يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٧٣التفسير الميسريا أيها النبي جاهد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان والحجة، واشدد على كلا الفريقين، ومقرُّهم جهنم، وبئس المصير مصيرهم.
تفسير السعدييقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ أي: بالغ في جهادهم والغلظة عليهم حيث اقتضت الحال الغلظة عليهم.وهذا الجهاد يدخل فيه الجهاد باليد، والجهاد بالحجة واللسان، فمن بارز منهم بالمحاربة فيجاهد باليد، واللسان والسيف والبيان.ومن كان مذعنا للإسلام بذمة أو عهد، فإنه يجاهد بالحجة والبرهان ويبين له محاسن الإسلام، ومساوئ الشرك والكفر، فهذا ما لهم في الدنيا.و أما في الآخرة، ف مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ أي: مقرهم الذي لا يخرجون منها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
تفسير ابن كثيرأمر تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم ، كما أمره بأن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين ، وأخبره أن مصير الكفار والمنافقين إلى النار في الدار الآخرة . وقد تقدم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأربعة أسياف ، سيف للمشركين : ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ) [ التوبة : 5 ] وسيف للكفار أهل الكتاب : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) [ التوبة : 29 ] وسيف للمنافقين : ( جاهد الكفار والمنافقين ) [ التوبة : 73 ، التحريم : 9 ] وسيف للبغاة : ( فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) [ الحجرات : 9 ] .وهذا يقتضي أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق ، وهو اختيار ابن جرير .وقال ابن مسعود في قوله تعالى : ( جاهد الكفار والمنافقين ) قال : بيده ، [ فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ] فإن لم يستطع فليكفهر في وجهه .وقال ابن عباس : أمره الله تعالى بجهاد الكفار بالسيف ، والمنافقين باللسان ، وأذهب الرفق عنهم .وقال الضحاك : جاهد الكفار بالسيف ، واغلظ على المنافقين بالكلام ، وهو مجاهدتهم . وعن مقاتل والربيع مثله .وقال الحسن وقتادة : مجاهدتهم : إقامة الحدود عليهم .وقد يقال : إنه لا منافاة بين هذه الأقوال ، لأنه تارة يؤاخذهم بهذا ، وتارة بهذا بحسب الأحوال ، والله أعلم .
تفسير القرطبيقوله تعالى يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصيرفيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى يا أيها النبي جاهد الكفار الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وتدخل فيه أمته من بعده . قيل : المراد جاهد بالمؤمنين الكفار . وقال ابن عباس : أمر بالجهاد مع الكفار بالسيف ، ومع المنافقين باللسان وشدة الزجر والتغليظ . وروي عن ابن مسعود أنه قال : جاهد المنافقين بيدك ، فإن لم تستطع فبلسانك ، فإن لم تستطع فاكفهر في وجوههم . وقال الحسن : جاهد المنافقين بإقامة الحدود عليهم وباللسان - واختاره قتادة - وكانوا أكثر من يصيب الحدود . ابن العربي : أما إقامة الحجة باللسان فكانت دائمة ، وأما بالحدود لأن أكثر إصابة الحدود كانت عندهم فدعوى لا برهان عليها ، وليس العاصي بمنافق ، إنما المنافق بما يكون في قلبه من النفاق كامنا ، لا بما تتلبس به الجوارح ظاهرا ، وأخبار المحدودين يشهد سياقها أنهم لم يكونوا منافقين .الثانية : قوله تعالى واغلظ عليهم الغلظ : نقيض الرأفة ، وهي شدة القلب على إحلال الأمر بصاحبه . وليس ذلك في اللسان ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها . ومنه قوله تعالى : ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ومنه قول النسوة لعمر : أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعنى الغلظ خشونة الجانب . فهي ضد قوله تعالى : واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين . واخفض لهما جناح الذل من الرحمة . وهذه الآية نسخت كل شيء من العفو والصلح والصفح .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (يا أيها النبي جاهد الكفار)، بالسيف والسلاح =(والمنافقين).* * *واختلف أهل التأويل في صفة " الجهاد " الذي أمر الله نبيه به في المنافقين. (1) فقال بعضهم: أمره بجهادهم باليد واللسان, وبكل ما أطاق جهادَهم به.* ذكر من قال ذلك:16961- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، ويحيى بن آدم, عن حسن بن صالح, عن علي بن الأقمر, عن عمرو بن جندب, عن ابن مسعود في قوله: (جاهد الكفار والمنافقين)، قال: بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه, فإن لم يستطع فليكفهرَّ في وجهه. (2)* * *وقال آخرون: بل أمره بجهادهم باللسان.* ذكر من قال ذلك:16962- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم)، فأمره الله بجهاد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان, وأذهبَ الرفق عنهم.16963- حدثنا القاسم قال، حدثني الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: (جاهد الكفار والمنافقين)، قال: " الكفار "، بالقتال, و " المنافقين "، أن يغلُظ عليهم بالكلام.16964- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم)، يقول: جاهد الكفار بالسيف, وأغلظ على المنافقين بالكلام، وهو مجاهدتهم.* * *وقال آخرون: بل أمره بإقامة الحدود عليهم.* ذكر من قال ذلك:16965- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الحسن: (جاهد الكفار والمنافقين)، قال: جاهد الكفار بالسيف, والمنافقين بالحدود, أقم عليهم حدودَ الله.16966- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم)، قال: أمر الله نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يجاهد الكفار بالسيف, ويغلظ على المنافقين في الحدود.* * *قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب، ما قال ابن مسعود: من أنّ الله أمر نبيَه صلى الله عليه وسلم من جهاد المنافقين, بنحو الذي أمرَه به من جهاد المشركين.فإن قال قائل: فكيف تركهم صلى الله عليه وسلم مقيمين بين أظُهرِ أصحابه، مع علمه بهم؟قيل: إن الله تعالى ذكره إنما أمر بقتال من أظهرَ منهم كلمةَ الكفر، ثم أقام على إظهاره ما أظهر من ذلك. وأمّا مَنْ إذا اطُّلع عليه منهم أنه تكلم بكلمة الكفر وأُخِذ بها, أنكرها ورجع عنها وقال: " إني مسلم ", فإن حكم الله في كلّ من أظهر الإسلام بلسانه, أن يحقِنَ بذلك له دمه وماله، وإن كان معتقدًا غير ذلك, وتوكَّل هو جلّ ثناؤه بسرائرهم, ولم يجعل للخلق البحثَ عن السرائر. فلذلك كان النبيّ صلى الله عليه وسلم، مع علمه بهم وإطْلاع الله إياه على ضمائرهم واعتقاد صُدورهم, كان يُقِرّهم بين أظهر الصحابة, ولا يسلك بجهادهم مسلك جهاد من قد ناصبَه الحرب على الشرك بالله، لأن أحدهم كان إذا اطُّلِع عليه أنه قد قال قولا كفر فيه بالله، ثم أخذ به أنكره وأظهر الإسلام بلسانه. فلم يكن صلى الله عليه وسلم يأخذه إلا بما أظهر له من قوله، عند حضوره إياه وعزمه على إمضاء الحكم فيه, دون ما سلف من قولٍ كان نطقَ به قبل ذلك, ودون اعتقاد ضميرِه الذي لم يبح الله لأحَدٍ الأخذ به في الحكم، وتولَّى الأخذَ به هو دون خلقه.* * *وقوله: (واغلظ عليهم)، (3) يقول تعالى ذكره: واشدد عليهم بالجهاد والقتال والإرْهاب. (4)* * *وقوله: (ومأواهم جهنم)، يقول: ومساكنهم جهنم، وهي مثواهم ومأواهم (5) =(وبئس المصير)، يقول: وبئس المكان الذي يُصَار إليه جهنَّمُ. (6)------------------------الهوامش :(1) انظر تفسير " الجهاد " فيما سلف ص : 257، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.= وتفسير " المنافق " فيما سلف ص : 339 ؛ تعليق : 3 ، والمراجع هناك .(2) الأثر : 16961 - " حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا.و " يحيى بن آدم " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا .و "حسن بن صالح بن صالح بن حي الثوري"، ثقة ، مضى مرارًا .و " علي بن الأقمر الوادعي الهمداني " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا .و " عمرو بن أبي جندب " أو " عمرو بن جندب " ، هو " أبو عطية الوادعي " ، مختلف في اسمه . ترجم له في التهذيب ، في الأسماء ، وفي الكنى ، وقال : " قال البخاري في تاريخه : روى عنه أبو إسحاق ، وعلي بن الأقمر " ، ثم قال : " والصواب أنه وإن كان يكنى أبا عطية ، فإنه غير الوادعي " . وهو ثقة ، من أصحاب عبد الله بن مسعود . ترجم له ابن أبي حاتم 3 1 224 باسم " عمرو بن جندب " ، وكان في المطبوعة " عمرو بن جندب " ، ولكني أثبت ما في المخطوطة ، وهما صواب كما ترى .وهذا الخبر ، خرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 248 ، ونسبه إلى ابن أبي شيبة ، وابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في شعب الإيمان .وقوله : " فليكفهر في وجهه " : أي فليلقه بوجه منقبض عابس لإطلاقه فيه ولا بشر ولا انبساط.(3) انظر تفسير " الغلظة " فيما سلف 7 : 341 .(4) في المطبوعة : " والإرعاب " بالعين ، خالف ما هو الصواب في العربية ، وفي المخطوطة إنما يقال : " رعبه يرعبه رعبًا ، فهو مرعوب ورعيب و " رعبه " ترعيبًا " ، ونصوا فقالوا : " ولا تقل : أرعبه " .(5) انظر تفسير " المأوى " فيما سلف ص : 77 ، تعليق : والمراجع هناك .(6) انظر تفسير " المصير " فيما سلف 13 : 441 تعليق : 4 ، والمراجع هناك .
يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدۡ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ وَكَفَرُواْ بَعۡدَ إِسۡلَٰمِهِمۡ وَهَمُّواْ بِمَا لَمۡ يَنَالُواْۚ وَمَا نَقَمُوٓاْ إِلَّآ أَنۡ أَغۡنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضۡلِهِۦۚ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيۡرٗا لَّهُمۡۖ وَإِن يَتَوَلَّوۡاْ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَا لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٧٤التفسير الميسريحلف المنافقون بالله أنهم ما قالوا شيئًا يسيء إلى الرسول وإلى المسلمين، إنهم لكاذبون؛ فلقد قالوا كلمة الكفر وارتدوا بها عن الإسلام وحاولوا الإضرار برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يمكنهم الله من ذلك، وما وجد المنافقون شيئًا يعيبونه، وينتقدونه، إلا أن الله -تعالى- تفضل عليهم، فأغناهم بما فتح على نبيه صلى الله عليه وسلم من الخير والبركة، فإن يرجع هؤلاء الكفار إلى الإيمان والتوبة فهو خير لهم، وإن يعرضوا، أو يستمروا على حالهم، يعذبهم الله العذاب الموجع في الدنيا على أيدي المؤمنين، وفي الآخرة بنار جهنم، وليس لهم منقذ ينقذهم ولا ناصر يدفع عنهم سوء العذاب.
تفسير السعدييَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ أي: إذا قالوا قولا كقول من قال منهم ليخرجن الأعز منها الأذل والكلام الذي يتكلم به الواحد بعد الواحد، في الاستهزاء بالدين، وبالرسول.فإذا بلغهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغه شيء من ذلك، جاءوا إليه يحلفون باللّه ما قالوا.قال تعالى مكذبا لهم وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ فإسلامهم السابق وإن كان ظاهره أنه أخرجهم من دائرة الكفر فكلامهم الأخير ينقض إسلامهم، ويدخلهم بالكفر.وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وذلك حين هموا بالفتك برسول اللّه صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فقص اللّه عليه نبأهم، فأمر من يصدهم عن قصدهم.و الحال أنهم مَا نَقَمُوا وعابوا من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ بعد أن كانوا فقراء معوزين، وهذا من أعجب الأشياء، أن يستهينوا بمن كان سببا لإخراجهم من الظلمات إلى النور، ومغنيا لهم بعد الفقر، وهل حقه عليهم إلا أن يعظموه، ويؤمنوا به ويجلوه؟" فاجتمع الداعي الديني وداعي المروءة الإنسانية.ثم عرض عليهم التوبة فقال: فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ لأن التوبة، أصل لسعادة الدنيا والآخرة.وَإِنْ يَتَوَلَّوْا عن التوبة والإنابة يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ في الدنيا بما ينالهم من الهم والغم والحزن على نصرة اللّه لدينه، وإعزار نبيه، وعدم حصولهم على مطلوبهم، وفي الآخرة، في عذاب السعير.وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ يتولى أمورهم، ويحصل لهم المطلوب وَلَا نَصِيرٍ يدفع عنهم المكروه، وإذا انقطعوا من ولاية اللّه تعالى، فَثَمَّ أصناف الشر والخسران، والشقاء والحرمان.
تفسير ابن كثيروقوله : ( يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم ) قال قتادة : نزلت في عبد الله بن أبي ، وذلك أنه اقتتل رجلان : جهني وأنصاري ، فعلا الجهني على الأنصاري ، فقال عبد الله للأنصار : ألا تنصروا أخاكم ؟ والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل : " سمن كلبك يأكلك " ، وقال : ( لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ) [ المنافقون : 8 ] فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأرسل إليه فسأله ، فجعل يحلف بالله ما قاله ، فأنزل الله فيه هذه الآية .وروى إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة ، عن عمه موسى بن عقبة قال : فحدثنا عبد الله بن الفضل ، أنه سمع أنس بن مالك - رضي الله عنه - يقول : حزنت على من أصيب بالحرة من قومي ، فكتب إلي زيد بن أرقم - وبلغه شدة حزني - يذكر أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار - وشك ابن الفضل في أبناء أبناء الأنصار - قال ابن الفضل : فسأل أنسا بعض من كان عنده عن زيد بن أرقم ، فقال : هو الذي يقول له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أوفى الله له بأذنه . وذاك حين سمع رجلا من المنافقين يقول - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب - : لئن كان هذا صادقا فنحن شر من الحمير ، فقال زيد بن أرقم : فهو والله صادق ، ولأنت شر من الحمار . ثم رفع ذلك إلى رسول الله ، فجحده القائل ، فأنزل الله هذه الآية تصديقا لزيد - يعني قوله : ( يحلفون بالله ما قالوا ) الآية .رواه البخاري في صحيحه ، عن إسماعيل بن أبي أويس ، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة . إلى قوله : هذا الذي أوفى الله له بأذنه ولعل ما بعده من قول موسى بن عقبة ، وقد رواه محمد بن فليح ، عن موسى بن عقبة بإسناده ثم قال : قال ابن شهاب . فذكر ما بعده عن موسى ، عن ابن شهاب .والمشهور في هذه القصة أنها كانت في غزوة بني المصطلق ، فلعل الراوي وهم في ذكر الآية ، وأراد أن يذكر غيرها فذكرها ، والله أعلم . [ حاشية ]قال " الأموي " في مغازيه : حدثنا محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ، عن جده قال : لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذني قومي فقالوا : إنك امرؤ شاعر ، فإن شئت أن تعتذر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببعض العلة ، ثم يكون ذنبا تستغفر الله منه . وذكر الحديث بطوله إلى أن قال : وكان ممن تخلف من المنافقين ، ونزل فيه القرآن منهم ممن كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الجلاس بن سويد بن الصامت ، وكان على أم عمير بن سعد ، وكان عمير في حجره ، فلما نزل القرآن وذكرهم الله بما ذكر مما أنزل في المنافقين ، قال الجلاس : والله لئن كان هذا الرجل صادقا فيما يقول لنحن شر من الحمير [ قال ] فسمعها عمير بن سعد فقال : والله - يا جلاس - إنك لأحب الناس إلي ، وأحسنهم عندي بلاء ، وأعزهم علي أن يصله شيء يكرهه ، ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك ولئن كتمتها لتهلكني ، ولإحداهما أهون علي من الأخرى . فمشى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر له ما قال الجلاس . فلما بلغ ذلك الجلاس خرج حتى يأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - فحلف بالله ما قال ما قال عمير بن سعد ، ولقد كذب علي . فأنزل الله - عز وجل - فيه : ( يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم ) إلى آخر الآية . فوقفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليها . فزعموا أن الجلاس تاب فحسنت توبته ، ونزع فأحسن النزوع هكذا جاء هذا مدرجا في الحديث متصلا به ، وكأنه - والله أعلم - من كلام ابن إسحاق نفسه ، لا من كلام كعب بن مالك .وقال عروة بن الزبير : نزلت هذه الآية في الجلاس بن سويد بن الصامت ، أقبل هو وابن امرأته مصعب من قباء ، فقال الجلاس : إن كان ما جاء به محمد حقا فنحن أشر من حمرنا هذه التي نحن عليها . فقال مصعب : أما والله - يا عدو الله - لأخبرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما قلت : فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وخفت أن ينزل في القرآن أو تصيبني قارعة ، أو أن أخلط بخطيئته ، فقلت : يا رسول الله ، أقبلت أنا والجلاس من قباء ، فقال كذا وكذا ، ولولا مخافة أن أخلط بخطيئة أو تصيبني قارعة ما أخبرتك . قال : فدعا الجلاس فقال : يا جلاس ، أقلت الذي قاله مصعب ؟ فحلف ، فأنزل الله : ( يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم ) الآية .وقال محمد بن إسحاق : كان الذي قال تلك المقالة - فيما بلغني - الجلاس بن سويد بن الصامت ، فرفعها عليه رجل كان في حجره ، يقال له : عمير بن سعيد ، فأنكرها ، فحلف بالله ما قالها : فلما نزل فيه القرآن تاب ونزع ، وحسنت توبته ، فيما بلغني .وقال الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثني أيوب بن إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا عبد الله بن رجاء ، حدثنا إسرائيل ، عن سماك ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسا في ظل شجرة فقال : إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني الشيطان ، فإذا جاء فلا تكلموه . فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق ، فدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : علام تشتمني أنت وأصحابك ؟ فانطلق الرجل فجاء بأصحابه ، فحلفوا بالله ما قالوا حتى تجاوز عنهم ، فأنزل الله - عز وجل - : ( يحلفون بالله ما قالوا ) الآية .وذلك بين فيما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب " دلائل النبوة " من حديث محمد بن إسحاق ، عن الأعمش عن عمرو بن مرة ، عن [ أبي ] البختري ، عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - قال : كنت آخذا بخطام ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقود به ، وعمار يسوق الناقة - أو أنا : أسوقه ، وعمار يقوده - حتى إذا كنا بالعقبة فإذا أنا باثني عشر راكبا قد اعترضوه فيها ، قال : فأنبهت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ بهم ] فصرخ بهم فولوا مدبرين ، فقال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هل عرفتم القوم ؟ قلنا : لا يا رسول الله ، قد كانوا متلثمين ، ولكنا قد عرفنا الركاب . قال : هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة ، وهل تدرون ما أرادوا ؟ قلنا : لا . قال : أرادوا أن يزحموا رسول الله في العقبة ، فيلقوه منها . قلنا : يا رسول الله ، أو لا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم ؟ قال : لا ، أكره أن تتحدث العرب بينها أن محمدا قاتل بقوم حتى [ إذا ] أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم ، ثم قال : اللهم ارمهم بالدبيلة . قلنا : يا رسول الله ، وما الدبيلة ؟ قال : شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك .وقال الإمام أحمد - رحمه الله - : حدثنا يزيد ، أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع ، عن أبي الطفيل قال : لما أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوة تبوك ، أمر مناديا فنادى : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ العقبة فلا يأخذها أحد . فبينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوده حذيفة ويسوقه عمار ، إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل ، فغشوا عمارا وهو يسوق برسول الله ، وأقبل عمار - رضي الله عنه - يضرب وجوه الرواحل ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحذيفة : قد ، قد . حتى هبط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ فلما هبط ] نزل ورجع عمار ، فقال : يا عمار ، هل عرفت القوم ؟ فقال : قد عرفت عامة الرواحل ، والقوم متلثمون . قال : هل تدري ما أرادوا ؟ قال : الله ورسوله أعلم . قال : أرادوا أن ينفروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيطرحوه . قال : فسار عمار رجلا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : نشدتك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة ؟ قال : أربعة عشر . فقال : إن كنت منهم فقد كانوا خمسة عشر . قال : فعذر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم ثلاثة قالوا : والله ما سمعنا منادي رسول الله ، وما علمنا ما أراد القوم . فقال عمار : أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد .وهكذا روى ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة بن الزبير نحو هذا ، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يمشي الناس في بطن الوادي ، وصعد هو وحذيفة وعمار العقبة ، فتبعهم هؤلاء النفر الأرذلون ، وهم متلثمون ، فأرادوا سلوك العقبة ، فأطلع الله على مرادهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر حذيفة فرجع إليهم ، فضرب وجوه رواحلهم ، ففزعوا ورجعوا مقبوحين ، وأعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حذيفة وعمارا بأسمائهم ، وما كانوا هموا به من الفتك به ، صلوات الله وسلامه عليه ، وأمرهما أن يكتما عليهم .وكذلك روى يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، إلا أنه سمى جماعة منهم ، فالله أعلم .وكذا قد حكي في معجم الطبراني ، قاله البيهقي . ويشهد لهذه القصة بالصحة ، ما رواه مسلم :حدثنا زهير بن حرب ، حدثنا أبو أحمد الكوفي ، حدثنا الوليد بن جميع ، حدثنا أبو الطفيل قال : كان [ بين ] رجل من أهل العقبة [ وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس ، فقال : أنشدك بالله ، كم كان أصحاب العقبة ] قال : فقال له القوم : أخبره إذ سألك . قال : كنا نخبر أنهم أربعة عشر ، فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر ، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ، وعذر ثلاثة قالوا : ما سمعنا منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا علمنا بما أراد القوم . وقد كان في حرة فمشى ، فقال : إن الماء قليل ، فلا يسبقني إليه أحد ، فوجد قوما قد سبقوه ، فلعنهم يومئذ .وما رواه مسلم أيضا ، من حديث قتادة ، عن أبي نضرة ، عن قيس بن عباد ، عن عمار بن ياسر قال : أخبرني حذيفة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : في أصحابي اثنا عشر منافقا ، لا يدخلون الجنة ، ولا يجدون ريحها حتى يلج [ الجمل ] في سم الخياط : ثمانية تكفيكهم الدبيلة : سراج من نار يظهر بين أكتافهم حتى ينجم من صدورهم .ولهذا كان حذيفة يقال له : " صاحب السر ، الذي لا يعلمه غيره " أي : من تعيين جماعة من المنافقين ، وهم هؤلاء ، قد أطلعه عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دون غيره ، والله أعلم . وقد ترجم الطبراني في مسند حذيفة تسمية أصحاب العقبة ، ثم روى عن علي بن عبد العزيز ، عن الزبير بن بكار أنه قال : هم معتب بن قشير ، ووديعة بن ثابت ، وجد بن عبد الله بن نبتل بن الحارث من بني عمرو بن عوف ، والحارث بن يزيد الطائي ، وأوس بن قيظي ، والحارث بن سويد ، وسعد بن زرارة وقيس بن فهد ، وسويد وداعس من بني الحبلي ، وقيس بن عمرو بن سهل ، وزيد بن اللصيت ، وسلالة بن الحمام ، وهما من بني قينقاع ، أظهرا الإسلام .وقوله : ( وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ) أي : وما للرسول عندهم ذنب إلا أن الله أغناهم ببركته ويمن سفارته ، ولو تمت عليهم السعادة لهداهم الله لما جاء به ، كما قال ، عليه السلام للأنصار : ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي ؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي ؟ وعالة فأغناكم الله بي ؟ كلما قال شيئا قالوا : الله ورسوله أمن .وهذه الصيغة تقال حيث لا ذنب كما قال تعالى : ( وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ) [ البروج : 8 ] وكما قال - عليه السلام - ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرا فأغناه الله .ثم دعاهم الله تبارك وتعالى إلى التوبة فقال : ( فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة ) أي : وإن يستمروا على طريقهم ( يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا ) أي : بالقتل والهم والغم ، ( والآخرة ) أي : بالعذاب والنكال والهوان والصغار ، ( وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير ) أي : وليس لهم أحد يسعدهم ولا ينجدهم ، ولا يحصل لهم خيرا ، ولا يدفع عنهم شرا .
تفسير القرطبيقوله تعالى يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصيرفيه ست مسائل :الأولى : قوله تعالى يحلفون بالله ما قالوا روي أن هذه الآية نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت ، ووديعة بن ثابت ; وقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : والله لئن كان محمد صادقا على إخواننا الذين هم ساداتنا وخيارنا لنحن شر من الحمير . فقال له عامر بن قيس : أجل والله إن محمدا لصادق مصدق ; وإنك لشر من حمار . وأخبر عامر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم . وجاء الجلاس فحلف بالله عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم إن عامرا لكاذب . وحلف عامر لقد قال ، وقال : اللهم أنزل على نبيك الصادق شيئا ، فنزلت . وقيل : إن الذي سمعه عاصم بن عدي . وقيل حذيفة . وقيل : بل سمعه ولد امرأته واسمه عمير بن سعد ; فيما قال ابن إسحاق . وقال غيره : اسمه مصعب . فهم الجلاس بقتله لئلا يخبر بخبره ; ففيه نزل : وهموا بما لم ينالوا . قال مجاهد : وكان الجلاس لما قال له صاحبه إني سأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولك هم بقتله ، ثم لم يفعل ، عجز عن ذلك . قال ، ذلك هي الإشارة بقوله وهموا بما لم ينالوا . وقيل : إنها نزلت في عبد الله بن أبي ، رأى رجلا من غفار يتقاتل مع رجل من جهينة ، وكانت جهينة حلفاء الأنصار ، فعلا الغفاري الجهني . فقال ابن أبي : يا بني الأوس والخزرج ، انصروا أخاكم فوالله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل : سمن كلبك يأكلك ، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، فجاءه عبد الله بن أبي فحلف أنه لم يقله ; قاله قتادة . وقول ثالث أنه قول جميع المنافقين ; قاله الحسن . ابن العربي : وهو الصحيح ; لعموم القول ووجود المعنى فيه وفيهم ، وجملة ذلك اعتقادهم فيه أنه ليس بنبي .الثانية : قوله تعالى ولقد قالوا كلمة الكفر قال النقاش : تكذيبهم بما وعد الله من الفتح . وقيل : كلمة الكفر قول الجلاس : إن كان ما جاء به محمد حقا لنحن أشر من الحمير . وقول عبد الله بن أبي : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . قال القشيري : كلمة الكفر سب النبي صلى الله عليه وسلم والطعن في الإسلام .وكفروا بعد إسلامهم أي بعد الحكم بإسلامهم . فدل هذا على أن المنافقين كفار ، وفي قوله تعالى : ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا دليل قاطع .ودلت الآية أيضا على أن الكفر يكون بكل ما يناقض التصديق والمعرفة ; وإن كان الإيمان لا يكون إلا بلا إله إلا الله دون غيره من الأقوال والأفعال إلا في الصلاة . قال إسحاق بن راهويه : ولقد أجمعوا في الصلاة على شيء لم يجمعوا عليه في سائر الشرائع ; لأنهم بأجمعهم قالوا : من عرف بالكفر ثم رأوه يصلي الصلاة في وقتها حتى صلى صلوات كثيرة ، ولم يعلموا منه إقرارا باللسان أنه يحكم له بالإيمان ، ولم يحكموا له في الصوم والزكاة بمثل ذلك .الثالثة : قوله تعالى وهموا بما لم ينالوا يعني المنافقين من قتل النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة في غزوة تبوك ، وكانوا اثني عشر رجلا . قال حذيفة : سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عدهم كلهم . فقلت : ألا تبعث إليهم فتقتلهم ؟ فقال : أكره أن تقول العرب لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم بل يكفيهم الله بالدبيلة . قيل : يا رسول الله وما الدبيلة ؟ قال : شهاب من جهنم يجعله على نياط فؤاد أحدهم حتى تزهق نفسه . فكان كذلك . خرجه مسلم بمعناه . وقيل هموا بعقد التاج على رأس ابن أبي ليجتمعوا عليه . وقد تقدم قول مجاهد في هذا .الرابعة : قوله تعالى : وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله أي ليس ينقمون شيئا ; كما قال النابغة :ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائبويقال : نقم ينقم ، ونقم ينقم ; قال الشاعر في الكسر :ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبواوقال زهير :يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم الحساب أو يعجل فينقمينشد بكسر القاف وفتحها . قال الشعبي : كانوا يطلبون دية فيقضي لهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستغنوا . ذكر عكرمة أنها كانت اثني عشر ألفا . ويقال : إن القتيل كان مولى الجلاس . وقال الكلبي : كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم في ضنك من العيش ، لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة ، فلما قدم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم استغنوا بالغنائم . وهذا المثل مشهور : اتق شر من أحسنت إليه . قال القشيري أبو نصر : قيل للبجلي أتجد في كتاب الله تعالى اتق شر من أحسنت إليه ؟ قال نعم ، وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله .الخامسة : قوله تعالى فإن يتوبوا يك خيرا لهم روي أن الجلاس قام حين نزلت الآية فاستغفر وتاب . فدل هذا على توبة الكافر الذي يسر الكفر ويظهر الإيمان ; وهو الذي يسميه الفقهاء الزنديق . وقد اختلف في ذلك العلماء ; فقال الشافعي : تقبل توبته . وقال مالك : توبة الزنديق لا تعرف ; لأنه كان يظهر الإيمان ويسر الكفر ، ولا يعلم إيمانه إلا بقوله . وكذلك يفعل الآن في كل حين ، يقول : أنا مؤمن وهو يضمر خلاف ما يظهر ; فإذا عثر عليه وقال : تبت ، لم يتغير حاله عما كان عليه . فإذا جاءنا تائبا من قبل نفسه قبل أن يعثر عليه قبلت توبته ; وهو المراد بالآية . والله أعلم .السادسة : قوله تعالى وإن يتولوا أي يعرضوا عن الإيمان والتوبةيعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا بالقتل ، وفي الآخرة بالنار وما لهم في الأرض من ولي أي مانع يمنعهم ولا نصير أي معين . وقد تقدم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (74)قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الذي نزلت فيه هذه الآية, والقول الذي كان قاله, الذي أخبر الله عنه أنه يحلف بالله ما قاله.فقال بعضهم: الذي نزلت فيه هذه الآية: الجُلاس بن سويد بن الصامت.* * *وكان القولُ الذي قاله، ما:-16967- حدثنا به ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية, عن هشام بن عروة, عن أبيه: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر)، قال: نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت, قال: " إن كان ما جاء به محمد حقًّا, لنحن أشرُّ من الحُمُر!"، (7) فقال له ابن امرأته: والله، يا عدو الله, لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قلت, فإني إن لا أفعل أخاف أن تصيبني قارعةٌ، وأؤاخذ بخطيئتك ! فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الجلاس, فقال: " يا جُلاس، أقلت كذا وكذا؟ فحلف ما قال, فأنزل الله تبارك وتعالى: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهمُّوا بما لم ينالوا وما نَقَموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله).16968- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو معاوية الضرير, عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: نزلت هذه الآية: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم)، في الجلاس بن سويد بن الصامت, أقبل هو وابن امرأته مُصْعَب من قُباء, فقال الجلاس: إن كان ما جاء به محمد حقًّا لنحن أشرُّ من حُمُرنا هذه التي نحن عليها ! (8) فقال مصعب: أما والله، يا عدو الله، لأخبرنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قلتَ ! فأتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم, وخشيت أن ينزل فيَّ القرآن، أو تصيبني قارعة، أو أن أخْلَط [بخطيئته], (9) قلت: يا رسول الله، (10) أقبلت أنا والجلاس من قباء, فقال كذا وكذا, ولولا مخافة أن أُخْلَط بخطيئته، (11) أو تصيبني قارعة، ما أخبرتك. قال: فدعا الجلاس فقال له: يا جلاس، أقلت الذي قال مصعب؟ قال: فحلف, فأنزل الله تبارك وتعالى: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم)، الآية.16969- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: كان الذي قال تلك المقالة، فيما بلغني، الجلاس بن سويد بن الصامت, فرفعها عنه رجلٌ كان في حجره، يقال له " عمير بن سعيد ", (12) فأنكرها, (13) فحلف بالله ما قالها. فلما نزل فيه القرآن، تاب ونزع وحسنت، توبته فيما بلغني. (14)16970- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (كلمة الكفر)، قال أحدهم: " لئن كان ما يقول محمد حقًّا لنحن شر من الحمير "! فقال له رجل من المؤمنين: إن ما قال لحقٌّ، ولأنت شر من حمار! قال: فهمَّ المنافقون بقتله, فذلك قوله: (وهموا بما لم ينالوا).16971- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, بنحوه.16972-...... قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.16973- حدثني أيوب بن إسحاق بن إبراهيم قال، حدثنا عبد الله بن رجاء قال، حدثنا إسرائيل, عن سماك, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا في ظلّ شجرة, فقال: إنه سيأتيكم إنسانٌ فينظر إليكم بعيني شيطان, فإذا جاء فلا تكلموه. فلم يلبث أن طلَع رجل أزرقُ, (15) فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: علامَ تشتمني أنت وأصحابك؟ فانطلق الرجل فجاء بأصحابه, فحلفوا بالله ما قالوا وما فعلوا، حتى تجاوَز عنهم, فأنزل الله: (يحلفون بالله ما قالوا)، ثم نعتهم جميعًا, إلى آخر الآية. (16)وقال آخرون: بل نزلت في عبد الله بن أبيٍّ ابن سلول: قالوا: والكلمة التي قالها ما:-16974- حدثنا به بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (يحلفون بالله ما قالوا)، إلى قوله: (من وليّ ولا نصير)، قال: ذكر لنا أنّ رجلين اقتتلا أحدهما من جهينة، والآخر من غِفار, وكانت جهينة حلفاء، الأنصار، وظهر الغفاريّ على الجهنيّ, فقال عبد الله بن أبيّ للأوس: انصروا أخاكم, فوالله ما مثلنا ومَثَلُ محمد إلا كما قال القائل: " سمِّن كلبك يأكلك "، وقال: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ [سورة المنافقون: 8]، فسعى بها رجل من المسلمين إلى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه فسأله, فجعل يحلف بالله ما قاله, فأنزل الله تبارك وتعالى: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر).16975- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر)، قال: نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول.* * *قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى أخبر عن المنافقين أنّهم يحلفون بالله كذبًا على كلمة كُفْر تكلموا بها أنهم لم يقولوها. وجائز أن يكون ذلك القول ما روي عن عروة: أن الجلاس قاله = وجائز أن يكون قائله عبد الله بن أبي ابن سلول، والقول ما ذكر قتادة عنه أنه قال. ولا علم لنا بأيّ ذلك من أيٍّ, (17) إذ كان لا خبر بأحدهما يوجب الحجة، ويُتوصَّل به إلى يقين العلم به, وليس مما يدرك علمه بفطرة العقل, فالصواب أن يقال فيه كما قال الله جل ثناؤه: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم).* * *وأما قوله: (وهموا بما لم ينالوا)، فإن أهل التأويل اختلفوا في الذي كان همَّ بذلك، وما الشيء الذي كان هم به.[فقال بعضهم: هو رجل من المنافقين, وكان الذي همَّ به]، قتلَ ابن امرأته الذي سمع منه ما قال، (18) وخشي أن يفشيه عليه.* ذكر من قال ذلك:16976- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: همَّ المنافق بقتله = يعني قتل المؤمن الذي قال له: " أنت شر من الحمار "! فذلك قوله: (وهموا بما لم ينالوا).16977- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد، مثله. (19)* * *وقال آخرون: كان الذي همَّ، رجلا من قريش = والذي همّ به، قتلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم.* ذكر من قال ذلك:16978- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا شبل, عن جابر, عن مجاهد في قوله: (وهموا بما لم ينالوا)، قال: رجل من قريش، همّ بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقال له: " الأسود ".* * *وقال آخرون: الذي همّ، عبد الله بن أبي ابن سلول, وكان همُّه الذي لم ينله، قوله: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ ، [سورة المنافقون: 8]، من قول قتادة وقد ذكرناه. (20)* * *وقوله: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله)، ذكر لنا أن المنافق الذي ذكر الله عنه أنه قال كلمة الكفر، كان فقيرًا فأغناه الله بأن قُتِل له مولًى, فأعطاه رسول الله ديتَه. فلما قال ما قال, قال الله تعالى: (وما نقموا)، يقول: ما أنكروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا, (21) =(إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله).* ذكر من قال ذلك:16979- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية, عن هشام بن عروة, عن أبيه: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله)، وكان الجلاس قُتِل له مولًى، فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته, فاستغنى, فذلك قوله: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله).16980-...... قال، حدثنا ابن عيينة, عن عمرو, عن عكرمة قال: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالدية اثنى عشر ألفًا في مولى لبني عديّ بن كعب, وفيه أنزلت هذه الآية: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله).16981- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله)، قال: كانت لعبد الله بن أبيٍّ ديةٌ, فأخرجها رسول الله صلى الله عليه وسلم له.16982- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير, عن سفيان قال، حدثنا عمرو قال: سمعت عكرمة: أن مولى لبني عدي بن كعب قتل رجلا من الأنصار, فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدية اثنى عشر ألفا, وفيه أنزلت: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله)، قال عمرو: لم أسمع هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من عكرمة = يعني: الدية اثني عشر ألفًا.16983- حدثنا صالح بن مسمار قال، حدثنا محمد بن سنان العَوَقيّ قال، حدثنا محمد بن مسلم الطائفي, عن عمرو بن دينار, عن عكرمة, مولى ابن عباس, عن ابن عباس: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم جعل الدية اثني عشر ألفًا. فذلك قوله: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله)، قال: بأخذ الديِّة. (22)* * *وأما قوله: (فإن يتوبوا يك خيرًا لهم)، يقول تعالى ذكره: فإن يتب هؤلاء القائلون كلمة الكفر من قِيلهم الذي قالوه فرجعوا عنه, يك رجوعهم وتوبتهم من ذلك، خيرًا لهم من النفاق (23) =(وإن يتولوا)، يقول: وإن يدبروا عن التوبة، فيأتوها ويصرُّوا على كفرهم، (24) =(يعذبهم الله عذابًا أليمًا)، يقول: يعذبهم عذابًا موجعًا في الدنيا, إما بالقتل, وإما بعاجل خزي لهم فيها, ويعذبهم في الآخرة بالنار. (25)* * *وقوله: (وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير)، يقول: وما لهؤلاء المنافقين إن عذبهم الله عاجل الدنيا =(من ولي)، يواليه على منعه من عقاب الله (26) =(ولا نصير) ينصره من الله فينقذه من عقابه. (27) وقد كانوا أهل عز ومنعة بعشائرهم وقومهم، يمتنعون بهم من أرادهم بسوء, فأخبر جل ثناؤه أن الذين كانوا يمنعونهم ممن أرادهم بسوء من عشائرهم وحلفائهم, لا يمنعونهم من الله ولا ينصرونهم منه، إن احتاجوا إلى نصرهم.* * *وذكر أن الذي نزلت فيه هذه الآية تاب مما كان عليه من النفاق.* ذكر من قال ذلك:16984- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية, عن هشام بن عروة, عن أبيه: (فإن يتوبوا يك خيرًا لهم)، قال: قال الجلاس: قد استثنى الله لي التوبة, فأنا أتوب. فقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم.16985- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو معاوية, عن هشام بن عروة عن أبيه: (فإن يتوبوا يك خيرًا لهم)، الآية, فقال الجلاس: يا رسول الله، إني أرى الله قد استثنى لي التوبة, فأنا أتوب! فتابَ, فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم منه.--------------------الهوامش :(7) انظر استعمال " أشر " ، فيما سلف في الأثرين رقم : 5080 ، 11723 . وكان في المطبوعة : " الحمير " ، وأثبت ما في المخطوطة.(8) في المطبوعة : " حميرنا " بالإفراد وأثبت ما في المخطوطة.(9) في المطبوعة والمخطوطة : " أخلط " ، ليس فيها ذكر الخطيئة واستظهرتها من باقي الخبر ، ومن تفسير ابن كثير .(10) في المطبوعة : " يا رسول أقبلت " ، وهو من الطباعة.(11) في المطبوعة : " أن أؤاخذ بخطيئته " ، غير ما في المخطوطة ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو الصواب ، وهو موافق لما في تفسير ابن كثير 4 : 204 ، 205.(12) في المخطوطة والمطبوعة : " سعيد " ، والذي في سيرة ابن هشام ، " سعد " ، ولكني تركت ما في المخطوطة ، لأني وجدت الحافظ ابن حجر في الإصابة ، ذكر هذا الاختلاف ، فأخشى أن تكون هذه رواية أبي جعفر في سيرة ابن إسحاق.(13) في المطبوعة: "فأنكر"، أثبت ما في المخطوطة، موافقا لابن هشام.(14) الأثر : 16969 - سيرة ابن هشام 4 : 196، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16919.(15) إذا قيل: "رجل أزرق"، فإنما يعنون زرقة العين، وقد عدد الجاحظ في الحيوان 5 : 330 ، " الزرق من العرب " ، وكانت العرب تتشاءم بالأزرق ، وتعده لئيما . وانظر طبقات فحول الشعراء : 111 ، في قول مزرد ، في قاتل عمر رضي الله عنه :وَمَا كُنْتُ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ وَفَاتُهُبِكَفَّيْ سَبَنْتَى أَزْرَقِ العَيْنِ مُطْرِقِ(16) الأثر : 16973 - " أيوب بن إسحاق بن إبراهيم بن سافري " ، أبو أيوب البغدادي ، شيخ الطبري . قال ابن أبو حاتم : " كتبنا عنه بالرملة، وذكرته لأبي فعرفه ، وقال : كان صدروقًا " . مترجم في ابن أبي حاتم 1 1 241 ، وتاريخ بغداد 7 : 9 ، 10 .و " عبد الله بن رجاء بن عمرو " ، أبو عمرو الغداني . كان حسن الحديث عن إسرائيل . وهو ثقة . مترجم في التهذيب .وهذا إسناد صحيح . وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 258 ، وزاد نسبته إلى الطبراني ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه.(17) في المطبوعة والمخطوطة: "بأن ذلك من ي"، وهو لا معنى له ، وصوابه ما أثبت ، كما نبهت عليه مرارًا انظر ما سلف : 13 : 260 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.(18) كان في المخطوطة : " . . . وما الشيء الذي كان هم به قيل ابن امرأته ، وجعلها في المطبوعة : " . . . هم به أقتل ابن امرأته ، وعلق عليه فقال : " في العبارة سقط ، ولعل الأصل : فقال بعضهم : كان الذي هم الجلاس بن سويد ، والشيء الذي كان هم به قتل ابن امرأته إلخ ، تأمل".والصواب ، إن شاء الله ، ما أثبت بين القوسين، لأن الخبر التالي من خبر مجاهد ، ولم يبين فيه اسم المنافق ، كما لم يبينه في رقم : 16970 ، وما بعده، فالصواب الجيد، أن يكون اسم المنافق مبهما في ترجمة سياق الأخبار، كدأب أبي جعفر في تراجم فصول تفسيره.(19) في المطبوعة: "عن مجاهد، به"، وفي المخطوطة ، قطع فلم يذكر شيئًا، فأقررت ما درج على مثله أبو جعفر.(20) انظر ما سلف رقم : 16974 .(21) انظر تفسير " نقم " 10 : 433 13 : 35 .(22) الأثر : 16983 - " صالح بن مسمار السلمي المروزي " ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 224 .و " محمد بن سنان الباهلي العوقي " ، أبو بكر البصري ، ثقة مترجم في التهذيب ، والكبير 1 1 109 وابن أبي حاتم 3 2 279 .و " محمد بن مسلم الطائفي " ، ثقة ، يضعف ، مضى برقم : 447 ، 3473 ، 4491 .وهذا الخبر ، لم يذكره أبو جعفر في باب الديات من تفسيره ، انظر ما سلف رقم : 10143 ، في ج 9 : 50 .(23) انظر تفسير "التوبة" فيما سلف من فهارس اللغة (توب).(24) انظر تفسير "التولي" فيما سلف من فهارس اللغة (ولي).(25) انظر تفسير " أليم " فيما سلف من فهارس اللغة (ألم).(26) انظر تفسير "الولي" فيما سلف من فهارس اللغة (ولي).(27) انظر تفسير "النصير" فيما سلف من فهارس اللغة (نصر).
۞ وَمِنۡهُم مَّنۡ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنۡ ءَاتَىٰنَا مِن فَضۡلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٧٥التفسير الميسرومن فقراء المنافقين مَن يقطع العهد على نفسه: لئن أعطاه الله المال ليصدَّقنَّ منه، وليعمَلنَّ ما يعمل الصالحون في أموالهم، وليسيرَنَّ في طريق الصلاح.
تفسير السعديأي: ومن هؤلاء المنافقين من أعطى اللّه عهده وميثاقه لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ من الدنيا فبسطها لنا ووسعها لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فنصل الرحم، ونقري الضيف، ونعين على نوائب الحق، ونفعل الأفعال الحسنة الصالحة.
تفسير ابن كثيريقول تعالى : ومن المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه : لئن أغناه من فضله ليصدقن من ماله ، وليكونن من الصالحين . فما وفى بما قال ، ولا صدق فيما ادعى ، فأعقبهم هذا الصنيع نفاقا سكن في قلوبهم إلى يوم يلقون الله - عز وجل - يوم القيامة ، عياذا بالله من ذلك .وقد ذكر كثير من المفسرين ، منهم ابن عباس ، والحسن البصري : أن سبب نزول هذه الآية الكريمة في " ثعلبة بن حاطب الأنصاري " .وقد ورد فيه حديث رواه ابن جرير هاهنا وابن أبي حاتم ، من حديث معان بن رفاعة ، عن علي بن يزيد ، عن أبي عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن ، مولى عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية ، عن أبي أمامة الباهلي ، عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري ، أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ادع الله أن يرزقني مالا . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه . قال : ثم قال مرة أخرى ، فقال : أما ترضى أن تكون مثل نبي الله ، فوالذي نفسي بيده لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا وفضة لسارت . قال : والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اللهم ارزق ثعلبة مالا . قال : فاتخذ غنما ، فنمت كما ينمو الدود ، فضاقت عليه المدينة ، فتنحى عنها ، فنزل واديا من أوديتها ، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ، ويترك ما سواهما . ثم نمت وكثرت ، فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة ، وهي تنمو كما ينمو الدود ، حتى ترك الجمعة . فطفق يتلقى الركبان يوم الجمعة ، يسألهم عن الأخبار ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما فعل ثعلبة ؟ فقالوا : يا رسول الله ، اتخذ غنما فضاقت عليه المدينة . فأخبروه بأمره فقال : يا ويح ثعلبة ، يا ويح ثعلبة ، يا ويح ثعلبة . وأنزل الله جل ثناؤه : ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) الآية [ التوبة : 103 ] قال : ونزلت عليه فرائض الصدقة ، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلين على الصدقة : رجلا من جهينة ، ورجلا من سليم ، وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة من المسلمين ، وقال لهما : مرا بثعلبة ، وبفلان - رجل من بني سليم - فخذا صدقاتهما . فخرجا حتى أتيا ثعلبة ، فسألاه الصدقة ، وأقرآه كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ما هذه إلا جزية . ما هذه إلا أخت الجزية . ما أدري ما هذا انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إلي . فانطلقا وسمع بهما السلمي ، فنظر إلى خيار أسنان إبله ، فعزلها للصدقة ، ثم استقبلهما بها فلما رأوها قالوا : ما يجب عليك هذا ، وما نريد أن نأخذ هذا منك . قال : بلى ، فخذوها ، فإن نفسي بذلك طيبة ، وإنما هي له ، فأخذوها منه ، فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى مرا بثعلبة ، فقال : أروني كتابكما فنظر فيه ، فقال : ما هذه إلا أخت الجزية . انطلقا حتى أرى رأيي . فانطلقا حتى أتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما رآهما قال : يا ويح ثعلبة قبل أن يكلمهما ، ودعا للسلمي بالبركة ، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة والذي صنع السلمي ، فأنزل الله - عز وجل - : ( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ) إلى قوله : ( وبما كانوا يكذبون ) قال : وعند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل من أقارب ثعلبة ، فسمع ذلك ، فخرج حتى أتاه فقال : ويحك يا ثعلبة . قد أنزل الله فيك كذا وكذا ، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله أن يقبل منه صدقته ، فقال : إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك ، فجعل يحثو على رأسه التراب ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : [ هذا ] عملك ، قد أمرتك فلم تطعني . فلما أبى أن يقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجع إلى منزله ، فقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقبل منه شيئا . ثم أتى أبا بكر - رضي الله عنه - حين استخلف ، فقال : قد علمت منزلتي من رسول الله ، وموضعي من الأنصار ، فاقبل صدقتي . فقال أبو بكر : لم يقبلها منك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبى أن يقبلها ، فقبض أبو بكر ولم يقبلها . فلما ولي عمر - رضي الله عنه - أتاه فقال : يا أمير المؤمنين ، اقبل صدقتي . فقال : لم يقبلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أبو بكر ، وأنا أقبلها منك ! فقبض ولم يقبلها ؛ ثم ولي عثمان - رضي الله عنه - [ فأتاه ] فسأله أن يقبل صدقته ، فقال : لم يقبلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أبو بكر ولا عمر وأنا أقبلها منك ! فلم يقبلها منه ، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان .
تفسير القرطبيقوله تعالى ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحينفيه خمس مسائل :الأولى : قوله تعالى ومنهم من عاهد الله قال قتادة : هذا رجل من الأنصار قال : لئن رزقني الله شيئا لأؤدين فيه حقه ولأتصدقن ; فلما آتاه الله ذلك فعل ما نص عليكم ، فاحذروا الكذب فإنه يؤدي إلى الفجور . وروى علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة الباهلي أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري - فسماه - قال للنبي صلى الله عليه وسلم ادع الله أن يرزقني مالا . فقال عليه السلام ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه ثم عاود ثانيا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما ترضى أن تكون مثل نبي الله لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا لسارت فقال : والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه . فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم ; فاتخذ غنما فنمت كما تنمي الدود ، فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ونزل واديا من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ، وترك ما سواهما . ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة ، وهي تنمي حتى ترك الجمعة أيضا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ويح ثعلبة ثلاثا . ثم نزل خذ من أموالهم صدقة . فبعث صلى الله عليه وسلم رجلين على الصدقة ، وقال لهما : مرا بثعلبة وبفلان - رجل من بني سليم - فخذا صدقاتهما فأتيا ثعلبة وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما هذه إلا أخت الجزية انطلقا حتى تفرغا ثم تعودا . الحديث ، وهو مشهور . وقيل : سبب غناء ثعلبة أنه ورث ابن عم له . قاله ابن عبد البر : قيل إن ثعلبة بن حاطب هو الذي نزل فيه ومنهم من عاهد الله . . . الآية ; إذ منع الزكاة ، فالله أعلم . وما جاء فيمن شاهد بدرا يعارضه قوله تعالى في الآية : فأعقبهم نفاقا في قلوبهم . . . الآية .قلت : وذكر عن ابن عباس في سبب نزول الآية أن حاطب بن أبي بلتعة أبطأ عنه ماله بالشام فحلف في مجلس من مجالس الأنصار : إن سلم ذلك لأتصدقن منه ولأصلن منه . فلما سلم بخل بذلك فنزلت .قلت : وثعلبة بدري أنصاري وممن شهد الله له ورسوله بالإيمان ; حسب ما يأتي بيانه في أول الممتحنة فما روي عنه غير صحيح . قال أبو عمر : ولعل قول من قال في ثعلبة أنه مانع الزكاة الذي نزلت فيه الآية غير صحيح ، والله أعلم . وقال الضحاك : إن الآية نزلت في رجال من المنافقين نبتل بن الحارث وجد بن قيس ومعتب بن قشير .قلت : وهذا أشبه بنزول الآية فيهم ; إلا أن قوله فأعقبهم نفاقا يدل على أن الذي عاهد الله لم يكن منافقا من قبل ، إلا أن يكون المعنى : زادهم نفاقا ثبتوا عليه إلى الممات ، وهو قوله تعالى : إلى يوم يلقونه على ما يأتي .الثانية : قال علماؤنا : لما قال الله تعالى : ومنهم من عاهد الله احتمل أن يكون عاهد الله بلسانه ولم يعتقده بقلبه . واحتمل أن يكون عاهد الله بهما ثم أدركته سوء الخاتمة ; فإن الأعمال بخواتيمها والأيام بعواقبها . و ( من ) رفع بالابتداء ، والخبر في المجرور . ولفظ اليمين ورد في الحديث وليس في ظاهر القرآن يمين إلا بمجرد الارتباط والالتزام ، أما إنه في صيغة القسم في المعنى : فإن اللام تدل عليه ، وقد أتى بلامين : الأولى للقسم ، والثانية لام الجواب ، وكلاهما للتأكيد . ومنهم من قال : إنهما لاما القسم ; والأول أظهر ، والله أعلم .الثالثة : العهد والطلاق وكل حكم ينفرد به المرء ولا يفتقر إلى غيره فيه فإنه يلزمه منه ما يلتزمه بقصده وإن لم يلفظ به ; قاله علماؤنا . وقال الشافعي وأبو حنيفة : لا يلزم أحدا حكم إلا بعد أن يلفظ به وهو القول الآخر لعلمائنا . ابن العربي : والدليل على صحة ما ذهبنا إليه ما رواه أشهب عن مالك ، وقد سئل : إذا نوى الرجل الطلاق بقلبه ولم يلفظ به بلسانه فقال : يلزمه ; كما يكون مؤمنا بقلبه ، وكافرا بقلبه . قال ابن العربي : وهذا أصل بديع ، وتحريره أن يقال : عقد لا يفتقر فيه المرء إلى غيره في التزامه فانعقد عليه بنية . أصله الإيمان والكفر .قلت : وحجة القول الثاني ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به ورواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح ، والعمل على هذا عند أهل العلم إذا حدث نفسه بالطلاق لم يكن شيئا حتى يتكلم به . قال أبو عمر : ومن اعتقد بقلبه الطلاق ولم ينطق به لسانه فليس بشيء . هذا هو الأشهر عن مالك . وقد روي عنه أنه يلزمه الطلاق إذا نواه بقلبه ; كما يكفر بقلبه وإن لم ينطق به لسانه . والأول أصح في النظر وطريق الأثر ; لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : تجاوز الله لأمتي عما وسوست به نفوسها ما لم ينطق به لسان أو تعمله يد .الرابعة : إن كان نذرا فالوفاء بالنذر واجب من غير خلاف وتركه معصية . وإن كانت يمينا فليس الوفاء باليمين واجبا باتفاق . بيد أن المعنى فيه إن كان الرجل فقيرا لا يتعين عليه فرض الزكاة ; فسأل الله مالا تلزمه فيه الزكاة ويؤدي ما تعين عليه من فرضه ، فلما آتاه الله ما شاء من ذلك ترك ما التزم مما كان يلزمه في أصل الدين لو لم يلتزمه ، لكن التعاطي بطلب المال لأداء الحقوق هو الذي أورطه إذ كان طلبه من الله تعالى بغير نية خالصة ، أو نية لكن سبقت فيه البداية ، المكتوب عليه فيها الشقاوة . نعوذ بالله من ذلك .قلت : ومن هذا المعنى قوله عليه السلام : إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى فإنه لا يدري ما كتب له في غيبالله عز وجل من أمنيته أي من عاقبتها ، فرب أمنية يفتتن بها أو يطغى فتكون سببا للهلاك دنيا وأخرى ؛ لأن أمور الدنيا مبهمة عواقبها خطرة غائلتها . وأما تمني أمور الدين والأخرى فتمنيها محمود العاقبة محضوض عليها مندوب إليها .الخامسة : قوله تعالى لئن آتانا من فضله لنصدقن دليل على أن من قال : إن ملكت كذا وكذا فهو صدقة فإنه يلزمه ; وبه قال أبو حنيفة : وقال الشافعي : لا يلزمه . والخلاف في الطلاق مثله ، وكذلك في العتق . وقال أحمد بن حنبل : يلزمه ذلك في العتق ولا يلزمه في الطلاق ; لأن العتق قربة وهي تثبت في الذمة بالنذر ; بخلاف الطلاق فإنه تصرف في محل ، وهو لا يثبت في الذمة . احتج الشافعي بما رواه أبو داود والترمذي وغيرهما عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ولا عتق له فيما لا يملك ولا طلاق له فيما لا يملك لفظ الترمذي . وقال : وفي الباب عن علي ومعاذ وجابر وابن عباس وعائشة حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن ، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب . وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم . ابن العربي : وسرد أصحاب الشافعي في هذا الباب أحاديث كثيرة لم يصح منها شيء فلا يعول عليها ، ولم يبق إلا ظاهر الآية .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن هؤلاء المنافقين الذين وصفت لك، يا محمد، صفتهم = " مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ" ، يقول: أعطى الله عهدًا (28) = " لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ" ، يقول: لئن أعطانا الله من فضله, ورزقنا مالا ووسَّع علينا من عنده (29) = " لَنَصَّدَّقَنَّ" ، يقول: لنخرجن الصدقة من ذلك المال الذي رزقنا ربُّنا (30) = " وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ" ، يقول: ولنعملنّ فيها بعَمَل أهل الصلاح بأموالهم، من صلة الرحم به، وإنفاقه في سبيل الله.--------------------------الهوامش :(28) انظر تفسير "عاهد" فيما سلف : ص 141 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.(29) انظر تفسير "آتى" ، و "الفضل" فيما سلف من فهارس اللغة (أتى) و (فضل).(30) انظر تفسير " التصدق " فيما سلف 9 : 31 ، 37 ، 38.
فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضۡلِهِۦ بَخِلُواْ بِهِۦ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ ٧٦التفسير الميسرفلما أعطاهم الله من فضله بخلوا بإعطاء الصدقة وبإنفاق المال في الخير، وتولَّوا وهم معرضون عن الإسلام.
تفسير السعديفَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ لم يفوا بما قالوا، بل بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا عن الطاعة والانقياد وَهُمْ مُعْرِضُونَ أي: غير ملتفتين إلى الخير.
تفسير ابن كثيريقول تعالى : ومن المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه : لئن أغناه من فضله ليصدقن من ماله ، وليكونن من الصالحين . فما وفى بما قال ، ولا صدق فيما ادعى ، فأعقبهم هذا الصنيع نفاقا سكن في قلوبهم إلى يوم يلقون الله - عز وجل - يوم القيامة ، عياذا بالله من ذلك .وقد ذكر كثير من المفسرين ، منهم ابن عباس ، والحسن البصري : أن سبب نزول هذه الآية الكريمة في " ثعلبة بن حاطب الأنصاري " .وقد ورد فيه حديث رواه ابن جرير هاهنا وابن أبي حاتم ، من حديث معان بن رفاعة ، عن علي بن يزيد ، عن أبي عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن ، مولى عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية ، عن أبي أمامة الباهلي ، عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري ، أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ادع الله أن يرزقني مالا . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه . قال : ثم قال مرة أخرى ، فقال : أما ترضى أن تكون مثل نبي الله ، فوالذي نفسي بيده لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا وفضة لسارت . قال : والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اللهم ارزق ثعلبة مالا . قال : فاتخذ غنما ، فنمت كما ينمو الدود ، فضاقت عليه المدينة ، فتنحى عنها ، فنزل واديا من أوديتها ، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ، ويترك ما سواهما . ثم نمت وكثرت ، فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة ، وهي تنمو كما ينمو الدود ، حتى ترك الجمعة . فطفق يتلقى الركبان يوم الجمعة ، يسألهم عن الأخبار ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما فعل ثعلبة ؟ فقالوا : يا رسول الله ، اتخذ غنما فضاقت عليه المدينة . فأخبروه بأمره فقال : يا ويح ثعلبة ، يا ويح ثعلبة ، يا ويح ثعلبة . وأنزل الله جل ثناؤه : ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) الآية [ التوبة : 103 ] قال : ونزلت عليه فرائض الصدقة ، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلين على الصدقة : رجلا من جهينة ، ورجلا من سليم ، وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة من المسلمين ، وقال لهما : مرا بثعلبة ، وبفلان - رجل من بني سليم - فخذا صدقاتهما . فخرجا حتى أتيا ثعلبة ، فسألاه الصدقة ، وأقرآه كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ما هذه إلا جزية . ما هذه إلا أخت الجزية . ما أدري ما هذا انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إلي . فانطلقا وسمع بهما السلمي ، فنظر إلى خيار أسنان إبله ، فعزلها للصدقة ، ثم استقبلهما بها فلما رأوها قالوا : ما يجب عليك هذا ، وما نريد أن نأخذ هذا منك . قال : بلى ، فخذوها ، فإن نفسي بذلك طيبة ، وإنما هي له ، فأخذوها منه ، فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى مرا بثعلبة ، فقال : أروني كتابكما فنظر فيه ، فقال : ما هذه إلا أخت الجزية . انطلقا حتى أرى رأيي . فانطلقا حتى أتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما رآهما قال : يا ويح ثعلبة قبل أن يكلمهما ، ودعا للسلمي بالبركة ، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة والذي صنع السلمي ، فأنزل الله - عز وجل - : ( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ) إلى قوله : ( وبما كانوا يكذبون ) قال : وعند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل من أقارب ثعلبة ، فسمع ذلك ، فخرج حتى أتاه فقال : ويحك يا ثعلبة . قد أنزل الله فيك كذا وكذا ، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله أن يقبل منه صدقته ، فقال : إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك ، فجعل يحثو على رأسه التراب ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : [ هذا ] عملك ، قد أمرتك فلم تطعني . فلما أبى أن يقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجع إلى منزله ، فقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقبل منه شيئا . ثم أتى أبا بكر - رضي الله عنه - حين استخلف ، فقال : قد علمت منزلتي من رسول الله ، وموضعي من الأنصار ، فاقبل صدقتي . فقال أبو بكر : لم يقبلها منك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبى أن يقبلها ، فقبض أبو بكر ولم يقبلها . فلما ولي عمر - رضي الله عنه - أتاه فقال : يا أمير المؤمنين ، اقبل صدقتي . فقال : لم يقبلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أبو بكر ، وأنا أقبلها منك ! فقبض ولم يقبلها ؛ ثم ولي عثمان - رضي الله عنه - [ فأتاه ] فسأله أن يقبل صدقته ، فقال : لم يقبلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أبو بكر ولا عمر وأنا أقبلها منك ! فلم يقبلها منه ، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان .
تفسير القرطبيفَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِأي أعطاهم .بَخِلُوا بِهِأي بإعطاء الصدقة وبإنفاق المال في الخير , وبالوفاء بما ضمنوا والتزموا .وقد مضى البخل في [ آل عمران ]وَتَوَلَّوْاأي عن طاعة الله .وَهُمْ مُعْرِضُونَأي عن الإسلام , أي مظهرون للإعراض عنه .
تفسير الطبري(31) يقول الله تبارك وتعالى: فرزقهم الله وأتاهم من فضله = " فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ" ، بفضل الله الذي آتاهم, فلم يصدّقوا منه، ولم يصلوا منه قرابةً، ولم ينفقوا منه في حق الله = " وَتَوَلَّوْا " ، يقول: وأدبروا عن عهدهم الذي عاهدوه الله (32) = " وَهُمْ مُعْرِضُونَ" ، عنه (33) =(فأعقبهم) الله =(نفاقا في قلوبهم)، ببخلهم بحق الله الذي فرضه عليهم فيما آتاهم من فضله, وإخلافهم الوعد الذي وعدُوا الله, ونقضهم عهدَه في قلوبهم (34) =(إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه)، من الصدقة والنفقة في سبيله =(وبما كانوا يكذبون)، في قيلهم, وحَرَمهم التوبة منه، لأنه جل ثناؤه اشترط في نفاقهم أنَّه أعقبهموه إلى يوم يلقونه، وذلك يوم مماتهم وخروجهم من الدنيا.* * *واختلف أهل التأويل في المعني بهذه الآية.فقال بعضهم: عُني بها رجل يقال له: " ثعلبة بن حاطب "، من الأنصار. (35)* ذكر من قال ذلك:16986- محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ" ، الآية, وذلك أن رجلا يقال له: " ثعلبة بن حاطب "، من الأنصار, أتى مجلسًا فأشهدهم فقال: لئن آتاني الله من فضله, آتيت منه كل ذي حقٍّ حقه, وتصدّقت منه, ووصلت منه القرابة! فابتلاه الله فآتاه من فضله, فأخلف الله ما وعدَه, وأغضبَ الله بما أخلفَ ما وعده. فقصّ الله شأنه في القرآن: " وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ" ، الآية, إلى قوله: (يكذبون).16987- حدثني المثنى قال، حدثنا هشام بن عمار قال، حدثنا محمد بن شعيب قال، حدثنا معان بن رفاعة السلمي, عن أبي عبد الملك علي بن يزيد الإلهاني: أنه أخبره عن القاسم بن عبد الرحمن: أنه أخبره عن أبي أمامة الباهلي, عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري, أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ادع الله أن يرزقني مالا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك يا ثعلبة, قليل تؤدِّي شكره, خير من كثير لا تطيقه! قال: ثم قال مرة أخرى, فقال: أما ترضى أن تكون مثل نبيِّ الله، فوالذي نفسي بيده، لو شئتُ أن تسيرَ معي الجبال ذهبًا وفضة لسارت! قال: والذي بعثك بالحق لئن دعوتَ الله فرزقني مالا لأعطينّ كلّ ذي حق حقه ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم ارزق ثعلبة مالا! قال: فاتَّخذ غنمًا, فنمت كما ينمو الدُّود, فضاقت عليه المدينة، فتنحَّى عنها, فنزل واديًا من أوديتها, حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة, ويترك ما سواهما. ثم نمت وكثرت, فتنحّى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة, وهي تنمو كما ينمو الدود, حتى ترك الجمعة. فطفق يتلقَّى الركبان يوم الجمعة، يسألهم عن الأخبار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل ثعلبة؟ فقالوا: يا رسول الله، اتخذ غنمًا فضاقت عليه المدينة! فأخبروه بأمره، فقال: يا ويْحَ ثعلبة ! يا ويح ثعلبة ! يا ويح ثعلبة! قال: وأنزل الله: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً [سورة التوبة: 103] الآية، ونزلت عليه فرائض الصدقة, فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين على الصدقة, رجلا من جهينة, ورجلا من سليم, وكتب لهما كيفَ يأخذان الصدقة من المسلمين, وقال لهما: مرَّا بثعلبة, وبفلان، رجل من بني سليم، فخذا صدقاتهما ! فخرجا حتى أتيا ثعلبة, فسألاه الصدقة, وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال: ما هذه إلا جزية! ما هذه إلا أخت الجزية! ما أدري ما هذا ! انطلقا حتى تفرُغا ثم عودا إليّ. فانطلقا, وسمع بهما السُّلمي, فنظر إلى خِيار أسنان إبله، فعزلها للصدقة، ثم استقبلهم بها. فلما رأوها قالوا: ما يجب عليك هذا, وما نريد أن نأخذ هذا منك. قال: بلى، فخذوه, (36) فإنّ نفسي بذلك طيّبة, وإنما هي لي! فأخذوها منه. فلما فرغا من صدقاتهما رجعا, حتى مرَّا بثعلبة, فقال: أروني كتابكما ! فنظر فيه، فقال: ما هذه إلا أخت الجزية! انطلقا حتى أرى رأيي. فانطلقا حتى أتيا النبي صلى الله عليه وسلم, فلما رآهما قال: يا ويح ثعلبة ! قبل أن يكلِّمهما, ودعا للسلميّ بالبركة, فأخبراه بالذي صنع ثعلبة, والذي صنع السلميّ, فأنزل الله تبارك وتعالى فيه: " وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ" ، إلى قوله: (وبما كانوا يكذبون)، وعند رسول الله رجلٌ من أقارب ثعلبة, فسمع ذلك, فخرج حتى أتاه, فقال: ويحك يا ثعلبة! قد أنزل الله فيك كذا وكذا ! فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم, فسأله أن يقبل منه صدقته. فقال: إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك ! فجعل يَحْثِي على رأسه التراب, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا عملك, قد أمرتك فلم تطعني! فلما أبَى أن يقبض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم, رجع إلى منزله, وقُبِض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقبل منه شيئًا. ثم أتى أبا بكر حين اسْتخلِف, فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وموضعي من الأنصار, فاقبل صدقتي ! فقال أبو بكر: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أقبلها! فقُبِض أبو بكر، ولم يقبضها. فلما ولي عمر، أتاه فقال: يا أمير المؤمنين، اقبل صدقتي ! فقال: لم يقبلها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر, وأنا أقبلها منك ! فقُبِض ولم يقبلها، ثم ولي عثمان رحمة الله عليه, فأتاه فسأله أن يقبل صدقته فقال: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر رضوان الله عليهما وأنا أقبلها منك ! (37) فلم يقبلها منه. وهلك ثَعْلبة في خلافة عثمان رحمة الله عليه. (38)16988- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ" ، الآية: ذكر لنا أن رجلا من الأنصار أتى على مجلس من الأنصار, فقال: لئن آتاه الله مالا ليؤدِّين إلى كل ذي حقّ حقه ! فآتاه الله مالا فصنع فيه ما تسمعون، قال: " فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ" إلى قوله: (وبما كانوا يكذبون). ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم حدَّث أن موسى عليه الصلاة والسلام لما جاء بالتوراة إلى بني إسرائيل، قالت بنو إسرائيل: إن التوراة كثيرة, وإنا لا نفرُغ لها, فسل لنا ربَّك جِماعًا من الأمر نحافظ عليه، ونتفرغ فيه لمعاشنا! (39) قال: يا قوم، مهلا مهلا! هذا كتاب الله, ونور الله, وعِصْمة الله! قال: فأعادوا عليه, فأعاد عليهم, قالها ثلاثًا. قال: فأوحى الله إلى موسى: ما يقول عبادي ؟ قال: يا رب، يقولون: كيت وكيت. قال: فإني آمرهم بثلاثٍ إن حافظوا عليهن دخلوا بهن الجنة، أن ينتهوا إلى قسمة الميراثِ فلا يظلموا فيها, ولا يدخلوا أبصارَهم البيوت حتى يؤذن لهم, وأن لا يطعموا طعامًا حتى يتوضأوا وضوء الصلاة. قال: فرجع بهن نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه, ففرحوا، ورأوا أنهم سيقومون بهن. قال: فوالله ما لبث القومُ إلا قليلا حتى جَنَحُوا وانْقُطِع بهم. فلما حدّث نبيُّ الله بهذا الحديث عن بني إسرائيل, قال: تكفَّلوا لي بستٍّ، أتكفل لكم بالجنة! قالوا: ما هنّ، يا رسول الله؟ قال: إذا حدثتم فلا تكذبوا, وإذا وعدتم فلا تُخْلفوا, وإذا اؤتمنتم فلا تخونوا, وكُفُّوا أبصاركم وأيديكم وفروجكم: أبصارَكم عن الخيانة، وأيديكم عن السرقة، وفروجكم عن الزِّنا.16989- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: ثلاثٌ من كن فيه صار منافقًا وإن صامَ وصلى وزعم أنه مُسلم: إذا حدث كذب, وإذا اؤتمن خان, وإذا وعد أخلف.* * *وقال آخرون: بل المعنيُّ بذلك: رجلان: أحدهما ثعلبة, والآخر معتب بن قشير.* ذكر من قال ذلك:16990- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن عمرو بن عبيد, عن الحسن: " وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ" الآية, (40) وكان الذي عاهد الله منهم: ثعلبة بن حاطب, ومعتب بن قشير, وهما من بني عمرو بن عوف. (41)16991- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: " وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ" ، قال رجلان خرجا على ملأ قُعُود فقالا والله لئن رزقنا الله لنصدقن ! فلما رزقهم بخلوا به.16992- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبى نجيح, عن مجاهد: " وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ" ، رجلان خرجا على ملأ قُعُود فقالا والله لئن رزقنا الله لنصدقن ! .----------------الهوامش :(31) انظر تفسير "الصالح" فيما سلف من فهارس اللغة (صلح).(32) انظر تفسير "التولي" فيما سلف من فهارس اللغة (ولي).(33) انظر تفسير " الإعراض " فيما سلف 13 : 463 ، تعليق : 6 ، والمراجع هناك . ج 14 ( 24 ) .(34) انظر تفسير " النفاق " فيما سلف ص : 358 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .(35) في المخطوطة، وقف عند قوله: "يقال له"، ولم يذكر اسم الرجل، واستظهره الناشر الأول من الأخبار، وأصاب فيما فعل.(36) " بلي " واستعمالها في غير جحد، قد سلف مرارًا ، آخرها في رقم : 16305 ، ص : 67، تعليق : 3 ، والمراجع هناك.(37) في المطبوعة والمخطوطة: "وأنا لا أقبلها"، والجيد حذف " لا " كما سلف في مقالة أبي بكر وعمر ، وهو مطابق لما في أسد الغابة .(38) الأثر : 16987 - "هشام بن عمار بن نصير السلمي"، ثقة، روى له البخاري ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه . وتكلموا فيه قالوا : لما كبر تغير . ومضى برقم : 11108 . و " محمد بن شعيب بن شابور الأموي " ثقة ، مضى برقم : 16987 .و "معان بن رفاعة السلمي" أو : "السلامي" وهو المشهور، لين الحديث ، يكتب حديثه ولا يحتج به . مترجم في التهذيب ، والكبير 4 2 70، وفي إحدى نسخه "السلمي" كما جاء في الطبري، ولذلك تركته على حاله، وابن أبي حاتم .و " علي بن يزيد الألهاني " ، " أبو عبد الملك " ، ضعيف بمرة ، روى من القاسم بن عبد الرحمن صاحب أبي أمامة نسخة كبيرة ، وأحاديثه هذه ضعاف كلها . مضى برقم : 11525 .و " القاسم بن عبد الرحمن الشامي " ، تقدم بيان توثيقه ، وأن ما أنكر عليه إنما جاء من قبل الرواة عنه الضعفاء ، مضى برقم : 1939 ، 11525 .وأما ثعلبة بن حاطب الأنصاري ، ففي ترجمته خلط كثير . أهو رجل واحد ، أم رجلان ؟ أولهما هو الذي آخى رسول الله بينه وبين معتب بن الحمراء ، والذي شهد بدرًا وأحدًا . والآخر هو صاحب هذه القصة . يقال : إن الأول قتل يوم أحد . وجعلهما بعضهم رجلا واحدًا ونفوا أن يكون قتل يوم أحد . انظر ترجمته في الإصابة ، والاستيعاب : 78 ، وأسد الغابة 1 : 237 ، وابن سعد : 3 2 32 .وهذا الخبر رواه بهذا الإسناد ، ابن الأثير في أسد الغابة 1 : 237 ، 238 ، وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 21 ، 32 ، وقال : " رواه الطبراني ، وفيه علي بن يزيد الألهاني ، وهو متروك " .وهو ضعيف كل الضعف ، ليس له شاهد من غيره ، وفي بعض رواته ضعف شديد .وهذا الخبر ، خرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 260 ، ونسبه إلى الحسن بن سفيان ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، والعسكري في الأمثال ، والطبراني ، وابن منده، والبارودي ، وأبي نعيم في معرفة الصحابة ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل ، وابن عساكر.(39) في المطبوعة: "لمعايشنا"، وأثبت ما في المخطوطة.(40) كان في المطبوعة: "من فضله، إلى الآخر"، وهو غريب جدًا، وفي المخطوطة: "من فضله الآخر"، وصواب قراءتها ما أثبت، وإنما سها الناسخ كعادته.(41) الأثر : 16990 - سيرة ابن هشام 4 : 196، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16969 .
فَأَعۡقَبَهُمۡ نِفَاقٗا فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ يَلۡقَوۡنَهُۥ بِمَآ أَخۡلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ ٧٧التفسير الميسرفكان جزاء صنيعهم وعاقبتهم أَنْ زادهم نفاقًا على نفاقهم، لا يستطيعون التخلص منه إلى يوم الحساب؛ وذلك بسبب إخلافهم الوعد الذي قطعوه على أنفسهم، وبسبب نفاقهم وكذبهم.
تفسير السعديفلما لم يفوا بما عاهدوا اللّه عليه، عاقبهم فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ مستمرا إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَفليحذر المؤمن من هذا الوصف الشنيع، أن يعاهد ربه، إن حصل مقصوده الفلاني ليفعلن كذا وكذا، ثم لا يفي بذلك، فإنه ربما عاقبه اللّه بالنفاق كما عاقب هؤلاء.وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الثابت في الصحيحين: آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلففهذا المنافق الذي وعد اللّه وعاهده، لئن أعطاه اللّه من فضله، ليصدقن وليكونن من الصالحين، حدث فكذب، وعاهد فغدر، ووعد فأخلف.
تفسير ابن كثيروقوله تعالى : ( بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ) أي : أعقبهم النفاق في قلوبهم بسبب إخلافهم الوعد وكذبهم ، كما جاء في الصحيح ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان وله شواهد كثيرة ، والله أعلم .
تفسير القرطبيفَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْمفعولان أي أعقبهم الله تعالى نفاقا في قلوبهم .وقيل : أي أعقبهم البخل نفاقا ; ولهذا قال : " بخلوا به " ." نفاقا " النفاق إذا كان في القلب فهو الكفر .فأما إذا كان في الأعمال فهو معصية .قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها .إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر ) خرجه البخاري .وقد مضى في [ البقرة ] اشتقاق هذه الكلمة , فلا معنى لإعادتها .واختلف الناس في تأويل هذا الحديث ; فقالت طائفة : إنما ذلك لمن يحدث بحديث يعلم أنه كذب , ويعهد عهدا لا يعتقد الوفاء به , وينتظر الأمانة للخيانة فيها .وتعلقوا بحديث ضعيف الإسناد , وأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لقي أبا بكر وعمر رضي الله عنهما خارجين من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما ثقيلان فقال علي : ما لي أراكما ثقيلين ؟ قالا حديثا سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال المنافقين ( إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا اؤتمن خان وإذا وعد أخلف ) فقال علي : أفلا سألتماه ؟ فقالا : هبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لكني سأسأله ; فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله , خرج أبو بكر وعمر وهما ثقيلان , ثم ذكر ما قالاه , فقال : ( قد حدثتهما ولم أضعه على الوضع الذي وضعاه ولكن المنافق إذا حدث وهو يحدث نفسه أنه يكذب وإذا وعد وهو يحدث نفسه أنه يخلف وإذا اؤتمن وهو يحدث نفسه أنه يخون ) ابن العربي : قد قام الدليل الواضح على أن متعمد هذه الخصال لا يكون كافرا , وإنما يكون كافرا باعتقاد يعود إلى الجهل بالله وصفاته أو تكذيب له تعالى الله وتقدس عن اعتقاد الجاهلين وعن زيغ الزائغين .وقالت طائفة : ذلك مخصوص بالمنافقين زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم .وتعلقوا بما رواه مقاتل بن حيان عن سعيد بن جبير عن ابن عمر وابن عباس قالا : أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه فقلنا : يا رسول الله , إنك قلت ( ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مؤمن إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان ومن كانت فيه خصلة منهن ففيه ثلث النفاق ) فظننا أنا لم نسلم منهن أو من بعضهن ولم يسلم منهن كثير من الناس ; قال : فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( ما لكم ولهن إنما خصصت بهن المنافقين كما خصهم الله في كتابه أما قولي إذا حدث كذب فذلك قوله عز وجل " إذا جاءك المنافقون .. ." [ المنافقون : 1 ] - الآية - ( أفأنتم كذلك ) ؟ قلنا : لا .قال : ( لا عليكم أنتم من ذلك برآء وأما قولي إذا وعد أخلف فذلك فيما أنزل الله علي " ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله .. ." - الآيات الثلاث - ( أفأنتم كذلك ) ؟ قلنا لا , والله لو عاهدنا الله على شيء أوفينا به .قال : ( لا عليكم أنتم من ذلك برآء وأما قولي وإذا اؤتمن خان فذلك فيما أنزل الله علي " إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال .. ." [ الأحزاب : 72 ] - الآية - ( فكل إنسان مؤتمن على دينه فالمؤمن يغتسل من الجنابة في السر والعلانية والمنافق لا يفعل ذلك إلا في العلانية أفأنتم كذلك ) ؟ قلنا لا قال : ( لا عليكم أنتم من ذلك برآء ) .وإلى هذا صار كثير من التابعين والأئمة .قالت طائفة : هذا فيمن كان الغالب عليه هذه الخصال .ويظهر من مذهب البخاري وغيره من أهل العلم أن هذه الخلال الذميمة منافق من اتصف بها إلى يوم القيامة .قال ابن العربي : والذي عندي أنه لو غلبت عليه المعاصي ما كان بها كافرا ما لم يؤثر في الاعتقاد .قال علماؤنا : إن إخوة يوسف عليه السلام عاهدوا أباهم فأخلفوه , وحدثوه فكذبوه , وائتمنهم على يوسف فخانوه وما كانوا منافقين .قال عطاء بن أبي رباح : قد فعل هذه الخلال إخوة يوسف ولم يكونوا منافقين بل كانوا أنبياء .وقال الحسن بن أبي الحسن البصري : النفاق نفاقان , نفاق الكذب ونفاق العمل ; فأما نفاق الكذب فكان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأما نفاق العمل فلا ينقطع إلى يوم القيامة .وروى البخاري عن حذيفة أن النفاق كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان .إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُفي موضع خفض ; أي يلقون بخلهم , أي جزاء بخلهم ; كما يقال : أنت تلقى غدا عملك .وقيل : " إلى يوم يلقونه " أي يلقون الله .وفي هذا دليل على أنه مات منافقا .وهو يبعد أن يكون المنزل فيه ثعلبة أو حاطب ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر : ( وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) وثعلبة وحاطب ممن حضر بدرا وشهدها .بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَكذبهم نقضهم العهد وتركهم الوفاء بما التزموه من ذلك .
تفسير الطبريفلما رزقهم بخلوا به, =(فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم بما أخلفوا الله ما وعدوه)، حين قالوا: " لَنَصَّدَّقَنَّ" ، فلم يفعلوا.16993- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد، نحوه.16994- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ" الآية, قال: هؤلاء صنف من المنافقين, فلما آتاهم ذلك بخلوا به، فلما بخلوا بذلك أعقبهم بذلك نفاقًا إلى يوم يلقونه, ليس لهم منه توبة ولا مغفرة ولا عفو, كما أصاب إبليس حين منعه التوبة.* * *وقال أبو جعفر: في هذه الآية، الإبانةُ من الله جل ثناؤه عن علامةِ أهل النفاق, أعني في قوله: (فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون).* * *وبنحو هذا القول كان يقول جماعة من الصحابة والتابعين, ورُوِيت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. (42)* ذكر من قال ذلك:16995- حدثنا أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن عمارة, عن عبد الرحمن بن يزيد قال، قال عبد الله: اعتبروا المنافق بثلاثٍ: إذا حدَّث كذب, وإذا وعد أخلف, وإذا عاهد غدَر، وأنزل الله تصديقَ ذلك في كتابه: " وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ" ، إلى قوله: (يكذبون). (43)16996- حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن سماك, عن صبيح بن عبد الله بن عميرة, عن عبد الله بن عمرو قال: ثلاث من كن فيه كان منافقًا: إذا حدَّث كذب, وإذا وعد أخلف, وإذا أؤتمن خان. قال: وتلا هذه الآية: " وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ" ، إلى آخر الآية. (44)16997- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة, عن سماك قال: سمعت صبيح بن عبد الله العبسيّ يقول: سألت عبد الله بن عمرو عن المنافق, فذكر نحوه. (45)16998- حدثني محمد بن معمر قال، حدثنا أبو هشام المخزومي قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد قال، حدثنا عثمان بن حكيم قال، سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: كنت أسمع أن المنافق يعرف بثلاث: بالكذب, والإخلاف, والخيانة، فالتمستُها في كتاب الله زمانًا لا أجدُها، ثم وجدتها في اثنتين من كتاب الله, (46) قوله: " وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ" حتى بلغ: (وبما كانوا يكذبون)، وقوله: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [سورة الأحزاب: 72]، هذه الآية.16999- حدثني القاسم بن بشر بن معروف قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا محمد المحرم قال: سمعت الحسن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: &; 14-378 &; ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم: إذا حدَّث كذب, وإذا وعد أخلف, وإذا أؤتمن خان، فقلت للحسن: يا أبا سعيد، لئن كان لرجل عليّ دين فلقيني فتقاضاني، وليس عندي, وخفت أن يحبسني ويهلكني, فوعدته أن أقضيه رأسَ الهلال، فلم أفعل, أمنافق أنا؟ قال: هكذا جاء الحديث! ثم حدّث عن عبد الله بن عمرو: أن أباه لما حضره الموت قال: زوِّجوا فلانًا، فإني وعدته أن أزوجه, لا ألقى الله بثُلُثِ النفاق ! قال قلت: يا أبا سعيد، ويكون ثُلُث الرجل منافقًا، وثلثاه مؤمن؟ قال: هكذا جاء الحديث. قال: فحججت فلقيت عطاء بن أبي رباح, فأخبرته الحديثَ الذي سمعته من الحسن, وبالذي قلت له وقال لي، فقال لي: (47) أعجزت أن تقول له: أخبرني عن إخوة يوسف عليه السلام, ألم يعدوا أباهم فأخلفوه، وحدَّثوه فكذبوه، واتمنهم فخانوه, أفمنافقين كانوا؟ ألم يكونوا أنبياء؟ أبوهم نبيٌّ، وجدُّهم نبي؟ قال: فقلت لعطاء: يا أبا محمد، حدِّثني بأصل النفاق, وبأصل هذا الحديث. فقال: حدثني جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قال هذا الحديث في المنافقين خاصَّة، الذين حدَّثوا النبي فكذبوه, واتمنهم على سرّه فخانوه, ووعدوه أن يخرجوه معه في الغزو فأخلفوه. قال: وخرج أبو سفيان من مكة, فأتى جبريلُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا, فاخرجوا إليه، واكتموا. قال: فكتب رجل من المنافقين إليه : " إن محمدًا يريدكم, فخذوا حذرَكم ". فأنزل الله: لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ، [سورة الأنفال: 27]، وأنزل في المنافقين: " وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ" ، إلى: (فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون)، فإذا لقيت الحسن فأقرئه السلام, وأخبره بأصل هذا الحديث، وبما قلت &; 14-379 &; لك. قال: فقدمت على الحسن فقلت: يا أبا سعيد, إن أخاك عطاءً يقرئك السلام، فأخبرته بالحديث الذي حدث، وما قال لي، فأخذ الحسن بيدي فأشالها، (48) وقال: يا أهل العراق، أعجزتم أن تكونوا مثلَ هذا؟ سمع مني حديثًا فلم يقبله حتى استنبط أصله, صدق عطاء، هكذا الحديث, وهذا في المنافقين خاصة. (49)17000- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا يعقوب, عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث من كن فيه، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فهو منافق. فقيل له: ما هي يا رسول الله؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا حدث كذب, وإذا وعد أخلف, وإذا أؤتمن خان.17001- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، قال، حدثنا مبشّر, عن الأوزاعي عن هارون بن رباب, عن عبد الله بن عمرو بن وائل: أنه لما حضرته الوفاة قال: إنّ فلانًا خطب إليّ ابنتي, وإني كنت قلت له فيها قولا شبيهًا بالعِدَة, والله لا ألقى الله بثُلُث النفاق, وأشهدكم أني قد زوَّجته. (50)* * *وقال قوم: كان العهد الذي عاهد الله هؤلاء المنافقون، شيئًا نووه في أنفسهم، ولم يتكلموا به.* ذكر من قال ذلك:17002- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال: سمعت معتمر بن سليمان التيمي يقول: ركبت البحرَ، فأصابنا ريحٌ شديدة, فنذر قوم منا نذورًا, ونويت أنا، لم أتكلم به. فلما قدمت البصرة سألت أبي سليمانَ فقال لي: يا بُنَيّ، فِ به. (51)= قال معتمر: وحدثنا كهمس، عن سعيد بن ثابت قال قوله: " وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ" ، الآية, قال: إنما هو شيء نووه في أنفسهم ولم يتكلموا به, ألم تسمع إلى قوله: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ ؟ (52)-------------------الهوامش :(42) في المطبوعة : " ووردت به " ، وأثبت ما في المخطوطة.(43) الأثر : 16995 - " عمارة " ، هو " عمارة بن عمير التيمي " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 3294 ، 5789 ، 15359 .و " عبد الرحمن بن يزيد النخعي " ، تابعي ثقة ، روى له الجماعة . مضى برقم : 3294 ، 3295 ، 3299 .و " عبد الله " ، إنما يعني " عبد الله بن مسعود " .وهذا خبر صحيح الإسناد ، موقوف على ابن مسعود ، ولم أجده مرفوعًا عنه . وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 1 : 108 ، بلفظه هذا ، وقال: "رواه الطبراني في الكبير ، ورجاله رجال الصحيح " . وذكر قبله حديثا نحوه ، ليس فيه الآية : " عن عبد الله ، يعني ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم " ، ثم قال : " رواه البزار ، ورجاله رجال الصحيح " .(44) الأثر : 16996 - هذا الخبر ، يأتي بإسناد آخر بعده .و " صبيح بن عبد الله بن عميرة " و " صبيح بن عبد الله العبسي " ، في الذي يليه . وقد سلف برقم : 12741 ، 12742 ، وسلف أن البخاري ترجم له في الكبير 2 2 319 ، باسم " صبيح بن عبد الله " ، زاد في الإسناد "العبسي"، وعلق المعلق هناك أنه في ابن ماكولا : " صبيح بن عبد الله بن عمير التغلبي " والذي قاله الطبري هنا " عميرة " ، ولم أجد ما أرجح به ، وترجم له في ابن أبي حاتم 2 1 449 ، ولم يذكروا له رواية عن " عبد الله بن عمرو " ، وكان في المطبوعة هنا " عبد الله بن عمر " ، وأظنه خطأ ، يدل عليه ما في الخبر بعده . (وانظر ما يلي).وهذا الخبر بهذا الإسناد نقله أخي السيد أحمد في شرحه على المسند ، في مسند " عبد الله بن عمرو بن العاص " رقم : 6879 ، ثم قال : " ورواه الحافظ أبو بكر الفريابي في كتاب صفة النفاق ( ص : 50 - 51 ) ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن غندر ، عن شعبة ، عن سماك بن حرب ، عن صبيح بن عبد الله ، عن عبد الله بن عمرو " ، ثم ساق الخبر بنحوه ، ثم قال : " وهذا موقوف ، وإسناده صحيح ، وهو شاهد جيد لهذا الحديث ، لأنه مثله مرفوع حكمًا . وصبيح بن عبد الله ، بضم الصاد ، تابعي كبير ، أدرك عثمان وعليًا . وترجمه البخاري في الكبير 2 2 319 ، ولم يذكر فيه جرحًا " .وحديث المسند ، حديث مرفوع .وحديث آية المنافق ، رواه البخاري في صحيحه (الفتح 1 : 83 ، 84) من حديث أبي هريرة. وعبد الله بن عمرو. ورواه مسلم في صحيحه (2 : 46 - 48) ، من حديث عبد الله بن عمرو، وأبي هريرة.(45) الأثر : 16997 - "صبيح بن عبد الله العبسي"، انظر ما سلف رقم : 16996 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة "القيسي" بالقاف والياء ، وصححته من المراجع ، ومما سلف رقم : 12741 ، 12742.(46) في المطبوعة: "في آيتين" وأثبت ما في المخطوطة والذي رجح ذلك عندي ، أن الذي ذكره بعد هذا ، ثلاث آيات من سورة التوبة ، وآية من سورة الأحزاب ، فهذه أربعة . ولكنه أراد في سورتين من القرآن ، أو نحو ذلك .(47) في المطبوعة : " فقال " ، أسقط " لي " ، وأثبت ما في المخطوطة .(48) في المطبوعة: "فأمالها"، وهو لا معنى له البتة. وفي المخطوطة: "فأسالها"، غير منقوطة، وهذا صواب قراءتها. يقال: "شالت الناقة بذنبها وأشالته"، رفعته. ويقال : " أشال الحجر ، وشال به ، وشاوله " ، رفعه ، ويقال : " شال السائل بيديه " ، إذا رفعهما يسأل بهما .(49) الأثر : 16999 - " القاسم بن بشر بن أحمد بن معروف " ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 10509 ، 10531 .و " شبابة " ، هو " شبابة بن سوار الفزاري " ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 12851 ، وقبله . وكان في المطبوعة : " أسامة " ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، فحرفه تحريفًا منكرًا. و " محمد المحرم " ، هو " محمد بن عمر المحرم " ويقال هو : " محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي " ، وهو منكر الحديث . سلف بيان حاله برقم : 15922 ، تفصيلا ، ومواضع ترجمته . وكان في المطبوعة : " محمد المخرمي " ، غير ما في المخطوطة بلا دليل ولا بيان ، وهو إساءة وخطأ . وهذا خبر منكر جدًا ، أشار إليه البخاري في التاريخ الكبير 1 1 248 في ترجمة " محمد المحرم " ، قال : " عن عطاء ، والحسن . منكر الحديث : إذا وعد أخلف ، سمع منه شبابة " ، يعني هذا الخبر.(50) الأثر : 17001 - "مبشر"، هو "مبشر بن إسماعيل الحلبي"، ثقة، من شيوخ أحمد، روى له الجماعة. مترجم في التهذيب ، والكبير 4 2 11 ، وابن أبي حاتم 4 1 343 . وكان في المطبوعة: "ميسرة"، تصرف تصرفًا معيبًا، وفي المخطوطة: "مسر" غير منقوطة.و "هارون بن رياب التميمي الأسيدي"، كان من العباد ممن يخفي الزهد . ثقة . قال ابن حزم : " اليمان ، وهارون ، وعلي ، بنو رياب = كان هارون من أهل السنة ، واليمان من أئمة الخوارج ، وعلي من أئمة الروافض ، وكانوا متعادين كلهم " ! ! مترجم في التهذيب ، والكبير 4 2 219 ، وابن أبي حاتم 4 2 89 .وأما " عبد الله بن عمرو بن وائل " ، فهذا غريب ولكنه صحيح ، فإنه " عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل " ، فلا أدري لما فعل ذلك في سياق اسمه ، إلا أن يكون سقط من الناسخ .هذا ، وقد كان الإسناد في المطبوعة هكذا : " حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريح ، قال حدثنا ميسرة " ، وقد صححت " ميسرة " قبله ، أما " قال حدثني حجاج عن ابن جريج " ، فقد كتبها ناسخ المخطوطة ، ولكنه ضرب عليها ضربات بالقلم، يعني بذلك حذفه، ولكن الناشر لم يعرف اصطلاحهم في الضرب على الكلام ، فأثبت ما حذفته.(51) في المطبوعة: "فه به"، ولا يقال ذلك إلا عند الوقف، والصواب "ف" على حرف واحد، أمرًا من "وفى يفي". وأثبت ما في المخطوطة.(52) الأثر : 17002 - "كهمس بن الحسن التميمي"، ثقة، روى له الجماعة، مترجم في التهذيب، والكبير 4 1 239 ، وابن أبي حاتم 3 2 170.و "سعيد بن ثابت"، هكذا هو في المخطوطة، ولم أجد له ذكرًا فيما بين يدي من كتب الرجال، وأخشى أن يكون قد دخله تحريف.
أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ٧٨التفسير الميسرألم يعلم هؤلاء المنافقون أن الله يعلم ما يخفونه في أنفسهم وما يتحدثون به في مجالسهم من الكيد والمكر، وأن الله علام الغيوب؟ فسيجازيهم على أعمالهم التي أحصاها عليهم.
تفسير السعديولهذا توعد من صدر منهم هذا الصنيع، بقوله: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ وسيجازيهم على ما عملوا من الأعمال التي يعلمها اللّه تعالى، وهذه الآيات نزلت في رجل من المنافقين يقال له ثعلبة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله أن يدعو اللّه له، أن يعطيه الله من فضله، وأنه إن أعطاه، ليتصدقن، ويصل الرحم، ويعين على النوائب، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان له غنم، فلم تزل تتنامى، حتى خرج بها عن المدينة، فكان لا يحضر إلا بعض الصلوات الخمس، ثم أبعد، فكان لا يحضر إلا صلاة الجمعة، ثم كثرت فأبعد بها، فكان لا يحضر جمعة ولا جماعة.ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فأخبر بحاله، فبعث من يأخذ الصدقات من أهلها، فمروا على ثعلبة، فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، فلما لم يعطهم جاءوا فأخبروا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة) ثلاثًا.فلما نزلت هذه الآية فيه، وفي أمثاله، ذهب بها بعض أهله فبلغه إياها، فجاء بزكاته، فلم يقبلها النبي صلى الله عليه وسلم ثم جاء بها لأبي بكر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها، ثم جاء بها بعد أبي بكر لعمر فلم يقبلها، فيقال: إنه هلك في زمن عثمان.
تفسير ابن كثيروقوله : ( ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب ) يخبرهم تعالى أنه يعلم السر وأخفى ، وأنه أعلم بضمائرهم وإن أظهروا أنه إن حصل لهم أموال تصدقوا منها وشكروا عليها ، فإنه أعلم بهم من أنفسهم ؛ لأنه تعالى علام الغيوب ، أي : يعلم كل غيب وشهادة ، وكل سر ونجوى ، ويعلم ما ظهر وما بطن .
تفسير القرطبيهذا توبيخ , وإذا كان عالما فإنه سيجازيهم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ (78)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ألم يعلم هؤلاء المنافقون الذين يكفرون بالله ورسوله سرًّا, ويظهرون الإيمان بهما لأهل الإيمان بهما جهرًا =(أن الله يعلم سرهم)، الذي يسرُّونه في أنفسهم، من الكفر به وبرسوله =(ونجواهم)، يقول: " ونجواهم "، إذا تناجوا بينهم بالطعن في الإسلام وأهله، وذكرِهم بغير ما ينبغي أن يُذكروا به, فيحذروا من الله عقوبته أن يحلَّها بهم، وسطوته أن يوقعها بهم، على كفرهم بالله وبرسوله، وعيبهم للإسلام وأهله, فينزعوا عن ذلك ويتوبوا منه =(وأن الله علام الغيوب)، يقول: ألم يعلموا أن الله علام ما غاب عن أسماع خلقه وأبصارهم وحواسّهم، مما أكنّته نفوسهم, فلم يظهرْ على جوارحهم الظاهرة، فينهاهم ذلك عن خداع أوليائه بالنفاق والكذب, ويزجرهم عن إضمار غير ما يبدونه، وإظهار خلاف ما يعتقدونه؟ (53)------------------------الهوامش :(53) انظر تفسير "علام الغيوب" فيما سلف 11 : 238 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
ٱلَّذِينَ يَلۡمِزُونَ ٱلۡمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهۡدَهُمۡ فَيَسۡخَرُونَ مِنۡهُمۡ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنۡهُمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٩التفسير الميسرومع بخل المنافقين لا يَسْلَم المتصدقون من أذاهم؛ فإذا تصدق الأغنياء بالمال الكثير عابوهم واتهموهم بالرياء، وإذا تصدق الفقراء بما في طاقتهم استهزؤوا بهم، وقالوا سخرية منهم: ماذا تجدي صدقتهم هذه؟ سخر الله من هؤلاء المنافقين، ولهم عذاب مؤلم موجع.
تفسير السعديوهذا أيضًا من مخازي المنافقين، فكانوا قبحهم اللّه لا يدعون شيئا من أمور الإسلام والمسلمين يرون لهم مقالا، إلا قالوا وطعنوا بغيا وعدوانا، فلما حثَّ اللّه ورسوله على الصدقة، بادر المسلمون إلى ذلك، وبذلوا من أموالهم كل على حسب حاله، منهم المكثر، ومنهم المقل، فيلمزون المكثر منهم، بأن قصده بنفقته الرياء والسمعة، وقالوا للمقل الفقير: إن اللّه غني عن صدقة هذا، فأنزل اللّه تعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ أي: يعيبون ويطعنون الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ فيقولون: مراءون، قصدهم الفخر والرياء.و يلمزون الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فيخرجون ما استطاعوا ويقولون: اللّه غني عن صدقاتهم فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ. فقابلهم الله على صنيعهم بأن سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فإنهم جمعوا في كلامهم هذا بين عدة محاذير.منها: تتبعهم لأحوال المؤمنين، وحرصهم على أن يجدوا مقالا يقولونه فيهم، واللّه يقول: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ومنها: طعنهم بالمؤمنين لأجل إيمانهم، كفر باللّه تعالى وبغض للدين.ومنها: أن اللمز محرم، بل هو من كبائر الذنوب في أمور الدنيا، وأما اللمز في أمر الطاعة، فأقبح وأقبح.ومنها: أن من أطاع اللّه وتطوع بخصلة من خصال الخير، فإن الذي ينبغي [هو] إعانته، وتنشيطه على عمله، وهؤلاء قصدوا تثبيطهم بما قالوا فيهم، وعابوهم عليه.ومنها: أن حكمهم على من أنفق مالا كثيرا بأنه مراء، غلط فاحش، وحكم على الغيب، ورجم بالظن، وأي شر أكبر من هذا؟!!ومنها: أن قولهم لصاحب الصدقة القليلة: "اللّه غني عن صدقة هذا" كلام مقصوده باطل، فإن اللّه غني عن صدقة المتصدق بالقليل والكثير، بل وغني عن أهل السماوات والأرض، ولكنه تعالى أمر العباد بما هم مفتقرون إليه، فاللّه وإن كان غنيا عنهم فهم فقراء إليه فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره وفي هذا القول من التثبيط عن الخير ما هو ظاهر بين، ولهذا كان جزاؤهم أن سخر اللّه منهم، ولهم عذاب أليم.
تفسير ابن كثيروهذه أيضا من صفات المنافقين : لا يسلم أحد من عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال ، حتى ولا المتصدقون يسلمون منهم ، إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا : هذا مراء ، وإن جاء بشيء يسير قالوا : إن الله لغني عن صدقة هذا . كما قال البخاري :حدثنا عبيد الله بن سعيد ، حدثنا أبو النعمان البصري ، حدثنا شعبة ، عن سليمان ، عن أبي وائل ، عن أبي مسعود قال : لما نزلت آية الصدقة كنا نتحامل على ظهورنا ، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير ، فقالوا : مرائي . وجاء رجل فتصدق بصاع ، فقالوا : إن الله لغني عن صدقة هذا . فنزلت ( الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم ) الآية .وقد رواه مسلم أيضا في صحيحه ، من حديث شعبة به .وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، حدثنا الجريري ، عن أبي السليل قال : وقف علينا رجل في مجلسنا بالبقيع فقال : حدثني أبي - أو : عمي أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالبقيع ، وهو يقول : من يتصدق بصدقة أشهد له بها يوم القيامة ؟ قال : فحللت من عمامتي لوثا أو لوثين ، وأنا أريد أن أتصدق بهما ، فأدركني ما يدرك ابن آدم ، فعقدت على عمامتي . فجاء رجل لم أر بالبقيع رجلا أشد سوادا [ ولا ] أصغر منه ولا أدم ، ببعير ساقه ، لم أر بالبقيع ناقة أحسن منها ، فقال : يا رسول الله ، أصدقة ؟ قال : نعم ، فقال : دونك هذه الناقة . قال : فلمزه رجل فقال : هذا يتصدق بهذه فوالله لهي خير منه . قال : فسمعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : كذبت بل هو خير منك ومنها ثلاث مرات ، ثم قال : ويل لأصحاب المئين من الإبل ثلاثا . قالوا : إلا من يا رسول الله ؟ قال : إلا من قال بالمال هكذا وهكذا ، وجمع بين كفيه عن يمينه وعن شماله ، ثم قال : قد أفلح المزهد المجهد ثلاثا : المزهد في العيش ، المجهد في العبادة .وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في هذه الآية ، وقال : جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجاءه رجل من الأنصار بصاع من طعام ، فقال بعض المنافقين : والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياء . وقالوا : إن كان الله ورسوله لغنيين عن هذا الصاع .وقال العوفي ، عن ابن عباس : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى الناس يوما فنادى فيهم أن اجمعوا صدقاتكم . فجمع الناس صدقاتهم ، ثم جاء رجل من آخرهم بصاع من تمر ، فقال : يا رسول الله ، هذا صاع من تمر بت ليلتي أجر بالجرير الماء ، حتى نلت صاعين من تمر ، فأمسكت أحدهما ، وأتيتك بالآخر . فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ينثره في الصدقات . فسخر منه رجال ، وقالوا : إن الله ورسوله لغنيان عن هذا . وما يصنعان بصاعك من شيء . ثم إن عبد الرحمن بن عوف قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هل بقي أحد من أهل الصدقات ؟ فقال : لا ، فقال له عبد الرحمن بن عوف : فإن عندي مائة أوقية من ذهب في الصدقات . فقال له عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : أمجنون أنت ؟ قال : ليس بي جنون . قال : فعلت ما فعلت ؟ قال : نعم ، مالي ثمانية آلاف ، أما أربعة آلاف فأقرضها ربي ، وأما أربعة آلاف فلي . فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت . ولمزه المنافقون فقالوا : والله ما أعطى عبد الرحمن عطيته إلا رياء . وهم كاذبون ، إنما كان به متطوعا ، فأنزل الله - عز وجل - عذره وعذر صاحبه المسكين الذي جاء بالصاع من التمر ، فقال تعالى في كتابه : ( الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات ) الآية .وكذا روي عن مجاهد ، وغير واحد .وقال ابن إسحاق : كان المطوعون من المؤمنين في الصدقات : عبد الرحمن بن عوف ، تصدق بأربعة آلاف درهم ، وعاصم بن عدي أخا بني العجلان ، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رغب في الصدقات ، وحض عليها ، فقام عبد الرحمن بن عوف فتصدق بأربعة آلاف ، وقام عاصم فتصدق بمائة وسق من تمر ، فلمزوهما وقالوا : ما هذا إلا رياء . وكان الذي تصدق بجهده : أبو عقيل أخو بني أنيف الإراشي حليف بني عمرو بن عوف ، أتى بصاع من تمر فأفرغه في الصدقة ، فتضاحكوا به وقالوا : إن الله لغني عن صاع أبي عقيل .وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا طالوت بن عباد ، حدثنا أبو عوانة ، عن عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثا . قال : فجاء عبد الرحمن بن عوف فقال : يا رسول الله ، عندي أربعة آلاف ، ألفين أقرضهما ربي ، وألفين لعيالي . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بارك الله لك فيما أعطيت وبارك لك فيما أمسكت . وبات رجل من الأنصار فأصاب صاعين من تمر ، فقال : يا رسول الله ، أصبت صاعين من تمر : صاع أقرضه لربي ، وصاع لعيالي . قال : فلمزه المنافقون وقالوا : ما أعطى الذي أعطى ابن عوف إلا رياء ! وقالوا : ألم يكن الله ورسوله غنيين عن صاع هذا ؟ فأنزل الله : ( الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم [ سخر الله منهم ] ) الآية .ثم رواه عن أبي كامل ، عن أبي عوانة ، عن عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه مرسلا قال : ولم يسنده أحد إلا طالوت .وقال الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا زيد بن الحباب ، عن موسى بن عبيدة ، حدثني خالد بن يسار ، عن ابن أبي عقيل ، عن أبيه قال : بت أجر الجرير على ظهري ، على صاعين من تمر ، فانقلبت بأحدهما إلى أهلي يتبلغون به ، وجئت بالآخر أتقرب [ به ] إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته ، فقال : انثره في الصدقة . قال : فسخر القوم وقالوا : لقد كان الله غنيا عن صدقة هذا المسكين . فأنزل الله : ( الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات ) الآيتين .وكذا رواه الطبراني من حديث زيد بن الحباب به . وقال : اسم أبي عقيل : حباب . ويقال : عبد الرحمن بن عبد الله بن ثعلبة .وقوله : ( فيسخرون منهم سخر الله منهم ) وهذا من باب المقابلة على سوء صنيعهم واستهزائهم بالمؤمنين ؛ لأن الجزاء من جنس العمل ، فعاملهم معاملة من سخر بهم ، انتصارا للمؤمنين في الدنيا ، وأعد للمنافقين في الآخرة عذابا أليما .
تفسير القرطبيقوله تعالى الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليمقوله تعالى الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات هذا أيضا من صفات المنافقين . قال قتادة : يلمزون يعيبون . قال : وذلك أن عبد الرحمن بن عوف تصدق بنصف ماله ، وكان ماله ثمانية آلاف فتصدق منها بأربعة آلاف . فقال قوم : ما أعظم رياءه ; فأنزل الله : الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات . وجاء رجل من الأنصار بنصف صبرة من تمره فقالوا : ما أغنى الله عن هذا ; فأنزل الله عز وجل والذين لا يجدون إلا جهدهم الآية . وخرج مسلم عن أبي مسعود قال : أمرنا بالصدقة - قال : كنا نحامل ، في رواية : على ظهورنا - قال : فتصدق أبو عقيل بنصف صاع . قال : وجاء إنسان بشيء أكثر منه فقال المنافقون : إن الله لغني عن صدقة هذا ، وما فعل هذا الآخر إلا رياء : فنزلت الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم . يعني أبا عقيل ، واسمه الحبحاب . والجهد : شيء قليل يعيش به المقل . والجهد والجهد بمعنى واحد . وقد تقدم . و ( يلمزون ) يعيبون . وقد تقدم . و ( المطوعين ) أصله المتطوعين أدغمت التاء في الطاء ; وهم الذين يفعلون الشيء تبرعا من غير أن يجب عليهم . ( والذين ) في موضع خفض عطف على ( المؤمنين ) . ولا يجوز أن يكون عطفا على الاسم قبل تمامه . و ( فيسخرون ) عطف على ( يلمزون ) . سخر الله منهم خبر الابتداء ، وهو دعاء عليهم . وقال ابن عباس : هو خبر ; أي سخر منهم حيث صاروا إلى النار . ومعنى سخر الله : مجازاتهم على سخريتهم . وقد تقدم في " البقرة " .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الذين يلمزون المطوّعين في الصدقة على أهل المسكنة والحاجة, بما لم يوجبه الله عليهم في أموالهم, ويطعنون فيها عليهم بقولهم: " إنما تصدقوا به رياءً وسُمْعة, ولم يريدوا وجه الله " (54) = ويلمزون الذين لا يجدون ما يتصدَّقون به إلا جهدهم, وذلك طاقتهم, فينتقصونهم ويقولون: " لقد كان الله عن صدقة هؤلاء غنيًّا!" سخريةً منهم بهم =(فيسخرون منهم سخر الله منهم).* * *وقد بينا صفة " سخرية الله "، بمن يسخر به من خلقه، في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته ههنا. (55)* * *=(ولهم عذاب أليم)، يقول: ولهم من عند الله يوم القيامة عذابٌ موجع مؤلم. (56)* * *وذكر أن المعنيّ بقوله: (المطوعين من المؤمنين)، عبد الرحمن بن عوف, وعاصم بن عدي الأنصاري = وأن المعنيّ بقوله: (والذين لا يجدون إلا جهدهم)، أبو عقيل الأراشيّ، أخو بني أنيف.* ذكر من قال ذلك:17003- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات)، قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم, وجاءه رجل من الأنصار بصاع من طعام, فقال بعض المنافقين: والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياءً! وقالوا: إن كان الله ورسولُه لَغنِيّيْنِ عن هذا الصاع!17004- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم)، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الناس يومًا فنادى فيهم: أن أجمعوا صدقاتكم! فجمع الناس صدقاتهم. ثم جاء رجل من آخرهم بِمَنٍّ من تمر, (57) فقال: يا رسول الله، هذا صاع من تمرٍ, بِتُّ ليلتي أجرُّ بالجرير الماءَ، (58) حتى نلت صاعين من تمرٍ, فأمسكت أحدَهما، وأتيتك بالآخر. فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينثره في الصدقات. فسخر منه رجال وقالوا: والله إن الله ورسوله لغنيَّان عن هذا! وما يصنعان بصاعك من شيء " ! ثم إن عبد الرحمن بن عوف، رجل من قريش من بني زهرة، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل بقي من أحد من أهل هذه الصدقات؟ فقال: لا! فقال عبد الرحمن بن عوف: إن عندي مئة أوقية من ذهب في الصدقات. فقال له عمر بن الخطاب: أمجنون أنت؟ فقال: ليس بي جنون! فقال: فعلِّمنا ما قلت؟ (59) قال: نعم! مالي ثمانية آلاف، أما أربعة آلافٍ فأقرضها ربيّ, وأما أربعة آلاف فلي! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت ! وكره المنافقون فقالوا: " والله ما أعطى عبد الرحمن عطيَّته إلا رياءً "! وهم كاذبون, إنما كان به متطوِّعًا. فأنزل الله عذرَه وعذرَ صاحبه المسكين الذي جاء بالصاع من التمر, فقال الله في كتابه: (الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين في الصدقات)، الآية.17005- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين)، قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بصدقة ماله أربعة آلاف, فلمزه المنافقون وقالوا: " راءَى " =(والذين لا يجدون إلا جهدهم)، قال: رجل من الأنصار آجرَ نفسه بصاع من تمر، لم يكن له غيره, فجاء به فلمزوه, وقالوا: كان الله غنيًّا عن صاع هذا!17006- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, نحوه.17007- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, نحوه.17008- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: قوله: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين)، الآية, قال: أقبل عبد الرحمن بن عوف بنصف ماله, فتقرَّب به إلى الله, فلمزه المنافقون فقالوا: ما أعطى ذلك إلا رياء وسمعة ! فأقبل رجل من فقراء المسلمين يقال له " حبحاب، أبو عقيل " (60) فقال: يا نبي الله, بتُّ أجرُّ الجرير على صاعين من تمر، أما صاع فأمسكته لأهلي, وأما صاع فها هو ذا! فقال المنافقون: " والله إن الله ورسوله لغنيَّان عن هذا ". فأنزل الله في ذلك القرآن: (الذين يلمزون)، الآية.17009- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات)، قال: تصدق عبد الرحمن بن عوف بشطر ماله, وكان ماله ثمانية آلاف دينار, فتصدق بأربعة آلاف دينار, فقال ناس من المنافقين: إن عبد الرحمن بن عوف لعظيم الرياء ! فقال الله: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات) = وكان لرجل صاعان من تمر, فجاء بأحدهما, فقال ناس من المنافقين: إن كان الله عن صاع هذا لغنيًّا ! فكان المنافقون يطعنون عليهم ويسخرون بهم, فقال الله: (والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم).17010- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال الأنماطي قال، حدثنا أبو عوانة, عن [عمر بن] أبي سلمة, عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تصدقوا، فإني أريد أن أبعث بعثًا. قال: فقال عبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله, إن عندي أربعة آلاف، ألفين أقرضهما الله, وألفين لعيالي. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله لك فيما أعطيت, وبارك لك فيما أمسكت ! فقال رجل من الأنصار: وإن عندي صاعين من تمرٍ, صاعًا لربي, وصاعًا لعيالي ! قال: فلمز المنافقون وقالوا: ما أعطى ابن عوف هذا إلا رياءً ! وقالوا: أو لم يكن الله غنيًّا عن صاع هذا ! فأنزل الله: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين)، إلى آخر الآية. (61)17011- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، أخبرنا أبو جعفر, عن الربيع بن أنس في قوله: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات)، قال: أصاب الناس جَهْدٌ شديد, فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتصدَّقوا, فجاء عبد الرحمن بأربعمائة أوقية, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم بارك له فيما أمسك. فقال المنافقون: ما فعل عبد الرحمن هذا إلا رياء وسمعة ! قال: وجاء رجل بصاع من تمر, فقال: يا رسول الله آجرت نفسي بصاعين, فانطلقت بصاع منهما إلى أهلي، وجئت بصاع من تمر. فقال المنافقون: إن الله غنىٌّ عن صاع هذا ! فأنزل الله هذه الآية: (والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم). (62)17012- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات)، الآية, وكان المطوعون من المؤمنين في الصدقات، (63) عبد الرحمن بن عوف, تصدق بأربعة آلاف دينار، وعاصم بن عدي أخا بني العَجلان، (64) وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رغَّب في الصدقة، وحضَّ عليها, فقام عبد الرحمن بن عوف فتصدق بأربعة آلاف درهم, وقام عاصم بن عدي فتصدق بمئة وَسْقٍ من تمر، فلمزوهما وقالوا: ما هذا إلا رياء ! وكان الذي تصدّق بجهده: أبو عقيل, أخو بني أنيف، الأراشي، حليف بني عمرو بن عوف, (65) أتى بصاع من تمر فأفرغه في الصدقة, فتضاحكوا به وقالوا: إن الله لغنيٌّ عن صاع أبي عقيل!! (66)17013- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله قال، حدثنا شعبة, عن سليمان, عن أبي وائل, عن أبي مسعود قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل (67) = قال أبو النعمان: كنا نعمل = قال: فجاء رجل فتصدق بشيء كثير. قال: وجاء رجل فتصدق بصاع تمر, فقالوا: إن الله لغنيٌّ عن صاع هذا ! فنزلت: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم). (68)17014- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن حباب, عن موسى بن عبيدة قال، حدثني خالد بن يسار, عن ابن أبي عقيل, عن أبيه قال: بتُّ أجرُّ الجرير على ظهري على صاعين من تمر (69) فانقلبتُ بأحدهما إلى أهلي يتبلَّغون به, (70) وجئت بالآخر أتقرَّب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. (71) فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته, فقال: انثره في الصدقة. فسخر المنافقون منه. وقالوا: لقد كان الله غنيًّا عن صدقة هذا المسكين! فأنزل الله: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات)، الآيتين. (72)17015- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا الجريري، عن أبي السليل قال: وقف على الحيّ رجل, (73) فقال: حدثني أبي أو عمي فقال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: من يتصدق اليوم بصدقة أشهدُ له بها عند الله يوم القيامة؟ قال: وعليّ عمامة لي. قال: فنزعت لَوْثًا أو لوثيْن لأتصدق بهما، (74) قال: ثم أدركني ما يدرك ابن آدم, فعصبت بها رأسي. قال: فجاء رجل لا أرى بالبقيع رجلا أقصرَ قِمَّة، (75) ولا أشدَّ سوادًا، ولا أدَمَّ بعينٍ منه, (76) يقود ناقة لا أرى بالبقيع أحسن منها ولا أجمل منها. قال: أصدقةٌ هي، يا رسول الله؟ قال: نعم! قال: فدُونَكها ! (77) فألقى بخطامها = أو بزمامها (78) = قال: فلمزه رجل جالسٌ فقال: والله إنه ليتصدّق بها، ولهي خيرٌ منه ! فنظر إليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: بل هو خير منك ومنها! (79) يقول ذلك ثلاثًا صلى الله عليه وسلم. (80)17016- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس, عن ابن شهاب قال، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك يقول: الذي تصدّق بصاع التمر فلمزه المنافقون: " أبو خيثمة الأنصاري". (81)17017- حدثني المثنى قال، حدثنا محمد بن رجاء أبو سهل العباداني قال، حدثنا عامر بن يساف اليمامي, عن يحيى بن أبي كثير اليمامي قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله مالي ثمانية آلاف, جئتك بأربعة آلاف، فاجعلها في سبيل الله, وأمسكت أربعة آلاف لعيالي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله فيما أعطيت وفيما أمسكت! وجاء رجل آخر فقال: يا رسول الله, بتُّ الليلة أجرُّ الماء على صاعين, فأما أحدهما فتركت لعيالي وأما الآخر فجئتك به, أجعله في سبيل الله، فقال: بارك الله فيما أعطيت وفيما أمسكت! فقال ناس من المنافقين: والله ما أعطى عبد الرحمن إلا رياءً وسمعة, ولقد كان الله ورسوله غنيَّين عن صاع فلان! فأنزل الله: (الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين في الصدقات)، يعني عبد الرحمن بن عوف: (والذين لا يجدون إلا جهدهم)، يعني صاحب الصاع =(فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم). (82)17018- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قال، قال ابن عباس: أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يجمعوا صدَقاتهم, وإذا عبد الرحمن بن عوف قد جاء بأربعة آلاف, فقال: هذا مالي أقرِضُه الله، وقد بقي لي مثله. فقال له: بورك لك فيما أعطيت وفيما أمسكت ! فقال المنافقون: ما أعطى إلا رياءً, وما أعطى صاحبُ الصّاع إلا رياءً, إن كان الله ورسوله لغنيين عن هذا ! وما يصنع الله بصاع من شيء!17019- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات)، إلى قوله: (ولهم عذاب أليم)، قال: أمر النبي عليه الصلاة والسلام المسلمين أن يتصدّقوا, فقام عمر بن الخطاب: فألفَى ذلك مالي وافرًا, فآخذ نصفه. (83)قال: فجئت أحمل مالا كثيرًا. فقال له رجل من المنافقين: ترائِي يا عمر! فقال: نعم، أرائي الله ورسوله, (84) وأما غيرهما فلا! قال: ورجلٌ من الأنصار لم يكن عنده شيء, فواجَرَ نفسه ليجرّ الجرير على رقبته بصاعين ليلته, (85) فترك صاعًا لعياله، وجاء بصاع يحمله, فقال له بعض المنافقين: إن الله ورسوله عن صاعك لغنيَّان ! فذلك قول الله تبارك وتعالى: (الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم)، هذا الأنصاري =(فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم).* * *وقد بينا معنى " اللمز " في كلام العرب بشواهده وما فيه من اللغة والقراءة فيما مضى. (86)* * *وأما قوله: (المطوّعين)، فإن معناه: المتطوعين, أدغمت التاء في الطاء, فصارت طاء مشددة, كما قيل: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا [سورة البقرة: 158]، (87) يعني: يتطوّع. (88)* * *وأما " الجهد "، فإن للعرب فيه لغتين. يقال: " أعطاني من جُهْده "، بضم الجيم, وذلك فيما ذكر، لغة أهل الحجاز = ومن " جَهْدِه " بفتح الجيم, وذلك لغة نجد. (89)وعلى الضم قراءة الأمصار, وذلك هو الاختيار عندنا، لإجماع الحجة من القرأة عليه.وأما أهل العلم بكلام العرب من رواة الشعر وأهل العربية, فإنهم يزعمون أنها مفتوحة ومضمومة بمعنى واحد، وإنما اختلاف ذلك لاختلاف اللغة فيه، كما اختلفت لغاتهم في " الوَجْد "، " والوُجْد " بالضم والفتح، من: " وجدت ". (90)* * *وروي عن الشعبي في ذلك ما:-17020- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح, عن عيسى بن المغيرة, عن الشعبي قال: " الجَهْدُ"، و " الجُهْد "، الجَهْدُ في العمل, والجُهْدُ في القوت. (91)17021- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص, عن عيسى بن المغيرة, عن الشعبي, مثله.17022-...... قال، حدثنا ابن إدريس, عن عيسى بن المغيرة, عن الشعبي قال: الجَهْد في العمل, والجُهد في القِيتَة. (92)------------------------الهوامش:(54) انظر تفسير "اللمز" فيما سلف ص : 300 ، 301 .= وانظر تفسير "التطوع" فيما سلف 3 : 247 ، 441 ، وسيأتي تفسيره بعد قليل ص : 392 ، 393.(55) لم يمض تفسير "سخر"، وإنما عني أبو جعفر قوله تعالى في سورة البقرة: (الله يستهزئ بهم)، انظر ما سلف 1 : 301 - 306 .(56) انظر تفسير "أليم" فيما سلف من فهارس اللغة (ألم).(57) في المطبوعة: "من أحوجهم بمن من تمر" ، غير ما في المخطوطة بلا طائل، و "المن" مكيال.(58) "الجرير"، الحبل، وأراد أنه أنه كان يسقي الماء بالحبل.(59) في المطبوعة: "أتعلم ما قلت"، وفي المخطوطة: "أفعلمنا ما قلت"، وهذا صواب قراءتها.(60) "حبحاب"، ذكره ابن حجر في الإصابة في "حبحاب". ثم قال: "قليل فيه بموحدتين، والأشهر بمثلثتين، وسيأتي" ولم يذكره في "حثحاث" كما يدل عليه تعقيبه هذا، وإنما ذكره في "جثجاث" بالجيم والثاء المثلثة فيما سلف قبله، وقال هناك: "قيل: هو اسم أبي عقيل، صاحب الصاع، ضبطه السهيلي تبعًا لابن عبد البر ، وضبطه غير بالحاء المهملة . وقيل في اسمه غير ذلك. وتأتي ترجمته في الكنى" بيد أن الحافظ ابن حجر قال في فتح الباري 8 : 249 "وذكر السهيلي أنه رآه بخط بعض الحفاظ مضبوطًا بجيمين".ولم أجد في الاستيعاب لابن عبد البر ضبطًا له ، وهو مترجم هناك في "أبو عقيل صاحب الصاع" ص : 673 ، وهو في مطبوعة الاستيعاب بالحاء والثاء المثلثة من ضبط مصححه . وفي السهيلي ( الروض الأنف 2 : 331 ) : "جثجاث" ، بالجيم والثاء .وأما صاحب أسد الغابة فترجم له في " أبو عقيل ، صاحب الصاع " ( 5 : 257 ) ، ولم يضبطه، وهو محرف في المطبوعة. ولكنه أورده في "حبحاب" (بالحاء والباء)، وقال : هو أبو عقيل الأنصاري . أسد الغابة 1 : 366 .وترجم له ابن سعد في الطبقات 3 2 41 في "بني أنيف بن جشم بن عائذ الله، من بلى، حلفا بني جحجبا بن كلفة" وقال : " أبو عقيل ، واسمه عبد الرحمن الإراشي الأنيفي " ، ولم يذكر خبر الصاع .هذا ، وقد استوفى الحافظ ابن حجر في فتح الباري 8 : 249 ، ذكر " أبي عقيل " ، فذكر الاختلاف في صاحب الصاع ، وهذا ملخصه :الأول : أنه " الحبجاب ، أبو عقيل " ، وذكر ما رواه الطبري هنا وفيما سيأتي ، وما رواه غيره.الثاني : أنه " سهل بن رافع " ، وحجته فيه ، خبر رواه الطبراني في الأوسط من طريق سعيد بن عثمان البلوي ، " عن جدته بنت عدي أن أمهما عميرة بنت سهل بن رافع صاحب الصاع الذي لمزه المنافقون " ، وهكذا قال ابن الكلبي .الثالث : من طريق عكرمة : أنه " رفاعة بن سهل بن رافع " ، وقال : وعند أبي حاتم " رفاعة بن سعد " ، ويحتمل أن يكون تصحيفًا ، ويحتمل أن يكون اسم " أبي عقيل " " سهل " ، ولقبه " حبحاب " = أو هما اثنان من الصحابة .الرابع : في الصحابة " أبو عقيل بن عبد الله بن ثعلبة البلوي " ، بدري ، لم يسمه موسى ابن عقبة ، ولا ابن إسحاق ، وسماه الواقدي " عبد الرحمن " . قال : واستشهد باليمامة . قال : وكلام الطبري يدل على أنه هو صاحب الصاع عنده . وتبعه بعض المتأخرين ، والأول أولى .الخامس : أنه "عبد الرحمن بن سمحان" ؟ ؟ (هكذا جاء).السادس : أن صاحب الصاع هو "أبو خيثمة": " عبد الله بن خشيمة، من بني سالم، من الأنصار" ، ودليله ما جاء في حديث توبة كعب بن مالك، وانظر الأثر رقم : 17016 .السابع : عن الواقدي أن صاحب الصاع ، هو "علية بن زيد المحاربي" .وقال الحافظ : " وهذا يدل على تعدد من جاء بالصاع " .وهذا اختلاف شديد ، يحتاج إلى فضل تحقيق ومراجعة ، قيدته هنا ليكون تذكرة لمن أراد تتبعه وتحقيقه.(61) الأثر : 17010 - " أبو عوانة " ، هو "الوضاح بن عبد الله اليشكري" ، ثقة روى له الجماعة ، مضى برقم : 4498 ، 10336 ، 10337 .و "عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف"، يضعف، مضى مرارًا، آخرها رقم : 12755 . وكان في المطبوعة والمخطوطة: "أبو عوانة، عن أبي سلمة"، وهو خطأ لا شك فيه، صوابه من إسناده في تفسير ابن كثير، ومن مجمع الزوائد .وأبوه "أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف"، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارًا، آخرها: 12822.خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 32 ، عن أبي سلمة، وعن أبي هريرة، ثم قال: "رواه البزار من طريقين : إحداهما متصلة عن أبي هريرة ، والأخرى عن أبي سلمة مرسلة . قال : ولم نسمع أحدًا أسنده من حديث عمر بن أبي سلمة ، إلا طالوت بن عباد . وفيه عمر بن أبي سلمة ، وثقه العجلي ، وأبو خيثمة وابن حبان ، وضعفه شعبة وغيره. وبقية رجالهما ثقات".وحديث البزار رواه ابن كثير في تفسيره 4 : 212 ، 213 ، وهذا إسناده: "قال الحافظ أبو بكر البزار ، حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا أبو عوانة ، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة"، وساق الخبر. ثم قال ابن كثير: "ثم رواه عن أبي كامل، عن أبي عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه مرسلا. قال: ولم يسنده أحد إلا طالوت".(62) الأثر : 17011 - " عبد الرحمن بن سعد " ، هو "عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الدشتكي الرازي" ، مضى برقم : 10666 ، 10855 .(63) في المطبوعة: "من المطوعين"، وكان في المخطوطة قد كتب "وكان المطوعين"، ثم عاد بالقلم على الياء فجعلها واوًا، فتصرف الناشر ولم يبال بفعل الناسخ. والذي أثبته مطابق لما في السيرة . ولذلك غير الناسخ ما بعده فكتب، "أخو بني العجلان" ، غير ما في المخطوطة.(64) في المطبوعة: "أخو بني عجلان"، تصرف تصرفًا معيبًا.(65) قوله: "الأراشي، حليف بني عمر بن عوف"، ليس في المطبوع من سيرة ابن هشام، وانظر التعليق السالف ص : 384 ، رقم : 1.(66) الأثر : 17012 - سيرة ابن هشام 4 : 196، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16990.(67) قوله "كنا نحامل"، من "المحاملة" وفسره الحافظ ابن حجر في الفتح فقال: "أي نحمل على ظهورنا بالأجرة . يقال : حاملت ، بمعنى : حملت ، كسافرت . وقال الخطابي : يريد : نتكلف الحمل بالأجرة ، لنكسب ما نتصدق به . ويؤيده في الرواية الثانية التي بعده - يعني في البخاري - حيث قال : انطلق أحدنا إلى السوق فيحامل ، أي : يطلب الحمل بالأجرة " .ويبين هذا أيضًا ، تفسير أبي النعمان بقوله : " كنا نعمل " ، وهو تفسير فيما أرجح ، لا رواية أخرى في الخبر.(68) الأثر : 17013 - " أبو النعمان " ، " الحكم بن عبد الله الأنصاري " ، ثقة ، قال البخاري : "حديثه معروف ، كان يحفظ" . وليس له في صحيح البخاري غير هذا الحديث . مترجم في التهذيب .و " أبو مسعود " ، هو " أبو مسعود الأنصاري البدري " ، واسمه " عقبة بن عمرو بن ثعلبة " ، صاحب رسول الله ، شهد العقبة. وكان في المخطوطة : " عن ابن مسعود " ، وهو خطأ صرف .وهذا الخبر ، رواه البخاري في صحيحه (الفتح 3 : 224) من طريق عبيد الله بن سعيد ، عن أبي النعمان الحكم بن عبد الله البصري بمثله ، وفيه زيادة بعد قوله: "بشيء كثير"، هي "فقالوا : مرائي".ثم رواه البخاري أيضًا في صحيحه ( الفتح 8 : 249 ) من طريق بشر بن خالد ، عن محمد بن جعفر ، عن شعبة عن سليمان ، عن أبي وائل ، عن أبي مسعود ، بغير هذا اللفظ ، وفيه التصريح باسم " أبي عقيل " الذي أتى بنصف صاع . ومن هذه الطريق رواه مسلم في صحيحه 7: 105 . ثم انظر : ص : 389 ، تعليق رقم : 1.(69) "الجرير": الحبل، وسلف شرحه ص : 383، تعليق : 2.(70) " تبلغ ببعض الطعام " ، أي : اكتفى به من كثيره ، حتى يبلغ ما يشبعه.(71) قوله : " إلى رسول الله " ، متعلق بقوله : " جئت " ، لا بقوله : " أتقرب به " ، أي : جئت به إلى رسول الله ، أتقرب به إلى الله.(72) الأثر : 17014 - "موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي"، ضعيف بمرة، لا تحل الرواية عنه، كما قال أحمد. مضى مرارًا ، آخرها رقم : 11811.وأما "خالد بن يسار"، الذي روى عن ابن أبي عقيل، وروى عنه "موسى بن عبيدة"، فلم أجد له ترجمة ولا ذكرا. وهناك "خالد بن يسار"، روى عن أبي هريرة، روى عنه شعيب بن الحبحاب، ولا أظنه هو هو ، وهذا أيضا قالوا : هو مجهول .وأما " ابن أبي عقيل " ، فاسمه " رضى بن أبي عقيل " ، مترجم في الكبير 2 1 313 ، وابن أبي حاتم 2 1 523 ، قالا : " روى عن أبيه ، وروى عن محمد بن فضيل " ولم يذكر فيه جرحًا .و "أبو عقيل" ، مضى ذكره ، وهو مترجم في الكنى للبخاري : 62 ، وابن أبي حاتم 4 2 416 ، وقالا : روى عنه ابنه : رضى بن أبي عقيل .وهذا خبر ضعيف الإسناد جدًا ، لضعف "موسى بن عبيدة" ، وللمجهول الذي فيه ، وهو " خالد بن يسار " .بيد أن الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 32 ، 33، روى هذا الخبر ، بنحو لفظه ، ثم قال : " رواه الطبراني ، ورجاله ثقات ، إلا خالد بن يسار ، لم أجد من وثقه ولا جرحه " . فلا أدري أرواه عن " خالد بن يسار " ، أحد غير " موسى بن عبيدة " في إسناد الطبراني ، أم رواه " موسى بن عبيدة " ، فإن يكن " موسى " هو راويه ، فقد سلف مرارًا أن ضعفه الهيثمي. والظاهر أنه من رواية " موسى " لأني رأيت ابن كثير في تفسيره 4 : 213 ، نقل هذا الخبر عن الطبري ، ثم قال : " وكذا رواه الطبراني من حديث زيد بن الحباب ، به . وقال : اسم أبي عقيل حباب (حبحاب) ، ويقال : عبد الرحمن بن عبد الله بن ثعلبة " (انظر ص : 383 ، تعليق : 2) ، فهذا دال على أن في إسناد الطبراني "موسى بن عبيدة"، الضعيف بمرة.(73) في المسند: "وقف علينا رجل في مجلسنا بالبقيع"، واختلف لفظ الخبر بعد.(74) " لاث العمامة على رأسه ، يلوثها " أي : عصبها ولفها وأدارها . و " اللوث " اللفة من لفائف العمامة .(75) " القمة " بالكسر، شخص الإنسان إذا كان قائمًا ، وهي " القامة " . وهذا هو المراد هنا . و " القمة " أيضا ، رأس الإنسان ، وليس بمراد هنا.(76) في المطبوعة : " ولا أذم لعيني منه " ، وهو فاسد ، غير ما في المخطوطة . وهذه الجملة في مسند أحمد محرفة : " ولا آدم يعير بناقة " ، وفي تفسير ابن كثير نقلا عن المسند : " ولا أذم ببعير ساقه " ، فزاده تحريفا . والصواب ما في تفسير الطبري ." ولا أدم " من " الدمامة " ، " دم الرجل يدم دمامة " ، وهو القصر والقبح . وفي حديث ابن عمر : " لا يزوجن أحدكم ابنته بدميم " .(77) " دونكها " ، أي : خذها .(78) في المخطوطة : " فألقى الله بخطامها أبو بزمامها " ، وهو خطأ ظاهر ، صوابه ما أثبت . ولكن ناشر المطبوعة حذف فكتب : " فألقى بخطامها ".(79) في المطبوعة والمخطوطة : " يقول ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم " ، وهو تحريف من الناسخ، وصوابه ما أثبت ، وذلك أنه رأى في النسخة التي نقلنا عنها : " يقول ذلك ثلثا " فقرأها " نبينا " ، وصوابه " ثلثا " ، كما كانوا يكتبونها بحذف الألف . واستظهرت ذلك من حديث أحمد في المسند قال : " ثلاث مرات " .(80) الأثر : 1715 - "أبو السليل" ، هو : "ضريب بن نقير بن سمير القيسي الجريري" ، ثقة . روى عن سعيد الجريري وغيره . مترجم في التهذيب ، والكبير 2 2 343 ، وابن أبي حاتم 2 1 470 .وهذا الخبر رواه أحمد في المسند 5 : 34 ، ونقله عن ابن كثير في تفسيره 4 : 211 ، 212 ، بزيادة ، واختلاف في بعض لفظه ، كما أشرت إليه آنفًا في التعليقات .(81) الأثر : 17016 - "عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري"، ثقة. مضى برقم : 16147 . وانظر ما سلف ج 13 : 567 ، تعليق : 1 .(82) الأثر : 17017 - "ومحمد بن رجاء" ، "أبو سهل العباداني"، لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من المراجع .و " عامر بن يساف اليمامي" ، وهو " عامر بن عبد الله بن يساف " وثقه ابن معين وغيره ، وقال ابن عدي : " منكر الحديث عن الثقات . ومع ضعفه يكتب حديثه " . مترجم في ابن أبي حاتم 3 1 329 ، وميزان الاعتدال 2 : 7 ، وتعجيل المنفعة : 206 ، ولسان الميزان 3 : 224 .و " يحيى بن أبي كثير اليمامي " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 12760.(83) في المطبوعة : " فقام عمر بن الخطاب ، فألفى مالا وافرًا ، فأخذ نصفه " ، لم يحسن قراءة ما في المخطوطة ، فحرف وبدل وحذف ، وأساء بما فعل غاية الإساءة . وإنما هذا قول عمر ، يقول : فألفى هذا الأمر بالصدفة ، مالي وافرا ، فآخذ نصفه .(84) في المطبوعة : " فقال عمر : أراني الله . . . ، وفي المخطوطة : " فقال نعم : إن الله ورسوله " ، لم يحسن كتابتها ، وأثبت الصواب من الدر المنثور 3 : 263 .(85) في المطبوعة: "فآجر نفسه"، وهي الصواب المحض ، من قولهم: " أجر المملوك يأجره أجرًا، فهو مأجور" و "آجره إيجارًا، ومؤاجرة" . وأما ما أثبته عن المخطوطة ، فليس بفصيح ، وإنما هو قياس ضعيف على قولهم في: "آمرته" ، "وأمرته" ، وقولهم في "آكله" ، "وأكله" على البدل، وذلك كله ليس بفصيح ولا مرضي . وإنما أثبتها لوضوحها في المخطوطة ، ولأنه من الكلام الذي يقال مثله .(86) انظر تفسير "اللمز" فيما سلف ص : 300 ، 301 ، 382 .(87) هذه القراءة ، ذكرها أبو جعفر فيما سلف 3 : 247 ، وهي قراءة عامة قرأة الكوفيين .وأما قراءتنا في مصحفنا اليوم : (ومن تطوع خيرا) .(88) انظر تفسير " التطوع " فيما سلف 3 : 247، 441 14 : 382 ، وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 447.(89) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 447 ،ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 264 ، وما سلف ص : 382 .(90) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 447 ،ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 264 ، وما سلف ص : 382 .(91) في المطبوعة ، حذف قوله : " الجهد ، والجهد " وجعل " فالجهد " ، " الجهد " ، وبدأ به الكلام . وأثبت ما في المخطوطة .(92) في المطبوعة : " والجهد في المعيشة " ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، فغيرها . و " القوت "و " القيت " (بكسر القاف) و " القيتة " (بكسر القاف) ، كله واحد ، وهو المسكة من الرزق ، وما يقوم به بدن الإنسان من الطعام .