قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ١٨٨التفسير الميسرقل -أيها الرسول-: لا أقدرُ على جَلْبِ خير لنفسي ولا دفع شر يحل بها إلا ما شاء الله، ولو كنت أعلم الغيب لفعلت الأسباب التي أعلم أنها تكثِّر لي المصالح والمنافع، ولاتَّقيتُ ما يكون من الشر قبل أن يقع، ما أنا إلا رسول الله أرسلني إليكم، أخوِّف من عقابه، وأبشر بثوابه قومًا يصدقون بأني رسول الله، ويعملون بشرعه.
تفسير السعديقُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا فإني فقير مدبر، لا يأتيني خير إلا من اللّه، ولا يدفع عني الشر إلا هو، وليس لي من العلم إلا ما علمني اللّه تعالى. وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ أي: لفعلت الأسباب التي أعلم أنها تنتج لي المصالح والمنافع، ولحذرت من كل ما يفضي إلى سوء ومكروه، لعلمي بالأشياء قبل كونها، وعلمي بما تفضي إليه. ولكني - لعدم علمي - قد ينالني ما ينالني من السوء، وقد يفوتني ما يفوتني من مصالح الدنيا ومنافعها، فهذا أدل دليل على أني لا علم لي بالغيب. إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ أنذر العقوبات الدينية والدنيوية والأخروية، وأبين الأعمال المفضية إلى ذلك، وأحذر منها. وَبَشِيرٌ بالثواب العاجل والآجل، ببيان الأعمال الموصلة إليه والترغيب فيها، ولكن ليس كل أحد يقبل هذه البشارة والنذارة، وإنما ينتفع بذلك ويقبله المؤمنون، وهذه الآيات الكريمات، مبينة جهل من يقصد النبي صلى الله عليه وسلم ويدعوه لحصول نفع أو دفع ضر. فإنه ليس بيده شيء من الأمر، ولا ينفع من لم ينفعه اللّه، ولا يدفع الضر عمن لم يدفعه اللّه عنه، ولا له من العلم إلا ما علمه اللّه تعالى، وإنما ينفع من قبل ما أرسل به من البشارة والنذارة، وعمل بذلك، فهذا نفعه صلى الله عليه وسلم، الذي فاق نفع الآباء والأمهات، والأخلاء والإخوان بما حث العباد على كل خير، وحذرهم عن كل شر، وبينه لهم غاية البيان والإيضاح.
تفسير ابن كثيرأمره الله تعالى أن يفوض الأمور إليه ، وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب ، ولا اطلاع له على شيء من ذلك إلا بما أطلعه الله عليه ، كما قال تعالى : ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا . [ إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ] ) [ الجن : 26 ، 27 ]وقوله : ( ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ) قال عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن منصور ، عن مجاهد . ( ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ) قال : لو كنت أعلم متى أموت ، لعملت عملا صالحا .وكذلك روى ابن أبي نجيح عن مجاهد : وقال مثله ابن جريج .وفيه نظر ; لأن عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ديمة . وفي رواية : كان إذا عمل عملا أثبتهفجميع عمله كان على منوال واحد ، كأنه ينظر إلى الله ، عز وجل ، في جميع أحواله ، اللهم إلا أن يكون المراد أن يرشد غيره إلى الاستعداد لذلك ، والله أعلم .والأحسن في هذا ما رواه الضحاك ، عن ابن عباس : ( ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ) أي : من المال . وفي رواية : لعلمت إذا اشتريت شيئا ما أربح فيه ، فلا أبيع شيئا إلا ربحت فيه ، وما مسني السوء ، قال : ولا يصيبني الفقر .وقال ابن جرير : وقال آخرون : معنى ذلك : لو كنت أعلم الغيب لأعددت للسنة المجدبة من المخصبة ، ولعرفت الغلاء من الرخص ، فاستعددت له من الرخص .وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ( وما مسني السوء ) قال : لاجتنبت ما يكون من الشر قبل أن يكون ، واتقيته .ثم أخبر أنه إنما هو نذير وبشير ، أي : نذير من العذاب ، وبشير للمؤمنين بالجنات ، كما قال تعالى : ( فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا ) [ مريم : 97 ]
تفسير القرطبيقوله تعالى قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنونقوله تعالى قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا أي لا أملك أن أجلب إلى نفسي خيرا ولا أدفع عنها شرا ; فكيف أملك علم الساعة . وقيل : لا أملك لنفسي الهدى والضلال .إلا ما شاء الله في موضع نصب بالاستثناء . والمعنى : إلا ما شاء الله أن يملكني ويمكنني منه . وأنشد سيبويه :مهما شاء بالناس يفعلولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير المعنى لو كنت أعلم ما يريد الله عز وجل مني من قبل أن يعرفنيه لفعلته . وقيل : لو كنت أعلم متى يكون لي النصر في الحرب لقاتلت فلم أغلب . وقال ابن عباس : لو كنت أعلم سنة الجدب لهيأت لها في زمن الخصب ما يكفيني . وقيل : المعنى لو كنت أعلم التجارة التي تنفق لاشتريتها وقت كسادها . وقيل : المعنى لو كنت أعلم متى أموت لاستكثرت من العمل الصالح ; عن الحسن وابن جريج . وقيل : المعنى لو كنت أعلم الغيب لأجبت عن كل ما أسأل عنه . وكله مراد ، والله أعلم .وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون هذا استئناف كلام ، أي ليس بي جنون ، لأنهم نسبوه إلى الجنون . وقيل : هو متصل ، والمعنى لو علمت الغيب لما مسني سوء ولحذرت ، ودل على هذا قوله تعالى : إن أنا إلا نذير مبين .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لسائليك عن الساعة: أَيَّانَ مُرْسَاهَا =(لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا)، يقول: لا أقدر على اجتلاب نفع إلى نفسي, ولا دفع ضر يحلّ بها عنها إلا ما شاء الله أن أملكه من ذلك، بأن يقوّيني عليه ويعينني (1) =(ولو كنت أعلم الغيب)، يقول: لو كنت أعلم ما هو كائن مما لم يكن بعد (2) =(لاستكثرت من الخير)، يقول: لأعددت الكثير من الخير. (3)* * *ثم اختلف أهل التأويل في معنى " الخير " الذي عناه الله بقوله: (لاستكثرت من الخير). (4) فقال بعضهم: معنى ذلك: لاستكثرت من العمل الصالح.* ذكر من قال ذلك:15494 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج قال: قال ابن جريج: قوله: (قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا) قال: الهدى والضلالة =(لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير) قال: " أعلم الغيب "، متى أموت = لاستكثرت من العمل الصالح.15495 - حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبى نجيح, عن مجاهد, مثله.15496 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء)، : قال: لاجتنبت ما يكون من الشرّ واتَّقيته.* * *وقال آخرون: معنى ذلك: " ولو كنت أعلم الغيب " لأعددت للسَّنة المجدبة من المخصبة, ولعرفت الغلاء من الرُّخْص, واستعددت له في الرُّخْص.* * *وقوله: (وما مسني السوء)، يقول: وما مسني الضر (5) =(إن أنا إلا نذير وبشير)، يقول: ما أنا إلا رسولٌ لله أرسلني إليكم, أنذر عقابه مَن عصاه منكم وخالف أمره, وأبشّرَ بثوابه وكرامته من آمن به وأطاعه منكم. (6)* * *وقوله: (لقوم يؤمنون)، يقول: يصدقون بأني لله رسول, ويقرون بحقية ما جئتهم به من عنده. (7)-----------------الهوامش :(1) انظر تفسير (( ملك )) فيما سلف 10 : 147 ، 187 ، 317 .(2) انظر تفسير ((الغيب )) فيما سلف 11 : 464 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .(3) انظر تفسير (( استكثر )) فيما سلف 12 : 115 .(4) انظر تفسير (( الخير )) فيما سلف 2 : 505 / 7 : 91 .(5) انظر تفسير (( المس )) فيما سلف 12 : 573 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .(6) انظر تفسير (( نذير )) فيما سلف ص : 290 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك . = وتفسير (( بشير )) فيما سلف 11 : 369 ، تعليق 1 ، والمراجع هناك .(7) في المطبوعة : (( بحقية ما جئتهم به )) ، والصواب من المخطوطة ، وقد غيرها في مئات من المواضع ، انظر ما سلف ص : 113 ، تعليق : 1 والمراجع هناك . و (( الحقيقة )) ، مصدر ، بمعني الصدق والحق ، كما أسلفت .
۞ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَجَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا لِيَسۡكُنَ إِلَيۡهَاۖ فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتۡ حَمۡلًا خَفِيفٗا فَمَرَّتۡ بِهِۦۖ فَلَمَّآ أَثۡقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنۡ ءَاتَيۡتَنَا صَٰلِحٗا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٨٩التفسير الميسرهو الذي خلقكم -أيها الناس- من نفس واحدة، وهي آدم عليه السلام وخَلَق منها زوجها، وهي حواء؛ ليأنس بها ويطمئن، فلما جامعها -والمراد جنس الزوجين من ذرية آدم- حملت ماءً خفيفًا، فقامت به وقعدت وأتمت الحمل، فلما قَرُبت ولادتها وأثقلت دعا الزوجان ربهما: لئن أعطيتنا بشرًا سويًا صالحًا لنكونن ممن يشكرك على ما وهبت لنا من الولد الصالح.
تفسير السعدي: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ أيها الرجال والنساء، المنتشرون في الأرض على كثرتكم وتفرقكم. مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وهو آدم أبو البشر صلى الله عليه وسلم. وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا أي: خلق من آدم زوجته حواء لأجل أن يسكن إليها لأنها إذا كانت منه حصل بينهما من المناسبة والموافقة ما يقتضي سكون أحدهما إلى الآخر، فانقاد كل منهما إلى صاحبه بزمام الشهوة. فَلَمَّا تَغَشَّاهَا أي: تجللها مجامعا لها قدَّر الباري أن يوجد من تلك الشهوة وذلك الجماع النسل، [وحينئذ] حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا، وذلك في ابتداء الحمل، لا تحس به الأنثى، ولا يثقلها. فَلَمَّا استمرت به و أَثْقَلَتْ به حين كبر في بطنها، فحينئذ صار في قلوبهما الشفقة على الولد، وعلى خروجه حيا، صحيحا، سالما لا آفة فيه [كذلك] فدعوا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا ولدا صَالِحًا أي: صالح الخلقة تامها، لا نقص فيه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ .
تفسير ابن كثيرينبه تعالى على أنه خلق جميع الناس من آدم ، عليه السلام ، وأنه خلق منه زوجه حواء ، ثم انتشر الناس منهما ، كما قال تعالى : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) [ الحجرات : 13 ] وقال تعالى : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها [ وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ] ) الآية [ النساء : 1 ] .وقال في هذه الآية الكريمة : ( وجعل منها زوجها ليسكن إليها ) أي : ليألفها ويسكن بها ، كما قال تعالى : ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ) [ الروم : 21 ] فلا ألفة بين زوجين أعظم مما بين الزوجين ; ولهذا ذكر تعالى أن الساحر ربما توصل بكيده إلى التفرقة بين المرء وزوجه .( فلما تغشاها ) أي : وطئها ( حملت حملا خفيفا ) وذلك أول الحمل ، لا تجد المرأة له ألما ، إنما هي النطفة ، ثم العلقة ، ثم المضغة .وقوله : ( فمرت به ) قال مجاهد : استمرت بحمله . وروي عن الحسن ، وإبراهيم النخعي ، والسدي ، نحوه .وقال ميمون بن مهران : عن أبيه استخفته .وقال أيوب : سألت الحسن عن قوله : ( فمرت به ) قال : لو كنت رجلا عربيا لعرفت ما هي . إنما هي : فاستمرت به .وقال قتادة : ( فمرت به ) واستبان حملها .وقال ابن جرير : [ معناه ] استمرت بالماء ، قامت به وقعدت .وقال العوفي ، عن ابن عباس : استمرت به ، فشكت : أحملت أم لا .( فلما أثقلت ) أي : صارت ذات ثقل بحملها .وقال السدي : كبر الولد في بطنها .( دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا ) أي : بشرا سويا ، كما قال الضحاك ، عن ابن عباس : أشفقا أن يكون بهيمة .وكذلك قال أبو البختري وأبو مالك : أشفقا ألا يكون إنسانا .وقال الحسن البصري : لئن آتيتنا غلاما .( لنكونن من الشاكرين .
تفسير القرطبيقوله تعالى هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرينفيه سبع مسائل :الأولى : قوله تعالى هو الذي خلقكم من نفس واحدة قال جمهور المفسرين : المراد بالنفس الواحدة آدم وجعل منها زوجها يعني حواء ليسكن إليها ليأنس بها ويطمئن ، وكان هذا كله في الجنة .فلما تغشاها ثم ابتدأ بحالة أخرى هي في الدنيا بعد هبوطهما فقال : فلما تغشاها كناية عن الوقاع . حملت حملا خفيفا كل ما كان في بطن أو على رأس شجرة فهو حمل بالفتح . وإذا كان على ظهر أو على رأس فهو حمل بالكسر . وقد حكى يعقوب في حمل النخلة الكسر . وقال أبو سعيد السيرافي : يقال في حمل المرأة حمل وحمل ، يشبه مرة لاستبطانه بحمل المرأة ، ومرة لبروزه وظهوره بحمل الدابة . والحمل أيضا مصدر حمل عليه يحمل حملا : إذا صال .فمرت به يعني المني ; أي استمرت بذلك الحمل الخفيف . يقول : تقوم وتقعد وتقلب ، ولا تكترث بحمله إلى أن ثقل ; عن الحسن ومجاهد وغيرهما . وقيل : المعنى فاستمر بها الحمل ، فهو من المقلوب ; كما تقول : أدخلت القلنسوة في رأسي . وقرأ عبد الله بن عمر " فمارت به " بألف والتخفيف ; من مار يمور إذا ذهب وجاء وتصرف . وقرأ ابن عباس ويحيى بن يعمر " فمرت به " خفيفة من المرية ، أي شكت فيما أصابها ; هل هو حمل أو مرض ، أو نحو ذلك .الثانية : قوله تعالى فلما أثقلت صارت ذات ثقل ; كما تقول : أثمر النخل . وقيل : دخلت في الثقل ; كما تقول : أصبح وأمسى .دعوا الله ربهما الضمير في دعوا عائد على آدم وحواء . وعلى هذا القول ما روي في قصص هذه الآية أن حواء لما حملت أول حمل لم تدر ما هو . وهذا يقوي قراءة من قرأ " فمرت به " بالتخفيف . فجزعت بذلك ; فوجد إبليس السبيل إليها . قال الكلبي : إن إبليس أتى حواء في صورة رجل لما أثقلت في أول ما حملت فقال : ما هذا الذي في بطنك ؟ قالت : ما أدري ! قال : إني أخاف أن يكون بهيمة . فقالت ذلك لآدم عليه السلام . فلم يزالا في هم من ذلك . ثم عاد إليها فقال : هو من الله بمنزلة ، فإن دعوت الله فولدت إنسانا أفتسمينه بي ؟ قالت نعم . قال : فإني أدعو الله . فأتاها وقد ولدت فقال : سميه باسمي . فقالت : وما اسمك ؟ قال : الحارث - ولو سمى لها نفسه لعرفته - فسمته عبد الحارث . ونحو هذا مذكور من ضعيف الحديث ، في الترمذي وغيره . وفي الإسرائيليات كثير ليس لها ثبات ; فلا يعول عليها من له قلب ، فإن آدم وحواء عليهما السلام وإن غرهما بالله الغرور فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ، على أنه قد سطر وكتب : قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خدعهما مرتين خدعهما في الجنة وخدعهما في الأرض . وعضد هذا بقراءة السلمي " أتشركون " بالتاء .ومعنى " صالحا " يريد ولدا سويا .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة)، يعني بالنفس الواحدة: آدم، (8) كما: -15497 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي, عن سفيان, عن رجل, عن مجاهد: (خلقكم من نفس واحدة) قال: آدم عليه السلام. (9)15498 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة)، من آدم. (10)* * *ويعني بقوله: (وجعل منها زوجها)، : وجعل من النفس الواحدة, وهو آدم, زوجها حواء، (11) كما: -15499 - حدثني بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة.(وحمل منها زوجها)، : حواء, فجعلت من ضلع من أضلاعه، ليسكن إليها. (12)* * *ويعني بقوله: (ليسكن إليها)، : ليأوي إليها لقضاء حاجته ولذته. (13)* * *ويعني بقوله: (فلما تغشاها)، فلما تدثَّرها لقضاء حاجته منها، فقضى حاجته منها =(حملت حملا خفيفًا)، وفي الكلام محذوف، ترك ذكرُه استغناءً بما ظهر عما حذف, وذلك قوله: (فلما تغشاها حملت)، وإنما الكلام: فلما تغشاها =فقضى حاجته منها= حملت.* * *وقوله: (حملت حملا خفيفًا)، يعني ب " خفة الحمل ": الماء الذي حملته حواء في رَحِمها من آدم، أنه كان حملا خفيفًا, وكذلك هو حملُ المرأة ماءَ الرجل خفيفٌ عليها.* * *وأما قوله: (فمرت به)، فإنه يعني: استمرَّت بالماء: قامت به وقعدت, وأتمت الحمل، كما: -15500 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبو أسامة, عن أبي عمير, عن أيوب قال: سألت الحسن عن قوله: (حملت حملا خفيفًا فمرت به) قال: لو كنت امرءًا عربيًّا لعرفت ما هي؟ إنما هي: فاستمرَّت به. (14)15501 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: (فلما تغشاها حملت حملا خفيفًا فمرت به)، استبان حملها.15502 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (فمرت به) قال: استمرّ حملها.15503 - حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي, قوله: (حملت حملا خفيفًا) قال: هي النطفة = وقوله: (فمرّت به)، يقول: استمرّت به.* * *وقال آخرون: معنى ذلك: فشكَّت فيه.* ذكر من قال ذلك:15504 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, في قوله: (فمرت به) قال: فشكت، أحملت أم لا؟* * *ويعني بقوله: (فلما أثقلت)، فلما صار ما في بطنها من الحمل الذي كان خفيفًا، ثقيلا ودنت ولادتها.* * *يقال منه: " أثقلت فلانة " إذا صارت ذات ثقل بحملها، كما يقال: " أَتْمَرَ فلان ": إذا صار ذا تَمْر. كما: -15505 - حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (فلما أثقلت)، : كبر الولد في بطنها.* * *قال أبو جعفر: (دعوا الله ربهما)، يقول: نادى آدم وحواء ربهما وقالا يا ربنا، " لئن آتيتنا صالحًا لنكونن من الشاكرين ".* * *واختلف أهل التأويل في معنى " الصلاح " الذي أقسم آدم وحواء عليهما السلام أنه إن آتاهما صالحًا في حمل حواء: لنكونن من الشاكرين.فقال بعضهم: ذلك هو أن يكون الحمل غلامًا.* ذكر من قال ذلك:15506 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر قال: قال الحسن, في قوله: (لئن آتيتنا صالحًا) قال: غلامًا.* * *وقال آخرون: بل هو أن يكون المولود بشرًا سويًّا مثلهما, ولا يكون بهيمة.* ذكر من قال ذلك:15507 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي, عن سفيان, عن زيد بن جبير الجُشَمي, عن أبي البختري, في قوله: (لئن آتيتنا صالحًا لنكونن من الشاكرين) قال: أشفقا أن يكون شيئًا دون الإنسان. (15)15508 -... قال: حدثنا يحيى بن يمان, عن سفيان, عن زيد بن جبير, عن أبي البختري قال: أشفقا أن لا يكون إنسانًا.15509 - ... قال: حدثنا محمد بن عبيد, عن إسماعيل, عن أبي صالح قال: لما حملت امرأة آدم فأثقلت, كانا يشفقان أن يكون بهيمة, فدعوا ربهما: (لئن آتيتنا صالحًا)، الآية.15510 - ... قال: حدثنا جابر بن نوح, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس قال: أشفقا أن يكون بهيمة.15511 - حدثني القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني حجاج, عن ابن جريج قال: قال سعيد بن جبير: لما هبط آدم وحواء, ألقيت الشهوة في نفسه فأصابها, فليس إلا أن أصابها حملت, فليس إلا أن حملت تحرك في بطنها ولدها، (16) قالت: ما هذا؟ فجاءها إبليس, فقال [لها: إنك حملت فتلدين! قالت: ما ألد؟ قال]: (17) أترين في الأرض إلا ناقةً أو بقرة أو ضائنة أو ماعزة، أو بعض ذلك! (18) [ ويخرج من أنفك، أو من أذنك، أو من عينك ]. (19) قالت: والله ما مني شيء إلا وهو يضيق عن ذلك! قال: فأطيعيني وسميه " عبد الحارث " = [ وكان اسمه في الملائكة الحارث ] = (20) تلدي شبهكما مثلكما ! قال: فذكرت ذلك لآدم عليه السلام , فقال: هو صاحبنا الذي قد علمت! (21) فمات, ثم حملت بآخر, فجاءها فقال: أطيعيني وسميه عبد الحارث -وكان اسمه في الملائكة الحارث= وإلا ولدت ناقة أو بقرة أو ضائنة أو ماعزة, أو قتلته, فإني أنا قتلت الأول! قال: فذكرت ذلك لآدم, فكأنه لم يكرهه, فسمته " عبد الحارث ", فذلك قوله: (لئن آتيتنا صالحًا)، يقول: شبهنا مثلنا = فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا قال: شبههما مثلهما. (22)15512 - حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (فلما أثقلت)، كبر الولد في بطنها، جاءها إبليس, فخوَّفها وقال لها: ما يدريك ما في بطنك؟ لعله كلب، أو خنزير، أو حمار! وما يدريك من أين يخرج؟ أمن دبرك فيقتلك, أو من قُبُلك, أو ينشق بطنك فيقتلك؟ فذلك حين (دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحًا)، يقول: مثلنا =(لنكونن من الشاكرين).* * *قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن آدم وحواء أنهما دعَوا الله ربهما بحمل حواء, وأقسما لئن أعطاهما ما في بطن حواء، صالحًا ليكونان لله من الشاكرين.و " الصلاح " قد يشمل معاني كثيرة: منها " الصلاح " في استواء الخلق، ومنها " الصلاح " في الدين, و " الصلاح " في العقل والتدبير.وإذ كان ذلك كذلك, ولا خبر عن الرسول يوجب الحجة بأن ذلك على بعض معاني " الصلاح " دون بعض, ولا فيه من العقل دليل، وجب أن يُعَمَّ كما عمَّه الله, فيقال: إنهما قالا( لئن آتيتنا صالحًا ) بجميع معاني " الصلاح ". (23)* * *وأما معنى قوله: (لنكونن من الشاكرين)، فإنه: لنكونن ممن يشكرك على ما وهبت له من الولد صالحًا.---------------------الهوامش :(8) انظر تفسير (( نفس واحدة )) فيما سلف 7 : 513 ، 514 .(9) الأثر : 15497 - مضى برقم : 8402(10) الأثر : 15498 - مضى برقم : 8401 .(11) انظر تفسير (( جعل )) فيما سلف من فهارس اللغة ( جعل ) .(12) الأثر : 15499 - مضى برقم : 8405 .(13) في المطبوعة والمخطوطة : (( لقضاء الحاجة ولذته )) ، والسياق يقتضى ما أثبت .(14) الأثر : 15500 (( أبو عمير )) ، هو ( الحارث بن عمير البصري ) . ثقة متكلم فيه ، مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 2 / 83 . و(( أيوب )) هو السختياني ، (( أيوب بن أبي تميمه ، مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 1 / 409 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 255 .(15) الأثر : 15507 - (( زيد بن جبير الحشمي الطائى )) ، ثقة ، روى له الجماعة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 1 / 356 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 558 . وكان في المطبوعة : (( الحسمي )) ، غير منقوطة كما في المخطوطة ، والصواب ما أثبت .(16) هذا تعبير جيد ، يصور سرعة حدوث ذلك ، ولو شاء أن يقوله قائل ، لقال : (( فليس إلا أن أصابها حتي حملت . . . )) ، فتهوى العبارة من قوة إلى ضعف .(17) الزيادة بين القوسين من الدر المنثور3 : 152 ، وهي زيادة لا بد منها . والمخطوطة مضطربة في الوضع .(18) في المطبوعة والدر المنثور : (( هو بعض ذلك )) .(19) الزيادة بين القوسين من الدر المنثور ، ولا يستقيم الكلام إلا بها .(20) هذه الزيادة أيضا من الدر المنثور .(21) في المطبوعة : (( هو صاحبنا الذي قد أخرجنا من الجنة )) ، وفي المخطوطة : (( الذي قد فمات )) وبين (( قد )) و(( فمات)) حرف ((ط)) وبالهامش و((كذا)) . وأثبت نص العبارة من الدر المنثور .(22) الأثر : 15511 - هذه أخبار باطلة كما أشرنا إليه مرارًا .(23) انظر تفسير (( الصلاح )) فيما سلف من فهارس اللغة ( صلح ) .
فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحٗا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَاۚ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ١٩٠التفسير الميسرفلما رزق الله الزوجين ولدًا صالحًا، جعلا لله شركاء في ذلك الولد الذي انفرد الله بخلقه فعبَّداه لغير الله، فتعالى الله وتنزه عن كل شرك.
تفسير السعديتفسير الآيتين 190 و191: فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا على وفق ما طلبا، وتمت عليهما النعمة فيه جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا أي: جعلا للّه شركاء في ذلك الولد الذي انفرد اللّه بإيجاده والنعمة به، وأقرَّ به أعين والديه، فَعَبَّدَاه لغير اللّه. إما أن يسمياه بعبد غير اللّه ك "عبد الحارث" و "عبد العزيز" و "عبد الكعبة" ونحو ذلك، أو يشركا باللّه في العبادة، بعدما منَّ اللّه عليهما بما منَّ من النعم التي لا يحصيها أحد من العباد. وهذا انتقال من النوع إلى الجنس، فإن أول الكلام في آدم وحواء، ثم انتقل إلى الكلام في الجنس، ولا شك أن هذا موجود في الذرية كثيرا، فلذلك قررهم اللّه على بطلان الشرك، وأنهم في ذلك ظالمون أشد الظلم، سواء كان الشرك في الأقوال، أم في الأفعال، فإن الخالق لهم من نفس واحدة، الذي خلق منها زوجها وجعل لهم من أنفسهم أزواجا، ثم جعل بينهم من المودة والرحمة ما يسكن بعضهم إلى بعض، ويألفه ويلتذ به، ثم هداهم إلى ما به تحصل الشهوة واللذة والأولاد والنسل. ثم أوجد الذرية في بطون الأمهات، وقتا موقوتا، تتشوف إليه نفوسهم، ويدعون اللّه أن يخرجه سويا صحيحا، فأتم اللّه عليهم النعمة وأنالهم مطلوبهم. أفلا يستحق أن يعبدوه، ولا يشركوا به في عبادته أحدا، ويخلصوا له الدين. ولكن الأمر جاء على العكس، فأشركوا باللّه من لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ .
تفسير ابن كثير( فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون ) ذكر المفسرون هاهنا آثارا وأحاديث سأوردها وأبين ما فيها ، ثم نتبع ذلك بيان الصحيح في ذلك ، إن شاء الله وبه الثقة .قال الإمام أحمد في مسنده : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا عمر بن إبراهيم ، حدثنا قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ولما ولدت حواء طاف بها إبليس - وكان لا يعيش لها ولد - فقال : سميه عبد الحارث ; فإنه يعيش ، فسمته عبد الحارث ، فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره " .وهكذا رواه ابن جرير ، عن محمد بن بشار بندار ، عن عبد الصمد بن عبد الوارث ، به .ورواه الترمذي في تفسيره هذه الآية عن محمد بن المثنى ، عن عبد الصمد ، به وقال : هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم ، عن قتادة ، ورواه بعضهم عن عبد الصمد ، ولم يرفعه .ورواه الحاكم في مستدركه ، من حديث عبد الصمد مرفوعا ثم قال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .ورواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيره ، عن أبي زرعة الرازي ، عن هلال بن فياض ، عن عمر بن إبراهيم ، به مرفوعا .وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من حديث شاذ بن فياض ، عن عمر بن إبراهيم ، به مرفوعاقلت : " وشاذ " [ هذا ] هو : هلال ، وشاذ لقبه . والغرض أن هذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه :أحدها : أن عمر بن إبراهيم هذا هو البصري ، وقد وثقه ابن معين ، ولكن قال أبو حاتم الرازي : لا يحتج به . ولكن رواه ابن مردويه من حديث المعتمر ، عن أبيه ، عن الحسن ، عن سمرة مرفوعا فالله أعلم .الثاني : أنه قد روي من قول سمرة نفسه ، ليس مرفوعا ، كما قال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى ، حدثنا المعتمر ، عن أبيه . وحدثنا ابن علية عن سليمان التيمي ، عن أبي العلاء بن الشخير ، عن سمرة بن جندب ، قال : سمى آدم ابنه " عبد الحارث " .الثالث : أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا ، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعا ، لما عدل عنه .قال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا سهل بن يوسف ، عن عمرو ، عن الحسن : ( جعلا له شركاء فيما آتاهما ) قال : كان هذا في بعض أهل الملل ، ولم يكن بآدمحدثنا محمد بن عبد الأعلى ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر قال : قال الحسن : عنى بها ذرية آدم ، ومن أشرك منهم بعده - يعني : [ قوله ] ( جعلا له شركاء فيما آتاهما )وحدثنا بشر حدثنا يزيد ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : كان الحسن يقول : هم اليهود والنصارى ، رزقهم الله أولادا ، فهودوا ونصرواوهذه أسانيد صحيحة عن الحسن ، رحمه الله ، أنه فسر الآية بذلك ، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية ، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما عدل عنه هو ولا غيره ، ولا سيما مع تقواه لله وورعه ، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي ، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب ، من آمن منهم ، مثل : كعب أو وهب بن منبه وغيرهما ، كما سيأتي بيانه إن شاء الله [ تعالى ] إلا أننا برئنا من عهدة المرفوع ، والله أعلم .فأما الآثار فقال محمد بن إسحاق بن يسار ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كانت حواء تلد لآدم ، عليه السلام ، أولادا فيعبدهم لله ويسميه : " عبد الله " و " عبيد الله " ، ونحو ذلك ، فيصيبهم الموت فأتاها إبليس وآدم فقال : إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه به لعاش قال : فولدت له رجلا فسماه " عبد الحارث " ، ففيه أنزل الله ، يقول الله : ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة ) إلى قوله : ( جعلا له شركاء فيما آتاهما ) إلى آخر الآية .وقال العوفي ، عن ابن عباس قوله في آدم : ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة ) إلى قوله : ( فمرت به ) شكت أحبلت أم لا ؟ ( فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين ) فأتاهما الشيطان ، فقال : هل تدريان ما يولد لكما ؟ أم هل تدريان ما يكون ؟ أبهيمة يكون أم لا ؟ وزين لهما الباطل ; إنه غوي مبين ، وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا ، فقال لهما الشيطان : إنكما إن لم تسمياه بي ، لم يخرج سويا ، ومات كما مات الأولان فسميا ولدهما " عبد الحارث " ، فذلك قول الله [ تعالى ] ( فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما ) الآية .وقال عبد الله بن المبارك ، عن شريك ، عن خصيف ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : ( فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما ) قال : قال الله تعالى : ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها ) آدم ( حملت [ حملا خفيفا ] ) فأتاهما إبليس - لعنه الله - فقال : إنى صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعني أو لأجعلن قرني له أيل فيخرج من بطنك فيشقه ، ولأفعلن ولأفعلن - يخوفهما - فسمياه " عبد الحارث " فأبيا أن يطيعاه ، فخرج ميتا ، ثم حملت الثانية ، فأتاهما أيضا فقال : أنا صاحبكما الذي فعلت ما فعلت ، لتفعلن أو لأفعلن - يخوفهما - فأبيا أن يطيعاه ، فخرج ميتا ، ثم حملت الثالثة فأتاهما أيضا ، فذكر لهما ، فأدركهما حب الولد ، فسمياه " عبد الحارث " ، فذلك قوله : ( جعلا له شركاء فيما آتاهما ) رواه ابن أبي حاتم .وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس جماعة من أصحابه ، كمجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة . ومن الطبقة الثانية : قتادة ، والسدي ، وغير واحد من السلف وجماعة من الخلف ، ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة ، وكأنه - والله أعلم - أصله مأخوذ من أهل الكتاب ، فإن ابن عباس رواه عن أبي بن كعب ، كما رواه ابن أبي حاتم :حدثنا أبي ، حدثنا أبو الجماهر حدثنا سعيد - يعني ابن بشير - عن عقبة ، عن قتادة ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، عن أبي بن كعب قال : لما حملت حواء أتاها الشيطان ، فقال لها : أتطيعيني ويسلم لك ولدك ؟ سميه " عبد الحارث " ، فلم تفعل ، فولدت فمات ، ثم حملت فقال لها مثل ذلك ، فلم تفعل . ثم حملت الثالث فجاءها فقال : إن تطيعيني يسلم ، وإلا فإنه يكون بهيمة ، فهيبهما فأطاعا .وهذه الآثار يظهر عليها - والله أعلم - أنها من آثار أهل الكتاب ، وقد صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم " ، ثم أخبارهم على ثلاثة أقسام : فمنها : ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله . ومنها ما علمنا كذبه ، بما دل على خلافه من الكتاب والسنة أيضا . ومنها : ما هو مسكوت عنه ، فهو المأذون في روايته ، بقوله ، عليه السلام : " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " وهو الذي لا يصدق ولا يكذب ، لقوله : " فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم " . وهذا الأثر : [ هل ] هو من القسم الثاني أو الثالث ؟ فيه نظر . فأما من حدث به من صحابي أو تابعي ، فإنه يراه من القسم الثالث ، وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري ، رحمه الله ، في هذا [ والله أعلم ] وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء ، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته ; ولهذا قال الله : ( فتعالى الله عما يشركون ) ثم قال :
تفسير القرطبيفلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما واختلف العلماء في تأويل الشرك المضاف إلى آدم وحواء ، وهي :الثالثة : قال المفسرون : كان شركا في التسمية والصفة ، لا في العبادة والربوبية . وقال أهل المعاني : إنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما بتسميتهما ولدهما عبد الحارث ، لكنهما قصدا إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد فسمياه به كما يسمي الرجل نفسه عبد ضيفه على جهة الخضوع له ، لا على أن الضيف ربه ; كما قال حاتم :وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا وما في إلا تيك من شيمة العبدوقال قوم : إن هذا راجع إلى جنس الآدميين والتبيين عن حال المشركين من ذرية آدم عليه السلام ، وهو الذي يعول عليه . فقوله : جعلا له يعني الذكر والأنثى الكافرين ، ويعني به الجنسين . ودل على هذا فتعالى الله عما يشركون ولم يقل يشركان . وهذا قول حسن . وقيل : المعنى هو الذي خلقكم من نفس واحدة من هيئة واحدة وشكل واحد وجعل منها زوجها أي من جنسها فلما تغشاها يعني الجنسين . وعلى هذا القول لا يكون لآدم وحواء ذكر في الآية ; فإذا آتاهما الولد صالحا سليما سويا كما أراداه صرفاه عن الفطرة إلى الشرك ، فهذا فعل المشركين . قال صلى الله عليه وسلم ما من مولود إلا يولد على الفطرة - في رواية : على هذه الملة - وأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه . قال عكرمة : لم يخص بها آدم ، ولكن جعلها عامة لجميع الخلق بعد آدم . وقال الحسين بن الفضل : وهذا أعجب إلى أهل النظر ; لما في القول الأول من المضاف من العظائم بنبي الله آدم . وقرأ أهل المدينة وعاصم " شركا " على التوحيد . وأبو عمرو وسائر أهل الكوفة بالجمع ، على مثل فعلاء ، جمع شريك . وأنكر الأخفش سعيد القراءة الأولى ، وهي صحيحة على حذف المضاف ، أي جعلا له ذا شرك ; مثل " واسأل القرية " فيرجع المعنى إلى أنهم جعلوا له شركاء .الرابعة : ودلت الآية على أن الحمل مرض من الأمراض . روى ابن القاسم ويحيى عن مالك قال : أول الحمل يسر وسرور ، وآخره مرض من الأمراض . وهذا الذي قاله مالك : " إنه مرض من الأمراض " يعطيه ظاهر قوله : دعوا الله ربهما وهذه الحالة مشاهدة في الحمال ، ولأجل عظم الأمر وشدة الخطب جعل موتها شهادة ; كما ورد في الحديث . وإذا ثبت هذا من ظاهر الآية فحال الحامل حال المريض في أفعاله . ولا خلاف بين علماء الأمصار أن فعل المريض فيما يهب ويحابي في ثلثه . وقال أبو حنيفة والشافعي : وإنما يكون ذلك في الحامل بحال الطلق ، فأما قبل ذلك فلا . واحتجوا بأن الحمل عادة والغالب فيه السلامة . قلنا : كذلك أكثر الأمراض غالبه السلامة ، وقد يموت من لم يمرض . الخامسة : قال مالك : إذا مضت للحامل ستة أشهر من يوم حملت لم يجز لها قضاء في مالها إلا في الثلث . ومن طلق زوجته وهي حامل طلاقا بائنا فلما أتى عليها ستة أشهر فأراد ارتجاعها لم يكن له ذلك ; لأنها مريضة ونكاح المريضة لا يصح . قال يحيى : وسمعت مالكا يقول في الرجل يحضر القتال : إنه إذا زحف في الصف للقتال لم يجز له أن يقضي في ماله شيئا إلا في الثلث ، وإنه بمنزلة الحامل والمريض المخوف عليه ما كان بتلك الحال . ويلتحق بهذا المحبوس للقتل في قصاص . وخالف في هذا أبو حنيفة والشافعي وغيرهما . قال ابن العربي : وإذا استوعبت النظر لم ترتب في أن المحبوس على القتل أشد حالا من المريض ، وإنكار ذلك غفلة في النظر ; فإن سبب الموت موجود عندهما ، كما أن المرض سبب الموت ، قال الله تعالى : ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون . وقال رويشد الطائي :يا أيها الراكب المزجي مطيته سائل بني أسد ما هذه الصوتوقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا قولا يبرئكم إني أنا الموتومما يدل على هذا قوله تعالى : إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر . فكيف يقول الشافعي وأبو حنيفة : الحال الشديدة إنما هي المبارزة ; وقد أخبر الله عز وجل عن مقاومة العدو وتداني الفريقين بهذه الحالة العظمى من بلوغ القلوب الحناجر ، ومن سوء الظنون بالله ، ومن زلزلة القلوب واضطرابها ; هل هذه حالة ترى على المريض أم لا ؟ هذا ما لا يشك فيه منصف ، وهذا لمن ثبت في اعتقاده ، وجاهد في الله حق جهاده ، وشاهد الرسول وآياته ; فكيف بنا ؟السابعة : وقد اختلف علماؤنا في راكب البحر وقت الهول ; هل حكمه حكم الصحيح أو الحامل . فقال ابن القاسم : حكمه حكم الصحيح . وقال ابن وهب وأشهب : حكمه حكم الحامل إذا بلغت ستة أشهر . قال القاضي أبو محمد : وقولهما أقيس ; لأنها حالة خوف على النفس كإثقال الحمل . قال ابن العربي : وابن القاسم لم يركب البحر ، ولا رأى دودا على عود . ومن أراد أن يوقن بالله أنه الفاعل وحده لا فاعل معه ، وأن الأسباب ضعيفة لا تعلق لموقن بها ، ويتحقق التوكل والتفويض فليركب البحر .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما رزقهما الله ولدًا صالحًا كما سألا =جعلا له شركاء فيما آتاهما ورزقهما.* * *ثم اختلف أهل التأويل في " الشركاء " التي جعلاها فيما أوتيا من المولود.فقال بعضهم: جعلا له شركاء في الاسم.* ذكر من قال ذلك:15513 - حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الصمد قال، حدثنا عمر بن إبراهيم, عن قتادة, عن الحسن, عن سمرة بن جندب, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كانت حوّاء لا يعيش لها ولد, فنذرت لئن عاش لها ولد لتسمينه " عبد الحارث ", فعاش لها ولد, فسمته " عبد الحارث ", (24) وإنما كان ذلك عن وحي الشيطان. (25)15514 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا معتمر, عن أبيه قال: حدثنا أبو العلاء, عن سمرة بن جندب: أنه حدث أن آدم عليه السلام سمى ابنه " عبد الحارث ".15515 - .... قال: حدثنا المعتمر, عن أبيه قال: حدثنا ابن علية, عن سليمان التيمي, عن أبي العلاء بن الشخّير, عن سمرة بن جندب قال: سمى آدمُ ابنه: " عبد الحارث ". (26)15515 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن داود بن الحصين, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: كانت حوّاء تلد لآدم, فتعبِّدهم لله, وتسميه " عبيد الله " و " عبد الله " ونحو ذلك, فيصيبهم الموت, فأتاها إبليسُ وآدمَ, فقال: إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه لعاش ! فولدت له رجلا فسماه " عبد الحارث ", ففيه أنزل الله تبارك وتعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ، إلى قوله: (جعلا له شركاء فيما آتاهما)، إلى آخر الآية.15517 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله في آدم: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ، إلى قوله: فَمَرَّتْ بِهِ ، فشكّت: أحبلت أم لا = فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا الآية, فأتاهما الشيطان فقال: هل تدريان ما يولد لكما؟ أم هل تدريان ما يكون؟ أبهيمة يكون أم لا؟ وزيَّن لهما الباطل، إنه غويٌّ مبين. وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا, فقال لهما الشيطان: إنكما إن لم تسمياه بي، لم يخرج سويًّا، ومات كما مات الأولان! فسميا ولدهما " عبد الحارث "; فذلك قوله: (فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء فيما آتاهما)، الآية.15518 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا حجاج, عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: لما ولد له أول ولد, أتاه إبليس فقال: إني سأنصح لك في شأن ولدك هذا، تسميه " عبد الحارث " ! فقال آدم: أعوذ بالله من طاعتك ! =قال ابن عباس: وكان اسمه في السماء " الحارث "= قال آدم: أعوذ بالله من طاعتك، إني أطعتك في أكل الشجرة, فأخرجتني من الجنة, فلن أطيعك. فمات ولده, ثم ولد له بعد ذلك ولد آخر, فقال: أطعني وإلا مات كما مات الأول ! فعصاه, فمات, فقال: لا أزال أقتلهم حتى تسميه " عبد الحارث ". فلم يزل به حتى سماه " عبد الحارث ", فذلك قوله: (جعلا له شركاء فيما آتاهما)، أشركه في طاعته في غير عبادة, ولم يشرك بالله, ولكن أطاعه.15519 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سَلَمَة, عن هارون قال: أخبرنا الزبير بن الخِرِّيت, عن عكرمة قال: ما أشرك آدم ولا حواء, وكان لا يعيش لهما ولد, فأتاهما الشيطان فقال: إن سرَّكما أن يعيش لكما ولد فسمياه " عبد الحارث " ! فهو قوله: (جعلا له شركاء فيما آتاهما). (27)15520 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا قال: كان آدم عليه السلام لا يولد له ولد إلا مات, فجاءه الشيطان, فقال: إن سرَّك أن يعيش ولدك هذا, فسمِّه " عبد الحارث " ! ففعل قال: فأشركا في الاسم، ولم يشركا في العبادة.15521 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: (فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما)، ذكر لنا أنه كان لا يعيش لهما ولد, فأتاهما الشيطان, فقال لهما: سمياه " عبد الحارث " ! وكان من وحي الشيطان وأمره, وكان شركًا في طاعةٍ, ولم يكن شركًا في عبادةٍ.15522 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون) قال: كان لا يعيش لآدم وامرأته ولد. فقال لهما الشيطان: إذا ولد لكما ولد, فسمياه " عبد الحارث " ! ففعلا وأطاعاه, فذلك قول الله: (فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء)، الآية.15523 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا ابن فضيل, عن سالم بن أبي حفصة, عن سعيد بن جبير, قوله: أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا ، .. إلى قوله تعالى: (فتعالى الله عما يشركون) قال: لما حملت حوّاء في أوّل ولد ولدته حين أثقلت, أتاها إبليس قبل أن تلد, فقال: يا حوّاء، ما هذا الذي في بطنك؟ فقالت: ما أدري. فقال: من أين يخرج؟ من أنفك, أو من عينك, أو من أذنك؟ قالت: لا أدري. قال: أرأيت إن خرج سليمًا أمطيعتي أنت فيما آمرك به؟ (28) قالت: نعم. قال: سميه " عبد الحارث " ! =وقد كان يسمى إبليس الحارث= فقالت: نعم. ثم قالت بعد ذلك لآدم: أتاني آت في النوم فقال لي كذا وكذا, فقال: إن ذلك الشيطان فاحذريه, فإنه عدوُّنا الذي أخرجنا من الجنة ! ثم أتاها إبليس, فأعاد عليها, فقالت: نعم. فلما وضعته أخرجه الله سليمًا, فسمته " عبد الحارث " فهو قوله: (جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون).15524 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا جرير وابن فضيل, عن عبد الملك, عن سعيد بن جبير قال: قيل له: أشرك آدم؟ قال: أعوذ بالله أن أزعم أن آدم أشرك، ولكن حواء لما أثقلت, أتاها إبليس فقال لها: من أين يخرج هذا, من أنفك، أو من عينك، أو من فيك؟ فقنَّطها, ثم قال: أرأيت إن خرج سويًّا = زاد ابن فضيل: لم يضرك ولم يقتلك = أتطيعيني؟ قالت: نعم. قال: فسميه " عبد الحارث " ! ففعلت = زاد جرير: فإنما كان شركه في الاسم. (29)15525 - حدثني موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي قال: فولدت غلامًا =يعني حوّاء= فأتاهما إبليس فقال: سموه عبدي وإلا قتلته ! قال له آدم عليه السلام: قد أطعتك وأخرجتني من الجنة! فأبى أن يطيعه, فسماه " عبد الرحمن ", فسلط الله عليه إبليس فقتله. فحملت بآخر; فلما ولدته قال لها: سميه عبدي وإلا قتلته ! قال له آدم: قد أطعتك فأخرجتني من الجنة! فأبى, فسماه " صالحًا " فقتله. فلما أن كان الثالث قال لهما: فإذ غلبتموني فسموه " عبد الحارث " ، (30) وكان اسم إبليس; وإنما سمي " إبليس " حين أبلس =فَعَنَوَا, (31) فذلك حين يقول الله تبارك وتعالى: (جعلا له شركاء فيما آتاهما)، يعني في التسمية.* * *وقال آخرون: بل المعنيّ بذلك رجل وامرأة من أهل الكفر من بني آدم، جعلا لله شركاء من الآلهة والأوثان حين رزقهما ما رزقهما من الولد. وقالوا: معنى الكلام: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا : أي هذا الرجل الكافر,(حملت حملا خفيفًا فلما أثقلت) دعوتما الله ربكما. قالوا: وهذا مما ابتدئ به الكلام على وجه الخطاب, ثم رُدَّ إلى الخبر عن الغائب, كما قيل: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ، [سورة يونس: 22] وقد بينا نظائر ذلك بشواهده فيما مضى قبل. (32)* ذكر من قال ذلك:15526 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا سهل بن يوسف, عن عمرو, عن الحسن: (جعلا له شركاء فيما آتاهما) قال: كان هذا في بعض أهل الملل, ولم يكن بآدم.15527 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر قال. قال الحسن: عني بهذا ذرية آدم, من أشرك منهم بعده =يعني بقوله: (فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء فيما آتاهما).15528 - حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قال: كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى, رزقهم الله أولادًا فهوَّدوا ونصَّروا. (33)* * *قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب، قول من قال: عنى بقوله: (فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء) في الاسم لا في العبادة =وأن المعنيَّ بذلك آدم وحواء، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك.* * *فإن قال قائل: فما أنت قائل =إذ كان الأمر على ما وصفت في تأويل هذه الآية, وأن المعنيّ بها آدم وحواء= في قوله: (فتعالى الله عما يشركون) ؟ أهو استنكاف من الله أن يكون له في الأسماء شريك، أو في العبادة؟ فإن قلت: " في الأسماء " دلّ على فساده قوله: أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ؟ فإن قلت: " في العبادة ", قيل لك: أفكان آدم أشرك في عباد الله غيره؟قيل له: إن القول في تأويل قوله: (فتعالى عما يشركون)، ليس بالذي ظننت, وإنما القول فيه: فتعالى الله عما يشرك به مشركو العرب من عبدة الأوثان. فأما الخبر عن آدم وحواء، فقد انقضى عند قوله: (جعلا له شركاء فيما آتاهما)، ثم استؤنف قوله: (فتعالى الله عما يشركون)، (34) كما:-15529 - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي, قوله: (فتعالى الله عما يشركون)، يقول: هذه فصْلٌ من آية آدم، خاصة في آلهة العرب.* * *واختلفت القرأة في قراءة قوله: (شركاء)،فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة وبعض المكيين والكوفيين: " جَعَلا لَهُ شِرْكًا " بكسر الشين, بمعنى الشَّرِكَة. (35)* * *وقرأه بعض المكيين وعامة قرأة الكوفيين وبعض البصريين: (جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ)، بضم الشين, بمعنى جمع " شريك ".* * *قال أبو جعفر: وهذه القراءة أولى القراءتين بالصواب, لأن القراءة لو صحت بكسر الشين، لوجب أن يكون الكلام: فلما أتاهما صالحًا جعلا لغيره فيه شركًا =لأن آدم وحواء لم يدينا بأن ولدهما من عطية إبليس، ثم يجعلا لله فيه شركًا لتسميتهما إياه ب " عبد الله " , وإنما كانا يدينان لا شك بأن ولدهما من رزق الله وعطيته, ثم سمياه " عبد الحارث ", فجعلا لإبليس فيه شركًا بالاسم.فلو كانت قراءة من قرأ: " شِرْكًا "، صحيحة، وجب ما قلنا، أن يكون الكلام: جعلا لغيره فيه شركًا. وفي نزول وحي الله بقوله: (جعلا له)، ما يوضح عن أن الصحيح من القراءة: (شُرَكَاء)، بضم الشين على ما بينت قبل.* * *فإن قال قائل: فإن آدم وحواء إنما سميا ابنهما " عبد الحارث ", و " الحارث " واحد, وقوله: (شركاء)، جماعة, فكيف وصفهما جل ثناؤه بأنهما " جعلا له شركاء ", وإنما أشركا واحدًا!قيل: قد دللنا فيما مضى على أن العرب تخرج الخبر عن الواحد مخرج الخبر عن الجماعة، إذا لم تقصد واحدًا بعينه ولم تسمِّه, كقوله: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ، [سورة آل عمران: 173] وإنما كان القائل ذلك واحدًا, فأخرج الخبر مخرج الخبر عن الجماعة, إذ لم يقصد قصده, وذلك مستفيض في كلام العرب وأشعارها. (36)* * *وأما قوله: (فتعالى الله عما يشركون)، فتنزيه من الله تبارك وتعالى نفسَه, وتعظيم لها عما يقول فيه المبطلون، ويدَّعون معه من الآلهة والأوثان، (37) كما: -15530 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج: (فتعالى الله عما يشركون) قال: هو الإنكاف, أنكف نفسه جل وعز = يقول: عظَّم نفسه = وأنكفته الملائكة وما سبَّح له.15531 - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن عيينة قال: سمعت صدقة يحدِّث عن السدي قال: هذا من الموصول والمفصول، قوله: (جعلا له شركاء فيما آتاهما)، في شأن آدم وحواء, ثم قال الله تبارك وتعالى: (فتعالى الله عما يشركون) قال: عما يشرك المشركون, ولم يعنهما. (38)--------------------الهوامش :(24) في المطبوعة : (( من وحي الشيطان )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الموافق لما في المراجع .(25) الأثر : 15513 - (( عبد الصمد )) هو (( عبد الصمد بن عبد الوارث )) . مضى مرارًا .و (( عمر بن إبراهيم العبدى )) ، وثقه أحمد وغيره ، ولكنه قال : (( يروى عن قتادة أحاديث مناكير ، يخالف )) . وقال أبو حاتم : (( يكتب حديثه ولا يحتج به )) ، وقال ابن عدى : يروى عن قتادة أشياء لا يوافق عليها ، وحديثه خاصة عن قتادة مضطرب )) . وذكره ابن حبان في الثقاب وقال : (( يخطئ ، ويخالف )) . ثم ذكره في الضعفاء فقال : (( كان ممن ينفرد عن قتادة بما لا يشبه حديثه . فلا يعجبنى الاحتجاج به إذا انفرد . فأما فيما روى الثقات ، فإن اعتبر به معتبر لم أر بذلك بأساً )) ، وقال الدار قطني : ( لين ، يترك )) . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 98 ، وميزان الاعتدال 2 : 248 .وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده 5 : 11 ، بغير هذا اللفظ ، ورواه بهذا اللفظ الحاكم في المستدرك 2 : 545 ، وقال : (( هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه )) ، ووافقه الذهبي . وأخرجه الترمذي في تفسير الآية وقال : (( هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم ، عن قتادة . وقد رواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه )) .وخرجه ابن كثير في تفسيره 3 : 611 ، 612 ، وأعله من ثلاثة وجوه :الأول : أن عمر بن إبراهيم لا يحتج به =الثاني : أنه قد روى من قول سمرة نفسه غير مرفوع= الثالث : أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا ، وذكر بعض أخبار أبي جعفر بأسانيدها رقم 15526 - 15528 ، ثم قال : (( وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن رضي الله عنه أنه فسر الآية بذلك ، وهو من أحسن التفاسير ، وأولى ما حملت عليه الآية . ولو كان هذا الحديث عنده محفوظا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عدل عنه هو ولا غيره ، ولاسيما مع تقواه وورعه . فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي ، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب من آمن منهم ، مثل كعب أو وهب بن منيه وغيرهما ، كما سيأتي بيانه إن شاء الله ، إلا أننا برئنا من عهدة المرفوع ، والله أعلم )) .قلت : وسترى أن أبا جعفر قد رجح أن المعني بذلك آدم وحواء ، قال : (( لإجماع الحجة من أهل التأويل علي ذلك )) . وإجماع أهل التأويل في مثل هذا ، مما لا يقوم الأول : لأن الآية مشكلة ، ففيها نسبة الشرك إلى آدم الذي اصطفاه ربه ، بنص كتاب الله ، وقد أراد أبو جعفر أن يخرج من ذلك ، فزعم ( ص : 315 ) أن القول عن آدم وحواء انقضى عند قوله : (( جعلا له شركاء فيما آتاهما ، ثم استأنف قوله : (( فتعالى الله عما يشركون )) ، يعنى عما يشرك به مشركو العرب من عبدة الأوثان .وهذا مخرج ضعيف جداً .الثاني أن مثل هذا المشكل في أمر آدم وحواء ، ونسبة الشرك إليهما ، مما لا يقضى به ، إلا بحجة يجب التسليم لها من نص كتاب ، أو خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولا خبر بذلك ، إلا هذا الخبر الضعيف الذي بينا ضعفه ، وأنه من رواية عمر بن إبراهيم ، عن قتادة . وروايته عن قتادة مضطربة ، خالف فيها ما روى عن الحسن ، أنه عنى بالآية بعض أهل الملل والمشركون.هذا ، وقد رد هذا القول ، جماعة من المفسرين ، كابن كثير في تفسيره ، والفخر الرازي ( 3 : 243 - 345 ) ، وحاول الزمخشرى في تفسيره أن يرده فلم يحسن ، وتعقبه أحمد بن محمد بن المنير في الإنصاف . وغير هؤلاء كثير .ولكن بعد هذا كله ، نجد إن تفسير ألفاظ الآية ، ومطابقته للمعنى الصحيح الذي ذهب العلماء إليه في نفي الشرك عن أبينا آدم عليه السلام ، وفي أن الآية لا تعنى أبانا آدم وأمنا حواء = بقى مبهماً ، لم يتناوله أحد ببيان صحيح . وكنت أحب أن يتيسر لى بيانه في هذا الموضع ، ولكنى وجدت الأمر أعسر من أن أتكلم فيه في مثل هذا التعليق .(26) الأثر : 15514 ، 15515 - (( أبو العلاء بن الشخير )) ، منسوب إلى جده ، وهو : (( يزيد بن عبد الله بن الشخير العامرى )) ، تابعى عابد ثقة ، كان يقرأ في المصحف حتى يغشى عليه ، فكان أخوه مطرف يقول له : (( أغن عنا مصحفك سائر اليوم )) . مترجم في التهذيب ، وابن سعد 7/1/113 ، والكبير 4/2/345 ، وابن أبي حاتم 4/2/274 .(27) الأثر : 15519 - كان الإسناد في المطبوعة: "حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن هارون، لا أدري من أين جاء بقوله "سلمة" !! فإن المخطوطة فيها بياض في هذا الموضع هكذا: "حدثنا ابن حميد قال: حدثنا ...... ، عن هارون، فوضعت مكان البياض نقطا، وفيها بعد "عكرمة" وقبل "قال" خط معقوف، وفي الهامش أمام البياض وعند هذه العلامة حرف (ط) ثم إلى جوارها حرف (ا) عليه ثلاث نقط، كل ذلك دال على الشك والخطأ.و "هارون" هو النحوي الأعور "هارون بن موسى الأزدي" صاحب القراءات ثقة مضى برقم 4985 ، 11693 .و "الزبير بن الخريت" ثقة، مضى أيضا برقم 4985، 11693.وإسناد أبي جعفر في الموضعين في رواية "الزبير بن الخريت" عن عكرمة هو "حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال حدثنا هارون النحوي، قال حدثني الزبير بن الخريت، عن عكرمة" فأخشى أن يكون سقط من التفسير هنا إسناد ابن حميد وخبره ثم صدر إسناد بعده، هو إسناد أبي جعفر السالف: "حدثنا المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم، عن هارون . . . " إلى آخر الإسناد ، والله أعلم" .(28) في المطبوعة : (( أتطيعينى أنت )) ، والصواب الجيد من المخطوطة .(29) في المطبوعة : (( شركة )) بالتاء في آخره ، والصواب ما أثبت .(30) في المطبوعة : (( فإذا غلبتم فسموه )) ، وأثبت ما في المخطوطة .(31) في المطبوعة : (( ففعلوا )) ، وهو خطأ لا شك فيها ، لو كان لقال : (( ففعلا )) ، ورسم المخطوطة غير منقوطة هو ما أثبت ، وصواب قراءته ما قرأت . = يقال : (( عنا له يعنو )) : إذا خضع له وأطاعه .(32) انظر ما سلف 1 : 154 / 3 : 304 ، 305 / 6 : 238 ، 464 / 8 : 447 / 11 : 264 .(33) الآثار: 15526-15528-انظر التعليق على الأثر السالف رقم 10013.(34) انظر التعليق عن الأثر رقم 155130 .(35) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 400 .(36) انظر ما سلف 1 : 292 ، 293 / 2 : 485 - 487 ، 500 /4 : 191 / 6 : 364 / 7 : 404 - 413 / 12 : 213 .(37) انظر تفسير (( تعالى )) فيما سلف 12 : 10 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .(38) عند هذا الموضع ، انتهي الجزء العاشر من مخطوطتنا ، وفي آخرها ما نصه : (( نجز الجز العاشر من كتاب البيان ، بحمد الله وعونه ، وحسن توفيقه ويمنه . وصلى الله على محمد . يتلوه في الحادي عشر إن شاء الله تعالى القول في تأويل قوله : أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وكان الفراغ من نسخه في شهر جمادى الأولى سنة خمس عشرة وسبعمئة . غفر الله لكاتبه ومؤلفه ، ولمن كتب لأجله ولجميع المسلمين . الحمد لله رب العالمين )) ثم يتلوه في أول الجزء الحادي عشر من المخطوطة "بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن".
أَيُشۡرِكُونَ مَا لَا يَخۡلُقُ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ ١٩١التفسير الميسرأيشرك هؤلاء المشركون في عبادة الله مخلوقاته، وهي لا تقدر على خَلْق شيء، بل هي مخلوقة؟
تفسير السعديتفسير الآيتين 190 و191: فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا على وفق ما طلبا، وتمت عليهما النعمة فيه جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا أي: جعلا للّه شركاء في ذلك الولد الذي انفرد اللّه بإيجاده والنعمة به، وأقرَّ به أعين والديه، فَعَبَّدَاه لغير اللّه. إما أن يسمياه بعبد غير اللّه ك "عبد الحارث" و "عبد العزيز" و "عبد الكعبة" ونحو ذلك، أو يشركا باللّه في العبادة، بعدما منَّ اللّه عليهما بما منَّ من النعم التي لا يحصيها أحد من العباد. وهذا انتقال من النوع إلى الجنس، فإن أول الكلام في آدم وحواء، ثم انتقل إلى الكلام في الجنس، ولا شك أن هذا موجود في الذرية كثيرا، فلذلك قررهم اللّه على بطلان الشرك، وأنهم في ذلك ظالمون أشد الظلم، سواء كان الشرك في الأقوال، أم في الأفعال، فإن الخالق لهم من نفس واحدة، الذي خلق منها زوجها وجعل لهم من أنفسهم أزواجا، ثم جعل بينهم من المودة والرحمة ما يسكن بعضهم إلى بعض، ويألفه ويلتذ به، ثم هداهم إلى ما به تحصل الشهوة واللذة والأولاد والنسل. ثم أوجد الذرية في بطون الأمهات، وقتا موقوتا، تتشوف إليه نفوسهم، ويدعون اللّه أن يخرجه سويا صحيحا، فأتم اللّه عليهم النعمة وأنالهم مطلوبهم. أفلا يستحق أن يعبدوه، ولا يشركوا به في عبادته أحدا، ويخلصوا له الدين. ولكن الأمر جاء على العكس، فأشركوا باللّه من لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ .
تفسير ابن كثيرهذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره ، من الأنداد والأصنام والأوثان ، وهي مخلوقة لله مربوبة مصنوعة ، لا تملك شيئا من الأمر ، ولا تضر ولا تنفع ، [ ولا تنصر ] ولا تنتصر لعابديها ، بل هي جماد لا تتحرك ولا تسمع ولا تبصر ، وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم ; ولهذا قال : ( أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ) أي : أتشركون به من المعبودات ما لا يخلق شيئا ولا يستطيع ذلك ، كما قال تعالى : ( يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز ) [ الحج : 73 ، 74 ] أخبر تعالى أنه لو اجتمعت آلهتهم كلها ، ما استطاعوا خلق ذبابة ، بل لو استلبتهم الذبابة شيئا من حقير المطاعم وطارت ، لما استطاعوا إنقاذ ذلك منها ، فمن هذه صفته وحاله ، كيف يعبد ليرزق ويستنصر ؟ ولهذا قال تعالى : ( لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ) أي : بل هم مخلوقون مصنوعون كما قال الخليل : ( قال أتعبدون ما تنحتون [ والله خلقكم وما تعملون ] ) [ الصافات : 95 ، 96 ]
تفسير القرطبيقوله تعالى أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقونقوله تعالى أيشركون ما لا يخلق شيئا أي أيعبدون ما لا يقدر على خلق شيء .وهم يخلقون أي الأصنام مخلوقة . وقال : يخلقون بالواو والنون لأنهم اعتقدوا أن الأصنام تضر وتنفع ، فأجريت مجرى الناس ; كقوله : في فلك يسبحون ياأيها النمل ادخلوا مساكنكم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أيشركون في عبادة الله, فيعبدون معه = " ما لا يخلق شيئًا " ، والله يخلقها وينشئها؟ وإنما العبادة الخالصة للخالق لا للمخلوق.* * *وكان ابن زيد يقول في ذلك بما: -15532 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد قال: ولد لآدم وحواء ولد, فسمياه " عبد الله ", فأتاهما إبليس فقال: ما سميتما يا آدم ويا حواء ابنكما؟ قال: وكان وُلد لهما قبل ذلك ولد, فسمياه " عبد الله ", فمات. فقالا سميناه " عبد الله ". فقال إبليس: أتظنان أن الله تارك عبده عندكما؟ لا والله، ليذهبن به كما ذهبَ بالآخر! ولكن أدلكما على اسم يبقى لكما ما بقيتما، فسمياه " عبد شمس " ! قال: فذلك قول الله تبارك وتعالى: (أيشركون ما لا يخلق شيئًا وهم يخلقون)، آلشمس تخلق شيئًا حتى يكون لها عبد؟ إنما هي مخلوقة! وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خدعهما مرتين، خدعهما في الجنة, وخدعهما في الأرض. (39)* * *وقيل: (وهم يخلقون)، , فأخرج مكنيَّهم مخرج مكنيّ بني آدم, (40) (أيشركون ما)، فأخرج ذكرهم ب " ما " لا ب " من " مخرج الخبر عن غير بني آدم, لأن الذي كانوا يعبدونه إنما كان حجرًا أو خشبًا أو نحاسًا, أو بعض الأشياء التي يخبر عنها ب " ما " لا ب " من ", فقيل لذلك: " ما "، ثم قيل: " وهم ", فأخرجت كنايتهم مُخْرَج كناية بني آدم, لأن الخبر عنها بتعظيم المشركين إياها، نظير الخبر عن تعظيم الناس بعضهم بعضًا.---------------------الهوامش :(39) الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أجده . وفي الدر المنثور 3 : 152 (( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خدعهما مرتين . قال زيد : خدعهما في الجنة ، وخدعهما في الأرض )) .(40) (( المكنى )) الضمير .
وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ لَهُمۡ نَصۡرٗا وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ ١٩٢التفسير الميسرولا تستطيع أن تنصر عابديها أو تدفع عن نفسها سوءًا، فإذا كانت لا تخلق شيئًا، بل هي مخلوقة، ولا تستطيع أن تدفع المكروه عمن يعبدها، ولا عن نفسها، فكيف تُتَّخذ مع الله آلهة؟ إنْ هذا إلا أظلم الظلم وأسفه السَّفَه.
تفسير السعديوَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ أي: لعابديها نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ . فإذا كانت لا تخلق شيئا، ولا مثقال ذرة، بل هي مخلوقة، ولا تستطيع أن تدفع المكروه عن من يعبدها، بل ولا عن أنفسها، فكيف تتخذ مع اللّه آلهة؟ إن هذا إلا أظلم الظلم، وأسفه السفه.
تفسير ابن كثيرثم قال تعالى : ( ولا يستطيعون لهم نصرا ) أي : لعابديهم ( ولا أنفسهم ينصرون ) يعني : ولا لأنفسهم ينصرون ممن أرادهم بسوء ، كما كان الخليل ، عليه الصلاة والسلام ، يكسر أصنام قومه ويهينها غاية الإهانة ، كما أخبر تعالى عنه في قوله : ( فراغ عليهم ضربا باليمين ) [ الصافات : 93 ] وقال تعالى : ( فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون ) [ الأنبياء : 58 ] وكما كان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن جبل ، رضي الله عنهما - وكانا شابين قد أسلما لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة - فكانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتلفانها ويتخذانها حطبا للأرامل ، ليعتبر قومهما بذلك ، ويرتئوا لأنفسهم ، فكان لعمرو بن الجموح - وكان سيدا في قومه - كان له صنم يعبده ويطيبه ، فكانا يجيئان في الليل فينكسانه على رأسه ، ويلطخانه بالعذرة ، فيجيء عمرو بن الجموح فيرى ما صنع به فيغسله ويطيبه ويضع عنده سيفا ، ويقول له : " انتصر " . [ ثم ] يعودان لمثل ذلك ، ويعود إلى صنيعه أيضا ، حتى أخذاه مرة فقرنا معه جرو كلب ميت ، ودلياه في حبل في بئر هناك ، فلما جاء عمرو بن الجموح ورأى ذلك ، نظر فعلم أن ما كان عليه من الدين باطل ، وقال :تالله لو كنت إلها مستدن لم تك والكلب جميعا في قرنثم أسلم فحسن إسلامه ، وقتل يوم أحد شهيدا ، رضي الله عنه وأرضاه ، وجعل جنة الفردوس مأواه .
تفسير القرطبيولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون أي إن الأصنام ، لا تنصر ولا تنتصر .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أيشرك هؤلاء المشركون في عبادة الله ما لا يخلق شيئًا من خلق الله, ولا يستطيع أن ينصرهم إن أراد الله بهم سوءًا، أو أحلّ بهم عقوبة, ولا هو قادر إن أراد به سوءًا نصر نفسه ولا دفع ضر عنها؟ وإنما العابد يعبد ما يعبده لاجتلاب نفع منه أو لدفع ضر منه عن نفسه، وآلهتهم التي يعبدونها ويشركونها في عبادة الله لا تنفعهم ولا تضرهم, بل لا تجتلب إلى نفسها نفعًا ولا تدفع عنها ضرًّا, فهي من نفع غير أنفسها أو دفع الضر عنها أبعدُ؟ يعجِّب تبارك وتعالى خلقه من عظيم خطأ هؤلاء الذين يشركون في عبادتهم اللهَ غيرَه.* * *
وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمۡۚ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡ أَدَعَوۡتُمُوهُمۡ أَمۡ أَنتُمۡ صَٰمِتُونَ ١٩٣التفسير الميسروإن تدعوا -أيها المشركون- هذه الأصنام التي عبدتموها من دون الله إلى الهدى، لا تسمع دعاءكم ولا تتبعكم؛ يستوي دعاؤكم لها وسكوتكم عنها؛ لأنها لا تسمع ولا تبصر ولا تَهدِي ولا تُهدى.
تفسير السعديوإن تدعوا، أيها المشركون هذه الأصنام، التي عبدتم من دون اللّه إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ . فصار الإنسان أحسن حالة منها، لأنها لا تسمع، ولا تبصر، ولا تهدِي ولا تُهدى، وكل هذا إذا تصوره اللبيب العاقل تصورا مجردا، جزم ببطلان إلهيتها، وسفاهة من عبدها.
تفسير ابن كثيروقوله : ( وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم [ سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون ] ) يعني : أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها ، وسواء لديها من دعاها ومن دحاها ، كما قال إبراهيم : ( يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ) [ مريم : 42 ] ؟
تفسير القرطبيقوله تعالى وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون قوله تعالى وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم قال الأخفش : أي وإن تدعوا الأصنام إلى الهدى لا يتبعوكم .سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون قال أحمد بن يحيى : لأنه رأس آية . يريد أنه قال : أم أنتم صامتون ولم يقل أم صمتم . وصامتون وصمتم عند سيبويه واحد . وقيل : المراد من سبق في علم الله أنه لا يؤمن . وقرئ " لا يتبعوكم " مشددا ومخففا ، لغتان بمعنى . وقال بعض أهل اللغة : " أتبعه " - مخففا - إذا مضى خلفه ولم يدركه . و " اتبعه " - مشددا - إذا مضى خلفه فأدركه .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (193)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره في وصفه وعيبه ما يشرك هؤلاء المشركون في عبادتهم ربَّهم إياه: ومن صفته أنكم، أيها الناس، إن تدعوهم إلى الطريق المستقيم, والأمر الصحيح السديد لا يتبعوكم، لأنها ليست تعقل شيئًا, فتترك من الطرق ما كان عن القصد منعدلا جائرًا, وتركب ما كان مستقيمًا سديدًا.* * *وإنما أراد الله جل ثناؤه بوصف آلهتهم بذلك من صفتها، تنبيهَهم على عظيم خطئهم, وقبح اختيارهم. يقول جل ثناؤه: فكيف يهديكم إلى الرشاد مَنْ إن دُعي إلى الرشاد وعُرِّفه لم يعرفه, ولم يفهم رشادًا من ضلال, وكان سواءً دعاءُ داعيه إلى الرشاد وسكوته, لأنه لا يفهم دعاءه, ولا يسمع صوته, ولا يعقل ما يقال له. يقول: فكيف يُعبد من كانت هذه صفته، أم كيف يُشْكِل عظيمُ جهل من اتخذ ما هذه صفته إلهًا؟ وإنما الرب المعبود هو النافع من يعبده, الضارّ من يعصيه, الناصرُ وليَّه, الخاذل عدوه, الهادي إلى الرشاد من أطاعه, السامع دعاء من دعاه.* * *وقيل: (سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون)، فعطف بقوله: " صامتون ", وهو اسم على قوله: " أدعوتموهم ", وهو فعل ماض, ولم يقل: أم صمتم, (41) كما قال الشاعر: (42) سَوَاءٌ عَلَيْكَ النَّفْرُ أَمْ بِتَّ لَيْلَةًبِأَهْلِ الْقِبَابِ مِنْ نُمَيْرِ بنِ عَامِرِ (43)وقد ينشد: " أم أنْتَ بَائِتٌ".--------------------الهوامش :(41) انظر سيبويه 1 : 435 ، 456 .(42) لم أعرف قائله .(43) معاني القرآن للفراء 1 : 401 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة (( عليك الفقر )) ، وهو خطأ محض ، صوابه من المعاني . و (( النفر )) بمعنى : النفر من منى في أيام الحج ، وهو الثاني من أيام التشريق .
إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمۡثَالُكُمۡۖ فَٱدۡعُوهُمۡ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٩٤التفسير الميسرإن الذين تعبدون من غير الله -أيها المشركون- هم مملوكون لربهم كما أنكم مملوكون لربكم، فإن كنتم كما تزعمون صادقين في أنها تستحق من العبادة شيئًا فادعوهم فليستجيبوا لكم، فإن استجابوا لكم وحصَّلوا مطلوبكم، وإلا تبين أنكم كاذبون مفترون على الله أعظم الفرية.
تفسير السعديتفسير الآيتين 194 و195 : وهذا من نوع التحدي للمشركين العابدين للأوثان، يقول تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ أي: لا فرق بينكم وبينهم، فكلكم عبيد للّه مملوكون، فإن كنتم كما تزعمون صادقين في أنها تستحق من العبادة شيئا فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فإن استجابوا لكم وحصلوا مطلوبكم، وإلا تبين أنكم كاذبون في هذه الدعوى، مفترون على اللّه أعظم الفرية، وهذا لا يحتاج إلى التبيين فيه، فإنكم إذا نظرتم إليها وجدتم صورتها دالة على أنه ليس لديها من النفع شيء،فليس لها أرجل تمشي بها، ولا أيد تبطش بها، ولا أعين تبصر بها، ولا آذان تسمع بها، فهي عادمة لجميع الآلات والقوى الموجودة في الإنسان. فإذا كانت لا تجيبكم إذا دعوتموها، وهي عباد أمثالكم، بل أنتم أكمل منها وأقوى على كثير من الأشياء، فلأي شيء عبدتموها. قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ أي: اجتمعوا أنتم وشركاؤكم على إيقاع السوء والمكروه بي، من غير إمهال ولا إنظار فإنكم غير بالغين لشيء من المكروه بي.
تفسير ابن كثيرثم ذكر تعالى أنها عبيد مثل عابديها ، أي : مخلوقات مثلهم ، بل الأناسي أكمل منها ، لأنها تسمع وتبصر وتبطش ، وتلك لا تفعل شيئا من ذلك .
تفسير القرطبيقوله تعالى إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقينقوله تعالى إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم حاجهم في عبادة الأصنام . تدعون : تعبدون . وقيل : تدعونها آلهة . " من دون الله " أي من غير الله . وسميت الأوثان عبادا لأنها مملوكة لله مسخرة . الحسن : المعنى أن الأصنام مخلوقة أمثالكم ." فادعوهم " ولما اعتقد المشركون أن الأصنام تضر وتنفع أجراها مجرى الناس فقال : " فادعوهم " ولم يقل فادعوهن . وقال : " عباد " ، وقال : " إن الذين " ولم يقل إن التي . ومعنى " فادعوهم " أي فاطلبوا منهم النفع والضر .فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين أن عبادة الأصنام تنفع . وقال ابن عباس : معنى فادعوهم فاعبدوهم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194)قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لهؤلاء المشركين من عبدة الأوثان، موبِّخهم على عبادتهم ما لا يضرهم ولا ينفعهم من الأصنام: (إن الذين تدعون) أيها المشركون، آلهةً =(من دون الله), وتعبدونها، شركًا منكم وكفرًا بالله =(عباد أمثالكم)، يقول: هم أملاك لربكم, كما أنتم له مماليك. فإن كنتم صادقين أنها تضر وتنفع، وأنها تستوجب منكم العبادة لنفعها إياكم, فليستجيبوا لدعائكم إذا دعوتموهم, (44) فإن لم يستجيبوا لكم، لأنها لا تسمع دعاءكم, فأيقنوا بأنها لا تنفع ولا تضر; لأن الضر والنفع إنما يكونان ممن إذا سُئل سمع مسألة سائله وأعطى وأفضل، ومن إذا شكي إليه من شيء سمع، فضرّ من استحق العقوبة، ونفع من لا يستوجب الضرّ.----------------الهوامش :(44) انظر تفسير (( الاستجابة )) فيما سلف 3 : 483 ، 484 / 7 : 486 - 488 / 11 : 341 .
أَلَهُمۡ أَرۡجُلٞ يَمۡشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَيۡدٖ يَبۡطِشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَعۡيُنٞ يُبۡصِرُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۗ قُلِ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ ١٩٥التفسير الميسرألهذه الآلهة والأصنام أرجل يسعَوْن بها معكم في حوائجكم؟ أم لهم أيدٍ يدفعون بها عنكم وينصرونكم على من يريد بكم شرًا ومكروهًا؟ أم لهم أعين ينظرون بها فيعرِّفونكم ما عاينوا وأبصروا مما يغيب عنكم فلا ترونه؟ أم لهم آذان يسمعون بها فيخبرونكم بما لم تسمعوه؟ فإذا كانت آلهتكم التي تعبدونها ليس فيها شيء من هذه الآلات، فما وجه عبادتكم إياها، وهي خالية من هذه الأشياء التي بها يتوصل إلى جلب النفع أو دفع الضر؟ قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين من عبدة الأوثان: ادعوا آلهتكم الذين جعلتموهم لله شركاء في العبادة، ثم اجتمعوا على إيقاع السوء والمكروه بي، فلا تؤخروني وعجِّلوا بذلك، فإني لا أبالي بآلهتكم؛ لاعتمادي على حفظ الله وحده.
تفسير السعديتفسير الآيتين 194 و195 : وهذا من نوع التحدي للمشركين العابدين للأوثان، يقول تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ أي: لا فرق بينكم وبينهم، فكلكم عبيد للّه مملوكون، فإن كنتم كما تزعمون صادقين في أنها تستحق من العبادة شيئا فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فإن استجابوا لكم وحصلوا مطلوبكم، وإلا تبين أنكم كاذبون في هذه الدعوى، مفترون على اللّه أعظم الفرية، وهذا لا يحتاج إلى التبيين فيه، فإنكم إذا نظرتم إليها وجدتم صورتها دالة على أنه ليس لديها من النفع شيء،فليس لها أرجل تمشي بها، ولا أيد تبطش بها، ولا أعين تبصر بها، ولا آذان تسمع بها، فهي عادمة لجميع الآلات والقوى الموجودة في الإنسان. فإذا كانت لا تجيبكم إذا دعوتموها، وهي عباد أمثالكم، بل أنتم أكمل منها وأقوى على كثير من الأشياء، فلأي شيء عبدتموها. قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ أي: اجتمعوا أنتم وشركاؤكم على إيقاع السوء والمكروه بي، من غير إمهال ولا إنظار فإنكم غير بالغين لشيء من المكروه بي.
تفسير ابن كثيرثم ذكر تعالى أنها عبيد مثل عابديها ، أي : مخلوقات مثلهم ، بل الأناسي أكمل منها ، لأنها تسمع وتبصر وتبطش ، وتلك لا تفعل شيئا من ذلك .وقوله : ( قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون ) أي : استنصروا بها علي ، فلا تؤخروني طرفة عين ، واجهدوا جهدكم !
تفسير القرطبيثم وبخهم الله تعالى وسفه عقولهم فقال : ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها الآية . أي أنتم أفضل منهم فكيف تعبدونهم . والغرض بيان جهلهم ; لأن المعبود يتصف بالجوارح . وقرأ سعيد بن جبير : " إن الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم " بتخفيف " إن " وكسرها لالتقاء الساكنين ، ونصب " عبادا " بالتنوين ، " أمثالكم " بالنصب . والمعنى : ما الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم ، أي هي حجارة وخشب ; فأنتم تعبدون ما أنتم أشرف منه . قال النحاس : وهذه قراءة لا ينبغي أن يقرأ بها من ثلاث جهات : إحداها : أنها مخالفة للسواد . والثانية : أن سيبويه يختار الرفع في خبر " إن " إذا كانت بمعنى ما ، فيقول : إن زيد منطلق ; لأن عمل " ما " ضعيف ، و " إن " بمعناها فهي أضعف منها . والثالثة : أن الكسائي زعم أن " إن " لا تكاد تأتي في كلام العرب بمعنى " ما " إلا أن يكون بعدها إيجاب ; كما قال عز وجل : إن الكافرون إلا في غرور فليستجيبوا لكم الأصل أن تكون اللام مكسورة ، فحذفت الكسرة لثقلها . ثم قيل : في الكلام حذف ، المعنى : فادعوهم إلى أن يتبعوكم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين أنهم آلهة . وقرأ أبو جعفر وشيبة " أم لهم أيد يبطشون بها " بضم الطاء ، وهي لغة . واليد والرجل والأذن مؤنثات يصغرن بالهاء . وتزاد في اليد ياء في التصغير ، ترد إلى أصلها فيقال : يدية بالتشديد لاجتماع الياءين .قوله تعالى قل ادعوا شركاءكم أي الأصنامثم كيدون أنتم وهي فلا تنظرون أي فلا تؤخرون . والأصل " كيدوني " حذفت الياء لأن الكسرة تدل عليها . وكذا فلا تنظرون . والكيد المكر . والكيد الحرب ; يقال : غزا فلم يلق كيدا .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (195)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين عبدوا الأصنام من دونه، معرِّفَهم جهل ما هم عليه مقيمون: ألأصنامكم هذه ، أيها القوم =(أرجل يمشون بها)، فيسعون معكم ولكم في حوائجكم، ويتصرفون بها في منافعكم =(أم لهم أيد يبطشون بها)، فيدفعون عنكم وينصرونكم بها عند قصد من يقصدكم بشرّ ومكروهٍ =(أم لهم أعين يبصرون بها)، فيعرفونكم ما عاينوا وأبصروا مما تغيبون عنه فلا ترونه =(أم لهم آذان يسمعون بها)، فيخبروكم بما سمعوا دونكم مما لم تسمعوه؟يقول جل ثناؤه: فإن كانت آلهتكم التي تعبدونها ليس فيها شيء من هذه الآلات التي ذكرتُها, والمعظَّم من الأشياء إنما يعظَّم لما يرجى منه من المنافع التي توصل إليه بعض هذه المعاني عندكم, فما وجه عبادتكم أصنامكم التي تعبدونها, وهي خالية من كل هذه الأشياء التي بها يوصل إلى اجتلاب النفع ودفع الضر؟وقوله: (قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون)، [ قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين من عبدة الأوثان: ادعوا شركاءكم الذين جعلتموهم لله شركاء في العبادة =(ثم كيدون)، (45) ] أنتم وهي (46) (فلا تنظرون)، يقول: فلا تؤخرون بالكيد والمكر, (47) ولكن عجِّلوا بذلك. يُعْلِمه جل ثناؤه بذلك أنهم لن يضروه, وأنه قد عصمه منهم, ويُعَرِّف الكفرة به عجز أوثانهم عن نصرة من بغى أولياءهم بسوء.------------------------الهوامش:(45) هذه العبارة التي بين الأقواس ، استظهرتها من سياق الآية والتفسير ، وظاهر أنها قد سقطت من الناسخ ، وأن الكلام بغيرها ، أو بغير ما يقوم ما مقامها ، لا يستقيم .(46) في المطبوعة : (( أنتم وهن )) ، وأثبت ما في المخطوطة . ثم انظر تفسير (( الكيد )) فيما سلف ص 288 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .(47) انظر تفسير (( الإنظار )) فيما سلف 12 : 331 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .