الخميس، ٢٢ يناير ٢٠٢٦
الخميس، ٢٢ يناير ٢٠٢٦
facebookinstagramtwitter

عرض بالصفحات

Basmala
سُورَةُ التَّوۡبَةِ
وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ  ١٠٠وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيۡنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٖ  ١٠١وَءَاخَرُونَ ٱعۡتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمۡ خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ  ١٠٢خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ١٠٣أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَأۡخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ  ١٠٤وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ  ١٠٥وَءَاخَرُونَ مُرۡجَوۡنَ لِأَمۡرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمۡ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيۡهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ  ١٠٦
تفسير سُورَةُ التَّوۡبَةِ
وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ  ١٠٠
التفسير الميسروالذين سبقوا الناس أولا إلى الإيمان بالله ورسوله من المهاجرين الذين هجروا قومهم وعشيرتهم وانتقلوا إلى دار الإسلام، والأنصار الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه الكفار، والذين اتبعوهم بإحسان في الاعتقاد والأقوال والأعمال طلبًا لمرضاة الله سبحانه وتعالى، أولئك الذين رضي الله عنهم لطاعتهم الله ورسوله، ورضوا عنه لما أجزل لهم من الثواب على طاعتهم وإيمانهم، وأعدَّ لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا، ذلك هو الفلاح العظيم. وفي هذه الآية تزكية للصحابة -رضي الله عنهم- وتعديل لهم، وثناء عليهم؛ ولهذا فإن توقيرهم من أصول الإيمان.
تفسير السعديالسابقون هم الذين سبقوا هذة الأمة وبدروها إلى الإيمان والهجرة، والجهاد، وإقامة دين اللّه‏.‏‏‏مِنَ الْمُهَاجِرِينَ‏‏ ‏‏الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من اللّه ورضوانا، وينصرون اللّه ورسوله أولئك هم الصادقون‏‏ومن ‏‏الْأَنْصَارِ‏‏ ‏‏الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة‏‏‏‏وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ‏‏ بالاعتقادات والأقوال والأعمال، فهؤلاء، هم الذين سلموا من الذم، وحصل لهم نهاية المدح، وأفضل الكرامات من اللّه‏.‏‏‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ‏‏ ورضاه تعالى أكبر من نعيم الجنة، ‏‏وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ‏‏ الجارية التي تساق إلى سَقْيِ الجنان، والحدائق الزاهية الزاهرة، والرياض الناضرة‏.‏‏‏خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا‏‏ لا يبغون عنها حولا، ولا يطلبون منها بدلا، لأنهم مهما تمنوه، أدركوه، ومهما أرادوه، وجدوه‏.‏‏‏ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏‏ الذي حصل لهم فيه، كل محبوب للنفوس، ولذة للأرواح، ونعيم للقلوب، وشهوة للأبدان، واندفع عنهم كل محذور‏.‏
تفسير ابن كثيريخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ، ورضاهم عنه بما أعد لهم من جنات النعيم ، والنعيم المقيم .قال الشعبي : السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار من أدرك بيعة الرضوان عام الحديبية .وقال أبو موسى الأشعري ، وسعيد بن المسيب ، ومحمد بن سيرين ، والحسن ، وقتادة : هم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .وقال محمد بن كعب القرظي : مر عمر بن الخطاب برجل يقرأ : ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ) فأخذ عمر بيده فقال : من أقرأك هذا ؟ فقال : أبي بن كعب . فقال : لا تفارقني حتى أذهب بك إليه . فلما جاءه قال عمر : أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا ؟ قال : نعم . قال : وسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم . لقد كنت أرى أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا ، فقال أبي : تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة : ( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ) [ الجمعة : 3 ] وفي سورة الحشر : ( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ) [ الحشر : 10 ] وفي الأنفال : ( والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم ) [ الأنفال : 75 ] إلى آخر الآية ، رواه ابن جريرقال : وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤها برفع " الأنصار " عطفا على ( والسابقون الأولون )فقد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان : فيا ويل من أبغضهم أو سبهم أو أبغض أو سب بعضهم ، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم ، أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة ، رضي الله عنه ، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبونهم ، عياذا بالله من ذلك . وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة ، وقلوبهم منكوسة ، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن ، إذ يسبون من رضي الله عنهم ؟ وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن رضي الله عنه ، ويسبون من سبه الله ورسوله ، ويوالون من يوالي الله ، ويعادون من يعادي الله ، وهم متبعون لا مبتدعون ، ويقتدون ولا يبتدون ولهذا هم حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون .
تفسير القرطبيقوله تعالى : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيمفيه سبع مسائل :الأولى : لما ذكر جل وعز أصناف الأعراب ذكر المهاجرين والأنصار ، وبين أن منهم السابقين إلى الهجرة وأن منهم التابعين ، وأثنى عليهم . وقد اختلف في عدد طبقاتهم وأصنافهم . ونحن نذكر من ذلك طرفا نبين الغرض فيه إن شاء الله تعالى . وروى عمر بن الخطاب أنه قرأ والأنصار رفعا عطفا على السابقين . قال الأخفش : الخفض في الأنصار الوجه ; لأن السابقين منهما . والأنصار اسم إسلامي . قيل لأنس بن مالك : أرأيت قول الناس لكم : الأنصار ، اسم سماكم الله به أم كنتم تدعون به في الجاهلية ؟ قال : بل اسم سمانا الله به في القرآن ; ذكره أبو عمر في الاستذكار .الثانية : نص القرآن على تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وهم الذين صلوا إلى القبلتين ; في قول سعيد بن المسيب وطائفة . وفي قول أصحاب الشافعي هم الذين شهدوا بيعة الرضوان ، وهي بيعة الحديبية ، وقاله الشعبي . وعن محمد بن كعب وعطاء بن يسار : هم أهل بدر . واتفقوا على أن من هاجر قبل تحويل القبلة فهو من المهاجرين الأولين من غير خلاف بينهم . أما أفضلهم ، وهي :الثالثة : فقال أبو منصور البغدادي التميمي : أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة ، ثم الستة الباقون إلى تمام العشرة ، ثم البدريون ثم أصحاب أحد ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية .الرابعة : وأما أولهم إسلاما فروى مجالد عن الشعبي قال : سألت ابن عباس من أول الناس إسلاما ؟ قال أبو بكر ، أوما سمعت قول حسان :إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أتقاها وأعدلهابعد النبي وأوفاها بما حملا الثاني التالي المحمود مشهدهوأول الناس منهم صدق الرسلاوذكر أبو الفرج الجوزي عن يوسف بن يعقوب بن الماجشون أنه قال : أدركت أبي وشيخنا محمد بن المنكدر وربيعة بن أبي عبد الرحمن وصالح بن كيسان وسعد بن إبراهيم وعثمان بن محمد الأخنسي وهم لا يشكون أن أول القوم إسلاما أبو بكر ; وهو قول ابن عباس وحسان وأسماء بنت أبي بكر ، وبه قال إبراهيم النخعي . وقيل : أول من أسلم علي ; روي ذلك عن زيد بن أرقم وأبي ذر والمقداد وغيرهم . قال الحاكم أبو عبد الله : لا أعلم خلافا بين أصحاب التواريخ أن عليا أولهم إسلاما . وقيل : أول من أسلم زيد بن حارثة . وذكر معمر نحو ذلك عن الزهري . وهو قول سليمان بن يسار وعروة بن الزبير وعمران بن أبي أنس . وقيل : أول من أسلم خديجة أم المؤمنين ; روي ذلك من وجوه عن الزهري ، وهو قول قتادة ومحمد بن إسحاق بن يسار وجماعة ، وروي أيضا عن ابن عباس . وادعى الثعلبي المفسر اتفاق العلماء على أن أول من أسلم خديجة ، وأن اختلافهم إنما هو فيمن أسلم بعدها . وكان إسحاق بن إبراهيم بن راهويه الحنظلي يجمع بين هذه الأخبار ، فكان يقول : أول من أسلم من الرجال أبو بكر ، ومن النساء خديجة ، ومن الصبيان علي ، ومن الموالي زيد بن حارثة ، ومن العبيد بلال . والله أعلم . وذكر محمد بن سعد قال : أخبرني مصعب بن ثابت قال حدثني أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل قال : كان إسلام الزبير بعد أبي بكر وكان رابعا أو خامسا . قال الليث بن سعد وحدثني أبو الأسود قال : أسلم الزبير وهو ابن ثمان سنين . وروي أن عليا أسلم ابن سبع سنين . وقيل : ابن عشر .الخامسة : والمعروف عن طريقة أهل الحديث أن كل مسلم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو من أصحابه . قال البخاري في صحيحه : من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه . وروي عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يعد الصحابي إلا من أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة أو سنتين ، وغزا معه غزوة أو غزوتين . وهذا القول إن صح عن سعيد بن المسيب يوجب ألا يعد من الصحابة جرير بن عبد الله البجلي أو من شاركه في فقد ظاهر ما اشترطه فيهم ممن لا نعرف خلافا في عده من الصحابة .السادسة : لا خلاف أن أول السابقين من المهاجرين أبو بكر الصديق . وقال ابن العربي : السبق يكون بثلاثة أشياء : الصفة وهو الإيمان ، والزمان ، والمكان . وأفضل هذه الوجوه سبق الصفات ; والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح : نحن الآخرون الأولون بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له فاليهود غدا والنصارى بعد غد . فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من سبقنا من الأمم بالزمان سبقناهم بالإيمان والامتثال لأمر الله تعالى والانقياد إليه ، والاستسلام لأمره والرضا بتكليفه والاحتمال لوظائفه ، لا نعترض عليه ولا نختار معه ، ولا نبدل بالرأي شريعته كما فعل أهل الكتاب ; وذلك بتوفيق الله لما قضاه ، وبتيسيره لما يرضاه ; وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .السابعة : قال ابن خويزمنداد : تضمنت هذه الآية تفضيل السابقين إلى كل منقبة من مناقب الشريعة ، في علم أو دين أو شجاعة أو غير ذلك ، من العطاء في المال والرتبة في الإكرام . وفي هذه المسألة خلاف بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما . واختلف العلماء في تفضيل السابقين بالعطاء على غيرهم ; فروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان لا يفضل بين الناس في العطاء بعضهم على بعض بحسب السابقة . وكان عمر يقول له : أتجعل ذا السابقة كمن لا سابقة له ؟ فقال أبو بكر : إنما عملوا لله وأجرهم عليه . وكان عمر يفضل في خلافته ; ثم قال عند وفاته : لئن عشت إلى غد لألحقن أسفل الناس بأعلاهم ; فمات من ليلته . والخلافة إلى يومنا هذا على هذا الخلاف .قوله تعالى والذين اتبعوهم بإحسان فيه مسألتان : الأولى : قرأ عمر " والأنصار " رفعا . ( الذين ) بإسقاط الواو نعتا للأنصار ; فراجعه زيد بن ثابت ، فسأل عمر أبي بن كعب فصدق زيدا ; فرجع إليه عمر وقال : ما كنا نرى إلا أنا رفعنا رفعة لا ينالها معنا أحد . فقال أبي : إني أجد مصداق ذلك في كتاب الله في أول سورة الجمعة : وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وفي سورة الحشر : والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان . وفي سورة الأنفال بقوله : والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم . فثبتت القراءة بالواو . وبين تعالى بقوله : ( بإحسان ) ما يتبعون فيه من أفعالهم وأقوالهم ، لا فيما صدر عنهم من الهفوات والزلات ; إذ لم يكونوا معصومين رضي الله عنهم .الثانية : واختلف العلماء في التابعين ومراتبهم ; فقال الخطيب الحافظ : التابعي من صحب الصحابي ; ويقال للواحد منهم : تابع وتابعي . وكلام الحاكم أبي عبد الله وغيره مشعر بأنه يكفي فيه أن يسمع من الصحابي أو يلقاه وإن لم توجد الصحبة العرفية . وقد قيل : إن اسم التابعين ينطلق على من أسلم بعد الحديبية ; كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص ومن داناهم من مسلمة الفتح ; لما ثبت أن عبد الرحمن بن عوف شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد ; فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخالد : دعوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم كل يوم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه . ومن العجب عد الحاكم أبو عبد الله النعمان وسويدا ابني مقرن المزني في التابعين عندما ذكر الإخوة من التابعين ، وهما صحابيان معروفان مذكوران في الصحابة ، وقد شهدا الخندق كما تقدم . والله أعلم . وأكبر التابعين الفقهاء السبعة من أهل المدينة ، وهم سعيد بن المسيب ، والقاسم بن محمد ; وعروة بن الزبير ، وخارجة بن زيد ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وعبد الله بن عتبة بن مسعود ، وسليمان بن يسار . وقد نظمهم بعض الأجلة في بيت واحد فقال :فخذهم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجهوقال أحمد بن حنبل : أفضل التابعين سعيد بن المسيب ; فقيل له : فعلقمة والأسود . فقال : سعيد بن المسيب وعلقمة والأسود . وعنه أيضا أنه قال : أفضل التابعين قيس وأبو عثمان وعلقمة ومسروق ; هؤلاء كانوا فاضلين ومن علية التابعين . وقال أيضا : كان عطاء مفتي مكة والحسن مفتي البصرة فهذان أثر الناس عنهم ; وأبهم . وروي عن أبي بكر بن أبي داود قال : سيدتا التابعين من النساء حفصة بنت سيرين وعمرة بنت عبد الرحمن ، وثالثتهما - وليست كهما - أم الدرداء . وروي عن الحاكم أبي عبد الله قال : طبقة تعد في التابعين ولم يصح سماع أحد منهم من الصحابة ; منهم إبراهيم بن سويد النخعي وليس بإبراهيم بن يزيد النخعي الفقيه . وبكير بن أبي السميط ، وبكير بن عبد الله الأشج . وذكر غيرهم قال : وطبقة عدادهم عند الناس في أتباع التابعين . وقد لقوا الصحابة منهم أبو الزناد عبد الله بن ذكوان ، لقي عبد الله بن عمر وأنسا . وهشام بن عروة ، وقد أدخل على عبد الله بن عمر ، وجابر بن عبد الله وموسى بن عقبة ، وقد أدرك أنس بن مالك . وأم خالد بنت خالد بن سعيد . وفي التابعين طبقة تسمى بالمخضرمين ، وهم الذين أدركوا الجاهلية وحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلموا ولا صحبة لهم . واحدهم مخضرم بفتح الراء كأنه خضرم ، أي قطع عن نظرائه الذين أدركوا الصحبة وغيرها . وذكرهم مسلم فبلغ بهم عشرين نفسا ، منهم أبو عمرو الشيباني ، وسويد بن غفلة الكندي ، وعمرو بن ميمون الأودي وأبو عثمان النهدي وعبد خير بن يزيد الخيراني بفتح الخاء ، بطن من همدان ، وعبد الرحمن بن مل . وأبو الحلال العتكي ربيعة بن زرارة . وممن لم يذكره مسلم منهم أبو مسلم الخولاني عبد الله بن ثوب ، والأحنف بن قيس . فهذه نبذة من معرفة الصحابة والتابعين الذين نطق بفضلهم القرآن الكريم ، رضوان الله عليهم أجمعين . وكفانا نحن قوله جل وعز : كنتم خير أمة أخرجت للناس على ما تقدم ، وقوله عز وجل : وكذلك جعلناكم أمة وسطا الآية . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وددت أنا لو رأينا إخواننا . . . . الحديث . فجعلنا إخوانه ; إن اتقينا الله واقتفينا آثاره ، حشرنا الله في زمرته ولا حاد بنا عن طريقته وملته بحق محمد وآله .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والذين سبقوا الناس أولا إلى الإيمان بالله ورسوله =(من المهاجرين)، الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم، وفارقوا منازلهم وأوطانهم (1) =(والأنصار)، الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه من أهل الكفر بالله ورسوله (2) =(والذين اتبعوهم بإحسان)، يقول: والذين سَلَكوا سبيلهم في الإيمان بالله ورسوله، والهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام, طلبَ رضا الله (3) =(رضي الله عنهم ورضوا عنه).واختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله: (والسابقون الأوّلون).فقال بعضهم: هم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، أو أدْركوا.* ذكر من قال ذلك:17099- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بشر, عن إسماعيل, عن عامر: (والسابقون الأوّلون)، قال: من أدرك بيعة الرضوان.17100-...... قال، حدثنا ابن فضيل, عن مطرف, عن عامر قال: (المهاجرون الأوّلون)، من أدرك البيعة تحت الشجرة.17101- حدثنا ابن بشار قال, حدثنا يحيى قال، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد, عن الشعبي قال: (المهاجرون الأولون)، الذين شهدوا بيعة الرضوان.17102- حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان عن مطرف, عن الشعبي قال: " المهاجرون الأولون "، من كان قبل البيعة إلى البيعة، فهم المهاجرون الأوّلون, ومن كان بعد البيعة، فليس من المهاجرين الأولين.17103- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل ومطرف، عن الشعبي قال: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار)، هم الذين بايعوا بيعة الرضوان.17104- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم, عن داود, عن عامر قال: فَصْل ما بين الهجرتين بيعة الرضوان, وهي بيعة الحديبية.17105- حدثني المثني قال، أخبرنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد ومطرف, عن الشعبي قال: هم الذين بايعوا بيعة الرضوان.17106- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عبثر أبو زبيد, عن مطرف, عن الشعبي قال: المهاجرون الأولون، من أدرك بيعة الرضوان. (4)* * *وقال آخرون: بل هم الذين صلوا القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.* ذكر من قال ذلك:17107- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن قيس, عن عثمان الثقفي, عن مولى لأبي موسى, عن أبي موسى قال: المهاجرون الأولون، من صلى القبلتين مع النبيّ صلى الله عليه وسلم.17108- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا قيس بن الربيع, عن عثمان بن المغيرة, عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير, عن مولى لأبي موسى قال: سألت أبا موسى الأشعري عن قوله: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار)، قال: هم الذين صلوا القبلتين جميعًا.17109- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبي هلال, عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: لم سُمُّوا " المهاجرين الأولين "؟ قال: من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم القبلتين جميعًا, فهو من المهاجرين الأولين.17110- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد, عن ابن أبي عروبة, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب قال: المهاجرون الأولون، الذين صلوا القبلتين.17111- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب قوله: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار)، قال: هم الذين صلوا القبلتين جميعًا.17112- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عباس بن الوليد قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب, مثله.17113- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم, عن بعض أصحابه, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب = وعن أشعث, عن ابن سيرين = في قوله: (والسابقون الأولون)، قال: هم الذين صلوا القبلتين.17114- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ بن معاذ قال، حدثنا ابن عون, عن محمد, قال: المهاجرون الأولون: الذين صلوا القبلتين.17115- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار)، قال: هم الذين صلوا القبلتين جميعًا.* * *وأما الذين اتبعوا المهاجرين الأولين والأنصار بإحسان, فهم الذين أسلموا لله إسلامَهم، وسلكوا منهاجهم في الهجرة والنصرة وأعمال الخير. كما: -17116- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا أبو معشر, عن محمد بن كعب قال: مرّ عمر برجل وهو يقرأ هذه الآية: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان)، قال: من أقرأك هذه الآية؟ (5) قال: أقرأنيها أبيّ بن كعب. قال: لا تفارقْني حتى أذهب بك إليه ! فأتاه فقال: أنت أقرأت هذا هذه الآية؟ قال: نعم! قال: وسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! قال:[نعم!]. (6) لقد كنتُ أرانا رُفِعنا رَفْعَةً لا يبلُغها أحدٌ بعدنا! فقال أبيّ: تصديق ذلك في أول الآية التي في أول الجمعة, (7) وأوسط الحشر, وآخر الأنفال. أما أول الجمعة: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ،, [سورة الجمعة: 3]، وأوسط الحشر: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ ، [سورة الحشر: 10]، وأما آخر الأنفال: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ ، [سورة الأنفال: 75].17117- حدثنا أبو كريب قال, حدثنا الحسن بن عطية قال، حدثنا أبو معشر, عن محمد بن كعب القرظي قال: مرّ عمر بن الخطاب برجل يقرأ: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار)، حتى بلغ: (ورضوا عنه)، قال: وأخذ عمر بيده فقال: من أقرأك هذا؟ قال: أبي بن كعب ! فقال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه ! فلما جاءه قال عمر: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعم! قال: أنت سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم! قال: لقد كنت أظن أنّا رُفِعنا رَفْعة لا يبلغها أحدٌ بعدنا! فقال أبيّ: بلى، تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ، إلى: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، وفي سورة الحشر: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ ، وفي الأنفال: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ ، إلى آخر الآية.* * *وروي عن عمر في ذلك ما:17118- حدثني به أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا حجاج, عن هارون, عن حبيب بن الشهيد, وعن ابن عامر الأنصاري: أن عمر بن الخطاب قرأ: (وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ)، فرفع " الأنصار " ولم يلحق الواو في " الذين ", فقال له زيد بن ثابت " والذين اتبعوهم بإحسان ", فقال عمر: " الذين اتبعوهم بإحسان "، فقال زيد: أمير المؤمنين أعلم! فقال عمر: ائتوني بأبيّ بن كعب. فأتاه، فسأله عن ذلك, فقال أبي: (والذين اتبعوهم بإحسان)، فقال عمر: إذًا نتابع أبَيًّا.* * *قال أبو جعفر: والقراءة على خفض " الأنصار "، عطفًا بهم على " المهاجرين ".* * *وقد ذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ: (الأنْصَارُ)، بالرفع، عطفًا بهم على " السابقين ".* * *قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز غيرها، الخفضُ في (الأنْصَارِ), لإجماع الحجة من القرأة عليه, وأن السابق كان من الفريقين جميعًا، من المهاجرين والأنصار، وإنما قصد الخبر عن السابق من الفريقين، دون الخبر عن الجميع = وإلحاق " الواو " في " الذين اتبعوهم بإحسان ", (8) لأن ذلك كذلك في مصاحف المسلمين جميعًا, على أن " التابعين بإحسان "، غير " المهاجرين والأنصار "، وأما " السابقون "، فإنهم مرفوعون بالعائد من ذكرهم في قوله: (رضي الله عنهم ورضوا عنه).* * *ومعنى الكلام: رضي الله عن جميعهم لما أطاعوه، وأجابوا نبيّه إلى ما دعاهم إليه من أمره ونهيه = ورضي عنه السابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار, والذين اتبعوهم بإحسان، لما أجزل لهم من الثواب على طاعتهم إياه، وإيمانهم به وبنبيه عليه السلام =(وأعد لهم جناتٍ تجري تحتها الأنهار)، يدخلونها =(خالدين فيها)، لابثين فيها (9) =(أبدًا)، لا يموتون فيها ولا يخرجون منها (10) =(ذلك الفوز العظيم). (11)-----------------------الهوامش :(1) انظر تفسير " الهجرة " فيما سلف ص : 173 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .(2) انظر تفسير " الأنصار " فيما سلف 10 : 481 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك .(3) انظر تفسير " الإحسان " فيما سلف من فهارس اللغة ( حسن ) .(4) الأثر : 17106 - " عبثر ، أبو زبيد " ، هو " عبثر بن القاسم الزبيدي ، أبو زبيد " ، مضى برقم : 12402 ، وغيرها .(5) استفهام عمر ، كما سيظهر في رقم : 17118 ، عن قراءة الآية بخفض " الأنصار " بالواو في " والذين " ، وقراءته هو ، رفع " الأنصار " وبغير واو في قوله " الذين اتبعوهم " .(6) الزيادة بين القوسين لا بد منها ، وليست في المخطوطة ولا المطبوعة ، ونقلتها من تفسير ابن كثير 4 : 229 .(7) في المطبوعة والمخطوطة : " قال : وتصديق ذلك في أول الآية " . وهو غير مستقيم صوابه من تفسير ابن كثير 4 : 229 ، وانظر الأثر التالي .(8) قوله : " وإلحاق الواو " معطوف على قوله : " والقراءة التي لا أستجيز غيرها ، الخفض . . . " .(9) انظر تفسير " الخلد " فيما سلف من فهارس اللغة ( خلد ) .(10) انظر تفسير " أبدًا " فيما سلف ص : 175 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .(11) انظر تفسير " الفوز " فيما سلف ص : 415 ، تعليق : 8 ، والمراجع هناك .
وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيۡنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٖ  ١٠١
التفسير الميسرومن القوم الذين حول (المدينة) أعراب منافقون، ومن أهل (المدينة) منافقون أقاموا على النفاق، وازدادوا فيه طغيانًا، بحيث يخفى عليك -أيها الرسول- أمرهم، نحن نعلمهم، سنعذبهم مرتين: بالقتل والسبي والفضيحة في الدنيا، وبعذاب القبر بعد الموت، ثم يُرَدُّون يوم القيامة إلى عذاب عظيم في نار جهنم.
تفسير السعدييقول تعالى‏:‏ ‏‏وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ‏‏ أيضًا منافقون ‏‏مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ‏‏ أي‏:‏ تمرنوا عليه، واستمروا وازدادوا فيه طغيانا‏.‏‏‏لَا تَعْلَمُهُمْ‏‏ بأعيانهم فتعاقبهم، أو تعاملهم بمقتضى نفاقهم، لما للّه في ذلك من الحكمة الباهرة‏.‏‏‏نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ‏‏ يحتمل أن التثنية على بابها، وأن عذابهم عذاب في الدنيا، وعذاب في الآخرة‏.‏ففي الدنيا ما ينالهم من الهم والحزن ، والكراهة لما يصيب المؤمنين من الفتح والنصر، وفي الآخرة عذاب النار وبئس القرار‏.‏ويحتمل أن المراد سنغلظ عليهم العذاب، ونضاعفه عليهم ونكرره‏.‏
تفسير ابن كثيريخبر تعالى رسوله ، صلوات الله وسلامه عليه ، أن في أحياء العرب ممن حول المدينة منافقين ، وفي أهل المدينة أيضا منافقون ( مردوا على النفاق ) أي : مرنوا واستمروا عليه : ومنه يقال : شيطان مريد ومارد ، ويقال : تمرد فلان على الله ، أي : عتا وتجبر .وقوله : ( لا تعلمهم نحن نعلمهم ) لا ينافي قوله تعالى : ( ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول ) الآية [ محمد : 30 ] ؛ لأن هذا من باب التوسم فيهم بصفات يعرفون بها ، لا أنه يعرف جميع من عنده من أهل النفاق والريب على التعيين . وقد كان يعلم أن في بعض من يخالطه من أهل المدينة نفاقا ، وإن كان يراه صباحا ومساء ، وشاهد هذا بالصحة ما رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال :حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن النعمان بن سالم ، عن رجل ، عن جبير بن مطعم ، رضي الله عنه ، قال : قلت : يا رسول الله ، إنهم يزعمون أنه ليس لنا أجر بمكة ، فقال : لتأتينكم أجوركم ولو كنتم في جحر ثعلب " وأصغى إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم برأسه فقال : " إن في أصحابي منافقين "ومعناه : أنه قد يبوح بعض المنافقين والمرجفين من الكلام بما لا صحة له ، ومن مثلهم صدر هذا الكلام الذي سمعه جبير بن مطعم . وتقدم في تفسير قوله : ( وهموا بما لم ينالوا ) [ التوبة : 74 ] أنه عليه السلام أعلم حذيفة بأعيان أربعة عشر أو خمسة عشر منافقا ، وهذا تخصيص لا يقتضي أنه اطلع على أسمائهم وأعيانهم كلهم ، والله أعلم .وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة " أبي عمر البيروتي " من طريق هشام بن عمار : حدثنا صدقة بن خالد ، حدثنا بن جابر ، حدثني شيخ بيروت يكنى أبا عمر ، أظنه حدثني عن أبي الدرداء ؛ أن رجلا يقال له " حرملة " أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : الإيمان هاهنا - وأشار بيده إلى لسانه - والنفاق هاهنا - وأشار بيده إلى قلبه ولم يذكر الله إلا قليلا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم اجعل له لسانا ذاكرا ، وقلبا شاكرا ، وارزقه حبي ، وحب من يحبني ، وصير أمره إلى خير " . فقال : يا رسول الله ، إنه كان لي أصحاب من المنافقين وكنت رأسا فيهم ، أفلا آتيك بهم ؟ قال : " من أتانا استغفرنا له ، ومن أصر على دينه فالله أولى به ، ولا تخرقن على أحد سترا " قال : وكذا رواه أبو أحمد الحاكم ، عن أبي بكر الباغندي ، عن هشام بن عمار ، به .وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن قتادة في هذه الآية أنه قال : ما بال أقوام يتكلفون علم الناس ؟ فلان في الجنة وفلان في النار . فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال : لا أدري ! لعمري أنت بنفسك أعلم منك بأحوال الناس ، ولقد تكلفت شيئا ما تكلفه الأنبياء قبلك . قال نبي الله نوح : ( قال وما علمي بما كانوا يعملون ) [ الشعراء : 112 ] وقال نبي الله شعيب : ( بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ ) [ هود : 86 ] وقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( لا تعلمهم نحن نعلمهم ) .وقال السدي ، عن أبي مالك ، عن ابن عباس في هذه الآية قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا يوم الجمعة فقال : " اخرج يا فلان ، فإنك منافق ، واخرج يا فلان فإنك منافق " . فأخرج من المسجد ناسا منهم ، فضحهم . فجاء عمر وهم يخرجون من المسجد فاختبأ منهم حياء أنه لم يشهد الجمعة وظن أن الناس قد انصرفوا ، واختبئوا هم من عمر ، ظنوا أنه قد علم بأمرهم . فجاء عمر فدخل المسجد فإذا الناس لم يصلوا ، فقال له رجل من المسلمين : أبشر يا عمر ، قد فضح الله المنافقين اليوم . قال ابن عباس : فهذا العذاب الأول حين أخرجهم من المسجد ، والعذاب الثاني عذاب القبروكذا قال الثوري ، عن السدي ، عن أبي مالك نحو هذا .وقال مجاهد في قوله : ( سنعذبهم مرتين ) يعني : القتل والسباء وقال - في رواية - بالجوع ، وعذاب القبر ، ( ثم يردون إلى عذاب عظيم )وقال ابن جريج : عذاب الدنيا ، وعذاب القبر ، ثم يردون إلى عذاب النار .وقال الحسن البصري : عذاب في الدنيا ، وعذاب في القبروقال عبد الرحمن بن زيد : أما عذاب في الدنيا فالأموال والأولاد ، وقرأ قول الله ( فلا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا ) [ التوبة : 85 ] فهذه المصائب لهم عذاب ، وهي للمؤمنين أجر ، وعذاب في الآخرة في النار ( ثم يردون إلى عذاب عظيم ) قال : النار .وقال محمد بن إسحاق : ( سنعذبهم مرتين ) قال : هو - فيما بلغني - ما هم فيه من أمر الإسلام ، وما يدخل عليهم من غيظ ذلك على غير حسبة ، ثم عذابهم في القبور إذا صاروا إليها ، ثم العذاب العظيم الذي يردون إليه ، عذاب الآخرة والخلد فيه .وقال سعيد ، عن قتادة في قوله : ( سنعذبهم مرتين ) عذاب الدنيا ، وعذاب القبر ، ( ثم يردون إلى عذاب عظيم ) ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أسر إلى حذيفة باثني عشر رجلا من المنافقين ، فقال : " ستة منهم تكفيكهم الدبيلة : سراج من نار جهنم ، يأخذ في كتف أحدهم حتى يفضي إلى صدره ، وستة يموتون موتا " . وذكر لنا أن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، كان إذا مات رجل ممن يرى أنه منهم ، نظر إلى حذيفة ، فإن صلى عليه وإلا تركه . وذكر لنا أن عمر قال لحذيفة : أنشدك بالله ، أمنهم أنا ؟ قال : لا . ولا أومن منها أحدا بعدك .
تفسير القرطبيقوله تعالى وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيمقوله تعالى وممن حولكم من الأعراب منافقون ابتداء وخبر . أي قوم منافقون ; يعني مزينة وجهينة وأسلم وغفارا وأشجع .ومن أهل المدينة مردوا على النفاق أي قوم مردوا على النفاق . وقيل : ( مردوا ) من نعت المنافقين ; فيكون في الكلام تقديم وتأخير ، المعنى . ومن حولكم من الأعراب منافقون مردوا على النفاق ، ومن أهل المدينة مثل ذلك . ومعنى : " مردوا " أقاموا ولم يتوبوا ; عن ابن زيد . وقال غيره : لجوا فيه وأبوا غيره ; والمعنى متقارب . وأصل الكلمة من اللين والملامسة والتجرد . فكأنهم تجردوا للنفاق . ومنه رملة مرداء لا نبت فيها . وغصن أمرد لا ورق عليه . وفرس أمرد لا شعر على ثنته . وغلام أمرد بين المرد ; ولا يقال : جارية مرداء . وتمريد البناء تمليسه ; ومنه قوله : صرح ممرد . وتمريد الغصن تجريده من الورق ; يقال : مرد يمرد مرودا ومرادة .قوله تعالى لا تعلمهم نحن نعلمهم هو مثل قوله : لا تعلمونهم الله يعلمهم على ما تقدم . وقيل : المعنى لا تعلم يا محمد عاقبة أمورهم وإنما نختص نحن بعلمها ; وهذا يمنع أن يحكم على أحد بجنة أو نار .قوله تعالى سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم قال ابن عباس : بالأمراض في الدنيا وعذاب الآخرة . فمرض المؤمن كفارة ، ومرض الكافر عقوبة . وقيل : العذاب الأول الفضيحة باطلاع النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ; على ما يأتي بيانه في المنافقين . والعذاب الثاني عذاب القبر . الحسن وقتادة : عذاب الدنيا وعذاب القبر . ابن زيد : الأول بالمصائب في أموالهم وأولادهم ، والثاني عذاب القبر . مجاهد : الجوع والقتل . الفراء : القتل وعذاب القبر . وقيل : السباء والقتل . وقيل : الأول أخذ الزكاة من أموالهم وإجراء الحدود عليهم ، والثاني عذاب القبر . وقيل : أحد العذابين ما قال تعالى : فلا تعجبك أموالهم إلى قوله إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا . والغرض من الآية اتباع العذاب ، أو تضعيف العذاب عليهم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن القوم الذين حول مدينتكم من الأعراب منافقون, ومن أهل مدينتكم أيضًا أمثالهم أقوامٌ منافقون.* * *وقوله: (مردوا على النفاق)، يقول: مرَنُوا عليه ودَرِبوا به.* * *ومنه: " شيطانٌ مارد، ومَرِيد "، وهو الخبيث العاتي. ومنه قيل: " تمرَّد فلان على ربه "، أي: عتَا، ومرنَ على معصيته واعتادها. (12)* * *وقال ابن زيد في ذلك ما: -17119- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق)، قال: أقاموا عليه، لم يتوبوا كما تابَ الآخرون.17120- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق)، أي لجُّوا فيه، وأبوْا غيرَه. (13)* * *=(لا تعلمهم)، يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تعلم، يا محمد، أنت هؤلاء المنافقين الذين وصفتُ لك صفتهم ممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة, ولكنا نحن نعلمهم، كما: -17121- حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: (وممن حولكم من الأعراب منافقون)، إلى قوله: (نحن نعلمهم)، قال: فما بال أقوام يتكلَّفون علم الناس؟ فلانٌ في الجنة وفلان في النار! فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا أدري ! لعمري أنتَ بنفسك أعلم منك بأعمال الناس, ولقد تكلفت شيئا ما تكلفته الأنبياء قبلك ! قال نبي الله نوح عليه السلام: وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ،, [سورة الشعراء: 112]، وقال نبي الله شعيب عليه السلام: بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [سورة هود: 86]، وقال الله لنبيه عليه السلام: (لا تعلمهم نحن نعلمهم).* * *وقوله: (سنعذبهم مرتين)، يقول: سنعذب هؤلاء المنافقين مرتين، إحداهما في الدنيا, والأخرى في القبر.* * *ثم اختلف أهل التأويل في التي في الدنيا، ما هي؟فقال بعضهم: هي فضيحتهم، فضحهم الله بكشف أمورهم، وتبيين سرائرهم للناس على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم.* * ** ذكر من قال ذلك:17122- حدثنا الحسين بن عمرو العنقزي قال، حدثنا أبي قال، حدثنا أسباط, عن السدي, عن أبي مالك, عن ابن عباس في قول الله: (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق)، إلى قوله: (عذاب عظيم)، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبًا يوم الجمعة, فقال: اخرج يا فلان، فإنك منافق. اخرج، يا فلان، فإنك منافق. فأخرج من المسجد ناسًا منهم، فضحهم. فلقيهم عمر وهم يخرجون من المسجد، فاختبأ منهم حياءً أنه لم يشهد الجمعة, وظنّ أن الناس قد انصرفوا، واختبئوا هم من عمر, ظنّوا أنه قد علم بأمرهم. فجاء عمر فدخل المسجد, فإذا الناس لم يصلُّوا, فقال له رجل من المسلمين: أبشر، يا عمر, فقد فضح الله المنافقين اليوم ! فهذا العذاب الأول، حين أخرجهم من المسجد. والعذاب الثاني، عذاب القبر. (14)17123- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان, عن السدي, عن أبي مالك: (سنعذبهم مرتين)، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فيذكر المنافقين، فيعذبهم بلسانه, قال: وعذاب القبر.* * *[وقال آخرون: ما يصيبهم من السبي والقتل والجوع والخوف في الدنيا.] (15)* * *ذكر من قال ذلك:17124- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (سنعذبهم مرتين)، قال: القتل والسِّبَاء.17125- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (سنعذبهم مرتين)، بالجوع, وعذاب القبر. قال: (ثم يردون إلى عذاب عظيم)، يوم القيامة.17126- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا جعفر بن عون، والقاسم، ويحيى بن آدم, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: (سنعذبهم مرتين)، قال: بالجوع والقتل = وقال يحيى: الخوف والقتل. (16)17127- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: بالجوع والقتل.17128- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن سفيان, عن السدي, عن أبي مالك: (سنعذبهم مرتين)، قال: بالجوع, وعذاب القبر.17129- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (سنعذبهم مرتين)، قال: الجوع والقتل. (17)* * *وقال آخرون: معنى ذلك: سنعذبهم عذابًا في الدنيا، وعذابًا في الآخرة.* ذكر من قال ذلك:17130- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (سنعذبهم مرتين)، عذاب الدنيا، وعذاب القبر، (ثم يردون إلى عذاب عظيم)، ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم أسرَّ إلى حذيفة باثني عشر رجلا من المنافقين, فقال: " ستة منهم تكفيكَهم الدُّبيلة, (18) سِراج من نار جهنم، يأخذ في كتف أحدهم حتى تُفضي إلى صدره, وستة يموتون موتًا " . ذكر لنا أن عمر بن الخطاب رحمه الله، كان إذا مات رجل يرى أنه منهم، نظر إلى حذيفة, فإن صلى عليه، وإلا تركه. وذكر لنا أن عمر قال لحذيفة: أنشُدُك الله، أمنهم أنا؟ قال: لا والله, ولا أومِن منها أحدًا بعدك !17131- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الحسن: (سنعذبهم مرتين)، قال: عذاب الدنيا وعذاب القبر.17132- حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن العلاء قالا حدثنا بدل بن المحبر قال، حدثنا شعبة, عن قتادة: (سنعذبهم مرتين)، قال: عذابًا في الدنيا، وعذابًا في القبر.17133- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: عذاب الدنيا، وعذاب القبر، = ثم يردّون إلى عذاب النار.* * *وقال آخرون: كان عذابهم إحدى المرتين، مصائبَهم في أموالهم وأولادهم, والمرة الأخرى في جهنم.* ذكر من قال ذلك:17134- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: (سنعذبهم مرتين)، قال: أما عذابٌ في الدنيا، فالأموال والأولاد, وقرأ قول الله: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، [سورة التوبة: 55]، بالمصائب فيهم, هي لهم عذاب، وهي للمؤمنين أجر. قال: وعذاب في الآخرة، في النار =(ثم يردون إلى عذاب عظيم)، قال: النار.* * *وقال آخرون: بل إحدى المرتين، الحدود, والأخرى: عذابُ القبر.ذكر ذلك عن ابن عباس من وجه غير مرتضًى. (19)* * *وقال آخرون: بل إحدى المرتين، أخذ الزكاة من أموالهم, والأخرى عذابُ القبر. ذكر ذلك عن سليمان بن أرقم, عن الحسن.* * *وقال آخرون: بل إحدى المرتين، عذابُهم بما يدخل عليهم من الغَيْظِ في أمر الإسلام.* ذكر من قال ذلك:17135- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (سنعذبهم مرتين)، قال: العذاب الذي وعدَهم مرتين، فيما بلغني، غَمُّهم بما هم فيه من أمر الإسلام، (20) وما يدخل عليهم من غيظ ذلك على غير حِسْبة, ثم عذابهم في القبر إذا صاروا إليه, ثم العذاب العظيم الذي يردُّون إليه، عذابُ الآخرة، (21) والخُلْد فيه. (22)* * *قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال: إن الله أخبر أنه يعذِّب هؤلاء الذين مرَدوا على النفاق مرتين, ولم يضع لنا دليلا يوصِّل به إلى علم صفة ذينك العذابين (23) = وجائز أن يكون بعض ما ذكرنا عن القائلين ما أنبئنا عنهم. وليس عندنا علم بأيِّ ذلك من أيٍّ. (24) غير أن في قوله جل ثناؤه: (ثم يردّون إلى عذاب عظيم)، دلالة على أن العذاب في المرَّتين كلتيهما قبل دخولهم النار. والأغلب من إحدى المرتين أنها في القبر.* * *وقوله: (ثم يردون إلى عذاب عظيم)، يقول: ثم يردُّ هؤلاء المنافقون، بعد تعذيب الله إياهم مرتين، إلى عذاب عظيم, وذلك عذاب جهنم.-------------------الهوامش :(12) انظر تفسير " مريد " فيما سلف 9 : 211 ، 212 ، وفي المطبوعة : " أي : عتا ومرد على معصيته . . . " ، والصواب ما في المخطوطة .(13) الأثر : 17120 - سيرة ابن هشام 4 : 198 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 17089 .(14) الأثر : 17122 - رواه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 33 ، وقال : " رواه الطبراني في الأوسط ، وفيه الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي ، وهو ضعيف " .(15) هذه الترجمة التي بين القوسين ، ليست في المخطوطة ولا المطبوعة ، استظهرتها من سياق الأخبار التالية .(16) في المطبوعة : " بالجوع . . . " ، بالباء في أوله ، وأثبت ما في المخطوطة .(17) في المطبوعة : " بالجوع " ، وأثبت ما في المخطوطة .(18) " الدبيلة " في اللغة ، خراج ودمل كبير ، تظهر في الجوف ، فتقتل صاحبها غالبا ، وهي تصغير " دبلة " ( بضم الدال وسكون الباء ) ، بمثل معناها .(19) في المطبوعة : " غير مرضي " . وأثبت ما في المخطوطة .(20) في المطبوعة والمخطوطة : " فيما بلغني عنهم ما هم فيه أمر الإسلام " ، والصواب من سيرة ابن هشام .(21) في المطبوعة : " ويخلدون فيه " ، وفي المخطوطة : " ويخلد فيه " ، وصواب قراءتها من سيرة ابن هشام .(22) الأثر : 17135 - سيرة ابن هشام 4 : 198 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 17120 .(23) في المطبوعة : " نتوصل به " ، وأثبت ما في المخطوطة .(24) في المطبوعة : " بأي ذلك من بأي ، على أن في قوله . . . " ، فحرف وبدل وأفسد الكلام إفسادًا .وانظر القول في " أي ذلك كان من أي " فيما سلف ص : 365 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك ، فقد مضت أخواتها كثيرًا ، وحرفها الناسخ .
وَءَاخَرُونَ ٱعۡتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمۡ خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ  ١٠٢
التفسير الميسروآخرون من أهل (المدينة) وممن حولها، اعترفوا بذنوبهم وندموا عليها وتابوا منها، خلطوا العمل الصالح -وهو التوبة والندم والاعتراف بالذنب وغير ذلك من الأعمال الصالحة- بآخر سيِّئ- وهو التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره من الأعمال السيئة -عسى الله أن يوفقهم للتوبة ويقبلها منهم. إن الله غفور لعباده، رحيم بهم.
تفسير السعدييقول تعالى‏:‏ ‏‏وَآخَرُونَ‏‏ ممن بالمدينة ومن حولها، بل ومن سائر البلاد الإسلامية، ‏‏اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ‏‏ أي‏:‏ أقروا بها، وندموا عليها، وسعوا في التوبة منها، والتطهر من أدرانها‏.‏‏‏خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا‏‏ ولا يكون العمل صالحا إلا إذا كان مع العبد أصل التوحيد والإيمان، المخرج عن الكفر والشرك، الذي هو شرط لكل عمل صالح، فهؤلاء خلطوا الأعمال الصالحة، بالأعمال السيئة، من التجرؤ على بعض المحرمات، والتقصير في بعض الواجبات، مع الاعتراف بذلك والرجاء، بأن يغفر اللّه لهم، فهؤلاء ‏‏عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ‏‏ وتوبته على عبده نوعان‏:‏الأول‏:‏ التوفيق للتوبة‏.‏ والثاني‏:‏ قبولها بعد وقوعها منهم‏.‏‏‏إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏‏ أي‏:‏ وصفه المغفرة والرحمة اللتان لا يخلو مخلوق منهما، بل لا بقاء للعالم العلوي والسفلي إلا بهما، فلو يؤاخذ اللّه الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة‏.‏‏‏إن اللّه يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا‏‏ ‏.‏ومن مغفرته أن المسرفين على أنفسهم الذين قطعوا أعمارهم بالأعمال السيئة، إذا تابوا إليه وأنابوا ولو قبيل موتهم بأقل القليل، فإنه يعفو عنهم، ويتجاوز عن سيئاتهم، فهذه الآية، دلت على أن المخلط المعترف النادم، الذي لم يتب توبة نصوحا، أنه تحت الخوف والرجاء، وهو إلى السلامة أقرب‏.‏وأما المخلط الذي لم يعترف ويندم على ما مضى منه، بل لا يزال مصرًا على الذنوب، فإنه يخاف عليه أشد الخوف‏.‏
تفسير ابن كثيرلما بين تعالى حال المنافقين المتخلفين عن الغزاة رغبة عنها وتكذيبا وشكا ، شرع في بيان حال المذنبين الذين تأخروا عن الجهاد كسلا وميلا إلى الراحة ، مع إيمانهم وتصديقهم بالحق ، فقال : ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم ) أي : أقروا بها واعترفوا فيما بينهم وبين ربهم ، ولهم أعمال أخر صالحة ، خلطوا هذه بتلك ، فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه .وهذه الآية - وإن كانت نزلت في أناس معينين - إلا أنها عامة في كل المذنبين الخاطئين المخلطين المتلوثين .وقد قال مجاهد : إنها نزلت في أبي لبابة لما قال لبني قريظة : إنه الذبح ، وأشار بيده إلى حلقه .وقال ابن عباس : ( وآخرون ) نزلت في أبي لبابة وجماعة من أصحابه ، تخلفوا عن غزوة تبوك ، فقال بعضهم : أبو لبابة وخمسة معه ، وقيل : وسبعة معه ، وقيل : وتسعة معه ، فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوته ربطوا أنفسهم بسواري المسجد ، وحلفوا لا يحلهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أنزل الله هذه الآية : ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم ) أطلقهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وعفا عنهم .وقال البخاري : حدثنا مؤمل بن هشام ، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدثنا عوف ، حدثنا أبو رجاء ، حدثنا سمرة بن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا : " أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة ، فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء ، وشطر كأقبح ما أنت راء ، قالا لهم : اذهبوا فقعوا في ذلك النهر . فوقعوا فيه ، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم ، فصاروا في أحسن صورة ، قالا لي : هذه جنة عدن ، وهذا منزلك . قالا أما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح ، فإنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، فتجاوز الله عنهم " .هكذا رواه مختصرا ، في تفسير هذه الآية .
تفسير القرطبيقوله تعالى وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم أي ومن أهل المدينة وممن حولكم قوم أقروا بذنوبهم ، وآخرون مرجون لأمر الله يحكم فيهم بما يريد . فالصنف الأول يحتمل أنهم كانوا منافقين وما مردوا على النفاق ، ويحتمل أنهم كانوا مؤمنين . وقال ابن عباس : نزلت في عشرة تخلفوا عن غزوة تبوك فأوثق سبعة منهم أنفسهم في سواري المسجد . وقال بنحوه قتادة وقال : وفيهم نزل خذ من أموالهم صدقة ; ذكره المهدوي . وقال زيد بن أسلم : كانوا ثمانية . وقيل : كانوا ستة . وقيل : خمسة . وقال مجاهد : نزلت الآية في أبي لبابة الأنصاري خاصة في شأنه مع بني قريظة ; وذلك أنهم كلموه في النزول على حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فأشار لهم إلى حلقه . يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم يذبحهم إن نزلوا ، فلما افتضح تاب وندم وربط نفسه في سارية من سواري المسجد ، وأقسم ألا يطعم ولا يشرب حتى يعفو الله عنه أو يموت ; فمكث كذلك حتى عفا الله عنه ، ونزلت هذه الآية ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحله ; ذكره الطبري عن مجاهد ، وذكره ابن إسحاق في السيرة أوعب من هذا . وقال أشهب عن مالك : نزلت " وآخرون " في شأن أبي لبابة وأصحابه ، وقال حين أصاب الذنب : يا رسول الله ، أجاورك وأنخلع من مالي ؟ فقال : يجزيك من ذلك الثلث وقد قال تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ورواه ابن القاسم وابن وهب عن مالك . والجمهور أن الآية نزلت في شأن المتخلفين عن غزوة تبوك ، وكانوا ربطوا أنفسهم كما فعل أبو لبابة ، وعاهدوا الله ألا يطلقوا أنفسهم حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقهم ويرضى عنهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين فأنزل الله هذه الآية ; فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم . فلما أطلقوا قالوا : يا رسول الله ، هذه أموالنا التي خلفتنا عنك ، فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا . فقال : ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا فأنزل الله تعالى : خذ من أموالهم صدقة الآية . قال ابن عباس : كانوا عشرة أنفس منهم أبو لبابة ; فأخذ ثلث أموالهم وكانت كفارة الذنوب التي أصابوها . فكان عملهم السيئ التخلف بإجماع من أهل هذه المقالة . واختلفوا في الصالح ; فقال الطبري وغيره : الاعتراف والتوبة والندم . وقيل : عملهم الصالح الذي عملوه أنهم لحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وربطوا أنفسهم بسواري المسجد وقالوا : لا نقرب أهلا ولا ولدا حتى ينزل الله عذرنا . وقالت فرقة : بل العمل الصالح غزوهم فيما سلف من غزو النبي صلى الله عليه وسلم . وهذه الآية وإن كانت نزلت في أعراب فهي عامة إلى يوم القيامة فيمن له أعمال صالحة وسيئة ; فهي ترجى . ذكر الطبري عن حجاج بن أبي زينب قال : سمعت أبا عثمان يقول : ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله تعالى : وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا . وفي البخاري عن سمرة بن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا : أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر كأقبح ما أنت راء قالا لهم : اذهبوا فقعوا في ذلك النهر فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة قالا لي هذه جنة عدن وهذاك منزلك قالا : أما القوم الذي كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا تجاوز الله عنهم . وذكر البيهقي من حديث الربيع بن أنس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث الإسراء وفيه قال : ثم صعد بي إلى السماء . . . ثم ذكر الحديث إلى أن ذكر صعوده إلى السماء السابعة فقالوا : حياه الله من أخ وخليفة ، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء فإذا برجل أشمط جالس على كرسي عند باب الجنة وعنده قوم بيض الوجوه وقوم سود الوجوه وفي ألوانهم شيء فأتوا نهرا فاغتسلوا فيه فخرجوا منه وقد خلص من ألوانهم شيء ثم إنهم أتوا نهرا آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا منه وقد خلص من ألوانهم شيء ثم دخلوا النهر الثالث فخرجوا منه وقد خلصت ألوانهم مثل ألوان أصحابهم فجلسوا إلى أصحابهم فقال يا جبريل من هؤلاء بيض الوجوه وهؤلاء الذين في ألوانهم شيء فدخلوا النهر وقد خلصت ألوانهم فقال هذا أبوك إبراهيم هو أول رجل شمط على وجه الأرض وهؤلاء بيض الوجوه قوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم - قال - وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فتابوا فتاب الله عليهم . فأما النهر الأول فرحمة الله وأما النهر الثاني فنعمة الله . وأما النهر الثالث فسقاهم ربهم شرابا طهورا وذكر الحديث .والواو في قوله : ( وآخر سيئا ) قيل : هي بمعنى الباء ، وقيل : بمعنى مع ; كقولك استوى الماء والخشبة . وأنكر ذلك الكوفيون وقالوا : لأن الخشبة لا يجوز تقديمها على الماء ، و ( آخر ) في الآية يجوز تقديمه على الأول ; فهو بمنزلة خلطت الماء باللبن .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق, ومنهم "آخرون اعترفوا بذنوبهم ", يقول: أقرُّوا بذنوبهم =(خلطوا عملا صالحًا)، يعني جل ثناؤه بالعمل الصالح الذي خلطوه بالعمل السيئ: اعترافهم بذنوبهم، وتوبتهم منها, والآخر السيئ: هو تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين خرج غازيًا, وتركهم الجهادَ مع المسلمين.* * *فإن قال قائل: وكيف قيل: (خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا), وإنما الكلام: خلطوا عملا صالحًا بآخر سيئ؟قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك.فكان بعض نحويي البصرة يقول: قيل ذلك كذلك, وجائز في العربية أن يكون " بآخر "، (25) كما تقول " استوى الماء والخشبة "، أي: بالخشبة, " وخلطت الماء واللبن ".وأنكر [آخر] أن يكون نظير قولهم (26) " استوى الماء والخشبة ". واعتلَّ في ذلك بأن الفعل في " الخلط" عامل في الأول والثاني, وجائز تقديم كل واحد منهما على صاحبه, وأن تقديم " الخشبة " على " الماء " غير جائز في قولهم: " استوى الماء والخشبة ", وكان ذلك عندهم دليلا على مخالفة ذلك " الخلطَ". (27)قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي: أنه بمعنى قولهم: " خلطت الماء واللبن ", بمعنى: خلطته باللبن.* * *=" عسى الله أن يتوب عليهم "، يقول:لعل الله أن يتوب عليهم= " وعسى " من الله واجب، (28) وإنما معناه:سيتوب الله عليهم، ولكنه في كلام العرب على ما وصفت= " إن الله غفور رحيم "، يقول: إن الله ذو صفح وعفو لمن تاب عن ذنوبه، وساترٌ له عليها = " رحيم "، به أن يعذبه بها. (29)* * *وقد اختلف أهل التأويل في المعنيّ بهذه الآية، والسبب الذي من أجله أنزلت فيه.فقال بعضهم: نزلت في عشرة أنفس كانوا تخلَّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, منهم أبو لبابة, فربط سبعةٌ منهم أنفسهم إلى السّواري عند مَقْدم النبي صلى الله عليه وسلم، توبةً منهم من ذنبهم.* ذكر من قال ذلك:17136- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا)، قال: كانوا عشرة رَهْطٍ تخلّفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, فلما حضرَ رُجوع النبي صلى الله عليه وسلم، أوثق سبعةٌ منهم أنفسهم بسواري المسجد, فكان ممرّ النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع في المسجد عليهم. (30)فلما رآهم قال: من هؤلاء الموثِقُون أنفسهم بالسواري؟ قالوا: هذا أبو لبابة وأصحابٌ له تخلفوا عنك، يا رسول الله، [وحلفوا لا يطلقهم أحد]، حتى تطلقهم، وتعذرهم. (31) فقال النبي عليه السلام: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم، حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين! فلما بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله الذي يطلقنا ! (32) فأنزل الله تبارك وتعالى: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم) = و " عسى " من الله واجب. فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعَذَرَهُم .* * *وقال آخرون: بل كانوا ستة, أحدهم أبو لبابة.* ذكر من قال ذلك:17137- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله)، إلى قوله: (إن الله غفور رحيم)، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا غزوة تبوك, فتخلف أبو لبابة وخمسة معه عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم إن أبا لبابة ورجلين معه تفكّروا وندموا، وأيقنوا بالهلكة, وقالوا: " نكون في الكِنِّ والطمأنينة مع النساء, ورسول الله والمؤمنون معه في الجهاد! والله لنوثقنّ أنفسنا بالسّواري، فلا نطلقها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يطلقنا ويعذرُنا "، فانطلق أبو لبابة وأوثق نفسه ورجلان معه بسواري المسجد, وبقي ثلاثةُ نفرٍ لم يوثقوا أنفسهم. فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته, وكان طريقه في المسجد, فمرَّ عليهم فقال: من هؤلاء الموثقو أنفسهِم بالسواري؟ فقالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له، تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم, وقد اعترفوا بذنوبهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لا أطلقهم حتى أومر بإطلاقهم, ولا أعذرهم حتى يكون الله هو يعذرهم, وقد تخلفوا عني ورغبوا بأنفسهم عن غزو المسلمين وجهادهم ! فأنزل الله برحمته: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم) = و " عسى " من الله واجب = فلما نزلت الآية أطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعذرَهم, وتجاوز عنهم.* * *وقال آخرون: الذين ربطوا أنفسهم بالسواري كانوا ثمانية.* ذكر من قال ذلك:17138- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب, عن زيد بن أسلم: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم)، قال: هم الثمانية الذين ربطوا أنفسهم بالسواري, منهم كرْدَم، ومرداس، وأبو لبابة.17139- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن يعقوب, عن جعفر, عن سعيد قال: الذين ربطوا أنفسهم بالسواري: هلال, وأبو لبابة, وكردم, ومرداس, وأبو قيس. (33)* * *وقال آخرون: كانوا سبعة.* ذكر من قال ذلك:17140- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم)، ذكر لنا أنهم كانوا سبعة رَهْطٍ تخلفوا عن غزوة تبوك, فأما أربعة فخلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا: جدُّ بن قيس, وأبو لبابة, وحرام, وأوس, وكلهم من الأنصار, وهم الذين قيل فيهم: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ، الآية.17141- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا)، قال: هم نفر ممن تخلف عن تبوك، منهم أبو لبابة, ومنهم جد بن قيس، تِيبَ عليهم = قال قتادة: وليسوا بثلاثة.17142- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قتادة: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، قال: هم سبعة, منهم أبو لبابة، كانوا تخلفوا عن غزوة تبوك, وليسوا بالثلاثة.17143- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا)، نزلت في أبي لبابة وأصحابه، تخلفوا عن نبي الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فلما قَفَل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته, وكان قريبًا من المدينة, ندموا على تخلفهم عن رسول الله وقالوا: " نكون في الظلال والأطعمة والنساء, ونبي الله في الجهاد واللأواء! والله لنوثقن أنفسنا بالسواري، ثم لا نطلقها حتى يكون نبي الله صلى الله عليه وسلم يطلقنا ويعذرنا !" وأوثقوا أنفسهم, وبقي ثلاثة، لم يوثقوا أنفسهم بالسواري. (34) فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته, فمرّ في المسجد، وكان طريقه, فأبصرهم, فسأل عنهم, فقيل له: أبو لبابة وأصحابه، تخلفوا عنك، يا نبي الله, فصنعوا بأنفسهم ما ترى, وعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم! فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: لا أطلقهم حتى أومر بإطلاقهم, ولا أعذرهم حتى يعذرهم الله, قد رغبوا بأنفسهم عن غزوة المسلمين ! فأنزل الله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، إلى: (عسى الله أن يتوب عليهم) = و " عسى " من الله واجب = فأطلقهم نبيُّ الله وعذرهم.* * *وقال آخرون: بل عني بهذه الآية أبو لبابة خاصة، وذنبه الذي اعترف به فتيب عليه فيه، (35) ما كان من أمره في بني قريظة.* ذكر من قال ذلك:17144- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، قال: نزلت في أبي لبابة، قال لبني قريظة ما قال.17145- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، قال: أبو لبابة، إذ قال لقريظة ما قال, أشار إلى حلقه: إن محمدًا ذابحكم إن نزلتم على حُكْم الله.17146- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، فذكر نحوه = إلا أنه قال: إن نزلتم على حكمه.17147- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن ليث, عن مجاهد: ربط أبو لبابة نفسه إلى سارية, فقال: لا أحلُّ نفسي حتى يحلني الله ورسوله ! قال: فحلَّه النبي صلى الله عليه وسلم: وفيه أنزلت هذه الآية: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا)، الآية.17148- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي, عن ليث, عن مجاهد: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، قال: نزلت في أبي لبابة.* * *وقال آخرون: بل نزلت في أبي لبابة، بسبب تخلفه عن تبوك.* ذكر من قال ذلك:17149- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, قال: قال الزهري: كان أبو لبابة ممن تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, فربط نفسه بسارية, فقال: والله لا أحلّ نفسي منها، ولا أذوق طعامًا ولا شرابًا، حتى أموت أو يتوب الله عليّ ! فمكث سبعة أيام لا يذوق طعامًا ولا شرابًا، حتى خرّ مغشيا عليه، قال: ثم تاب الله عليه, ثم قيل له: قد تيب عليك يا أبا لبابة! فقال: والله لا أحلّ نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يحلني ! قال: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فحله بيده. ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله، إنّ من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب, وأن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله! قال: يجزيك يا أبا لبابة الثلث.* * *وقال بعضهم: عني بهذه الآية الأعراب.* ذكر من قال ذلك:17150- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا)، قال: فقال إنهم من الأعراب.17151- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون, عن حجاج بن أبي زينب قال: سمعت أبا عثمان يقول: ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، إلى: (إن الله غفور رحيم). (36)* * *قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك، قولُ من قال: نزلت هذه الآية في المعترفين بخطأ فعلهم في تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتركهم الجهادَ معه، والخروجَ لغزو الروم، حين شخص إلى تبوك = وأن الذين نزل ذلك فيهم جماعة، أحدهم أبو لبابة.وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب في ذلك, لأن الله جل ثناؤه قال: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، فأخبر عن اعتراف جماعة بذنوبهم, ولم يكن المعترفُ بذنبه، الموثقُ نفسه بالسارية في حصار قريظة، غير أبي لبابة وحده. فإذ كان ذلك [كذلك], (37) وكان الله تبارك وتعالى قد وصف في قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، بالاعتراف بذنوبهم جماعةً, عُلِم أن الجماعة الذين وصفهم بذلك ليست الواحد، (38) فقد تبين بذلك أن هذه الصفة إذا لم تكن إلا لجماعة, وكان لا جماعةَ فعلت ذلك، فيما نقله أهل السير والأخبار وأجمع عليه أهل التأويل، إلا جماعة من المتخلفين عن غزوة تبوك، صحَّ ما قلنا في ذلك. وقلنا: " كان منهم أبو لبابة "، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك.---------------------الهوامش :(25) لا شك أن الناسخ أسقط شيئًا من كلام أبي جعفر ، وهو ظاهر لمن تأمل . وانظر التعليق التالي .(26) الذي بين القوسين في المطبوعة وحدها ، ولكنه كان فيها " آخرون " . أما المخطوطة ففيها : " وأنكر أن يكون نظير قولهم . . . " ، وهذا أيضا دال على إسقاط الناسخ بعض الكلام . وانظر التعليق التالي .(27) في المطبوعة : " دليلا عندهم " ، وأثبت ما في المخطوطة ، ولكن الناشر الأول غيره ، لما وضع " آخرون " من عند نفسه . انظر التعليق السالف .هذا ، وقد تركت الكلام على حاله ، لأني لا شك أن الناسخ تخطأ بعض كلام أبي جعفر .(28) انظر تفسير "عسى" فيما سلف: ص 167 تعليق 5، والمراجع هناك.(29) انظر تفسير "غفور" و "رحيم" فيما سلف من فهارس اللغة (غفر) ، (رحم) .(30) في المطبوعة : "وكان" وأثبت ما في المخطوطة بالفاء .(31) في المخطوطة والمطبوعة : " تخلفوا عنك يا رسول الله حتى تطلقهم وتعذرهم " ، سقط بعض الكلام وتمامه في الدر المنثور : " وحلفوا أنهم لا يطلقهم أحد حتى تطلقهم وتعذرهم " ، وآثرت ما وضعته بين القوسين .(32) في المطبوعة والمخطوطة : " ونحن بالله " ، وآثرت ما كتبت .(33) هؤلاء خمسة، لم يذكر تمام الثمانية، كما تدل عليه ترجمة الكلام.(34) " بالسواري " زيادة من المخطوطة ، ليست في المطبوعة .(35) في المطبوعة : " فتيب عليه منه " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهي صواب محض .(36) الأثر : 17151 - " حجاج بن أبي زينب السلمي " ، " أبو يوسف الواسطي " ، " الصيقل " ، ضعيف ، ليس بقوي ولا حافظ . مترجم في التهذيب ، والكبير 1 2 373 ، وابن أبي حاتم 1 2 161 ، وميزان الاعتدال 1 : 215 . وكان في المطبوعة : " بن أبي ذئب " ، وهو خطأ ، والمخطوطة برسم المطبوعة غير منقوطة .و " أبو عثمان " ، هو النهدي ، " عبد الرحمن بن مل " ، ثقة ، أسلم على عهد رسول الله ولم يلقه . مضى مرارًا ، منها رقم : 13097 - 13100 .وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 273 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة ، وابن أبي الدنيا في التوبة ، وابن المنذر ، وأبي الشيخ ، والبيهقي في شعب الإيمان .(37) ما بين القوسين زيادة يقتضيها السياق .(38) في المطبوعة : " أن الجماعة الذين وصفهم بذلك السبب غير الواحد " ، أساء قراءة المخطوطة ، فحرف وزاد من عنده ، ما أفسد الكلام وأهلكه .
خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ١٠٣
التفسير الميسرخذ -أيها النبي- من أموال هؤلاء التائبين الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا صدقة تطهرهم مِن دنس ذنوبهم، وترفعهم عن منازل المنافقين إلى منازل المخلصين، وادع لهم بالمغفرة لذنوبهم واستغفر لهم منها، إن دعاءك واستغفارك رحمة وطمأنينة لهم. والله سميع لكل دعاء وقول، عليم بأحوال العباد ونياتهم، وسيجازي كلَّ عامل بعمله.
تفسير السعديقال تعالى لرسوله ومن قام مقامه، آمرا له بما يطهر المؤمنين، ويتمم إيمانهم‏:‏ ‏‏خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً‏‏ وهي الزكاة المفروضة، ‏‏تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا‏‏ أي‏:‏ تطهرهم من الذنوب والأخلاق الرذيلة‏.‏‏‏وَتُزَكِّيهِمْ‏‏ أي‏:‏ تنميهم، وتزيد في أخلاقهم الحسنة، وأعمالهم الصالحة، وتزيد في ثوابهم الدنيوي والأخروي، وتنمي أموالهم‏.‏‏‏وَصَلِّ عَلَيْهِمْ‏‏ أي‏:‏ ادع لهم، أي‏:‏ للمؤمنين عموما وخصوصا عندما يدفعون إليك زكاة أموالهم‏.‏‏‏إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ‏‏ أي‏:‏ طمأنينة لقلوبهم، واستبشار لهم، ‏‏وَاللَّهُ سَمِيعٌ‏‏ لدعائك، سمع إجابة وقبول‏.‏‏‏عَلِيمٌ‏‏ بأحوال العباد ونياتهم، فيجازي كل عامل بعمله، وعلى قدر نيته، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمتثل لأمر اللّه، ويأمرهم بالصدقة، ويبعث عماله لجبايتها، فإذا أتاه أحد بصدقته دعا له وبرَّك‏.‏ففي هذه الآية، دلالة على وجوب الزكاة، في جميع الأموال، وهذا إذا كانت للتجارة ظاهرة، فإنها أموال تنمى ويكتسب بها، فمن العدل أن يواسى منها الفقراء، بأداء ما أوجب اللّه فيها من الزكاة‏.‏وما عدا أموال التجارة، فإن كان المال ينمى، كالحبوب، والثمار، والماشية المتخذة للنماء والدر والنسل، فإنها تجب فيها الزكاة، وإلا لم تجب فيها، لأنها إذا كانت للقنية، لم تكن بمنزلة الأموال التي يتخذها الإنسان في العادة، مالا يتمول، ويطلب منه المقاصد المالية، وإنما صرف عن المالية بالقنية ونحوها‏.‏وفيها‏:‏ أن العبد لا يمكنه أن يتطهر ويتزكى حتى يخرج زكاة ماله، وأنه لا يكفرها شيء سوى أدائها، لأن الزكاة والتطهير متوقف على إخراجها‏.‏وفيها‏:‏ استحباب الدعاء من الإمام أو نائبه لمن أدى زكاته بالبركة، وأن ذلك ينبغي، أن يكون جهرا، بحيث يسمعه المتصدق فيسكن إليه‏.‏ويؤخذ من المعنى، أنه ينبغي إدخال السرور على المؤمن بالكلام اللين، والدعاء له، ونحو ذلك مما يكون فيه طمأنينة، وسكون لقلبه‏.‏ وأنه ينبغي تنشيط من أنفق نفقة وعمل عملا صالحا بالدعاء له والثناء، ونحو ذلك‏.‏
تفسير ابن كثيرأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم ويزكيهم بها ، وهذا عام وإن أعاد بعضهم الضمير في " أموالهم " إلى الذين اعترفوا بذنوبهم وخلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ؛ ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإمام لا يكون ، وإنما كان هذا خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ولهذا احتجوا بقوله تعالى : ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ) وقد رد عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد الصديق أبو بكر وسائر الصحابة ، وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة إلى الخليفة ، كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى قال الصديق : والله لو منعوني عقالا - وفي رواية : عناقا - يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقاتلنهم على منعه .وقوله : ( وصل عليهم ) أي : ادع لهم واستغفر لهم ، كما رواه مسلم في صحيحه ، عن عبد الله بن أبي أوفى قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي بصدقة قوم صلى عليهم ، فأتاه أبي بصدقته فقال : " اللهم صل على آل أبي أوفى " وفي الحديث الآخر : أن امرأة قالت : يا رسول الله ، صل علي وعلى زوجي . فقال : " صلى الله عليك ، وعلى زوجك " .وقوله : ( إن صلاتك ) : قرأ بعضهم : " صلواتك " على الجمع ، وآخرون قرءوا : ( إن صلاتك ) على الإفراد .( سكن لهم ) قال ابن عباس : رحمة لهم . وقال قتادة : وقار .وقوله : ( والله سميع ) أي : لدعائك ( عليم ) أي : بمن يستحق ذلك منك ومن هو أهل له .قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا أبو العميس ، عن أبي بكر بن عمرو بن عتبة ، عن ابن لحذيفة ، عن أبيه ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا لرجل أصابته ، وأصابت ولده ، وولد ولده .ثم رواه عن أبي نعيم ، عن مسعر ، عن أبي بكر بن عمرو بن عتبة ، عن ابن لحذيفة - قال مسعر : وقد ذكره مرة عن حذيفة - : إن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لتدرك الرجل وولده وولد ولده .
تفسير القرطبيقوله تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم فيه ثمان مسائل :الأولى : قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة اختلف في هذه الصدقة المأمور بها ; فقيل : هي صدقة الفرض ; قاله جويبر عن ابن عباس ، وهو قول عكرمة فيما ذكر القشيري . وقيل : هو مخصوص بمن نزلت فيه ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ منهم ثلث أموالهم ، وليس هذا من الزكاة المفروضة في شيء ; ولهذا قال مالك : إذا تصدق الرجل بجميع ماله أجزأه إخراج الثلث ; متمسكا بحديث أبي لبابة . وعلى القول الأول فهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يقتضي بظاهره اقتصاره عليه فلا يأخذ الصدقة سواه ، ويلزم على هذا سقوطها بسقوطه وزوالها بموته . وبهذا تعلق مانعو الزكاة على أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقالوا : إنه كان يعطينا عوضا منها التطهير والتزكية والصلاة علينا وقد عدمناها من غيره . ونظم في ذلك شاعرهم فقال :أطعنا رسول الله ما كان بيننا فيا عجبا ما بال ملك أبي بكر وإن الذي سألوكم فمنعتملكالتمر أو أحلى لديهم من التمر سنمنعهم ما دام فينا بقيةكرام على الضراء في العسر واليسروهذا صنف من القائمين على أبي بكر أمثلهم طريقة ، وفي حقهم قال أبو بكر : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة . ابن العربي : أما قولهم إن هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم فلا يلتحق به غيره فهو كلام جاهل بالقرآن غافل عن مأخذ الشريعة متلاعب بالدين ; فإن الخطاب في القرآن لم يرد بابا واحدا ولكن اختلفت موارده على وجوه ، فمنها خطاب توجه إلى جميع الأمة كقوله : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة وقوله : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ونحوه . ومنها خطاب خص به ولم يشركه فيه غيره لفظا ولا معنى كقوله ومن الليل فتهجد به نافلة لك وقوله : ( خالصة لك ) . ومنها خطاب خص به لفظا وشركه جميع الأمة معنى وفعلا ; كقوله أقم الصلاة لدلوك الشمس الآية . وقوله : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله وقوله : وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فكل من دلكت عليه الشمس مخاطب بالصلاة . وكذلك كل من قرأ القرآن مخاطب بالاستعاذة . وكذلك كل من خاف يقيم الصلاة بتلك الصفة . ومن هذا القبيل قوله تعالى : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها . وعلى هذا المعنى جاء قوله تعالى : يا أيها النبي اتق الله و يا أيها النبي إذا طلقتم النساء .الثانية : قوله تعالى من أموالهم ذهب بعض العرب وهم دوس : إلى أن المال الثياب والمتاع والعروض . ولا تسمي العين مالا . وقد جاء هذا المعنى في السنة الثابتة من رواية مالك عن ثور بن زيد الديلي عن أبي الغيث سالم مولى ابن مطيع عن أبي هريرة قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر فلم نغنم ذهبا ولا ورقا إلا الأموال الثياب والمتاع . الحديث . وذهب غيرهم إلى أن المال الصامت من الذهب والورق . وقيل : الإبل خاصة ; ومنه قولهم : المال الإبل . وقيل : جميع الماشية . وذكر ابن الأنباري عن أحمد بن يحيى ثعلب النحوي قال : ما قصر عن بلوغ ما تجب فيه الزكاة من الذهب والورق فليس بمال ; وأنشد :والله ما بلغت لي قط ماشية حد الزكاة ولا إبل ولا مالقال أبو عمر : والمعروف من كلام العرب أن كل ما تمول وتملك هو مال ; لقوله صلى الله عليه وسلم : يقول ابن آدم مالي مالي وإنما له من ماله ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى أو تصدق فأمضى . وقال أبو قتادة : فأعطاني الدرع فابتعت به مخرفا في بني سلمة ; فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام . فمن حلف بصدقة ماله كله فذلك على كل نوع من ماله ، سواء كان مما تجب فيه الزكاة أو لم يكن ; إلا أن ينوي شيئا بعينه فيكون على ما نواه . وقد قيل : إن ذلك على أموال الزكاة . والعلم محيط واللسان شاهد بأن ما تملك يسمى مالا . والله أعلم .الثالثة : قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة مطلق غير مقيد بشرط في المأخوذ والمأخوذ منه ، ولا تبيين مقدار المأخوذ ولا المأخوذ منه . وإنما بيان ذلك في السنة والإجماع . حسب ما نذكره فتؤخذ الزكاة من جميع الأموال . وقد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم الزكاة في المواشي والحبوب والعين ، وهذا ما لا خلاف فيه . واختلفوا فيما سوى ذلك كالخيل وسائر العروض . وسيأتي ذكر الخيل والعسل في ( النحل ) إن شاء الله . روى الأئمة عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة . وقد مضى الكلام في ( الأنعام ) في زكاة الحبوب وما تنبته الأرض مستوفى . وفي المعادن في ( البقرة ) وفي الحلي في هذه السورة . وأجمع العلماء على أن الأوقية أربعون درهما ; فإذا ملك الحر المسلم مائتي درهم من فضة مضروبة - وهي الخمس أواق المنصوصة في الحديث - حولا كاملا فقد وجبت عليه صدقتها ، وذلك ربع عشرها خمسة دراهم . وإنما اشترط الحول لقوله عليه السلام : ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول . أخرجه الترمذي . وما زاد على المائتي درهم من الورق فبحساب ذلك من كل شيء منه ربع عشره قل أو كثر ; هذا قول مالك والليث والشافعي وأكثر أصحاب أبي حنيفة وابن أبي ليلى والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل وأبي ثور وإسحاق وأبي عبيد . وروي ذلك عن علي وابن عمر . وقالت طائفة : لا شيء فيما زاد على مائتي درهم حتى تبلغ الزيادة أربعين درهما ; فإذا بلغتها كان فيها درهم وذلك ربع عشرها . هذا قول سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وطاوس والشعبي والزهري ومكحول وعمرو بن دينار وأبي حنيفة .الرابعة : وأما زكاة الذهب فالجمهور من العلماء على أن الذهب إذا كان عشرين دينارا قيمتها مائتا درهم فما زاد أن الزكاة فيها واجبة ; على حديث علي ، أخرجه الترمذي عن ضمرة والحارث عن علي . قال الترمذي : سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال كلاهما عندي صحيح عن أبي إسحاق ، يحتمل أن يكون عنهما جميعا . وقال الباجي في المنتقى : وهذا الحديث ليس إسناده هناك ، غير أن اتفاق العلماء على الأخذ به دليل على صحة حكمه ، والله أعلم . وروي عن الحسن والثوري ، وإليه مال بعض أصحاب داود بن علي على أن الذهب لا زكاة فيه حتى يبلغ أربعين دينارا . وهذا يرده حديث علي وحديث ابن عمر وعائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من كل عشرين دينارا نصف دينار ، ومن الأربعين دينارا دينارا ; على هذا جماعة أهل العلم إلا من ذكر .الخامسة : اتفقت الأمة على أن ما كان دون خمس ذود من الإبل فلا زكاة فيه . فإذا بلغت خمسا ففيها شاة . والشاة تقع على واحدة من الغنم ، والغنم الضأن والمعز جميعا . وهذا أيضا اتفاق من العلماء أنه ليس في خمس إلا شاة واحدة ; وهي فريضتها . وصدقة المواشي مبينة في الكتاب الذي كتبه الصديق لأنس لما وجهه إلى البحرين ; أخرجه البخاري وأبو داود والدارقطني والنسائي وابن ماجه وغيرهم ، وكله متفق عليه . والخلاف فيه في موضعين أحدهما في زكاة الإبل ، وهي إذا بلغت إحدى وعشرين ومائة فقال مالك : المصدق بالخيار إن شاء أخذ ثلاث بنات لبون ، وإن شاء أخذ حقتين . وقال ابن القاسم : وقال ابن شهاب : فيها ثلاث بنات لبون إلى أن تبلغ ثلاثين ومائة فتكون فيها حقة وابنتا لبون . قال ابن القاسم : ورأيي على قول ابن شهاب . وذكر ابن حبيب أن عبد العزيز بن أبي سلمة وعبد العزيز بن أبي حازم وابن دينار يقولون بقول مالك . وأما الموضع الثاني فهو في صدقة الغنم وهي إذا زادت على ثلاثمائة شاة وشاة ; فإن الحسن بن صالح بن حي قال : فيها أربع شياه . وإذا كانت أربعمائة شاة وشاة ففيها خمس شياه ; وهكذا كلما زادت ، في كل مائة شاة . وروي عن إبراهيم النخعي مثله . وقال الجمهور : في مائتي شاة وشاة ثلاث شياه ، ثم لا شيء فيها إلى أربعمائة فيكون فيها أربع شياه ; ثم كلما زادت مائة ففيها شاة ; إجماعا واتفاقا . قال ابن عبد البر : وهذه مسألة وهم فيها ابن المنذر ، وحكى فيها عن العلماء الخطأ ، وخلط وأكثر الغلط .السادسة : لم يذكر البخاري ولا مسلم في صحيحيهما تفصيل زكاة البقر . وخرجه أبو داود والترمذي والنسائي والدارقطني ومالك في موطئه وهي مرسلة ومقطوعة وموقوفة . قال أبو عمر : وقد رواه قوم عن طاوس عن معاذ ، إلا أن الذين أرسلوه أثبت من الذين أسندوه . وممن أسنده بقية عن المسعودي عن الحكم عن طاوس . وقد اختلفوا فيما ينفرد به بقية عن الثقات . ورواه الحسن بن عمارة عن الحكم كما رواه بقية عن المسعودي عن الحكم ، والحسن مجتمع على ضعفه . وقد روي هذا الخبر بإسناد متصل صحيح ثابت من غير رواية طاوس ; ذكره عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر والثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ بن جبل قال : بعثني رسول الله عليه وسلم إلى اليمن فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا أو تبيعة ، ومن أربعين مسنة ، ومن كل حالم دينارا أو عدله معافر ; ذكره الدارقطني وأبو عيسى الترمذي وصححه . قال أبو عمر . ولا خلاف بين العلماء أن الزكاة في زكاة البقر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما قال معاذ بن جبل : في ثلاثين بقرة تبيع ، وفي أربعين مسنة إلا شيء روي عن سعيد بن المسيب وأبي قلابة والزهري وقتادة ; فإنهم يوجبون في كل خمس من البقر شاة إلى ثلاثين . فهذه جملة من تفصيل الزكاة بأصولها وفروعها في كتب الفقه . ويأتي ذكر الخلطة في سورة ( ص ) إن شاء الله تعالى .السابعة : قوله تعالى ( صدقة ) مأخوذ من الصدق ; إذ هي دليل على صحة إيمانه ، وصدق باطنه مع ظاهره ، وأنه ليس من المنافقين الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات . ( تطهرهم وتزكيهم بها ) حالين للمخاطب ; التقدير : خذها مطهرا لهم ومزكيا لهم بها . ويجوز أن يجعلهما صفتين للصدقة ; أي صدقة مطهرة لهم مزكية ، ويكون فاعل ( تزكيهم ) المخاطب ، ويعود الضمير الذي في ( بها ) على الموصوف المنكر . وحكى النحاس ومكي أن ( تطهرهم ) من صفة الصدقة ( وتزكيهم بها ) حال من الضمير في ( خذ ) وهو النبي صلى الله عليه وسلم . ويحتمل أن تكون حالا من الصدقة ، وذلك ضعيف لأنها حال من نكرة . وقال الزجاج : والأجود أن تكون المخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم ; أي فإنك ( تطهرهم وتزكيهم بها ) ، على القطع والاستئناف . ويجوز الجزم على جواب الأمر ، والمعنى : إن تأخذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ; ومنه قول امرئ القيس :قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلوقرأ الحسن " تطهرهم " بسكون الطاء وهو منقول بالهمزة من طهر وأطهرته ، مثل ظهر وأظهرته .الثامنة : قوله تعالى وصل عليهم أصل في فعل كل إمام يأخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق بالبركة . روى مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال : اللهم صل عليهم . فأتاه ابن أبي أوفى بصدقته فقال : اللهم صل على آل أبي أوفى . ذهب قوم إلى هذا ، وذهب آخرون إلى أن هذا منسوخ بقوله تعالى : ولا تصل على أحد منهم مات أبدا . قالوا : فلا يجوز أن يصلى على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم وحده خاصة ; لأنه خص بذلك . واستدلوا بقوله تعالى : لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا الآية . وبأن عبد الله بن عباس كان يقول : لا يصلى على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم . والأول أصح ; فإن الخطاب ليس مقصورا عليه كما تقدم ; ويأتي في الآية بعد هذا . فيجب الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتأسي به ; لأنه كان يمتثل قوله : وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم أي إذا دعوت لهم حين يأتون بصدقاتهم سكن ذلك قلوبهم وفرحوا به . وقد روى جابر بن عبد الله قال : أتاني النبي صلى الله عليه وسلم فقلت لامرأتي : لا تسألي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ; فقالت : يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندنا ولا نسأله شيئا! فقالت : يا رسول الله ; صل على زوجي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صلى الله عليك وعلى زوجك . والصلاة هنا الرحمة والترحم . قال النحاس : وحكى أهل اللغة جميعا فيما علمناه أن الصلاة في كلام العرب الدعاء ; ومنه الصلاة على الجنائز . وقرأ حفص وحمزة والكسائي : إن صلاتك بالتوحيد . وجمع الباقون . وكذلك الاختلاف في أصلاتك تأمرك وقرئ ( سكن ) بسكون الكاف . قال قتادة : معناه وقار لهم . والسكن : ما تسكن به النفوس وتطمئن به القلوب .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد، خذ من أموال هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم فتابوا منها =(صدقة تطهرهم)، من دنس ذنوبهم (39) =(وتزكيهم بها)، يقول: وتنمِّيهم وترفعهم عن خسيس منازل أهل النفاق بها, إلى منازل أهل الإخلاص (40) =(وصل عليهم)، يقول: وادع لهم بالمغفرة لذنوبهم, واستغفر لهم منها =(إن صلاتك سكن لهم)، يقول: إن دعاءك واستغفارك طمأنينة لهم، بأن الله قد عفا عنهم وقبل توبتهم (41) =(والله سميع عليم)، يقول: والله سميع لدعائك إذا دعوت لهم، ولغير ذلك من كلام خلقه =(عليم)، بما تطلب بهم بدعائك ربّك لهم، وبغير ذلك من أمور عباده. (42)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:17152- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قال: جاءوا بأموالهم = يعني أبا لبابة وأصحابه = حين أطلقوا، فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدّق بها عنا، واستغفر لنا ! قال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئًا! فأنزل الله: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها)، يعني بالزكاة: طاعة الله والإخلاص =(وصل عليهم)، يقول: استغفر لهم.17153- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قال: لما أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا لبابة وصاحبيه، انطلق أبو لبابة وصاحباه بأموالهم, فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالوا: خذ من أموالنا فتصدَّق بها عنا, وصلِّ علينا = يقولون: استغفر لنا = وطهرنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا آخذ منها شيئًا حتى أومر. فأنزل الله: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم)، يقول: استغفر لهم من ذنوبهم التي كانوا أصابوا. فلما نزلت هذه الآية أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم جزءًا من أموالهم, فتصدَّق بها عنهم.17154- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب, عن زيد بن أسلم قال: لما أطلق النبي صلى الله عليه وسلم أبا لبابة والذين ربطوا أنفسهم بالسَّواري, قالوا: يا رسول الله، خذ من أموالنا صدقة تطهرنا بها ! فأنزل الله: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم)، الآية.17155- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن يعقوب, عن جعفر, عن سعيد بن جبير قال: قال الذين ربطوا أنفسهم بالسواري حين عفا عنهم: يا نبيّ الله؛ طهِّر أموالنا ! فأنزل الله: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها)، وكان الثلاثة إذا اشتكى أحدهم اشتكى الآخران مثله, وكان عَمي منهم اثنان, فلم يزل الآخر يدعو حتى عَمِي.17156- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: الأربعة: جدُّ بن قيس, وأبو لبابة, وحرام, وأوس, هم الذين قيل فيهم: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم)، أي وقارٌ لهم، وكانوا وعدوا من أنفسهم أن ينفقوا ويجاهدوا ويتصدَّقوا.17157- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك, قال: لما أطلق نبيّ الله صلى الله عليه وسلم أبا لبابة وأصحابه, أتوا نبيّ الله بأموالهم فقالوا: يا نبي الله، خذ من أموالنا فتصدَّق به عنا, وطهَّرنا، وصلِّ علينا ! يقولون: استغفر لنا = فقال نبي الله: لا آخذ من أموالكم شيئًا حتى أومر فيها = فأنزل الله عز وجل: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم)، من ذنوبهم التي أصابوا =(وصل عليهم)، يقول: استغفر لهم. ففعل نبي الله عليه السلام ما أمره الله به.17158- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس قوله: (خذ من أموالهم صدقة)، أبو لبابة وأصحابه =(وصل عليهم)، يقول: استغفر لهم، لذنوبهم التي كانوا أصابوا.17159- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم)، قال: هؤلاء ناسٌ من المنافقين ممن كان تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, اعترفوا بالنفاق، وقالوا: يا رسول الله، قد ارتبنا ونافقنا وشككنا, ولكن توبةٌ جديدة، وصدقةٌ نخرجها من أموالنا ! فقال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها)، بعد ما قال: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ، [سورة التوبة: 84].* * *واختلف أهل العربية في وجه رفع " تزكيهم ".فقال بعض نحويي البصرة: رفع " تزكيهم بها "، في الابتداء، وإن شئت جعلته من صفة " الصدقة ", ثم جئت بها توكيدًا, وكذلك " تطهرهم ".وقال بعض نحويي الكوفة: إن كان قوله: (تطهرهم)، للنبي عليه السلام فالاختيار أن تجزم، لأنه لم يعد على " الصدقة " عائد, (43) (وتزكيهم)، مستأنَفٌ. وإن كانت الصدقة تطهرهم وأنت تزكيهم بها، جاز أن تجزم الفعلين وترفعهما.* * *قال أبو جعفر: والصواب في ذلك من القول، أن قوله: (تطهرهم)، من صلة " الصدقة ", لأن القرأة مجمعة على رفعها, وذلك دليل على أنه من صلة " الصدقة ". وأما قوله: (وتزكيهم بها)، فخبر مستأنَفٌ, بمعنى: وأنت تزكيهم بها, فلذلك رفع.* * *واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (إن صلاتك سكن لهم).فقال بعضهم: رحمة لهم.* ذكر من قال ذلك:17160- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس، (إن صلاتك سكن لهم)، يقول: رحمة لهم.* * *وقال آخرون: بل معناه: إن صلاتك وقارٌ لهم.* ذكر من قال ذلك:17161- حدثنا بشر قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (إن صلاتك سكن لهم)، أي: وقارٌ لهم.* * *واختلفت القرأة في قراءة ذلك.فقرأته قرأة المدينة: (إِنَّ صَلوَاتِكَ سَكَنٌ لَهُمْ) بمعنى دعواتك.* * *وقرأ قرأة العراق وبعض المكيين: ( إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ )، بمعنى: إن دعاءك.* * *قال أبو جعفر: وكأنَّ الذين قرءوا ذلك على التوحيد، رأوا أن قراءته بالتوحيد أصحُّ، لأن في التوحيد من معنى الجمع وكثرة العدد ما ليس في قوله: (إن صلواتك سكن لهم)، إذ كانت " الصلوات "، هي جمع لما بين الثلاث إلى العشر من العدد، دون ما هو أكثر من ذلك. والذي قالوا من ذلك، عندنا كما قالوا، وبالتوحيد عندنا القراءةُ لا العلة، لأن ذلك في العدد أكثر من " الصلوات ", (44) ولكن المقصود منه الخبر عن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وصلواته أنه سكن لهؤلاء القوم، (45) لا الخبر عن العدد. وإذا كان ذلك كذلك، كان التوحيد في " الصلاة " أولى.-------------------------الهوامش :(39) انظر تفسير " التطهير " فيما سلف 12: 549 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .(40) انظر تفسير " التزكية " فيما سلف من فهارس اللغة ( زكا ) .(41) انظر تفسير " الصلاة " فيما سلف من فهارس اللغة ( صلا ) .= وتفسير " سكن " فيما سلف 11 : 557 .(42) انظر تفسير " سميع " و " عليم " فيما سلف من فهارس اللغة ( سمع ) ، ( علم ) .(43) في المطبوعة " بأنه لم يعد " ، وأثبت ما في المخطوطة .(44) في المطبوعة : " وبالتوحيد عندنا القراءة لا لعلة أن ذلك في العدد . . . " ، غير ما في المخطوطة ، وهو صواب محض .(45) في المطبوعة : " وصلاته " ، وأثبت ما في المخطوطة .
أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَأۡخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ  ١٠٤
التفسير الميسرألم يعلم هؤلاء المتخلفون عن الجهاد وغيرهم أن الله وحده هو الذي يقبل توبة عباده، ويأخذ الصدقات ويثيب عليها، وأن الله هو التواب لعباده إذا رجعوا إلى طاعته، الرحيم بهم إذا أنابوا إلى رضاه؟
تفسير السعديأي‏:‏ أما علموا سعة رحمة اللّه وعموم كرمه وأنه ‏‏يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ‏‏ التائبين من أي ذنب كان، بل يفرح تعالى بتوبة عبده، إذا تاب أعظم فرح يقدر‏.‏‏‏وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ‏‏ منهم أي‏:‏ يقبلها، ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدهم كما يربي الرجل فلوه، حتى تكون التمرة الواحدة كالجبل العظيم، فكيف بما هو أكبر وأكثر من ذلك‏.‏‏‏وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ‏‏ أي‏:‏ كثير التوبة على التائبين، فمن تاب إليه تاب عليه، ولو تكررت منه ‏[‏المعصية‏]‏ مرارا‏.‏ ولا يمل اللّه من التوبة على عباده، حتى يملوا هم، ويأبوا إلا النفار والشرود عن بابه، وموالاتهم عدوهم‏.‏‏‏الرَّحِيمِ‏‏ الذي وسعت رحمته كل شيء، وكتبها للذين يتقون، ويؤتون الزكاة، ويؤمنون بآياته، ويتبعون رسوله‏.‏
تفسير ابن كثيروقوله : ( ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ) هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منها يحط الذنوب ويمحصها ويمحقها .وأخبر تعالى أن كل من تاب إليه تاب عليه ، ومن تصدق بصدقة من كسب حلال فإن الله تعالى يتقبلها بيمينه فيربيها لصاحبها ، حتى تصير التمرة مثل أحد . كما جاء بذلك الحديث ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما قال الثوري ووكيع ، كلاهما عن عباد بن منصور ، عن القاسم بن محمد أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم ، كما يربي أحدكم مهره ، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد " ، وتصديق ذلك في كتاب الله ، عز وجل : ( [ ألم يعلموا أن الله ] هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ) و [ قوله ] ( يمحق الله الربا ويربي الصدقات ) [ البقرة : 276 ] .وقال الثوري والأعمش كلاهما ، عن عبد الله بن السائب ، عن عبد الله بن أبي قتادة قال : قال عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه : إن الصدقة تقع في يد الله عز وجل قبل أن تقع في يد السائل . ثم قرأ هذه الآية : ( ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ) .وقد روى ابن عساكر في تاريخه ، في ترجمة عبد الله بن الشاعر السكسكي الدمشقي - وأصله حمصي ، وكان أحد الفقهاء ، روى عن معاوية وغيره ، وحكى عنه حوشب بن سيف السكسكي الحمصي - قال : غزا الناس في زمان معاوية ، رضي الله عنه ، وعليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، فغل رجل من المسلمين مائة دينار رومية . فلما قفل الجيش ندم وأتى الأمير ، فأبى أن يقبلها منه ، وقال : قد تفرق الناس ولن أقبلها منك ، حتى تأتي الله بها يوم القيامة فجعل الرجل يستقرئ الصحابة ، فيقولون له مثل ذلك ، فلما قدم دمشق ذهب إلى معاوية ليقبلها منه ، فأبى عليه . فخرج من عنده وهو يبكي ويسترجع ، فمر بعبد الله بن الشاعر السكسكي ، فقال له : ما يبكيك ؟ فذكر له أمره ، فقال أمطيعني أنت ؟ فقال : نعم ، فقال : اذهب إلى معاوية فقل له : اقبل مني خمسك ، فادفع إليه عشرين دينارا ، وانظر الثمانين الباقية فتصدق بها عن ذلك الجيش ، فإن الله يقبل التوبة عن عباده ، وهو أعلم بأسمائهم ومكانهم ففعل الرجل ، فقال معاوية ، رضي الله عنه : لأن أكون أفتيته بها أحب إلي من كل شيء أملكه ، أحسن الرجل " .
تفسير القرطبيقوله تعالى ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم فيه مسألتان :قيل : قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين : هؤلاء كانوا معنا بالأمس ، لا يكلمون ولا يجالسون ، فما لهم الآن ؟ وما هذه الخاصة التي خصوا بها دوننا ; فنزلت : ألم يعلموا فالضمير في ( يعلموا ) عائد إلى الذين لم يتوبوا من المتخلفين . قال معناه ابن زيد . ويحتمل أن يعود إلى الذين تابوا وربطوا أنفسهم . وقوله تعالى : ( هو ) تأكيد لانفراد الله سبحانه وتعالى بهذه الأمور . وتحقيق ذلك أنه لو قال : إن الله يقبل التوبة لاحتمل أن يكون قبول رسوله قبولا منه ; فبينت الآية أن ذلك مما لا يصل إليه نبي ولا ملك .الثانية : قوله تعالى ويأخذ الصدقات ويأخذ الصدقات هذا نص صريح في أن الله تعالى هو الآخذ لها والمثيب عليها وأن الحق له جل وعز ، والنبي صلى الله عليه وسلم واسطة ، فإن توفي فعامله هو الواسطة بعده ، والله عز وجل حي لا يموت . وهذا يبين أن قوله سبحانه وتعالى : خذ من أموالهم صدقة ليس مقصورا على النبي صلى الله عليه وسلم : روى الترمذي عن أبي هريرة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد وتصديق ذلك في كتاب الله وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات و يمحق الله الربا ويربي الصدقات . قال : هذا حديث حسن صحيح . وفي صحيح مسلم : لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه - في رواية : فتربو في كف الرحمن - حتى تكون أعظم من الجبل الحديث . وروي إن الصدقة لتقع في كف الرحمن قبل أن تقع في كف السائل فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله والله يضاعف لمن يشاء قال علماؤنا رحمة الله عليهم في تأويل هذه الأحاديث : إن هذا كناية عن القبول والجزاء عليها ; كما كنى بنفسه الكريمة المقدسة عن المريض تعطفا عليه بقوله : يا ابن آدم مرضت فلم تعدني . . . الحديث . وقد تقدم هذا المعنى في ( البقرة ) . وخص اليمين والكف بالذكر إذ كل قابل لشيء إنما يأخذه بكفه وبيمينه أو يوضع له فيه ; فخرج على ما يعرفونه ، والله جل وعز منزه عن الجارحة . وقد جاءت اليمين في كلام العرب بغير معنى الجارحة ; كما قال الشاعر :إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمينأي هو مؤهل للمجد والشرف ، ولم يرد بها يمين الجارحة ؛ لأن المجد معنى فاليمين التي تتلقى به رايته معنى . وكذلك اليمين في حق الله تعالى . وقد قيل : إن معنى تربو في كف الرحمن عبارة عن كفة الميزان التي توزن فيها الأعمال ، فيكون من باب حذف المضاف ; كأنه قال . فتربو كفة ميزان الرحمن . وروي عن مالك والثوري وابن المبارك أنهم قالوا في تأويل هذه الأحاديث وما شابهها : أمروها بلا كيف ; قاله الترمذي وغيره . وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104)قال أبو جعفر: وهذا خبرٌ من الله تعالى ذكره، أخبر به المؤمنين به: أن قبول توبة من تاب من المنافقين، وأخذ الصدقة من أموالهم إذا أعطوها، ليسا إلى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم = وأن نبيَّ الله حين أبى أن يطلق من ربط نفسه بالسواري من المتخلفين عن الغزو معه، وحين ترك قبول صدقتهم بعد أن أطلق الله عنهم حين أذن له في ذلك، إنما فعل ذلك من أجل أن ذلك لم يكن إليه صلى الله عليه وسلم, وأن ذلك إلى الله تعالى ذكره دون محمد, وأن محمدًا إنما يفعل ما يفعل من تركٍ وإطلاقٍ وأخذِ صدقةٍ وغير ذلك من أفعاله بأمر الله. فقال جل ثناؤه: ألم يعلم هؤلاء المتخلفون عن الجهاد مع المؤمنين، الموثقو أنفسهم بالسواري, القائلون: " لا نُطلق أنفسنا حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقنا ", السَّائلو رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أخذَ صدقة أموالهم، أنَّ ذلك ليس إلى محمد, وأن ذلك إلى الله, وأن الله هو الذي يقبل توبة من تاب من عباده أو يردُّها, ويأخذ صدقة من تصدَّق منهم أو يردُّها عليه دون محمد, فيوجِّهوا توبتهم وصدقتهم إلى الله, ويقصدوا بذلك قصدَ وجهه دون محمد وغيره, ويخلصوا التوبة له، ويريدوه بصدقتهم, ويعلموا أن الله هو التواب الرحيم؟ = يقول: المراجع لعبيده إلى العفو عنه إذا رجعوا إلى طاعته, الرحيم بهم إذا هم أنابوا إلى رضاه من عقابه. (46)* * *وكان ابن زيد يقول في ذلك ما: -17162- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: قال الآخرون = يعني الذين لم يتوبوا من المتخلفين: هؤلاء، يعني الذين تابوا، كانوا بالأمس معنا لا يكلَّمون ولا يجالَسون, فما لهم؟ فقال الله: (إن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم). (47)17163- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال، أخبرني رجل كان يأتي حمادًا ولم يجلس إليه = قال شعبة: قال العوام بن حوشب: هو قتادة, أو ابن قتادة, رجل من محارب = قال: سمعت عبد الله بن السائب = وكان جاره = قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: ما من عبدٍ تصدق بصدقة إلا وقعت في يد الله, فيكون هو الذي يضعُها في يد السائل. وتلا هذه الآية: (هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات). (48)17164- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن عبد الله بن السائب, عن عبد الله بن أبي قتادة المحاربي, عن عبد الله بن مسعود قال: ما تصدَّق رجلٌ بصدقة إلا وقعت في يد الله قبل أن تقع في يد السائل، وهو يضعها في يد السائل. ثم قرأ: (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات). (49)17165- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن عبد الله بن السائب, عن عبد الله بن أبي قتادة, عن ابن مسعود, بنحوه. (50)17166- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن الأعمش, عن عبد الله بن السائب, عن عبد الله بن أبي قتادة قال، قال عبد الله: إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل. ثم قرأ هذه الآية: (هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات) (51)17168- حدثنا أبو كريب [قال، حدثنا وكيع] قال، حدثنا عباد بن منصور، عن القاسم: أنه سمع أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه, فيربِّيها لأحدكم كما يربِّي أحدكم مُهْرَه, حتى إن اللقمة لتصيرُ مثل أُحُدٍ. وتصديق ذلك في كتاب الله: ( هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات)، (52) و يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ، (53) [سورة البقرة: 276]17169- حدثنا سليمان بن عمر بن الأقطع الرَّقي قال، حدثنا ابن المبارك, عن سفيان, عن عباد بن منصور, عن القاسم, عن أبي هريرة, ولا أراه إلا قد رفعه قال: إن الله يقبل الصدقة = ثم ذكر نحوه. (54)17170- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن أيوب, عن القاسم بن محمد، عن أبي هريرة قال: إن الله يقبل الصدقة إذا كانت من طيِّب, ويأخذها بيمينه, وإن الرّجل يتصدق بمثل اللقمة, فيربِّيها الله له كما يربِّي أحدكم فصيله أو مُهْره, فتربو في كف الله = أو قال: في يد الله = حتى تكون مثل الجبل. (55)17171- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات)، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " والذي نفس محمد بيده, لا يتصدق رجلٌ بصدقة فتقع في يد السائل، حتى تقع في يد الله!17172- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: (وأن الله هو التواب الرحيم)، يعني: إن استقاموا.----------------------الهوامش :(46) انظر تفسير " التوبة " ، " التواب " ، " الرحيم " ، فيما سلف من فهارس اللغة ( توب ) ، ( رحم ) .(47) انظر تفسير " التوبة " ، " التواب " ، " الرحيم " ، فيما سلف من فهارس اللغة ( توب ) ، ( رحم ) .(48) الأثر : 17163 - " قتادة " ، أو " ابن قتادة " ، رجل من محارب . لم أجده هكذا .ولم أجد أحدًا تكلم في أمره أو ذكره . وصريح هذا الإسناد يدل على أن " قتادة " أو " ابن قتادة " المحاربي ، هذا ، هو الذي أخبر شعبة ، وهو الذي كان يأتي حمادًا ، ولم يجلس إليه ، وأنه هو الذي سمع من عبد الله بن السائب ، وكان جاره ، وأن " عبد الله بن السائب " هو الذي سمع من عبد الله ابن مسعود . وهذا إشكال :فإن " عبد الله بن السائب " ، هو " عبد الله بن السائب الكندي " ، روى عن أبيه ، وزادان الكندي . وعبد الله بن معقل بن مقرن ، وعبد الله بن قتادة المحاربي ( كما سيأتي في الآثار التالية ) . وروى عنه الأعمش ، وأبو إسحاق الشيباني ، والعوام بن حوشب ، وسفيان الثوري . وهو ثقة ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 2 75 ، ولم يذكروا له رواية عن ابن مسعود كما ترى ، بل ذكروا روايته عن " عبد الله بن قتادة المحاربي " ، كما سيأتي في الآثار التالية .فأنا أخشى أن يكون في إسناد هذا الخبر شيء ، بدلالة الآثار التي تليه ، وهي مستقيمة على ما ذكر في كتب الرجال ، وأخشى أن يكون شعبة سمعه عن رجل كان يأتي حمادًا ولم يجلس إليه ، عن عبد الله بن السائب ، عن قتادة ، أو ابن قتادة ، رجل من محارب = ثم سمعه من العوام بن حوشب ، عن عبد الله بن السائب ، عن قتادة ، أو قتادة ، رجل من محارب = وأن يكون الناسخ قد أفسد الإسناد . وانظر الكلام على " عبد الله بن أبي قتادة المحاربي " أو " عبد الله بن قتادة " في التعليق على الآثار التالية .(49) الآثار : 17164 - 17166 - " عبد الله بن السائب الكندي " ، مضى في التعليق السالف .وأما " عبد الله بن أبي قتادة المحاربي " ، فهو هكذا في جميعها ، إلا في رقم : 17165 ، فإنه في المخطوطة : " عبد الله بن قتادة " ، ولكن ناشر المطبوعة زاد " أبي " من عند نفسه .وأما كتب التراجم ، فلم تذكر سوى " عبد الله بن قتادة المحاربي " ، ترجم له ابن أبي حاتم 2 2 141 وقال : " روي عن عبد الله بن مسعود ، روى عنه عبد الله بن السائب ، سمعت أبي يقول ذلك " . وترجم له أيضا الحافظ ابن حجر في تعجيل المنفعة : 233 ، وقال : " عن ابن مسعود ، وعنه عبد الله بن السائب , وثقه ابن حبان " ، ثم قال : " كلام البخاري يدل على أنه لم يرو شيئًا مسندا فإنه قال : روي عن ابن مسعود قوله في الصدقة ، قاله الثوري ، عن عبد الله بن السائب ، عنه " .وأما " عبد الله بن أبي قتادة " ، فلم أجد ذكره هكذا إلا في تفسير أبي جعفر .وهذا الخبر ذكره السيوطي في الدر المنثور 1 : 275 ، ونسبه إلى عبد الرزاق ، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، وابن أبي حاتم ، والطبراني .وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 3 : 111 ، وقال : " رواه الطبراني في الكبير ، وفيه : عبد الله بن قتادة المحاربي ، لم يضعفه أحد ، وبقية رجاله ثقات " .(50) الآثار : 17164 - 17166 - " عبد الله بن السائب الكندي " ، مضى في التعليق السالف .وأما " عبد الله بن أبي قتادة المحاربي " ، فهو هكذا في جميعها ، إلا في رقم : 17165 ، فإنه في المخطوطة : " عبد الله بن قتادة " ، ولكن ناشر المطبوعة زاد " أبي " من عند نفسه .وأما كتب التراجم ، فلم تذكر سوى " عبد الله بن قتادة المحاربي " ، ترجم له ابن أبي حاتم 2 2 141 وقال : " روي عن عبد الله بن مسعود ، روى عنه عبد الله بن السائب ، سمعت أبي يقول ذلك " . وترجم له أيضا الحافظ ابن حجر في تعجيل المنفعة : 233 ، وقال : " عن ابن مسعود ، وعنه عبد الله بن السائب , وثقه ابن حبان " ، ثم قال : " كلام البخاري يدل على أنه لم يرو شيئًا مسندا فإنه قال : روي عن ابن مسعود قوله في الصدقة ، قاله الثوري ، عن عبد الله بن السائب ، عنه " .وأما " عبد الله بن أبي قتادة " ، فلم أجد ذكره هكذا إلا في تفسير أبي جعفر .وهذا الخبر ذكره السيوطي في الدر المنثور 1 : 275 ، ونسبه إلى عبد الرزاق ، والحكم الترمذي في نوادر الأصول ، وابن أبي حاتم ، والطبراني .وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 3 : 111 ، وقال : " رواه الطبراني في الكبير ، وفيه : عبد الله بن قتادة المحاربي ، لم يضعفه أحد ، وبقية رجاله ثقات " .(51) الآثار : 17164 - 17166 - " عبد الله بن السائب الكندي " ، مضى في التعليق السالف .وأما " عبد الله بن أبي قتادة المحاربي " ، فهو هكذا في جميعها ، إلا في رقم : 17165 ، فإنه في المخطوطة : " عبد الله بن قتادة " ، ولكن ناشر المطبوعة زاد " أبي " من عند نفسه .وأما كتب التراجم ، فلم تذكر سوى " عبد الله بن قتادة المحاربي " ، ترجم له ابن أبي حاتم 2 2 141 وقال : " روي عن عبد الله بن مسعود ، روى عنه عبد الله بن السائب ، سمعت أبي يقول ذلك " . وترجم له أيضا الحافظ ابن حجر في تعجيل المنفعة : 233 ، وقال : " عن ابن مسعود ، وعنه عبد الله بن السائب , وثقه ابن حبان " ، ثم قال : " كلام البخاري يدل على أنه لم يرو شيئًا مسندا فإنه قال : روي عن ابن مسعود قوله في الصدقة ، قاله الثوري ، عن عبد الله بن السائب ، عنه " .وأما " عبد الله بن أبي قتادة " ، فلم أجد ذكره هكذا إلا في تفسير أبي جعفر .وهذا الخبر ذكره السيوطي في الدر المنثور 1 : 275 ، ونسبه إلى عبد الرزاق ، والحكم الترمذي في نوادر الأصول ، وابن أبي حاتم ، والطبراني .وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 3 : 111 ، وقال : " رواه الطبراني في الكبير ، وفيه : عبد الله بن قتادة المحاربي ، لم يضعفه أحد ، وبقية رجاله ثقات " .(52) هكذا جاءت الآية في المخطوطة " وهو الذي يقبل التوبة " ، كما رواه أحمد في المسند أيضا رقم : 10090 ، بهذا الإسناد ، بمثل هذا الخطأ ، فإن التلاوة : " ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة . . . " ، وقد استظهر أخي السيد أحمد أنه خطأ قديم ، كما قال في التعليق على الخبر رقم : 6253 فيما سلف . وأما في المطبوعة ، فقد صححها الناشر " أن الله هو يقبل التوبة . . . " .وأثبت ما في المخطوطة ليعلم هذا الخطأ .(53) الأثر : 17168 - سلف هذا الخبر بهذا الإسناد برقم : 6253 ، وخرجه أخي السيد أحمد هناك .(54) الأثر : 17169 - " سليمان بن عمر بن خالد الأقطع الرقي " ، مضى برقم : 6254 ، وكان في المطبوعة " الربى " ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، وصواب قراءتها " الرقى " .مضى برقم : 6254 ، وخرجه أخي السيد أحمد فيما سلف .(55) الأثر : 17170 - مضى برقم : 6256 ، من طريق محمد بن عبد الملك ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، بنحوه . وخرجه أخي السيد أحمد هناك ، وأشار إلى رواية الطبري في هذا الموضع ، وصحح إسناده هذا .
وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ  ١٠٥
التفسير الميسروقل -أيها النبي- لهؤلاء المتخلِّفين عن الجهاد: اعملوا لله بما يرضيه من طاعته، وأداء فرائضه، واجتناب المعاصي، فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، وسيتبين أمركم، وسترجعون يوم القيامة إلى مَن يعلم سركم وجهركم، فيخبركم بما كنتم تعملون. وفي هذا تهديد ووعيد لمن استمر على باطله وطغيانه.
تفسير السعدييقول تعالى‏:‏ ‏‏وَقُلْ‏‏ لهؤلاء المنافقين‏:‏ ‏‏اعْمَلُوا‏‏ ما ترون من الأعمال، واستمروا على باطلكم، فلا تحسبوا أن ذلك، سيخفى‏.‏‏‏فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ‏‏ أي‏:‏ لا بد أن يتبين عملكم ويتضح، ‏‏وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏‏ من خير وشر، ففي هذا التهديد والوعيد الشديد على من استمر على باطله وطغيانه وغيه وعصيانه‏.‏ويحتمل أن المعنى‏:‏ أنكم مهما عملتم من خير أوشر، فإن اللّه مطلع عليكم، وسيطلع رسوله وعباده المؤمنين على أعمالكم ولو كانت باطنة‏.‏
تفسير ابن كثيرقال مجاهد : هذا وعيد ، يعني من الله تعالى للمخالفين أوامره بأن أعمالهم ستعرض عليه تبارك وتعالى ، وعلى الرسول ، وعلى المؤمنين . وهذا كائن لا محالة يوم القيامة ، كما قال : ( يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ) [ الحاقة : 18 ] ، وقال تعالى : ( يوم تبلى السرائر ) [ الطارق : 9 ] ، وقال ( وحصل ما في الصدور ) [ العاديات : 10 ] وقد يظهر ذلك للناس في الدنيا ، كما قال الإمام أحمد :حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة ، لأخرج الله عمله للناس كائنا ما كان " . .وقد ورد : أن أعمال الأحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ ، كما قال أبو داود الطيالسي : حدثنا الصلت بن دينار ، عن الحسن ، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أعمالكم تعرض على أقربائكم وعشائركم في قبورهم ، فإن كان خيرا استبشروا به ، وإن كان غير ذلك قالوا : " اللهم ، ألهمهم أن يعملوا بطاعتك " .وقال الإمام أحمد : أخبرنا عبد الرزاق ، عن سفيان ، عمن سمع أنسا يقول : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات ، فإن كان خيرا استبشروا به ، وإن كان غير ذلك قالوا : اللهم ، لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا " .وقال البخاري : قالت عائشة ، رضي الله عنها : إذا أعجبك حسن عمل امرئ ، فقل : ( اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) .وقد ورد في الحديث شبيه بهذا ، قال الإمام أحمد :حدثنا يزيد ، حدثنا حميد ، عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا عليكم أن تعجبوا بأحد حتى تنظروا بم يختم له ؟ فإن العامل يعمل زمانا من عمره - أو : برهة من دهره - بعمل صالح لو مات عليه لدخل الجنة ، ثم يتحول فيعمل عملا سيئا ، وإن العبد ليعمل البرهة من دهره بعمل سيئ ، لو مات عليه دخل النار ، ثم يتحول فيعمل عملا صالحا ، وإذا أراد الله بعبد خيرا استعمله قبل موته " . قالوا : يا رسول الله وكيف يستعمله : قال : " يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه " تفرد به أحمد من هذا الوجه .
تفسير القرطبيقوله تعالى وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملونقوله تعالى وقل اعملوا خطاب للجميع . فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون أي بإطلاعه إياهم على أعمالكم . وفي الخبر : لو أن رجلا عمل في صخرة لا باب لها ولا كوة لخرج عمله إلى الناس كائنا ما كان .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (وقل)، يا محمد، لهؤلاء الذين اعترفوا لك بذنوبهم من المتخلفين عن الجهاد معك =(اعملوا)، لله بما يرضيه، من طاعته، وأداء فرائضه =(فسيرى الله عملكم ورسوله)، يقول: فسيرى الله إن عملتم عملكم, ويراه رسوله والمؤمنون، في الدنيا =(وستردون)، يوم القيامة، إلى من يعلم سرائركم وعلانيتكم, فلا يخفى عليه شيء من باطن أموركم وظواهرها (56) =(فينبئكم بما كنتم تعملون)، يقول: فيخبركم بما كنتم تعملون, (57) وما منه خالصًا، وما منه رياءً، وما منه طاعةً، وما منه لله معصية, فيجازيكم على ذلك كله جزاءكم, المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.* * *17173- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان, عن سفيان, عن رجل, عن مجاهد: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)، قال: هذا وعيدٌ. (58)-------------------الهوامش :(56) انظر تفسير " عالم الغيب والشهادة " فيما سلف من فهارس اللغة ( غيب ) ، ( شهد ) .(57) انظر تفسير " النبأ " فيما سلف من فهارس اللغة ( نبأ ) .(58) عند هذا الموضع انتهى الجزء الحادي عشر من مخطوطتنا ، وفي نهايته ما نصه :" نجز المجلد الحادي عشر من كتاب البيان ، بحمد الله وعونه وحُسْن توفيقه يتلوه في الجزء الثاني عشر ، إن شاء الله تعالى : القول في تأويل قوله : (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)وكان الفراغ من نسخه في شهر شعبان المبارك سنة خمس عشرة وسبعمائة . غفر الله لمؤلفه ، ولصاحبه ، ولكاتبه ، ولجميع المسلمين .آمين ، آمين ، آمين ، آمين "ثم يتلوه الجزء الثاني عشر ، وأوله :" بسم الله الرحمن الرحيم رَبِّ يَسِّرْ ".
وَءَاخَرُونَ مُرۡجَوۡنَ لِأَمۡرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمۡ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيۡهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ  ١٠٦
التفسير الميسرومن هؤلاء المتخلفين عنكم -أيها المؤمنون- في غزوة (تبوك) آخرون مؤخرون؛ ليقضي الله فيهم ما هو قاض. وهؤلاء هم الذين ندموا على ما فعلوا، وهم: مُرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال بن أُميَّة، إما يعذبهم الله، وإما يعفو عنهم. والله عليم بمن يستحق العقوبة أو العفو، حكيم في كل أقواله وأفعاله.
تفسير السعديأي‏:‏ ‏‏وَآخَرُونَ‏‏ من المخلفين مؤخرون ‏‏لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ‏‏ ففي هذا التخويف الشديد للمتخلفين، والحث لهم على التوبة والندم‏.‏‏‏وَاللَّهُ عَلِيمٌ‏‏ بأحوال العباد ونياتهم ‏‏حَكِيمٌ‏‏ يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها، فإن اقتضت حكمته أن يغفر لهم ويتوب عليهم غفر لهم وتاب عليهم، وإن اقتضت حكمته أن يخذلهم ولا يوفقهم للتوبة، فعل ذلك‏.‏
تفسير ابن كثيرقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة ، والضحاك وغير واحد : هم الثلاثة الذين خلفوا ، أي : عن التوبة ، وهم : مرارة بن الربيع ، وكعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، قعدوا عن غزوة تبوك في جملة من قعد ، كسلا وميلا إلى الدعة والحفظ وطيب الثمار والظلال ، لا شكا ونفاقا ، فكانت منهم طائفة ربطوا أنفسهم بالسواري ، كما فعل أبو لبابة وأصحابه ، وطائفة لم يفعلوا ذلك وهم هؤلاء الثلاثة المذكورون ، فنزلت توبة أولئك قبل هؤلاء ، وأرجى هؤلاء عن التوبة حتى نزلت الآية الآتية ، وهي قوله : ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ) الآية [ التوبة : 117 ] ، ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت [ وضاقت عليهم أنفسهم ] ) الآية [ التوبة : 118 ] ، كما سيأتي بيانه في حديث كعب بن مالك .وقوله : ( إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ) أي : هم تحت عفو الله ، إن شاء فعل بهم هذا ، وإن شاء فعل بهم ذاك ، ولكن رحمته تغلب غضبه ، وهو ( عليم حكيم ) أي : عليم بمن يستحق العقوبة ممن يستحق العفو ، حكيم في أفعاله وأقواله ، لا إله إلا هو ، ولا رب سواه .
تفسير القرطبيقوله تعالى وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيمنزلت في الثلاثة الذين تيب عليهم : كعب بن مالك وهلال بن أمية من بني واقف ومرارة بن الربيع ; وقيل : ابن ربعي العمري ; ذكره المهدوي . كانوا قد تخلفوا عن تبوك وكانوا مياسر ; على ما يأتي من ذكرهم .والتقدير : ومنهم آخرون مرجون ; من أرجأته أي أخرته . ومنه قيل : مرجئة ; لأنهم أخروا العمل . وقرأ حمزة والكسائي ( مرجون ) بغير همز ; فقيل : هو من أرجيته أي أخرته . وقال المبرد : لا يقال أرجيته بمعنى أخرته ، ولكن يكون من الرجاء .إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ( إما ) في العربية لأحد أمرين ، والله عز وجل عالم بمصير الأشياء ، ولكن المخاطبة للعباد على ما يعرفون ; أي ليكن أمرهم عندكم على الرجاء لأنه ليس للعباد أكثر من هذا .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن هؤلاء المتخلفين عنكم حين شخصتم لعدوّكم، أيها المؤمنون، آخرون.* * *ورفع قوله: "آخرون "، عطفًا على قوله: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا .* * *=(وآخرون مرجون)، يعني: مُرْجئون لأمر الله وَقضائه.* * *يقال منه: " أرجأته أرجئه إرجاء وهو مرجَأ "، بالهمز وترك الهمز, وهما لغتان معناهما واحد. وقد قرأت القرأة بهما جميعا. (59)* * *وقيل: عُني بهؤلاء الآخرين، نفرٌ ممن كان تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, فندموا على ما فعلوا، ولم يعتذروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مقدمه, ولم يوثقوا أنفسهم بالسواري, فأرجأ الله أمرهم إلى أن صحَّت توبتهم, فتاب عليهم وعفا عنهم.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:17174- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح, حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قال: وكان ثلاثة منهم = يعني: من المتخلفين عن غزوه تبوك = لم يوثقوا أنفسهم بالسواري، أرجئوا سَبْتَةً، (60) لا يدرون أيعذبون أو يتاب عليهم، فأنزل الله: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ ، إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ، [سورة التوبة: 117، 118].17175- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية = يعني قوله: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا = أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أموالهم = يعني من أموال أبي لبابة وصاحبيه = فتصدَّق بها عنهم, وبقي الثلاثة الذين خالفوا أبا لبابة, ولم يوثقوا, ولم يذكروا بشيء, ولم ينزل عذرهم, وضاقت عليهم الأرض بما رحُبت. وهم الذين قال الله: (وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم). فجعل الناس يقولون: هلكوا! إذ لم ينزل لهم عذر، وجعل آخرون يقولون: عسى الله أن يغفرَ لهم ! فصاروا مرجئين لأمر الله, حتى نزلت: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ، الذين خرجوا معه إلى الشام = مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ، ثم قال: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ، يعني المرجئين لأمر الله، نزلت عليهم التوبة، فعُمُّوا بها, فقال: حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ ، إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ .17176- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سويد بن عمرو, عن حماد بن زيد, عن أيوب, عن عكرمة: (وآخرون مرجون لأمر الله)، قال: هم الثلاثة الذين خُلِّفُوا.17177- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وآخرون مرجون لأمر الله)، قال: هلال بن أمية، ومرارة بن ربعيّ، وكعب بن مالك، من الأوس والخزرج.17178- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وآخرون مرجون لأمر الله)، هلال بن أمية، ومرارة بن ربعيّ، وكعب بن مالك، من الأوس والخزرج. (61)17179-...... قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.17180- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, مثله.17181-...... قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر, عن الضحاك, مثله.17182- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (وآخرون مرجون لأمر الله)، هم الثلاثة الذين خلفوا عن التوبة = يريد: غير أبي لبابة وأصحابه = ولم ينزل الله عذرهم, فضاقت عليهم الأرض بما رحبت. وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين: فرقة تقول: " هلكوا "، حين لم ينزل الله فيهم ما أنزل في أبي لبابة وأصحابه.وتقول فرقة أخرى: " عسى الله أن يعفو عنهم !"، وكانوا مرجئين لأمر الله. ثم أنزل الله رحمته ومغفرته فقال: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ الآية, وأنزل: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ، الآية.17183- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وآخرون مرجون لأمر الله)، قال: كنا نُحدَّث أنهم الثلاثة الذين خُلّفوا: كعب بن مالك, وهلال بن أمية, ومرارة بن ربيعة, رهط من الأنصار. (62)17184- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (وآخرون مرجون لأمر الله)، قال: هم الثلاثة الذين خُلّفوا.17185- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم)، وهم الثلاثة الذين خلفوا, وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم، حتى أتتهم توبتهم من الله. (63)* * *وأما قوله: (إما يعذبهم)، فإنه يعني: إما أن يحجزهم الله عن التوبة بخذلانه، فيعذبهم بذنوبهم التي ماتوا عليها في الآخرة =(وإما يتوب عليهم)، يقول: وإما يوفقهم للتوبة فيتوبوا من ذنوبهم, فيغفر لهم =(والله عليم حكيم)، يقول: والله ذو علم بأمرهم وما هم صائرون إليه من التوبة والمقام على الذنب =(حكيم)، في تدبيرهم وتدبير من سواهم من خلقه, لا يدخل حكمه خَلَلٌ. (64)------------------------الهوامش:(59) انظر تفسير " الإرجاء " فيما سلف 13 : 20 ، 21 .(60) قوله : " سبتة " ، أي برهة من الدهر .(61) الأثر : 17177 - " مرارة بن ربعي " ، هكذا جاء في المخطوطة في هذا الخبر ، وفي الذي يليه . وصححه في المطبوعة : " مرارة بن الربيع " ثم جاء في رقم : 17183 في المخطوطة : " مرارة بن ربيعة " ، وكلاهما غير المشهور المعروف في كتب تراجم الصحابة ، والكتب الصحاح ، فهو فيها جميعا " مرارة بن الربيع الأنصاري " ، من بني عمرو بن عوف .وأما " مرارة بن ربعي بن عدي بن يزيد بن جشم " ، فلم يذكره غير ابن الكلبي ، وقال : " كان أحد البكائين " .فأثبت ما في مخطوطة الطبري ، لاتفاق الاسم بذلك في مواضع ، وأخشى أن يكون في اسمه خلاف لم يقع إلي خبره . وانظر ما سيأتي برقم : 17436 .ثم انظر رقم : 17433 ، وما بعده ، وفيها " ابن ربيعة " و " ابن الربيع " .(62) الأثر : 17183 - " مرارة بن ربيعة " ، المعروف " مرارة بن الربيع " ، ولكن هكذا جاء في المخطوطة ، وصححه الناشر في المطبوعة . وانظر رقم : 17177 .(63) الأثر : 17185 - سيرة ابن هشام 4 : 198 ، 199 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 17135 .(64) انظر تفسير " عليم " و " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( علم ) و ( حكم ) .
من نحن

موقع الحياة بالإسلام هو موقع إسلامي، يقدم لكم العديد من المواضيع الاسلامية على منهاج الكتاب و السنة، كما يتضمن بعض قراءات القران الكريم بالرسم العثماني بأصوات اشهر القراء حول العالم

عرض المزيد
إشارات

التين , سُورَةُ هُودٍ , سُورَةُ الجُمُعَةِ , الكوثر , معيض الحارثي , القارئ سيلمان الشبيبي , القارئ عبدالرحمن الشحات , محمد عبدالحكيم سعيد العبدالله , قراءة يعقوب الحضرمي بروايتي رويس وروح , المصحف المعلم , قالون عن نافع من طريق أبي نشيط , خلف عن حمزة ,

عرض المزيد