييره . وقد مضى بيانه في " المائدة " . ودلت أيضا على منع التقليد لعالم إلا بحجة يبينها ; لأن الله تعالى أخبر أنه أعطى هذا آياته فانسلخ منها فوجب أن يخاف مثل هذا على غيره وألا يقبل منه إلا بحجة .قوله تعالى ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون أي هو مثل جميع الكفار
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولو شئنا لرفعنا هذا الذي آتيناه آياتنا بآياتنا التي آتيناه =(ولكنه أخلد إلى الأرض) يقول: سكن إلى الحياة الدنيا في الأرض، ومال إليها, وآثر لذتها وشهواتها على الآخرة= " واتبع هواه ", ورفض طاعة الله وخالَف أمرَه.* * *وكانت قصة هذا الذي وصف الله خبرَه في هذه الآية, على اختلاف من أهل العلم في خبره وأمره, ما:-15420 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا المعتمر, عن أبيه: أنه سئل عن الآية: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا ، فحدّث عن سيار أنه كان رجلا يقال له بلعام, وكان قد أوتي النبوّة, وكان مجاب الدعوة (93) قال: وإن موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها بلعام =أو قال الشأم= قال: فرُعب الناس منه رعْبًا شديدًا. قال: فأتوا بلعام, (94) فقالوا: ادع الله على هذا الرجل وجيشه ! قال: حتى أُوَامر ربّي =أو حتى أؤامر (95) = قال: فوامر في الدعاء عليهم, (96) فقيل له: لا تدع عليهم، فإنهم عبادي، وفيهم نبيهم! قال: فقال لقومه: إني قد وَامَرْتُ ربي في الدعاء عليهم, (97) وإني قد نهيت. قال: فأهدوا إليه هدية فقبلها. ثم راجعوه، فقالوا: ادع عليهم! فقال: حتى أوامر! فوامر، فلم يَحُر إليه شيء. (98) قال: فقال: قد وامرت فلم يَحُرْ إليَّ شيء! (99) فقالوا: لو كره ربك أن تدعو عليهم، لنهاك كما نهاك المرةَ الأولى. (100) قال: فأخذ يدعو عليهم, فإذا دعا عليهم جَرَى على لسانه الدُّعاء على قومه; وإذا أراد أن يدعو أن يُفْتَح لقومه, دعا أن يفتَح لموسى وجيشه =أو نحوا من ذلك إن شاء الله. فقال: فقالوا ما نراك تدعو إلا علينا! قال: ما يجري على لساني إلا هكذا, ولو دعوت عليه ما استجيب لي, ولكن سأدلّكم على أمرٍ عَسَى أن يكون فيه هلاكهم: إن الله يُبْغِض الزنا, وإنهم إن وقعوا بالزنا هلكوا, ورجوت أن يهلكهم الله, فأخرجوا النساء فليستقبلنهم، (101) وإنهم قوم مسافرون, فعسى أن يزنُوا فيهلكوا. قال: ففعلوا، وأخرجوا النساء يستقبلنهم. (102) قال: وكان للملك ابنة, فذكر من عِظَمها ما الله أعلم به! قال: فقال أبوها، أو بلعام: لا تُمْكِني نفسك إلا من موسى! قال: ووقعوا في الزنا. قال: وأتاها رأس سبط من أسباط بني إسرائيل, فأرادها على نفسه قال: فقالت: ما أنا بممكنةِ نفسِي إلا من موسى! قال: فقال: إنّ من منزلتي كذا وكذا, وإن من حالي كذا وكذا! قال: فأرسلت إلى أبيها تستأمره، قال: فقال لها: فأمكنيه. (103) قال: ويأتيهما رجل من بني هارون ومعه الرمح فيطعنهما قال: وأيَّده الله بقوة فانتظمهما جميعًا, ورفعهما على رمحه. (104) قال: فرآهما الناس =أو كما حدَّث. قال: وسلط الله عليهم الطاعون. قال: فمات منهم سبعون ألفا. قال: فقال أبو المعتمر: فحدثني سَيّار أن بلعامًا ركب حمارةً له, حتى إذا أتى الفُلول =أو قال: طريقًا بين الفُلول (105) = جعل يضربها ولا تُقْدِم. (106) قال: وقامت عليه, فقالت: علامَ تضربني؟ أما ترى هذا الذي بين يديك! قال: فإذا الشيطان بين يديه. قال: فنزل فسجد له، قال الله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ إلى قوله: لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ قال: فحدثني بهذا سيّار, ولا أدري لعله قد دخل فيه شيء من حديث غيره. (107)15421 - حدثنا ابن عبد الأعلى قال: حدثنا المعتمر, عن أبيه قال: وبلغني حديث رجلٍ من أهل الكتاب يحدّث: (108) أن موسى سأل الله أن يطبَعه، وأن يجعله من أهل النار. قال: ففعل الله. قال: أنبئت أن موسى قَتَله بعدُ.15422 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن سالم أبي النضر, أنه حدَّث: أن موسى لما نزل في أرض بني كنعان من أرض الشأم =[ وكان بلعم ببالعة، قرية من قرى البلقاء. فلمَّا نزل موسى ببني إسرائيل ذلك المنزل ] (109) أتى قومَ بلعم إلى بلعم, فقالوا له: يا بلعم، إن هذا موسى بن عمران في بني إسرائيل, قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويُحِلُّها بني إسرائيل ويُسْكنها, وإنّا قومك, وليس لنا منزلٌ, وأنت رجل مجاب الدعوة, فاخرج فادعُ الله عليهم! (110) فقال: ويلكم! نبيُّ الله معه الملائكة والمؤمنون, كيف أذْهبُ أدعو عليهم، وأنا أعلم من الله ما أعلم!! قالوا: ما لنا من منزل! فلم يزالوا به يرقِّقُونه، ويتضَرَّعون إليه، (111) حتى فتنوه فافتُتِن. فركب حمارةً له متوجِّهًا إلى الجبل الذي يطلعه على عسكر بني إسرائيل. وهو جبل حُسْبَان . (112) فلما سار عليها غير كثير ربضت به, (113) فنزل عنها, فضربها, حتى إذا أذْلَقها قامت فركبها (114) فلم تسر به كثيرًا حتى ربضت به. ففعل بها مثل ذلك, فقامت فركبها فلم تسر به كثيرًا حتى ربضت به. فضربها حتى إذا أذلقها، أذن الله لها, فكلمته حُجَّةً عليه، فقالت: ويحك يا بلعم! أين تذهب؟ أما ترى الملائكة أمامي تردُّني عن وجهي هذا ؟ (115) أتذهب إلى نبيّ الله والمؤمنين تدعو عليهم! فلم ينزع عنها يضربها، (116) فخلَّى الله سبيلها حين فعل بها ذلك. قال: فانطلقت حتى أشرفت به على رأس جبل حُسْبان (117) على عسكر موسى وبني إسرائيل، جعل يدعو عليهم، فلا يدعو عليهم بشيءٍ إلا صرف به لسانه إلى قومه، (118) ولا يدعو لقومه بخير إلا صُرِف لسانه إلى بني إسرائيل. قال: فقال له قومه: أتدري يا بلعم ما تصنع؟ إنما تدعو لهم، وتدعو علينا ! قال: فهذا ما لا أملك, هذا شيءٌ قد غلب الله عليه. قال: واندلع لسانه فوقع على صدره, (119) فقال لهم: قد ذهبت الآنَ منّي الدنيا والآخرة, فلم يبق إلا المكر والحيلة, فسأمكر لكم وأحتالُ, جمِّلوا النساء وأعطوهنّ السِّلع, ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعنَها فيه, ومُرُوهنَّ فلا تمنع امرأة نفسَها من رجل أرادها, فإنهم إن زنى منهم واحدٌ كُفِيتُمُوهم ! ففعلوا; فلما دخل النساءُ العسكر مرّت امرأة من الكنعانيين اسمها " كسبَى ابنة صور "، رأس أمته، برجل من عظماء بني إسرائيل, (120) وهو زمري بن شلوم، رأس سبط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم, فقام إليها، فأخذ بيدها حين أعجبه جمالها, ثم أقبل بها حتى وقف بها على موسى عليه السلام، فقال: إني أظنك ستقولُ هذه حرام عليك؟ فقال: أجل هي حرام عليك لا تقربْها ! قال: فوالله لا نُطِيعك في هذا, (121) فدخل بها قُبَّته فوقع عليها. وأرسل الله الطاعون في بني إسرائيل, وكان فنحاص بن العيزار بن هارون، صاحبَ أمر موسى, وكان رجلا قد أعطي بَسطَةً في الخلق وقوة في البطش, وكان غائبا حين صنع زمري بن شلوم ما صنع. فجاء والطَّاعون يحوس في بني إسرائيل, (122) فأخبر الخبرَ, فأخذ حَرْبته. وكانت من حديد كلها, ثم دخل عليه القبة وهما متضاجعان, (123) فانتظمهما بحربته, ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء, والحربة قد أخذها بذراعه, واعتمد بمرفقه على خاصِرته, وأسند الحرية إلى لَحْيَيه, (124) =وكان بكر العيزار=, وجعل يقول: اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك ! ورُفع الطاعون, فحُسِب من هلك من بني إسرائيل في الطاعون, فيما بين أنْ أصاب زِمري المرأة إلى أن قتله فنحاص, فوُجدوا قد هلك منهم سبعون ألفا, =والمقلّل يقول: عشرون ألفاً= في ساعة من النهار. فمن هنالك تُعطى بنو إسرائيل ولد فنحاص بن العيزار بن هارون من كلِّ ذبيحةٍ ذبحُوها القِبَةَ والذراع واللَّحْي, (125) لاعتماده بالحربة على خاصرته وأخذه إياها بذراعه وإسناده إيّاها إلى لحييه (126) =والبكرَ من كل أموالهم وأنفسُهم, لأنه كان بكر العيزار. ففي بلعم بن باعور، أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا ، يعني بلعم, فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ، .. إلى قوله: لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (127)15423 - حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي قال: انطلق رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم, فأتى الجبارين فقال: لا ترهبوا من بني إسرائيل, فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعو عليهم فيهلكون (128) فخرج يوشع يقاتل الجبارين في الناس. وخرج بلعم مع الجبّارين على أتانه وهو يريد أن يلعَنَ بني إسرائيل, فكلما أراد أن يدعو على بني إسرائيل، دعا على الجبارين, فقال الجبارون: إنك إنّما تدعو علينا ! فيقول: إنما أردت بني إسرائيل. فلما بلغ باب المدينة، أخذ ملك بذنب الأتان, فأمسكها، فجعل يحرِّكها فلا تتحرك, فلما أكثر ضَرْبها، تكلمت فقالت: أنت تنكحني بالليل وتركبني بالنهار؟ ويلي منك ! ولو أنِّي أطقتُ الخروج لخرجتُ, ولكن هذا المَلَك يحبسني. وفي بلعم يقول الله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا (129) .. الآية.15424 - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثني رجل سمع عكرمة, يقول: قالت امرأة منهم: أروني موسى, فأنا أفتنه ! قال: فتطيَّبت, فمرت على رجلٍ يشبه موسى, فواقعها, فأُتي ابنُ هارون فأُخبر, فأخذ سيفا, فطعن به في إحليله حتى أخرجه وأخرجه من قُبُلها (130) ثم رفعهما حتى رآهما الناس, فعلم أنه ليس موسى, ففضل آلُ هارون في الْقُرْبان على آل موسى بالكتد والعضُد والفَخِذ (131) قال: فهو الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها, يعني بلعم.* * *واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (ولو شئنا لرفعناه بها).فقال بعضهم: معناه: لرفعناه بعلمه بها.*ذكر من قال ذلك.15425 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: (ولو شئنا لرفعناه بها ) ، لرفعه الله تعالى بعلمه.* * *وقال آخرون: معناه لرفعنا عنه الحال التي صار إليها من الكفر بالله بآياتنا.* ذكر من قال ذلك:15426 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: (ولو شئنا لرفعناه بها)، : لدفعناه عنه. (132)15427 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: (ولو شئنا لرفعناه بها)، : لدفعناه عنه. (133)* * *قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عمّ الخبر بقوله: (ولو شئنا لرفعناه بها)، أنه لو شاء رفعه بآياته التي آتاه إياها. والرفع يَعمُّ معاني كثيرة, منها الرفع في المنزلة عنده, ومنها الرفع في شرف الدنيا ومكارمها. ومنها الرفع في الذكر الجميلِ والثّناء الرفيع. وجائزٌ أن يكون الله عنى كلَّ ذلك: أنه لو شاء لرفعه, فأعطاه كل ذلك، بتوفيقه للعمل بآياته التي كان آتاها إياه. وإذ كان ذلك جائزًا, فالصواب من القول فيه أن لا يخصَّ منه شيء, إذ كان لا دلالة على خصوصه من خبرٍ ولا عقلٍ. وأما قوله: (بها)، فإن ابن زيد قال في ذلك كالذي قلنا.15428 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (ولو شئنا لرفعناه بها)، بتلك الآيات. وأما قوله: (ولكنه أخلد إلى الأرض)، فإن أهل التأويل قالوا فيه نحو قولنا فيه.* ذكر من قال ذلك:15429 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي, عن إسرائيل, عن أبي الهيثم, عن سعيد بن جبير: (ولكنه أخلد إلى الأرض)، يعني: ركن إلى الأرض.15430 - .... قال: حدثنا يحيى بن آدم, عن شريك, عن سالم, عن سعيد بن جبير: (ولكنه أخلد إلى الأرض) قال: نزع إلى الأرض.15431 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " أخلد ": سكن.15432 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا أبو تميلة, عن أبي حمزة, عن جابر, عن مجاهد وعكرمة, عن ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل بلعام بن باعر أوتي كتابا, فأخلد إلى شهوات الأرض ولذتِها وأموالها, لم ينتفع بما جاء به الكتاب. (134)15433 - حدثنا موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه)، أما( أخلد إلى الأرض ) : فاتبع الدنيا, وركن إليها. قال أبو جعفر: وأصل " الإخلاد " في كلام العرب: الإبطاء والإقامة, يقال منه: " أخلد فلان بالمكان "، إذا أقام به وأخلد نفسه إلى المكان " إذا أتاه من مكان آخر, (135) ومنه قول زهير:لِمَنْ الدِّيَارُ غَشِيتُهَا بِالْفَدْفَدِكَالْوَحْيِ فِي حَجَرِ الْمَسِيلِ المُخْلِدِ (136)يعني المقيم, ومنه قول مالك بن نويرة:بِأَبْنَاء حَيٍّ مِنْ قَبَائِلِ مَالِكٍوَعْمْرِو بن يَرْبُوعٍ أَقَامُوا فَأَخْلَدُوا (137)وكان بعض البصريين يقول (138) معنى قوله: " أخلد ": لزم وتقاعسَ وأبطأ, و " المخلد " أيضًا: هو الذي يبطئ شيبُه من الرجال =وهو من الدواب، الذي تبقى ثناياه حتى تخرج رَباعيتاه. (139)* * *وأما قوله: (واتبع هواه)، فإن ابن زيد قال في تأويله، (140) ما:15434- حدثني به يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (واتبع هواه) قال: كان هَواهُ مع القوم.* * *القول في تأويل قوله : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فمثل هذا الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها, مثلُ الكلب الذي يلهث, طردْته أو تركته.* * *ثم اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله جَعَل الله مثَله كمثل الكلب.فقال بعضهم: مثَّله به في اللهث، لتركه العمل بكتابِ الله وآياته التي آتاها إياه، وإعراضِه عن مواعظ الله التي فيها إعراض من لم يؤته الله شيئًا من ذلك. فقال جل ثناؤه فيه: إذْ كان سواء أمرُه، وُعِظَ بآيات الله التي آتاها إياه, أو لم يوعظ، في أنه لا يتَّعظ بها, ولا يترك الكفر به, فمثله مثل الكلب الذي سواءٌ أمره في لهثه, طرد أو لم يطرد, إذ كان لا يتركُ اللهث بحال.* ذكر من قال ذلك:15435 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث) قال: تطرده, هو مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعملُ به.15436 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني حجاج قال: قال ابن جريج قال مجاهد: (فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث) قال: تطرده بدابتك ورجلك = " يلهث "، قال: مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل بما فيه = قال ابن جريج: الكلب منقطِع الفؤاد, (141) لا فؤاد له, إن حملت عليه يلهث, أو تتركه يلهث. قال: مثل الذي يترك الهدى لا فؤاد له, إنما فؤاده منقطع.15437 - حدثني ابن عبد الأعلى قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن بعضهم: (فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث)، فذلك هو الكافر, هو ضالٌّ إن وعظته وإن لم تعظه. (142)15438 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: ( فمثله كمثل الكلب ) إن تحمل عليه الحكمة لم يحملها, وإن ترك لم يهتد لخير, كالكلب إن كان رابضًا لهث وإن طرد لَهَث.15439 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: آتاه الله آياته فتركها, &; فجعل الله مثله كمثل الكلب: " إن تحمل عليه يلهث, أو تتركه يلهث ".15440 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ ، الآية, هذا مثلٌ ضربه الله لمن عُرِض عليه الهدى, فأبى أن يقبله وتركه = قال: وكان الحسن يقول: هو المنافق = " ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث " قال: هذا مثل الكافر ميتُ الفؤاد.* * *وقال آخرون: إنما مثّله جل ثناؤه بالكلب، لأنه كان يلهث كما يلهثُ الكلب.* ذكر من قال ذلك:15441 - حدثنا موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث)، وكان بلعم يلهث كما يلهث الكلب. وأما " تحمل عليه ": فتشدُّ عليه.* * *قال: أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، تأويلُ من قال: إنما هو مثلٌ لتركه العمل بآيات الله التي آتاها إياه, وأنّ معناه: سواء وعظ أو لم يوعظ، في أنه لا يترك ما هو عليه من خلافه أمر ربّه, كما سواءٌ حمل على الكلب وطُرِد أو ترك فلم يطرد، في أنه لا يدَع اللهث في كلتا حالتيه.وإنما قلنا: ذلك أولى القولين بالصواب، لدلالة قوله تعالى: ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ، فجعل ذلك مثلَ المكذِّبين بآياته. وقد علمنا أن اللُّهَاث ليس في خِلقة كل مكذّب كُتب عليه ترك الإنابة من تكذيبه بآيات الله, (143) وأن ذلك إنما هو مثل ضربه الله لهم, فكان معلوما بذلك أنه للذي وصف الله صفته في هذه الآية, كما هو لسائر المكذبين بآيات الله، مثلٌ. (144)القول في تأويل قوله : ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: هذا المثل الذي ضربتُه لهذا الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها, مثلُ القوم الذين كذبوا بحُججنا وأعلامنا وأدلَّتنا, فسلكوا في ذلك سبيل هذا المنسلِخ من آياتنا الذي آتيناها إياه، في تركه العمل بما آتيناه من ذلك.* * *وأما قوله: (فاقصص القصص)، فإنه يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فاقصص، يا محمد، هذا القصص, الذي اقتصصته عليك (145) = من نبأ الذي آتيناه آياتنا, وأخبارَ الأمم التي أخبرتك أخبارهم في هذه السورة، واقتصَصْت عليك نبأهم ونبأ أشباههم, (146) وما حلّ بهم من عقوبتنا، ونزل بهم حين كذبوا رسلَنا من نقمتنا= (147) على قومك من قريش، ومَنْ قِبَلَك من يهود بني إسرائيل, ليتفكروا في ذلك، فيعتبروا وينيبوا إلى طاعتنا, لئلا يحلّ بهم مثل الذي حلّ بمن قبلهم من النّقم والمثلات, ويتدبَّره اليهود من بني إسرائيل، فيعلموا حقيقةَ أمرك وصحَّة نبوّتك, إذ كان نبأ " الذي آتيناه آياتنا " من خفيّ علومهم، ومكنون أخبارهم، لا يعلمه إلا أحبارُهم، ومن قرأ الكُتب ودرسها منهم. وفي علمك بذلك =وأنت أميٌّ لا تكتب، ولا تقرأ، ولا تدرس الكتب، ولم تجالس أهل العلم= الحُجَّة البينة لك عليهم بأنك لله رسول, وأنك لم تعلم ما علِمت من ذلك, وحالُك الحال التي أنت بها، إلا بوحي من السماء. (148)* * *وبنحو ذلك كان أبو النضر يقول.15442 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة, عن محمد, عن سالم أبي النضر: (فاقصص القصص لعلهم يتفكّرون)، يعني: بني إسرائيل, إذ قد جئتهم بخبر ما كان فيهم ممّا يخفُون عليك =" لعلهم يتفكرون ", فيعرفون أنه لم يأت بهذا الخبر عمّا مضى فيهم إلا نبيٌّ يأتيه خبرُ السماء.-----------------------الهوامش :(93) انظر الأثر السالف رقم : 15416 .(94) في المطبوعة : (( بلعاماً )) بصرف الاسم الأعجمى .(95) الثانية (( أؤامر)) بالهمز ، وهي اللغة الفصحى . والأولى : (( أوامر )) بالواو ، بطرح الهمز ، وليست بفصيحة ، ولكن جرى بها هذا الخبر . وانظر التعليق التالي .(96) في المطبوعة : (( فآمر عليهم )) ، وأثبت ما في المخطوطة . (( وامر )) ، مثل (( آمر )) ، ولكنها لغة غير مستجادة . وانظر التعليق السالف .(97) في المطبوعة : (( إني آمرت )) ، حذف ( ( قد )) ، وجعل (( وامرت )) (( آمرت )) ، وتابعت المخطوطة ، كما أسلفت في التعليقات السالفة وفي الآتية أيضاً .(98) عبث الناشر بهذه الجملة بالزيادة والتحريف والحذف ، فجعلها هكذا : (( فقال : حتى أوامر ربى ، فآمر ، فلم يأمره بشيء )). وأثبت الصواب من المخطوطة (( أوامر )) و (( وامر )) كل ذلك كما جرى عليه ما سلف ، بالواو . وأما قوله : (( فلم يحر إليه شيء )) ، أي : لم يرجع إليه شيء . (( حار إليه يحور حوراً )) ، رجع إليه ، ومنه حاوره محاورة حواراً )) في الكلام . وقولهم (( أحار عليه جوابه )) ، و (( أحرت له جواباً )) ، و (( ما أحار بكلمة )) .(99) جعلها في المطبوعة أيضاً : (( قد وامرت فلم يأمرني بشيء )) ، وانظر التعليق السالف .(100) في المطبوعة : (( في المرة الأولى )) ، زاد (( في )) ، والذي في المخطوطة أعلى .(101) في المطبوعة : (( لتستقبلهم )) ، حذف الفاء والنون .(102) في المطبوعة (( تستقبلهم )) ، وأثبت ما في المخطوطة .(103) في المطبوعة : (( مكنيه )) ، غير ما في المخطوطة .(104) في المخطوطة ، أسقط (( ورفعهما )) ، والصواب ما في المطبوعة ، وابن كثير .(105) في المطبوعة ، وتفسير ابن كثير : (( ... أتى المعلولى = أو قال : طريقاً من المعلولى )) ، وهو لا معنى له . وفي المخطوطة : (( العلول )) و (( بين العلول )) ، وصححت قراءتها كما أثبتها ، لأن جيش موسى لما نزل به العذاب ، فهلك منه سبعون ألفاً ، صار من بقى منه فلولا . هذا ما رجحته .(106) في المطبوعة : (( ولا تتقدم )) ، كما في ابن كثير ، وأثبت ما في المخطوطة .(107) الأثر : 15420 - (( المعتمر )) هو (( المعتمر بن سليمان بن طرخان التيمي )) ، الإمام المشهور ، مضى مرارًا . وأبوه ، هو (( سليمان بن طرخان التيمي )) ، ويعرف بالتيمي ، وكنيته (( أبو المعتمر )) ، مضى مرارًا . و (( سيار )) الذي روى عنه هو : (( سيار بن سلامة )) ، أبو المنهال الرياحي ، الثقة المعروف ، مضى برقم : 5478 . وهذا الخبر ، رواه ابن كثير في تفسيره 3 : 595 ، 596 ، والسيوطي في الدر المنثور 3 : 147 ، مختصراً .(108) في المطبوعة : (( فبلغنى )) ، وأثبت ما في المخطوطة.(109) الزيادة بين القوسين من تاريخ الطبري .(110) في المطبوعة : (( وادع )) بالواو ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ .(111) في المطبوعة : (( يرفعونه )) ، وفي التاريخ : (( يرفقونه )) ، والصواب ما أثبت ، من (( الرقة )) ، وهي الرحمة والشفقة ، يعنى ما زالوا به لكى يرق لهم قلبه .(112) في المطبوعة : (( جبل حسان )) ، وفي المخطوطة : (( حسان )) غير منقوطة ، وأثبت ما وافق رسمها في التاريخ ، يضبطه هناك ، ولم أجد له ذكراً في معاجم البلدان .(113) في التاريخ : (( فما سار عليها غير قليل حتى ربضت به )) .(114) (( الإذلاق )) : أن يبلغ منه الجهد ، حتى يقلق ويتضور ، وفي حديث ماعز : (( أنه صلى الله عليه وسلم أمر برجمه ، فلما أذلقته الحجارة جمز وفر )) ، أي بلغت منه الجهد حتى قلق .(115) في ى المطبوعة : (( أما ترى الملائكة تردني )) ، وفي المخطوطة : (( ألا ترى الملائكة ألا تردني عن وجهي )) ، وأثبت ما في التاريخ .(116) في المطبوعة (( فضربها )) ، والصواب من المخطوطة والتاريخ .(117) في المطبوعة : (( فأنطلقت به حتى إذا أشرفت على رأس ... )) ، وفي المخطوطة أسقط ( به )) من الجملة كلها وأثبت ما في التاريخ ، وإن كان هناك (( على جبل حسبان )) ، بغير (( رأس )) . وانظر (( حسبان )) في التعليق : 1 ، فقد كان في المطبوعة هنا ، كمثله هناك .(118) في المطبوعة : (( ولا يدعو ... بشر )) ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ .(119) (( اندلع لسانه )) : خرج من الفم ، واسترخى ، وسقط على العنفقة كلسان الكلب . وفي أثر آخر عن بلعم : (( إن الله لعنه ، فأدلع لسانه ، فسقطت أسلته على صدره ، فبقيت كذلك )) .(120) في التاريخ: (( رأس أمته وبنى أبيه ، من كان منهم في مدين ، هو كان كبيرهم ، برجل ... )) .(121) في المطبوعة : (( لا أطيعك)) ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ .(122) في المخطوطة ، والتاريخ : (( يحوس )) بالحاء المهملة . من قولهم : (( تركت فلاناً يحوس بنى فلان ويجوسهم )) ( بالجيم أيضاً ) يتخللهم ، ويطلب فيهم ، ويدوسهم . و (( الذئب يحوس الغنم )) ، يتخللها ويفرقها . وفي المطبوعة : (( يجوس )) بالجيم .(123) في التاريخ : (( عليهما القبة )9 .(124) في التاريخ والمخطوطة : (0 لحيته )) ، والصواب ما في المطبوعة ، كما سيأتي دليل ذلك من إعطاء بنى إسرائيل (( اللحى )) بنى فنخاص .(125) في المطبوعة : (( الفشة )) ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ و(( القبة )) ( بكسر القاف وفتح الباء مخففة ) وهي من الكرش ، (( الحفث )) ( بفتح فكسر ) ذات الطرائق من الكرش ، و(( القبة )) الأخرى إلى جنبه ، وليس فيها طرائق .(126) قوله : (( والبكر )) معطوف على قوله : (( تعطى بنى إسرائيل ... القبة ... )) .(127) الأثر: 15422 - رواه ابن جرير في تاريخه 1 : 226 ، 227 .(128) (( فيهلكون )) ساقطة من المخطوطة والمطبوعة ، وهي ثابتة في الأثر السالف 15411 ، وفي التاريخ .(129) الأثر : 15423 - مضى برقم : 15411 ، وهو في التاريخ 1 : 227 ، 228 .(130) في المطبوعة ، أسقط (( وأخرجه )) من الكلام ، وهي في المخطوطة .ومع ذلك فأنا في شك من العبارة كلها . ولو قال : (( من دبرها )) ، لاستقام الكلام بعض الشيء ، ولظهرت الصورة بعض الظهور .(131) في المطبوعة (( باكتف والعضد )) ، وفي المخطوطة : (( بالكتاب )) ، ولعل صوابها ما قرأت (( الكتد )) ، هو مجتمع الكتفين . والله أعلم أي ذلك هو الصواب .(132) في المطبوعة : (( لرفعنا عنه بها )) ، لا أدرى من أين جاء بذلك ، وأثبت ما في المخطوطة . و (( لدفعنا )) بالدال .(133) في المطبوعة : (( لرفعنا عنه )) ، وأثبت ما في المخطوطة .(134) الأثر : 15432 - مضى مختصراً برقم : 15414 .(135) هذا التفسير الأخير ، لا تجده في شيء من معاجم اللغة ، فقيده .(136) ديوانه : 268 ، واللسان ( خلد ) ، مطلع قصيدته في سنان بن أبي حارثة المرى ، وكان في المطبوعة : (( غشيتها بالغرقد )) ، والصواب ما في المخطوطة والديوان ، وإنما تابع ناشر المطبوعة ، ما كان في اللسان ، فأخطأ بخطئه . و (( الفدفد )) الموضع فيه غلظ وارتفاع ، أو هي الأرض المستويه . ، و (( الوحى )) الكتابة . وقوله : (( حجر المسيل )) ، لأنه أصلب الحجارة ، فالكتابة فيه أبقى ، ويضربه السيل لخلوده فيأخذ منه ، فتخفي الكتابة . فشبه آثار الديار ، بباقى الكتابة على صخرة ينتابها السيل ، فيمحو جدة ما كتب فيها .(137) الأصمعيات : 323 ، من قصيدته قالها في يوم مخطط ، وقبله ، وهو أول الشعر : إلا أكُنْ لاقَيْتُ يومَ مخططفقد خبر الرُّكْبَانُ ما أتَوَدَّدُأتاني بنفر الخير ما قد لقيتهرزين ، وركب حوله متعضدُيهلون عمارًا ، إذا ما تغورواولاقوا قريشًا خبروها فأنجدُوا(138)(139) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 233 / ثم معاني القرآن للفراء 1 : 399 .(140) في المطبوعة (( كان أبن زيد قال ... )) ، وهو سيء جداً ، لم يحسن قراءة المخطوطة .(141) سقطت (( منقطع )) من المخطوطة ، وهي في سائر المراجع كما في المطبوعة .(142) الأثر : 15437 - (( ابن عبد الأعلى )) ، هو (( محمد بن عبد الأعلى )) . و (( ابن ثور )) ، هو (( محمد بن ثور )) وكان في المطبوعة والمخطوطة (( ابن توبة )) ، وهو خطأ لا شك فيه ، بل هذا ، اختصار الإسناد الذي سلف مرارًا ، وآخره رقم : 15410 ، وكأنه يعنى بقوله : (( عن بعضهم )) : الكلبى ، ولذلك فكره .(143) في المطبوعة والمخطوطة : (( من تكذيب )) ، والذي أثبت أرجح عندي في سياقه .(144) السياق "أنه للذي وصف الله صفته ... مثل: خبر "أن" .(145) في المطبوعة : (( الذي قصصته ) ، وأثبت ما في المخطوطة .(146) في المطبوعة : (( وقصصت نبأئهم )) ، غير ما في المخطوطة ، كالتعليق السالف .(147) السياق : (( فاقصص يا محمد هذا القصص الذي اقتصصته عليك ... ))على قومك من قريش )) .(148) انظر تفسير (( القصص )) فيما سلف ص : 7 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
سَآءَ مَثَلًا ٱلۡقَوۡمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَأَنفُسَهُمۡ كَانُواْ يَظۡلِمُونَ ١٧٧التفسير الميسرقَبُحَ مثلا مثلُ القوم الذين كذَّبوا بحجج الله وأدلته، فجحدوها، وأنفسهم كانوا يظلمونها؛ بسبب تكذيبهم بهذه الحجج والأدلة.
تفسير السعديسَاءَ مَثَلا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ أي: ساء وقبح، مثل من كذب بآيات اللّه، وظلم نفسه بأنواع المعاصي، فإن مثلهم مثل السوء، وهذا الذي آتاه اللّه آياته، يحتمل أن المراد به شخص معين، قد كان منه ما ذكره اللّه، فقص اللّه قصته تنبيها للعباد. ويحتمل أن المراد بذلك أنه اسم جنس، وأنه شامل لكل من آتاه اللّه آياته فانسلخ منها. وفي هذه الآيات الترغيب في العمل بالعلم، وأن ذلك رفعة من اللّه لصاحبه، وعصمة من الشيطان، والترهيب من عدم العمل به، وأنه نزول إلى أسفل سافلين، وتسليط للشيطان عليه، وفيه أن اتباع الهوى، وإخلاد العبد إلى الشهوات، يكون سببا للخذلان.
تفسير ابن كثيروقوله : ( ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون ) يقول تعالى ساء مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ، أي : ساء مثلهم أن شبهوا بالكلاب التي لا همة لها إلا في تحصيل أكلة أو شهوة ، فمن خرج عن حيز العلم والهدى وأقبل على شهوة نفسه ، واتبع هواه ، صار شبيها بالكلب ، وبئس المثل مثله ; ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس لنا مثل السوء ، العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه "وقوله : ( وأنفسهم كانوا يظلمون ) أي : ما ظلمهم الله ، ولكن هم ظلموا أنفسهم ، بإعراضهم عن اتباع الهدى ، وطاعة المولى ، إلى الركون إلى دار البلى ، والإقبال على تحصيل اللذات وموافقة الهوى .
تفسير القرطبيساء مثلا القوم يقال : ساء الشيء قبح ، فهو لازم ، وساء يسوء مساءة ، فهو متعد ، أي قبح مثلهم . وتقديره : ساء مثلا مثل القوم ; فحذف المضاف ، ونصب مثلا على التمييز . قال الأخفش : فجعل المثل القوم مجازا . والقوم مرفوع بالابتداء أو على إضمار مبتدأ . التقدير : ساء المثل مثلا هو مثل القوم . وقدره أبو علي : ساء مثلا مثل القوم . وقرأ عاصم الجحدي والأعمش ( ساء مثل القوم ) رفع مثلا ب " ساء " .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : سَاءَ مَثَلا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ساءَ مثلا القوم الذين كذبوا بحجج الله وأدلته فجحدوها, وأنفسَهم كانوا ينقصُون حظوظَها, ويبخسونها منافعها، بتكذيبهم بها لا غيرَها.* * *وقيل: " ساء مثلا " من السوء، (149) بمعنى: بئس مثلا (150) =[مَثَل القوم] (151) = وأقيم " القوم " مقام " المثل ", وحذف " المثل ", إذ كان الكلام مفهومًا معناه, كما قال جل ثناؤه: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ، [سورة البقرة: 177] فإن معناه: ولكن البرَّ، برُّ من آمن بالله =وقد بينا نظائر ذلك في مواضع غير هذا، بما أغنى عن إعادته. (152)-------------------الهوامش :(149) في المطبوعة : (( من الشر )) ، وفي المخطوطة غير منقوطة ، والصواب ما أثبت .(150) الكلام . انظر تفسير (( ساء )) فيما سلف 8 : 138 ، 358 / 9 : 101 ، 205 / 10 : 465 = والنحاة يعدون (( ساء )) فعلا جامدا يجرى مجرى (( نعم )) و (( بئس )) .(151) ما بين القوسين زيادة لا يتم الكلام إلا بها ، ولكن الناسخ خلط في هذه الجملة خلطاً شديداً ، فحذف من قوله بعد : (( ولكن البر بر من آمن )) ، كلمة (( بر )) ، ففسد الكلام .(152) انظر التعليق السالف رقم : 2 ، ثم 3 : 338 ، 339 / 10 : 313 ، وما سلف من فهارس مباحث العربية والنحو وغيرها ، في باب الحذوف .
مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِيۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٧٨التفسير الميسرمن يوفقه الله للإيمان به وطاعته فهو الموفَّق، ومن يخذله فلم يوفقه فهو الخاسر الهالك، فالهداية والإضلال من الله وحده.
تفسير السعديقال تعالى مبينا أنه المنفرد بالهداية والإضلال: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ بأن يوفقه للخيرات، ويعصمه من المكروهات، ويعلمه ما لم يكن يعلم فَهُوَ الْمُهْتَدِي حقا لأنه آثر هدايته تعالى، وَمَنْ يُضْلِلِ فيخذله ولا يوفقه للخير فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ لأنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين.
تفسير ابن كثيريقول تعالى : من هداه الله فإنه لا مضل له ، ومن أضله فقد خاب وخسر وضل لا محالة ، فإنه تعالى ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ; ولهذا جاء في حديث ابن مسعود : " إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل الله فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " .الحديث بتمامه رواه الإمام أحمد ، وأهل السنن ، وغيرهم
تفسير القرطبيمن يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون تقدم معناه في غير موضع وهذه الآية ترد على القدرية كما سبق ، وترد على من قال إن الله تعالى هدى جميع المكلفين ولا يجوز أن يضل أحدا .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الهداية والإضلال بيد الله، و " المهتدي" =وهو السالك سبيل الحق، الراكبُ قصدَ المحجّة= في دينه، مَن هداه الله لذلك, فوفَّقه لإصابته. والضالُّ من خذله الله فلم يوفقه لطاعته, ومن فعل الله ذلك به فهو " الخاسر ": يعني الهالك.* * *وقد بيّنا معنى " الخسارة " و " الهداية "، و " الضلالة " في غير موضع من كتابنا هذا بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (153)------------------------الهوامش:(153) انظر تفسير هذه الألفاظ في فهارس اللغة ( هدى ) ، ( خسر ) ، ( ضلل ) .