الأحد، ٨ مارس ٢٠٢٦
الأحد، ٨ مارس ٢٠٢٦
facebookinstagramtwitter

عرض بالصفحات

Basmala
تفسير سُورَةُ البَقَرَةِ
الٓمٓ  ١
التفسير الميسرهذه الحروف وغيرها من الحروف المقطَّعة في أوائل السور فيها إشارة إلى إعجاز القرآن؛ فقد وقع به تحدي المشركين، فعجزوا عن معارضته، وهو مركَّب من هذه الحروف التي تتكون منها لغة العرب. فدَلَّ عجز العرب عن الإتيان بمثله -مع أنهم أفصح الناس- على أن القرآن وحي من الله.
تفسير السعديالحروف المقطعة في أوائل السور, الأسلم فيها, السكوت عن التعرض لمعناها [من غير مستند شرعي], مع الجزم بأن الله تعالى لم ينزلها عبثا بل لحكمة لا نعلمها.
تفسير ابن كثيرخمسة وعشرون ألفا وخمسمائة حرف ، وستة آلاف ومائة وعشرون كلمة ، ومائتان وستة وثمانون آية في عدد الكوفي وعدد علي بن أبي طالب رضي الله عنه .ذكر ما ورد في فضلها :قال الإمام أحمد : حدثنا عارم ، حدثنا معتمر ، عن أبيه ، عن رجل ، عن أبيه ، عن معقل بن يسار ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : البقرة سنام القرآن وذروته ، نزل مع كل آية منها ثمانون ملكا ، واستخرجت : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) [ البقرة : 255 ] من تحت العرش ، فوصلت بها ، أو فوصلت بسورة البقرة ، و " يس " : قلب القرآن ، لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له ، واقرءوها على موتاكم ، انفرد به أحمد .وقد رواه أحمد - أيضا - عن عارم ، عن عبد الله بن المبارك ، عن سليمان التيمي عن أبي عثمان - وليس بالنهدي - عن أبيه ، عن معقل بن يسار ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقرءوها على موتاكم يعني : يس .فقد بينا بهذا الإسناد معرفة المبهم في الرواية الأولى . وقد أخرج هذا الحديث على هذه الصفة في الرواية الثانية أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه .وقد روى الترمذي من حديث حكيم بن جبير ، وفيه ضعف ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لكل شيء سنام ، وإن سنام القرآن البقرة ، وفيها آية هي سيدة آي القرآن : آية الكرسي .وفي مسند أحمد وصحيح مسلم والترمذي والنسائي ، من حديث سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تجعلوا بيوتكم قبورا ، فإن البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان وقال الترمذي : حسن صحيح .وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : حدثني ابن أبي مريم ، عن ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن سنان بن سعد ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان يخرج من البيت إذا سمع سورة البقرة تقرأ فيه .سنان بن سعد ، ويقال بالعكس ، وثقه ابن معين واستنكر حديثه أحمد بن حنبل وغيره .وقال أبو عبيد : حدثنا محمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن سلمة بن كهيل ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، يعني ابن مسعود ، قال : إن الشيطان يفر من البيت الذي يسمع فيه سورة البقرة . ورواه النسائي في اليوم والليلة ، وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث شعبة ثم قال الحاكم : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه .وقال ابن مردويه : حدثنا أحمد بن كامل ، حدثنا أبو إسماعيل الترمذي ، حدثنا أيوب بن سليمان بن بلال ، حدثني أبو بكر بن أبي أويس ، عن سليمان بن بلال ، عن محمد بن عجلان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ألفين أحدكم يضع إحدى رجليه على الأخرى يتغنى ، ويدع سورة البقرة يقرؤها ، فإن الشيطان يفر من البيت تقرأ فيه سورة البقرة ، وإن أصفر البيوت ، الجوف الصفر من كتاب الله .وهكذا رواه النسائي في اليوم والليلة ، عن محمد بن نصر ، عن أيوب بن سليمان ، به .وروى الدارمي في مسنده عن ابن مسعود قال : ما من بيت تقرأ فيه سورة البقرة إلا خرج منه الشيطان وله ضراط . وقال : إن لكل شيء سناما ، وإن سنام القرآن سورة البقرة ، وإن لكل شيء لبابا ، وإن لباب القرآن المفصل . وروى - أيضا - من طريق الشعبي قال : قال عبد الله بن مسعود : من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة ، أربع من أولها وآية الكرسي وآيتان بعدها وثلاث آيات من آخرها وفي رواية : لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان ولا شيء يكرهه ولا يقرآن على مجنون إلا أفاق .وعن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لكل شيء سناما ، وإن سنام القرآن البقرة ، من قرأها في بيته ليلة لم يدخله الشيطان ثلاث ليال ، ومن قرأها في بيته نهارا لم يدخله الشيطان ثلاثة أيام .رواه أبو القاسم الطبراني ، وأبو حاتم ، وابن حبان في صحيحه .وقد روى الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه من حديث عبد الحميد بن جعفر ، عن سعيد المقبري ، عن عطاء مولى أبي أحمد ، عن أبي هريرة ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا وهم ذوو عدد ، فاستقرأهم فاستقرأ كل واحد منهم ، يعني ما معه من القرآن ، فأتى على رجل من أحدثهم سنا ، فقال : ما معك يا فلان ؟ قال : معي كذا وكذا وسورة البقرة ، فقال : أمعك سورة البقرة ؟ قال : نعم . قال : اذهب فأنت أميرهم فقال رجل من أشرافهم : والله ما منعني أن أتعلم البقرة إلا أني خشيت ألا أقوم بها . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تعلموا القرآن واقرءوه ، فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب محشو مسكا يفوح ريحه في كل مكان ، ومثل من تعلمه ، فيرقد وهو في جوفه ، كمثل جراب أوكي على مسك .هذا لفظ رواية الترمذي ، ثم قال : هذا حديث حسن . ثم رواه من حديث الليث ، عن سعيد ، عن عطاء مولى أبي أحمد مرسلا فالله أعلم .قال البخاري : وقال الليث : حدثني يزيد بن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أسيد بن حضير قال : بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة ، وفرسه مربوطة عنده ، إذ جالت الفرس ، فسكت ، فسكنت ، فقرأ فجالت الفرس ، فسكت ، فسكنت ، ثم قرأ فجالت الفرس ، فانصرف ، وكان ابنه يحيى قريبا منها . فأشفق أن تصيبه ، فلما أخذه رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها ، فلما أصبح حدث النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اقرأ يا ابن حضير . قال : فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى ، وكان منها قريبا ، فرفعت رأسي وانصرفت إليه ، فرفعت رأسي إلى السماء ، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح ، فخرجت حتى لا أراها ، قال : وتدري ما ذاك ؟ . قال : لا . قال : تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم .وهكذا رواه الإمام العالم أبو عبيد القاسم بن سلام ، في كتاب فضائل القرآن ، عن عبد الله بن صالح ، ويحيى بن بكير ، عن الليث به .وقد روي من وجه آخر عن أسيد بن حضير ، كما تقدم ، والله أعلم .وقد وقع نحو من هذا لثابت بن قيس بن شماس - رضي الله عنه - وذلك فيما رواه أبو عبيد [ القاسم ] : حدثنا عباد بن عباد ، عن جرير بن حازم ، عن جرير بن يزيد : أن أشياخ أهل المدينة حدثوه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قيل له : ألم تر ثابت بن قيس بن شماس ؟ لم تزل داره البارحة تزهر مصابيح ، قال : فلعله قرأ سورة البقرة . قال : فسئل ثابت ، فقال : قرأت سورة البقرة .وهذا إسناد جيد ، إلا أن فيه إبهاما ، ثم هو مرسل ، والله أعلم .[ ذكر ] ما ورد في فضلها مع آل عمرانقال الإمام أحمد : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا بشير بن مهاجر حدثني عبد الله بن بريدة ، عن أبيه ، قال : كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول : تعلموا سورة البقرة ، فإن أخذها بركة ، وتركها حسرة ، ولا تستطيعها البطلة . قال : ثم سكت ساعة ، ثم قال : تعلموا سورة البقرة ، وآل عمران ، فإنهما الزهراوان ، يظلان صاحبهما يوم القيامة ، كأنهما غمامتان أو غيايتان ، أو فرقان من طير صواف ، وإن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب ، فيقول له : هل تعرفني ؟ فيقول : ما أعرفك . فيقول : أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر ، وأسهرت ليلك ، وإن كل تاجر من وراء تجارته ، وإنك اليوم من وراء كل تجارة . فيعطى الملك بيمينه والخلد بشماله ، ويوضع على رأسه تاج الوقار ، ويكسى والداه حلتين ، لا يقوم لهما أهل الدنيا ، فيقولان : بم كسينا هذا ؟ فيقال : بأخذ ولدكما القرآن ، ثم يقال : اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها ، فهو في صعود ما دام يقرأ هذا كان أو ترتيلا .وروى ابن ماجه من حديث بشير بن المهاجر بعضه ، وهذا إسناد حسن على شرط مسلم ، فإن بشيرا هذا أخرج له مسلم ، ووثقه ابن معين ، وقال النسائي : ليس به بأس ، إلا أن الإمام أحمد قال فيه : هو منكر الحديث ، قد اعتبرت أحاديثه فإذا هي تجيء بالعجب . وقال البخاري : يخالف في بعض حديثه . وقال أبو حاتم الرازي : يكتب حديثه ولا يحتج به . وقال ابن عدي : روى ما لا يتابع عليه . وقال الدارقطني : ليس بالقوي .قلت : ولكن لبعضه شواهد ؛ فمن ذلك حديث أبي أمامة الباهلي ؛ قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا هشام ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلام ، عن أبي أمامة ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اقرءوا القرآن فإنه شافع لأهله يوم القيامة ، اقرءوا الزهراوين : البقرة وآل عمران ، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان ، أو كأنهما غيايتان ، أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن أهلهما ثم قال : اقرءوا البقرة فإن أخذها بركة ، وتركها حسرة ، ولا تستطيعها البطلة .وقد رواه مسلم في الصلاة من حديث معاوية بن سلام ، عن أخيه زيد بن سلام ، عن جده أبي سلام ممطور الحبشي ، عن أبي أمامة صدي بن عجلان [ الباهلي ] ، به .الزهراوان : المنيران ، والغياية : ما أظلك من فوقك . والفرق : القطعة من الشيء ، والصواف : المصطفة المتضامة . والبطلة السحرة ، ومعنى لا تستطيعها أي : لا يمكنهم حفظها ، وقيل : لا تستطيع النفوذ في قارئها ، والله أعلم .ومن ذلك حديث النواس بن سمعان . قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن عبد ربه ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن محمد بن مهاجر ، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي ، عن جبير بن نفير ، قال : سمعت النواس بن سمعان الكلابي ، يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به ، تقدمهم سورة البقرة وآل عمران . وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد ، قال : كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق ، أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما .ورواه مسلم ، عن إسحاق بن منصور ، عن يزيد بن عبد ربه ، به .والترمذي ، من حديث الوليد بن عبد الرحمن الجرشي ، به . وقال : حسن غريب .وقال أبو عبيد : حدثنا حجاج ، عن حماد بن سلمة ، عن عبد الملك بن عمير ، قال : قال حماد : أحسبه عن أبي منيب ، عن عمه ؛ أن رجلا قرأ البقرة وآل عمران ، فلما قضى صلاته قال له كعب : أقرأت البقرة وآل عمران ؟ قال : نعم . قال : فوالذي نفسي بيده ، إن فيهما اسم الله الذي إذا دعي به استجاب . قال : فأخبرني به . قال : لا والله لا أخبرك ، ولو أخبرتك لأوشكت أن تدعوه بدعوة أهلك فيها أنا وأنت .[ قال أبو عبيد ] : وحدثنا عبد الله بن صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن سليم بن عامر : أنه سمع أبا أمامة يقول : إن أخا لكم أري في المنام أن الناس يسلكون في صدع جبل وعر طويل ، وعلى رأس الجبل شجرتان خضراوان تهتفان : هل فيكم من يقرأ سورة البقرة ؟ وهل فيكم من يقرأ سورة آل عمران ؟ قال : فإذا قال الرجل : نعم . دنتا منه بأعذاقهما ، حتى يتعلق بهما فتخطران به الجبل .[ قال أبو عبيد ] وحدثنا عبد الله بن صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن أبي عمران : أنه سمع أم الدرداء تقول : إن رجلا ممن قرأ القرآن أغار على جار له ، فقتله ، وإنه أقيد به ، فقتل ، فما زال القرآن ينسل منه سورة سورة ، حتى بقيت البقرة وآل عمران جمعة ، ثم إن آل عمران انسلت منه ، وأقامت البقرة جمعة ، فقيل لها : ( ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد ) [ ق : 29 ] قال : فخرجت كأنها السحابة العظيمة .قال أبو عبيد : أراه ، يعني : أنهما كانتا معه في قبره تدفعان عنه وتؤنسانه ، فكانتا من آخر ما بقي معه من القرآن .وقال أيضا : حدثنا أبو مسهر الغساني ، عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي أن يزيد بن الأسود الجرشي كان يحدث : أنه من قرأ البقرة وآل عمران في يوم ، برئ من النفاق حتى يمسي ، ومن قرأهما من ليلة برئ من النفاق حتى يصبح ، قال : فكان يقرؤهما كل يوم وليلة سوى جزئه .[ قال أيضا : ] وحدثنا يزيد ، عن ورقاء بن إياس ، عن سعيد بن جبير ، قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : من قرأ البقرة وآل عمران في ليلة كان - أو كتب - من القانتين .فيه انقطاع ، ولكن ثبت في الصحيحين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بهما في ركعة واحدة .[ ذكر ] ما ورد في فضل السبع الطولقال أبو عبيد : حدثنا هشام بن إسماعيل الدمشقي ، عن محمد بن شعيب ، عن سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن أبي المليح ، عن واثلة بن الأسقع ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أعطيت السبع الطوال مكان التوراة ، وأعطيت المئين مكان الإنجيل ، وأعطيت المثاني مكان الزبور ، وفضلت بالمفصل .هذا حديث غريب ، وسعيد بن بشير ، فيه لين .وقد رواه أبو عبيد [ أيضا ] ، عن عبد الله بن صالح ، عن الليث ، عن سعيد بن أبي هلال ، قال : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال . . . فذكره ، والله أعلم . ثم قال حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب ، عن حبيب بن هند الأسلمي ، عن عروة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أخذ السبع فهو حبر .وهذا أيضا غريب ، وحبيب بن هند بن أسماء بن هند بن حارثة الأسلمي ، روى عنه عمرو بن أبي عمرو وعبد الله بن أبي بكرة ، وذكره أبو حاتم الرازي ولم يذكر فيه جرحا ، فالله أعلم .وقد رواه الإمام أحمد ، عن سليمان بن داود ، وحسين ، كلاهما عن إسماعيل بن جعفر ، به .ورواه - أيضا - عن أبي سعيد ، عن سليمان بن بلال ، عن حبيب بن هند ، عن عروة ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أخذ السبع الأول من القرآن فهو حبر .قال أحمد : وحدثنا حسين ، حدثنا ابن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .قال عبد الله بن أحمد : وهذا أرى فيه ، عن أبيه ، عن الأعرج ، ولكن كذا كان في الكتاب بلا " أبي " ، أغفله أبي ، أو كذا هو مرسل ، ثم قال أبو عبيد : حدثنا هشيم ، أخبرنا أبو بشر ، عن سعيد بن جبير ، في قوله تعالى : ( ولقد آتيناك سبعا من المثاني ) [ الحجر : 87 ] ، قال : هي السبع الطول : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، ويونس . قال : وقال مجاهد : هي السبع الطول . وهكذا قال مكحول ، وعطية بن قيس ، وأبو محمد الفارسي ، وشداد بن عبيد الله ، ويحيى بن الحارث الذماري في تفسير الآية بذلك ، وفي تعدادها ، وأن يونس هي السابعة .[ فصل ]والبقرة جميعها مدنية بلا خلاف ، قال بعض العلماء : وهي مشتملة على ألف خبر ، وألف أمر ، وألف نهي .وقال العادون : آياتها مائتان وثمانون وسبع آيات ، وكلماتها ستة آلاف كلمة ومائة وإحدى وعشرون كلمة ، وحروفها خمسة وعشرون ألفا وخمسمائة حرف ، فالله أعلم .قال ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس : أنزل بالمدينة سورة البقرة .وقال خصيف : عن مجاهد ، عن عبد الله بن الزبير ، قال : أنزل بالمدينة سورة البقرة .وقال الواقدي : حدثني الضحاك بن عثمان ، عن أبي الزناد ، عن خارجة بن زيد بن ثابت ، عن أبيه ، قال : نزلت البقرة بالمدينة .وهكذا قال غير واحد من الأئمة والعلماء ، والمفسرين ، ولا خلاف فيه .وقال ابن مردويه : حدثنا محمد بن معمر ، حدثنا الحسن بن علي بن الوليد [ الفارسي ] حدثنا خلف بن هشام ، حدثنا عبيس بن ميمون ، عن موسى بن أنس بن مالك ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقولوا : سورة البقرة ، ولا سورة آل عمران ، ولا سورة النساء ، وكذا القرآن كله ، ولكن قولوا : السورة التي يذكر فيها البقرة ، والتي يذكر فيها آل عمران ، وكذا القرآن كله .هذا حديث غريب لا يصح رفعه ، وعيسى بن ميمون هذا هو أبو سلمة الخواص ، وهو ضعيف الرواية ، لا يحتج به . وقد ثبت في الصحيحين ، عن ابن مسعود : أنه رمى الجمرة من بطن الوادي ، فجعل البيت عن يساره ، ومنى عن يمينه ، ثم قال : هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة . أخرجاه .وروى ابن مردويه ، من حديث شعبة ، عن عقيل بن طلحة ، عن عتبة بن فرقد قال : رأى النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه تأخرا ، فقال : يا أصحاب سورة البقرة . وأظن هذا كان يوم حنين ، حين ولوا مدبرين ، أمر العباس فناداهم : يا أصحاب الشجرة ، يعني أهل بيعة الرضوان . وفي رواية : يا أصحاب البقرة ، لينشطهم بذلك ، فجعلوا يقبلون من كل وجه . وكذلك يوم اليمامة مع أصحاب مسيلمة ، جعل الصحابة يفرون لكثافة حشر بني حنيفة ، فجعل المهاجرون والأنصار يتنادون : يا أصحاب سورة البقرة ، حتى فتح الله عليهم . رضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين .( بسم الله الرحمن الرحيم . الم )قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور ، فمنهم من قال : هي مما استأثر الله بعلمه ، فردوا علمها إلى الله ، ولم يفسروها [ حكاه القرطبي في تفسيره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود - رضي الله عنهم - به ، وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خثيم ، واختاره أبو حاتم بن حبان ] .ومنهم من فسرها ، واختلف هؤلاء في معناها ، فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : إنما هي أسماء السور [ قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره : وعليه إطباق الأكثر ، ونقله عن سيبويه أنه نص عليه ] ، ويعتضد هذا بما ورد في الصحيحين ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة : " الم السجدة " ، وهل أتى على الإنسان .وقال سفيان الثوري ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : أنه قال : " الم " ، و " حم " ، و " المص " ، و " ص " ، فواتح افتتح الله بها القرآن .وكذا قال غيره : عن مجاهد . وقال مجاهد في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود ، عن شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عنه ، أنه قال : " الم " ، اسم من أسماء القرآن .وهكذا قال قتادة ، وزيد بن أسلم ، ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن بن زيد : أنه اسم من أسماء السور ، فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن ، فإنه يبعد أن يكون " المص " اسما للقرآن كله ؛ لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول : قرأت " المص " ، إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف ، لا لمجموع القرآن . والله أعلم .وقيل : هي اسم من أسماء الله تعالى . فقال الشعبي : فواتح السور من أسماء الله تعالى ، وكذلك قال سالم بن عبد الله ، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير ، وقال شعبة عن السدي : بلغني أن ابن عباس قال : " الم " اسم من أسماء الله الأعظم . هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة .ورواه ابن جرير عن بندار ، عن ابن مهدي ، عن شعبة ، قال : سألت السدي عن " حم " و " طس " و " الم " ، فقال : قال ابن عباس : هي اسم الله الأعظم .وقال ابن جرير : وحدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا أبو النعمان ، حدثنا شعبة ، عن إسماعيل السدي ، عن مرة الهمداني قال : قال عبد الله ، فذكر نحوه [ وحكي مثله عن علي وابن عباس ] .وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : هو قسم أقسم الله به ، وهو من أسماء الله تعالى .وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث ابن علية ، عن خالد الحذاء ، عن عكرمة أنه قال : " الم " ، قسم .ورويا - أيضا - من حديث شريك بن عبد الله ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس : " الم " ، قال : أنا الله أعلم .وكذا قال سعيد بن جبير ، وقال السدي عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود . وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " الم " . قال : أما " الم " فهي حروف استفتحت من حروف هجاء أسماء الله تعالى .وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية في قوله تعالى : ( الم ) قال : هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفا دارت فيها الألسن كلها ، ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه ، وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبلائه ، وليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم . قال عيسى ابن مريم ، عليه السلام ، وعجب ، فقال : وأعجب أنهم ينطقون بأسمائه ويعيشون في رزقه ، فكيف يكفرون به ؛ فالألف مفتاح اسم الله ، واللام مفتاح اسمه " لطيف " والميم مفتاح اسمه " مجيد " فالألف آلاء الله ، واللام لطف الله ، والميم مجد الله ، والألف سنة ، واللام ثلاثون سنة ، والميم أربعون [ سنة ] . هذا لفظ ابن أبي حاتم . ونحوه رواه ابن جرير ، ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال ويوفق بينها ، وأنه لا منافاة بين كل واحد منها وبين الآخر ، وأن الجمع ممكن ، فهي أسماء السور ، ومن أسماء الله تعالى يفتتح بها السور ، فكل حرف منها دل على اسم من أسمائه وصفة من صفاته ، كما افتتح سورا كثيرة بتحميده وتسبيحه وتعظيمه . قال : ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله ، وعلى صفة من صفاته ، وعلى مدة وغير ذلك ، كما ذكره الربيع بن أنس عن أبي العالية ؛ لأن الكلمة الواحدة تطلق على معان كثيرة ، كلفظة الأمة فإنها تطلق ويراد به الدين ، كقوله تعالى : (إنا وجدنا آباءنا على أمة ) [ الزخرف : 22 ، 23 ] . وتطلق ويراد بها الرجل المطيع لله ، كقوله : ( إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين ) [ النحل : 120 ] وتطلق ويراد بها الجماعة ، كقوله : ( وجد عليه أمة من الناس يسقون ) [ القصص : 23 ] ، وقوله : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ) [ النحل : 36 ] وتطلق ويراد بها الحين من الدهر كقوله : ( وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة ) [ يوسف : 45 ] أي : بعد حين على أصح القولين ، قال : فكذلك هذا .هذا حاصل كلامه موجها ، ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية ، فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا ، وعلى هذا ، وعلى هذا معا ، ولفظة الأمة وما أشبهها من الألفاظ المشتركة في الاصطلاح ، إنما دل في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام ، فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسألة مختلف فيها بين علماء الأصول ، ليس هذا موضع البحث فيها ، والله أعلم ؛ ثم إن لفظ الأمة تدل على كل معانيه في سياق الكلام بدلالة الوضع ، فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدل على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخر في التقدير أو الإضمار بوضع ولا بغيره ، فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف ، والمسألة مختلف فيها ، وليس فيها إجماع حتى يحكم به .وما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة ، فإن في السياق ما يدل على ما حذف بخلاف هذا ، كما قال الشاعر :قلنا قفي لنا فقالت قاف لا تحسبينا قد نسينا الإيجافتعني : وقفت . وقال الآخر :ما للظليم عال كيف لا يا ينقد عنه جلده إذا ياقال ابن جرير : كأنه أراد أن يقول : إذا يفعل كذا وكذا ، فاكتفى بالياء من يفعل ، وقال الآخر :بالخير خيرات وإن شرا فا ولا أريد الشر إلا أن تايقول : وإن شرا فشر ، ولا أريد الشر إلا أن تشاء ، فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن بقيتهما ، ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام ، والله أعلم .[ قال القرطبي : وفي الحديث : من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة الحديث . قال شقيق : هو أن يقول في اقتل : إق ] .وقال خصيف ، عن مجاهد ، أنه قال : فواتح السور كلها " ق " و " ص " و " حم " و " طسم " و " الر " وغير ذلك هجاء موضوع . وقال بعض أهل العربية : هي حروف من حروف المعجم ، استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها ، التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفا ، كما يقول القائل : ابني يكتب في : ا ب ت ث ، أي : في حروف المعجم الثمانية والعشرين فيستغنى بذكر بعضها عن مجموعها . حكاه ابن جرير .قلت : مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفا ، وهي : ا ل م ص ر ك ي ع ط س ح ق ن ، يجمعها قولك : نص حكيم قاطع له سر . وهي نصف الحروف عددا ، والمذكور منها أشرف من المتروك ، وبيان ذلك من صناعة التصريف .[ قال الزمخشري : وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أنصاف أجناس الحروف يعني من المهموسة والمجهورة ، ومن الرخوة والشديدة ، ومن المطبقة والمفتوحة ، ومن المستعلية والمنخفضة ومن حروف القلقلة . وقد سردها مفصلة ثم قال : فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته ، وهذه الأجناس المعدودة ثلاثون بالمذكورة منها ، وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله ] .ومن هاهنا لحظ بعضهم في هذا المقام كلاما ، فقال : لا شك أن هذه الحروف لم ينزلها سبحانه وتعالى عبثا ولا سدى ؛ ومن قال من الجهلة : إنه في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلية ، فقد أخطأ خطأ كبيرا ، فتعين أن لها معنى في نفس الأمر ، فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به ، وإلا وقفنا حيث وقفنا ، وقلنا : ( آمنا به كل من عند ربنا ) [ آل عمران : 7 ] .ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين ، وإنما اختلفوا ، فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه ، وإلا فالوقف حتى يتبين . هذا مقام .المقام الآخر في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور ، ما هي ؟ مع قطع النظر عن معانيها في أنفسها . فقال بعضهم : إنما ذكرت لنعرف بها أوائل السور . حكاه ابن جرير ، وهذا ضعيف ؛ لأن الفصل حاصل بدونها فيما لم تذكر فيه ، وفيما ذكرت فيه بالبسملة تلاوة وكتابة .وقال آخرون : بل ابتدئ بها لتفتح لاستماعها أسماع المشركين - إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن - حتى إذا استمعوا له تلي عليهم المؤلف منه . حكاه ابن جرير - أيضا - ، وهو ضعيف أيضا ؛ لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها ، بل غالبها ليس كذلك ، ولو كان كذلك - أيضا - لانبغى الابتداء بها في أوائل الكلام معهم ، سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك . ثم إن هذه السورة والتي تليها أعني البقرة وآل عمران مدنيتان ليستا خطابا للمشركين ، فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه .وقال آخرون : بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن ، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله ، هذا مع أنه [ تركب ] من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها .ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته ، وهذا معلوم بالاستقراء ، وهو الواقع في تسع وعشرين سورة ، ولهذا يقول تعالى : ( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ) [ البقرة : 1 ، 2 ] . ( الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه ) [ آل عمران : 1 - 3 ] . المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ) [ الأعراف : 1 ، 2 ] . الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ) [ إبراهيم : 1 ] ( الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ) [ السجدة : 1 ، 2 ] . ( حم تنزيل من الرحمن الرحيم ) [ فصلت : 1 ، 2 ] . ( حم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم ) [ الشورى : 1 - 3 ] ، وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر ، والله أعلم .وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد ، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم ، فقد ادعى ما ليس له ، وطار في غير مطاره ، وقد ورد في ذلك حديث ضعيف ، وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته . وهو ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار ، صاحب المغازي ، حدثني الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، عن جابر بن عبد الله بن رئاب ، قال : مر أبو ياسر بن أخطب ، في رجال من يهود ، برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يتلو فاتحة سورة البقرة : ( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ) [ هدى للمتقين ) [ البقرة : 1 ، 2 ] فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من اليهود ، فقال : تعلمون - والله - لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل الله عليه : ( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ) فقال : أنت سمعته ؟ قال : نعم . قال : فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقالوا : يا محمد ، ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل الله عليك : ( الم ذلك الكتاب لا [ ريب ] ) ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بلى . فقالوا : جاءك بهذا جبريل من عند الله ؟ فقال : نعم . قالوا : لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك . فقام حيي بن أخطب ، وأقبل على من كان معه ، فقال لهم : الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، فهذه إحدى وسبعون سنة ، أفتدخلون في دين نبي ، إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة ؟ ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا محمد ، هل مع هذا غيره ؟ فقال : نعم ، قال : ما ذاك ؟ قال : " المص " ، قال : هذا أثقل وأطول ، الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والصاد سبعون ، فهذه إحدى وثلاثون ومائة سنة . هل مع هذا يا محمد غيره ؟ قال : نعم قال : ما ذاك ؟ قال : " الر " . قال : هذا أثقل وأطول ، الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والراء مائتان . فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة . فهل مع هذا يا محمد غيره ؟ قال : نعم ، قال : ماذا ؟ قال : " المر " . قال : فهذه أثقل وأطول ، الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والراء مائتان ، فهذه إحدى وسبعون ومائتان ، ثم قال : لقد لبس علينا أمرك يا محمد ، حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا . ثم قال : قوموا عنه . ثم قال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ، ولمن معه من الأحبار : ما يدريكم ؟ لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون وإحدى وثلاثون ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان ، فذلك سبعمائة وأربع سنين . فقالوا : لقد تشابه علينا أمره ، فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ) [ آل عمران : 7 ] .فهذا مداره على محمد بن السائب الكلبي ، وهو ممن لا يحتج بما انفرد به ، ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحا أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها ، وذلك يبلغ منه جملة كثيرة ، وإن حسبت مع التكرر فأتم وأعظم والله أعلم .
تفسير القرطبيوأول مبدوء به الكلام في نزولها وفضلها وما جاء فيها ; وهكذا كل سورة إن وجدنا لها ذلك ; فنقول :سورة البقرة مدنية ، نزلت في مدد شتى . وقيل : هي أول سورة نزلت بالمدينة ، إلا قوله تعالى : واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله فإنه آخر آية نزلت من السماء ، ونزلت يوم النحر في حجة الوداع بمنى ; وآيات الربا أيضا من أواخر ما نزل من القرآن .وهذه السورة فضلها عظيم وثوابها جسيم . ويقال لها : فسطاط القرآن ; قاله خالد بن معدان . وذلك لعظمها وبهائها ، وكثرة أحكامها ومواعظها . وتعلمها عمر رضي الله عنه بفقهها وما تحتوي عليه في اثنتي عشرة سنة ، وابنه عبد الله في ثماني سنين كما تقدم .قال ابن العربي : سمعت بعض أشياخي يقول : فيها ألف أمر وألف نهي وألف حكم وألف خبر . وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا وهم ذوو عدد وقدم عليهم أحدثهم سنا لحفظه سورة البقرة ، وقال له : اذهب فأنت أميرهم أخرجه الترمذي عن أبي هريرة وصححه . وروى مسلم عن أبي أمامة الباهلي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة ، قال معاوية : بلغني أن البطلة : السحرة . وروي أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة . وروى الدارمي عن عبد الله قال : ما من بيت يقرأ فيه سورة البقرة إلا خرج منه الشيطان وله ضراط . وقال : إن لكل شيء سناما وإن سنام القرآن سورة البقرة ، وإن لكل شيء لبابا وإن لباب القرآن المفصل . قال أبو محمد الدارمي . اللباب : الخالص . وفي صحيح البستي عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لكل شيء سناما وإن سنام القرآن سورة البقرة ومن قرأها في بيته ليلا لم يدخل الشيطان بيته ثلاث ليال ومن قرأها نهارا لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام . قال أبو حاتم البستي : قوله صلى الله عليه وسلم : لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام أراد : مردة الشياطين . وروى الدارمي في مسنده عن الشعبي قال : قال عبد الله : من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة حتى يصبح ; أربعا من أولها وآية الكرسي وآيتين بعدها وثلاثا خواتيمها ، أولها : لله ما في السماوات . وعن الشعبي عنه : لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان ولا شيء يكرهه ، ولا يقرأن على مجنون إلا أفاق . وقال المغيرة بن سبيع - وكان من أصحاب عبد الله - : لم ينس القرآن . وقال إسحاق بن عيسى : لم ينس ما قد حفظ . قال أبو محمد الدارمي : منهم من يقول : المغيرة بن سميع .وفي كتاب الاستيعاب لابن عبد البر : وكان لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة من شعراء الجاهلية ، أدرك الإسلام فحسن إسلامه وترك قول الشعر في الإسلام ، وسأله عمر في خلافته عن شعره واستنشده ; فقرأ سورة البقرة ; فقال : إنما سألتك عن شعرك ; فقال : ما كنت لأقول بيتا من الشعر بعد إذ علمني الله البقرة وآل عمران ; فأعجب عمر قوله ; وكان عطاؤه ألفين فزاده خمسمائة . وقد قال كثير من أهل الأخبار : إن لبيدا لم يقل شعرا منذ أسلم . وقال بعضهم : لم يقل في الإسلام إلا قوله : الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى اكتسيت من الإسلام سربالاقال ابن عبد البر : وقد قيل إن هذا البيت لقردة بن نفاثة السلولي ، وهو أصح عندي . وقال غيره : بل البيت الذي قاله في الإسلام : ما عاتب المرء الكريم كنفسهوالمرء يصلحه القرين الصالحوسيأتي ما ورد في آية الكرسي وخواتيم البقرة ، ويأتي في أول سورة آل عمران زيادة بيان لفضل هذه السورة ; إن شاء الله تعالى .بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى : الم . ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقينقوله تعالى : الم . ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين اختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السورة ; فقال عامر الشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين : هي سر الله في القرآن ، ولله في كل كتاب من كتبه سر . فهي من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه ، ولا يجب أن يتكلم فيها ، ولكن نؤمن بها ونقرأ كما جاءت . وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما . وذكر أبو الليث السمرقندي عن عمر وعثمان وابن مسعود أنهم قالوا : الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر . وقال أبو حاتم : لم نجد الحروف المقطعة في القرآن إلا في أوائل السور ، ولا ندري ما أراد الله جل وعز بها .قلت : ومن هذا المعنى ما ذكره أبو بكر الأنباري : حدثنا الحسن بن الحباب حدثنا أبو بكر بن أبي طالب حدثنا أبو المنذر الواسطي عن مالك بن مغول عن سعيد بن مسروق عن الربيع بن خثيم قال : إن الله تعالى أنزل هذا القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء ، وأطلعكم على ما شاء ، فأما ما استأثر به لنفسه فلستم بنائليه فلا تسألوا عنه ، وأما الذي أطلعكم عليه فهو الذي تسألون عنه وتخبرون به ، وما بكل القرآن تعلمون ، ولا بكل ما تعلمون تعملون . قال أبو بكر : فهذا يوضح أن حروفا من القرآن سترت معانيها عن جميع العالم ، اختبارا من الله عز وجل وامتحانا ; فمن آمن بها أثيب وسعد ، ومن كفر وشك أثم وبعد . حدثنا أبو يوسف بن يعقوب القاضي حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن الأعمش عن عمارة عن حريث بن ظهير عن عبد الله قال : ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب ، ثم قرأ : الذين يؤمنون بالغيب .قلت : هذا القول في المتشابه وحكمه ، وهو الصحيح على ما يأتي بيانه في ( آل عمران ) إن شاء الله تعالى . وقال جمع من العلماء كبير : بل يجب أن نتكلم فيها ، ونلتمس الفوائد التي تحتها ، والمعاني التي تتخرج عليها ; واختلفوا في ذلك على أقوال عديدة ; فروي عن ابن عباس وعلي أيضا : أن الحروف المقطعة في القرآن اسم الله الأعظم ، إلا أنا لا نعرف تأليفه منها .وقال قطرب والفراء وغيرهما : هي إشارة إلى حروف الهجاء أعلم الله بها العرب حين تحداهم بالقرآن أنه مؤتلف من حروف هي التي منها بناء كلامهم ; ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم إذ لم يخرج عن كلامهم .قال قطرب : كانوا ينفرون عند استماع القرآن ، فلما سمعوا : الم و المص استنكروا هذا اللفظ ، فلما أنصتوا له صلى الله عليه وسلم أقبل عليهم بالقرآن المؤتلف ليثبته في أسماعهم وآذانهم ويقيم الحجة عليهم . وقال قوم : روي أن المشركين لما أعرضوا عن سماع القرآن بمكة وقالوا : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه نزلت ليستغربوها فيفتحون لها أسماعهم فيسمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة .وقال جماعة : هي حروف دالة على أسماء أخذت منها وحذفت بقيتها ; كقول ابن عباس وغيره : الألف من الله ، واللام من جبريل ، والميم من محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : الألف مفتاح اسمه الله ، واللام مفتاح اسمه لطيف ، والميم مفتاح اسمه مجيد . وروى أبو الضحى عن ابن عباس في قوله : ( الم ) قال : أنا الله أعلم ، ( الر ) أنا الله أرى ، المص أنا الله أفصل . فالألف تؤدي عن معنى أنا ، واللام تؤدي عن اسم الله ، والميم تؤدي عن معنى أعلم . واختار هذا القول الزجاج وقال : أذهب إلى أن كل حرف منها يؤدي عن معنى ; وقد تكلمت العرب بالحروف المقطعة نظما لها ووضعا بدل الكلمات التي الحروف منها ، كقوله : فقلت لها قفي فقالت قاف أراد : قالت وقفت . وقال زهير : بالخير خيرات وإن شرا فا ولا أريد الشر إلا أن تاأراد : وإن شرا فشر . وأراد : إلا أن تشاء .وقال آخر : نادوهم ألا الجموا ألا تاقالوا جميعا كلهم ألا فاأراد : ألا تركبون ، قالوا : ألا فاركبوا . وفي الحديث : من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة قال شقيق : هو أن يقول في اقتل : اق ; كما قال عليه السلام كفى بالسيف شا معناه : شافيا .وقال زيد بن أسلم : هي أسماء للسور .وقال الكلبي : هي أقسام أقسم الله - تعالى - بها لشرفها وفضلها ، وهي من أسمائه ; عن ابن عباس أيضا ، ورد بعض العلماء هذا القول فقال : لا يصح أن يكون قسما لأن القسم معقود على حروف مثل : إن ، وقد ، ولقد ، وما ; ولم يوجد هاهنا حرف من هذه الحروف ، فلا يجوز أن يكون يمينا . والجواب أن يقال : موضع القسم قوله تعالى : لا ريب فيه فلو أن إنسانا حلف فقال : والله هذا الكتاب لا ريب فيه ; لكان الكلام سديدا ، وتكون لا جواب القسم . فثبت أن قول الكلبي وما روي عن ابن عباس سديد صحيح . فإن قيل : ما الحكمة في القسم من الله تعالى ، وكان القوم في ذلك الزمان على صنفين : مصدق ، ومكذب ; فالمصدق يصدق بغير قسم ، والمكذب لا يصدق مع القسم ؟ . قيل له : القرآن نزل بلغة العرب ; والعرب إذا أراد بعضهم أن يؤكد كلامه أقسم على كلامه ; والله تعالى أراد أن يؤكد عليهم الحجة فأقسم أن القرآن من عنده .وقال بعضهم : ( الم ) أي أنزلت عليك هذا الكتاب من اللوح المحفوظ . وقال قتادة في قوله : ( الم ) قال اسم من أسماء القرآن .وروي عن محمد بن علي الترمذي أنه قال : إن الله تعالى أودع جميع ما في تلك السورة من الأحكام والقصص في الحروف التي ذكرها في أول السورة ، ولا يعرف ذلك إلا نبي أو ولي ، ثم بين ذلك في جميع السورة ليفقه الناس . وقيل غير هذا من الأقوال ; فالله أعلم .والوقف على هذه الحروف على السكون لنقصانها إلا إذا أخبرت عنها أو عطفتها فإنك تعربها . واختلف : هل لها محل من الإعراب ؟ فقيل : لا ; لأنها ليست أسماء متمكنة ، ولا أفعالا مضارعة ; وإنما هي بمنزلة حروف التهجي فهي محكية . هذا مذهب الخليل وسيبويه .ومن قال : إنها أسماء السور فموضعها عنده الرفع على أنها عنده خبر ابتداء مضمر ، أي هذه ( الم ) ; كما تقول : هذه سورة البقرة . أو تكون رفعا على الابتداء والخبر ذلك ; كما تقول : زيد ذلك الرجل . وقال ابن كيسان النحوي : ( الم ) في موضع نصب ; كما تقول : اقرأ ( الم ) أو عليك ( الم ) . وقيل : في موضع خفض بالقسم ; لقول ابن عباس : إنها أقسام أقسم الله بها .
تفسير الطبريبسم الله الرحمن الرحيم رب أعن ( القول في تفسير السورة التي يذكر فيها البقرة )القول في تأويل قول الله جل ثناؤه : ( الم ) .قال أبو جعفر : اختلفت تراجمة القرآن في تأويل قول الله تعالى ذكره "الم " فقال بعضهم : هو اسم من أسماء القرآن .ذكر من قال ذلك :225 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : "الم " ، قال : اسم من أسماء القرآن .226 - حدثني المثنى بن إبراهيم الآملي ، قال : حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : "الم " ، اسم من أسماء القرآن .227 - حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : "الم " ، اسم من أسماء القرآن .وقال بعضهم : هو فواتح يفتح الله بها القرآن .ذكر من قال ذلك :228 - حدثني هارون بن إدريس الأصم الكوفي ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال : "الم " ، فواتح يفتح الله بها القرآن . [ ص: 206 ]229 - حدثنا أحمد بن حازم الغفاري ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا سفيان ، عن مجاهد ، قال : "الم " ، فواتح .230 - حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، عن يحيى بن آدم ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : "الم " ، و "حم " ، و "المص " ، و "ص " ، فواتح افتتح الله بها .231 - حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثل حديث هارون بن إدريس .وقال آخرون : هو اسم للسورة .ذكر من قال ذلك :232 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أنبأنا عبد الله بن وهب ، قال : سألت عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن قول الله : "الم ذلك الكتاب " و "الم تنزيل " ، و "المر تلك " ، فقال : قال أبي : إنما هي أسماء السور .وقال بعضهم : هو اسم الله الأعظم .ذكر من قال ذلك :233 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : حدثنا شعبة ، قال : سألت السدي عن "حم " و "طسم " و "الم " ، فقال : قال ابن عباس : هو اسم الله الأعظم .234 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثني أبو النعمان ، قال : حدثنا شعبة ، عن إسماعيل السدي ، عن مرة الهمداني ، قال : قال عبد الله فذكر نحوه .235 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، عن عبيد الله بن موسى ، عن إسماعيل ، عن الشعبي قال : فواتح السور من أسماء الله .وقال بعضهم : هو قسم أقسم الله به ، وهو من أسمائه .ذكر من قال ذلك : [ ص: 207 ]236 - حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهمي ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قال : هو قسم أقسم الله به ، وهو من أسماء الله .237 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : حدثنا خالد الحذاء ، عن عكرمة ، قال : "الم " ، قسم . [ ص: 208 ]وقال بعضهم : هو حروف مقطعة من أسماء وأفعال ، كل حرف من ذلك لمعنى غير معنى الحرف الآخر .ذكر من قال ذلك :238 - حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع - وحدثنا سفيان بن وكيع قال : حدثنا أبي عن شريك ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس : "الم " قال : أنا الله أعلم .239 - حدثت عن أبي عبيد ، قال : حدثنا أبو اليقظان ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، قال : قوله : "الم " ، قال : أنا الله أعلم .240 - حدثني موسى بن هارون الهمداني ، قال : حدثنا عمرو بن حماد القناد ، قال : حدثنا أسباط بن نصر ، عن إسماعيل السدي في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : "الم " قال : أما "الم " فهو حرف اشتق من حروف هجاء أسماء الله جل ثناؤه .241 - حدثنا محمد بن معمر ، قال : حدثنا عباس بن زياد الباهلي ، قال : حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : "الم " و "حم " و "ن " ، قال : اسم مقطع .وقال بعضهم هي حروف هجاء موضوع .ذكر من قال ذلك :242 - حدثت عن منصور بن أبي نويرة ، قال : حدثنا أبو سعيد المؤدب ، عن خصيف ، عن مجاهد ، قال : فواتح السور كلها "ق " و "ص " و "حم " و "طسم " و "الر " وغير ذلك ، هجاء موضوع .وقال بعضهم : هي حروف يشتمل كل حرف منها على معان شتى مختلفة .ذكر من قال ذلك :243 - حدثني المثنى بن إبراهيم الطبري ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، عن عبد الله بن أبي جعفر الرازي ، قال : حدثني أبي ، عن الربيع بن أنس ، في قول الله تعالى ذكره : "الم " ، قال : هذه الأحرف ، من التسعة والعشرين حرفا ، دارت فيها الألسن كلها . ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه ، وليس منها حرف إلا وهو في آلائه وبلائه ، وليس منها حرف إلا وهو في مدة قوم وآجالهم . وقال عيسى ابن مريم : "وعجيب ينطقون في أسمائه ، ويعيشون في رزقه ، فكيف يكفرون ؟ " . قال : الألف : مفتاح اسمه : "الله " ، واللام : مفتاح اسمه : "لطيف " ، والميم : مفتاح اسمه : "مجيد " . والألف آلاء الله ، واللام لطفه ، والميم : مجده . الألف سنة ، واللام ثلاثون سنة ، والميم أربعون سنة .244 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا حكام ، عن أبي جعفر ، عن الربيع بنحوه .وقال بعضهم : هي حروف من حساب الجمل - كرهنا ذكر الذي حكي ذلك عنه ، إذ كان الذي رواه ممن لا يعتمد على روايته ونقله . وقد مضت الرواية بنظير ذلك من القول عن الربيع بن أنس . [ ص: 209 ]وقال بعضهم : لكل كتاب سر ، وسر القرآن فواتحه .وأما أهل العربية ، فإنهم اختلفوا في معنى ذلك . فقال بعضهم : هي حروف من حروف المعجم ، استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها ، التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفا; كما استغنى المخبر - عمن أخبر عنه أنه في حروف المعجم الثمانية والعشرين حرفا - بذكر "أ ب ت ث " ، عن ذكر بواقي حروفها التي هي تتمة الثمانية والعشرين : قال . ولذلك رفع ( ذلك الكتاب ) ، لأن معنى الكلام : الألف واللام والميم من الحروف المقطعة ، ذلك الكتاب الذي أنزلته إليك مجموعا لا ريب فيه .فإن قال قائل : فإن "أ ب ت ث " ، قد صارت كالاسم في حروف الهجاء ، كما كان "الحمد " اسما لفاتحة الكتاب .قيل له : لما كان جائزا أن يقول القائل : ابني في "ط ظ " ، وكان معلوما بقيله ذلك لو قاله أنه يريد الخبر عن ابنه أنه في الحروف المقطعة - علم بذلك أن "أ ب ت ث " ليس لها باسم ، وإن كان ذلك آثر في الذكر من سائرها . قال : وإنما خولف بين ذكر حروف المعجم في فواتح السور ، فذكرت في أوائلها مختلفة ، وذكرها إذا ذكرت بأوائلها التي هي "أ ب ت ث " ، مؤتلفة ، ليفصل بين الخبر عنها إذا أريد - بذكر ما ذكر منها مختلفا - الدلالة على الكلام المتصل; وإذا أريد - بذكر ما ذكر منها مؤتلفا - الدلالة على الحروف المقطعة بأعيانها . واستشهدوا - لإجازة قول القائل : ابني في "ط ظ " وما أشبه ذلك ، من الخبر عنه أنه في حروف المعجم ، وأن ذلك من قيله في البيان يقوم مقام قوله : ابني في "أ ب ت ث " - برجز بعض الرجاز من بني أسد :لما رأيت أمرها في حطي وفنكت في كذب ولط أخذت منها بقرون [ ص: 210 ] شمطفلم يزل صوبي بها ومعطيحتى علا الرأس دم يغطيفزعم أنه أراد بذلك الخبر عن المرأة أنها في "أبي جاد " ، فأقام قوله : "لما رأيت أمرها في حطي " مقام خبره عنها أنها في "أبي جاد " ، إذ كان ذاك من قوله ، يدل سامعه على ما يدله عليه قوله : لما رأيت أمرها في "أبي جاد " .وقال آخرون : بل ابتدئت بذلك أوائل السور ليفتح لاستماعه أسماع المشركين - إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن - حتى إذا استمعوا له ، تلي عليهم المؤلف منه .وقال بعضهم : الحروف التي هي فواتح السور حروف يستفتح الله بها كلامه .فإن قيل : هل يكون من القرآن ما ليس له معنى ؟قيل : معنى هذا أنه افتتح بها ليعلم أن السورة التي قبلها قد انقضت ، وأنه قد أخذ في أخرى ، فجعل هذا علامة انقطاع ما بينهما ، وذلك في كلام العرب ، ينشد الرجل منهم الشعر فيقول :بل وبلدة ما الإنس من آهالهاويقول :لا بل ما هاج أحزانا وشجوا قد شجاو "بل " ليست من البيت ولا تعد في وزنه ، ولكن يقطع بها كلاما ويستأنف الآخر . [ ص: 211 ]قال أبو جعفر : ولكل قول من الأقوال التي قالها الذين وصفنا قولهم في ذلك ، وجه معروف .فأما الذين قالوا : "الم " ، اسم من أسماء القرآن ، فلقولهم ذلك وجهان :أحدهما : أن يكونوا أرادوا أن "الم " اسم للقرآن ، كما الفرقان اسم له . وإذا كان معنى قائل ذلك كذلك ، كان تأويل قوله ( الم ذلك الكتاب ) ، على معنى القسم . كأنه قال : والقرآن ، هذا الكتاب لا ريب فيه .والآخر منهما : أن يكونوا أرادوا أنه اسم من أسماء السورة التي تعرف به ، كما تعرف سائر الأشياء بأسمائها التي هي لها أمارات تعرف بها ، فيفهم السامع من القائل يقول : - قرأت اليوم "المص " و "ن " - ، أي السور التي قرأها من سور القرآن ، كما يفهم عنه - إذا قال : لقيت اليوم عمرا وزيدا ، وهما بزيد وعمرو عارفان - من الذي لقي من الناس .وإن أشكل معنى ذلك على امرئ فقال : وكيف يجوز أن يكون ذلك كذلك ، ونظائر "الم " "الر " في القرآن جماعة من السور ؟ وإنما تكون الأسماء أمارات إذا كانت مميزة بين الأشخاص ، فأما إذا كانت غير مميزة فليست أمارات .قيل : إن الأسماء - وإن كانت قد صارت ، لاشتراك كثير من الناس في الواحد منها ، غير مميزة إلا بمعان أخر معها من ضم نسبة المسمى بها إليها أو نعته أو صفته ، بما يفرق بينه وبين غيره من أشكالها - فإنها وضعت ابتداء للتمييز لا شك . ثم احتيج ، عند الاشتراك ، إلى المعاني المفرقة بين المسميين بها . فكذلك ذلك في أسماء السور . جعل كل اسم - في قول قائل هذه المقالة - أمارة للمسمى به من السور . فلما شارك المسمى به فيه غيره من سور القرآن ، احتاج المخبر عن [ ص: 212 ] سورة منها أن يضم إلى اسمها المسمى به من ذلك ، ما يفرق به السامع بين الخبر عنها وعن غيرها ، من نعت وصفة أو غير ذلك . فيقول المخبر عن نفسه إنه تلا سورة البقرة ، إذا سماها باسمها الذي هو "الم " : قرأت "الم البقرة " ، وفي آل عمران : قرأت "الم آل عمران " ، و "الم ذلك الكتاب " ، و "الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم " . كما لو أراد الخبر عن رجلين ، اسم كل واحد منهما "عمرو " ، غير أن أحدهما تميمي والآخر أزدي ، للزمه أن يقول لمن أراد إخباره عنهما : لقيت عمرا التميمي وعمرا الأزدي ، إذ كان لا يفرق بينهما وبين غيرهما ممن يشاركهما في أسمائهما ، إلا بنسبتهما كذلك . فكذلك ذلك في قول من تأول في الحروف المقطعة أنها أسماء للسور .وأما الذين قالوا : ذلك فواتح يفتتح الله عز وجل بها كلامه ، فإنهم وجهوا ذلك إلى نحو المعنى الذي حكيناه عمن حكينا عنه من أهل العربية ، أنه قال : ذلك أدلة على انقضاء سورة وابتداء في أخرى ، وعلامة لانقطاع ما بينهما ، كما جعلت "بل " في ابتداء قصيدة دلالة على ابتداء فيها ، وانقضاء أخرى قبلها كما ذكرنا عن العرب إذا أرادوا الابتداء في إنشاد قصيدة ، قالوا :بل ما هاج أحزانا وشجوا قد شجاو "بل " ليست من البيت ولا داخلة في وزنه ، ولكن ليدل به على قطع كلام وابتداء آخر .وأما الذين قالوا : ذلك حروف مقطعة بعضها من أسماء الله عز وجل ، وبعضها من صفاته ، ولكل حرف من ذلك معنى غير معنى الحرف الآخر ، فإنهم نحوا بتأويلهم ذلك نحو قول الشاعر :قلنا لها قفي لنا قالت قاف لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف[ ص: 213 ]يعني بقوله : "قالت قاف " ، قالت : قد وقفت . فدلت بإظهار القاف من "وقفت " ، على مرادها من تمام الكلمة التي هي "وقفت" . فصرفوا قوله : "الم " وما أشبه ذلك ، إلى نحو هذا المعنى . فقال بعضهم : الألف ألف "أنا " ، واللام لام "الله " ، والميم ميم "أعلم " ، وكل حرف منها دال على كلمة تامة . قالوا : فجملة هذه الحروف المقطعة إذا ظهر مع كل حرف منهن تمام حروف الكلمة ، "أنا " الله أعلم " . قالوا : وكذلك سائر جميع ما في أوائل سور القرآن من ذلك ، فعلى هذا المعنى وبهذا التأويل . قالوا : ومستفيض ظاهر في كلام العرب أن ينقص المتكلم منهم من الكلمة الأحرف ، إذا كان فيما بقي دلالة على ما حذف منها - ويزيد فيها ما ليس منها ، إذا لم تكن الزيادة ملبسة معناها على سامعها - كحذفهم في النقص في الترخيم من "حارث " الثاء ، فيقولون : يا حار ، ومن "مالك " الكاف ، فيقولون : يا مال ، وأما أشبه ذلك ، وكقول راجزهم :ما للظليم عال ؟ كيف لا يا ينقد عنه جلده إذا ياكأنه أراد أن يقول : إذا يفعل كذا وكذا ، فاكتفى بالياء من "يفعل " ، وكما قال آخر منهم :بالخير خيرات وإن شرا فايريد : فشرا .ولا أريد الشر إلا أن تا.يريد : إلا أن تشاء ، فاكتفى بالتاء والفاء في الكلمتين جميعا ، من سائر حروفهما ، وما أشبه ذلك من الشواهد التي يطول الكتاب باستيعابه . [ ص: 214 ]245 - وكما حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، عن أيوب ، وابن عون ، عن محمد ، قال : لما مات يزيد بن معاوية قال لي عبدة : إني لا أراها إلا كائنة فتنة ، فافزع من ضيعتك والحق بأهلك . قلت : فما تأمرني ؟ قال : أحب إلي لك أن تا - قال أيوب وابن عون بيده تحت خده الأيمن ، يصف الاضطجاع - حتى ترى أمرا تعرفه .قال أبو جعفر : يعني ب "تا " تضطجع ، فاجتزأ بالتاء من تضطجع . وكما قال الآخر في الزيادة في الكلام على النحو الذي وصفت :أقول إذ خرت على الكلكال يا ناقتي ما جلت من مجاليريد : الكلكل ، وكما قال الآخر :إن شكلي وإن شكلك شتى فالزمي الخص واخفضي تبيضضي.فزاد ضادا ، وليست في الكلمة .قالوا : فكذلك ما نقص من تمام حروف كل كلمة من هذه الكلمات التي ذكرنا أنها تتمة حروف "الم " ونظائرها - نظير ما نقص من الكلام الذي حكيناه عن العرب في أشعارها وكلامها .وأما الذين قالوا : كل حرف من "الم " ونظائرها ، دال على معان شتى - [ ص: 215 ] نحو الذي ذكرنا عن الربيع بن أنس - فإنهم وجهوا ذلك إلى مثل الذي وجهه إليه من قال : هو بتأويل "أنا الله أعلم " ، في أن كل حرف منه بعض حروف كلمة تامة ، استغني بدلالته على تمامه عن ذكر تمامه - وإن كانوا له مخالفين في كل حرف من ذلك : أهو من الكلمة التي ادعى أنه منها قائلو القول الأول ، أم من غيرها ؟ فقالوا : بل الألف من "الم " من كلمات شتى ، هي دالة على معاني جميع ذلك وعلى تمامه . قالوا : وإنما أفرد كل حرف من ذلك ، وقصر به عن تمام حروف الكلمة ، أن جميع حروف الكلمة لو أظهرت ، لم تدل الكلمة التي تظهر - التي بعض هذه الحروف المقطعة بعض لها - إلا على معنى واحد لا على معنيين وأكثر منهما . قالوا : وإذ كان لا دلالة في ذلك ، لو أظهر جميعها ، إلا على معناها الذي هو معنى واحد ، وكان الله جل ثناؤه قد أراد الدلالة بكل حرف منها على معان كثيرة لشيء واحد - لم يجز إلا أن يفرد الحرف الدال على تلك المعاني ، ليعلم المخاطبون به أن الله عز وجل لم يقصد قصد معنى واحد ودلالة على شيء واحد بما خاطبهم به ، وأنه إنما قصد الدلالة به على أشياء كثيرة . قالوا : فالألف من "الم " مقتضية معاني كثيرة ، منها تمام اسم الرب الذي هو "الله " ، وتمام اسم نعماء الله التي هي آلاء الله ، والدلالة على أجل قوم أنه سنة ، إذا كانت الألف في حساب الجمل واحدا . واللام مقتضية تمام اسم الله الذي هو لطيف ، وتمام اسم فضله الذي هو لطف ، والدلالة على أجل قوم أنه ثلاثون سنة . والميم مقتضية تمام اسم الله الذي هو مجيد ، وتمام اسم عظمته التي هي مجد ، والدلالة على أجل قوم أنه أربعون سنة . فكان معنى الكلام - في تأويل قائل القول الأول - أن الله جل ثناؤه افتتح كلامه بوصف نفسه بأنه العالم الذي لا يخفى عليه شيء ، وجعل ذلك لعباده منهجا يسلكونه في مفتتح خطبهم ورسائلهم ومهم أمورهم ، وابتلاء منه لهم ليستوجبوا به عظيم الثواب في دار الجزاء ، .كما افتتح ب ( الحمد لله رب العالمين ) ، و ( الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ) ، سورة الأنعام : 1 [ ص: 216 ] وما أشبه ذلك من السور التي جعل مفاتحها الحمد لنفسه ، وكما جعل مفاتح بعضها تعظيم نفسه وإجلالها بالتسبيح ، كما قال جل ثناؤه : ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ) سورة الإسراء : 1 ، وما أشبه ذلك من سائر سور القرآن ، التي جعل مفاتح بعضها تحميد نفسه ، ومفاتح بعضها تمجيدها ، ومفاتح بعضها تعظيمها وتنزيهها . فكذلك جعل مفاتح السور الأخر التي أوائلها بعض حروف المعجم ، مدائح نفسه ، أحيانا بالعلم ، وأحيانا بالعدل والإنصاف ، وأحيانا بالإفضال والإحسان ، بإيجاز واختصار ، ثم اقتصاص الأمور بعد ذلك .وعلى هذا التأويل يجب أن يكون الألف واللام والميم في أماكن الرفع ، مرفوعا بعضها ببعض ، دون قوله ( ذلك الكتاب ) ، ويكون "ذلك الكتاب " خبرا مبتدأ منقطعا عن معنى "الم " . وكذلك "ذلك " في تأويل قول قائل هذا القول الثاني ، مرفوع بعضه ببعض ، وإن كان مخالفا معناه معنى قول قائل القول الأول .وأما الذين قالوا : هن حروف من حروف حساب الجمل دون ما خالف ذلك من المعاني ، فإنهم قالوا : لا نعرف للحروف المقطعة معنى يفهم سوى حساب الجمل ، وسوى تهجي قول القائل : "الم " . وقالوا : غير جائز أن يخاطب الله جل ثناؤه عباده إلا بما يفهمونه ويعقلونه عنه . فلما كان ذلك كذلك - وكان قوله "الم " لا يعقل لها وجه توجه إليه ، إلا أحد الوجهين اللذين ذكرنا ، فبطل أحد وجهيه ، وهو أن يكون مرادا بها تهجي "الم " - صح وثبت أنه مراد به الوجه الثاني ، وهو حساب الجمل; لأن قول القائل : "الم " لا يجوز أن يليه من الكلام "ذلك الكتاب " ، لاستحالة معنى الكلام وخروجه عن المعقول ، إن ولي "الم " "ذلك الكتاب " .واحتجوا لقولهم ذلك أيضا بما : -246 - حدثنا به محمد بن حميد الرازي ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، قال : حدثني محمد بن إسحاق ، قال : حدثني الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، عن جابر بن عبد الله بن رئاب ، قال : مر [ ص: 217 ] أبو ياسر بن أخطب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة ( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ) ، فأتى أخاه حيي بن أخطب من يهود فقال : تعلمون والله ، لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل الله عز وجل عليه ( الم ذلك الكتاب ) فقالوا : أنت سمعته ؟ قال : نعم! قال : فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا محمد ، ألم يذكر لنا أنك تتلو فيما أنزل عليك "الم ذلك الكتاب " ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بلى! فقالوا : أجاءك بهذا جبريل من عند الله ؟ قال : نعم! قالوا : لقد بعث الله جل ثناؤه قبلك أنبياء ، ما نعلمه بين لنبي منهم ، ما مدة ملكه وما أكل أمته غيرك! فقال : حيي بن أخطب ، وأقبل على من كان معه فقال لهم : الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، فهذه إحدى وسبعون سنة . أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأكل أمته إحدى وسبعون سنة ؟ قال : ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا محمد ، هل مع هذا غيره ؟ قال : نعم ! قال : ماذا ؟ قال : ( المص ) . قال : هذه أثقل وأطول ، الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والصاد تسعون ، فهذه مائة وإحدى وستون سنة . هل مع هذا يا محمد غيره ؟ قال : نعم ! قال : ماذا ؟ قال : ( الر ) . قال : هذه [ ص: 218 ] [ ص: 219 ] والله أثقل وأطول . الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والراء مائتان ، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة ، فقال : هل مع هذا غيره يا محمد ؟ قال : نعم ، ( المر ) ، قال : فهذه والله أثقل وأطول ، الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والراء مائتان ، فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنة . ثم قال : لقد لبس علينا أمرك يا محمد ، حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا ؟ ثم قاموا عنه . فقال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ، ولمن معه من الأحبار : ما يدريكم لعله قد جمع هذا كله لمحمد ، إحدى وسبعون ، وإحدى وستون ومائة ، ومائتان وإحدى وثلاثون ، ومائتان وإحدى وسبعون ، فذلك سبعمائة سنة وأربع وثلاثون! فقالوا : لقد تشابه علينا أمره! ويزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ) . [ ص: 220 ]قالوا : فقد صرح هذا الخبر بصحة ما قلنا في ذلك من التأويل ، وفساد ما قاله مخالفونا فيه .والصواب من القول عندي في تأويل مفاتح السور ، التي هي حروف المعجم : أن الله جل ثناؤه جعلها حروفا مقطعة ولم يصل بعضها ببعض - فيجعلها كسائر الكلام المتصل الحروف - لأنه عز ذكره أراد بلفظه الدلالة بكل حرف منه على معان كثيرة ، لا على معنى واحد ، كما قال الربيع بن أنس . وإن كان الربيع قد اقتصر به على معان ثلاثة ، دون ما زاد عليها .والصواب في تأويل ذلك عندي : أن كل حرف منه يحوي ما قاله الربيع ، وما قاله سائر المفسرين غيره فيه - سوى ما ذكرت من القول عمن ذكرت عنه من أهل العربية : أنه كان يوجه تأويل ذلك إلى أنه حروف هجاء ، استغني [ ص: 221 ] بذكر ما ذكر منه في مفاتيح السور ، عن ذكر تتمة الثمانية والعشرين حرفا من حروف المعجم ، بتأويل : أن هذه الحروف ، ذلك الكتاب ، مجموعة ، لا ريب فيه - فإنه قول خطأ فاسد ، لخروجه عن أقوال جميع الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين من أهل التفسير والتأويل . فكفى دلالة على خطئه ، شهادة الحجة عليه بالخطأ ، مع إبطال قائل ذلك قوله الذي حكيناه عنه - إذ صار إلى البيان عن رفع " ذلك الكتاب " - بقوله مرة إنه مرفوع كل واحد منهما بصاحبه ، ومرة أخرى أنه مرفوع بالراجع من ذكره في قوله " لا ريب فيه " ومرة بقوله " هدى للمتقين " . وذلك ترك منه لقوله : إن "الم " رافعة " ذلك الكتاب " ، وخروج من القول الذي ادعاه في تأويل " الم ذلك الكتاب " ، وأن تأويل ذلك : هذه الحروف ذلك الكتاب .فإن قال لنا قائل : وكيف يجوز أن يكون حرف واحد شاملا الدلالة على معان كثيرة مختلفة ؟قيل : كما جاز أن تكون كلمة واحدة تشتمل على معان كثيرة مختلفة ، كقولهم للجماعة من الناس : أمة ، وللحين من الزمان : أمة ، وللرجل المتعبد المطيع لله : أمة ، وللدين والملة : أمة . وكقولهم للجزاء والقصاص : دين ، وللسلطان والطاعة : دين ، وللتذلل : دين ، وللحساب : دين ، في أشباه لذلك كثيرة يطول الكتاب بإحصائها - مما يكون من الكلام بلفظ واحد ، وهو مشتمل على معان كثيرة . وكذلك قول الله جل ثناؤه : "الم " و "الر " ، و "المص " وما أشبه ذلك من حروف المعجم التي هي فواتح أوائل السور ، كل حرف منها دال على معان شتى ، شامل جميعها من أسماء الله عز وجل وصفاته ما قاله المفسرون من الأقوال التي ذكرناها عنهم . وهن ، مع ذلك ، فواتح السور ، كما قاله من قال ذلك . [ ص: 222 ] وليس كون ذلك من حروف أسماء الله جل ثناؤه وصفاته ، بمانعها أن تكون للسور فواتح . لأن الله جل ثناؤه قد افتتح كثيرا من سور القرآن بالحمد لنفسه والثناء عليها ، وكثيرا منها بتمجيدها وتعظيمها ، فغير مستحيل أن يبتدئ بعض ذلك بالقسم بها .فالتي ابتدئ أوائلها بحروف المعجم ، أحد معاني أوائلها : أنهن فواتح ما افتتح بهن من سور القرآن . وهن مما أقسم بهن ، لأن أحد معانيهن أنهن من حروف أسماء الله تعالى ذكره وصفاته ، على ما قدمنا البيان عنها ، ولا شك في صحة معنى القسم بالله وأسمائه وصفاته . وهن من حروف حساب الجمل . وهن للسور التي افتتحت بهن شعار وأسماء . فذلك يحوى معاني جميع ما وصفنا ، مما بينا ، من وجوهه . لأن الله جل ثناؤه لو أراد بذلك ، أو بشيء منه ، الدلالة على معنى واحد مما يحتمله ذلك ، دون سائر المعاني غيره ، لأبان ذلك لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إبانة غير مشكلة . إذ كان جل ثناؤه إنما أنزل كتابه على رسوله صلى الله عليه وسلم ليبين لهم ما اختلفوا فيه . وفي تركه صلى الله عليه وسلم إبانة ذلك - أنه مراد به من وجوه تأويله البعض دون البعض - أوضح الدليل على أنه مراد به جميع وجوهه التي هو لها محتمل . إذ لم يكن مستحيلا في العقل وجه منها أن يكون من تأويله ومعناه ، كما كان غير مستحيل اجتماع المعاني الكثيرة للكلمة الواحدة ، باللفظ الواحد ، في كلام واحد .ومن أبى ما قلناه في ذلك ، سئل الفرق بين ذلك ، وبين سائر الحروف التي تأتي بلفظ واحد ، مع اشتمالها على المعاني الكثيرة المختلفة ، كالأمة والدين وما أشبه ذلك من الأسماء والأفعال . فلن يقول في أحد من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله .وكذلك يسأل كل من تأول شيئا من ذلك - على وجه دون الأوجه الأخر [ ص: 223 ] التي وصفنا - عن البرهان على دعواه ، من الوجه الذي يجب التسليم له . ثم يعارض بقول مخالفه في ذلك ، ويسأل الفرق بينه وبينه : من أصل ، أو مما يدل عليه أصل . فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله .وأما الذي زعم من النحويين : أن ذلك نظير "بل " في قول المنشد شعرا :بل ما هاج أحزانا وشجوا قد شجاوأنه لا معنى له ، وإنما هو زيادة في الكلام معناه الطرح - فإنه أخطأ من وجوه شتىأحدها : أنه وصف الله تعالى ذكره بأنه خاطب العرب بغير ما هو من لغتها ، وغير ما هو في لغة أحد من الآدميين . إذ كانت العرب - وإن كانت قد كانت تفتتح أوائل إنشادها ما أنشدت من الشعر ب "بل " - فإنه معلوم منها أنها لم تكن تبتدئ شيئا من الكلام ب "الم " و "الر " و "المص " ، بمعنى ابتدائها ذلك ب "بل " . وإذ كان ذلك ليس من ابتدائها - وكان الله جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم من القرآن ، بما يعرفون من لغاتهم ، ويستعملون بينهم من منطقهم ، في جميع آيه - فلا شك أن سبيل ما وصفنا من حروف المعجم ، التي افتتحت بها أوائل السور ، التي هن لها فواتح ، سبيل سائر القرآن ، في أنه لم يعدل بها عن لغاتهم التي كانوا بها عارفين ، ولها بينهم في منطقهم مستعملين . لأن ذلك لو كان معدولا به عن سبيل لغاتهم ومنطقهم ، كان خارجا عن معنى الإبانة التي وصف الله عز وجل بها القرآن ، فقال تعالى ذكره : ( نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ) . وأنى يكون مبينا ما لا يعقله ولا يفقهه أحد من العالمين ، في قول قائل هذه المقالة ، ولا يعرف في منطق أحد من المخلوقين ، في قوله ؟ وفي إخبار الله جل ثناؤه عنه أنه عربي مبين ، ما يكذب هذه المقالة ، وينبئ عنه أن العرب كانوا به [ ص: 224 ] عالمين ، وهو لها مستبين . فذلك أحد أوجه خطئه .والوجه الثاني من خطئه في ذلك : إضافته إلى الله جل ثناؤه أنه خاطب عباده بما لا فائدة لهم فيه ولا معنى له ، من الكلام الذي سواء الخطاب فيه به وترك الخطاب به . وذلك إضافة العبث الذي هو منفي في قول جميع الموحدين عن الله - إلى الله تعالى ذكره .والوجه الثالث من خطئه : أن "بل " في كلام العرب مفهوم تأويلها ومعناها ، وأنها تدخلها في كلامها رجوعا عن كلام لها قد تقضى كقولهم : ما جاءني أخوك بل أبوك ; وما رأيت عمرا بل عبد الله ، وما أشبه ذلك من الكلام ، كما قال أعشى بني ثعلبة :ولأشربن ثمانيا وثمانيا وثلاث عشرة واثنتين وأربعاومضى في كلمته حتى بلغ قوله :بالجلسان ، وطيب أردانه بالون يضرب لي يكر الإصبعاثم قال :بل عد هذا في قريض غيره واذكر فتى سمح الخليقة أروعافكأنه قال : دع هذا وخذ في قريض غيره . ف "بل " إنما يأتي في كلام العرب على هذا النحو من الكلام ، فأما افتتاحا لكلامها مبتدأ بمعنى التطول والحذف ، من غير أن يدل على معنى ، فذلك مما لا نعلم أحدا ادعاه من أهل المعرفة بلسان العرب ومنطقها ، سوى الذي ذكرت قوله ، فيكون ذلك أصلا يشبه به حروف المعجم التي هي فواتح سور القرآن التي افتتحت بها - لو كانت له مشبهة - فكيف وهي من الشبه به بعيدة ؟
ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ ٢
التفسير الميسرذلك القرآن هو الكتاب العظيم الذي لا شَكَّ أنه من عند الله، فلا يصح أن يرتاب فيه أحد لوضوحه، ينتفع به المتقون بالعلم النافع والعمل الصالح وهم الذين يخافون الله، ويتبعون أحكامه.
تفسير السعديوقوله ذَلِكَ الْكِتَابُ أي هذا الكتاب العظيم الذي هو الكتاب على الحقيقة, المشتمل على ما لم تشتمل عليه كتب المتقدمين والمتأخرين من العلم العظيم, والحق المبين. ف لَا رَيْبَ فِيهِ ولا شك بوجه من الوجوه، ونفي الريب عنه, يستلزم ضده, إذ ضد الريب والشك اليقين، فهذا الكتاب مشتمل على علم اليقين المزيل للشك والريب. وهذه قاعدة مفيدة, أن النفي المقصود به المدح, لا بد أن يكون متضمنا لضدة, وهو الكمال, لأن النفي عدم, والعدم المحض, لا مدح فيه. فلما اشتمل على اليقين وكانت الهداية لا تحصل إلا باليقين قال: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ والهدى: ما تحصل به الهداية من الضلالة والشبه، وما به الهداية إلى سلوك الطرق النافعة. وقال هُدًى وحذف المعمول, فلم يقل هدى للمصلحة الفلانية, ولا للشيء الفلاني, لإرادة العموم, وأنه هدى لجميع مصالح الدارين، فهو مرشد للعباد في المسائل الأصولية والفروعية, ومبين للحق من الباطل, والصحيح من الضعيف, ومبين لهم كيف يسلكون الطرق النافعة لهم, في دنياهم وأخراهم. وقال في موضع آخر: هُدًى لِلنَّاسِ فعمم. وفي هذا الموضع وغيره هُدًى لِلْمُتَّقِينَ لأنه في نفسه هدى لجميع الخلق.فالأشقياء لم يرفعوا به رأسا. ولم يقبلوا هدى الله, فقامت عليهم به الحجة, ولم ينتفعوا به لشقائهم، وأما المتقون الذين أتوا بالسبب الأكبر, لحصول الهداية, وهو التقوى التي حقيقتها: اتخاذ ما يقي سخط الله وعذابه, بامتثال أوامره, واجتناب النواهي, فاهتدوا به, وانتفعوا غاية الانتفاع. قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا فالمتقون هم المنتفعون بالآيات القرآنية, والآيات الكونية. ولأن الهداية نوعان: هداية البيان, وهداية التوفيق. فالمتقون حصلت لهم الهدايتان, وغيرهم لم تحصل لهم هداية التوفيق. وهداية البيان بدون توفيق للعمل بها, ليست هداية حقيقية [تامة].
تفسير ابن كثير( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)قال ابن جريج : قال ابن عباس : ذلك الكتاب : هذا الكتاب . وكذا قال مجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والسدي ومقاتل بن حيان ، وزيد بن أسلم ، وابن جريج : أن ذلك بمعنى هذا ، والعرب تقارض بين هذين الاسمين من أسماء الإشارة فيستعملون كلا منهما مكان الآخر ، وهذا معروف في كلامهم .و ( الكتاب ) القرآن . ومن قال : إن المراد بذلك الكتاب الإشارة إلى التوراة والإنجيل ، كما حكاه ابن جرير وغيره ، فقد أبعد النجعة وأغرق في النزع ، وتكلف ما لا علم له به .والريب : الشك ، قال السدي عن أبي مالك ، وعن أبي صالح عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود ، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا ريب فيه ) لا شك فيه .وقاله أبو الدرداء وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك ونافع مولى ابن عمر وعطاء وأبو العالية والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان والسدي وقتادة وإسماعيل بن أبي خالد . وقال ابن أبي حاتم : لا أعلم في هذا خلافا .[ وقد يستعمل الريب في التهمة قال جميل :بثينة قالت يا جميل أربتني فقلت كلانا يا بثين مريبواستعمل - أيضا - في الحاجة كما قال بعضهم :قضينا من تهامة كل ريب وخيبر ثم أجمعنا السيوفا]ومعنى الكلام : أن هذا الكتاب - وهو القرآن - لا شك فيه أنه نزل من عند الله ، كما قال تعالى في السجدة : ( الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ) [ السجدة : 1 ، 2 ] . [ وقال بعضهم : هذا خبر ومعناه النهي ، أي : لا ترتابوا فيه ] .ومن القراء من يقف على قوله : ( لا ريب ) ويبتدئ بقوله : ( فيه هدى للمتقين ) والوقف على قوله تعالى : ( لا ريب فيه ) أولى للآية التي ذكرنا ، ولأنه يصير قوله : ( هدى ) صفة للقرآن ، وذلك أبلغ من كون : ( فيه هدى ) .و ( هدى ) يحتمل من حيث العربية أن يكون مرفوعا على النعت ، ومنصوبا على الحال .وخصت الهداية للمتقين . كما قال : ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ) [ فصلت : 44 ] . وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) [ الإسراء : 82 ] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اختصاص المؤمنين بالنفع بالقرآن ؛ لأنه هو في نفسه هدى ، ولكن لا يناله إلا الأبرار ، كما قال : ( ياأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ) [ يونس : 57 ] .وقد قال السدي عن أبي مالك ، وعن أبي صالح عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هدى للمتقين ) يعني : نورا للمتقين .وقال الشعبي : هدى من الضلالة . وقال سعيد بن جبير : تبيان للمتقين . وكل ذلك صحيح .وقال السدي : عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هدى للمتقين ) قال : هم المؤمنون .وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( للمتقين ) أي : الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ، ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به .وقال أبو روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : ( للمتقين ) قال : المؤمنين الذين يتقون الشرك بي ، ويعملون بطاعتي .وقال سفيان الثوري ، عن رجل ، عن الحسن البصري ، قوله : ( للمتقين ) قال : اتقوا ما حرم الله عليهم ، وأدوا ما افترض عليهم .وقال أبو بكر بن عياش : سألني الأعمش عن المتقين ، قال : فأجبته . فقال [ لي ] سل عنها الكلبي ، فسألته فقال : الذين يجتنبون كبائر الإثم . قال : فرجعت إلى الأعمش ، فقال : نرى أنه كذلك . ولم ينكره .وقال قتادة ( للمتقين ) هم الذين نعتهم الله بقوله : ( الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ) الآية والتي بعدها [ البقرة : 3 ، 4 ] .واختار ابن جرير : أن الآية تعم ذلك كله ، وهو كما قال .وقد روى الترمذي وابن ماجه ، من رواية أبي عقيل عبد الله بن عقيل ، عن عبد الله بن يزيد ، عن ربيعة بن يزيد ، وعطية بن قيس ، عن عطية السعدي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس . ثم قال الترمذي : حسن غريب .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن عمران ، حدثنا إسحاق بن سليمان ، يعني الرازي ، عن المغيرة بن مسلم ، عن ميمون أبي حمزة ، قال : كنت جالسا عند أبي وائل ، فدخل علينا رجل ، يقال له : أبو عفيف ، من أصحاب معاذ ، فقال له شقيق بن سلمة : يا أبا عفيف ، ألا تحدثنا عن معاذ بن جبل ؟ قال : بلى سمعته يقول : يحبس الناس يوم القيامة في بقيع واحد ، فينادي مناد : أين المتقون ؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر . قلت : من المتقون ؟ قال : قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان ، وأخلصوا لله العبادة ، فيمرون إلى الجنة .وأصل التقوى : التوقي مما يكره لأن أصلها وقوى من الوقاية . قال النابغة :سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليدوقال الآخر :فألقت قناعا دونه الشمس واتقت بأحسن موصولين كف ومعصموقد قيل : إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، سأل أبي بن كعب عن التقوى ، فقال له : أما سلكت طريقا ذا شوك ؟ قال : بلى قال : فما عملت ؟ قال : شمرت واجتهدت ، قال : فذلك التقوى .وقد أخذ هذا المعنى ابن المعتز فقال :خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقىواصنع كماش فوق أر ض الشوك يحذر ما يرىلا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصىوأنشد أبو الدرداء يوما :يريد المرء أن يؤتى مناه ويأبى الله إلا ما أرادايقول المرء فائدتي ومالي وتقوى الله أفضل ما استفاداوفي سنن ابن ماجه عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما استفاد المرء بعد تقوى الله خيرا من زوجة صالحة ، إن نظر إليها سرته ، وإن أمرها أطاعته ، وإن أقسم عليها أبرته ، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله .
تفسير القرطبيذلك الكتاب قيل : المعنى هذا الكتاب . و ذلك قد تستعمل في الإشارة إلى حاضر ، وإن كان موضوعا للإشارة إلى غائب ; كما قال تعالى في الإخبار عن نفسه جل وعز : ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم ; ومنه قول خفاف بن ندبة : أقول له والرمح يأطر متنه تأمل خفافا إنني أنا ذلكاأي أنا هذا . ف ( ذلك ) إشارة إلى القرآن ، موضوع موضع هذا ، تلخيصه : الم هذا الكتاب لا ريب فيه . وهذا قول أبي عبيدة وعكرمة وغيرهما ; ومنه قوله تعالى : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق أي هذه ; لكنها لما انقضت صارت كأنها بعدت فقيل تلك . وفي البخاري " وقال معمر : ذلك الكتاب هذا القرآن " . هدى للمتقين بيان ودلالة ; كقوله : ذلكم حكم الله يحكم بينكم هذا حكم الله .قلت : وقد جاء " هذا " بمعنى " ذلك " ; ومنه قوله عليه السلام في حديث أم حرام : يركبون ثبج هذا البحر أي ذلك البحر ; والله أعلم . وقيل : هو على بابه إشارة إلى غائب .واختلف في ذلك الغائب على أقوال عشرة ; فقيل : ذلك الكتاب أي الكتاب الذي كتبت على الخلائق بالسعادة والشقاوة والأجل والرزق . لا ريب فيه ; أي لا مبدل له . وقيل : ذلك الكتاب ; أي الذي كتبت على نفسي في الأزل أن رحمتي سبقت غضبي . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده : أن رحمتي تغلب غضبي في رواية : ( سبقت ) . وقيل : إن الله تعالى قد كان وعد نبيه عليه السلام أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء ; فأشار إلى ذلك الوعد كما في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب وقال : إنما بعثتك ; لأبتليك وأبتلي بك ، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظان الحديث .وقيل : الإشارة إلى ما قد نزل من القرآن بمكة .وقيل : إن الله تبارك وتعالى لما أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم بمكة : إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مستشرفا لإنجاز هذا الوعد من ربه عز وجل ; فلما أنزل عليه بالمدينة : الم . ذلك الكتاب لا ريب فيه كان فيه معنى هذا القرآن الذي أنزلته عليك بالمدينة ، ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه إليك بمكة .وقيل : إن ذلك إشارة إلى ما في التوراة والإنجيل . و ( الم ) اسم للقرآن ; والتقدير هذا القرآن ذلك الكتاب المفسر في التوراة والإنجيل ; يعني أن التوراة والإنجيل يشهدان بصحته ويستغرق ما فيهما ويزيد عليهما ما ليس فيهما .وقيل : إن ذلك الكتاب إشارة إلى التوراة والإنجيل كليهما ; والمعنى : الم ذانك الكتابان أو مثل ذينك الكتابين ; أي : هذا القرآن جامع لما في ذينك الكتابين ; فعبر ب ( ذلك ) عن الاثنين بشاهد من القرآن ; قال الله تبارك وتعالى : إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك أي عوان بين تينك : الفارض والبكر ; وسيأتي .وقيل : إن ذلك إشارة إلى اللوح المحفوظ .وقال الكسائي : ذلك إشارة إلى القرآن الذي في السماء لم ينزل بعد .وقيل : إن الله تعالى قد كان وعد أهل الكتاب أن ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم كتابا ; فالإشارة إلى ذلك الوعد . قال المبرد : المعنى هذا القرآن ذلك الكتاب الذي كنتم تستفتحون به على الذين كفروا .وقيل : إلى حروف المعجم في قول من قال : ( الم ) الحروف التي تحديتكم بالنظم منها .والكتاب مصدر من كتب يكتب إذا جمع ; ومنه قيل : كتيبة ; لاجتماعها . وتكتبت الخيل صارت كتائب . وكتبت البغلة : إذا جمعت بين شفري رحمها بحلقة أو سير ; قال :لا تأمنن فزاريا حللت بهعلى قلوصك واكتبها بأسياروالكتبة ( بضم الكاف ) : الخرزة ، والجمع كتب . والكتب : الخرز . قال ذو الرمة :وفراء غرفية أثأى خوارزها مشلشل ضيعته بينها الكتبوالكتاب : هو خط الكاتب حروف المعجم مجموعة أو متفرقة ; وسمي كتابا وإن كان مكتوبا ; كما قال الشاعر :تؤمل رجعة مني وفيها كتاب مثل ما لصق الغراءوالكتاب : الفرض والحكم والقدر ; قال الجعدي :يا بنة عمي كتاب الله أخرجني عنكم وهل أمنعن الله ما فعلاقوله تعالى : لا ريب نفي عام ; ولذلك نصب الريب به . وفي الريب ثلاثة معان : أحدها : الشك ; قال عبد الله بن الزبعرى :ليس في الحق يا أميمة ريب إنما الريب ما يقول الجهولوثانيها : التهمة ; قال جميل :بثينة قالت يا جميل أربتني فقلت كلانا يا بثين مريبوثالثها : الحاجة ; قال [ كعب بن مالك ] :قضينا من تهامة كل ريبوخيبر ثم أجمعنا السيوفافكتاب الله تعالى لا شك فيه ولا ارتياب ; والمعنى : أنه في ذاته حق وأنه منزل من عند الله ، وصفة من صفاته ، غير مخلوق ولا محدث ، وإن وقع ريب للكفار .وقيل : هو خبر ومعناه النهي ; أي لا ترتابوا ، وتم الكلام كأنه قال ذلك الكتاب حقا . وتقول : رابني هذا الأمر إذا أدخل عليك شكا وخوفا . وأراب : صار ذا ريبة ; فهو مريب . ورابني أمره . وريب الدهر : صروفه .قوله تعالى : فيه هدى للمتقين فيه ست مسائل :الأولى : قوله تعالى : ( فيه ) الهاء في ( فيه ) في موضع خفض بفي ، وفيه خمسة أوجه ; أجودها : فيه هدى ويليه فيه هدى ( بضم الهاء بغير واو ) وهي قراءة الزهري وسلام أبي المنذر . ويليه فيهي هدى ( بإثبات الياء ) وهي قراءة ابن كثير . ويجوز فيهو هدى ( بالواو ) . ويجوز فيه هدى ( مدغما ) وارتفع هدى على الابتداء والخبر " فيه " . والهدى في كلام العرب معناه الرشد والبيان ، أي فيه كشف لأهل المعرفة ، ورشد ، وزيادة بيان وهدى .الثانية : الهدى هديان : هدى دلالة ، وهو الذي تقدر عليه الرسل وأتباعهم ; قال الله تعالى : ولكل قوم هاد . وقال : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم فأثبت لهم الهدى الذي معناه الدلالة والدعوة والتنبيه ; وتفرد هو سبحانه بالهدى الذي معناه التأييد والتوفيق ، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : إنك لا تهدي من أحببت فالهدى على هذا يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب ; ومنه قوله تعالى : أولئك على هدى من ربهم وقوله : ويهدي من يشاء والهدى : الاهتداء ، ومعناه راجع إلى معنى الإرشاد كيفما تصرفت . قال أبو المعالي : وقد ترد الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق المفضية إليها ; من ذلك قوله تعالى في صفة المجاهدين : فلن يضل أعمالهم . سيهديهم ومنه قوله تعالى : فاهدوهم إلى صراط الجحيم معناه فاسلكوهم إليها .الثالثة : الهدى لفظ مؤنث . قال الفراء : بعض بني أسد تؤنث الهدى فتقول : هذه هدى حسنة . وقال اللحياني : هو مذكر ; ولم يعرب لأنه مقصور والألف لا تتحرك ، ويتعدى بحرف وبغير حرف وقد مضى في " الفاتحة " ، تقول : هديته الطريق وإلى الطريق ، والدار وإلى الدار ; أي عرفته . الأولى لغة أهل الحجاز ، والثانية حكاها الأخفش . وفي التنزيل : اهدنا الصراط المستقيم و الحمد لله الذي هدانا لهذا وقيل : إن الهدى اسم من أسماء النهار ، لأن الناس يهتدون فيه لمعايشهم وجميع مآربهم ; ومنه قول ابن مقبل : حتى استبنت الهدى والبيد هاجمة يخشعن في الآل غلفا أو يصليناالرابعة : قوله تعالى : ( للمتقين ) خص الله تعالى المتقين بهدايته وإن كان هدى للخلق أجمعين تشريفا لهم ; لأنهم آمنوا وصدقوا بما فيه . وروي عن أبي روق أنه قال : هدى للمتقين أي : كرامة لهم ; يعني إنما أضاف إليهم إجلالا لهم وكرامة لهم وبيانا لفضلهم . وأصل ( للمتقين ) : للموتقيين بياءين مخففتين ، حذفت الكسرة من الياء الأولى لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين وأبدلت الواو تاء على أصلهم في اجتماع الواو والتاء وأدغمت التاء في التاء فصار للمتقين .الخامسة : التقوى يقال أصلها في اللغة قلة الكلام ; حكاه ابن فارس .قلت : ومنه الحديث التقي ملجم ، والمتقي فوق المؤمن والطائع وهو الذي يتقي بصالح عمله وخالص دعائه عذاب الله تعالى ، مأخوذ من اتقاء المكروه بما تجعله حاجزا بينك وبينه ; كما قال النابغة :سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليدوقال آخر : فألقت قناعا دونه الشمس واتقتبأحسن موصولين كف ومعصموخرج أبو محمد عبد الغني الحافظ من حديث سعيد بن زربي أبي عبيدة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود قال : قال يوما لابن أخيه : يابن أخي ترى الناس ما أكثرهم ؟ قال : نعم ; قال : لا خير فيهم إلا تائب أو تقي ثم قال : يابن أخي ترى الناس ما أكثرهم ؟ قلت : بلى ; قال : لا خير فيهم إلا عالم أو متعلم . وقال أبو يزيد البسطامي : المتقي من إذا قال قال لله ، ومن إذا عمل عمل لله . وقال أبو سليمان الداراني : المتقون الذين نزع الله عن قلوبهم حب الشهوات . وقيل : المتقي الذي اتقى الشرك وبرئ من النفاق . قال ابن عطية : وهذا فاسد ; لأنه قد يكون كذلك وهو فاسق . وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبيا عن التقوى ; فقال : هل أخذت طريقا ذا شوك ؟ قال : نعم : قال فما عملت فيه ؟ قال : تشمرت وحذرت ; قال : فذاك التقوى . وأخذ هذا المعنى ابن المعتز فنظمه :خل الذنوب صغيرهاوكبيرها ذاك التقى واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرةإن الجبال من الحصىالسادسة : التقوى فيها جمع الخير كله ، وهي وصية الله في الأولين والآخرين ، وهي خير ما يستفيده الإنسان ; كما قال أبو الدرداء وقد قيل له : إن أصحابك يقولون الشعر وأنت ما حفظ عنك شيء ; فقال :يريد المرء أن يؤتى مناه ويأبى الله إلا ما أرادا يقول المرء فائدتي وماليوتقوى الله أفضل ما استفاداوروى ابن ماجه في سننه عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته ، وإن نظر إليها سرته ، وإن أقسم عليها أبرته ، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله . والأصل في التقوى : وقوى على وزن فعلى فقلبت الواو تاء من وقيته أقيه أي منعته ; ورجل تقي أي خائف ; أصله وقى ; وكذلك تقاة كانت في الأصل وقاة ; كما قالوا : تجاه وتراث ، والأصل وجاه ووراث .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله جَل ثناؤه: ذَلِكَ الْكِتَابُ .قال عامّة المفسرين: تأويل قول الله تعالى ( ذلك الكتاب ) : هذا الكتاب.* ذكر من قال ذلك:247- حدثني هارون بن إدريس الأصم الكوفيّ, قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي, عن ابن جُريج, عن مجاهد: " ذلك الكتاب " قال: هو هذا الكتاب.248- حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: حدثنا ابن عُلَية, قال: أخبرنا خالد الحذّاء, عن عكرمة, قال: " ذلك الكتاب ": هذا الكتاب.249- حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي, قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري قال: حدثنا الحَكَم بن ظُهَير, عن السُّدِّي، في قوله " ذلك الكتاب " قال: هذا الكتاب (34) .250- حدثنا القاسم بن الحسن, قال: حدثنا الحسين بن داود. قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، قوله: " ذلك الكتاب ": هذا الكتاب. قال: قال ابن عباس: " ذلك الكتاب " : هذا الكتاب (35) .فإن قال قائل: وكيف يجوزُ أن يكون " ذلك " بمعنى " هذا "؟ و " هذا " لا شكّ إشارة إلى حاضر مُعايَن, و " ذلك " إشارة إلى غائب غير حاضر ولا مُعايَن؟قيل: جاز ذلك، لأن كل ما تَقضَّى، بقُرْبِ تَقضِّيه من الإخبار (36) ، فهو -وإن صار بمعنى غير الحاضر- فكالحاضر عند المخاطب. وذلك كالرجل يحدِّث الرجلَ الحديثَ فيقول السامع: " إن ذلك والله لكما قلت ", و " هذا والله كما قلت ", و " هو والله كما ذكرت "، فيخبرُ عنه مَرَّة بمعنى الغائب، إذْ كان قد تَقضَّى ومضى, ومرة بمعنى الحاضر، لقُرْب جوابه من كلام مخبره، كأنه غير مُنْقَضٍ. فكذلك " ذلك " في قوله (ذلك الكتاب) لأنه جلّ ذكره لما قدم قبلَ " ذلك الكتاب " الم ، التي ذكرنا تصرُّفَها في وجُوهها من المعاني على ما وصفنا، قال لنبيه صلى الله عليه و سلم: يا محمد، هذا الذي ذكرته وبيَّنته لك، الكتابُ. ولذلكَ حسن وضع " ذلك " في مكان " هذا ", لأنه أشير به إلى الخبر عما تضمَّنهُ قوله الم من المعاني، بعد تقضّي الخبر عنه ب " الم ", فصار لقرب الخبر عنه من تقضِّيه، كالحاضر المشار إليه, فأخبر به ب " ذلك " لانقضائه، ومصير الخبر عنه كالخبر عن الغائب، وترجمهُ المفسِّرون (37) : أنه بمعنى " هذا "، لقرب الخبر عنه من انقضائه, فكانَ كالمشاهَد المشار إليه ب " هذا "، نحو الذي وصفنا من الكلام الجاري بين الناس في محاوراتهم, وكما قال جل ذكره: وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأَخْيَارِ * هَذَا ذِكْرٌ [سورة ص: 48، 49] فهذا ما في " ذلك " إذا عنى بها " هذا ".وقد يحتمل قوله جل ذكره (ذلك الكتاب) أن يكون معنيًّا به السُّوَرُ التي نزلت قبل سورة البقرة بمكة والمدينة, فكأنه قال جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد، اعلم أنّ ما تضمَّنتْه سُوّرُ الكتاب التي قد أنزلتها إليك، هو الكتابُ الذي لا ريبَ فيه. ثم ترجمه المفسرون (38) بأن معنى " ذلك " " هذا الكتاب" ص [ 1-227 ] إذْ كانت تلك السُّور التي نزلت قبل سورة البقرة، من جملة جميع كتابنا هذا، الذي أنزله الله عز وجل على نبينا محمد صلى الله عليه و سلم.وكان التأويل الأول أولى بما قاله المفسرون، لأنّ ذلك أظهرُ معاني قولهم الذي قالوه في " ذلك ".وقد وَجَّه معنى " ذلك " بعضُهم، إلى نظير معنى بيت خُفاف بن نُدبة السُّلميّ:فَإن تَكُ خَيْلي قد أُصِيبَ صَمِيمُهافَعَمْدًا على عَيْنٍ تَيَمَّمْتُ مَالِكَا (39)أقولُ له, والرُّمحُ يأطِرُ مَتْنَهُ:تأمَّل خُفاَفًا, إنني أنا ذلِكَا (40)كأنه أراد: تأملني أنا ذلك. فزعم أنّ " ذلك الكتاب " بمعنى " هذا "، نظيرُه (41) . أظهر خفافٌ من اسمه على وجه الخبر عن الغائب، وهو مخبر عن نفسه. فكذلك أظهر " ذلك " بمعنى الخبر عن الغائب (42) ، والمعنى فيه الإشارة إلى الحاضر المشاهَد.والقول الأول أولى بتأويل الكتاب، لما ذكرنا من العلل.وقد قال بعضهم: (ذلك الكتاب)، يعني به التوراة والإنجيل, وإذا وُجّه ص[ 1-228 ] تأويل " ذلك " إلى هذا الوجه، فلا مؤونة فيه على متأوِّله كذلك، لأن " ذلك " يكون حينئذ إخبارًا عن غائب على صحة.* * *القول في تأويل قوله : لا رَيْبَ فِيهِ .وتأويل قوله: " لا ريب فيه "" لا شك فيه ". كما:-251- حدثني هارون بن إدريس الأصم, قال: حدثنا عبد الرحمن المحاربي عن ابن جُريج, عن مجاهد: لا ريب فيه, قال: لا شك فيه.252- حدثني سَلام بن سالم الخزاعي, قال: حدثنا خَلَف بن ياسين الكوفي, عن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، عن عطاء، " لا ريب فيه ": قال: لا شك فيه (43) .253- حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي, قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري, قال: حدثنا الحَكم بن ظُهَير, عن السُّدِّيّ, قال: " لا ريب فيه "، لا شك فيه.254- حدثني موسى بن هارون الهَمْداني, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط, عن السُّدّي في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس -وعن مُرَّة الهَمْداني, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم: " لا ريب فيه "، لا شك فيه.255- حدثنا محمد بن حميد, قال: حدثنا سَلَمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير , ص[ 1-229 ] عن ابن عباس: " لا ريبَ فيه "، قال: لا شكّ فيه.256- حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين, قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج, قال: قال ابن عباس: " لا ريب فيه "، يقول: لا شك فيه.257- حدثنا الحسن بن يحيى, قال: حدثنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة: " لا ريب فيه "، يقول: لا شك فيه.258- حُدِّثت عن عَمّار بن الحسن, قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه، عن الربيع بن أنس: قوله " لا ريب فيه "، يقول: لا شك فيه (44) .وهو مصدر من قول القائل: رابني الشيء يَريبني رَيبًا. ومن ذلك قول ساعدة بن جُؤَيَّة الهذليّ:فقالوا: تَرَكْنَا الحَيَّ قد حَصِرُوا به,فلا رَيْبَ أنْ قد كان ثَمَّ لَحِيمُ (45)ويروى: " حَصَرُوا " و " حَصِرُوا " والفتحُ أكثر, والكسر جائز. يعني بقوله " حصروا به ": أطافوا به. ويعني بقوله " لا ريب ". لا شك فيه. وبقوله " أن قد كان ثَمَّ لَحِيم "، يعني قتيلا يقال: قد لُحِم، إذا قُتل.والهاء التي في " فيه " عائدة على الكتاب, كأنه قال: لا شك في ذلك الكتاب أنه من عند الله هُدًى للمتقين.القول في تأويل قوله جل ثناؤه: هُدًى259- حدثني أحمد بن حازم الغفاري, قال: حدثنا أبو نعيم, قال: حدثنا ص[ 1-230 ]سفيان, عن بَيَان, عن الشعبي،" هُدًى " قال: هُدًى من الضلالة (46) .260- حدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط بن نصر, عن إسماعيل السُّدّي, في خبر ذكره عن أبي مالك, وعن أبي صالح , عن ابن عباس وعن مُرة الهَمْداني, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم، " هدى للمتقين "، يقول: نور للمتقين (47) .والهدى في هذا الموضع مصدرٌ من قولك: هديتُ فلانًا الطريق -إذا أرشدتَه إليه، ودللَته عليه, وبينتَه له- أهديه هُدًى وهداية.فإن قال لنا قائل: أوَ ما كتابُ الله نورًا إلا للمتّقين، ولا رَشادًا إلا للمؤمنين؟ قيل: ذلك كما وصفه رّبنا عزّ وجل. ولو كان نورًا لغير المتقين, ورشادًا لغير المؤمنين، لم يخصُصِ الله عز وجل المتقين بأنه لهم هدًى, بل كان يعُمّ به جميع المنذَرين. ولكنه هدًى للمتقين, وشفاءٌ لما في صدور المؤمنين, وَوَقْرٌ في آذان المكذبين, وعمىً لأبصار الجاحدين، وحجةٌ لله بالغةٌ على الكافرين. فالمؤمن به مُهتدٍ, والكافر به محجوجٌ (48) .وقوله " هدى " يحتمل أوجهًا من المعاني:أحدُها: أن يكون نصبًا، لمعنى القطع من الكتاب، لأنه نكرة والكتاب معرفة (49) . فيكون التأويل حينئذ: الم ذلك الكتاب هاديًا للمتقين. و ذَلِكَ مرفوع ب الم , و الم به, والكتابُ نعت ل ذَلِكَ .وقد يحتمل أن يكون نصبًا، على القطع من رَاجع ذكر الكتاب الذي في فِيهِ , فيكونُ معنى ذلك حينئذ: الم الذي لا ريب فيه هاديًا.وقد يحتمل أن يكون أيضًا نصبًا على هذين الوجهين, أعني على وجه القطع من الهاء التي في فِيهِ , ومن الْكِتَابُ ، على أن الم كلام تام, كما قال ابن عباس إنّ معناه: أنا الله أعلم. ثم يكون ذَلِكَ الْكِتَابُ خبرًا مستأنفًا, فيرفع حينئذ الْكِتَابُ ب ذَلِكَ ، و ذَلِكَ ب الْكِتَابُ , ويكون " هُدًى " قطعًا من الْكِتَابُ , وعلى أن يرفع ذَلِكَ بالهاء العائدة عليه التي في فِيهِ , و الْكِتَابُ نعتٌ له؛ والهدى قطع من الهاء التي في فِيهِ . وإن جُعِل الهدى في موضع رفع، لم يجز أن يكون ذَلِكَ الْكِتَابُ إلا خبرًا مستأنفًا، و الم كلاما تامًّا مكتفيًا بنفسه، إلا من وجه واحد، وهو أن يُرفع حينئذ " هُدًى " بمعنى المدح، كما قال الله جل وعز: الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ [سورة لقمان: 1-3] في قراءة من قرأ " رحمةٌ". بالرفع، على المدح للآيات.والرفع في " هدى " حينئذ يجوز من ثلاثة أوجه: أحدُها ما ذكرنا من أنه مَدْحٌ مستأنفٌ. والآخر: على أن يُجعل مُرافعَ ذَلِكَ , و الْكِتَابُ نعتٌ " لذلك ". والثالث: أن يُجعل تابعًا لموضع لا رَيْبَ فِيهِ , ويكون ذَلِكَ الْكِتَابُ مرفوعًا بالعائد في فِيهِ . فيكون كما قال تعالى ذكره: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ [سورة الأنعام: 92].وقد زعم بعض المتقدمِّين في العلم بالعربية من الكوفيين، أنّ الم مرافعُ ذَلِكَ الْكِتَابُ بمعنى: هذه الحروف من حروف المعجم, ذلك الكتابُ الذي وعدتُك أن أوحَيه إليك (50) . ثم نقض ذلك من قوله فأسرع نَقْضَه, وهَدمَ ما بنى فأسرع هَدْمَه, فزعم أن الرفع في " هُدًى " من وجهين، والنصبَ من وجهين. وأنّ أحد وَجهي الرفع: أن يكون الْكِتَابُ نعتًا لِ ذَلِكَ و " الهدى " في موضع رفعٍ خبرٌ لِ ذَلِكَ . كأنك قلت: ذلك هدًى لا شكّ فيه (51) . قال: وإن جعلتَ لا رَيْبَ فِيهِ خبرَه، رفعتَ أيضًا " هدى "، بجعله تابعًا لموضع لا رَيْبَ فِيهِ ، كما قال الله جل ثناؤه: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ ، كأنه قال: وهذا كتابٌ هُدًى من صفته كذا وكذا. قال: وأما أحدُ وجهي النَّصْب فأن تَجعَل الكتاب خبرًا ل ذَلِكَ ، وتنصبَ" هدى " على القطع، لأن " هدى " نكرة اتصلت بمعرفة، وقد تمّ خبرُها فنصبْتَها (52) لأن النكرة لا تكون دليلا على معرفة. وإن شئت نصبت " هدى " على القطع من الهاء التي في فِيهِ كأنك قلت: لا شك فيه هاديًا (53) .قال أبو جعفر: فترك الأصل الذي أصَّله في الم وأنها مرفوعة ب ذَلِكَ الْكِتَابُ ، ونبذه وراء ظهره. واللازم كان له على الأصل الذي أصَّله، أن لا يجيز الرَّفع في " هدى " بحالٍ إلا من وَجْه واحدٍ, وذلك من قِبَلِ الاستئناف، إذ كان مَدْحًا. فأما على وجه الخبر " لذلك ", أو على وجه الإتباع لموضع لا رَيْبَ فِيهِ , فكان اللازم له على قوله أن يكون خطأ. وذلك أن الم إذا رافعت ذَلِكَ الْكِتَابُ ، فلا شك أن " هدى " غيرُ جائز حينئذٍ أن يكون خبرًا " لذلك "، بمعنى المرافع له, أو تابعًا لموضع لا رَيْبَ فِيهِ , لأن موضعه حينئذ نصبٌ، لتمام الخبر قبلَه، وانقطاعه -بمخالفته إيّاه- عنه.القول في تأويل قوله جل ثناؤه: لِلْمُتَّقِينَ (2)261- حدثنا سفيان بن وكيع, قال: حدثنا أبي، عن سفيان, عن رجل, عن الحسن، قوله: " للمتقين " قال: اتَّقَوْا ما حُرِّم عليهم، وأدَّوا ما افتُرِض عليهم.262- حدثنا محمد بن حُميد, قال: حدثنا سَلَمة بن الفضل, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: " للمتقين "، أي الذين يحذَرُون من الله عز وجل عقوبتَه في تَرْك ما يعرفون من الهُدى, ويرجون رحمَته بالتَّصديق بما جاء به.263- حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط, عن السُّدّي في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرّة الهَمْداني, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم: " هدًى للمتقين "، قال: هم المؤمنون.264- حدثنا أبو كُريب، قال: حدثنا أبو بكر بن عيّاش, قال: سألني الأعمش عن " المتقين ", قال: فأجبتُه, فقال لي: سئل عنها الكَلْبَيّ. فسألتُه، فقال: الذين يَجتنِبُون كبائِرَ الإثم. قال: فرجَعْت إلى الأعمش, فقال: نُرَى أنه كذلك. ولم ينكره.265- حدثني المثنى بن إبراهيم الطبري, قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن عبد الرحمن بن عبد الله, قال حدثنا عمر أبو حفص, عن سعيد بن أبي عَرُوبة, عن قتادة: " هدى للمتقين "، هم مَنْ نعتَهم ووصفَهم فأثبت صفتهم، فقال: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ .266- حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عُمَارة, عن أبي رَوق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " للمتقين " قال: المؤمنين الذين يتَّقُون الشِّرك بي، ويعملون بطاعتي (54) .وأولى التأويلات بقول الله جل ثناؤه (هدى للمتقين)، تأويلُ من وصَف القومَ بأنهم الذين اتَّقوُا اللهَ تبارك وتعالى في ركوب ما نهاهم عن ركوبه, فتجنبوا معاصِيَه، واتَّقوْه فيما أمرهم به من فرائضِه، فأطاعوه بأدائها. وذلك أنّ الله عزّ وجلّ وصَفهم بالتقوَى، فلم يحصُرْ تقواهم إياه على بعضِ ما هو أهلٌ له منهم دون بعض (55) . فليس لأحد من الناس أن يحصُر معنى ذلك، على وَصْفهم بشيء من تَقوى الله عز وجل دون شيء، إلا بحجة يجبُ التسليمُ لها. لأن ذلك من صفة القوم -لو كان محصورًا على خاصّ من معاني التقوى دون العامّ منها- لم يدعِ الله جل ثناؤه بيانَ ذلك لعباده: إما في كتابه, وإما على لسان رسوله صلى الله عليه و سلم، إذْ لم يكن في العقل دليلٌ على استحالة وصفهم بعموم التقوى.فقد تبيّن إذًا بذلك فسادُ قول من زعم أن تأويل ذلك إنما هو: الذين اتَّقَوُا الشرك وبرئوا من النِّفاق. لأنه قد يكون كذلك، وهو فاسقٌ غيرُ مستَحِق أن يكون من المتقين، إلا أن يكون -عند قائل هذا القول- معنى النفاق: ركوبُ الفواحش التي حَرَّمها الله جل ثناؤه، وتضييعُ فرائضه التي فرضها عليه. فإن جماعةً من أهل العلم قد كانت تسمِّي من كان يفعل ذلك منافقًا. فيكون -وإن كان مخالفًا في تسميته من كان كذلك بهذا الاسم- مصيبًا تأويلَ قول الله عز وجل " للمتقين ".-------------الهوامش :(34) الأثر 249- الحكم بن ظهير -بضم الظاء المعجمة- الفزاري ، أبو محمد بن أبي ليلى الكوفي : ضعيف جدًا ، رمى بوضع الحديث . قال البخاري في الكبير 1/2/ 342 - 343 : "تركوه منكر الحديث" . وقال ابن أبي حاتم في الجرح 1/2/ 118 - 119 عن أبي زرعة : "واهي الحديث" . وقال ابن حبان في كتاب المجروحين ، رقم 239 : "كان يشتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، يروى عن الثقات الأشياء الموضوعات" .(35) هذه الآثار جميعًا 247 - 250 ذكرها ابن كثير في تفسيره 1 : 70 ، والدر المنثور 1 : 24 ، والشوكاني 1 : 21 .(36) في المطبوعة"وقرب تقضيه" . يريد : أن ذكر ما انقضى ، وانقضاؤه قريب من إخبارك عنه .(37) ترجمه : أي فسره المفسرون وبينوه بوضع حرف مكان حرف . انظر ما مضى 70 تعليق 1/93 : 4/ ومواضع أخر .(38) ترجمه : أي فسره المفسرون وبينوه بوضع حرف مكان حرف . انظر ما مضى 70 تعليق 1/93 : 4/ ومواضع أخر .(39) الأغاني 2 : 329/ 13 : 134 ، 135/16 : 134 ، والخزانة 2 : 470 ، وغيرهما ، ويأتي في الطبري 1 : 314 ، 437 . يقول الشعر في مقتل ابن عمه معاوية بن عمرو أخى الخنساء . ومالك ، هو مالك بن حِمَار الشمخي الفزاري . والخيل هنا : هم فرسان الغارة ، وكان معاوية وخفاف غزوَا بني مرة وفزارة . والصميم : الخالص المحض من كل شيء . وأراد معاوية ومقتله يومئذ . ويقال : "فعلت هذا الأمر عمد عين ، وعمدًا على عين" ، إذا تعمدته مواجهة بجد ويقين . وتيمم : قصد وأمَّ .(40) "أقول له" ، يعني لمالك بن حِمَار . وأطر الشيء يأطره أطرًا : هو أن تقبض على أحد طرفي الشيء ثم تعوجه وتعطفه وتثنيه . وأراد أن حر الطعنة جعله يتثنى من ألمها ، ثم ينحني ليهوى صريعًا إذ أصاب الرمح مقتله . وأرى أن الإشارة في هذا البيت إلى معنى غائب ، كأنه قال : "أنا ذلك الذي سمعت به وببأسه" . وهذا المعنى يخرج البيت عن أن يكون شاهدًا على ما أراد الطبري .(41) في المطبوعة : "كأنه أراد : تأملني أنا ذلك ، فرأى أن"ذلك الكتاب" بمعنى"هذا" نظير ما أظهر خفاف من اسمه . . . " ، وهو تغيير لا خبر فيه .(42) في المطبوعة : "فلذلك أظهر ذلك . . " .(43) الأثر 252 - سلام ، شيخ الطبري : لم أجد له ترجمة إلا في تاريخ بغداد 9 : 198 قال : "سلام بن سالم أبو مالك الخزاعي الضرير : حدث عن يزيد بن هارون ، وعمر بن سعيد التنوخي ، وموسى بن إبراهيم المروزي ، والفضل بن جبير الوراق . روى عنه الحسين بن إسماعيل المحاملي" . ليس غير . وأما شيخ سلام في هذا الإسناد"خلف بن ياسين الكوفي" : فلم أجد إلا ترجمة في الميزان 1 : 211 ولسان الميزان 2 : 405 لراو اسمه"خلف بن ياسين بن معاذ الزيات" ، وهو رجل سخيف كذاب ، لا يشتغل به . لا أدري أهو هذا أم غيره؟(44) هذه الآثار جميعًا 251 - 258 ساقها ابن كثير 1 : 71 ، وبعضها في الدر المنثور 1 : 24 ، والشوكاني 1 : 22 . وقال ابن كثير بعد سياقتها : "قال ابن أبي حاتم : لا أعلم في هذا خلافًا" .(45) ديوان الهذليين 1 : 232 ، واللسان (حصر) .(46) الأثر 59 - بيان ، بفتح الباء الموحدة والياء التحتية المخففة : هو ابن بشر الأحمسي ، ثقة من الثقات ، كما قال أحمد . وسفيان ، الراوي عنه : هو الثوري . وهذا الأثر نقله السيوطي 1 : 24 ، ونسبه لوكيع والطبري .(47) الخبر 260 - نقله ابن كثير 1 : 71 ، ونقله السيوطي 1 : 24 ، والشوكاني 1 : 22 مع الخبر الآتي 263 ، جعلاه خبرًا واحدًا ، وذكراه عن ابن مسعود فقط .(48) حجه يحجه فهو محجوج : غلبه بالحجة فهو مغلوب .(49) يريد بقوله"لمعنى القطع" ، أن يقطع عن نعت الكتاب ، ويصير حالا .(50) يعني بصاحب هذا القول ، الفراء في كتابه معاني القرآن 1 : 10 .(51) في المطبوعة والمخطوطة"ذلك لا شك فيه" ، والتصحيح من معاني القرآن للفراء 1 : 11 .(52) في المطبوعة"فتنصبها" ، والتصحيح من المخطوطة ومعاني القرآن للفراء .(53) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 11 - 12 .(54) الآثار 261 - 266 ساقها جميعًا ابن كثير في تفسيره 1 : 71 - 72 ، وبعضها في الدر المنثور 1 : 24 ، والشوكاني 1 : 22 .(55) في المطبوعة : "وذلك أن الله عز وجل إنما وصفهم" ، ولا فائدة من زيادة"إنما" . ثم جاء في المخطوطة والمطبوعة : "فلم يحصر تقواهم إياه على بعضها من أهل منهم دون بعض"؛ وهو كلام مختلط ، وصوابه ما أثبته ، وهو معنى الكلام كما ترى بعد .
ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ  ٣
التفسير الميسروهم الذين يُصَدِّقون بالغيب الذي لا تدركه حواسُّهم ولا عقولهم وحدها؛ لأنه لا يُعْرف إلا بوحي الله إلى رسله، مثل الإيمان بالملائكة، والجنة، والنار، وغير ذلك مما أخبر الله به أو أخبر به رسوله، (والإيمان: كلمة جامعة للإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وتصديق الإقرار بالقول والعمل بالقلب واللسان والجوارح) وهم مع تصديقهم بالغيب يحافظون على أداء الصلاة في مواقيتها أداءً صحيحًا وَفْق ما شرع الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ومما أعطيناهم من المال يخرجون صدقة أموالهم الواجبة والمستحبة.
تفسير السعديثم وصف المتقين بالعقائد والأعمال الباطنة, والأعمال الظاهرة, لتضمن التقوى لذلك فقال: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ حقيقة الإيمان: هو التصديق التام بما أخبرت به الرسل, المتضمن لانقياد الجوارح، وليس الشأن في الإيمان بالأشياء المشاهدة بالحس, فإنه لا يتميز بها المسلم من الكافر. إنما الشأن في الإيمان بالغيب, الذي لم نره ولم نشاهده, وإنما نؤمن به, لخبر الله وخبر رسوله. فهذا الإيمان الذي يميز به المسلم من الكافر, لأنه تصديق مجرد لله ورسله. فالمؤمن يؤمن بكل ما أخبر الله به, أو أخبر به رسوله, سواء شاهده, أو لم يشاهده وسواء فهمه وعقله, أو لم يهتد إليه عقله وفهمه. بخلاف الزنادقة والمكذبين بالأمور الغيبية, لأن عقولهم القاصرة المقصرة لم تهتد إليها فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ففسدت عقولهم, ومرجت أحلامهم. وزكت عقول المؤمنين المصدقين المهتدين بهدى الله. ويدخل في الإيمان بالغيب, [الإيمان ب] بجميع ما أخبر الله به من الغيوب الماضية والمستقبلة, وأحوال الآخرة, وحقائق أوصاف الله وكيفيتها, [وما أخبرت به الرسل من ذلك] فيؤمنون بصفات الله ووجودها, ويتيقنونها, وإن لم يفهموا كيفيتها. ثم قال: وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ لم يقل: يفعلون الصلاة, أو يأتون بالصلاة, لأنه لا يكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة. فإقامة الصلاة, إقامتها ظاهرا, بإتمام أركانها, وواجباتها, وشروطها. وإقامتها باطنا بإقامة روحها, وهو حضور القلب فيها, وتدبر ما يقوله ويفعله منها، فهذه الصلاة هي التي قال الله فيها: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وهي التي يترتب عليها الثواب. فلا ثواب للإنسان من صلاته, إلا ما عقل منها، ويدخل في الصلاة فرائضها ونوافلها. ثم قال: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ يدخل فيه النفقات الواجبة كالزكاة, والنفقة على الزوجات والأقارب, والمماليك ونحو ذلك. والنفقات المستحبة بجميع طرق الخير. ولم يذكر المنفق عليهم, لكثرة أسبابه وتنوع أهله, ولأن النفقة من حيث هي, قربة إلى الله، وأتى ب " من " الدالة على التبعيض, لينبههم أنه لم يرد منهم إلا جزءا يسيرا من أموالهم, غير ضار لهم ولا مثقل, بل ينتفعون هم بإنفاقه, وينتفع به إخوانهم. وفي قوله: رَزَقْنَاهُمْ إشارة إلى أن هذه الأموال التي بين أيديكم, ليست حاصلة بقوتكم وملككم, وإنما هي رزق الله الذي خولكم, وأنعم به عليكم، فكما أنعم عليكم وفضلكم على كثير من عباده, فاشكروه بإخراج بعض ما أنعم به عليكم, وواسوا إخوانكم المعدمين. وكثيرا ما يجمع تعالى بين الصلاة والزكاة في القرآن, لأن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود, والزكاة والنفقة متضمنة للإحسان على عبيده، فعنوان سعادة العبد إخلاصه للمعبود, وسعيه في نفع الخلق، كما أن عنوان شقاوة العبد عدم هذين الأمرين منه, فلا إخلاص ولا إحسان.
تفسير ابن كثير( الذين يؤمنون بالغيب )قال أبو جعفر الرازي ، عن العلاء بن المسيب بن رافع ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، قال : الإيمان التصديق .وقال علي بن أبي طلحة وغيره ، عن ابن عباس ، ( يؤمنون ) يصدقون .وقال معمر عن الزهري : الإيمان العمل .وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس : ( يؤمنون ) يخشون .قال ابن جرير وغيره : والأولى أن يكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولا واعتقادا وعملا قال : وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان ، الذي هو تصديق القول بالعمل ، والإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله وكتبه ورسله ، وتصديق الإقرار بالفعل . قلت : أما الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض ، وقد يستعمل في القرآن ، والمراد به ذلك ، كما قال تعالى : ( يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ) [ التوبة : 61 ] ، وكما قال إخوة يوسف لأبيهم : ( وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ) [ يوسف : 17 ] ، وكذلك إذا استعمل مقرونا مع الأعمال ؛ كقوله : ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) [ الانشقاق : 25 ، والتين : 6 ] ، فأما إذا استعمل مطلقا فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادا وقولا وعملا .هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة ، بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وغير واحد إجماعا : أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص . وقد ورد فيه آثار كثيرة وأحاديث أوردنا الكلام فيها في أول شرح البخاري ، ولله الحمد والمنة .ومنهم من فسره بالخشية ، لقوله تعالى : ( إن الذين يخشون ربهم بالغيب ) [ الملك : 12 ] ، وقوله : ( من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب ) [ ق : 33 ] ، والخشية خلاصة الإيمان والعلم ، كما قال تعالى : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) [ فاطر : 28 ] .وأما الغيب المراد هاهنا فقد اختلفت عبارات السلف فيه ، وكلها صحيحة ترجع إلى أن الجميع مراد .قال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله : ( يؤمنون بالغيب ) قال : يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وجنته وناره ولقائه ، ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث ، فهذا غيب كله .وكذا قال قتادة بن دعامة .وقال السدي ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أما الغيب فما غاب عن العباد من أمر الجنة ، وأمر النار ، وما ذكر في القرآن .وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( بالغيب ) قال : بما جاء منه ، يعني : من الله تعالى .وقال سفيان الثوري ، عن عاصم ، عن زر ، قال : الغيب : القرآن .وقال عطاء بن أبي رباح : من آمن بالله فقد آمن بالغيب .وقال إسماعيل بن أبي خالد : ( يؤمنون بالغيب ) قال : بغيب الإسلام .وقال زيد بن أسلم : ( الذين يؤمنون بالغيب ) قال : بالقدر . فكل هذه متقاربة في معنى واحد ؛ لأن جميع هذه المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به .وقال سعيد بن منصور : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن عبد الرحمن بن يزيد قال : كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسا ، فذكرنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وما سبقوا به ، قال : فقال عبد الله : إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم كان بينا لمن رآه ، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانا أفضل من إيمان بغيب ، ثم قرأ : ( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ) إلى قوله : ( المفلحون ) [ البقرة : 1 - 5 ] .وهكذا رواه ابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والحاكم في مستدركه ، من طرق ، عن الأعمش ، به .وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه .وفي معنى هذا الحديث الذي رواه [ الإمام ] أحمد ، حدثنا أبو المغيرة ، أخبرنا الأوزاعي ، حدثني أسيد بن عبد الرحمن ، عن خالد بن دريك ، عن ابن محيريز ، قال : قلت لأبي جمعة : حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نعم ، أحدثك حديثا جيدا : تغدينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا أبو عبيدة بن الجراح ، فقال : يا رسول الله ، هل أحد خير منا ؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك . قال : نعم ، قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني .طريق أخرى : قال أبو بكر بن مردويه في تفسيره : حدثنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا إسماعيل عن عبد الله بن مسعود ، حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثنا معاوية بن صالح ، عن صالح بن جبير ، قال : قدم علينا أبو جمعة الأنصاري ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيت المقدس ، ليصلي فيه ، ومعنا يومئذ رجاء بن حيوة ، فلما انصرف خرجنا نشيعه ، فلما أراد الانصراف قال : إن لكم جائزة وحقا ؛ أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قلنا : هات رحمك الله قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة ، فقلنا : يا رسول الله ، هل من قوم أعظم أجرا منا ؟ آمنا بك واتبعناك؟ قال : ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء ، بل قوم من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه ، أولئك أعظم منكم أجرا مرتين .ثم رواه من حديث ضمرة بن ربيعة ، عن مرزوق بن نافع ، عن صالح بن جبير ، عن أبي جمعة ، بنحوه .وهذا الحديث فيه دلالة على العمل بالوجادة التي اختلف فيها أهل الحديث ، كما قررته في أول شرح البخاري ؛ لأنه مدحهم على ذلك وذكر أنهم أعظم أجرا من هذه الحيثية لا مطلقا .وكذا الحديث الآخر الذي رواه الحسن بن عرفة العبدي : حدثنا إسماعيل بن عياش الحمصي ، عن المغيرة بن قيس التميمي ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الخلق أعجب إليكم إيمانا ؟ . قالوا : الملائكة . قال : وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم ؟ . قالوا : فالنبيون . قال : وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم ؟ . قالوا : فنحن . قال : وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم ؟ . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا إن أعجب الخلق إلي إيمانا لقوم يكونون من بعدكم يجدون صحفا فيها كتاب يؤمنون بما فيها .قال أبو حاتم الرازي : المغيرة بن قيس البصري منكر الحديث .قلت : ولكن قد روى أبو يعلى في مسنده ، وابن مردويه في تفسيره ، والحاكم في مستدركه ، من حديث محمد بن أبي حميد ، وفيه ضعف ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بمثله أو نحوه . وقال الحاكم : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه وقد روي نحوه عن أنس بن مالك مرفوعا ، والله أعلم .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن محمد المسندي ، حدثنا إسحاق بن إدريس ، أخبرني إبراهيم بن جعفر بن محمود بن سلمة الأنصاري ، أخبرني جعفر بن محمود ، عن جدته تويلة بنت أسلم ، قالت : صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة ، فاستقبلنا مسجد إيلياء ، فصلينا سجدتين ، ثم جاءنا من يخبرنا : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل البيت الحرام ، فتحول النساء مكان الرجال ، والرجال مكان النساء ، فصلينا السجدتين الباقيتين ، ونحن مستقبلون البيت الحرام .قال إبراهيم : فحدثني رجال من بني حارثة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه ذلك قال : أولئك قوم آمنوا بالغيب .هذا حديث غريب من هذا الوجه .ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون قال ابن عباس : ( ويقيمون الصلاة أي : يقيمون الصلاة بفروضها .وقال الضحاك ، عن ابن عباس : إقامة الصلاة إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال عليها وفيها .وقال قتادة : إقامة الصلاة : المحافظة على مواقيتها ، ووضوئها ، وركوعها وسجودها .وقال مقاتل بن حيان : إقامتها : المحافظة على مواقيتها ، وإسباغ الطهور فيها ، وتمام ركوعها وسجودها ، وتلاوة القرآن فيها ، والتشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فهذا إقامتها .وقال علي بن أبي طلحة ، وغيره عن ابن عباس : ( ومما رزقناهم ينفقون قال : زكاة أموالهم .وقال السدي ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ومما رزقناهم ينفقون قال : هي نفقة الرجل على أهله ، وهذا قبل أن تنزل الزكاة .وقال جويبر ، عن الضحاك : كانت النفقات قربات ، يتقربون بها إلى الله على قدر ميسرتهم وجهدهم ، حتى نزلت فرائض الصدقات : سبع آيات في سورة " براءة " ، مما يذكر فيهن الصدقات ، هن الناسخات المثبتات .وقال قتادة : ( ومما رزقناهم ينفقون فأنفقوا مما أعطاكم الله ؛ هذه الأموال عواري ، وودائع عندك يا ابن آدم ، يوشك أن تفارقها .واختار ابن جرير أن الآية عامة في الزكاة والنفقات ؛ فإنه قال : وأولى التأويلات وأحقها بصفة القوم : أن يكونوا لجميع اللازم لهم في أموالهم مؤدين ، زكاة كان ذلك أو نفقة من لزمته نفقته من أهل ، أو عيال ، وغيرهم ، ممن تجب عليهم نفقته بالقرابة والملك ، وغير ذلك ؛ لأن الله تعالى عم وصفهم ومدحهم بذلك ، وكل من الإنفاق والزكاة ممدوح به محمود عليه .قلت : كثيرا ما يقرن الله تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال ؛ فإن الصلاة حق الله وعبادته ، وهي مشتملة على توحيده ، والثناء عليه ، وتمجيده ، والابتهال إليه ، ودعائه ، والتوكل عليه ، والإنفاق هو الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم ، وأولى الناس بذلك القرابات ، والأهلون ، والمماليك ، ثم الأجانب ، فكل من النفقات الواجبة ، والزكاة المفروضة داخل في قوله تعالى : ( ومما رزقناهم ينفقون ؛ ولهذا ثبت في الصحيحين ، عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت . والأحاديث في هذا كثيرة .وأصل الصلاة في كلام العرب الدعاء ، قال الأعشى :لها حارس لا يبرح الدهر بيتها وإن ذبحت صلى عليها وزمزماوقال أيضا :وقابلها الريح في دنها وصلى على دنها وارتسمأنشدهما ابن جرير مستشهدا على ذلك . وقال الآخر :تقول بنتي وقد قربت مرتحلا يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعاعليك مثل الذي صليت فاغتمضي نوما فإن لجنب المرء مضطجعايقول : عليك من الدعاء مثل الذي دعيته لي . وهذا ظاهر ، ثم استعملت الصلاة في الشرع في ذات الركوع والسجود والأفعال المخصوصة في الأوقات المخصوصة ، بشروطها المعروفة ، وصفاتها ، وأنواعها [ المشروعة ] المشهورة .وقال ابن جرير : وأرى أن الصلاة المفروضة سميت صلاة ؛ لأن المصلي يتعرض لاستنجاح طلبته من ثواب الله بعمله ، مع ما يسأل ربه من حاجته .[ وقيل : هي مشتقة من الصلوين إذا تحركا في الصلاة عند الركوع ، وهما عرقان يمتدان من الظهر حتى يكتنفا عجب الذنب ، ومنه سمي المصلي ؛ وهو الثاني للسابق في حلبة الخيل ، وفيه نظر ، وقيل : هي مشتقة من الصلى ، وهو الملازمة للشيء من قوله : ( لا يصلاها ) أي : يلزمها ويدوم فيها إلا الأشقى ) [ الليل : 15 ] وقيل : مشتقة من تصلية الخشبة في النار لتقوم ، كما أن المصلي يقوم عوجه بالصلاة : ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ) [ العنكبوت : 45 ] واشتقاقها من الدعاء أصح وأشهر ، والله أعلم ] .وأما الزكاة فسيأتي الكلام عليها في موضعه ، إن شاء الله .
تفسير القرطبيقوله تعالى : الذين يؤمنون بالغيب و يقيمون الصلاة و مما رزقناهم ينفقونفيها ست وعشرون مسألة :الأولى : قوله : الذين في موضع خفض نعت " للمتقين " ، ويجوز الرفع على القطع أي : هم الذين ، ويجوز النصب على المدح .( يؤمنون ) يصدقون . والإيمان في اللغة : التصديق ; وفي التنزيل : وما أنت بمؤمن لنا أي بمصدق ; ويتعدى بالباء واللام ; كما قال : ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم فما آمن لموسى وروى حجاج بن حجاج الأحول - ويلقب بزق العسل - قال سمعت قتادة يقول : يا ابن آدم ، إن كنت لا تريد أن تأتي الخير إلا عن نشاط فإن نفسك مائلة إلى السأمة والفترة والملة ; ولكن المؤمن هو المتحامل ، والمؤمن هو المتقوي ، والمؤمن هو المتشدد ، وإن المؤمنين هم العجاجون إلى الله في الليل والنهار ; والله ما يزال المؤمن يقول : ربنا في السر والعلانية حتى استجاب لهم في السر والعلانية .الثانية : قوله تعالى : ( بالغيب ) الغيب في كلام العرب كل ما غاب عنك ، وهو من ذوات الياء يقال منه : غابت الشمس تغيب ; والغيبة معروفة . وأغابت المرأة فهي مغيبة إذا غاب عنها زوجها ، ووقعنا في غيبة وغيابة ، أي هبطة من الأرض ; والغيابة : الأجمة ، وهي جماع الشجر يغاب فيها ، ويسمى المطمئن من الأرض : الغيب ; لأنه غاب عن البصر .الثالثة : واختلف المفسرون في تأويل الغيب هنا ; فقالت فرقة : الغيب في هذه الآية : الله سبحانه . وضعفه ابن العربي . وقال آخرون : القضاء والقدر . وقال آخرون : القرآن وما فيه من الغيوب . وقال آخرون : الغيب كل ما أخبر به الرسول عليه السلام مما لا تهتدي إليه العقول من أشراط الساعة وعذاب القبر والحشر والنشر والصراط والميزان والجنة والنار . قال ابن عطية : وهذه الأقوال لا تتعارض بل يقع الغيب على جميعها .قلت : وهذا الإيمان الشرعي المشار إليه في حديث جبريل عليه السلام حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم : فأخبرني عن الإيمان . قال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره . قال : صدقت . وذكر الحديث . وقال عبد الله بن مسعود : ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب ، ثم قرأ : الذين يؤمنون بالغيب . قلت : وفي التنزيل : وما كنا غائبين وقال : الذين يخشون ربهم بالغيب فهو سبحانه غائب عن الأبصار ، غير مرئي في هذه الدار ، غير غائب بالنظر والاستدلال ; فهم يؤمنون أن لهم ربا قادرا يجازي على الأعمال ، فهم يخشونه في سرائرهم وخلواتهم التي يغيبون فيها عن الناس ، لعلمهم باطلاعه عليهم ، وعلى هذا تتفق الآي ولا تتعارض ، والحمد لله . وقيل : بالغيب أي بضمائرهم وقلوبهم بخلاف المنافقين ; وهذا قول حسن . وقال الشاعر :وبالغيب آمنا وقد كان قومنا يصلون للأوثان قبل محمدالرابعة : قوله تعالى : ويقيمون الصلاة معطوف جملة على جملة . وإقامة الصلاة أداؤها بأركانها وسننها وهيئاتها في أوقاتها ; على ما يأتي بيانه . يقال : قام الشيء أي دام وثبت ، وليس من القيام على الرجل ; وإنما هو من قولك : قام الحق أي ظهر وثبت ;قال الشاعر :وقامت الحرب بنا على ساقوقال آخر :وإذا يقال أتيتم لم يبرحوا حتى تقيم الخيل سوق طعانوقيل : ( يقيمون ) يديمون ، وأقامه أي أدامه ; وإلى هذا المعنى أشار عمر بقوله : ( من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع . )الخامسة : إقامة الصلاة معروفة ; وهي سنة عند الجمهور ، وأنه لا إعادة على تاركها . وعند الأوزاعي وعطاء ومجاهد وابن أبي ليلى هي واجبة ، وعلى من تركها الإعادة ; وبه قال أهل الظاهر ، وروي عن مالك ، واختاره ابن العربي قال : لأن في حديث الأعرابي ( وأقم ) فأمره بالإقامة كما أمره بالتكبير والاستقبال والوضوء .قال : فأما أنتم الآن وقد وقفتم على الحديث فقد تعين عليكم أن تقولوا بإحدى روايتي مالك الموافقة للحديث ، وهي أن الإقامة فرض . قال ابن عبد البر قوله صلى الله عليه وسلم : ( وتحريمها التكبير ) دليل على أنه لم يدخل في الصلاة من لم يحرم ، فما كان قبل الإحرام فحكمه ألا تعاد منه الصلاة إلا أن يجمعوا على شيء فيسلم للإجماع كالطهارة والقبلة والوقت ونحو ذلك . وقال بعض علمائنا : من تركها عمدا أعاد الصلاة ، وليس ذلك لوجوبها إذ لو كان ذلك لاستوى سهوها وعمدها ، وإنما ذلك للاستخفاف بالسنن ، والله أعلم .السادسة : واختلف العلماء فيمن سمع الإقامة هل يسرع أو لا ؟ فذهب الأكثر إلى أنه لا يسرع وإن خاف فوت الركعة لقوله عليه السلام : إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ، وأتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا . رواه أبو هريرة أخرجه مسلم .وعنه أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا ثوب بالصلاة فلا يسع إليها أحدكم ولكن ليمش وعليه السكينة والوقار صل ما أدركت واقض ما سبقك . وهذا نص . ومن جهة المعنى أنه إذا أسرع انبهر فشوش عليه دخوله في الصلاة وقراءتها وخشوعها .وذهب جماعة من السلف منهم ابن عمر وابن مسعود على اختلاف عنه أنه إذا خاف فواتها أسرع . وقال إسحاق : يسرع إذا خاف فوات الركعة ; وروي عن مالك نحوه ، وقال : لا بأس لمن كان على فرس أن يحرك الفرس ; وتأوله بعضهم على الفرق بين الماشي والراكب ; لأن الراكب لا يكاد أن ينبهر كما ينبهر الماشي .قلت : واستعمال سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل حال أولى ، فيمشي كما جاء الحديث وعليه السكينة والوقار ; لأنه في صلاة ، ومحال أن يكون خبره صلى الله عليه وسلم على خلاف ما أخبر ; فكما أن الداخل في الصلاة يلزم الوقار والسكون كذلك الماشي ، حتى يحصل له التشبه به فيحصل له ثوابه .ومما يدل على صحة هذا ما ذكرناه من البينة ، وما خرجه الدارمي في مسنده قال : حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا سفيان عن محمد بن عجلان عن المقبري عن كعب بن عجرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا توضأت فعمدت إلى المسجد فلا تشبكن بين أصابعك ; فإنك في صلاة . فمنع صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وهو صحيح مما هو أقل من الإسراع وجعله كالمصلي ; وهذه السنن تبين معنى قوله تعالى : فاسعوا إلى ذكر الله وأنه ليس المراد به الاشتداد على الأقدام ، وإنما عنى العمل والفعل ; هكذا فسره مالك . وهو الصواب في ذلك والله أعلم .السابعة : واختلف العلماء في تأويل قوله عليه السلام : ( وما فاتكم فأتموا ) وقوله : ( واقض ما سبقك ) هل هما بمعنى واحد أو لا ؟ فقيل : هما بمعنى واحد وأن القضاء قد يطلق ويراد به التمام ، قال الله تعالى : فإذا قضيت الصلاة وقال : فإذا قضيتم مناسككم . وقيل : معناهما مختلف ، وهو الصحيح ; ويترتب على هذا الخلاف خلاف فيما يدركه الداخل هل هو أول صلاته أو آخرها ؟ فذهب إلى الأول جماعة من أصحاب مالك - منهم ابن القاسم - ولكنه يقضي ما فاته بالحمد وسورة ، فيكون بانيا في الأفعال قاضيا في الأقوال .قال ابن عبد البر : وهو المشهور من المذهب . وقال ابن خويز منداد : وهو الذي عليه أصحابنا ، وهو قول الأوزاعي والشافعي ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل والطبري وداود بن علي .وروى أشهب وهو الذي ذكره ابن عبد الحكم عن مالك ، ورواه عيسى عن ابن القاسم عن مالك ، أن ما أدرك فهو آخر صلاته ، وأنه يكون قاضيا في الأفعال والأقوال ; وهو قول الكوفيين . قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : وهو مشهور مذهب مالك .قال ابن عبد البر : من جعل ما أدرك أول صلاته فأظنهم راعوا الإحرام ; لأنه لا يكون إلا في أول الصلاة ، والتشهد والتسليم لا يكون إلا في آخرها ; فمن هاهنا قالوا : إن ما أدرك فهو أول صلاته ، مع ما ورد في ذلك من السنة من قوله : ( فأتموا ) والتمام هو الآخر .واحتج الآخرون بقوله : ( فاقضوا ) والذي يقضيه هو الفائت ، إلا أن رواية من روى " فأتموا " أكثر ، وليس يستقيم على قول من قال : إن ما أدرك أول صلاته ويطرد ، إلا ما قاله عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون والمزني وإسحاق وداود من أنه يقرأ مع الإمام بالحمد وسورة إن أدرك ذلك معه ; وإذا قام للقضاء قرأ بالحمد وحدها ; فهؤلاء اطرد على أصلهم قولهم وفعلهم ، رضي الله عنهم .الثامنة : الإقامة تمنع من ابتداء صلاة نافلة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة خرجه مسلم وغيره ; فأما إذا شرع في نافلة فلا يقطعها ; لقوله تعالى : ولا تبطلوا أعمالكم وخاصة إذا صلى ركعة منها . وقيل : يقطعها لعموم الحديث في ذلك . والله أعلم .التاسعة : واختلف العلماء فيمن دخل المسجد ولم يكن ركع ركعتي الفجر ثم أقيمت الصلاة ; فقال مالك : يدخل مع الإمام ولا يركعهما ; وإن كان لم يدخل المسجد فإن لم يخف فوات ركعة فليركع خارج المسجد ، ولا يركعهما في شيء من أفنية المسجد - التي تصلى فيها الجمعة - اللاصقة بالمسجد ; وإن خاف أن تفوته الركعة الأولى فليدخل وليصل معه ; ثم يصليهما إذا طلعت الشمس إن أحب ; ولأن يصليهما إذا طلعت الشمس أحب إلي وأفضل من تركهماوقال أبو حنيفة وأصحابه : إن خشي أن تفوته الركعتان ولا يدرك الإمام قبل رفعه من الركوع في الثانية دخل معه ، وإن رجا أن يدرك ركعة صلى ركعتي الفجر خارج المسجد ، ثم يدخل مع الإمام وكذلك قال الأوزاعي ; إلا أنه يجوز ركوعهما في المسجد ما لم يخف فوت الركعة الأخيرة .وقال الثوري : إن خشي فوت ركعة دخل معهم ولم يصلهما وإلا صلاهما وإن كان قد دخل المسجد .وقال الحسن بن حي ويقال ابن حيان : إذا أخذ المقيم في الإقامة فلا تطوع إلا ركعتي الفجر .وقال الشافعي : من دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة دخل مع الإمام ولم يركعهما لا خارج المسجد ولا في المسجد . وكذلك قالالطبري وبه قال أحمد بن حنبل وحكي عن مالك ; وهو الصحيح في ذلك ; لقوله عليه السلام . إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة . وركعتا الفجر إما سنة ، وإما فضيلة ، وإما رغيبة ; والحجة عند التنازع حجة السنة .ومن حجة قول مالك المشهور وأبي حنيفة ما روي عن ابن عمر أنه جاء والإمام يصلي صلاة الصبح فصلاهما في حجرة حفصة ، ثم إنه صلى مع الإمام .ومن حجة الثوري والأوزاعي ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه دخل المسجد ، وقد أقيمت الصلاة فصلى إلى أسطوانة في المسجد ركعتي الفجر ، ثم دخل الصلاة بمحضر من حذيفة وأبي موسى رضي الله عنهما . قالوا : ( وإذا جاز أن يشتغل بالنافلة عن المكتوبة خارج المسجد جاز له ذلك . في المسجد ) ، روى مسلم عن عبد الله بن مالك ابن بحينة قال : أقيمت صلاة الصبح فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي والمؤذن يقيم ، فقال : ( أتصلي الصبح أربعا ) ! وهذا إنكار منه صلى الله عليه وسلم على الرجل لصلاته ركعتي الفجر في المسجد والإمام يصلي ، ويمكن أن يستدل به أيضا على أن ركعتي الفجر إن وقعت في تلك الحال صحت ; لأنه عليه السلام لم يقطع عليه صلاته مع تمكنه من ذلك ، والله أعلم .العاشرة : الصلاة أصلها في اللغة الدعاء ، مأخوذة من صلى يصلي إذا دعا ; ومنه قوله عليه السلام : إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا فليطعم وإن كان صائما فليصل أي فليدع . وقال بعض العلماء : إن المراد الصلاة المعروفة ، فيصلي ركعتين وينصرف ، والأول أشهر وعليه من العلماء الأكثر . ولما ولدت أسماء عبد الله بن الزبير أرسلته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت أسماء : ثم مسحه وصلى عليه ، أي دعا له . وقال تعالى : وصل عليهم أي ادع لهم . وقال الأعشى :تقول بنتي وقد قربت مرتحلا يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضينوما فإن لجنب المرء مضطجعاوقال الأعشى أيضا :وقابلها الريح في دنها وصلى على دنها وارتسمارتسم الرجل : كبر ودعا ، قاله في الصحاح ، وقال قوم : هي مأخوذة من الصلا وهو عرق في وسط الظهر ويفترق عند العجب فيكتنفه ، ومنه أخذ المصلي في سبق الخيل ; لأنه يأتي في الحلبة ورأسه عند صلوى السابق ، فاشتقت الصلاة منه ، إما لأنها جاءت ثانية للإيمان فشبهت بالمصلي من الخيل ، وإما لأن الراكع تثنى صلواه . والصلا : مغرز الذنب من الفرس ، والاثنان صلوان . والمصلي : تالي السابق ; لأن رأسه عند صلاه . وقال علي رضي الله عنه : سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى أبو بكر وثلث عمر . وقيل : هي مأخوذة من اللزوم ، ومنه صلي بالنار إذا لزمها ، ومنه تصلى نارا حامية . وقال الحارث بن عباد :لم أكن من جناتها علم الله وإني بحرها اليوم صالأي ملازم لحرها ، وكأن المعنى على هذا ملازمة العبادة على الحد الذي أمر الله تعالى به . وقيل : هي مأخوذة من صليت العود بالنار إذا قومته ولينته بالصلاء . والصلاء : صلاء النار بكسر الصاد ممدود ، فإن فتحت الصاد قصرت ، فقلت صلا النار ، فكأن المصلي يقوم نفسه بالمعاناة فيها ويلين ويخشع ، قال الخارزنجي :فلا تعجل بأمرك واستدمه فما صلى عصاك كمستديموالصلاة : الدعاء والصلاة : الرحمة ، ومنه : ( اللهم صل على محمد ) الحديث . والصلاة : العبادة ، ومنه قوله تعالى : وما كان صلاتهم عند البيت الآية ، أي عبادتهم . والصلاة : النافلة ، ومنه قوله تعالى : وأمر أهلك بالصلاة . والصلاة التسبيح ، ومنه قوله تعالى : فلولا أنه كان من المسبحين أي من المصلين . ومنه سبحة الضحى . وقد قيل في تأويل نسبح بحمدك نصلي . والصلاة : القراءة ، ومنه قوله تعالى : ولا تجهر بصلاتك فهي لفظ مشترك . والصلاة : بيت يصلى فيه ، قاله ابن فارس . وقد قيل : إن الصلاة اسم علم وضع لهذه العبادة ، فإن الله تعالى لم يخل زمانا من شرع ، ولم يخل شرع من صلاة ، حكاه أبو نصر القشيري .قلت : فعلى هذا القول لا اشتقاق لها ، وعلى قول الجمهور وهي :الحادية عشرة : اختلف الأصوليون هل هي مبقاة على أصلها اللغوي الوضعي الابتدائي ، وكذلك الإيمان والزكاة والصيام والحج ، والشرع إنما تصرف بالشروط والأحكام ، أو هل تلك الزيادة من الشرع تصيرها موضوعة كالوضع الابتدائي من قبل الشرع . هنا اختلافهم والأول أصح ; لأن الشريعة ثبتت بالعربية ، والقرآن نزل بها بلسان عربي مبين ، ولكن للعرب تحكم في الأسماء ، كالدابة وضعت لكل ما يدب ، ثم خصصها العرف بالبهائم فكذلك لعرف الشرع تحكم في الأسماء ، والله أعلم .الثانية عشرة : واختلف في المراد بالصلاة هنا ، فقيل : الفرائض . وقيل : الفرائض والنوافل معا ، وهو الصحيح ; لأن اللفظ عام والمتقي يأتي بهما .الثالثة عشرة : الصلاة سبب للرزق ، قال الله تعالى : وأمر أهلك بالصلاة الآية ، على ما يأتي بيانه في " طه " إن شاء الله تعالى . وشفاء من وجع البطن وغيره ، روى ابن ماجه عن أبي هريرة قال : هجر النبي صلى الله عليه وسلم فهجرت فصليت ثم جلست ، فالتفت إلي النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( أشكمت درده ) قلت : نعم يا رسول الله ، قال : قم فصل فإن في الصلاة شفاء . في رواية : ( أشكمت درد ) يعني تشتكي بطنك بالفارسية ، وكان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة .الرابعة عشرة : الصلاة لا تصح إلا بشروط وفروض ، فمن شروطها : الطهارة ، وسيأتي بيان أحكامها في سورة النساء والمائدة . وستر العورة ، يأتي في الأعراف القول فيها إن شاء الله تعالى .وأما فروضها : فاستقبال القبلة ، والنية ، وتكبيرة الإحرام والقيام لها ، وقراءة أم القرآن والقيام لها ، والركوع والطمأنينة فيه ، ورفع الرأس من الركوع والاعتدال فيه ، والسجود والطمأنينة فيه ، ورفع الرأس من السجود ، والجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيه ، والسجود الثاني والطمأنينة فيه . والأصل في هذه الجملة حديث أبي هريرة في الرجل الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة لما أخل بها ، فقال له : إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة ثم كبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها خرجه مسلم . ومثله حديث رفاعة بن رافع ، أخرجه المسروقي وغيره . قال علماؤنا : فبين قوله صلى الله عليه وسلم أركان الصلاة ، وسكت عن الإقامة ورفع اليدين وعن حد القراءة وعن تكبير الانتقالات ، وعن التسبيح في الركوع والسجود ، وعن الجلسة الوسطى ، وعن التشهد وعن الجلسة الأخيرة وعن السلام . أما الإقامة وتعيين الفاتحة فقد مضى الكلام فيهما . وأما رفع اليدين فليس بواجب عند جماعة العلماء وعامة الفقهاء ; لحديث أبي هريرة وحديث رفاعة بن رافع . وقال داود وبعض أصحابه بوجوب ذلك عند تكبيرة الإحرام . وقال بعض أصحابه : الرفع عند الإحرام وعند الركوع وعند الرفع من الركوع واجب ، وإن من لم يرفع يديه فصلاته باطلة ، وهو قول الحميدي ، ورواية عن الأوزاعي . واحتجوا بقوله عليه السلام : صلوا كما رأيتموني أصلي أخرجه البخاري .قالوا : فوجب علينا أن نفعل كما رأيناه يفعل ; لأنه المبلغ عن الله مراده . وأما التكبير ما عدا تكبيرة الإحرام فمسنون عند الجمهور للحديث المذكور . وكان ابن قاسم صاحب مالك يقول : من أسقط من التكبير في الصلاة ثلاث تكبيرات فما فوقها سجد قبل السلام ، وإن لم يسجد بطلت صلاته ، وإن نسي تكبيرة واحدة أو اثنتين سجد أيضا للسهو ، فإن لم يفعل فلا شيء عليه ، وروي عنه أن التكبيرة الواحدة لا سهو على من سها فيها . وهذا يدل على أن عظم التكبير وجملته عنده فرض ، وأن اليسير منه متجاوز عنه . وقال أصبغ بن الفرج وعبد الله بن عبد الحكم : ليس على من لم يكبر في الصلاة من أولها إلى آخرها شيء إذا كبر تكبيرة الإحرام ، فإن تركه ساهيا سجد للسهو ، فإن لم يسجد فلا شيء عليه ، ولا ينبغي لأحد أن يترك التكبير عامدا ; لأنه سنة من سنن الصلاة ، فإن فعل فقد أساء ولا شيء عليه وصلاته ماضية .قلت : هذا هو الصحيح ، وهو الذي عليه جماعة فقهاء الأمصار من الشافعيين والكوفيين وجماعة أهل الحديث والمالكيين غير من ذهب مذهب ابن القاسم . وقد ترجم البخاري رحمه الله ( باب إتمام التكبير في الركوع والسجود ) وساق حديث مطرف بن عبد الله قال : صليت خلف علي بن أبي طالب أنا وعمران بن حصين ، فكان إذا سجد كبر ، وإذا رفع رأسه كبر ، وإذا نهض من الركعتين كبر ، فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين فقال : لقد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم ، أو قال : لقد صلى بنا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم . وحديث عكرمة قال : رأيت رجلا عند المقام يكبر في كل خفض ورفع ، وإذا قام وإذا وضع ، فأخبرت ابن عباس فقال : أوليس تلك صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لا أم لك فدلك البخاري رحمه الله بهذا الباب على أن التكبير لم يكن معمولا به عندهم . روى أبو إسحاق السبيعي عن يزيد بن أبي مريم عن أبي موسى الأشعري قال : صلى بنا علي يوم الجمل صلاة أذكرنا بها صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان يكبر في كل خفض ورفع ، وقيام وقعود ، قال أبو موسى : فإما نسيناها وإما تركناها عمدا .قلت : أتراهم أعادوا الصلاة ! فكيف يقال من ترك التكبير بطلت صلاته ! ولو كان ذلك لم يكن فرق بين السنة والفرض ، والشيء إذا لم يجب أفراده لم يجب جميعه ، وبالله التوفيق .الخامسة عشرة : وأما التسبيح في الركوع والسجود فغير واجب عند الجمهور للحديث المذكور ، وأوجبه إسحاق بن راهويه ، وأن من تركه أعاد الصلاة ; لقوله عليه السلام : أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم .السادسة عشرة : وأما الجلوس والتشهد فاختلف العلماء في ذلك ، فقال مالك وأصحابه : الجلوس الأول والتشهد له سنتان . وأوجب جماعة من العلماء الجلوس الأول وقالوا : هو مخصوص من بين سائر الفروض بأن ينوب عنه السجود كالعرايا من المزابنة ، والقراض من الإجارات ، وكالوقوف بعد الإحرام لمن وجد الإمام راكعا . واحتجوا بأنه لو كان سنة ما كان العامد لتركه تبطل صلاته كما لا تبطل بترك سنن الصلاة . احتج من لم يوجبه بأن قال : لو كان من فرائض الصلاة لرجع الساهي عنه إليه حتى يأتي به ، كما لو ترك سجدة أو ركعة ، ويراعى فيه ما يراعى في الركوع والسجود من الولاء والرتبة ، ثم يسجد لسهوه كما يصنع من ترك ركعة أو سجدة وأتى بهما . وفي حديث عبد الله ابن بحينة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام من ركعتين ونسي أن يتشهد فسبح الناس خلفه كيما يجلس فثبت قائما فقاموا ، فلما فرغ من صلاته سجد سجدتي السهو قبل التسليم ، فلو كان الجلوس فرضا لم يسقطه النسيان والسهو ، لأن الفرائض في الصلاة يستوي في تركها السهو والعمد إلا في المؤتم .واختلفوا في حكم الجلوس الأخير في الصلاة وما الغرض من ذلك . وهي :السابعة عشرة : على خمسة أقوال :أحدها : أن الجلوس فرض والتشهد فرض والسلام فرض . وممن قال ذلك الشافعي وأحمد بن حنبل في رواية ، وحكاه أبو مصعب في مختصره عن مالك وأهل المدينة ، وبه قال داود . قال الشافعي : من ترك التشهد الأول والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فلا إعادة عليه وعليه سجدتا السهو لتركه . وإذا ترك التشهد الأخير ساهيا أو عامدا أعاد . واحتجوا بأن بيان النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فرض ; لأن أصل فرضها مجمل يفتقر إلى البيان إلا ما خرج بدليل ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : صلوا كما رأيتموني أصلي .القول الثاني : أن الجلوس والتشهد والسلام ليس بواجب ، وإنما ذلك كله سنة مسنونة ، هذا قول بعض البصريين ، وإليه ذهب إبراهيم بن علية ، وصرح بقياس الجلسة الأخيرة على الأولى ، فخالف الجمهور وشذ ، إلا أنه يرى الإعادة على من ترك شيئا من ذلك كله . ومن حجتهم حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا رفع الإمام رأسه من آخر سجدة في صلاته ثم أحدث فقد تمت صلاته وهو حديث لا يصح على ما قاله أبو عمر ، وقد بيناه في كتاب المقتبس . وهذا اللفظ إنما يسقط السلام لا الجلوس .القول الثالث : إن الجلوس مقدار التشهد فرض ، وليس التشهد ولا السلام بواجب فرضا . قاله أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من الكوفيين . واحتجوا بحديث ابن المبارك عن الإفريقي عبد الرحمن بن زياد وهو ضعيف ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا جلس أحدكم في آخر صلاته فأحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته . قال ابن العربي : وكان شيخنا فخر الإسلام ينشدنا في الدرس :ويرى الخروج من الصلاة بضرطة أين الضراط من السلام عليكمقال ابن العربي : وسلك بعض علمائنا من هذه المسألة فرعين ضعيفين ، أما أحدهما : فروى عبد الملك عن عبد الملك أن من سلم من ركعتين متلاعبا ، فخرج البيان أنه إن كان على أربع أنه يجزئه ، وهذا مذهب أهل العراق بعينه . وأما الثاني : فوقع في الكتب المنبوذة أن الإمام إذا أحدث بعد التشهد متعمدا وقبل السلام أنه يجزئ من خلفه ، وهذا مما لا ينبغي أن يلتفت إليه في الفتوى ، وإن عمرت به المجالس للذكرى .القول الرابع : أن الجلوس فرض والسلام فرض ، وليس التشهد بواجب . وممن قال هذا مالك بن أنس وأصحابه وأحمد بن حنبل في رواية . واحتجوا بأن قالوا : ليس شيء من الذكر يجب إلا تكبيرة الإحرام وقراءة أم القرآن .القول الخامس : أن التشهد والجلوس واجبان ، وليس السلام بواجب ، قاله جماعة منهم إسحاق بن راهويه ، واحتج إسحاق بحديث ابن مسعود حين علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد وقال له : إذا فرغت من هذا فقد تمت صلاتك وقضيت ما عليك . قال الدارقطني : قوله إذا فرغت من هذا فقد تمت صلاتك أدرجه بعضهم عن زهير في الحديث ، ووصله بكلام النبي صلى الله عليه وسلم ، وفصله شبابة عن زهير وجعله من كلام ابن مسعود ، وقوله أشبه بالصواب من قول من أدرجه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم . وشبابة ثقة . وقد تابعه غسان بن الربيع على ذلك ، جعل آخر الحديث من كلام ابن مسعود ولم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم .الثامنة عشرة : واختلف العلماء في السلام ، فقيل : واجب ، وقيل : ليس بواجب . والصحيح وجوبه لحديث عائشة وحديث علي الصحيح خرجه أبو داود والترمذي ورواه سفيان الثوري عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن الحنفية عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم وهذا الحديث أصل في إيجاب التكبير والتسليم ، وأنه لا يجزئ عنهما غيرهما كما لا يجزئ عن الطهارة غيرها باتفاق . قال عبد الرحمن بن مهدي : لو افتتح رجل صلاته بسبعين اسما من أسماء الله عز وجل ولم يكبر تكبيرة الإحرام لم يجزه ، وإن أحدث قبل أن يسلم لم يجزه ، وهذا تصحيح من عبد الرحمن بن مهدي لحديث علي ، وهو إمام في علم الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه . وحسبك به ! وقد اختلف العلماء في وجوب التكبير عند الافتتاح وهي :التاسعة عشرة : فقال ابن شهاب الزهري وسعيد بن المسيب والأوزاعي وعبد الرحمن وطائفة : تكبيرة الإحرام ليست بواجبة . وقد روي عن مالك في المأموم ما يدل على هذا القول ، والصحيح من مذهبه إيجاب تكبيرة الإحرام وأنها فرض وركن من أركان الصلاة ، وهو الصواب وعليه الجمهور ، وكل من خالف ذلك فمحجوج بالسنة .الموفية عشرين : واختلف العلماء في اللفظ الذي يدخل به في الصلاة ، فقال مالك وأصحابه وجمهور العلماء : لا يجزئ إلا التكبير ، لا يجزئ منه تهليل ولا تسبيح ولا تعظيم ولا تحميد . هذا قول الحجازيين وأكثر العراقيين ، ولا يجزئ عند مالك إلا " الله أكبر " لا غير ذلك . وكذلك قال الشافعي وزاد : ويجزئ " الله الأكبر " و " الله الكبير " والحجة لمالك حديث عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير ، والقراءة ب " الحمد لله رب العالمين " . وحديث علي : وتحريمها التكبير . وحديث الأعرابي : فكبر . وفي سنن ابن ماجه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد الطنافسي قالا : حدثنا أبو أسامة قال حدثني عبد الحميد بن جعفر قال حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء ، قال سمعت أبا حميد الساعدي يقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة استقبل القبلة ورفع يديه وقال : " الله أكبر " وهذا نص صريح وحديث صحيح في تعيين لفظ التكبير ، قال الشاعر :رأيت الله أكبر كل شيء محاولة وأعظمه جنوداثم إنه يتضمن القدم ، وليس يتضمنه كبير ولا عظيم ، فكان أبلغ في المعنى ، والله أعلم .وقال أبو حنيفة : إن افتتح بلا إله إلا الله يجزيه ، وإن قال : اللهم اغفر لي لم يجزه ، وبه قال محمد بن الحسن . وقال أبو يوسف : لا يجزئه إذا كان يحسن التكبير . وكان الحكم بن عتيبة يقول : إذا ذكر الله مكان التكبير أجزأه . قال ابن المنذر : ولا أعلمهم يختلفون أن من أحسن القراءة فهلل وكبر ولم يقرأ أن صلاته فاسدة ، فمن كان هذا مذهبه فاللازم له أن يقول لا يجزيه مكان التكبير غيره ، كما لا يجزئ مكان القراءة غيرها . وقال أبو حنيفة : يجزئه التكبير بالفارسية وإن كان يحسن العربية . قال ابن المنذر : لا يجزيه لأنه خلاف ما عليه جماعات المسلمين ، وخلاف ما علم النبي صلى الله عليه وسلم أمته ، ولا نعلم أحدا وافقه على ما قال ، والله أعلم .الحادية والعشرون : واتفقت الأمة على وجوب النية عند تكبيرة الإحرام إلا شيئا روي عن بعض أصحابنا يأتي الكلام عليه في آية الطهارة ، وحقيقتها قصد التقرب إلى الآمر بفعل ما أمر به على الوجه المطلوب منه . قال ابن العربي : والأصل في كل نية أن يكون عقدها مع التلبس بالفعل المنوي بها ، أو قبل ذلك بشرط استصحابها ، فإن تقدمت النية وطرأت غفلة فوقع التلبس بالعبادة في تلك الحالة لم يعتد بها ، كما لا يعتد بالنية إذا وقعت بعد التلبس بالفعل ، وقد رخص في تقديمها في الصوم لعظم الحرج في اقترانها بأوله . قال ابن العربي : وقال لنا أبو الحسن القروي بثغر عسقلان : سمعت إمام الحرمين يقول : يحضر الإنسان عند التلبس بالصلاة النية ، ويجرد النظر في الصانع وحدوث العالم والنبوات حتى ينتهي نظره إلى نية الصلاة ، قال : ولا يحتاج ذلك إلى زمان طويل ، وإنما يكون ذلك في أوحى لحظة ; لأن تعليم الجمل يفتقر إلى الزمان الطويل ، وتذكارها يكون في لحظة ، ومن تمام النية أن تكون مستصحبة على الصلاة كلها ، إلا أن ذلك لما كان أمرا يتعذر عليه سمح الشرع في عزوب النية في أثنائها . سمعت شيخنا أبا بكر الفهري بالمسجد الأقصى يقول قال محمد بن سحنون : رأيت أبا سحنون ربما يكمل الصلاة فيعيدها ، فقلت له ما هذا ؟ فقال : عزبت نيتي في أثنائها فلأجل ذلك أعدتها .قلت : فهذه جملة من أحكام الصلاة ، وسائر أحكامها يأتي بيانها في مواضعها من هذا الكتاب بحول الله تعالى ، فيأتي ذكر الركوع وصلاة الجماعة والقبلة والمبادرة إلى الأوقات ، وبعض صلاة الخوف في هذه السورة ، ويأتي ذكر قصر الصلاة وصلاة الخوف ، في " النساء " والأوقات في " هود " و " سبحان و " الروم " وصلاة الليل في " المزمل " وسجود التلاوة في " الأعراف " وسجود الشكر في " ص " كل في موضعه إن شاء الله تعالى .الثانية والعشرون : قوله تعالى : ومما رزقناهم ينفقون رزقناهم : أعطيناهم ، والرزق عند أهل السنة ما صح الانتفاع به حلالا كان أو حراما ، خلافا للمعتزلة في قولهم : إن الحرام ليس برزق ; لأنه لا يصح تملكه ، وأن الله لا يرزق الحرام وإنما يرزق الحلال ، والرزق لا يكون إلا بمعنى الملك .قالوا : فلو نشأ صبي مع اللصوص ولم يأكل شيئا إلا ما أطعمه اللصوص إلى أن بلغ وقوي وصار لصا ، ثم لم يزل يتلصص ويأكل ما تلصصه إلى أن مات ، فإن الله لم يرزقه شيئا إذ لم يملكه ، وإنه يموت ولم يأكل من رزق الله شيئا .وهذا فاسد ، والدليل عليه أن الرزق لو كان بمعنى التمليك لوجب ألا يكون الطفل مرزوقا ، ولا البهائم التي ترتع في الصحراء ، ولا السخال من البهائم ; لأن لبن أمهاتها ملك لصاحبها دون السخال .ولما اجتمعت الأمة على أن الطفل والسخال والبهائم مرزوقون ، وأن الله تعالى يرزقهم مع كونهم غير مالكين علم أن الرزق هو الغذاء ولأن الأمة مجمعة على أن العبيد والإماء مرزوقون ، وأن الله تعالى يرزقهم مع كونهم غير مالكين ، فعلم أن الرزق ما قلناه لا ما قالوه . والذي يدل على أنه لا رازق سواه قوله الحق : هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض وقال : إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين وقال : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها وهذا قاطع ، فالله تعالى رازق حقيقة وابن آدم رازق تجوزا ; لأنه يملك ملكا منتزعا كما بيناه في الفاتحة ، مرزوق حقيقة كالبهائم التي لا ملك لها ، إلا أن الشيء إذا كان مأذونا له في تناوله فهو حلال حكما ، وما كان منه غير مأذون له في تناوله فهو حرام حكما ، وجميع ذلك رزق . وقد خرج بعض النبلاء من قوله تعالى : كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور فقال : ذكر المغفرة يشير إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام .الثالثة والعشرون : قوله تعالى : ومما رزقناهم الرزق مصدر رزق يرزق رزقا ورزقا ، فالرزق بالفتح المصدر ، وبالكسر الاسم ، وجمعه أرزاق ، والرزق : العطاء . والرازقية : ثياب كتان [ بيض ] . وارتزق الجند : أخذوا أرزاقهم . والرزقة : المرة الواحدة ، هكذا قال أهل اللغة . وقال ابن السكيت : الرزق بلغة أزد شنوءة : الشكر ، وهو قوله عز وجل : وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون أي : شكركم التكذيب . ويقول : رزقني أي شكرني .الرابعة والعشرون : قوله تعالى : ( ينفقون ) ينفقون : يخرجون . والإنفاق : إخراج المال من اليد ، ومنه نفق البيع : أي خرج من يد البائع إلى المشتري . ونفقت الدابة : خرجت روحها ، ومنه النافقاء لجحر اليربوع الذي يخرج منه إذا أخذ من جهة أخرى . ومنه المنافق ; لأنه يخرج من الإيمان أو يخرج الإيمان من قلبه . ونيفق السراويل معروفة وهو مخرج الرجل منها . ونفق الزاد : فني وأنفقه صاحبه . وأنفق القوم : فني زادهم ، ومنه قوله تعالى : إذا لأمسكتم خشية الإنفاق .الخامسة والعشرون : واختلف العلماء في المراد بالنفقة هاهنا ، فقيل : الزكاة المفروضة - روي عن ابن عباس - لمقارنتها الصلاة . وقيل : نفقة الرجل على أهله - روي عن ابن مسعود - لأن ذلك أفضل النفقة . روى مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك . وروي عن سلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله عز وجل ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله قال أبو قلابة : وبدأ بالعيال [ ثم ] قال أبو قلابة : وأي رجل أعظم أجرا من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم أو ينفعهم الله به ويغنيهم . وقيل : المراد صدقة التطوع - روي عن الضحاك نظرا إلى أن الزكاة لا تأتي إلا بلفظها المختص بها وهو الزكاة ، فإذا جاءت بلفظ غير الزكاة احتملت الفرض والتطوع ، فإذا جاءت بلفظ الإنفاق لم تكن إلا التطوع . قال الضحاك : كانت النفقة قربانا يتقربون بها إلى الله جل وعز على قدر جدتهم حتى نزلت فرائض الصدقات والناسخات في " براءة " . وقيل : إنه الحقوق الواجبة العارضة في الأموال ما عدا الزكاة ; لأن الله تعالى لما قرنه بالصلاة كان فرضا ، ولما عدل عن لفظها كان فرضا سواها . وقيل : هو عام وهو الصحيح ; لأنه خرج مخرج المدح في الإنفاق مما رزقوا ، وذلك لا يكون إلا من الحلال ، أي يؤتون ما ألزمهم الشرع من زكاة وغيرها مما يعن في بعض الأحوال مع ما ندبهم إليه . وقيل : الإيمان بالغيب حظ القلب . وإقام الصلاة حظ البدن . ومما رزقناهم ينفقون حظ المال ، وهذا ظاهر . وقال بعض المتقدمين في تأويل قوله تعالى : ومما رزقناهم ينفقون أي مما علمناهم يعلمون ، حكاه أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله جل ثناؤه: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ267- حدثنا محمد بن حُميد الرازي, قال: حدثنا سَلَمة بن الفضل, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " الذين يؤمنون "، قال: يصدِّقون.268- حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السَّهمي, قال: حدثنا أبو صالح, قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " يؤمنون ": يصدِّقون (56) .269- حدثني المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج, قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " يؤمنون ": يخشَوْنَ.270- حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني, قال: حدثنا محمد بن ثور، عن مَعْمَر, قال: قال الزهري: الإيمانُ العملُ (57) .271- حُدِّثْتُ عن عمّار بن الحسن قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن العلاء بن المسيَّب بن رافع, عن أبي إسحاق, عن أبي الأحوص، عن عبد الله, قال: الإيمان: التَّصْديق (58) .ومعنى الإيمان عند العرب: التصديق, فيُدْعَى المصدِّق بالشيء قولا مؤمنًا به, ويُدْعى المصدِّق قولَه بفِعْله، مؤمنًا. ومن ذلك قول الله جل ثناؤه: وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [سورة يوسف: 17]، يعني: وما أنت بمصدِّق لنا في قولنا. وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان، الذي هو تصديق القولِ بالعمل. والإيمان كلمة جامعةٌ للإقرارَ بالله وكتُبه ورسلِه, وتصديقَ الإقرار بالفعل. وإذْ كان ذلك كذلك, فالذي هو أولى بتأويل الآيةِ، وأشبه بصفة القوم: أن يكونوا موصوفين بالتصديق بالغَيْبِ قولا واعتقادًا وعملا إذ كان جلّ ثناؤه لم يحصُرْهم من معنى الإيمان على معنى دون معنى, بل أجمل وصْفهم به، من غير خُصوصِ شيء من معانيه أخرجَهُ من صفتهم بخبرٍ ولا عقلٍ.القول في تأويل قول الله جل ثناؤه: بِالْغَيْبِ272- حدثنا محمد بن حُميد الرازي, قال: حدثنا سَلَمة بن الفضل, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: " بالغيب "، قال: بما جاء منه, يعني: من الله جل ثناؤه.273- حدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرّة الهَمْداني , عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، " بالغيب ": أما الغيْبُ فما غابَ عن العباد من أمر الجنة وأمرِ النار, وما ذكر الله تبارك وتعالى في القرآن. لم يكن تصديقهُم بذلك -يعني المؤمنين من العرب- من قِبَل أصْل كتابٍ أو عِلْم كان عندَهم.274- حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي, قال: حدثنا أبو أحمد الزّبيري, قال: حدثنا سفيان، عن عاصم, عن زرٍّ, قال: الغيبُ القرآن (59) .275- حدثنا بشر بن مُعَاذ العَقَدي, قال: حدثنا يزيد بن زُرَيْع, عن سعيد بن أبي عَرُوبة, عن قتادة في قوله " الذين يُؤمنون بالغيب "، قال: آمنوا بالجنّة والنار، والبَعْث بعدَ الموت، وبيوم القيامة, وكلُّ هذا غيبٌ (60) .276- حُدِّثت عن عمّار بن الحسن, قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, &; 1-237 &; عن أبيه, عن الربيع بن أنس، " الذين يؤمنون بالغيب ": آمنوا بالله وملائكته ورُسُلِه واليومِ الآخِر، وجَنّته وناره ولقائه, وآمنوا بالحياة بعد الموت. فهذا كله غيبٌ (61) .وأصل الغيب: كُلّ ما غاب عنك من شيءٍ. وهو من قولك: غاب فُلان يغيبُ غيبًا.وقد اختلفَ أهلُ التأويل في أعيان القوم الذين أنزل الله جل ثناؤه هاتين الآيتين من أول هذه السورة فيهم, وفي نَعْتهم وصِفَتهم التي وَصفَهم بها، من إيمانهم بالغيب, وسائر المعاني التي حوتها الآيتان من صفاتهم غيرَه.فقال بعضُهم: هم مؤمنو العربِ خاصة, دون غيرهم من مؤمني أهل الكتاب.واستدَلُّوا على صحّة قولهم ذلك وحقيقة تأويلهم، بالآية التي تتلو هاتين الآيتين, وهو قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ . قالوا: فلم يكن للعرب كتابٌ قبل الكتاب الذي أنزله الله عزّ وجلّ على محمد صلى الله عليه وسلم، تدينُ بتصديقِه والإقرار والعملِ به. وإنما كان الكتابُ لأهل الكتابين غيرِها. قالوا: فلما قصّ الله عز وجل نبأ الذين يؤمنون بما أنزل إلى محمد وما أنزل من قبله -بعد اقتصاصه نبأ المؤمنين بالغيب- علمنا أن كلَّ صِنفٍ منهم غيرُ الصنف الآخر , وأن المؤمنين بالغيب نوعٌ غيرُ النوع المصدِّق بالكتابين اللذين أحدهما مُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم, والآخرُ منهما على مَنْ قَبْلَ رسول الله (62) .قالوا: وإذْ كان ذلك كذلك، صحَّ ما قلنا من أن تأويل قول الله تعالى: ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ )، إنما هم الذين يؤمنون بما غاب عنهم من الجنة والنار، والثَّواب والعقاب والبعث, والتصديقِ بالله ومَلائكته وكُتُبه ورسله، وجميع ما كانت العرب لا تدينُ به في جاهليِّتها, مما أوجب الله جل ثناؤه على عِبَاده الدَّيْنُونة به - دون غيرهم.* ذكر من قال ذلك:277- حدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حمّاد, قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرة الهمداني, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم: أما( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ )، فهم المؤمنون من العرب, وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ . أما الغيب فما غاب عن العباد من أمر الجنة والنار, وما ذكر الله في القرآن. لم يكن تصديقهم بذلك من قبل أصل كتاب أو علم كان عندهم.( و الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) هؤلاء المؤمنون من أهل الكتاب (63) .وقال بعضهم: بل نزلت هذه الآيات الأربع في مؤمني أهل الكتاب خاصة, لإيمانهم بالقرآن عند إخبار الله جل ثناؤه إياهم فيه عن الغيوب التي كانوا يخفونها بينهم ويسرونها, فعلموا عند إظهار الله جل ثناؤه نبيه صلى الله عليه و سلم على ذلك منهم في تنزيله، أنه من عند الله جل وعز, فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وصدقوا بالقرآن وما فيه من الإخبار عن الغيوب التي لا علم لهم بها، لما استقر عندهم - بالحجة التي احتج الله تبارك وتعالى بها عليهم في كتابه, من الإخبار فيه عما كانوا يكتمونه من ضمائرهم - أن جميع ذلك من عند الله.وقال بعضهم: بل الآيات الأربع من أول هذه السورة، أنزلت على محمد صلى الله عليه و سلم بوصف جميع المؤمنين الذين ذلك صفتهم من العرب والعجم، وأهل الكتابين وسواهم (64) . وإنما هذه صفة صنف من الناس, والمؤمن بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه و سلم، وما أنزل من قبله، هو المؤمن بالغيب.قالوا: وإنما وصفهم الله بالإيمان بما أنزل إلى محمد وبما أنزل إلى من قبله، بعد تقضي وصفه إياهم بالإيمان بالغيب، لأن وصفه إياهم بما وصفهم به من الإيمان بالغيب، كان معنيا به أنهم يؤمنون بالجنة والنار والبعث وسائر الأمور التي كلفهم الله جل ثناؤه الإيمان بها، مما لم يروه ولم يأت بعد مما هو آت, دون الإخبار عنهم أنهم يؤمنون بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الرسل ومن الكتب.قالوا: فلما كان معنى قوله تعالى ذكره: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ غير موجود في قوله ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) - كانت الحاجة من العباد إلى معرفة صفتهم بذلك ليعرفوهم، نظير حاجتهم إلى معرفتهم بالصفة التي وصفوا بها من إيمانهم بالغيب، ليعلموا ما يرضى الله من أفعال عباده ويحبه من صفاتهم, فيكونوا به -إن وفقهم له ربهم- [مؤمنين] (65) .* ذكر من قال ذلك:278- حدثني محمد بن عمرو بن العباس الباهلي, قال: حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد, قال: حدثنا عيسى بن ميمون المكي, قال: حدثنا عبد الله بن أبي نجيح, عن مجاهد, قال: أربع آيات من سورة البقرة في نعت المؤمنين، ص[ 1-240 ] وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين (66) .279- حدثنا سفيان بن وكيع, قال: حدثنا أبي، عن سفيان, عن رجل, عن مجاهد، بمثله (67) .280- حدثني المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا موسى بن مسعود, قال: حدثنا شِبْل, عن ابن أبي نَجيح, عن مجاهد، مثله (68) .281- حُدِّثت عن عمار بن الحسن قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه، عن الربيع بن أنس, قال: أربعُ آياتٍ من فاتحة هذه السورة -يعني سورة البقرة- في الذين آمنوا, وآيتان في قادة الأحزاب.وأولى القولين عندي بالصواب، وأشبههما بتأويل الكتاب, القولُ الأول, وهو: أنّ الذين وَصَفهم الله تعالى ذِكره بالإيمان بالغيب, وبما وصفهم به جَلَّ ثناؤه في الآيتين الأوَّلتَيْن (69) ، غير الذين وصفهم بالإيمان بالذي أنزِل على محمد والذي أنزل على مَنْ قبله من الرسل، لما ذكرت من العلل قبلُ لمن قال ذلك.ومما يدلّ أيضًا مع ذلك على صحّة هذا القول، أنه جنَّسَ - بعد وصف المؤمنين بالصِّفتين اللتين وَصَف, وبعد تصنيفه كلَّ صنف منهما على ما صنَّف الكفار - جنْسَيْن (70) فجعل أحدهما مطبوعًا على قلبه، مختومًا عليه، مأيوسًا من إيابه (71) والآخرَ منافقًا، يُرائي بإظهار الإيمان في الظاهر, ويستسرُّ النفاق في الباطن. فصيَّر الكفار جنسَيْن، كما صيَّر المؤمنين في أول السورة جِنْسين. ثم عرّف عباده نَعْتَ كلِّ صنف منهم وصِفَتَهم، وما أعدَّ لكلّ فريق منهم من ثواب أو عقاب, وَذمّ أهل الذَّم منهم، وشكرَ سَعْيَ أهل الطاعة منهم.القول في تأويل قوله جل ثناؤه: وَيُقِيمُونَوإقامتها: أداؤها -بحدودها وفروضها والواجب فيها- على ما فُرِضَتْ عليه. كما يقال: أقام القومُ سُوقَهم, إذا لم يُعَطِّلوها من البَيع والشراء فيها, وكما قال الشاعر:أَقَمْنَا لأَهْلِ الْعِرَاقَيْنِ سُوقَ الضِّرَاب فَخَامُوا وَوَلَّوْا جَمِيعَا (72)282- وكما حدثنا محمد بن حميد, قال: حدثنا سَلَمة بن الفضل, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جُبير, عن ابن عباس،" ويقيمون الصلاة "، قال: الذين يقيمون الصلاةَ بفرُوضها.283- حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عُمارة, عن أبي رَوْق, عن الضحاك, عن ابن عباس،" ويقيمون الصلاة " قال: إقامة ص[ 1-242 ] الصلاة تمامُ الرُّكوع والسُّجود، والتِّلاوةُ والخشوعُ، والإقبالُ عليها فيها (73) .القول في تأويل قوله جل ثناؤه: الصَّلاةَ284- حدثني يحيى بن أبي طالب, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا جُوَيْبر، عن الضحاك في قوله: " الذين يقيمون الصلاة ": يعني الصلاة المفروضة (74) .وأما الصلاةُ فإنها في كلام العرب الدُّعاءُ، كما قال الأعشى:لَهَا حَارِسٌ لا يَبْرَحُ الدَّهْرَ بَيْتَهَاوَإِنْ ذُبِحَتْ صَلَّى عَلَيْهَا وَزَمْزَمَا (75)يعني بذلك: دعا لها, وكقول الأعشى أيضًا (76) .وَقَابَلَهَا الرِّيحَ فِي دَنِّهَاوصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمْ (77)وأرى أن الصلاة المفروضة سُمِّيت " صلاة "، لأنّ المصلِّي متعرِّض لاستنجاح طَلِبتَه من ثواب الله بعمله، مع ما يسأل رَبَّه من حاجاته، تعرُّضَ الداعي بدعائه ربَّه استنجاحَ حاجاته وسؤلَهُ.القول في تأويل قوله جل ثناؤه: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)اختلف المفسرون في تأويل ذلك, فقال بعضهم بما:-285- حدثنا به ابن حُميد, قال: حدثنا سَلَمة, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس، " ومما رزقناهم ينفقون "، قال: يؤتون الزكاة احتسابًا بها.286- حدثني المثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالح, عن معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس، " ومما رزقناهم ينفقون "، قال: زكاةَ أموالهم (78) .287- حدثني يحيى بن أبي طالب, قال: حدثنا يزيد, قال: أخبرنا جُوَيْبر، عن الضحاك، " ومما رزقناهم يُنفقون "، قال: كانت النفقات قُرُبات يتقرَّبون بها إلى الله على قدر ميسورهم وجُهْدهم, حتى نَزَلت فرائضُ الصدقات: سبعُ آيات في سورة براءَة, مما يذكر فيهنّ الصدقات, هنّ المُثْبَتات الناسخات (79) .وقال بعضهم بما:-288- حدثني موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّي في خبر ذَكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة الهَمْداني, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب ص[ 1-244 ] النبي صلى الله عليه وسلم، " ومما رَزقناهم ينفقون ": هي َنفقَةُ الرّجل على أهله. وهذا قبل أن تنزِل الزكاة (80) .وأوْلى التأويلات بالآية وأحقُّها بصفة القوم: أن يكونوا كانوا لجميع اللازم لهم في أموالهم, مُؤدِّين، زكاةً كان ذلك أو نفَقةَ مَنْ لزمتْه نفقتُه، من أهل وعيال وغيرهم, ممن تجب عليهم نَفَقتُه بالقرابة والمِلك وغير ذلك. لأن الله جل ثناؤه عَمّ وصفهم إذْ وصَفهم بالإنفاق مما رزقهم, فمدحهم بذلك من صفتهم. فكان معلومًا أنه إذ لم يخصُصْ مدْحَهم ووصفَهم بنوع من النفقات المحمود عليها صاحبُها دونَ نوعٍ بخبر ولا غيره - أنهم موصوفون بجميع معاني النفقات المحمودِ عليها صاحبُها من طيِّب ما رزقهم رَبُّهم من أموالهم وأملاكهم, وذلك الحلالُ منه الذي لم يَشُبْهُ حرامٌ.---------------الهوامش :(56) الأثر 267- سيأتي باقيه بهذا الإسناد : 272 . ونقلهما ابن كثير 1 : 73 مفرقين . ونقل 268 مع أولهما . ونقل السيوطي 1 : 25 الثلاثة مجتمعة .(57) الأثران 269 - 270 : ذكرهما ابن كثير 1 : 73(58) الخبر 271- عبد الله : هو ابن مسعود . وقد نقل ابن كثير هذا الخبر وحده 1 : 73 ، ثم نقل الخبر الآتي 273 وحده . وفصل إسناد كل واحد منهما . أما السيوطي 1 : 25 فقد جمع اللفظين دون بيان ، وأدخل معهما لفظ الخبر 277! وهو تصرف غير سديد ، لاختلاف الإسنادين أولا ، ولأن 273 ، 277 ليسا عن ابن مسعود وحده ، كما ترى .(59) الأثر 274- سفيان : هو الثوري ، عاصم : هو ابن أبي النجود -بفتح النون- القارئ . زر ، بكسر الزاي وتشديد الراء : هو ابن حبيش ، بضم الحاء . وهو تابعي كبير إمام . وهذا الأثر عند ابن كثير 1 : 73 - 74 .(60) الأثر 275- ذكره ابن كثير والسيوطي أيضًا .(61) الأثر 276- ذكره ابن كثير 1 : 73 هكذا : "قال أبو جعفر الرازي عن الربيع ابن أنس عن أبي العالية . . . " . وذكره السيوطي 1 : 25 هكذا : "وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية . . " . فأخشى أن يكون ذكر"عن أبي العالية" سقط من الإسناد من نسخ الطبري ، لثبوته عند هذين الناقلين عنه .(62) في المخطوطة : "والآخر منهما على من قبله رسول الله" ، والظاهر أن صوابها : "على من قبل رسول الله" ، كما أثبتناها . وأما المطبوعة ففيها : "على من قبله من رسل الله تعالى ذكره" .(63) الخبر 277- سبق أوله بهذا الإسناد : 273 . ولم يذكره ابن كثير بهذا اللفظ المطول . وقد مضى في شرح 271 أن السيوطي جمع الألفاظ الثلاثة : 271 ، 273 ، 277 في سياقة واحدة!(64) في المطبوعة والمخطوطة"وأهل الكتابين سواهم" ، والصواب أن يقال"وسواهم" . فقد ذكر الطبري ثلاثة أقوال : أما الأول : فهو أن المعنى به العرب خاصة ، والثاني : أن المعنى به أهل الكتاب خاصة ، فيكون الثالث : أن يعني به الصنفين جميعا وسواهم من الناس .(65) هذه الزيادة بين القوسين واجبة لتمام المعنى . وليست في المطبوعة ولا المخطوطة .(66) الأثر 278- أبو عاصم : هو النبيل ، الحافظ الكبير . عيسى بن ميمون المكي : هو المعروف بابن داية ، قال ابن عيينة : "كان قارئًا للقرآن . قرأ على ابن كثير" . وثقه أبو حاتم وغيره .(67) الأثر 279- هذا إسناد ضعيف ، بضعف سفيان بن وكيع ، ولإبهام الرجل الذي روى عنه سفيان الثوري . ولكن الأثر موصول بالإسنادين اللذين قبله وبعده .(68) الأثر 280- موسى بن مسعود : هو أبو حذيفة النهدي ، وهو ثقة ، روى عنه البخاري في صحيحه ، ووثقه ابن سعد والعجلي . وترجمه البخاري في الكبير 4/1/ 295 . شبل : هو ابن عباد المكي القارئ ، وهو ثقة ، وثقه أحمد وابن معين وغيرهما .وهذا الأثر ، بأسانيده الثلاثة ، ذكره ابن كثير 1 : 80 دون تفصيلها ، قال : "والظاهر قول مجاهد - فيما رواه الثوري عن رجل عن مجاهد ، ورواه غير واحد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، أنه قال . . . " .(69) الأولة : الأولى ، وليست خطأ .(70) سياقه : "جنَّس . . . جنسين" ، وما بينهما فصل ، وجنس الشيء : جعله أجناسًا ، كصنفه أصنافًا .(71) في المطبوعة : "إيمانه" ، وهي صحيحة المعنى أيضًا . والإياب : الرجوع إلى الله بالتوبة والطاعة . ومنه قوله تعالى : وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (72) في المطبوعة"فحاسوا" ، وفي المخطوطة"مجآمرا" . وخام في الحرب عن قرنه بخيم خيمًا : جبن ونكص وانكسر . ولم أعرف قائل البيت .(73) الخبران 282 ، 283- في تفسير ابن كثير 1 : 77 ، والدر المنثور 1 : 27 ، والشوكاني 1 : 25 .(74) الأثر 284- إسناده ضعيف جدًّا . يحيى بن أبي طالب جعفر بن الزبرقان : قال الذهبي : "محدث مشهور . . . وثقه الدارقطني وغيره . . . والدارقطني من أخبر الناس به" . مات سنة 275 عن 95 سنة . يزيد : هو ابن هارون ، أحد الحفاظ الأعلام المشاهير ، من شيوخ الأئمة أحمد وابن معين وابن راهويه وابن المديني . جويبر - بالتصغير : هو ابن سعيد الأزدي البلخي ، ضعيف جدًّا ، ضعفه يحيى القطان ، فيما روى عنه البخاري في الكبير 1/2/ 256 ، والصغير : 176 ، وقال النسائي في الضعفاء : 8"متروك الحديث" ، وفي التهذيب 2 : 124"قال أبو قدامة السرخسي : قال يحيى القطان : تساهلوا في أخذ التفسير عن قوم لا يوثقونهم في الحديث . ثم ذكر الضحاك وجويبرًا ومحمد بن السائب . وقال : هؤلاء لا يحتمل حديثهم ، ويكتب التفسير عنهم" .(75) ديوانه : 200 ، يذكر الخمر في دنها . وزمزم العلج من الفرس : إذا تكلف الكلام عند الأكل وهو مطبق فمه بصوت خفي لا يكاد يفهم . وفعلهم ذلك هو الزمزمة . "ذبحت" أي بزلت وأزيل ختمها . وعندئذ يدعو مخافة أن تكون فاسدة ، فيخسر .(76) في المطبوعة والمخطوطة : "وكقول الآخر أيضًا" ، والصواب أنه الأعشى ، وسبق قلم الناسخ .(77) ديوان الأعشى : 29 . وقوله"وقابلها الريح" أي جعلها قبالة مهب الريح ، وذلك عند بزلها وإزالة ختمها . ويروى : "فأقبلها الريح" وهو مثله . وارتسم الرجل : كبر ودعا وتعوذ ، مخافة أن يجدها قد فسدت ، فتبور تجارته .(78) الخبر 286- في المخطوطة"ابن المثنى" ، وهو خطأ . والخبر ذكره ابن كثير 1 : 77 .(79) الأثر 287- ذكره ابن كثير 1 : 77 ، والسيوطي 1 : 27 ، والشوكاني 1 : 25 . وقوله"المثبتات" : بفتح الباء ، أي التي أثبت حكمها ولم ينسخ ، ويجوز كسرها ، بمعنى أنها أثبتت الفريضة بعد نسخها ما سبقها في النزول . وبدلها عند السيوطي والشوكاني"الناسخات المبينات" . وليس بشيء(80) الخبر 288- نقله ابن كثير أيضًا . ونقله السيوطي مختصرًا ، وجعله من كلام ابن مسعود وحده . وقلده الشوكاني دون بحث .
وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ  ٤
التفسير الميسروالذين يُصَدِّقون بما أُنزل إليك أيها الرسول من القرآن، وبما أنزل إليك من الحكمة، وهي السنة، وبكل ما أُنزل مِن قبلك على الرسل من كتب، كالتوراة والإنجيل وغيرهما، ويُصَدِّقون بدار الحياة بعد الموت وما فيها من الحساب والجزاء، تصديقا بقلوبهم يظهر على ألسنتهم وجوارحهم وخص يوم الآخرة؛ لأن الإيمان به من أعظم البواعث على فعل الطاعات، واجتناب المحرمات، ومحاسبة النفس.
تفسير السعديثم قال: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وهو القرآن والسنة، قال تعالى: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ فالمتقون يؤمنون بجميع ما جاء به الرسول, ولا يفرقون بين بعض ما أنزل إليه, فيؤمنون ببعضه, ولا يؤمنون ببعضه, إما بجحده أو تأويله, على غير مراد الله ورسوله, كما يفعل ذلك من يفعله من المبتدعة, الذين يؤولون النصوص الدالة على خلاف قولهم, بما حاصله عدم التصديق بمعناها, وإن صدقوا بلفظها, فلم يؤمنوا بها إيمانا حقيقيا. وقوله: وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يشمل الإيمان بالكتب السابقة، ويتضمن الإيمان بالكتب الإيمان بالرسل وبما اشتملت عليه, خصوصا التوراة والإنجيل والزبور، وهذه خاصية المؤمنين يؤمنون بجميع الكتب السماوية وبجميع الرسل فلا يفرقون بين أحد منهم. ثم قال: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ و " الآخرة " اسم لما يكون بعد الموت، وخصه [بالذكر] بعد العموم, لأن الإيمان باليوم الآخر, أحد أركان الإيمان؛ ولأنه أعظم باعث على الرغبة والرهبة والعمل، و " اليقين " هو العلم التام الذي ليس فيه أدنى شك, الموجب للعمل.
تفسير ابن كثيرقال ابن عباس : ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) أي : يصدقون بما جئت به من الله ، وما جاء به من قبلك من المرسلين ، لا يفرقون بينهم ، ولا يجحدون ما جاءوهم به من ربهم وبالآخرة هم يوقنون ) أي : بالبعث والقيامة ، والجنة ، والنار ، والحساب ، والميزان .وإنما سميت الآخرة لأنها بعد الدنيا ، وقد اختلف المفسرون في الموصوفين هاهنا : هل هم الموصوفون بما تقدم من قوله تعالى : ( الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ) [ البقرة : 3 ] ومن هم ؟ على ثلاثة أقوال حكاها ابن جرير :أحدهما : أن الموصوفين أولا هم الموصوفون ثانيا ، وهم كل مؤمن ، مؤمنو العرب ومؤمنو أهل الكتاب وغيرهم ، قاله مجاهد ، وأبو العالية ، والربيع بن أنس ، وقتادة .والثاني : هما واحد ، وهم مؤمنو أهل الكتاب ، وعلى هذين تكون الواو عاطفة صفات على صفات ، كما قال تعالى : ( سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى ) [ الأعلى : 1 - 5 ] وكما قال الشاعر :إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحمفعطف الصفات بعضها على بعض ، والموصوف واحد .والثالث : أن الموصوفين أولا مؤمنو العرب ، والموصوفون ثانيا بقوله : ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) الآية مؤمنو أهل الكتاب ، نقله السدي في تفسيره ، عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من الصحابة ، واختاره ابن جرير ، ويستشهد لما قال بقوله تعالى : ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله ) الآية [ آل عمران : 199 ] ، وبقوله تعالى : ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون ) [ القصص : 52 - 54 ] . وثبت في الصحيحين ، من حديث الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي ، ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه ، ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها .وأما ابن جرير فما استشهد على صحة ما قال إلا بمناسبة ، وهي أن الله وصف في أول هذه السورة المؤمنين والكافرين ، فكما أنه صنف الكافرين إلى صنفين : منافق وكافر ، فكذلك المؤمنون صنفهم إلى عربي وكتابي .قلت : والظاهر قول مجاهد فيما رواه الثوري ، عن رجل ، عن مجاهد . ورواه غير واحد ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد أنه قال : أربع آيات من أول سورة البقرة في نعت المؤمنين ، وآيتان في نعت الكافرين ، وثلاث عشرة في المنافقين ، فهذه الآيات الأربع عامة في كل مؤمن اتصف بها من عربي وعجمي ، وكتابي من إنسي وجني ، وليس تصح واحدة من هذه الصفات بدون الأخرى ، بل كل واحدة مستلزمة للأخرى وشرط معها ، فلا يصح الإيمان بالغيب وإقام الصلاة والزكاة إلا مع الإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما جاء به من قبله من الرسل والإيقان بالآخرة ، كما أن هذا لا يصح إلا بذاك ، وقد أمر الله تعالى المؤمنين بذلك ، كما قال : ( ياأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ) الآية [ النساء : 136 ] . وقال : ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ) الآية [ العنكبوت : 46 ] . وقال تعالى : ( ياأيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم ) [ النساء : 47 ] وقال تعالى : ( قل ياأهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم ) [ المائدة : 68 ] وأخبر تعالى عن المؤمنين كلهم بذلك ، فقال تعالى : ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ) الآية [ البقرة : 285 ] وقال : ( والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم ) [ النساء : 152 ] وغير ذلك من الآيات الدالة على أمر جميع المؤمنين بالإيمان بالله ورسله وكتبه . لكن لمؤمني أهل الكتاب خصوصية ، وذلك أنهم مؤمنون بما بأيديهم مفصلا فإذا دخلوا في الإسلام وآمنوا به مفصلا كان لهم على ذلك الأجر مرتين ، وأما غيرهم فإنما يحصل له الإيمان ، بما تقدم مجملا كما جاء في الصحيح :إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ، ولكن قولوا : آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم ولكن قد يكون إيمان كثير من العرب بالإسلام الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم أتم وأكمل وأعم وأشمل من إيمان من دخل منهم في الإسلام ، فهم وإن حصل لهم أجران من تلك الحيثية ، فغيرهم [ قد ] يحصل له من التصديق ما ينيف ثوابه على الأجرين اللذين حصلا لهم ، والله أعلم .
تفسير القرطبيقوله تعالى : والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنونقيل : المراد مؤمنو أهل الكتاب ، كعبد الله بن سلام وفيه نزلت ، ونزلت الأولى في مؤمني العرب . وقيل : الآيتان جميعا في المؤمنين ، وعليه فإعراب ( الذين ) خفض على العطف ، ويصح أن يكون رفعا على الاستئناف أي وهم الذين . ومن جعلها في صنفين فإعراب ( الذين ) رفع بالابتداء ، وخبره أولئك على هدى ويحتمل الخفض عطفا .قوله تعالى : بما أنزل إليك يعني القرآنوما أنزل من قبلك يعني الكتب السالفة ، بخلاف ما فعله اليهود والنصارى حسب ما أخبر الله عنهم في قوله : وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا الآية . ويقال : لما نزلت هذه الآية : الذين يؤمنون بالغيب قالت اليهود والنصارى : نحن آمنا بالغيب ، فلما قال : ويقيمون الصلاة قالوا : نحن نقيم الصلاة ، فلما قال ومما رزقناهم ينفقون قالوا : نحن ننفق ونتصدق ، فلما قال : والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك نفروا من ذلك . وفي حديث أبي ذر قال قلت : يا رسول الله كم كتابا أنزل الله ؟ قال : مائة كتاب وأربعة كتب أنزل الله على شيث خمسين صحيفة وعلى أخنوع ثلاثين صحيفة وعلى إبراهيم عشر صحائف وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان . الحديث أخرجه الحسين الآجري وأبو حاتم البستي .وهنا مسألة : إن قال قائل : كيف يمكن الإيمان بجميعها مع تنافي أحكامها ؟ قيل له فيه جوابان : أحدهما - أن الإيمان بأن جميعها نزل من عند الله ، وهو قول من أسقط التعبد بما تقدم من الشرائع . الثاني - أن الإيمان بما لم ينسخ منها ، وهذا قول من أوجب التزام الشرائع المتقدمة ، على ما يأتي إن شاء الله تعالى .قوله تعالى : وبالآخرة هم يوقنون أي وبالبعث والنشر هم عالمون . واليقين : العلم دون الشك ، يقال منه : يقنت الأمر ( بالكسر ) يقنا ، وأيقنت واستيقنت وتيقنت كله بمعنى ، وأنا على يقين منه . وإنما صارت الياء واوا في قولك : موقن ، للضمة قبلها ، وإذا صغرته رددته إلى الأصل فقلت : مييقن والتصغير يرد الأشياء إلى أصولها وكذلك الجمع . وربما عبروا باليقين عن الظن ، ومنه قول علمائنا في اليمين اللغو : هو أن يحلف بالله على أمر يوقنه ثم يتبين له أنه خلاف ذلك فلا شيء عليه ، قال الشاعر :تحسب هواس وأيقن أنني بها مفتد من واحد لا أغامرهيقول : تشمم الأسد ناقتي ، يظن أنني مفتد بها منه ، وأستحمي نفسي فأتركها له ولا أقتحم المهالك بمقاتلته فأما الظن بمعنى اليقين فورد في التنزيل وهو في الشعر كثير ، وسيأتي . والآخرة مشتقة من التأخر لتأخرها عنا وتأخرنا عنها ، كما أن الدنيا مشتقة من الدنو ، على ما يأتي .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله جل ثناؤه: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَقد مضى البيان عن المنعوتين بهذا النعت, وأي أجناس الناس هم (81) . غير أنَّا نذكر ما رُوي في ذلك عمن روي عنه في تأويله قولٌ:289- فحدثنا ابن حُميد, قال: حدثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس، " والذين يؤمنون بما أنزِل إليك وما أنزل من قبلك ": أي يصدِّقونك ص[ 1-245 ] بما جئت به من الله جلّ وعز وما جاء به مَنْ قبلك من المرسلين, لا يفرِّقون بينهم، ولا يجْحَدون ما جاءوهم به من عند ربهم (82) .290- حدثنا موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة الهَمْداني, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم،" والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ": هؤلاء المؤمنون من أهل الكتاب (83) .القول في تأويل قوله جل ثناؤه: وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)قال أبو جعفر: أما الآخرةُ فإنها صفة للدار, كما قال جل ثناؤه وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [سورة العنكبوت: 64]. وإنما وصفت بذلك لمصيرها آخِرةً لأولى كانت قبلها، كما تقول للرجل: " أنعمتُ عليك مرَّة بعد أخرى، فلم تشكر لي الأولى ولا الآخرة "، وإنما صارت آخرة للأولى, لتقدُّم الأولى أمامها. فكذلك الدارُ الآخرة، سُمِّيت آخرةً لتقدُّم الدار الأولى أمامها, فصارت التاليةُ لها آخرةً. وقد يجوز أن تكون سُمِّيت آخرةً لتأخُّرها عن الخلق, كما سميت الدنيا " دنيا " لِدُنُوِّها من الخلق.وأما الذي وصف الله جل ثناؤه به المؤمنين - بما أنزل إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل إلى من قبله من المرسلين - من إيقانهم به من أمر الآخرة, فهو إيقانهم بما كان المشركون به جاحدين: من البعث والنشور والثواب والعقاب والحساب والميزان, وغير ذلك مما أعد الله لخلقه يوم القيامة. كما:-291- حدثنا به محمد بن حميد, قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس، ( وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ): أي بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان, أي، لا هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما كان قبلك، ويكفرون بما جاءك من ربك (84) .وهذا التأويل من ابن عباس قد صرح عن أن السورة من أولها - وإن كانت الآيات التي في أولها من نعت المؤمنين - تعريض من الله عز وجل بذم كفار أهل الكتاب، الذين زعموا أنهم - بما جاءت به رسل الله عز وجل الذين كانوا قبل محمد صلوات الله عليهم وعليه - مصدقون، وهم بمحمد صلى الله عليه مكذبون, ولما جاء به من التنزيل جاحدون, ويدعون مع جحودهم ذلك أنهم مهتدون، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى. فأكذب الله جل ثناؤه ذلك من قيلهم بقوله: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ . وأخبر جل ثناؤه عباده: أن هذا الكتاب هدى لأهل الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، المصدقين بما أنزل إليه وإلى من قبله من رسله من البينات والهدى - خاصة, دون من كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به, وادعى أنه مصدق بمن قبل محمد عليه الصلاة والسلام من الرسل وبما جاء به من الكتب. ثم أكد جل ثناؤه أمر المؤمنين من العرب ومن أهل الكتاب المصدقين بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما أنزل إليه وإلى من قبله من الرسل - بقوله: أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فأخبر أنهم هم أهل الهدى والفلاح خاصة دون غيرهم, وأن غيرهم هم أهل الضلال والخسار.---------------الهوامش :(81) انظر 237 - 241 .(82) الخبر 289- ذكره ابن كثير 1 : 79 مع باقيه الآتي : 291 . وذكره السيوطي 1 : 27 ، والشوكاني 1 : 25 بزيادة أخرى على الروايتين ، منسوبًا لابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم .(83) الخبر 290- وهذا ذكره ابن كثير أيضًا ، لكن بالإشارة إليه دون سياقة لفظه . وقلده الشوكاني .وعلى الأصل المخطوط بعد هذا ما نصهسمع أحمد ومحمد والحسن ، بنو عبد الله بن أحمد الفرغاني جميعه .سمع محمد بن محمد الطرسوسي والحسن بنو محمد بن عبدان ، والحسن بن إبراهيم الحناس جميعه . والحمد لله كثيرًا .(84) الخبر 291- هو تتمة الخبر السابق 289 وقد أشرنا إليه هناك .
أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ  ٥
التفسير الميسرأصحاب هذه الصفات يسيرون على نور من ربهم وبتوفيق مِن خالقهم وهاديهم، وهم الفائزون الذين أدركوا ما طلبوا، ونَجَوا من شرِّ ما منه هربوا.
تفسير السعدي أُولَئِكَ أي: الموصوفون بتلك الصفات الحميدة عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ أي: على هدى عظيم, لأن التنكير للتعظيم، وأي هداية أعظم من تلك الصفات المذكورة المتضمنة للعقيدة الصحيحة والأعمال المستقيمة، وهل الهداية [الحقيقية] إلا هدايتهم، وما سواها [مما خالفها]، فهو ضلالة. وأتى ب " على " في هذا الموضع, الدالة على الاستعلاء, وفي الضلالة يأتي ب " في " كما في قوله: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ لأن صاحب الهدى مستعل بالهدى, مرتفع به, وصاحب الضلال منغمس فيه محتقر. ثم قال: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ والفلاح [هو] الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، حصر الفلاح فيهم؛ لأنه لا سبيل إلى الفلاح إلا بسلوك سبيلهم, وما عدا تلك السبيل, فهي سبل الشقاء والهلاك والخسار التي تفضي بسالكها إلى الهلاك.
تفسير ابن كثيريقول الله تعالى : ( أولئك ) أي : المتصفون بما تقدم : من الإيمان بالغيب ، وإقام الصلاة ، والإنفاق من الذي رزقهم الله ، والإيمان بما أنزل الله إلى الرسول ومن قبله من الرسل ، والإيقان بالدار الآخرة ، وهو يستلزم الاستعداد لها من العمل بالصالحات وترك المحرمات .( على هدى ) أي : نور وبيان وبصيرة من الله تعالى . ( وأولئك هم المفلحون ) أي : في الدنيا والآخرة .وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( أولئك على هدى من ربهم ) أي : على نور من ربهم ، واستقامة على ما جاءهم ، ( وأولئك هم المفلحون ) أي : الذين أدركوا ما طلبوا ، ونجوا من شر ما منه هربوا .وقال ابن جرير : وأما معنى قوله : ( أولئك على هدى من ربهم ) فإن معنى ذلك : أنهم على نور من ربهم ، وبرهان واستقامة وسداد ، بتسديد الله إياهم ، وتوفيقه لهم وتأويل قوله : ( وأولئك هم المفلحون ) أي المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله ، من الفوز بالثواب ، والخلود في الجنات ، والنجاة مما أعد الله لأعدائه من العقاب .وقد حكى ابن جرير قولا عن بعضهم أنه أعاد اسم الإشارة في قوله تعالى : ( أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ) إلى مؤمني أهل الكتاب الموصوفين بقوله تعالى : ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك ) الآية ، على ما تقدم من الخلاف . [ قال ] وعلى هذا فيجوز أن يكون قوله تعالى : ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك ) منقطعا مما قبله ، وأن يكون مرفوعا على الابتداء وخبره ( [ أولئك على هدى من ربهم و ] أولئك هم المفلحون ) واختار أنه عائد إلى جميع من تقدم ذكره من مؤمني العرب وأهل الكتاب ، لما رواه السدي عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود ، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما الذين يؤمنون بالغيب ، فهم المؤمنون من العرب ، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك هم المؤمنون من أهل الكتاب . ثم جمع الفريقين فقال : ( أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ) وقد تقدم من الترجيح أن ذلك صفة للمؤمنين عامة ، والإشارة عائدة عليهم ، والله أعلم . وقد نقل هذا عن مجاهد ، وأبي العالية ، والربيع بن أنس ، وقتادة ، رحمهم الله .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري ، حدثنا أبي ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثني عبيد الله بن المغيرة عن أبي الهيثم واسمه سليمان بن عبد ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وقيل له : يا رسول الله ، إنا نقرأ من القرآن فنرجو ، ونقرأ من القرآن فنكاد أن نيأس ، أو كما قال . قال : فقال : أفلا أخبركم عن أهل الجنة وأهل النار ؟ . قالوا : بلى يا رسول الله . قال : ( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ) إلى قوله تعالى : ( المفلحون ) هؤلاء أهل الجنة . قالوا : إنا نرجو أن نكون هؤلاء . ثم قال : ( إن الذين كفروا سواء عليهم ) إلى قوله : ( عظيم ) هؤلاء أهل النار . قالوا : لسنا هم يا رسول الله . قال : أجل .
تفسير القرطبيقوله تعالى : أولئك على هدى من ربهم و أولئك هم المفلحونقال النحاس : أهل نجد يقولون : ألاك ، وبعضهم يقول : ألالك ، الكاف للخطاب . قال الكسائي : من قال أولئك فواحده ذلك ، ومن قال ألاك فواحده ذاك ، وألالك مثل أولئك ، وأنشد ابن السكيت :ألالك قومي لم يكونوا أشابة وهل يعظ الضليل إلا ألالكاوربما قالوا : أولئك في غير العقلاء ، قال الشاعر :ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأياموقال تعالى : إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا وقال علماؤنا : إن في قوله تعالى : ( من ربهم ) ردا على القدرية في قولهم : يخلقون إيمانهم وهداهم ، تعالى الله عن قولهم ، ولو كان كما قالوا لقال : - من أنفسهم - ، وقد تقدم الكلام فيه وفي الهدى فلا معنى لإعادة ذلك .وأولئك هم المفلحون : ( هم ) يجوز أن يكون مبتدأ ثانيا وخبره المفلحون ، والثاني وخبره خبر الأول ، ويجوز أن تكون ( هم ) زائدة - يسميها البصريون فاصلة والكوفيون عمادا - و ( المفلحون ) خبر ( أولئك ) .والفلح أصله في اللغة الشق والقطع ، قال الشاعر :إن الحديد بالحديد يفلحأي يشق ، ومنه فلاحة الأرضين إنما هو شقها للحرث ، قاله أبو عبيد ولذلك سمي الأكار فلاحا . ويقال للذي شقت شفته السفلى أفلح ، وهو بين الفلحة ، فكأن المفلح قد قطع المصاعب حتى نال مطلوبه . وقد يستعمل في الفوز والبقاء ، وهو أصله أيضا في اللغة ، ومنه قول الرجل لامرأته : استفلحي بأمرك ، معناه فوزي بأمرك ، وقال الشاعر :لو كان حي مدرك الفلاح أدركه ملاعب الرماحوقال الأضبط بن قريع السعدي في الجاهلية الجهلاء :لكل هم من الهموم سعه والمسي والصبح لا فلاح معهيقول : ليس مع كر الليل والنهار بقاء . وقال آخر :نحل بلادا كلها حل قبلنا ونرجو الفلاح بعد عاد وحميرأي البقاء : وقال عبيد :أفلح بما شئت فقد يدرك بالض عف وقد يخدع الأريبأي ابق بما شئت من كيس وحمق فقد يرزق الأحمق ويحرم العاقل . فمعنى وأولئك هم المفلحون : أي الفائزون بالجنة والباقون فيها . وقال ابن أبي إسحاق : المفلحون هم الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا ، والمعنى واحد . وقد استعمل الفلاح في السحور ، ومنه الحديث : حتى كاد يفوتنا الفلاح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . قلت : وما الفلاح ؟ قال : السحور . أخرجه أبو داود . فكأن معنى الحديث أن السحور به بقاء الصوم فلهذا سماه فلاحا . والفلاح ( بتشديد اللام ) : المكاري في قول القائل :لها رطل تكيل الزيت فيه وفلاح يسوق لها حماراثم الفلاح في العرف : الظفر بالمطلوب ، والنجاة من المرهوب .مسألة : إن قال كيف قرأ حمزة : عليهم وإليهم ولديهم ، ولم يقرأ من ربهم ولا فيهم ولا جنتيهم ؟ فالجواب أن عليهم وإليهم ولديهم الياء فيه منقلبة من ألف ، والأصل علاهم ولداهم وإلاهم فأقرت الهاء على ضمتها ، وليس ذلك في فيهم ولا من ربهم ولا جنتيهم ، ووافقه الكسائي في عليهم الذلة و إليهم اثنين على ما هو معروف من القراءة عنهما .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله جل ثناؤه: أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْاختلف أهل التأويل فيمن عنى الله جل ثناؤه بقوله: " أولئك على هدى من ربهم ": فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الصفتين المتقدمتين, أعني: المؤمنين بالغيب من العرب، والمؤمنين بما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم وإلى من قبله من الرسل. وإياهم جميعا وصف بأنهم على هدى منه، وأنهم هم المفلحون.* ذكر من قال ذلك من أهل التأويل:292- حدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أما الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ , فهم المؤمنون من العرب, وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ، المؤمنون من أهل الكتاب. ثم جمع الفريقين فقال: " أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون " (85) .وقال بعضهم: بل عنى بذلك المتقين الذين يؤمنون بالغيب، وهم الذين يؤمنون ص[ 1-248 ] بما أنزل إلى محمد, وبما أنزل إلى من قبله من الرسل.وقال آخرون: بل عنى بذلك الذين يؤمنون بما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم, وبما أنزل إلى من قبله, وهم مؤمنو أهل الكتاب الذين صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به, وكانوا مؤمنين من قبل بسائر الأنبياء والكتب.وعلى هذا التأويل الآخر يحتمل أن يكون وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ في محل خفض, ومحل رفع.فأما الرفع فيه فإنه يأتيها من وجهين: أحدهما: من قبل العطف على ما في يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ من ذكر الَّذِينَ ، والثاني: أن يكون خبر مبتدأ, أو يكون " أولئك على هدى من ربهم "، مرافعها.وأما الخفض فعلى العطف على " المتقين "، وإذا كانت معطوفة على الَّذِينَ اتجه لها وجهان من المعنى: أحدهما: أن تكون هي و الَّذِينَ الأولى، من صفة المتقين. وذلك على تأويل من رأى أن الآيات الأربع بعد الم ، نزلت في صنف واحد من أصناف المؤمنين. والوجه الثاني: أن تكون " الَّذِينَ" الثانية معطوفة في الإعراب على " المتقين " بمعنى الخفض, وهم في المعنى صنف غير الصنف الأول. وذلك على مذهب من رأى أن الذين نزلت فيهم الآيتان الأولتان من المؤمنين بعد قوله الم ، غير الذين نزلت فيهم الآيتان الآخرتان اللتان تليان الأولتين.وقد يحتمل أن تكون " الَّذِينَ" الثانية مرفوعة في هذا الوجه بمعنى الائتناف (86) ، إذ كانت مبتدأ بها بعد تمام آية وانقضاء قصة. وقد يجوز الرفع فيها أيضا بنية الائتناف، إذ كانت في مبتدأ آية، وإن كانت من صفة المتقين.فالرفع إذا يصح فيها من أربعة أوجه, والخفض من وجهين.وأولى التأويلات عندي بقوله ( أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ) ما ذكرت من قول ابن مسعود وابن عباس, وأن تكون " أولئك " إشارة إلى الفريقين, أعني: المتقين، والذين يؤمنون بما أنزل إليك, وتكون " أولئك " مرفوعة بالعائد من ذكرهم في قوله " على هدى من ربهم "؛ وأن تكون " الذين " الثانية معطوفة على ما قبل من الكلام، على ما قد بيناه.وإنما رأينا أن ذلك أولى التأويلات بالآية, لأن الله جل ثناؤه نعت الفريقين بنعتهم المحمود، ثم أثنى عليهم. فلم يكن عز وجل ليخص أحد الفريقين بالثناء، مع تساويهما فيما استحقا به الثناء من الصفات. كما غير جائز في عدله أن يتساويا فيما يستحقان به الجزاء من الأعمال، فيخص أحدهما بالجزاء دون الآخر، ويحرم الآخر جزاء عمله. فكذلك سبيل الثناء بالأعمال، لأن الثناء أحد أقسام الجزاء.وأما معنى قوله ( أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ) فإن معنى ذلك: أنهم على نور من ربهم وبرهان واستقامة وسداد، بتسديد الله إياهم، وتوفيقه لهم. كما:-293- حدثني ابن حميد, قال: حدثنا سلمة بن الفضل, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس،" أولئك على هدى من ربهم ": أي على نور من ربهم, واستقامة على ما جاءهم (87) .القول في تأويل قوله جل ثناؤه: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)وتأويل قوله: " وأولئك هم المفلحون " أي أولئك هم المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله تعالى ذكره بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله, من الفوز بالثواب, والخلود في الجنان, والنجاة مما أعد الله تبارك وتعالى لأعدائه من العقاب. كما:-294- حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلمة, قال: حدثنا ابن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: ( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) أي الذين أدْركوا ما طلبوا، ونجَوْا من شرّ ما منه هَرَبُوا.ومن الدلالة على أن أحد معاني الفلاح، إدراكُ الطَّلِبة والظفر بالحاجة، قول لبيد بن ربيعة:اعْقِلِي, إِنْ كُنْتِ لَمَّا تَعْقِلِي,وَلَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ عَقَلْ (88)يعني ظَفِر بحاجته وأصابَ خيرًا، ومنه قول الراجز:عَدِمتُ أُمًّا ولَدتْ رِياحَاجَاءَتْ بِهِ مُفَرْكَحًا فِرْكَاحَا (89)تَحْسِبُ أَنْ قَدْ وَلَدَتْ نَجَاحَا!أَشْهَدُ لا يَزِيدُهَا فَلاحَايعني: خيرًا وقربًا من حاجتها. والفلاحُ مصدر من قولك: أفلح فلان يُفلح إفلاحًا وفلاحًا وفَلَحًا. والفلاح أيضًا: البقاءُ, ومنه قول لبيد:نَحُلُّ بِلادًا, كُلُّهَا حُلَّ قَبْلَنَاوَنَرْجُو الْفَلاحَ بَعْدَ عَادٍ وَحِمْيَرِ (90)يريد البقاء، ومنه أيضًا قول عَبيد:أَفْلِحَ بِمَا شِئْتَ, فَقَدْ يُدْرَكُ بِالضَّعْفِ, وَقَدْ يُخْدَعُ الأَرِيبُ (91)يريد: عش وابقَ بما شئت، وكذلك قول نابغة بني ذبيان:وَكُلُّ فَتًى سَتَشْعَبُهُ شَعُوبٌوَإِنْ أَثْرَى, وَإِنْ لاقَى فَلاحًا (92)أي نجاحًا بحاجته وبَقاءً.-------------------الهوامش:(85) الخبر 292- نقله ابن كثير 1 : 81 ، والشوكاني 1 : 26 . ونقله السيوطي 1 : 25 مطولا ، جمع معه الأخبار الماضية : 273 ، 277 ، 281 ، جعلها سياقا واحدا ، عن ابن مسعود وحده ، ونسبه للطبري .(86) في المطبوعة : "الاستئناف" في هذا الموضع والذي يليه . وهما بمعنى .(87) الخبر 293- ذكره ابن كثير 1 : 81 مع تتمته الآتية : 294 .(88) ديوانه 2 : 12 ، والخطاب في البيت لصاحبته .(89) البيت الثاني في اللسان (فركح) . والفركحة : تباعد ما بين الأليتين . والفركاح والمفركح منه ، يعني به الذم وأنه لا يطيق حمل ما يحمَّل في حرب أو مأثرة تبقى .(90) ديوانه القصيدة رقم : 14 ، يرثى من هلك من قومه .(91) ديوانه : 7 ، وفي المطبوعة والديوان"فقد يبلغ" ، وهما روايتان مشهورتان .(92) من قصيدة ليست في زيادات ديوانه منها إلا أبيات ثلاثة ، ليس هذا أحدها . وشعوب : اسم للمنية والموت ، غير مصروف ، لأنها تشعب الناس ، أي تصدعهم وتفرقهم . وشعبته شعوب : أي حطمته من ألافه فذهبت به وهلك .
من نحن

موقع الحياة بالإسلام هو موقع إسلامي، يقدم لكم العديد من المواضيع الاسلامية على منهاج الكتاب و السنة، كما يتضمن بعض قراءات القران الكريم بالرسم العثماني بأصوات اشهر القراء حول العالم

عرض المزيد
إشارات

التين , سُورَةُ هُودٍ , سُورَةُ الجُمُعَةِ , الكوثر , معيض الحارثي , القارئ سيلمان الشبيبي , القارئ عبدالرحمن الشحات , محمد عبدالحكيم سعيد العبدالله , قراءة يعقوب الحضرمي بروايتي رويس وروح , المصحف المعلم , قالون عن نافع من طريق أبي نشيط , خلف عن حمزة ,

عرض المزيد