وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٠٧التفسير الميسروالمنافقون الذين بنوا مسجدًا؛ مضارة للمؤمنين وكفرًا بالله وتفريقًا بين المؤمنين، ليصلي فيه بعضهم ويترك مسجد (قباء) الذي يصلي فيه المسلمون، فيختلف المسلمون ويتفرقوا بسبب ذلك، وانتظارا لمن حارب الله ورسوله من قبل -وهو أبو عامر الراهب الفاسق- ليكون مكانًا للكيد للمسلمين، وليحلفنَّ هؤلاء المنافقون أنهم ما أرادوا ببنائه إلا الخير والرفق بالمسلمين والتوسعة على الضعفاء العاجزين عن السير إلى مسجد (قباء)، والله يشهد إنهم لكاذبون فيما يحلفون عليه. وقد هُدِم المسجد وأُحرِق.
تفسير السعديكان أناس من المنافقين من أهل قباء اتخذوا مسجدا إلى جنب مسجد قباء، يريدون به المضارة والمشاقة بين المؤمنين، ويعدونه لمن يرجونه من المحاربين للّه ورسوله، يكون لهم حصنا عند الاحتياج إليه، فبين تعالى خزيهم، وأظهر سرهم فقال: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا أي: مضارة للمؤمنين ولمسجدهم الذي يجتمعون فيه وَكُفْرًا أي: قصدهم فيه الكفر، إذا قصد غيرهم الإيمان.وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ أي: ليتشعبوا ويتفرقوا ويختلفوا، وَإِرْصَادًا أي: إعدادا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ أي: إعانة للمحاربين للّه ورسوله، الذين تقدم حرابهم واشتدت عداوتهم، وذلك كأبي عامر الراهب، الذي كان من أهل المدينة، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم وهاجر إلى المدينة، كفر به، وكان متعبدا في الجاهلية، فذهب إلى المشركين يستعين بهم على حرب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .فلما لم يدرك مطلوبه عندهم ذهب إلى قيصر بزعمه أنه ينصره، فهلك اللعين في الطريق، وكان على وعد وممالأة، هو والمنافقون. فكان مما أعدوا له مسجد الضرار، فنزل الوحي بذلك، فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم من يهدمه ويحرقه، فهدم وحرق، وصار بعد ذلك مزبلة.قال تعالى بعدما بين من مقاصدهم الفاسدة في ذلك المسجد وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا في بنائنا إياه إِلَّا الْحُسْنَى أي: الإحسان إلى الضعيف، والعاجز والضرير.وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ فشهادة اللّه عليهم أصدق من حلفهم.
تفسير ابن كثيرسبب نزول هذه الآيات الكريمات : أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها رجل من الخزرج يقال له : " أبو عامر الراهب " ، وكان قد تنصر في الجاهلية وقرأ علم أهل الكتاب ، وكان فيه عبادة في الجاهلية ، وله شرف في الخزرج كبير . فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا إلى المدينة ، واجتمع المسلمون عليه ، وصارت للإسلام كلمة عالية ، وأظهرهم الله يوم بدر ، شرق اللعين أبو عامر بريقه ، وبارز بالعداوة ، وظاهر بها ، وخرج فارا إلى كفار مكة من مشركي قريش فألبهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب ، وقدموا عام أحد ، فكان من أمر المسلمين ما كان ، وامتحنهم الله ، وكانت العاقبة للمتقين .وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين ، فوقع في إحداهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصيب ذلك اليوم ، فجرح في وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى ، وشج رأسه ، صلوات الله وسلامه عليه .وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار ، فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته ، فلما عرفوا كلامه قالوا : لا أنعم الله بك عينا يا فاسق يا عدو الله ، ونالوا منه وسبوه . فرجع وهو يقول : والله لقد أصاب قومي بعدي شر . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعاه إلى الله قبل فراره ، وقرأ عليه من القرآن ، فأبى أن يسلم وتمرد ، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يموت بعيدا طريدا ، فنالته هذه الدعوة .وذلك أنه لما فرغ الناس من أحد ، ورأى أمر الرسول ، صلوات الله وسلامه عليه في ارتفاع وظهور ، ذهب إلىهرقل ، ملك الروم ، يستنصره على النبي صلى الله عليه وسلم ، فوعده ومناه ، وأقام عنده ، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويغلبه ويرده عما هو فيه ، وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك ، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء ، فبنوه وأحكموه ، وفرغوا منه قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك ، وجاءوا فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ، ليحتجوا بصلاته ، عليه السلام ، فيه على تقريره وإثباته ، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية ، فعصمه الله من الصلاة فيه فقال : " إنا على سفر ، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله " .فلما قفل ، عليه السلام راجعا إلى المدينة من تبوك ، ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم ، نزل عليه الوحي بخبر مسجد الضرار ، وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم مسجد قباء ، الذي أسس من أول يوم على التقوى . فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة ، كما قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( والذين اتخذوا مسجدا ضرارا [ وكفرا وتفريقا بين المؤمنين ] ) وهم أناس من الأنصار ، ابتنوا مسجدا ، فقال لهم أبو عامر ، ابنوا مسجدا واستعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح ، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم ، فآتي بجند من الروم وأخرج محمدا وأصحابه . فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : قد فرغنا من بناء مسجدنا ، فنحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة . فأنزل الله ، عز وجل : ( لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم ) إلى ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) .وكذا روي عن سعيد بن جبير ، ومجاهد ، وعروة بن الزبير ، وقتادة وغير واحد من العلماء .وقال محمد بن إسحاق بن يسار ، عن الزهري ، ويزيد بن رومان ، وعبد الله بن أبي بكر ، وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم ، قالوا : أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني : من تبوك - حتى نزل بذي أوان - بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار - وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك ، فقالوا : يا رسول الله ، إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة ، والليلة المطيرة ، والليلة الشاتية ، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه . فقال : " إني على جناح سفر وحال شغل - أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - ولو قد قدمنا إن شاء الله تعالى أتيناكم فصلينا لكم فيه " . فلما نزل بذي أوان أتاه خبر المسجد ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف ، ومعن بن عدي - أو : أخاه عامر بن عدي - أخا بلعجلان فقال : " انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله ، فاهدماه وحرقاه " . فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف ، وهم رهط مالك بن الدخشم ، فقال مالك لمعن : أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي . فدخل أهله فأخذ سعفا من النخل ، فأشعل فيه نارا ، ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله ، فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه . ونزل فيهم من القرآن ما نزل : ( والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا ) إلى آخر القصة . وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا خذام بن خالد ، من بني عبيد بن زيد ، أحد بني عمرو بن عوف ، ومن داره أخرج مسجد الشقاق ، وثعلبة بن حاطب من بني عبيد وهو إلى بني أمية بن زيد ، ومعتب بن قشير ، من [ بني ] ضبيعة بن زيد ، وأبو حبيبة بن الأذعر ، من بني ضبيعة بن زيد ، وعباد بن حنيف ، أخو سهل بن حنيف ، من بني عمرو بن عوف ، وجارية بن عامر ، وابناه : مجمع بن جارية ، وزيد بن جارية ونبتل [ بن ] الحارث ، وهم من بني ضبيعة ، وبحزج وهو من بني ضبيعة ، وبجاد بن عثمان وهو من بني ضبيعة ، [ ووديعة بن ثابت ، وهو إلى بني أمية ] رهط أبي لبابة بن عبد المنذر .وقوله : ( وليحلفن ) أي : الذين بنوه ( إن أردنا إلا الحسنى ) أي : ما أردناه ببنيانه إلا خيرا ورفقا بالناس ، قال الله تعالى : ( والله يشهد إنهم لكاذبون ) أي : فيما قصدوا وفيما نووا ، وإنما بنوه ضرارا لمسجد قباء ، وكفرا بالله ، وتفريقا بين المؤمنين ، وإرصادا لمن حارب الله ورسوله ، وهو أبو عامر الفاسق ، الذي يقال له : " الراهب " لعنه الله .
تفسير القرطبيقوله تعالى والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون فيه عشر مسائل :الأولى والذين اتخذوا مسجدا معطوف ، أي ومنهم الذين اتخذوا مسجدا ، عطف جملة على جملة . ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء والخبر محذوف ك " إنهم يعذبون " أو نحوه . ومن قرأ " الذين " بغير واو وهي قراءة المدنيين فهي عنده رفع بالابتداء ، والخبر ( لا تقم ) التقدير : الذين اتخذوا مسجدا لا تقم فيه أبدا ; أي لا تقم في مسجدهم ; قاله الكسائي . وقال النحاس : يكون خبر الابتداء لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم . وقيل : الخبر ( يعذبون ) كما تقدم . ونزلت الآية فيما روي في أبي عامر الراهب ; لأنه كان خرج إلى قيصر وتنصر ووعدهم قيصر أنه سيأتيهم ، فبنوا مسجد الضرار يرصدون مجيئه فيه ; قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم ، وقد تقدمت قصته في الأعراف وقال أهل التفسير : إن بني عمرو بن عوف اتخذوا مسجد قباء وبعثوا للنبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه ; فحسدهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا : نبني مسجدا ونبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم يأتينا فيصلي لنا كما صلى في مسجد إخواننا ، ويصلي فيه أبو عامر إذا قدم من الشام ; فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا : يا رسول الله ، قد بنينا مسجدا لذي الحاجة ، والعلة والليلة المطيرة ، ونحب أن تصلي لنا فيه وتدعو بالبركة ; فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني على سفر وحال شغل فلو قدمنا لأتيناكم وصلينا لكم فيه فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك أتوه وقد فرغوا منه وصلوا فيه الجمعة والسبت والأحد ، فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم فنزل عليه القرآن بخبر مسجد الضرار ; فدعا النبي صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشيا قاتل حمزة ، فقال : انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه فخرجوا مسرعين ، وأخرج مالك بن الدخشم من منزله شعلة نار ، ونهضوا فأحرقوا المسجد وهدموه ، وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا : خذام بن خالد من بني عبيد بن زيد أحد بني عمرو بن عوف ومن داره أخرج مسجد الضرار ، ومعتب بن قشير ، وأبو حبيبة بن الأزعر ، وعباد بن الأزعر ، وعبادة بن حنيف أخو سهل بن حنيف من بني عمرو بن عوف . وجارية بن عامر ، وابناه مجمع وزيد ابنا جارية ، ونبتل بن الحارث ، وبحزج ، وبجاد بن عثمان ، ووديعة بن ثابت ، وثعلبة بن حاطب مذكور فيهم . قال أبو عمر بن عبد البر : وفيه نظر ; لأنه شهد بدرا . وقال عكرمة : سأل عمر بن الخطاب رجلا منهم بماذا أعنت في هذا المسجد ؟ فقال : أعنت فيه بسارية . فقال : أبشر بها سارية في عنقك من نار جهنم .الثانية : قوله تعالى ( ضرارا ) مصدر مفعول من أجله . وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا عطف كله . وقال أهل التأويل : ضرارا بالمسجد ، وليس للمسجد ضرار ، إنما هو لأهله . وروى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار ، من ضار ضار الله به ، ومن شاق شاق الله عليه . قال بعض العلماء : الضرر : الذي لك به منفعة وعلى جارك فيه مضرة . والضرار : الذي ليس لك فيه منفعة وعلى جارك فيه المضرة . وقد قيل : هما بمعنى واحد ، تكلم بهما جميعا على جهة التأكيد .الثالثة : قال علماؤنا : لا يجوز أن يبنى مسجد إلى جنب مسجد ، ويجب هدمه ; والمنع من بنائه لئلا ينصرف أهل المسجد الأول فيبقى شاغرا ، إلا أن تكون المحلة كبيرة فلا يكفي أهلها مسجد واحد فيبنى حينئذ . وكذلك قالوا . لا ينبغي أن يبنى في المصر الواحد جامعان وثلاثة ، ويجب منع الثاني ، ومن صلى فيه الجمعة لم تجزه . وقد أحرق النبي صلى الله عليه وسلم مسجد الضرار وهدمه . وأسند الطبري عن شقيق أنه جاء ليصلي في مسجد بني غاضرة فوجد الصلاة قد فاتته ، فقيل له : إن مسجد بني فلان لم يصل فيه بعد ; فقال : لا أحب أن أصلي فيه ; لأنه بني على ضرار . قال علماؤنا : وكل مسجد بني على ضرار أو رياء وسمعة فهو في حكم مسجد الضرار لا تجوز الصلاة فيه . وقال النقاش : يلزم من هذا ألا يصلى في كنيسة ونحوها ; لأنها بنيت على شر .قلت : هذا لا يلزم ; لأن الكنيسة لم يقصد ببنائها الضرر بالغير ، وإن كان أصل بنائها على شر ، وإنما اتخذ النصارى الكنيسة واليهود البيعة موضعا يتعبدون فيه بزعمهم كالمسجد لنا فافترقا . وقد أجمع العلماء على أن من صلى في كنيسة أو بيعة على موضع طاهر أن صلاته ماضية جائزة . وقد ذكر البخاري أن ابن عباس كان يصلي في البيعة إذا لم يكن فيها تماثيل . وذكر أبو داود عن عثمان بن أبي العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طواغيتهم .الرابعة : قال العلماء : إن من كان إماما لظالم لا يصلى وراءه إلا أن يظهر عذره أو يتوب فإن بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء سألوا عمر بن الخطاب في خلافته ليأذن لمجمع بن جارية أن يصلي بهم في مسجدهم ; فقال : لا ولا نعمة عين! أليس بإمام مسجد الضرار!فقال له مجمع : يا أمير المؤمنين ، لا تعجل علي فوالله لقد صليت فيه وأنا لا أعلم ما قد أضمروا عليه ولو علمت ما صليت بهم فيه ، كنت غلاما قارئا للقرآن وكانوا شيوخا قد عاشوا على جاهليتهم وكانوا لا يقرءون من القرآن شيئا فصليت ولا أحسب ما صنعت إثما ولا أعلم بما في أنفسهم . فعذره عمر رضي الله عنهما وصدقه وأمره بالصلاة في مسجد قباء .الخامسة : قال علماؤنا رحمة الله عليهم : وإذا كان المسجد الذي يتخذ للعبادة وحض الشرع على بنائه فقال : من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة يهدم وينزع إذا كان فيه ضرر بغيره ، فما ظنك بسواه ، بل هو أحرى أن يزال ويهدم حتى لا يدخل ضرر على الأقدم . وذلك كمن بنى فرنا أو رحى أو حفر بئرا أو غير ذلك مما يدخل به الضرر على الغير . وضابط هذا الباب : أن من أدخل على أخيه ضررا منع . فإن أدخل على أخيه ضررا بفعل ما كان له فعله في ماله فأضر ذلك بجاره أو غير جاره نظر إلى ذلك الفعل ; فإن كان تركه أكبر ضررا من الضرر الداخل على الفاعل قطع أكبر الضررين وأعظمهما حرمة في الأصول . مثال ذلك : رجل فتح كوة في منزله يطلع منها على دار أخيه وفيها العيال والأهل ، ومن شأن النساء في بيوتهن إلقاء بعض ثيابهن والانتشار في حوائجهن ، ومعلوم أن الاطلاع على العورات محرم وقد ورد النهي فيه ، فلحرمة الاطلاع على العورات رأى العلماء أن يغلقوا على فاتح الباب والكوة ما فتح مما له فيه منفعة وراحة وفي غلقه عليه ضرر لأنهم قصدوا إلى قطع أعظم الضررين ، إذ لم يكن بد من قطع أحدهما ، وهكذا الحكم في هذا الباب ، خلافا للشافعي ومن قال بقوله . قال أصحاب الشافعي : لو حفر رجل في ملكه بئرا وحفر آخر في ملكه بئرا يسرق منها ماء البئر الأولة جاز ; لأن كل واحد منهما حفر في ملكه فلا يمنع من ذلك . ومثله عندهم : لو حفر إلى جنب بئر جاره كنيفا يفسده عليه لم يكن له منعه ; لأنه تصرف في ملكه . والقرآن والسنة يردان هذا القول . وبالله التوفيق .ومن هذا الباب وجه آخر من الضرر منع العلماء منه ، كدخان الفرن والحمام وغبار الأندر والدود المتولد من الزبل المبسوط في الرحاب ، وما كان مثل هذا فإنه يقطع منه ما بان ضرره وخشي تماديه . وأما ما كان ساعة خفيفة مثل نفض الثياب والحصر عند الأبواب ; فإن هذا مما لا غنى بالناس عنه ، وليس مما يستحق به شيء ; فنفي الضرر في منع مثل هذا أعظم وأكبر من الصبر على ذلك ساعة خفيفة . وللجار على جاره في أدب السنة أن يصبر على أذاه على ما يقدر كما عليه ألا يؤذيه وأن يحسن إليه .السادسة : ومما يدخل في هذا الباب مسألة ذكرها إسماعيل بن أبي أويس عن مالك أنه سئل عن امرأة عرض لها ، يعني مسا من الجن ، فكانت إذا أصابها زوجها وأجنبت أو دنا منها يشتد ذلك بها . فقال مالك : لا أرى أن يقربها ، وأرى للسلطان أن يحول بينه وبينها .السابعة : قوله تعالى ( وكفرا ) لما كان اعتقادهم أنه لا حرمة لمسجد قباء ولا لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم كفروا بهذا الاعتقاد ; قاله ابن العربي . وقيل : ( وكفرا ) أي بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ; قاله القشيري وغيره .الثامنة : قوله تعالى وتفريقا بين المؤمنين أي يفرقون به جماعتهم ليتخلف أقوام عن النبي صلى الله عليه وسلم . وهذا يدلك على أن المقصد الأكبر والغرض الأظهر من وضع الجماعة تأليف القلوب والكلمة على الطاعة ، وعقد الذمام والحرمة بفعل الديانة حتى يقع الأنس بالمخالطة ، وتصفو القلوب من وضر الأحقاد .التاسعة : تفطن مالك رحمه الله من هذه الآية فقال : لا تصلى جماعتان في مسجد واحد بإمامين ; خلافا لسائر العلماء . وقد روي عن الشافعي المنع ; حيث كان تشتيتا للكلمة وإبطالا لهذه الحكمة وذريعة إلى أن نقول : من يريد الانفراد عن الجماعة كان له عذر فيقيم جماعته ويقدم إمامته فيقع الخلاف ويبطل النظام ، وخفي ذلك عليهم . قال ابن العربي : وهذا كان شأنه معهم ، وهو أثبت قدما منهم في الحكمة وأعلم بمقاطع الشريعة .العاشرة : قوله تعالى وإرصادا لمن حارب الله ورسوله يعني أبا عامر الراهب ; وسمي بذلك لأنه كان يتعبد ويلتمس العلم فمات كافرا بقنسرين بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم ; فإنه كان قال للنبي صلى الله عليه وسلم : لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم ; فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين . فلما انهزمت هوازن خرج إلى الروم يستنصر ، وأرسل إلى المنافقين وقال : استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح ، وابنوا مسجدا فإني ذاهب إلى قيصر فآت بجند من الروم لأخرج محمدا من المدينة ; فبنوا مسجد الضرار . وأبو عامر هذا هو والد حنظلة غسيل الملائكة . والإرصاد : الانتظار ; تقول : أرصدت كذا إذا أعددته مرتقبا له به . قال أبو زيد : يقال رصدته وأرصدته في الخير ، وأرصدت له في الشر . وقال ابن الأعرابي : لا يقال إلا أرصدت ، ومعناه ارتقبت .وقوله تعالى ( من قبل ) أي من قبل بناء مسجد الضرار .وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى أي ما أردنا ببنائه إلا الفعلة الحسنى ، وهي الرفق بالمسلمين كما ذكروا لذي العلة والحاجة . وهذا يدل على أن الأفعال تختلف بالمقصود والإرادات ; ولذلك قال : وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى . والله يشهد إنهم لكاذبون أي يعلم خبث ضمائرهم وكذبهم فيما يحلفون عليه .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والذين ابتنوا مسجدًا ضرارًا, وهم، فيما ذكر، اثنا عشر نفسًا من الأنصار.* ذكر من قال ذلك:17186- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن الزهريّ، ويزيد بن رومان, وعبد الله بن أبي بكر, وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم قالوا: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم = يعني: من تبوك = حتى نزل بذي أوان = بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار. وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهّز إلى تبوك, فقالوا: يا رسول الله، إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلّة والحاجة والليلة المطِيرة والليلة الشاتية, وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه ! فقال: إني على جناح سفر وحال شُغْلٍ = أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم = ولو قَدْ قَدمنا أتيناكم إن شاء الله، فصلَّينا لكم فيه. فلما نزل بذي أوان، أتاه خبرُ المسجد, فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدُّخْشُم، أخا بني سالم بن عوف، ومعن بن عدي = أو أخاه: عاصم بن عدي = أخا بني العجلان فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرّقاه ! فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف, وهم رهط مالك بن الدخشم, فقال مالك لمعن: أنْظِرني حتى أخرج إليك بنارٍ من أهلي ! فدخل [إلى] أهله، فأخذ سَعفًا من النخل, فأشعل فيه نارًا, ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله, فحرّقاه وهدماه, وتفرقوا عنه. ونزل فيهم من القرآن ما نزل: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا)، إلى آخر القصة. وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا خِذَام بن خالد، من بني عبيد بن زيد، (1) أحد بني عمرو بن عوف، ومن داره أخرج مسجد الشقاق = وثعلبة بن حاطب، من بني عبيد، وهو إلى بني أمية بن زيد = ومعتب بن قشير، من بني ضبيعة بن زيد = وأبو حبيبة بن الأزعر، من بني ضبيعة بن زيد = وعباد بن حنيف، أخو سهل بن حنيف، من بني عمرو بن عوف = وجارية بن عامر، وابناه: مجمع بن جارية, وزيد بن جارية, ونبتل بن الحارث، وهم من بني ضبيعة = وبَحْزَج، (2) وهو إلى بني ضبيعة = وبجاد بن عثمان، وهو من بني ضبيعة = ووديعة بن ثابت، وهو إلى بني أمية، رهط أبي لبابة بن عبد المنذر. (3)* * *قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: والذين ابتنوا مسجدًا ضرارًا لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفرًا بالله لمحادّتهم بذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ويفرِّقوا به المؤمنين، ليصلي فيه بعضهم دون مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم, وبعضهم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم, فيختلفوا بسبب ذلك ويفترقوا =(وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل)، يقول: وإعدادًا له, لأبي عامر الكافر الذي خالف الله ورسوله, وكفر بهما، وقاتل رسول الله =(من قبل)، يعني من قبل بنائهم ذلك المسجد. وذلك أن أبا عامر هو الذي كان حزَّب الأحزاب = يعني: حزّب الأحزاب لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم = فلما خذله الله, لحق بالروم يطلب النَّصْر من ملكهم على نبي الله, وكتب إلى أهل مسجد الضِّرار (4) يأمرهم ببناء المسجد الذي كانوا بنوه، فيما ذكر عنه، ليصلي فيه، فيما يزعم، إذا رجع إليهم. ففعلوا ذلك. وهذا معنى قول الله جل ثناؤه: (وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل).=(وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى)، يقول جل ثناؤه: وليحلفن بانوه: " إن أردنا إلا الحسنى "، ببنائناه، إلا الرفق بالمسلمين، والمنفعة والتوسعة على أهل الضعف والعلة ومن عجز عن المصير إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة فيه، (5) وتلك هي الفعلة الحسنة =(والله يشهد إنهم لكاذبون)، في حلفهم ذلك, وقيلهم: " ما بنيناه إلا ونحن نريد الحسنى!"، ولكنهم بنوه يريدون ببنائه السُّوآى، ضرارًا لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفرًا بالله، وتفريقًا بين المؤمنين، وإرصادًا لأبي عامر الفاسق.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:17187- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن ابن عباس قوله: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا)، وهم أناس من الأنصار ابتنوا مسجدًا, فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدكم, واستعدُّوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح, فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتي بجند من الروم، فأخرج محمدًا وأصحابه ! فلما فرغوا من مسجدهم، أتوا النبي عليه الصلاة والسلام فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا, فنحبُّ أن تصلي فيه، وتدعو لنا بالبركة! فأنزل الله فيه: لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ، إلى قوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ .17188- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين)، قال: لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد قُباء, خرج رجالٌ من الأنصار، منهم: بحزج، (6) جدُّ عبد الله بن حنيف, (7) ووديعة بن حزام, ومجمع بن جارية الأنصاري, فبَنوا مسجد النفاق, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبحزج (8) ويلك! ما أردت إلى ما أرى! فقال: يا رسول الله, والله ما أردت إلا الحسنى ! وهو كاذب، فصدَّقه رسول الله وأراد أن يعذِره, فأنزل الله: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله)، يعني رجلا منهم يقال له " أبو عامر " كان محاربًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم, وكان قد انطلق إلى هرقل, فكانوا يرصدون [إذا قدم] أبو عامر أن يصلي فيه, (9) وكان قد خرج من المدينة محاربًا لله ولرسوله =(وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون).17189- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: (وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل)، قال: أبو عامر الراهب، انطلق إلى قيصر, فقالوا: " إذا جاء يصلي فيه "، كانوا يرون أنه سيظهر على محمد صلى الله عليه وسلم.17190- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا )، قال المنافقون =(لمن حارب الله ورسوله)، لأبي عامر الراهب.17191- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.17192-...... قال، حدثنا أبو إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين)، قال: نزلت في المنافقين = وقوله: (وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل)، قال: هو أبو عامر الراهب.17193- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, مثله.17194- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سويد بن عمرو, عن حماد بن زيد, عن أيوب, عن سعيد بن جبير: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا)، قال: هم بنو غنم بن عوف.17195- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن أيوب, عن سعيد بن جبير: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا)، قال: هم حيّ يقال لهم: " بنو غنم ".17196- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن أيوب، عن سعيد بن جبير في قوله: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا)، قال: هم حي يقال لهم: " بنو غنم " = قال أخبرنا معمر, عن الزهري, عن عروة, عن عائشة قالت: (وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله)، أبو عامر الراهب انطلق إلى الشأم, فقال الذين بنوا مسجد الضرار: إنما بنيناه ليصلي فيه أبو عامر.17197- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا)، الآية, عمد ناسٌ من أهل النفاق, فابتنوا مسجدًا بقباء، ليضاهوا به مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم بعثوا إلى رسول الله ليصلِّي فيه. ذكر لنا أنه دعا بقميصه ليأتيهم، حتى أطلعه الله على ذلك = وأما قوله: (وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله)، فإنه كان رجلا يقال له: " أبو عامر ", فرّ من المسلمين فلحق بالمشركين، فقتلوه بإسلامه. (10) قال: إذا جاء صلى فيه, فأنزل الله: لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى ، الآية.17198- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا)، هم ناس من المنافقين، بنوا مسجدًا بقباء يُضارُّون به نبيّ الله والمسلمين =(وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله)، كانوا يقولون: إذا رجع أبو عامر من عند قيصر من الروم صلى فيه! وكانوا يقولون: إذا قدم ظهر على نبيّ الله صلى الله عليه وسلم.17199- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل)، قال: مسجد قباء, كانوا يصلون فيه كلهم. وكان رجل من رؤساء المنافقين يقال له: " أبو عامر "، أبو: " حنظلة غسيل الملائكة "، و " صيفي", [واحق]. (11) وكان هؤلاء الثلاثة من خيار المسلمين، فخرج أبو عامر هاربًا هو وابن عبد ياليل، من ثقيف، (12) وعلقمة بن علاثة، من قيس، من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لحقوا بصاحب الروم. فأما علقمة وابن عبد ياليل، (13) فرجعا فبايعا النبي صلى الله عليه وسلم وأسلما. وأما أبو عامر، فتنصر وأقام. قال: وبنى ناسٌ من المنافقين مسجد الضرار لأبي عامر, قالوا: " حتى يأتي أبو عامر يصلي فيه "، وتفريقًا بين المؤمنين، يفرقون به جماعتهم، (14) لأنهم كانوا يصلون جميعًا في مسجد قباء. وجاءوا يخدعون النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، ربما جاء السيلُ، فيقطع بيننا وبين الوادي، (15) ويحول بيننا وبين القوم، ونصلي في مسجدنا، (16) فإذا ذهب السيل صلينا معهم ! قال: وبنوه على النفاق. قال: وانهار مسجدهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وألقى الناس عليه التِّبن والقُمامة، (17) فأنزل الله: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين)، لئلا يصلي في مسجد قباء جميعُ المؤمنين =(وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل)، أبي عامر =(وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون).17200- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون, عن أبي جعفر, عن ليث: أن شقيقًا لم يدرك الصلاة في مسجد بني عامر, فقيل له: مسجد بني فلان لم يصلُّوا بعدُ ! فقال: لا أحب أن أصلي فيه، فإنه بُني على ضرار, وكل مسجد بُنِيَ ضرارًا أو رياءً أو سمعة، فإن أصله ينتهي إلى المسجد الذي بني على ضرار.--------------------الهوامش :(1) في المطبوعة والمخطوطة : " خذام بن خالد بن عبيد " ، وأثبت ما في سيرة ابن هشام .(2) في المطبوعة : " وبخدج " ، والصواب ما في المخطوطة وسيرة ابن هشام .(3) الأثر : 17186 - سيرة ابن هشام 4 : 173 ، 174 .(4) انظر تفسير " الضرار " فيما سلف 5 : 7 ، 8 ، 46 ، 53 / 6 : 85 - 91 .(5) في المطبوعة : " ومن عجز عن المسير " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب .(6) في المطبوعة : " بخدج " ، وأثبت ما في سيرة ابن هشام 4 : 174 ، كما سلف في رقم : 17186 . ورأيت بعد في المحبر : 47 : " بخدج " ولم أتمكن من تصحيحه . ثم انظر جمهرة الأنساب لابن حزم : 316 في نسب " سهل بن حنيف " ، و " عثمان بن حنيف " ، و " عباد بن حنيف " . وانظر التعليق التالي .(7) ما أدري قوله : " جد عبد الله بن حنيف " ، ولست أدري أهو من كلام ابن عباس أو من كلام غيره ، وإن كنت أرجح أنه من كلام غيره ، لأني لم أجد في الصحابة ولا التابعين " عبد الله بن حنيف " ، وجده " بحزج " . والمذكور في المنافقين الذين بنوا مسجد الضرار : " عباد بن حنيف " ، أخو " سهل بن حنيف " . فأخشى أن يكون سقط من الخبر شيء ، فاختلط الكلام . وفي نسب " سهل بن حنيف " " عمرو ، وهو بحزج ، بن حنش بن عوف بن عمرو " ( انظر ابن سعد 3 / 2 / 39 ، ثم : 5 : 59 ) ، وجمهرة الأنساب لابن حزم : 316 ، ولكن هذا قديم جدا في الجاهلية ، وهو بلا شك غير " بحزج " ، الذي كان من أمره ما كان في مسجد الضرار .فهذا الذي هنا يحتاج إلى فضل تحقيق ، لم أتمكن من بلوغه .(8) في المطبوعة : " لبخدج " ، وانظر التعليقات السالفة .(9) في المطبوعة ، ساق الكلام سياقا واحدا هكذا: " وكانوا يرصدون أبو عامر أن يصلي فيه " ، وفي المخطوطة: "وكانوا يرصدون أبو عامر أن يصلي فيه"، وبين الكلامين بياض ، وفي الهامش حرف ( ط ) دلالة على الخطأ ، وأثبت ما بين القوسين من الدر المنثور 1 : 276 ، وروى الخبر من طريق ابن مردويه ، وابن أبي حاتم . وهذا الذي أثبته يطابق في معناه ما سيأتي في الآثار التالية .(10) قوله : " فقتلوه بإسلامه " ، كلام صحيح ، وإن ظن بعضهم أنه لا يستقيم ، وذلك أن أبا عامر الراهب ، لما خرج إلى الروم مات هناك سنة تسع أو عشر . ( الإصابة في ترجمة ولده : حنظلة غسيل الملائكة بن أبي عامر ) . فكأنه يقال أيضا أن الروم قتلته بإسلامه ، كما جاء في هذا الخبر . وأما قوله بعد : " قال : إذا جاء صلى فيه " ، فهو من كلام قتادة . وانظر الأخبار التالية ، فإنه يقال إنه تنصر .(11) في المطبوعة : " وأخيه " ، والذي في المخطوطة كما أثبته غير مقروء قراءة ترتضي . وممكن أن تكون " وأخوه " ، ولكنه عندئذ خطأ ، صوابه أن يكون و " أخيه " ، كما أثبته ناشر المطبوعة .بيد أن السياق يدل على أن ما بين القوسين اسم ثالث ، وهو اسم أخي حنظلة ، وصيفي ، ولم استطع أن أجد خبر ذلك .وأما " صيفي " ، فقد ذكره ابن حجر في الإصابة في ترجمة " صيفي " ، وأنه كان ممن شهد أحدا ، ونسب ذلك إلى ابن سعد والطبراني ، ولم أجده في المطبوع من طبقات ابن سعد .(12) الذي جاء في المخطوطة والمطبوعة : " ابن بالين " ، وإن كان في المخطوطة غير منقوط .وهو خطأ لا شك فيه عندي ، وأن صوابه : " وابن عبد ياليل " كما أثبته . فإن ابن عبد البر في الاستيعاب : 105 ، في ترجمة " حنظلة الغسيل " ، ذكر أن أبا عمر الفاسق لما فتحت مكة ، لحق بهرقل هاربا إلى الروم ، فمات كافرا عند هرقل ، وكان معه هناك " كنانة بن عبد ياليل " و " علقمة بن علاثة " ، فاختصما في ميراثه إلى هرقل ، فدفعه إلى كنانة بن عبد ياليل ، وقال لعلقمة : هما من أهل المدر ، وأنت من أهل الوبر .و " كنانة بن عبد ياليل الثقفي " ، ترجم له ابن حجر في القسم الرابع ، وذكره ابن سلام الجمحي ، في طبقات فحول الشعراء ص : 217 ، في شعراء الطائف ، ولم يورد له خبرا بعد ذكره .(13) في المطبوعة والمخطوطة : " وابن بالين " ، وفي المخطوطة غير منقوطة . انظر التعليق السالف .(14) في المطبوعة : " بين جماعتهم " ، وأثبت ما في المخطوطة .(15) في المطبوعة : " يقطع " ، وأثبت ما في المخطوطة .(16) في المطبوعة : " فنصلي " ، وأثبت ما في المخطوطة .(17) في المطبوعة : " النتن والقامة " والصواب ما في المخطوطة . و " التبن " عصيفة الزرع ، فهو الذي يلقى . وأما " النتن " فالرائحة الكريهة ، فكأنه ظن أن " النتن " مجاز لمعنى " الأقذار " ، لنتن رائحتها ! وهو باطل .
لَا تَقُمۡ فِيهِ أَبَدٗاۚ لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ ١٠٨التفسير الميسرلا تقم -أيها النبي- للصلاة في ذلك المسجد أبدًا؛ فإن المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى من أول يوم -وهو مسجد (قباء)- أولى أن تقوم فيه للصلاة، ففي هذا المسجد رجال يحبون أن يتطهروا بالماء من النجاسات والأقذار، كما يتطهرون بالتورع والاستغفار من الذنوب والمعاصي. والله يحب المتطهرين. وإذا كان مسجد (قباء) قد أُسِّسَ على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كذلك بطريق الأولى والأحرى.
تفسير السعديلَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا أي: لا تصل في ذلك المسجد الذي بني ضرارا أبدا. فاللّه يغنيك عنه، ولست بمضطر إليه.لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ظهر فيه الإسلام في "قباء" وهو مسجد "قباء" أسس على إخلاص الدين للّه، وإقامة ذكره وشعائر دينه، وكان قديما في هذا عريقا فيه، فهذا المسجد الفاضل أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ وتتعبد، وتذكر اللّه تعالى فهو فاضل، وأهله فضلاء، ولهذا مدحهم اللّه بقوله: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا من الذنوب، ويتطهروا من الأوساخ، والنجاسات والأحداث.ومن المعلوم أن من أحب شيئا لا بد أن يسعى له ويجتهد فيما يحب، فلا بد أنهم كانوا حريصين على التطهر من الذنوب والأوساخ والأحداث، ولهذا كانوا ممن سبق إسلامه، وكانوا مقيمين للصلاة، محافظين على الجهاد، مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وإقامة شرائع الدين، وممن كانوا يتحرزون من مخالفة اللّه ورسوله.وسألهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما نزلت هذه الآية في مدحهم عن طهارتهم، فأخبروه أنهم يتبعون الحجارة الماء، فحمدهم على صنيعهم.وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ الطهارة المعنوية، كالتنزه من الشرك والأخلاق الرذيلة، والطهارة الحسية كإزالة الأنجاس ورفع الأحداث
تفسير ابن كثيروقوله : ( لا تقم فيه أبدا ) نهي من الله لرسوله ، صلوات الله وسلامه عليه ، والأمة تبع له في ذلك ، عن أن يقوم فيه ، أي : يصلي فيه أبدا .ثم حثه على الصلاة في مسجد قباء الذي أسس من أول يوم بنائه على التقوى ، وهي طاعة الله ، وطاعة رسوله ، وجمعا لكلمة المؤمنين ومعقلا وموئلا للإسلام وأهله ؛ ولهذا قال تعالى : ( لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه ) والسياق إنما هو في معرض مسجد قباء ؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " صلاة في مسجد قباء كعمرة " . وفي الصحيح : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور مسجد قباء راكبا وماشيا وفي الحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بناه وأسسه أول قدومه ونزوله على بني عمرو بن عوف ، كان جبريل هو الذي عين له جهة القبلة فالله أعلم .وقال أبو داود : حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا معاوية بن هشام ، عن يونس بن الحارث ، عن إبراهيم بن أبي ميمونة ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " نزلت هذه الآية في أهل قباء : ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا ) قال : كانوا يستنجون بالماء ، فنزلت فيهم الآية .ورواه الترمذي وابن ماجه ، من حديث يونس بن الحارث ، وهو ضعيف ، وقال الترمذي : غريب من هذا الوجه .وقال الطبراني : حدثنا الحسن بن علي المعمري ، حدثنا محمد بن حميد الرازي ، حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية : ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا ) بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عويم بن ساعدة فقال : " ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم ؟ " . فقال : يا رسول الله ، ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه - أو قال : مقعدته - فقال النبي صلى الله عليه وسلم . " هو هذا " .وقال الإمام أحمد : حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا أبو أويس ، حدثنا شرحبيل ، عن عويم بن ساعدة الأنصاري : أنه حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد قباء ، فقال : " إن الله تعالى قد أحسن [ عليكم الثناء ] في الطهور في قصة مسجدكم ، فما هذا الطهور الذي تطهرون به ؟ " فقالوا : والله - يا رسول الله - ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود ، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط ، فغسلنا كما غسلوا .ورواه ابن خزيمة في صحيحه .وقال هشيم ، عن عبد الحميد المدني ، عن إبراهيم بن إسماعيل الأنصاري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعويم بن ساعدة . " ما هذا الذي أثنى الله عليكم : ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ) قالوا : يا رسول الله ، إنا نغسل الأدبار بالماء .وقال ابن جرير : حدثني محمد بن عمارة الأسدي ، حدثنا محمد بن سعد ، حدثنا إبراهيم بن محمد ، عن شرحبيل بن سعد قال : سمعت خزيمة بن ثابت يقول : نزلت هذه الآية : ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ) قال : كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط .حديث آخر : قال الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا مالك - يعني : ابن مغول - سمعت سيارا أبا الحكم ، عن شهر بن حوشب ، عن محمد بن عبد الله بن سلام قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يعني : قباء ، فقال : " إن الله ، عز وجل ، قد أثنى عليكم في الطهور خيرا ، أفلا تخبروني ؟ " . يعني : قوله تعالى : ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ) فقالوا : يا رسول الله ، إنا نجده مكتوبا علينا في التوراة : الاستنجاء بالماء .وقد صرح بأنه مسجد قباء جماعة من السلف ، رواه علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس . ورواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير . وقاله عطية العوفي ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، والشعبي ، والحسن البصري ، ونقله البغوي عن سعيد بن جبير ، وقتادة .وقد ورد في الحديث الصحيح : أن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو في جوف المدينة ، هو المسجد الذي أسس على التقوى . وهذا صحيح . ولا منافاة بين الآية وبين هذا ؛ لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم ، فمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق الأولى والأحرى ؛ ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده :حدثنا أبو نعيم ، حدثنا عبد الله بن عامر الأسلمي ، عن عمران بن أبي أنس ، عن سهل بن سعد ، عن أبي بن كعب : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " المسجد الذي أسس على التقوى مسجدي هذا " . تفرد به أحمد .حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا ربيعة بن عثمان التيمي ، عن عمران بن أبي أنس ، عن سهل بن سعد الساعدي قال : اختلف رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الذي أسس على التقوى ، فقال أحدهما : هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال الآخر : هو مسجد قباء .فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فسألاه ، فقال : " هو مسجدي هذا " تفرد به أحمد أيضا .حديث آخر : قال أحمد : حدثنا موسى بن داود ، حدثنا ليث ، عن عمران بن أبي أنس ، عن سعيد بن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، قال : تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى ، فقال أحدهما : هو مسجد قباء ، وقال الآخر : هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " هو مسجدي هذا " تفرد به أحمد .طريق أخرى : قال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن عيسى ، حدثنا ليث ، حدثني عمران بن أبي أنس ، عن ابن أبي سعيد ، عن أبيه أنه قال : تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم ، فقال رجل : هو مسجد قباء ، وقال الآخر : هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هو مسجدي " .وكذا رواه الترمذي والنسائي عن قتيبة ، عن الليث وصححه الترمذي ، ورواه مسلم كما سيأتي .طريق أخرى : قال أحمد : حدثنا يحيى ، عن أنيس بن أبي يحيى ، حدثني أبي قال : سمعت أبا سعيد الخدري قال : اختلف رجلان : رجل من بني خدرة ، ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى ، فقال الخدري : هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال العمري : هو مسجد قباء ، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن ذلك ، فقال : " هو هذا المسجد " لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : " في ذاك [ خير كثير ] يعني : مسجد قباء .طريق أخرى : قال أبو جعفر بن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا يحيى بن سعيد - حدثنا حميد الخراط المدني ، سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن أبي سعيد فقلت : كيف سمعت أباك يقول في المسجد الذي أسس على التقوى ؟ فقال أبي : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلت عليه في بيت لبعض نسائه ، فقلت : يا رسول الله ، أين المسجد الذي أسس على التقوى ؟ قال : فأخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض ، ثم قال : " هو مسجدكم هذا " . ثم قال : [ فقلت له : هكذا ] سمعت أباك يذكره ؟ .رواه مسلم منفردا به عن محمد بن حاتم ، عن يحيى بن سعيد ، به ورواه عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره ، عن حاتم بن إسماعيل ، عن حميد الخراط ، به .وقد قال بأنه مسجد النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من السلف والخلف ، وهو مروي عن عمر بن الخطاب ، وابنه عبد الله ، وزيد بن ثابت ، وسعيد بن المسيب . واختاره ابن جرير .وقوله : ( لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ) دليل على استحباب الصلاة في المساجد القديمة المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده لا شريك له ، وعلى استحباب الصلاة مع جماعة الصالحين ، والعباد العاملين المحافظين على إسباغ الوضوء ، والتنزه عن ملابسة القاذورات .وقد قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن عبد الملك بن عمير ، سمعت شبيبا أبا روح يحدث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الصبح فقرأ بهم الروم فأوهم ، فلما انصرف قال : " إنه يلبس علينا القرآن ، إن أقواما منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء ، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء " .ثم رواه من طريقين آخرين ، عن عبد الملك بن عمير ، عن شبيب أبي روح من ذي الكلاع : أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكره فدل هذا على أن إكمال الطهارة يسهل القيام في العبادة ، ويعين على إتمامها وإكمالها والقيام بمشروعاتها .وقال أبو العالية في قوله تعالى : ( والله يحب المطهرين ) إن الطهور بالماء لحسن ، ولكنهم المطهرون من الذنوب .وقال الأعمش : التوبة من الذنب ، والتطهير من الشرك .وقد ورد في الحديث المروي من طرق ، في السنن وغيرها ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأهل قباء : " قد أثنى الله عليكم في الطهور ، فماذا تصنعون ؟ " فقالوا : نستنجي بالماء .وقد قال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا عبد الله بن شبيب ، حدثنا أحمد بن محمد بن عبد العزيز قال : وجدته في كتاب أبي ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية في أهل قباء . ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ) فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنا نتبع الحجارة الماء .ثم قال : تفرد به محمد بن عبد العزيز ، عن الزهري ، ولم يرو عنه سوى ابنه .قلت : وإنما ذكرته بهذا اللفظ لأنه مشهور بين الفقهاء ولم يعرفه كثير من المحدثين المتأخرين ، أو كلهم ، والله أعلم .
تفسير القرطبيقوله تعالى لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرينفيه إحدى عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى لا تقم فيه أبدا يعني مسجد الضرار ; أي لا تقم فيه للصلاة . وقد يعبر عن الصلاة بالقيام ; يقال : فلان يقوم الليل أي يصلي ; ومنه الحديث الصحيح : من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه . أخرجه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال . . . ، فذكره . وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية كان لا يمر بالطريق التي فيها المسجد ، وأمر بموضعه أن يتخذ كناسة تلقى فيها الجيف والأقذار والقمامات .الثانية : قوله تعالى ( أبدا ) أبدا : ظرف زمان . وظرف الزمان على قسمين : ظرف مقدر كاليوم ، وظرف مبهم كالحين والوقت ; والأبد من هذا القسم ، وكذلك الدهر . وتنشأ هنا مسألة أصولية ، وهي أن ( أبدا ) وإن كانت ظرفا مبهما لا عموم فيه ولكنه إذا اتصل بلا النافية أفاد العموم ، فلو قال : لا تقم ، لكفى في الانكفاف المطلق . فإذا قال : ( أبدا ) فكأنه قال في وقت من الأوقات ولا في حين من الأحيان . فأما النكرة في الإثبات إذا كانت خبرا عن واقع لم تعم ، وقد فهم ذلك أهل اللسان وقضى به فقهاء الإسلام فقالوا : لو قال رجل لامرأته أنت طالق أبدا طلقت طلقة واحدة .الثالثة : قوله تعالى لمسجد أسس على التقوى أي بنيت جدره ورفعت قواعده . والأس أصل البناء ; وكذلك الأساس . والأسس مقصور منه . وجمع الأس إساس ; مثل عس وعساس . وجمع الأساس أسس ; مثل قذال وقذل . وجمع الأسس آساس ; مثل سبب وأسباب . وقد أسست البناء تأسيسا . وقولهم : كان ذلك على أس الدهر ، وأس الدهر ، وإس الدهر ; ثلاث لغات ; أي على قدم الدهر ووجه الدهر . واللام في قوله ( لمسجد ) لام قسم . وقيل لام الابتداء ; كما تقول : لزيد أحسن الناس فعلا ; وهي مقتضية تأكيدا . أسس على التقوى نعت لمسجد . ( أحق ) خبر الابتداء الذي هو " لمسجد " ومعنى " التقوى " هنا الخصال التي تتقى بها العقوبة ، وهي فعلى من وقيت ، وقد تقدم .الرابعة : واختلف العلماء في المسجد الذي أسس على التقوى ; فقالت طائفة : هو مسجد قباء ; يروى عن ابن عباس والضحاك والحسن . وتعلقوا بقوله : من أول يوم ، ومسجد قباء كان أسس بالمدينة أول يوم ; فإنه بني قبل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ; قاله ابن عمر وابن المسيب ، ومالك فيما رواه عنه ابن وهب وأشهب وابن القاسم . وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري : قال تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم ; فقال رجل هو مسجد قباء ، وقال آخر هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو مسجدي هذا . قال حديث صحيح . والقول الأول أليق بالقصة ; لقوله : ( فيه ) وضمير الظرف يقتضي الرجال المتطهرين ; فهو مسجد قباء . والدليل على ذلك حديث أبي هريرة قال : نزلت هذه الآية في أهل قباء فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين قال : كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية . قال الشعبي : هم أهل مسجد قباء ، أنزل الله فيهم هذا . وقال قتادة : لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قباء : إن الله سبحانه قد أحسن عليكم الثناء في التطهر فما تصنعون ؟ قالوا : إنا نغسل أثر الغائط والبول بالماء رواه أبو داود . وروى الدارقطني عن طلحة بن نافع قال : حدثني أبو أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك الأنصاريون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين فقال : يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيرا في الطهور فما طهوركم هذا ؟ قالوا : يا رسول الله ، نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فهل مع ذلك من غيره ؟ فقالوا : لا غير ، إن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء . قال : هو ذاك فعليكموه وهذا الحديث يقتضي أن المسجد المذكور في الآية هو مسجد قباء ، إلا أن حديث أبي سعيد الخدري نص فيه النبي صلى الله عليه وسلم على أنه مسجده فلا نظر معه . وقد روى أبو كريب قال : حدثنا أبو أسامة قال حدثنا صالح بن حيان قال حدثنا عبد الله بن بريدة في قوله عز وجل : في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه قال : إنما هي أربعة مساجد لم يبنهن إلا نبي : الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، وبيت أريحا بيت المقدس بناه داود وسليمان عليهما السلام ، ومسجد المدينة ومسجد قباء اللذين أسسا على التقوى ، بناهما رسول الله صلى الله عليه وسلم .الخامسة : قوله تعالى من أول يوم ( من ) عند النحويين مقابلة " منذ " ; ف " منذ " في الزمان بمنزلة ( من ) في المكان . فقيل : إن معناها هنا معنى " منذ " ; والتقدير : منذ أول يوم ابتدئ بنيانه . وقيل : المعنى من تأسيس أول الأيام ، فدخلت على مصدر الفعل الذي هو أسس ; كما قال :لمن الديار بقنة الحجر أقوين من حجج ومن دهرأي من مر حجج ومن مر دهر . وإنما دعا إلى هذا أن من أصول النحويين أن " من " لا يجر بها الأزمان ، وإنما تجر الأزمان بمنذ ، تقول ما رأيته منذ شهر أو سنة أو يوم ، ولا تقول : من شهر ولا من سنة ولا من يوم . فإذا وقعت في الكلام وهي يليها زمن فيقدر مضمر يليق أن يجر بمن ; كما ذكرنا في تقدير البيت . ابن عطية . ويحسن عندي أن يستغنى في هذه الآية عن تقدير ، وأن تكون " من " تجر لفظة ( أول ) لأنها بمعنى البداءة ; كأنه قال : من مبتدأ الأيام .السادسة : قوله تعالى أحق أن تقوم فيه أي بأن تقوم ; فهو في موضع نصب . و ( أحق ) هو أفعل من الحق ، وأفعل لا يدخل إلا بين شيئين مشتركين ، لأحدهما في المعنى الذي اشتركا فيه مزية على الآخر ; فمسجد الضرار وإن كان باطلا لا حق فيه ، فقد اشتركا في الحق من جهة اعتقاد بانيه ، أو من جهة اعتقاد من كان يظن أن القيام فيه جائز للمسجدية ; لكن أحد الاعتقادين باطل باطنا عند الله ، والآخر حق باطنا وظاهرا ; ومثل هذا قوله تعالى : أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ومعلوم أن الخيرية من النار مبعودة ، ولكنه جرى على اعتقاد كل فرقة أنها على خير وأن مصيرها إليه خير ; إذ كل حزب بما لديهم فرحون . وليس هذا من قبيل : العسل أحلى من الخل ; فإن العسل وإن كان حلوا فكل شيء ملائم فهو حلو ; ألا ترى أن من الناس من يقدم الخل على العسل مفردا بمفرد ومضافا إلى غيره بمضاف .السابعة : قوله تعالى ( فيه ) من قال : إن المسجد يراد به مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فالهاء في أحق أن تقوم فيه عائد إليه . و فيه رجال له أيضا . ومن قال : إنه مسجد قباء ، فالضمير في ( فيه ) عائد إليه على الخلاف المتقدم .الثامنة : أثنى الله سبحانه وتعالى في هذه الآية على من أحب الطهارة وآثر النظافة ، وهي مروءة آدمية ووظيفة شرعية ; وفي الترمذي عن عائشة رضوان الله عليها أنها قالت : مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم . قال : حديث صحيح . وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحمل الماء معه في الاستنجاء ; فكان يستعمل الحجارة تخفيفا والماء تطهيرا . ابن العربي : وقد كان علماء القيروان يتخذون في متوضآتهم أحجارا في تراب ينقون بها ثم يستنجون بالماء .التاسعة : اللازم من نجاسة المخرج التخفيف ، وفي نجاسة سائر البدن والثوب التطهير . وذلك رخصة من الله لعباده في حالتي وجود الماء وعدمه ; وبه قال عامة العلماء . وشذ ابن حبيب فقال : لا يستجمر بالأحجار إلا عند عدم الماء . والأخبار الثابتة في الاستجمار بالأحجار مع وجود الماء ترده .العاشرة : واختلف العلماء من هذا الباب في إزالة النجاسة من الأبدان والثياب ، بعد إجماعهم على التجاوز والعفو عن دم البراغيث ما لم يتفاحش على ثلاثة أقوال : الأول : أنه واجب فرض ، ولا تجوز صلاة من صلى بثوب نجس عالما كان بذلك أو ساهيا ; روي عن ابن عباس والحسن وابن سيرين ، وهو قول الشافعي وأحمد وأبي ثور ، ورواه ابن وهب عن مالك ، وهو قول أبي الفرج المالكي والطبري ; إلا أن الطبري قال : إن كانت النجاسة قدر الدرهم أعاد الصلاة . وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف في مراعاة قدر الدرهم قياسا على حلقة الدبر . وقالت طائفة : إزالة النجاسة واجبة بالسنة من الثياب والأبدان ، وجوب سنة وليس بفرض . قالوا : ومن صلى بثوب نجس أعاد الصلاة في الوقت فإن خرج الوقت فلا شيء عليه ; هذا قول مالك وأصحابه إلا أبا الفرج ، ورواية ابن وهب عنه . وقال مالك في يسير الدم : لا تعاد منه الصلاة في الوقت ولا بعده ، وتعاد من يسير البول والغائط ; ونحو هذا كله من مذهب مالك قول الليث . وقال ابن القاسم عنه : تجب إزالتها في حالة الذكر دون النسيان ; وهي من مفرداته . والقول الأول أصح إن شاء الله ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبرين فقال : إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله . . . . الحديث ، خرجه البخاري ومسلم ، وحسبك . وسيأتي في سورة ( سبحان ) . قالوا : ولا يعذب الإنسان إلا على ترك واجب ; وهذا ظاهر . وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أكثر عذاب القبر من البول . احتج الآخرون بخلع النبي صلى الله عليه وسلم نعليه في الصلاة لما أعلمه جبريل عليه السلام أن فيهما قذرا وأذى . . . الحديث . خرجه أبو داود وغيره من حديث أبي سعيد الخدري ، وسيأتي في سورة ( طه ) إن شاء الله تعالى . قالوا : ولما لم يعد ما صلى دل على أن إزالتها سنة وصلاته صحيحة ، ويعيد ما دام في الوقت طلبا للكمال . والله أعلم .الحادية عشرة : قال القاضي أبو بكر بن العربي : وأما الفرق بين القليل والكثير بقدر الدرهم البغلي ; يعني كبار الدراهم التي هي على قدر استدارة الدينار قياسا على المسربة - ففاسد من وجهين ; أحدهما : أن المقدرات لا تثبت قياسا فلا يقبل هذا التقدير . الثاني : أن هذا الذي خفف عنه في المسربة رخصة للضرورة ، والحاجة والرخص لا يقاس عليها ; لأنها خارجة عن القياس فلا ترد إليه .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تقم، يا محمد، في المسجد الذي بناه هؤلاء المنافقون، ضرارًا وتفريقًا بين المؤمنين، وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله. ثم أقسم جل ثناؤه فقال: (لمسجد أسِّس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم)، أنت =(فيه).* * *يعني بقوله: (أسس على التقوى)، ابتدئ أساسه وأصله على تقوى الله وطاعته =(من أول يوم)، ابتدئ في بنائه =(أحق أن تقوم فيه)، يقول: أولى أن تقوم فيه مصلِّيًا.* * *وقيل: معنى قوله: (من أول يوم)، مبدأ أول يوم كما تقول العرب: " لم أره من يوم كذا ", بمعنى: مبدؤه = و " من أول يوم "، يراد به: من أول الأيام, كقول القائل: " لقيت كلَّ رجل ", بمعنى كل الرجال.* * *واختلف أهل التأويل في المسجد الذي عناه بقوله: (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم).فقال بعضهم: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي فيه منبره وقبره اليوم.* * ** ذكر من قال ذلك:17201- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية, عن إبراهيم بن طهمان, عن عثمان بن عبيد الله قال: أرسلني محمد بن أبي هريرة إلى ابن عمر، أسأله عن المسجد الذي أسس على التقوى، أيّ مسجد هو؟ مسجد المدينة, أو مسجد قباء؟ قال: لا مسجد المدينة. (18)17202-...... قال، حدثنا القاسم بن عمرو العنقزي, عن الدراوردي, عن عثمان بن عبيد الله, عن ابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبي سعيد قالوا: المسجد الذي أسس على التقوى، مسجد الرسول. (19)17203-...... قال، حدثنا أبي, عن ربيعة بن عثمان, عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع قال: سألت ابن عمر عن المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: هو مسجد الرسول. (20)17204-...... قال، حدثنا ابن عيينة, عن أبي الزناد, عن خارجة بن زيد, عن زيد قال: هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.17205-...... قال، حدثنا أبي, عن عبد الرحمن بن عبد الله بن ذكوان, عن أبيه, عن خارجة بن زيد, عن زيد قال: هو مسجد الرسول.17206- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد, حدثنا حميد الخراط المدني قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن قال: مر بي عبد الرحمن بن أبي سعيد فقلت: كيف سمعت أباك يقول في المسجد الذي أسس على التقوى؟ فقال لي: [قال أبي] (21) أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلت عليه في بيت بعض نسائه, فقلت: يا رسول الله, أيُّ مسجدٍ الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفًّا من حصباء فضرب به الأرض, ثم قال: هو مسجدكم هذا! = [فقلت]: (22) هكذا سمعت أباك يذكره. (23)17207- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن أسامة بن زيد, عن عبد الرحمن بن أبي سعيد, عن أبيه قال: المسجد الذي أسس على التقوى، هو مسجدُ النبيِّ الأعظمُ.17208- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا داود, عن سعيد بن المسيب قال: إن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم, هو مسجد المدينة الأكبر.17209- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي, عن داود قال، قال سعيد بن المسيب, فذكر مثله = إلا أنه قال: الأعظم.17210- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن سعيد القطان, عن ابن حرملة, عن سعيد بن المسيب قال: هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.17211- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة, عن أبي الزناد, عن خارجة بن زيد = قال: أحسبه عن أبيه = قال: مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، الذي أسس على التقوى.* * *وقال آخرون: بل عني بذلك مسجد قُباء.* ذكر من قال ذلك:17212- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم)، يعني مسجد قُباء.17213- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, نحوه.17214- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا فضيل بن مرزوق, عن عطية: (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم)، هو مسجد قباء.17215- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن صالح بن حيان, عن ابن بريدة قال: مسجد قُباء، الذي أسس على التقوى, بناه نبي الله صلى الله عليه وسلم. (24)17216- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: المسجد الذي أسس على التقوى، مسجد قباء.17217- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الزهري, عن عروة بن الزبير: الذين بُني فيهم المسجدُ الذي أسس على التقوى, بنو عمرو بن عوف.* * *قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: هو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، لصحة الخبَر بذلك عن رسول الله. (25)* ذكر الرواية بذلك.17218- حدثنا أبو كريب وابن وكيع = قال أبو كريب: حدثنا وكيع = وقال ابن وكيع: حدثنا أبي = عن ربيعة بن عثمان التيمي, عن عمران بن أبي أنس، رجل من الأنصار, عن سهل بن سعد قال، اختلف رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الذي أسس على التقوى, فقال أحدهما: هو مسجد النبيّ! وقال الآخر: هو مسجد قباء! فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه, فقال: هو مسجدي هذا = اللفظ لحديث أبي كريب, وحديث سفيان نحوه. (26)17219- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو نعيم, عن عبد الله بن عامر الأسلمي، عن عمران بن أبي أنس, عن سهل بن سعد, عن أبيّ بن كعب: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: مسجدي هذا. (27)17220- حدثني يونس قال، أخبرني ابن وهب قال، حدثني الليث, عن عمران بن أبي أنس, عن ابن أبي سعيد, عن أبيه, قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم, فقال رجل: هو مسجد قباء! وقال آخر: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقال رسول الله: هو مسجدي هذا. (28)17221- حدثني بحر بن نصر الخولاني قال، قرئ على شعيب بن الليث, عن أبيه, عن عمران بن أبي أنس, عن سعيد بن أبي سعيد الخدري قال: تمارى رجلان, فذكر مثله. (29)17222- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني سَحْبَل بن محمد بن أبي يحيى قال، سمعت عمي أنيس بن أبي يحيى يحدث, عن أبيه, عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المسجد الذي أسس على التقوى، مسجدي هذا, وفي كلٍّ خيرٌ. (30)17223- حدثني المثنى قال، حدثني الحماني قال، حدثنا عبد العزيز, عن أنيس, عن أبيه, عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه. (31)17224- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا صفوان بن عيسى قال، أخبرنا أنيس بن أبي يحيى, عن أبيه, عن أبي سعيد: أن رجلا من بني خُدْرة ورجلا من بني عمرو بن عوف، امتريا في المسجد الذي أسس على التقوى, فقال الخدريُّ: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقال العوفي: هو مسجد قباء. فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم وسألاه فقال: هو مسجدي هذا, وفي كلٍّ خيرٌ. (32)* * *القول في تأويل قوله : فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: في حاضري المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، رجال يحبُّون أن ينظفوا مقاعدَهم بالماء إذا أتوا الغائط، والله يحبّ المتطهّرين بالماء.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:17225- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا همام بن يحيى, عن قتادة, عن شهر بن حوشب قال: لما نزل: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الطُّهور الذي أثنى الله عليكم؟ قالوا: يا رسول الله، نغسل أثر الغائط. (33)17226- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لأهل قُباء: " إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطُّهور, فما تصنعون؟ " قالوا: إنا نغسل عنَّا أثر الغائط والبوْل.17227- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة قال: لما نزلت: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا)، قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار، ما هذا الطُّهور الذي أثنى الله عليكم فيه؟ قالوا: إنا نَسْتطيب بالماء إذا جئنا من الغائط.17228- حدثني جابر بن الكردي قال، حدثنا محمد سابق قال، حدثنا مالك بن مغول, عن سيَّارٍ أبي الحكم, عن شهر بن حوشب, عن محمد بن عبد الله بن سلام قال: قام علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألا أخبروني, فإن الله قد أثنى عليكم بالطُّهور خيرًا؟ فقالوا: يا رسول الله، إنا نجد عندنا مكتوبًا في التوراة، الاستنجاءُ بالماء. (34)17229- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا [يحيى بن رافع], عن مالك بن مغول قال، سمعت سيارًا أبا الحكم غير مرة, يحدث، عن شهر بن حوشب, عن محمد بن عبد الله بن سلام قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم على أهل قُباء قال: إن الله قد أثنى عليكم بالطهور خيرا = يعني قوله: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا)، قالوا: إنا نجده مكتوبًا عندنا في التوراة، الاستنجاءُ بالماء. (35)17230- حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا [يحيى بن رافع]، قال، حدثنا مالك بن مغول, عن سيار, عن شهر بن حوشب، عن محمد بن عبد الله بن سلام = قال يحيى: ولا أعلمه إلا عن أبيه = قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأهل قباء: إن الله قد أثنى عليكم في الطهور خيرًا! قالوا: إنا نجده مكتوبًا علينا في التوراة، الاستنجاءُ بالماء. وفيه نزلت: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا). (36)17231- حدثني عبد الأعلى بن واصل قال، حدثنا إسماعيل بن صبيح اليشكري قال، حدثنا أبو أويس المدني, عن شرحبيل بن سعد, عن عويم بن ساعدة، وكان من أهل بدر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قباء: إني أسمع الله قد أثنى عليكم الثَّناء في الطهور, (37) فما هذا الطهور؟ قالوا: يا رسول الله، ما نعلم شيئًا، إلا أن جيرانًا لنا من اليهود رأيناهم يغسلون أدبارهم من الغائط, فغسلنا كما غسلوا. (38)17232- حدثني محمد بن عمارة قال، حدثنا محمد بن سعيد قال، حدثنا إبراهيم بن محمد, عن شرحبيل بن سعد قال: سمعت خزيمة بن ثابت يقول: نزلت هذه الآية: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين)، قال: كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط.17233- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبي ليلى, عن عامر قال: كان ناس من أهل قُباء يستنجون بالماء, فنزلت: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين).17234- حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثنا شبابة بن سوار, عن شعبة, عن مسلم القُرِّيّ قال: قلت لابن عباس: أصبُّ على رأسي؟ = وهو محرم = قال: ألم تسمع الله يقول: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ؟ (39)17235- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص, عن داود، وابن أبي ليلى, عن الشعبي, قال، لما نزلت: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قباء: ما هذا الذي أثنى الله عليكم؟ قالوا: ما منَّا من أحدٍ إلا وهو يستنجي من الخلاء.17236- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم, عن عبد الحميد المدني, عن إبراهيم بن إسماعيل الأنصاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعويم بن ساعدة: ما هذا الذي أثنى الله عليكم: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) ؟ قال: نوشك أن نغسل الأدبار بالماء! (40)17237- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، أخبرنا أبو جعفر, عن حصين, عن موسى بن أبي كثير قال: بدء حديث هذه الآية في رجال من الأنصار من أهل قباء: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين)، فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم, قالوا: نستنجي بالماء. (41)17238- حدثني المثنى قال، حدثنا أصبغ بن الفرج قال، أخبرني ابن وهب قال، أخبرني يونس, عن أبي الزناد قال: أخبرني عروة بن الزبير, عن عويم بن ساعدة، من بني عمرو بن عوف, ومعن بن عدي، من بني العجلان, وأبي الدحداح = فأما عويم بن ساعدة، فهو الذي بلغنا أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنِ الذين قال الله فيهم: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم الرجال، منهم عويم بن ساعدة = لم يبلغنا أنه سمّى منهم رجلا غير عويم. (42)17239- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن هشام بن حسان قال، حدثنا الحسن قال: لما نزلت هذه الآية: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا الذي ذكركم الله به في أمر الطهور, فأثنى به عليكم؟ قالوا: نغسل أثر الغائِطِ والبول.17240- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد, قال: أخبرنا ابن المبارك, عن مالك بن مغول قال، سمعت سيارًا أبا الحكم يحدّث، عن شهر بن حوشب, عن محمد بن عبد الله بن سلام قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة = أو قال: قدم علينا رسول الله = فقال: إن الله قد أثنى عليكم في الطهور خيرًا أفلا تخبروني؟ " قالوا: يا رسول الله, إنا نجد علينا مكتوبًا في التوراة، الاستنجاءُ بالماء = قال مالك: يعني قوله: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا). (43)17241- حدثني أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا فضيل بن مرزوق, عن عطية قال: لما نزلت هذه الآية: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا)، سألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما طهوركم هذا الذي ذكرَ الله؟ قالوا: يا رسول الله، كنا نستنجي بالماء في الجاهلية, فلما جاء الإسلام لم ندعْه. قال: فلا تدَعوه.17242- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: كان في مسجد قُباء رجال من الأنصار يوضِّئون سَفِلَتهم بالماء، (44) يدخلون النخل والماء يجري فيتوضئون، فأثنى الله بذلك عليهم فقال: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا)، الآية.17243- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا طلحة بن عمرو, عن عطاء قال: أحدث قوم الوضوء بالماء من أهل قباء, فنزلت فيهم: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين).* * *وقيل: (والله يحب المطهرين)، وإنما هو: " المتطهِّرين ", ولكن أدغمت التاء في الطاء, فجعلت طاء مشددة، لقرب مخرج إحداهما من الأخرى. (45)----------------------الهوامش :(18) الأثر : 17201 - " إبراهيم بن طهمان الخراساني " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 3762 ، 3727 ، 4931 .و " عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع " ، مولى سعيد بن العاص . رأى أبا هريرة ، وأبا قتادة ، وابن عمر ، وأبا أسيد ، يضفرون لحاهم . مترجم في ابن أبي حاتم 3 / 1 / 156 . وسيأتي في الأثرين التاليين رقم : 17202 ، 17203 .وأما قوله : " أرسلني محمد بن أبي هريرة " ، فإني أرتاب فيه كل الارتياب ، وأرجح أنه : " محرر بن أبي هريرة " ، ولم أجد لأبي هريرة ولد يقال له " محمد " ، بل ولده هم " المحرر بن هريرة " ، و " وعبد الرحمن بن أبي هريرة " ، و " بلال بن أبي هريرة " . ومضى " المحرر بن أبي هريرة " برقم : 2863 ، 16368 - 16370 .(19) الأثر : 17202 - " القاسم بن عمرو بن محمد العنقزي " ، مولى قريش ، سمع أباه . مترجم في الكبير 4 / 1 / 172 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 115 ، ولم يذكرا فيه جرحا ." الدراوردي " ، هو " عبد العزيز بن محمد بن عبيد الدراوردي " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 10676 ، 15714 .و " عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع " ، مضى في الأثر السالف .(20) الأثر : 17203 - " ربيعة بن عثمان بن ربيعة التيمي " ، ثقة . مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 1 / 264 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 476 .و " عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع " ، مضى في الأثرين السالفين .(21) هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها ، استظهرتها من لفظ حديث مسلم . ولو قلت " قال قال أبي " ، لكان مطابقا لما في المسند .(22) في المخطوطة : " ثم هكذا سمعت أباك يذكر " ، وفي المطبوعة حذف " ثم " وجعل " يذكر " ، " يذكره " . فزدت ما بين القوسين إتماما للسياق . ونص روايته مسلم : " قالت فقلت : أشهد أني سمعت أباك هكذا يذكره " .(23) الأثر : 17206 - رواه مسلم في صحيحه 9 : 168 ، 169 من هذه الطريق نفسها ، مع اختلاف يسير في بعض لفظه .ورواه أحمد في مسنده 3 : 24 ، من هذه الطريق ، نفسها مع خلاف في بعض لفظه .(24) الأثر : 17215 - " صالح بن حيان القرشي " ، ضعيف الحديث ، مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 2 / 276 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 398 ، وميزان الاعتدال 1 : 455 ." ابن بريدة " ، هو " عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي " ، ثقة ، مضى برقم : 12523 .(25) يعني الخبر الذي رواه أحمد ومسلم وأبو جعفر آنفا برقم : 17206 ، وما سيأتي من الأخبار .(26) الأثر : 17218 - " ربيعة بن عثمان التيمي " ، ثقة ، مضى برقم : 17203 .و " عمران بن أبي أنس العامري المصري " ثقة . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 2 294 .وأما قول أبي جعفر " رجل من الأنصار " ، فظني أن ذلك لأنه يقال إنه مولى " أبي خراش السلمي ، أو الأسلمي " ، قال ابن سعد : " كانوا يزعمون أنهم من بني عامر بن لؤى ، والناس يقولون إنهم موالي ، ثم انتموا بعد ذلك إلى اليمن " .ولم أجدهم ذكروا له سماعا من سهل بن سعد الأنصاري ، وهو خليق أن يروى عنه ، لأن سهل بن سعد مات سنة 88 ، وعمران مات سنة 117 .و " سهل بن سعد بن مالك الساعدي الأنصاري " ، له ولأبيه صحبة ، روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن أبي بن كعب ، وعاصم بن عدي ، وعمرو بن عبسة ، ومروان بن الحكم ، وهو دونه .وهذا الخبر تفرد به أحمد من هذه الطريق نفسها ، في مسنده 5 : 331 ، ثم رواه في ص : 335 ، من طريق عبد الله بن عامر ، عن عمران بن أبي أنس ، عن سهل بن سعد ، وانظر الخبر التالي .وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 34 ، وقال : " رواه أحمد والطبراني باختصار ، ورجالهما رجال الصحيح " .(27) الأثر : 17219 - " عبد الله بن عامر الأسلمي " ، ضعيف ، ذاهب الحديث ، مضى برقم : 15586 .وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده 5 : 117 ، من طريق أبي نعيم ، عن عبد الله بن عامر الأسلمي ، ومن طريق عبد الله بن الحارث الأسلمي ، عن عبد الله بن عامر .وهذا إسناد ضعيف ، لضعف " عبد الله بن عامر الأسلمي " .(28) الأثر : 17220 - هذا حديث صحيح ، رواه الترمذي في كتاب التفسير ، ورواه أحمد في مسنده 3 : 8 ، 89 ، وقال الترمذي : " هذا حديث حسن صحيح . وقد روى هذا عن أبي سعيد من غير هذا الوجه ، رواه أنيس بن أبي يحيى ، عن أبيه ، عن أبي سعيد " ، وهو ما سيرويه ، أبو جعفر من رقم : 17222 - 17224 .(29) الأثر : 17221 - " بحر بن نصر بن سابق الخولاني " ، شيخ أبي جعفر ، مضى برقم : 10588 ، 10647 .وهذا الخبر ، ذكره ابن كثير في تفسيره 4 : 243 ، من مسند أحمد قال : " حدثنا موسى بن داود قال ، حدثنا ليث ، عن عمران بن أبي أنس ، عن سعيد بن أبي سعيد قال : تمارى رجلان " . ولم أستطع أن أستخرجه من المسند في ساعتي هذه ، وقال ابن كثير : " تفرد به أحمد " .(30) الأثر : 17222 - " سحبل بن محمد بن أبي يحيى سمعان الأسلمي " ، هو " عبد الله بن محمد بن أبي يحيى " ، وقد ينسب إلى جده . ثقة . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 156 .وفي بعض الكتب غير مضبوط " سحيل " بالياء ، وضبطه في التقريب بفتح السين المهملة ، وسكون الحاء ، بعدها موحدة . وكان في المطبوعة : " سجل " ، والصواب ما في المخطوطة .و " أنيس بن أبي يحيى سمعان الأسلمي " ، ثقة . مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 2 / 43 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 334 .وأبوه " سمعان " ، " أبو يحيى ، الأسلمي " ، تابعي ثقة . مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 2 / 205 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 316 .وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده 3 : 23 من طريق : يحيى ، عن أنيس بن أبي يحيى ، بنحوه .ثم رواه أيضا 3 : 91 من طريق صفوان ، عن أنيس ، بنحوه ( رواه أبو جعفر برقم : 17224 ) .وإسناده صحيح . وسيأتي من طرق أخرى بعده .(31) الأثر : 17223 - مكرر الذي قبله .(32) الأثر : 17224 - رواه أحمد في مسنده ، كما أشرت إليه في التعليق على رقم : 17222 .و " صفوان بن عيسى الزهري " ، من شيوخ أحمد ، ثقة . مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 2 / 310 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 425 .(33) الأثر : 17225 - حديث شهر بن حوشب المرسل ، سيأتي ذكره في التعليق على رقم : 17228 ، بعده .(34) الأثر : 17228 - حديث شهر بن حوشب ، عن محمد بن عبد الله بن سلام ، سيأتي من طرق ، هذا ثم : 17229 - 17231 ، 17240 ." جابر بن الكردي بن جابر الواسطي "، شيخ الطبري، ثقة مضى برقم: 7216.و"محمد بن سابق التميمي"، ثقة ، قيل إنه ليس ممن يوصف بالضبط في الحديث . مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 1 / 111 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 283 ، ولم يذكرا فيه جرحا .و " مالك بن مغول بن عاصم البجلي " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 5431 ، 10872 ، 14268 .و " سيار ، أبو الحكم العنزي " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 39 .و " شهر بن حوشب الأشعري " ، ثقة ، مضى برقم : 1489 ، 5244 ، 6650 - 6652 ، وبعدها كثير .و " محمد بن عبد الله بن سلام بن الحارث الخزرجي الإسرائيبلي " ، له رؤية ورواية محفوظة . مترجم في تعجيل المنفعة : 366 ، 367 ، والكبير 1 / 1 / 18 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 297 ، والاستيعاب : 234 ، 235 ، وأسد الغابة 4 : 324 ، والإصابة ، في ترجمته .وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده 6 : 6 ، من طريق " يحيى بن آدم ، حدثنا مالك - يعني ابن مغول - قال سمعت سيارا أبا الحكم غير مرة يحدث عن شهر بن حوشب ، عن محمد بن عبد الله بن سلام قال : لما قدم رسول الله . . . " .ورواه البخاري في التاريخ الكبير 1 / 1 / 18 من طريق محمد بن يوسف ، عن مالك بن مغول ، بنحوه ، ثم قال : " وقال إسحاق ، عن جرير ، عن ليث ، عن رجل من الأنصار من أهل قباء : لما نزلت ، بهذا " . فبين الاختلاف فيه على شهر بن حوشب ، وأنه أبهم الرجل من الأنصار .وأشار إليه الحافظ ابن عبد البر في ترجمته وقال : " حديثه مخرج في التفسير ، ويختلف في إسناد حديثه هذا ، ومنهم من يجعله مرسلا " ، والمرسل هو رواية الطبري السالفة رقم : 17225 ، وقال ابن حجر في الإصابة : " قال ابن منده : رواه داود بن أبي هند ، عن شهر مرسلا ، لم يذكر محمد ولا أباه " .ورواه ابن الأثير في أسد الغابة في ترجمته .وسيأتي في رقم : 17230 ، قول يحيى بن آدم " ولا أعلم إلا عن أبيه " . فانظر التعليق على الأثر هناك .(35) الأثر : 17229 - " يحيى بن رافع " ، هكذا جاء في الموضعين في مطبوعة الطبري ومخطوطته ، ولا أدري كيف وقع هذا ، فليس في هذه الطبقة من الرواة من أعرفه يقال له " يحيى بن رافع " ، وأما "يحيى بن رافع الثقفي" ، فهذا قديم جدا سمع عثمان وأبا هريرة ، ومضى برقم : 5777 ، ولكنه لما وقع هكذا في الموضعين أثبته على حاله .أما الذي لا أكاد أشك فيه ، فالصواب أنه " يحيى بن آدم " ، كما جاء في مسند أحمد ، وكما ذكره الحافظ ابن حجر في تعجيل المنفعة ، والإصابة ، وذكر أيضا رواية أبي هشام الرفاعي عن يحيى بن آدم ، كما سترى بعد ، من طريق البغوي .وهذا الخبر ، رواه ابن حجر في الإصابة ، وقال : " أخرجه أحمد ، والبخاري في تاريخه ، وأبو بكر بن أبي شيبة ، وابن قانع ، والبغوي " . وانظر التعليق على رقم : 17228 ، وعلى رقم : 17230 .(36) الأثر : 17230 - هكذا " يحيى بن رافع " ، والصواب المرجح " يحيى بن آدم " كما سلف في التعليق الماضي .ومن هذا الطريق ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة وتعجيل المنفعة ، وفيه زيادة " ولا أعلمه إلا عن أبيه " ، ونسبه إلى البغوي في الصحابة ، ثم أعقبه بقوله : " قال قال أبو هشام ( يعني الرفاعي ) ، وكتبته من أصل كتاب يحيى بن آدم ، ليس فيه عن أبيه " ثم قال : " وقال البغوي : حدث به الفريابي ، عن مالك بن مغول ، عن سيار ، عن شهر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يذكر أباه " .ثم قال : " روى سلمة بن رجاء ، عن مالك بن مغول ، فزاد فيه : عن أبيه . وقال أبو زرعة الرازي : الصحيح عندنا عن محمد ، ليس فيه : عن أبيه " .وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 1 : 212 ، 213 على محمد بن عبد الله بن سلام ، عن أبيه ، ثم قال : " رواه الطبراني في الكبير ، وفيه شهر بن حوشب ، وقد اختلفوا فيه . ولكنه وثقه أحمد وابن معين ، وأبو زرعة ، ويعقوب بن أبي شيبة " ثم خرجه عن محمد بن عبد الله بن سلام ، ثم قال : " رواه أحمد عن محمد بن عبد الله بن سلام ، ولم يقل : عن أبيه ، كما قال الطبراني . وفيه شهر أيضا " .فهذا الذي ذكرته دال ، أولا ، على أن صواب الاسم " يحيى بن آدم " ، لا " يحيى بن رافع " كما وقع في المخطوطة والمطبوعة . ودال أيضا على الاختلاف في هذا الخبر اختلافا يوجب النظر .ثم بقي شيء آخر ، لم أجد من ذكره في الكلام على هذا الخبر ، أرجو أن أكون أصبت في ذكره وبيانه .وذلك أن الثناء من الله على رجال يحبون أن يتطهروا ، كانوا يلزمون المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم ، وهو مسجد قباء بلا شك . وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما سأل هؤلاء عن ثناء الله عليهم . وهؤلاء الرجال هم من بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس ، ومنزلهم بقباء . وهم قوم عرب على دينهم في الجاهلية ، لم يذكر أحد أنهم كانوا يهودا .وخبر شهر بن حوشب هذا ، عن محمد بن عبد الله بن سلام ، ذكر فيه ثناء الله على هؤلاء الرجال ، وأن جوابهم كان : " إنا نجد عندنا مكتوبا في التوراة ، الاستنجاء بالماء " ، فظاهر هذا الخبر يدل على أن دينهم كان اليهودية . وذلك ما لم أجد قائلا قال به .و " محمد بن عبد الله بن سلام " ، وأبوه " عبد الله بن سلام بن الحارث " ، من بني قينقاع ، من اليهود ، من ذرية يوسف النبي عليه السلام ، وكان عبد الله بن سلام حليف القواقل من الخزرج ، وهم بنو عمرو بن عوف بن الخزرج ، وليسوا من " بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس " في شيء ، ومنازل هؤلاء غير منازل هؤلاء. وفي إسلام عبد الله بن سلام (سيرة ابن هشام 2 : 163) ، أنه قال، وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجرته : " فلما نزل بقباء ، في بني عمرو بن عوف ، أقبل رجل حتى أخبر بقدومه ، وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها " ، فعبد الله بن سلام ، وولده لم يكن منهم أحد بقباء .فقوله في الخبر رقم : 17228 " قام علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ألا أخبروني . . . " ، إلى آخر الخبر ، مشكل جدا ، لأن الخبر خبر محمد بن عبد الله بن سلام ، والضمير فيه راجع إليه وإلى قومه أو حلفائه بني عمرو بن عوف بن الخزرج ، وهذا لا يصح البتة ، بدليل قوله في الذي يليه : أن ذلك كان " لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم على أهل قباء " .وهذا الذي ذكرت اضطراب شديد في صلب الخبر ، لا يرفعه شيء . ومهما يكن من أمر إسناده ، واختلاف المختلفين فيه على شهر بن حوشب ، فإن علته في سياقه ، أشد من علته في إسناده عندي . والله أعلم من أين أتى هذا الاضطراب ؟ والذي لا شك فيه : أنه بعيد جدا أن يكون هذا الجواب من كلام بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس ، وأنه أشبه بأن يكون كلام أحد من حلفائهم اليهود .وأوضح منه ما جاء في خبر عويم بن ساعدة ( رقم : 17231 ) ، وهو : " ما نعلم شيئا ، إلا أن جيرانا لنا من اليهود ، رأيناهم يغسلون أدبارهم من الغائط ، فغسلنا كما غسلوا " . فهذا أبين ، وأقرب إلى سياق ما سئلوا عنه ، وأدنى إلى رفع الاضطراب . والله تعالى أعلم .(37) في المسند : " قد أحسن عليكم الثناء " ، ولو قرئ ما في المخطوطة : " قد أسنى " بمعنى : رفع ، لكان حسنا .(38) الأثر : 17231 - " عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى بن هلال الأسدي " ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 11125 .و " إسماعيل بن صبيح اليشكري " ، ثقة ، مضى برقم : 2996 ، 8640 ، 11158 .و " أبو أويس المدني " ، هو " عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك الصبحي " ، صدوق ، ليس بحجة ، مضى برقم : 8640 .و " شرحبيل بن سعد الخطمي " ، قال أخي السيد أحمد فيما سلف رقم : 8396 : " الحق أنه ثقة ، إلا أنه اختلط في آخر عمره ، إذ جاوز المئة . وقد فصلنا القول فيه في شرح المسند : 2104 . وأخرج له ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما ، والكلام في تضعيفه شديد ، وذكر الحافظ ابن حجر في التهذيب ، روايته عن عويم بن ساعدة فقال : " وفي سماعه من عويم بن ساعدة نظر ، لأن عويما مات في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ويقال : في خلافة عمر رضي الله عنه ".وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده 3 : 422 من طريق حسين بن محمد ، عن أبي أويس ، بنحوه .وذكره ابن كثير في تفسير 4 : 41 ، ثم قال : " ورواه ابن خزيمة في صحيحه " . وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 1 : 212 ، وقال : " رواه أحمد ، والطبراني في الثلاثة . وفيه شرحبيل بن سعد ، ضعفه مالك ، وابن معين ، وأبو زرعة ، وثقه ابن حبان " .(39) الأثر : 17234 - " مسلم القري " بضم القاف وتشديد الراء ، نسبة إلى بني قرة ، من عبد القيس وهو مولاهم = هو : " مسلم بن مخراق العبدي الفريابي " ، ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 1 / 271 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 194 .(40) الأثر : 17236 - " عبد الحميد المدني " . ظني أنه " عبد الحميد بن سليمان الخزاعي ، أبو عمر المدني الضرير " ، روى عن أبي حازم ، وأبي الزناد ، وروى عنه هشيم ، وهو من أقرانه ، ضعيف الحديث . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 14 .و " إبراهيم بن إسماعيل الأنصاري " ، ظني أيضا أنه " إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع بن جارية الأنصاري المدني " ، روى عن الزهري وغيره ، وهو ضعيف أيضا ، كثير الوهم . مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 1 / 271 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 84 .وفي تفسير ابن كثير 4 : 241 " عن إبراهيم بن المعلى الأنصاري " ، ولم أجد له ذكرا في كتب الرجال .(41) الأثر : 17237 - " عبد الرحمن بن سعد " ، هو " عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الدشتكي " ، مضى برقم : 10666 ، 10855 ، 17011 .و " أبو جعفر " هو " أبو جعفر الرازي " ، مضى مرارا كثيرة.و " حصين " هو " حصين بن عبد الرحمن السلمي " ، مضى مرارا آخرها : 16671 .و " موسى بن أبي كثير الأنصاري " ، ثقة ، في الحديث : مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 1 / 293 ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 7 .(42) الأثر : 17238 - " أصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع الأموي " ، الفقيه المصري ، ثقة كان وراق ابن وهب ، وكان من أجل أصحابه ، وكان من أعلم خلق الله كلهم برأي مالك، مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 2 / 37 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 321 .وهذا الخبر جزء من حديث السقيفة ( الفتح 12 : 133 ) ، وعلق عليه الحافظ ابن حجر هناك ، وذكر طرقه . وذكره في الإصابة في ترجمة " عويم بن ساعدة " ، وذكر هذه الزيادة عن الإسماعيلي قال : " وزاد الإسماعيلي في روايته قال الزهري ، فأخبرني عروة بن الزبير أن الرجلين اللذين لقياهما ، هما : عويم بن ساعدة ، ومعن بن عدي ، فأما عويم ، فهو الذي بلغنا . . . " ، بنحوه .وخبر السقيفة ، رواه البخاري ( الفتح 12 : 128 - 139 ) من طريق عبد العزيز بن عبد الله ، عن إبراهيم بن سعد ، عن صالح ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن ابن عباس .ورواه أحمد في مسنده رقم : 391 ، من طريق مالك بن أنس ، عن ابن شهاب الزهري . ( وفي المسند : " عويمر بن ساعدة " ، وهو خطأ ، صوابه : عويم بن ساعدة ) .ورواه ابن سعد الطبقات 3 / 2 / 31 ، مختصرا ، وفيه نحو خبر لفظ أبي جعفر ، من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري ، عن أبيه ، عن صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس ، وفيه " قال ابن شهاب : وأخبرني عروة بن الزبير أن الرجلين اللذين لقومهما ، عويم بن ساعدة ، ومعن بن عدي . فأما عويم بن ساعدة فهو الذي بلغنا . . . " ، بنحوه .(43) الأثر : 17240 - هذا مكرر الآثار السالفة من رقم : 17225 ، ثم رقم : 17228 - 17230 ، فانظر التعليق عليها هناك .(44) قوله : " يوضئون سفلتهم " يعني ، يغسلون أدبارهم . و " السفلة " بمعنى المقعدة والدبر ، لم تذكر في كتب اللغة ، والمذكور بهذا المعنى " السافلة " . وضبطتها " بفتح السين وكسر الفاء " قياسا على قولهم : " سفلة البعير " ، وهي قوائمه ، لأنها أسفل .(45) انظر تفسير " المطهر " فيما سلف 4 : 384 .
أَفَمَنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقۡوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٍ خَيۡرٌ أَم مَّنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٖ فَٱنۡهَارَ بِهِۦ فِي نَارِ جَهَنَّمَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٩التفسير الميسرلا يستوي مَن أسَّس بنيانه على تقوى الله وطاعته ومرضاته، ومن أسَّس بنيانه على طرف حفرة متداعية للسقوط، فبنى مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المسلمين، فأدَّى به ذلك إلى السقوط في نار جهنم. والله لا يهدي القوم الظالمين المتجاوزين حدوده.
تفسير السعديثم فاضل بين المساجد بحسب مقاصد أهلها وموافقتها لرضاه فقال: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ أي: على نية صالحة وإخلاص وَرِضْوَانٌ بأن كان موافقا لأمره، فجمع في عمله بين الإخلاص والمتابعة، خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا أي: على طرف جُرُفٍ هَارٍ أي: بال، قد تداعى للانهدام، فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ لما فيه مصالح دينهم ودنياهم.
تفسير ابن كثيريقول تعالى : لا يستوي من أسس بنيانه على تقوى الله ورضوان ، ومن بنى مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين ، وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل ، فإنما بنى هؤلاء بنيانهم ( على شفا جرف هار ) أي : طرف حفيرة مثاله ( في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين ) أي : لا يصلح عمل المفسدين .قال جابر بن عبد الله : رأيت المسجد الذي بني ضرارا يخرج منه الدخان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم .وقال ابن جريج ذكر لنا أن رجالا حفروا فوجدوا الدخان يخرج منه . وكذا قال قتادة .وقال خلف بن ياسين الكوفي : رأيت مسجد المنافقين الذي ذكره الله تعالى في القرآن ، وفيه جحر يخرج منه الدخان ، وهو اليوم مزبلة . رواه ابن جرير رحمه الله .وقوله : ( لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم ) أي : شكا ونفاقا بسبب إقدامهم على هذا الصنيع الشنيع ، أورثهم نفاقا في قلوبهم ، كما أشرب عابدو العجل حبه .
تفسير القرطبيقوله تعالى أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمينفيه خمس مسائل : الأولى : قوله تعالى أفمن أسس أي أصل ، وهو استفهام معناه التقرير . و ( من ) بمعنى الذي ، وهي في موضع رفع بالابتداء ، وخبره ( خير ) . وقرأ نافع وابن عامر وجماعة ( أسس بنيانه ) على بناء ( أسس ) للمفعول ورفع ( بنيان ) فيهما . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وجماعة أسس بنيانه على بناء الفعل للفاعل ونصب ( بنيانه ) فيهما . وهي اختيار أبي عبيد لكثرة من قرأ به ، وأن الفاعل سمي فيه . وقرأ نصر بن عاصم بن علي " أفمن أسس " بالرفع ( بنيانه ) بالخفض . وعنه أيضا ( أساس بنيانه ) وعنه أيضا ( أس بنيانه ) بالخفض . والمراد أصول البناء كما تقدم . وحكى أبو حاتم قراءة سادسة وهي ( أفمن آساس بنيانه ) قال النحاس : وهذا جمع أس ; كما يقال : خف وأخفاف ، والكثير " إساس " مثل خفاف . قال الشاعر :أصبح الملك ثابت الأساس في البهاليل من بني العباسالثانية : قوله تعالى على تقوى من الله قراءة عيسى بن عمر - فيما حكى سيبويه - بالتنوين ، والألف ألف إلحاق كألف تترى فيما نون ، وقال الشاعر :يستن في علقى وفي مكوروأنكر سيبويه التنوين ، وقال : لا أدري ما وجهه . على شفا الشفا : الحرف والحد ، وقد مضى في ( آل عمران ) مستوفى . و جرف قرئ برفع الراء ، وأبو بكر وحمزة بإسكانها ; مثل الشغل والشغل ، والرسل والرسل ، يعني جرفا ليس له أصل . والجرف : ما يتجرف بالسيول من الأودية ، وهو جوانبه التي تنحفر بالماء ، وأصله من الجرف والاجتراف ; وهو اقتلاع الشيء من أصله . هار ساقط ; يقال . تهور البناء إذا سقط ، وأصله هائر ، فهو من المقلوب يقلب وتؤخر ياؤها ، فيقال : هار وهائر ، قاله الزجاج . ومثله لاث الشيء به إذا دار ; فهو لاث أي لائث . وكما قالوا : شاكي السلاح وشائك السلاح . قال العجاج :لاث به الأشاء والعبريالأشاء النخل ، والعبري السدر الذي على شاطئ الأنهار . ومعنى لاث به مطيف به . وزعم أبو حاتم أن الأصل فيه هاور ، ثم يقال هائر مثل صائم ، ثم يقلب فيقال هار . وزعم الكسائي أنه من ذوات الواو ومن ذوات الياء ، وأنه يقال : تهور وتهير .قلت : ولهذا يمال ويفتح .الثالثة : قوله تعالى فانهار به في نار جهنم فاعل ( انهار ) الجرف ; كأنه قال : فانهار الجرف بالبنيان في النار ; لأن الجرف مذكر . ويجوز أن يكون الضمير في ( به ) يعود على ( من ) وهو الباني ; والتقدير : فانهار من أسس بنيانه على غير تقوى . وهذه الآية ضرب مثل لهم ، أي من أسس بنيانه على الإسلام خير أم من أسس بنيانه على الشرك والنفاق . وبين أن بناء الكافر كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله فيها . والشفا : الشفير . وأشفى على كذا أي دنا منه .الرابعة : في هذه الآية دليل على أن كل شيء ابتدئ بنية تقوى الله تعالى والقصد لوجهه الكريم فهو الذي يبقى ويسعد به صاحبه ويصعد إلى الله ويرفع إليه ، ويخبر عنه بقوله : ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام على أحد الوجهين . ويخبر عنه أيضا بقوله : والباقيات الصالحات على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .الخامسة : واختلف العلماء في قوله تعالى : فانهار به في نار جهنم هل ذلك حقيقة أو مجاز على ؛ قولين ; الأول : أن ذلك حقيقة وأن النبي صلى الله عليه وسلم إذ أرسل إليه فهدم رئي الدخان يخرج منه ; من رواية سعيد بن جبير . وقال بعضهم : كان الرجل يدخل فيه سعفة من سعف النخل فيخرجها سوداء محترقة . وذكر أهل التفسير أنه كان يحفر ذلك الموضع الذي انهار فيخرج منه دخان . وروى عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن ابن مسعود أنه قال : جهنم في الأرض ، ثم تلا فانهار به في نار جهنم . وقال جابر بن عبد الله : أنا رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . ( والثاني ) أن ذلك مجاز ، والمعنى : صار البناء في نار جهنم ، فكأنه انهار إليه وهوى فيه ; وهذا كقوله تعالى : فأمه هاوية . والظاهر الأول ، إذ لا إحالة في ذلك . والله أعلم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109)قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة قوله: (أفمن أسس بنيانه).فقرأ ذلك بعض قرأة أهل المدينة: (أَفَمَنْ أُسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلَى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمَّنْ أُسِّسَ بُنْيَانُهُ)، على وجه ما لم يسمَّ فاعله في الحرفين كليهما.* * *وقرأت ذلك عامة قرأة الحجاز والعراق: " أَفَمَنْ أُسِّس بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أُسِّس بُنْيَانَهُ " ، على وصف " من " بأنه الفاعل الذي أسس بنيانه. (46)* * *قال أبو جعفر: وهما قراءتان متفقتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ. غير أن قراءته بتوجيه الفعل إلى " من "، إذ كان هو المؤسس، (47) أعجبُ إليّ.* * *قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: أيُّ هؤلاء الذين بنوا المساجد خير، أيها الناس، عندكم: الذين ابتدءوا بناء مسجدهم على اتقاء الله، بطاعتهم في بنائه، وأداء فرائضه ورضًى من الله لبنائهم ما بنوه من ذلك، وفعلهم ما فعلوه = خيرٌ, أم الذين ابتدءوا بناءَ مسجدهم على شفا جُرفٍ هارٍ؟يعني بقوله: (على شفا جرف)، على حرف جُرُف. (48)* * *و " الجرف "، من الركايا، ما لم يُبْنَ له جُولٌ (49)* * *(هار)، يعني متهوِّر. وإنما هو " هائر "، ولكنه قلب, فأخرت ياؤها فقيل: " هارٍ"، كما قيل: " هو شاكي السلاح "، (50) و " شائك ", وأصله من " هار يهور فهو هائر "، وقيل: " هو من هارَ يهار "، إذا انهدم. ومن جعله من هذه اللغة قال: " هِرْت يا جرف "، ومن جعله " من هار يهور "، قال: " هُرْت يا جرف ".* * *قال أبو جعفر: وإنما هذا مَثَلٌ. يقول تعالى ذكره: أيّ هذين الفريقين خير؟ وأيّ هذين البناءين أثبت؟ أمَن ابتدأ أساس بنائه على طاعة الله، وعلمٍ منه بأن بناءه لله طاعة، والله به راضٍ, أم من ابتدأه بنفاق وضلال، وعلى غير بصيرة منه بصواب فعله من خطئه, فهو لا يدري متى يتبين له خطأ فعله وعظيم ذنبه، فيهدمه, كما يأتي البناءُ على جرف ركيَّةٍ لا حابس لماء السيول عنها ولغيره من المياه، ثَرِيّةِ التراب متناثرة، (51) لا تُلْبِثه السيول أن تهدمه وتنثره؟= يقول الله جل ثناؤه: (فانهار به في نار جهنم)، يعني فانتثر الجرف الهاري ببنائه في نار جهنم. كما:-17244- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: (فانهار به)، يعني قواعده =(في نار جهنم). (52)17245- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (فانهار به)، يقول: فخرَّ به.17246- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله)، إلى قوله: (فانهار به في نار جهنم)، قال: والله ما تناهَى أنْ وقع في النار. ذكر لنا أنه تحفَّرت بقعة منها، (53) فرُؤي منها الدخان.17247- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: بنو عمرو بن عوف. استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في بنيانه, فأذن لهم، ففرغوا منه يوم الجمعة، فصلوا فيه الجمعة ويوم السبت ويوم الأحد. قال: وانهار يوم الاثنين. قال: وكان قد استنظرهم ثلاثًا، السبت والأحد والاثنين =(فانهار به في نار جهنم), مسجد المنافقين، انهار فلم يتناهَ دون أن وقع في النار = قال ابن جريج: ذكر لنا أن رجالا حفروا فيه, فأبصروا الدخان يخرج منه.17248- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا عبد العزيز بن المختار, عن عبد الله الداناج, عن طلق بن حبيب, عن جابر قوله: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا ، قال: رأيت المسجد الذي بني ضرارًا يخرج منه الدخان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. (54)17249- حدثنا محمد بن مرزوق البصري قال، حدثنا أبو سلمة قال، حدثنا عبد العزيز بن المختار, عن عبد الله الداناج قال، حدثني طلق العنزي, عن جابر بن عبد الله قال: رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار. (55)17250- حدثني سلام بن سالم الخزاعي قال، حدثنا خلف بن ياسين الكوفي قال: حججت مع أبي في ذلك الزمان = يعني: زمان بني أمية = فمررنا بالمدينة, فرأيت مسجد القبلتين = يعني مسجد الرسول = وفيه قبلة بيت المقدس، فلما كان زمان أبي جعفر, قالوا: يدخل الجاهل فلا يعرف القبلة! فهذا البناءُ الذي ترون، جرى على يَدِ عبد الصمد بن علي. ورأيت مسجد المنافقين الذي ذكره الله في القرآن, وفيه حجر يخرج منه الدخان, وهو اليوم مَزْبَلة. (56)* * *قوله: (والله لا يهدي القوم الظالمين)، يقول: والله لا يوفق للرشاد في أفعاله، من كان بانيًا بناءه في غير حقه وموضعه, ومن كان منافقًا مخالفًا بفعله أمرَ الله وأمرَ رسوله.-----------------------الهوامش :(46) في المطبوعة : " على وصف من بناء الفاعل " ، وهو خلط في الكلام ، صوابه ما في المخطوطة ، وهو ما أثبته .(47) في المطبوعة : " إذا كان من المؤسس" وأثبت ما في المخطوطة ، وهو محض صواب .(48) انظر تفسير " الشفا " فيما سلف 7 : 85 ، 86 .(49) في المطبوعة : " من الركي " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو مطابق لما في مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 269 ، وهذا نص كلامه .و " الركايا " جمع " ركية " ، وتجمع أيضا على " ركي " ، بحذف التاء ، وهي البئر . و " الجول " ( بضم الجيم ) ، هو جانب البئر والقبر إلى أعلاها من أسفلها .وهذا التفسير الذي ذكره أبو عبيدة ، لم أجده في تفسير الكلمة في كتب اللغة ، ولكنه جائز صحيح المعنى ، إن صحت روايته .(50) في المطبوعة : " شاك السلاح " ، والصواب ما في المخطوطة بالياء في آخره .(51) في المطبوعة : " ترى به التراب متناثرا " ، غير ما في المخطوطة ، إذ كانت غير منقوطة ، ويقال : " أرض ثرية " ، إذا كانت ذات ثرى وندى . و " ثريت الأرض فهي ثرية " ، إذا نديت ولانت بعد الجدوبة واليبس .(52) في المطبوعة ، أسقط " يعني " .(53) في المطبوعة : " أنه حفرت بقعة منه " ، وأثبت ما في المخطوطة . وقوله " تحفرت " أي : صارت فيها حفرة ، وكأنه غيرها لأنها لم تذكر في كتب اللغة ، ولكنها قياس عربي عريق .وقوله " منها " أي : من أرض مسجد الضرار .(54) الأثر : 17248 - " عبد العزيز بن المختار الأنصاري ، الدباغ " ، ثقة ، روى له الجماعة . مضى برقم : 1685 .و " عبد الله الداناج " ، هو " عبد الله بن فيروز " و " دانا " بالفارسية ، العالم . ثقة ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 136 .و " طلق بن حبيب العنزي " ، ثقة ، سمع جابرا . مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 2 / 360 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 490 .وهذا خبر صحيح الإسناد ، خرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 279 ، وقال : " أخرجه مسدد في مسنده ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والحاكم ، وصححه ، وابن مردويه " . وسيأتي بإسناد آخر في الذي يليه .(55) الأثر : 17249 - هو مكرر لأثر السالف ." محمد بن مرزوق " ، هو " محمد بن محمد بن مرزوق الباهلي " . شيخ الطبري ، مضى برقم 28 : 8224 .و " أبو سلمة " ، هو : " موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي " ، ثقة . مضى برقم : 15202 .(56) الأثر: 17250 - "سلام بن سالم الخزاعي " ، شيخ الطبري ، مضى برقم: 252 ، 6529 .و " خلف بن ياسين الكوفي " ، مضى برقم : 252 ، ورواية " سلام بن سالم الخراعي " عنه . وذكر أخي السيد أحمد هناك أنه قد يكون " خلف بن ياسين بن معاذ الزيات " ، وهو كذاب . والظاهر أنه هو هو ، لأن خلفا يروي في هذا الخبر عن أبيه ، وأبوه " ياسين بن معاذ الزيات " ، وهو أيضا ضعيف متروك الحديث ، وكان من كبار فقهاء الكوفة ، روى عن الزهري ، ومكحول ، وحماد بن أبي سليمان ، وهو مترجم في لسان الميزان 6 : 238 ، والكبير 4 / 2 / 429 ، وقال : " يتكلمون فيه ، منكر الحديث " ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 312 ، وذكر أنه قد روى عنه ابنه خلف، ولكنه لم يترجم " خلف بن ياسين بن معاذ " . وهذا الخبر الشاهد بأن " ياسين " أبا "خلف"، كان على عهد بني أمية، ورواية خلف ابنه عنه، وشيوخ "ياسين" الذين روى عنهم ، كل ذلك دال على صواب ما ذهب إليه أخي ، من أن " خلف بن ياسين الكوفي " ، هو " خلف بن ياسين بن معاذ الزيات " .
لَا يَزَالُ بُنۡيَٰنُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوۡاْ رِيبَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١١٠التفسير الميسرلا يزال بنيان المنافقين الذي بنوه مضارَّة لمسجد (قباء) شكًا ونفاقًا ماكثًا في قلوبهم، إلى أن تتقطع قلوبهم بقتلهم أو موتهم، أو بندمهم غاية الندم، وتوبتهم إلى ربهم، وخوفهم منه غاية الخوف. والله عليم بما عليه هؤلاء المنافقون من الشك وما قصدوا في بنائهم، حكيم في تدبير أمور خلقه.
تفسير السعديلَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ أي: شكا، وريبا ماكثا في قلوبهم، إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ بأن يندموا غاية الندم ويتوبوا إلى ربهم، ويخافوه غاية الخوف، فبذلك يعفو اللّه عنهم، وإلا فبنيانهم لا يزيدهم إلا ريبا إلى ريبهم، ونفاقا إلى نفاقهم.وَاللَّهُ عَلِيمٌ بجميع الأشياء، ظاهرها، وباطنها، خفيها وجليها، وبما أسره العباد، وأعلنوه.حَكِيمٌ لا يفعل ولا يخلق ولا يأمر ولا ينهى إلا ما اقتضته الحكمة وأمر به فللّه الحمد .وفي هذه الآيات فوائد عدة:منها: أن اتخاذ المسجد الذي يقصد به الضرار لمسجد آخر بقربه، أنه محرم، وأنه يجب هدم مسجد الضرار، الذي اطلع على مقصود أصحابه.ومنها: أن العمل وإن كان فاضلا تغيره النية، فينقلب منهيا عنه، كما قلبت نية أصحاب مسجد الضرار عملهم إلى ما ترى.ومنها: أن كل حالة يحصل بها التفريق بين المؤمنين، فإنها من المعاصي التي يتعين تركها وإزالتها.كما أن كل حالة يحصل بها جمع المؤمنين وائتلافهم، يتعين اتباعها والأمر بها والحث عليها، لأن اللّه علل اتخاذهم لمسجد الضرار بهذا المقصد الموجب للنهي عنه، كما يوجب ذلك الكفر والمحاربة للّه ورسوله.ومنها: النهي عن الصلاة في أماكن المعصية، والبعد عنها، وعن قربها.ومنها: أن المعصية تؤثر في البقاع، كما أثرت معصية المنافقين في مسجد الضرار، ونهي عن القيام فيه، وكذلك الطاعة تؤثر في الأماكن كما أثرت في مسجد " قباء" حتى قال اللّه فيه:لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ .ولهذا كان لمسجد قباء من الفضل ما ليس لغيره، حتى كان صلى الله عليه وسلم يزور قباء كل سبت يصلي فيه، وحث على الصلاة فيه.ومنها: أنه يستفاد من هذه التعاليل المذكورة في الآية، أربع قواعد مهمة، وهي:كل عمل فيه مضارة لمسلم، أو فيه معصية للّه، فإن المعاصي من فروع الكفر، أو فيه تفريق بين المؤمنين، أو فيه معاونة لمن عادى اللّه ورسوله، فإنه محرم ممنوع منه، وعكسه بعكسه.ومنها: أن الأعمال الحسية الناشئة عن معصية الله لا تزال مبعدة لفاعلها عن الله بمنزلة الإصرار على المعصية حتى يزيلها ويتوب منها توبة تامة بحيث يتقطع قلبه من الندم والحسرات.ومنها: أنه إذا كان مسجد قباء مسجدا أسس على التقوى، فمسجد النبي صلى الله عليه وسلم الذي أسسه بيده المباركة وعمل فيه واختاره اللّه له من باب أولى وأحرى.ومنها: أن العمل المبني على الإخلاص والمتابعة، هو العمل المؤسس على التقوى، الموصل لعامله إلى جنات النعيم.والعمل المبني على سوء القصد وعلى البدع والضلال، هو العمل المؤسس على شفا جرف هار، فانهار به في نار جهنم، واللّه لا يهدي القوم الظالمين.
تفسير ابن كثيروقوله : ( إلا أن تقطع قلوبهم ) أي : بموتهم . قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، وزيد بن أسلم ، والسدي ، وحبيب بن أبي ثابت ، والضحاك ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وغير واحد من علماء السلف .( والله عليم ) أي : بأعمال خلقه ، ( حكيم ) في مجازاتهم عنها ، من خير وشر .
تفسير القرطبيقوله تعالى لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيمقوله تعالى لا يزال بنيانهم الذي بنوا يعني مسجد الضرار ريبة في قلوبهم أي شكا في قلوبهم ونفاقا ; قاله ابن عباس وقتادة والضحاك . وقال النابغة :حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهبوقال الكلبي : حسرة وندامة ; لأنهم ندموا على بنيانه . وقال السدي وحبيب والمبرد : ريبة أي حزازة وغيظا .إلا أن تقطع قلوبهم قال ابن عباس : أي تنصدع قلوبهم فيموتوا ; كقوله : لقطعنا منه الوتين لأن الحياة تنقطع بانقطاع الوتين ; وقاله قتادة والضحاك ومجاهد . وقال سفيان : إلا أن يتوبوا . عكرمة : إلا أن تقطع قلوبهم في قبورهم ، وكان أصحاب عبد الله بن مسعود يقرءونها : " ريبة في قلوبهم ولو تقطعت قلوبهم " . وقرأ الحسن ويعقوب وأبو حاتم " إلى أن تقطع " على الغاية ، أي لا يزالون في شك منه إلى أن يموتوا فيستيقنوا ويتبينوا . واختلف القراء في قوله ( تقطع ) فالجمهور " تقطع " بضم التاء وفتح القاف وشد الطاء على الفعل المجهول . وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص ويعقوب كذلك إلا أنهم فتحوا التاء . وروي عن يعقوب وأبي عبد الرحمن " تقطع " على الفعل المجهول مخفف القاف . وروي عن شبل وابن كثير " تقطع " خفيفة القاف " قلوبهم " نصبا ، أي أنت تفعل ذلك بهم . وقد ذكرنا قراءة أصحاب عبد الله .والله عليم حكيم تقدم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لا يزال بنيان هؤلاء الذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا =(ريبة)، يقول: لا يزال مسجدهم الذي بنوه =(ريبة في قلوبهم), يعني: شكًّا ونفاقًا في قلوبهم, يحسبون أنهم كانوا في بنائه مُحْسنين (57) =(إلا أن تقطع قلوبهم)، يعني: إلا أن تتصدع قلوبهم فيموتوا =(والله عليم)، بما عليه هؤلاء المنافقون الذين بنوا مسجد الضرار، من شكهم في دينهم، وما قصدوا في بنائهموه وأرادوه، وما إليه صائرٌ أمرهم في الآخرة، وفي الحياة ما عاشوا, وبغير ذلك من أمرهم وأمر غيرهم =(حكيم)، في تدبيره إياهم، وتدبير جميع خلقه. (58)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:17251- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم)، يعني شكًّا =(إلا أن تقطع قلوبهم)، يعني الموت.17252- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (ريبة في قلوبهم)، قال: شكًّا في قلوبهم =(إلا أن تقطع قلوبهم)، إلا أن يموتوا.17253- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم)، يقول: حتى يموتوا.17254- حدثني مطر بن محمد الضبي قال، حدثنا أبو قتيبة قال، حدثنا شعبة, عن الحكم, عن مجاهد في قوله: (إلا أن تقطع قلوبهم)، قال: إلا أن يموتوا. (59)17255- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (إلا أن تقطع قلوبهم)، قال: يموتوا.17256- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (إلا أن تقطع قلوبهم)، قال: يموتوا.17257- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.17258-...... قال، حدثنا سويد قال، حدثنا ابن المبارك, عن معمر, عن قتادة والحسن: (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم)، قالا شكًّا في قلوبهم.17259- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق الرازي قال، حدثنا أبو سنان, عن حبيب: (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم)، قال: غيظًا في قلوبهم.17260-...... قال، حدثنا ابن نمير, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (إلا أن تقطع قلوبهم)، قال: يموتوا.17261-...... قال، حدثنا إسحاق الرازي, عن أبي سنان, عن حبيب: (إلا أن تقطع قلوبهم)، : إلا أن يموتوا.17262-...... قال، حدثنا قبيصة, عن سفيان, عن السدي: (ريبة في قلوبهم)، قال: كفر. قلت: أكفر مجمّع بن جارية؟ قال: لا ولكنها حَزَازة.17263- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن السدي: (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم)، قال: حزازة في قلوبهم.17264- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم)، لا يزال ريبة في قلوبهم راضين بما صنعوا, كما حُبِّب العجل في قلوب أصحاب موسى. وقرأ: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ، [سورة البقرة: 93] قال: حبَّه =(إلا أن تقطع قلوبهم)، قال: لا يزال ذلك في قلوبهم حتى يموتوا = يعني المنافقين.17265- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا قيس, عن السدي, عن إبراهيم: (ريبة في قلوبهم)، قال شكًّا. قال قلت: يا أبا عمران، تقول هذا وقد قرأت القرآن؟ قال: إنما هي حَزَازة.* * *واختلفت القرأة في قراءة قوله: (إلا أن تقطع قلوبهم).فقرأ ذلك بعض قرأة الحجاز والمدينة والبصرة والكوفة: (إِلا أَنْ تُقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ)، بضم التاء من " تقطع ", على أنه لم يسمَّ فاعله, وبمعنى: إلا أن يُقَطِّع الله قلوبهم.* * *وقرأ ذلك بعض قرأة المدينة والكوفة: ( إِلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ )، بفتح التاء من " تقطع "، على أن الفعل للقلوب. بمعنى: إلا أن تتقطّع قلوبهم, ثم حذفت إحدى التاءين.* * *وذكر أن الحسن كان يقرأ: " إِلَى أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ " ، بمعنى: حتى تتقطع قلوبهم. (60)* * *وذكر أنها في قراءة عبد الله: (وَلَوْ قُطِّعَتْ قُلُوبُهُمْ)، وعلى الاعتبار بذلك قرأ من قرأ ذلك: (إلا أَنْ تُقَطَّع)، بضم التاء.* * *قال أبو جعفر: والقول عندي في ذلك أن الفتح في التاء والضم متقاربا المعنى, لأن القلوب لا تتقطع إذا تقطعت، إلا بتقطيع الله إياها, ولا يقطعها الله إلا وهي متقطعة. وهما قراءتان معروفتان، قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرأة, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ في قراءته.وأما قراءة ذلك: (إلَى أَنْ تَقَطَّعَ), فقراءةٌ لمصاحف المسلمين مخالفةٌ, ولا أرى القراءة بخلاف ما في مصاحفهم جائزةً.-------------------------الهوامش :(57) انظر تفسير " الريبة " فيما سلف ص : 275 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .(58) انظر تفسير " عليم " و " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( علم ) ، ( حكم ) .(59) الأثر : 17254 - " مطر بن محمد الضبي " ، انظر ما سلف رقم : 12198 ، 14610 .(60) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 452 .
۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١١١التفسير الميسرإن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم بأن لهم في مقابل ذلك الجنة، وما أعد الله فيها من النعيم لبذلهم نفوسهم وأموالهم في جهاد أعدائه لإعلاء كلمته وإظهار دينه، فيَقْتلون ويُقتَلون، وعدًا عليه حقًا في التوراة المنزلة على موسى عليه السلام، والإنجيل المنزل على عيسى عليه السلام، والقرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. ولا أحد أوفى بعهده من الله لمن وفَّى بما عاهد الله عليه، فأظهِروا السرور-أيها المؤمنون- ببيعكم الذي بايعتم الله به، وبما وعدكم به من الجنة والرضوان، وذلك البيع هو الفلاح العظيم.
تفسير السعدييخبر تعالى خبرا صدقا، ويعد وعدا حقا بمبايعة عظيمة، ومعاوضة جسيمة، وهو أنه اشْتَرَى بنفسه الكريمة مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فهي المثمن والسلعة المبيعة.بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ التي فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين من أنواع اللذات والأفراح، والمسرات، والحور الحسان، والمنازل الأنيقات.وصفة العقد والمبايعة، بأن يبذلوا للّه نفوسهم وأموالهم في جهاد أعدائه، لإعلاء كلمته وإظهار دينه ف يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ فهذا العقد والمبايعة، قد صدرت من اللّه مؤكدة بأنواع التأكيدات.وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ التي هي أشرف الكتب التي طرقت العالم، وأعلاها، وأكملها، وجاء بها أكمل الرسل أولو العزم، وكلها اتفقت على هذا الوعد الصادق.وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا أيها المؤمنون القائمون بما وعدكم اللّه، بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ أي: لتفرحوا بذلك، وليبشر بعضكم بعضًا، ويحث بعضكم بعضًا.وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الذي لا فوز أكبر منه، ولا أجل، لأنه يتضمن السعادة الأبدية، والنعيم المقيم، والرضا من اللّه الذي هو أكبر من نعيم الجنات، وإذا أردت أن تعرف مقدار الصفقة، فانظر إلى المشتري من هو؟ وهو اللّه جل جلاله، وإلى العوض، وهو أكبر الأعواض وأجلها، جنات النعيم، وإلى الثمن المبذول فيها، وهو النفس، والمال، الذي هو أحب الأشياء للإنسان.وإلى من جرى على يديه عقد هذا التبايع، وهو أشرف الرسل، وبأي كتاب رقم، وهي كتب اللّه الكبار المنزلة على أفضل الخلق.
تفسير ابن كثيرخبر تعالى أنه عاوض عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم إذ بذلوها في سبيله بالجنة ، وهذا من فضله وكرمه وإحسانه ، فإنه قبل العوض عما يملكه بما تفضل به على عباده المطيعين له ؛ ولهذا قال الحسن البصري وقتادة : بايعهم والله فأغلى ثمنهم .وقال شمر بن عطية : ما من مسلم إلا ولله ، عز وجل ، في عنقه بيعة ، وفى بها أو مات عليها ، ثم تلا هذه الآية .ولهذا يقال : من حمل في سبيل الله بايع الله ، أي : قبل هذا العقد ووفى به .وقال محمد بن كعب القرظي وغيره : قال عبد الله بن رواحة ، رضي الله عنه ، لرسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني ليلة العقبة - : اشترط لربك ولنفسك ما شئت ! فقال : " أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم " . قالوا : فما لنا إذا فعلنا ذلك ؟ قال : " الجنة " . قالوا : ربح البيع ، لا نقيل ولا نستقيل ، فنزلت : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ) الآية .وقوله : ( يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ) أي : سواء قتلوا أو قتلوا ، أو اجتمع لهم هذا وهذا ، فقد وجبت لهم الجنة ؛ ولهذا جاء في الصحيحين : " وتكفل الله لمن خرج في سبيله ، لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي ، وتصديق برسلي ، بأن توفاه أن يدخله الجنة ، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه ، نائلا ما نال من أجر أو غنيمة " .وقوله : ( وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ) تأكيد لهذا الوعد ، وإخبار بأنه قد كتبه على نفسه الكريمة ، وأنزله على رسله في كتبه الكبار ، وهي التوراة المنزلة على موسى ، والإنجيل المنزل على عيسى ، والقرآن المنزل على محمد ، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .وقوله : ( ومن أوفى بعهده من الله ) [ أي : ولا واحد أعظم وفاء بما عاهد عليه من الله ] فإنه لا يخلف الميعاد ، وهذا كقوله تعالى : ( ومن أصدق من الله حديثا ) [ النساء : 87 ] ( ومن أصدق من الله قيلا ) [ النساء : 122 ] ؛ ولهذا قال : ( فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ) أي : فليستبشر من قام بمقتضى هذا العقد ووفى بهذا العهد ، بالفوز العظيم ، والنعيم المقيم .
تفسير القرطبيقوله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيمفيه ثمان مسائل :الأولى : قوله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم قيل : هذا تمثيل ; مثل قوله تعالى : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى . ونزلت الآية في البيعة الثانية ، وهي بيعة العقبة الكبرى ، وهي التي أناف فيها رجال الأنصار على السبعين ، وكان أصغرهم سنا عقبة بن عمرو ; وذلك أنهم اجتمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة ، فقال عبد الله بن رواحة للنبي صلى الله عليه وسلم : اشترط لربك ولنفسك ما شئت ; فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم . قالوا : فإذا فعلنا ذلك فما لنا ؟ قال : الجنة . قالوا : ربح البيع ، لا نقيل ولا نستقيل ; فنزلت : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة الآية . ثم هي بعد ذلك عامة في كل مجاهد في سبيل الله من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة .الثانية : هذه الآية دليل على جواز معاملة السيد مع عبده ، وإن كان الكل للسيد لكن إذا ملكه عامله فيما جعل إليه . وجائز بين السيد وعبده ما لا يجوز بينه وبين غيره ; لأن ماله له وله انتزاعه .الثالثة : أصل الشراء بين الخلق أن يعوضوا عما خرج من أيديهم ما كان أنفع لهم أو مثل ما خرج عنهم في النفع ; فاشترى الله سبحانه من العباد إتلاف أنفسهم وأموالهم في طاعته ، وإهلاكها في مرضاته ، وأعطاهم سبحانه الجنة عوضا عنها إذا فعلوا ذلك . وهو عوض عظيم لا يدانيه المعوض ولا يقاس به ، فأجرى ذلك على مجاز ما يتعارفونه في البيع والشراء فمن العبد تسليم النفس والمال ، ومن الله الثواب والنوال فسمي هذا شراء . وروى الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن فوق كل بر بر حتى يبذل العبد دمه فإذا فعل ذلك فلا بر فوق ذلك . وقال الشاعر في معنى البر :الجود بالماء جود فيه مكرمة والجود بالنفس أقصى غاية الجودوأنشد الأصمعي لجعفر الصادق رضي الله عنه :أثامن بالنفس النفيسة ربها وليس لها في الخلق كلهم ثمنبها تشترى الجنات إن أنا بعتها بشيء سواها إن ذلكم غبنلئن ذهبت نفسي بدنيا أصبتها لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمنقال الحسن : ومر أعرابي على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم فقال : كلام من هذا ؟ قال : كلام الله . قال : بيع والله مربح لا نقيله ولا نستقيله . فخرج إلى الغزو واستشهد .الرابعة : قال العلماء : كما اشترى من المؤمنين البالغين المكلفين كذلك اشترى من الأطفال فآلمهم وأسقمهم ; لما في ذلك من المصلحة وما فيه من الاعتبار للبالغين ، فإنهم لا يكونون عند شيء أكثر صلاحا وأقل فسادا منهم عند ألم الأطفال ، وما يحصل للوالدين الكافلين من الثواب فيما ينالهم من الهم ويتعلق بهم من التربية والكفالة . ثم هو عز وجل يعوض هؤلاء الأطفال عوضا إذا صاروا إليه . ونظير هذا في الشاهد أنك تكتري الأجير ليبني وينقل التراب وفي كل ذلك له ألم وأذى ، ولكن ذلك جائز لما في عمله من المصلحة ولما يصل إليه من الأجر .الخامسة : قوله تعالى يقاتلون في سبيل الله بيان لما يقاتل له وعليه ; وقد تقدم .فيقتلون ويقتلون قرأ النخعي والأعمش وحمزة والكسائي وخلف بتقديم المفعول على الفاعل ; ومنه قول امرئ القيس :فإن تقتلونا نقتلكم . . . وإن تقصدوا لدم نقصدأي إن تقتلوا بعضنا يقتلكم بعضنا . وقرأ الباقون بتقديم الفاعل على المفعول .السادسة : قوله تعالى وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن إخبار من الله تعالى أن هذا كان في هذه الكتب ، وأن الجهاد ومقاومة الأعداء أصله من عهد موسى عليه السلام . و ( وعدا ) و ( حقا ) مصدران موكدان .السابعة : قوله تعالى ومن أوفى بعهده من الله أي لا أحد أوفى بعهده من الله . وهو يتضمن الوفاء بالوعد والوعيد ، ولا يتضمن وفاء البارئ بالكل ; فأما وعده فللجميع ، وأما وعيده فمخصوص ببعض المذنبين وببعض الذنوب وفي بعض الأحوال . وقد تقدم هذا المعنى مستوفى .الثامنة : قوله تعالى فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به أي أظهروا السرور بذلك . والبشارة إظهار السرور في البشرة . وقد تقدم . وقال الحسن : والله ما على الأرض مؤمن إلا يدخل في هذه البيعة .وذلك هو الفوز العظيم أي الظفر بالجنة والخلود فيها .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الله ابتاعَ من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بالجنة =(وعدًا عليه حقًّا) = يقول: وعدهم الجنة جل ثناؤه, وعدًا عليه حقًّا أن يوفِّي لهم به، في كتبه المنزلة: التوراة والإنجيل والقرآن, إذا هم وَفَوا بما عاهدوا الله، فقاتلوا في سبيله ونصرةِ دينه أعداءَه، فقَتَلوا وقُتِلوا =(ومن أوفى بعهده من الله)، يقول جل ثناؤه: ومن أحسن وفاءً بما ضمن وشرط من الله =(فاستبشروا)، يقول ذلك للمؤمنين: فاستبشروا، أيها المؤمنون، الذين صَدَقوا الله فيما عاهدوا، ببيعكم أنفسكم وأموالكم بالذي بعتموها من ربكم به, فإن ذلك هو الفوز العظيم، (61) كما:-17266- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب, عن حفص بن حميد, عن شمر بن عطية قال: ما من مسلم إلا ولله في عنقه بَيْعة، وَفى بها أو مات عليها، في قول الله: (إن الله اشترى من المؤمنين)، إلى قوله: (وذلك هو الفوز العظيم)، ثم حَلاهم فقال: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ ، إلى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ .17267- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم)، يعني بالجنة.17268-...... قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن محمد بن يسار, عن قتادة: أنه تلا هذه الآية: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة)، قال: ثامَنَهُم الله، فأغلى لهم الثمن. (62)17269- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون, عن أبي إسحاق الفزاري, عن أبي رجاء, عن الحسن: أنه تلا هذه الآية: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم)، قال: بايعهم فأغلى لهم الثمن.17270- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر, عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: قال عبد الله بن رواحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اشترط لربِّك ولنفسك ما شئت ! قال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا, وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسَكم وأموالكم. قالوا: فإذا فعلنا ذلك، فماذا لنا؟ قال: الجنة! قالوا: ربح البيعُ، لا نُقيل ولا نستقيل ! (63) فنزلت: (إن الله اشترى من المؤمنين)، الآية.17271-...... قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا عبيد بن طفيل العبسي قال، سمعت الضحاك بن مزاحم, وسأله رجل عن قوله: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم)، الآية, قال الرجل: ألا أحمل على المشركين فأقاتل حتى أقتل؟ قال: ويلك! أين الشرط؟ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ . (64)------------------------الهوامش:(61) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة .(62) " ثامنت الرجل في المبيع " ، إذا قاولته في ثمنه وفاوضته ، وساومته على بيعه واشترائه .(63) " أقاله البيع يقيله إقالة " ، و " تقايلا البيعان " ، إذا فسخا البيع ، وعاد المبيع إلى مالكه ، والثمن إلى المشتري ، إذا كان قد ندم أحدهما أو كلاهما . وتكون " الإقالة " في البيعة والعهد . و " استقاله " طلب إليه أن يقيله .(64) الأثر : 17271 - " عبيد بن طفيل العبسي " ، هو " الغطفاني " ، " أبو سيدان " ، و " عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان " ، ولكنه في كتب الرجال " الغطفاني " . وقد مضى برقم : 2547 .