الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ ١التفسير الميسر(الر) سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.
تفسير السعدييقول تعالى: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ وهو هذا القرآن، المشتمل على الحكمة والأحكام، الدالة آياته على الحقائق الإيمانية والأوامر والنواهي الشرعية، الذي على جميع الأمة تلقيه بالرضا والقبول والانقياد.
تفسير ابن كثيرتفسير سورة يونس [ وهي مكية ]أما الحروف المقطعة في أوائل السور ، فقد تقدم الكلام عليها [ مستوفى ] في أوائل سورة البقرة .وقال أبو الضحى ، عن ابن عباس في قوله تعالى : " الر " ، أي : أنا الله أرى . وكذا قال الضحاك وغيره .( تلك آيات الكتاب الحكيم ) أي : هذه آيات القرآن المحكم المبين وقال مجاهد : ( الر تلك آيات الكتاب الحكيم ) [ قال : التوراة والإنجيل ] .[ وقال الحسن : التوراة والزبور ] .وقال قتادة : ( تلك آيات الكتاب ) قال : الكتب التي كانت قبل القرآن .وهذا القول لا أعرف وجهه ولا معناه .
تفسير القرطبيبسم الله الرحمن الرحيمسورة يونسسورة يونس عليه السلام مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر . وقال ابن عباس إلا ثلاث آيات من قوله تعالى : فإن كنت في شك إلى آخرهن . وقال مقاتل : إلا آيتين وهي قوله : فإن كنت في شك نزلت بالمدينة . وقال الكلبي : مكية إلا قوله : ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به نزلت بالمدينة في اليهود . وقالت فرقة : نزل من أولها نحو من أربعين آية بمكة وباقيها بالمدينة .بسم الله الرحمن الرحيمالر تلك آيات الكتاب الحكيم قوله تعالى ( الر ) قال النحاس : قرئ على أبي جعفر أحمد بن شعيب بن علي بن الحسين بن حريث قال : أخبرنا علي بن الحسين عن أبيه عن يزيد أن عكرمة حدثه عن ابن عباس : الر ، وحم ، ونون حروف الرحمن مفرقة ; فحدثت به الأعمش فقال : عندك أشباه هذا ولا تخبرني به ؟ . وعن ابن عباس أيضا قال : ( الر ) أنا الله أرى . قال النحاس : ورأيت أبا إسحاق يميل إلى هذا القول ; لأن سيبويه قد حكى مثله عن العرب وأنشد :بالخير خيرات وإن شرا فا ولا أريد الشر إلا أن تاوقال الحسن وعكرمة : ( الر ) قسم . وقال سعيد عن قتادة : ( الر ) اسم السورة ; قال : وكذلك كل هجاء في القرآن . وقال مجاهد : هي فواتح السور . وقال محمد بن يزيد : هي تنبيه ، وكذا حروف التهجي . وقرئ ( الر ) من غير إمالة . وقرئ بالإمالة لئلا تشبه " ما " و " لا " من الحروف .قوله تعالى تلك آيات الكتاب الحكيم ابتداء وخبر ; أي تلك التي جرى ذكرها آيات الكتاب الحكيم . قال مجاهد وقتادة : أراد التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة ; فإن ( تلك ) إشارة إلى غائب مؤنث . وقيل : ( تلك ) بمعنى هذه ; أي هذه آيات الكتاب الحكيم . ومنه قول الأعشى :تلك خيلي منه وتلك ركابي هن صفر أولادها كالزبيبأي هذه خيلي . والمراد القرآن وهو أولى بالصواب ; لأنه لم يجر للكتب المتقدمة ذكر ، ولأن الحكيم من نعت القرآن . دليله قوله تعالى : الر كتاب أحكمت آياته وقد تقدم هذا المعنى في أول سورة " البقرة " . والحكيم : المحكم بالحلال والحرام والحدود والأحكام ; قالهأبو عبيدة وغيره . وقيل : الحكيم بمعنى الحاكم ; أي إنه حاكم بالحلال والحرام ، وحاكم بين الناس بالحق ; فعيل بمعنى فاعل . دليله قوله : وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه . وقيل : الحكيم بمعنى المحكوم فيه ; أي حكم الله فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وحكم فيه بالنهي عن الفحشاء والمنكر ، وبالجنة لمن أطاعه وبالنار لمن عصاه ; فهو فعيل بمعنى المفعول ; قاله الحسن وغيره . وقال مقاتل : الحكيم بمعنى المحكم من الباطل لا كذب فيه ولا اختلاف ; فعيل بمعنى مفعل ، كقول الأعشى يذكر قصيدته التي قالها :وغريبة تأتي الملوك حكيمة قد قلتها ليقال من ذا قالهاقوله تعالى أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : الرقال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في ذلك.فقال بعضهم تأويله: أنا الله أرى.* ذكر من قال ذلك:17518- حدثنا يحيى بن داود بن ميمون الواسطي قال، حدثنا أبو أسامة، عن أبي روق، عن الضحاك، في قوله : ( الر )، أنا الله أرى. (1)17519- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس قوله: ( الر )، قال: أنا الله أرى.وقال آخرون: هي حروف من اسم الله الذي هو " الرحمن ".*ذكر من قال ذلك:17520- حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه قال، حدثنا علي بن الحسين قال حدثني أبي، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس: ( الر ) و ( حم ) و ( نون ) حروف " الرَّحمن " مقطعةً.17521- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا عيسى بن عبيد عن الحسين بن عثمان قال: ذكر سالم بن عبد الله: ( الر ) و ( حم ) و ( نون )، فقال: اسم " الرحمن " مقطع ، ثم قال: " الرحمن ".17522- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي حماد قال، حدثنا مندل عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير قال: ( الر ) و ( حم ) و ( نون )، هو اسم " الرحمن ".17523- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سويد بن عمرو الكلبي، عن أبي عوانة، عن إسماعيل بن سالم، عن عامر : أنه سئل عن: ( الر ) و ( حم ) و ( ص )، قال: هي أسماء من أسماء الله مقطعة بالهجاء، فإذا وصلتها كانت اسمًا من أسماء الله تعالى.* * *وقال آخرون: هي اسم من أسماء القرآن.*ذكر من قال ذلك:17524- حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ( الر )، اسم من أسماء القرآن.* * *قال أبو جعفر : وقد ذكرنا اختلاف الناس ، وما إليه ذهب كل قائل في الذي قال فيه وما الصواب لدينا من القول في ذلك في نظيره، وذلك في أول " سورة البقرة "، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. (2)وإنما ذكرنا في هذا الموضع القدرَ الذي ذكرنا ، لمخالفة من ذكرنا قوله في هذا ، قوله في ( الم ) ، فأما الذين وفَّقوا بيْن معاني جميع ذلك، فقد ذكرنا قولهم هناك ، مكتفًى عن الإعادة ههنا. (3)* * *القول في تأويل قوله تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (1)قال أبو جعفر: اختلف في تأويل ذلك.فقال بعضهم: تلك آيات التوراة.* ذكر من قال ذلك:17525- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن مجاهد: ( تلك آيات الكتاب الحكيم )، قال: التوراة والإنجيل.17526-. . . . قال، حدثنا إسحاق، قال، حدثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة: ( تلك آيات الكتاب )، قال: الكُتُب التي كانت قبل القرآن.* * *وقال آخرون: معنى ذلك: هذه آيات القرآن.* * *قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، تأويل من تأوّله: " هذه آيات القرآن "، ووجّه معنى (تلك) إلى معنى " هذه "، وقد بينا وجه توجيه ( تلك ) إلى هذا المعنى في " سورة البقرة " ، بما أغنى عن إعادته. (4)* * *و ( الآيات )، الأعلام ، و (الكتاب)، اسم من أسماء القرآن، وقد بينا كل ذلك فيما مضى قبل. (5)* * *وإنما قلنا: هذا التأويل أولى في ذلك بالصواب، لأنه لم يجيء للْتوراة والإنجيل قبلُ ذكرٌ ولا تلاوةٌ بعدُ، فيوجه إليه الخبر.فإذْ كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: والرحمن، هذه آيات القرآن الحكيم.* * *ومعنى ( الحكيم ) ، في هذا الموضع، " المحكم " ، صرف " مُفْعَل " إلى " فعيل "، كما قيل: عَذَابٌ أَلِيمٌ ، بمعنى مؤلم، (6) وكما قال الشاعر: (7)*أمِنْ رَيْحانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ* (8)وقد بينا ذلك في غير موضع من الكتاب. (9)فمعناه إذًا: تلك آيات الكتاب المحكم ، الذي أحكمه الله وبينه لعباده، كما قال جل ثناؤه: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [سورة هود : 1]-----------------------الهوامش :(1) الأثر : 17518 - " يحيى بن داود بن ميمون الواسطي " ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 4451 ، 11545 .(2) انظر ما سلف 1 : 205 - 224 .(3) في المطبوعة : " ومكتفيًا " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب .(4) انظر ما سلف 1 : 225 - 228 .(5) انظر تفسير " الآية " فيما سلف من فهارس اللغة ( أي ) .وتفسير " الكتاب " فيما سلف من فهارس اللغة ( حكم ) .(6) انظر تفسير " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( حكم ) .(7) هو عمرو بن معديكرب الزبيدي .(8) مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف 1 : 283 .(9) انظر ما سلف 1 : 283 ، 284 ، وغيره من المواضع في فهارس مباحث العربية والنحو وغيرها .
أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ رَجُلٖ مِّنۡهُمۡ أَنۡ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمۡ قَدَمَ صِدۡقٍ عِندَ رَبِّهِمۡۗ قَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٞ مُّبِينٌ ٢التفسير الميسرأكان أمرًا عجبًا للناس إنزالنا الوحي بالقرآن على رجل منهم ينذرهم عقاب الله، ويبشِّر الذين آمنوا بالله ورسله أن لهم أجرًا حسنًا بما قدَّموا من صالح الأعمال؟ فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بوحي الله وتلاه عليهم، قال المنكرون: إنَّ محمدًا ساحر، وما جاء به سحر ظاهر البطلان.
تفسير السعديومع هذا فأعرض أكثرهم، فهم لا يعلمون، فتعجبوا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ عذاب الله، وخوفهم نقم الله، وذكرهم بآيات الله.وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانا صادقا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي: لهم جزاء موفور وثواب مذخور عند ربهم بما قدموه وأسلفوه من الأعمال الصالحة الصادقة.فتعجب الكافرون من هذا الرجل العظيم تعجبا حملهم على الكفر به، ف قَالَ الْكَافِرُونَ عنه: إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ أي: بين السحر، لا يخفى بزعمهم على أحد، وهذا من سفههم وعنادهم، فإنهم تعجبوا من أمر ليس مما يتعجب منه ويستغرب، وإنما يتعجب من جهالتهم وعدم معرفتهم بمصالحهم.كيف لم يؤمنوا بهذا الرسول الكريم، الذي بعثه الله من أنفسهم، يعرفونه حق المعرفة، فردوا دعوته، وحرصوا على إبطال دينه، والله متم نوره ولو كره الكافرون.
تفسير ابن كثيروقوله : ( أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا ) الآية ، يقول تعالى منكرا على من تعجب من الكفار من إرسال المرسلين من البشر ، كما أخبر تعالى عن القرون الماضية من قولهم : ( أبشر يهدوننا ) [ التغابن : 6 ] وقال هود وصالح لقومهما : ( أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم ) [ الأعراف : 63 : 69 ] وقال تعالى مخبرا عن كفار قريش أنهم قالوا : ( أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ) .وقال الضحاك ، عن ابن عباس : لما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا أنكرت العرب ذلك ، أو من أنكر منهم ، فقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد . قال : فأنزل الله عز وجل : ( أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم )وقوله : ( أن لهم قدم صدق عند ربهم ) اختلفوا فيه ، فقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( أن لهم قدم صدق [ عند ربهم ] ) يقول : سبقت لهم السعادة في الذكر الأول .وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( أن لهم قدم صدق عند ربهم ) يقول : أجرا حسنا ، بما قدموا . وكذا قال الضحاك ، والربيع بن أنس ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم . وهذا كقوله تعالى : ( لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا ) [ الكهف : 2 ، 3 ]وقال مجاهد : ( أن لهم قدم صدق عند ربهم ) قال : الأعمال الصالحة صلاتهم وصومهم وصدقتهم وتسبيحهم .[ وقال عمرو بن الحارث عن قتادة أو الحسن ( أن لهم قدم صدق عند ربهم ] ) قال : محمد صلى الله عليه وسلم شفيع لهم . وكذا قال زيد بن أسلم ، ومقاتل بن حيان .وقال قتادة : سلف صدق عند ربهم .واختار ابن جرير قول مجاهد - أنها الأعمال الصالحة التي قدموها - قال : كما يقال : " له قدم في الإسلام " ومنه قول [ حسان ] رضي الله عنه .لنا القدم العليا إليك وخلفنا لأولنا في طاعة الله تابعوقول ذي الرمة :لكم قدم لا ينكر الناس أنها مع الحسب العادي طمت على البحروقوله تعالى : ( قال الكافرون إن هذا لساحر مبين ) أي : مع أنا بعثنا إليهم رسولا منهم ، رجلا من جنسهم ، بشيرا ونذيرا ، ( قال الكافرون إن هذا لساحر مبين ) أي : ظاهر ، وهم الكاذبون في ذلك .
تفسير القرطبيقوله تعالى أكان للناس عجبا استفهام معناه التقرير والتوبيخ . و ( عجبا ) خبر كان ، واسمها ( أن أوحينا ) وهو في موضع رفع ; أي كان إيحاؤنا عجبا للناس . وفي قراءة عبد الله " عجب " على أنه اسم كان . والخبر ( أن أوحينا ) .إلى رجل منهم قرئ " رجل " بإسكان الجيم . وسبب النزول فيما روي عن ابن عباس أن الكفار قالوا لما بعث محمد : إن الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا . وقالوا : ما وجد الله من يرسله إلا يتيم أبي طالب ; فنزلت : أكان للناس يعني أهل مكة ( عجبا ) . وقيل : إنما تعجبوا من ذكر البعث .قوله تعالى ( أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا ) في موضع نصب بإسقاط الخافض ; أي بأن أنذر الناس ، وكذا أن لهم قدم صدق وقد تقدم معنى النذارة والبشارة وغير ذلك من ألفاظ الآية .واختلف في معنى قدم صدق فقال ابن عباس : قدم صدق منزل صدق ; دليله قوله تعالى : وقل رب أدخلني مدخل صدق . وعنه أيضا أجرا حسنا بما قدموا من أعمالهم . وعنه أيضا قدم صدق سبق السعادة في الذكر الأول ، وقاله مجاهد . الزجاج : درجة عالية . قال ذو الرمة :لكم قدم لا ينكر الناس أنها مع الحسب العالي طمت على البحرقتادة : سلف صدق . الربيع : ثواب صدق . عطاء : مقام صدق . يمان : إيمان صدق . وقيل : دعوة الملائكة . وقيل : ولد صالح قدموه . الماوردي : أن يوافق صدق الطاعة الجزاء . وقال الحسن وقتادة أيضا : هو محمد صلى الله عليه وسلم ; فإنه شفيع مطاع يتقدمهم ; كما قال : أنا فرطكم على الحوض . وقد سئل صلى الله عليه وسلم فقال : هي شفاعتي توسلون بي إلى ربكم . وقال الترمذي الحكيم : قدمه صلى الله عليه وسلم في المقام المحمود . وعن الحسن أيضا : مصيبتهم في النبي صلى الله عليه وسلم . وقال عبد العزيز بن يحيى : ( قدم صدق ) قوله تعالى : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون وقال مقاتل : أعمالا قدموها ; واختاره الطبري . قال الوضاح :صل لذي العرش واتخذ قدما تنجيك يوم العثار والزللوقيل : هو تقديم الله هذه الأمة في الحشر من القبر وفي إدخال الجنة . كما قال : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق . وحقيقته أنه كناية عن السعي في العمل الصالح ; فكنى عنه بالقدم كما يكنى عن الإنعام باليد وعن الثناء باللسان . وأنشد حسان :لنا القدم العليا إليك وخلفنا لأولنا في طاعة الله تابعيريد السابقة بإخلاص الطاعة ، والله أعلم . وقال أبو عبيدة والكسائي : كل سابق من خير أو شر فهو عند العرب قدم ; يقال : لفلان قدم في الإسلام ، له عندي قدم صدق وقدم شر وقدم خير . وهو مؤنث وقد يذكر ; يقال : قدم حسن وقدم صالحة . وقال ابن الأعرابي : القدم التقدم في الشرف ; قال العجاج :زل بنو العوام عن آل الحكم وتركوا الملك لملك ذي قدموفي الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لي خمسة أسماء . أنا محمد وأحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب يريد آخر الأنبياء ; كما قال تعالى : وخاتم النبيين .قوله تعالى قال الكافرون إن هذا لساحر مبين قرأ ابن محيصن وابن كثير والكوفيون عاصم وحمزة والكسائي وخلف والأعمش ( لساحر ) نعتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وقرأ الباقون " لسحر " نعتا للقرآن وقد تقدم معنى السحر في " البقرة " .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أكان عجبًا للناس إيحاؤنا القرآن على رجل منهم بإنذارهم عقابَ الله على معاصيه، كأنهم لم يعلموا أنَّ الله قد أوحى من قبله إلى مثله من البشر، فتعجَّبوا من وحينا إليه. (10)* * *وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:17527- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال: لما بعث الله محمدًا رسولا أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، فقالوا: اللهُ أعظمُ من أن يكون رسوله بشرًا مثل محمد ! فأنزل الله تعالى: ( أكان للناس عجبًا أن أوحينا إلى رجل منهم ) ، وقال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا [سورة يوسف: 109].17528- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: عجبت قريش أن بُعث رجل منهم. قال: ومثل ذلك: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا [سورة الأعراف: 65]، وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ، [سورة الأعراف: 73] ، قال الله: أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ ، [سورة الأعراف: 69].* * *القول في تأويل قوله تعالى : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْقال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: أما كان عجبًا للناس أن أوحينا إلى رجل منهم : أن أنذر الناس، وأن بشر الذين آمنوا بالله ورسوله: ( أن لهم قدم صدق ) ، عطفٌ على ( أنذر ) .واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ( قدم صدق )، فقال بعضهم: معناه: أن لهم أجرًا حسنًا بما قدَّموا من صالح الأعمال.* ذكر من قال ذلك:17529- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: ( أن لهم قدم صدق عند ربهم )، قال: ثواب صِدق.17530-. . . . قال، حدثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير عن مجاهد: ( أن لهم قدم صدق عند ربهم )، قال: الأعمال الصالحة.17531- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ( وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم )، يقول: أجرًا حسنًا بما قدَّموا من أعمالهم.17532- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن حبان، عن إبراهيم بن يزيد، عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث، عن مجاهد: ( أن لهم قدم صدق عند ربهم )، قال: صلاتهم وصومهم، وصدقتُهم، وتسبيحُهم. (11)17533- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( قدم صدق )، قال: خير.17534- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( قدم صدق ) ، مثله.17535- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.17536-. . . . قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، قال: ( قدم صدق )، ثواب صدق ، ( عند ربهم ) .17537- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.17538- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق )، قال: " القدم الصدق " ، ثواب الصّدق بما قدّموا من الأعمال.* * *وقال آخرون: معناه: أن لهم سابق صدق في اللوح المحفوظ من السعادة.* ذكر من قال ذلك:17539- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح عن علي، عن ابن عباس قوله: ( وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم )، يقول: سبقت لهم السعادة في الذِّكر الأَوّل.* * *وقال آخرون: معنى ذلك أنّ محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم شفيع لهم، قَدَمَ صدق.* ذكر من قال ذلك:17540- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن فضيل بن عمرو بن الجون، عن قتادة ، أو الحسن ، : ( أن لهم قدم صدق عند ربهم )، قال: محمدٌ شفيعٌ لهم. (12)17541- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم ) : أي سلَفَ صدقٍ عند ربهم.17542- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق، قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن زيد بن أسلم، في قوله: ( أن لهم قدم صدق عند ربهم )، قال: محمدٌ صلى الله عليه وسلم.* * *قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال: معناه: أن لهم أعمالا صالحة عند الله يستوجبون بها منه الثوابَ.* * *وذلك أنه محكيٌّ عن العرب: " هؤلاء أهْلُ القَدَم في الإسلام " أي هؤلاء الذين قدَّموا فيه خيرًا، فكان لهم فيه تقديم. ويقال: " له عندي قدم صِدْق ، وقدم سوء "، وذلك ما قدَّم إليه من خير أو شر، ومنه قول حسان بن ثابت:لَنَا القَدَمُ العُلْيَا إِلَيْكَ وَحَلْفُنَالأَوّلِنَا فِي طَاعَةِ اللهِ تَابِعُ (13)وقول ذي الرمة:لَكُمْ قَدَمٌ لا يُنْكِرُ النَّاسُ أَنَّهَامَعَ الحَسَبِ العَادِيِّ طَمَّتْ عَلَى البَحْرِ (14)* * *قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: وبشر الذين آمنوا أنّ لهم تقدِمة خير من الأعمال الصالحة عند ربِّهم.* * *القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (2)قال أبو جعفر : اختلفت القراء في قراءة ذلك.فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة: ( إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ )، بمعنى: إن هذا الذي جئتنا به ، يعنون القرآن ، لسحر مبين.* * *وقرأ ذلك مسروق، وسعيد بن جبير ، وجماعة من قراء الكوفيين: ( إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ ).* * *وقد بينت فيما مضى من نظائر ذلك: أن كل موصوف بصفةٍ ، يدل الموصوف على صفته، وصفته عليه. (15)والقارئ مخيَّرٌ في القراءة في ذلك، وذلك نظير هذا الحرف: ( قال الكافرون إن هذا لسحر مبين ) ، و " لساحر مبين ". (16)وذلك أنهم إنما وصفوه بأنه " ساحر "، ووصفهم ما جاءهم به أنه " سحر " يدل على أنهم قد وصفوه بالسحر. وإذْ كان ذلك كذلك ، فسواءٌ بأيِّ ذلك قرأ القارئ، لاتفاق معنى القراءتين.* * *وفي الكلام محذوف ، استغني بدلالة ما ذكر عما ترك ذكره ، وهو: " فلما بشرهم وأنذرهم وتلا عليهم الوحي" ، قال الكافرون : إن هذا الذي جاءنا به لسحرٌ مبين.* * *قال أبو جعفر : فتأويل الكلام إذًا: أكان للناس عجبًا أن أوحينا إلى رجل منهم: أن أنذر الناس ، وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم؟ فلما أتاهم بوحي الله وتلاه عليهم، قال المنكرون توحيد الله ورسالة رسوله: إن هذا الذي جاءنا به محمدٌ لسحر مبين أي : يبين لكم عنه أنه مبطِلٌ فيما يدعيه. (17)---------------------------الهوامش :(10) انظر تفسير " الوحي " و " الإنذار " فيما سلف من فهارس اللغة ( وحي ) ، ( نذر ) .(11) الأثر : 17532 - " زيد بن حباب التميمي " ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 11490 . وكان في المطبوعة : " يزيد بن حبان " ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، فتصرف أسوأ التصرف .و " إبراهيم بن يزيد الخوزي " ، ضعيف ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 17313 .و " الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث " ، ثقة ، مضى برقم : 16259 ، 17313 .وكان في المطبوعة والمخطوطة : " الوليد بن عبد الله ، عن أبي مغيث " ، وهو خطأ محض .(12) الأثر : 17540 - " فضيل بن عمرو بن الجون " ، لم أجد له ترجمة . ولا أدري أهو " فضيل بن عمرو الفقيمي " ، أو غيره ! .(13) مضى البيت وتخريجه فيما سلف 13 : 209 ، وروايته هناك : " لنا القدم الأولى " .(14) ديوانه 272 ، من قصيدته في مدح بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ، يقول بعده :خِلاَلَ النَّبِيِّ المُصْطَفَى عِنْدَ رَبِّهِوَعُثْمَانَ وَالفَارُوقِ بَعْدَ أَبِي بَكْرِورواية ديوانه : " طمت على الفخر " .(15) في المطبوعة : " نزل الموصوف " ، وفي المخطوطة : " ترك " ، وصواب قراءتها ما أثبت .(16) انظر ما سلف 11 : 216 ، 217 .(17) انظر تفسير " السحر " و " مبين " فيما سلف من فهارس اللغة ( سحر ) ، ( بين ) .
إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ إِذۡنِهِۦۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٣التفسير الميسرإن ربكم الله الذي أوجد السموات والأرض في ستة أيام، ثم استوى -أي علا وارتفع- على العرش استواء يليق بجلاله وعظمته، يدبر أمور خلقه، لا يضادُّه في قضائه أحد، ولا يشفع عنده شافع يوم القيامة إلا من بعد أن يأذن له بالشفاعة، فاعبدوا الله ربكم المتصف بهذه الصفات، وأخلصوا له العبادة. أفلا تتعظون وتعتبرون بهذه الآيات والحجج؟
تفسير السعدييقول تعالى مبينا لربوبيته وإلهيته وعظمته: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السموات وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ مع أنه قادر على خلقها في لحظة واحدة، ولكن لما له في ذلك من الحكمة الإلهية، ولأنه رفيق في أفعاله.ومن جملة حكمته فيها، أنه خلقها بالحق وللحق، ليعرف بأسمائه وصفاته ويفرد بالعبادة.ثُمَّ بعد خلق السماوات والأرض اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ استواء يليق بعظمته.يُدَبِّرُ الْأَمْرَ في العالم العلوي والسفلي من الإماتة والإحياء، وإنزال الأرزاق، ومداولة الأيام بين الناس، وكشف الضر عن المضرورين، وإجابة سؤال السائلين.فأنواع التدابير نازلة منه وصاعدة إليه، وجميع الخلق مذعنون لعزه خاضعون لعظمته وسلطانه.مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ فلا يقدم أحد منهم على الشفاعة، ولو كان أفضل الخلق، حتى يأذن الله ولا يأذن، إلا لمن ارتضى، ولا يرتضي إلا أهل الإخلاص والتوحيد له.ذَلِكُمْ الذي هذا شأنه اللَّهُ رَبُّكُمْ أي: هو الله الذي له وصف الإلهية الجامعة لصفات الكمال، ووصف الربوبية الجامع لصفات الأفعال.فَاعْبُدُوهُ أي: أفردوه بجميع ما تقدرون عليه من أنواع العبودية، أَفَلَا تَذَكَّرُونَ الأدلة الدالة على أنه وحده المعبود المحمود، ذو الجلال والإكرام.
تفسير ابن كثيريخبر تعالى أنه رب العالم جميعه ، وأنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام - قيل : كهذه الأيام ، وقيل : كل يوم كألف سنة مما تعدون . كما سيأتي بيانه [ إن شاء الله تعالى ] ثم استوى على العرش ، والعرش أعظم المخلوقات وسقفها .قال ابن أبي حاتم : حدثنا حجاج بن حمزة ، حدثنا أبو أسامة ، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال : سمعت سعدا الطائي يقول : العرش ياقوتة حمراء .وقال وهب بن منبه : خلقه الله من نوره .وهذا غريب .( يدبر الأمر ) أي : يدبر أمر الخلائق ، ( لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ) [ سبأ : 3 ] ، ولا يشغله شأن عن شأن ، ولا تغلظه المسائل ، ولا يتبرم بإلحاح الملحين ولا يلهيه تدبير الكبير عن الصغير ، في الجبال والبحار والعمران والقفار ، ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين ) [ هود : 6 ] . ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) [ الأنعام : 59 ] .وقال الدراوردي ، عن سعد بن إسحاق بن كعب [ بن عجرة ] أنه قال حين نزلت هذه الآية : ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ) لقيهم ركب عظيم [ لا يرون إلا أنهم ] من العرب ، فقالوا لهم : من أنتم ؟ قالوا . من الجن ، خرجنا من المدينة ، أخرجتنا هذه الآية . رواه ابن أبي حاتم .[ وقوله ] ( ما من شفيع إلا من بعد إذنه ) كقوله تعالى : ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) [ البقرة : 255 ] وكقوله تعالى : ( وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ) [ النجم : 26 ] وقوله : ( ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ) [ سبأ : 23 ] .وقوله : ( ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون ) أي : أفردوه بالعبادة وحده لا شريك له ، ( أفلا تذكرون ) أي : أيها المشركون في أمركم ، تعبدون مع الله غيره ، وأنتم تعلمون أنه المتفرد بالخلق ، كقوله تعالى : ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ) [ الزخرف : 87 ] ، وقوله : ( قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون ) [ المؤمنون : 86 - 87 ] ، وكذا الآية التي قبلها والتي بعدها .
تفسير القرطبيقوله تعالى إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرونقوله تعالى إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش تقدم في الأعراف .يدبر الأمر قال مجاهد : يقضيه ويقدره وحده . ابن عباس : لا يشركه في تدبير خلقه أحد . وقيل : يبعث بالأمر . وقيل : ينزل به . وقيل : يأمر به ويمضيه ; والمعنى متقارب . فجبريل للوحي ، وميكائيل للقطر ، وإسرافيل للصور ، وعزرائيل للقبض . وحقيقته تنزيل الأمور في مراتبها على أحكام عواقبها ، واشتقاقه من الدبر . والأمر اسم لجنس الأمور .ما من شفيع في موضع رفع ، والمعنى ما شفيعإلا من بعد إذنه وقد تقدم في " البقرة " معنى الشفاعة . فلا يشفع أحد نبي ولا غيره إلا بإذنه سبحانه ، وهذا رد على الكفار في قولهم فيما عبدوه من دون الله : هؤلاء شفعاؤنا عند الله فأعلمهم الله أن أحدا لا يشفع لأحد إلا بإذنه ، فكيف بشفاعة أصنام لا تعقل .قوله تعالى ذلكم الله ربكم فاعبدوه أي ذلكم الذي فعل هذه الأشياء من خلق السماوات والأرض هو ربكم لا رب لكم غيره . فاعبدوه أي وحدوه وأخلصوا له العبادة . أفلا تذكرون أي أنها مخلوقاته فتستدلوا بها عليه .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (3)قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: إن ربكم الذي له عبادة كل شيء، ولا تنبغي العبادة إلا له، هو الذي خلق السماوات السبع والأرضين السبع في ستة أيام، وانفرد بخلقها بغير شريك ولا ظهيرٍ، ثم استوى على عرشه مدبرًا للأمور ، وقاضيًا في خلقه ما أحبّ، لا يضادُّه في قضائه أحدٌ، ولا يتعقب تدبيره مُتَعَقِّبٌ، ولا يدخل أموره خلل. (18) ، ( ما من شفيع إلا من بعد إذنه ) ، يقول : لا يشفع عنده شافع يوم القيامة في أحد ، إلا من بعد أن يأذن في الشفاعة (19) " ، ( ذلكم الله ربكم ) ، يقول جل جلاله : هذا الذي هذه صفته ، سيِّدكم ومولاكم ، لا من لا يسمع ولا يبصر ولا يدبِّر ولا يقضي من الآلهة والأوثان ، ( فاعبدوه ) ، يقول : فاعبدوا ربكم الذي هذه صفته ، وأخلصوا له العبادة ، وأفردوا له الألوهية والربوبية ، بالذلة منكم له ، دون أوثانكم وسائر ما تشركون معه في العبادة ، ( أفلا تذكرون) ، يقول : أفلا تتعظون وتعتبرون بهذه الآيات والحجج ، (20) فتنيبون إلى الإذعان بتوحيدِ ربكم وإفراده بالعبادة، وتخلعون الأنداد وتبرؤون منها؟* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:17543- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( يدبر الأمر )، قال: يقضيه وحدَه.17544- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: ( يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه )، قال: يقضيه وحده.17545- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( يدبر الأمر ) قال: يقضيه وحده.17546-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.17547- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.-------------------الهوامش :(18) انظر تفسير " الاستواء " فيما سلف 1 : 428 - 431 / 12 : 483 ، وتفسير " العرش " فيما سلف 12 : 482 / 14 : 587 .(19) انظر تفسير " الشفاعة " فيما سلف 12 : 481 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .، وتفسير " الإذن " فيما سلف 14 : 112 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .(20) انظر تفسير " التذكر " فيما سلف 12 : 493 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقًّاۚ إِنَّهُۥ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ ٤التفسير الميسرإلى ربكم معادكم يوم القيامة جميعًا، وهذا وعد الله الحق، هو الذي يبدأ إيجاد الخلق ثم يعيده بعد الموت، فيوجده حيًا كهيئته الأولى، ليجزي مَن صَدَّق الله ورسوله، وعمل الأعمال الحسنة أحسن الجزاء بالعدل. والذين جحدوا وحدانية الله ورسالة رسوله لهم شراب من ماء شديد الحرارة يشوي الوجوه ويقطِّع الأمعاء، ولهم عذاب موجع بسبب كفرهم وضلالهم.
تفسير السعديفلما ذكر حكمه القدري وهو التدبير العام، وحكمه الديني وهو شرعه، الذي مضمونه ومقصوده عبادته وحده لا شريك له، ذكر الحكم الجزائي، وهو مجازاته على الأعمال بعد الموت، فقال: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا أي: سيجمعكم بعد موتكم، لميقات يوم معلوم.إنه يبدأ الخلق ثم يعيده فالقادر على ابتداء الخلق قادر على إعادته، والذي يرى ابتداءه بالخلق، ثم ينكر إعادته للخلق، فهو فاقد العقل منكر لأحد المثلين مع إثبات ما هو أولى منه، فهذا دليل عقلي واضح على المعاد. وقد ذكر الدليل النقلي فقال: وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا أي: وعده صادق لا بد من إتمامه لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا بقلوبهم بما أمرهم الله بالإيمان به.وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بجوارحهم، من واجبات، ومستحبات، بِالْقِسْطِ أي: بإيمانهم وأعمالهم، جزاء قد بينه لعباده، وأخبر أنه لا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين وَالَّذِينَ كَفَرُوا بآيات الله وكذبوا رسل الله.لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ أي: ماء حار، يشوي الوجوه، ويقطع الأمعاء. وَعَذَابٌ أَلِيمٌ من سائر أصناف العذاب بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ أي: بسبب كفرهم وظلمهم، وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون.
تفسير ابن كثيرخبر تعالى أن إليه مرجع الخلائق يوم القيامة ، لا يترك منهم أحدا حتى يعيده كما بدأه . ثم ذكر تعالى أنه كما بدأ الخلق كذلك يعيده ، ( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ) [ الروم : 27 ] .( ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط ) أي : بالعدل والجزاء الأوفى ، ( والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ) أي : بسبب كفرهم يعذبون يوم القيامة بأنواع العقاب ، من ( سموم وحميم وظل من يحموم ) [ الواقعة : 42 ، 43 ] . ( هذا فليذوقوه حميم وغساق وآخر من شكله أزواج ) [ ص : 57 ، 58 ] . ( هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن ) [ الرحمن : 43 ، 44 ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرونإليه مرجعكم جميعا رفع بالابتداء . ( جميعا ) نصب على الحال . ومعنى الرجوع إلى الله الرجوع إلى جزائه .وعد الله حقا مصدران ; أي وعد الله ذلك وعدا وحققه حقا صدقا لا خلف فيه . وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة " وعد الله حق " على الاستئناف .قوله تعالى إنه يبدأ الخلق أي من التراب . ثم يعيده إليه . مجاهد : ينشئه ثم يميته ثم يحييه للبعث ; أو ينشئه من الماء ثم يعيده من حال إلى حال . وقرأ يزيد بن القعقاع " أنه يبدأ الخلق " تكون ( أن ) في موضع نصب ; أي وعدكم أنه يبدأ الخلق . ويجوز أن يكون التقدير لأنه يبدأ الخلق ; كما يقال : لبيك أن الحمد والنعمة لك ; والكسر أجود . وأجاز الفراء أن تكون ( أن ) في موضع رفع فتكون اسما . قال أحمد بن يحيى : يكون التقدير حقا إبداؤه الخلق .قوله تعالى ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط أي بالعدل .والذين كفروا لهم شراب من حميم أي ماء حار قد انتهى حره ، والحميمة مثله . يقال : حممت الماء أحمه فهو حميم ، أي محموم ; فعيل بمعنى مفعول . وكل مسخن عند العرب فهو حميم .وعذاب أليم أي موجع ، يخلص وجعه إلى قلوبهم بما كانوا يكفرون أي بكفرهم ، وكان معظم قريش يعترفون بأن الله خالقهم ; فاحتج عليهم بهذا فقال : من قدر على الابتداء قدر على الإعادة بعد الإفناء أو بعد تفريق الأجزاء .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (4)قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: إلى ربكم الذي صفته ما وصَفَ جل ثناؤه في الآية قبل هذه ، معادُكم ، أيها الناس ، يوم القيامة جميعًا. (21) ( وعد الله حقا ) ، فأخرج ( وعد الله ) مصدَّرًا من قوله: ( إليه مرجعكم ) ، لأنه فيه معنى " الوعد "، ومعناه: يعدكم الله أن يحييكم بعد مماتكم وعدًا حقًّا، فلذلك نصب (وعد الله حقا) ، ( إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ) يقول تعالى ذكره: إن ربكم يبدأ إنشاء الخلق وإحداثه وإيجاده ، ( ثم يعيده )، يقول : ثم يعيده فيوجده حيًّا كهيئته يوم ابتدأه ، بعد فنائه وبَلائِه. (22) كما:-17548- حدثني محمد بن عمرو، قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( يبدأ الخلق ثم يعيده )، قال: يحييه ثم يميته ، قال أبو جعفر: وأحسبه أنا قال: " ثم يحييه ".17549- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد: ( يبدأ الخلق ثم يعيده )، قال: يحييه ثم يميته، ثم يحييه.17550- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( إنه يبدأ الخلق ثم يعيده )، : يحييه ، ثم يميته، ثم يبدؤه ، ثم يحييه.17551- . . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ، بنحوه.* * *وقرأت قراء الأمصار ذلك: ( إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ )، بكسر الألف من (إنه) ، على الاستئناف.* * *وذكر عن أبي جعفر الرازي أنه قرأه ( أَنَّهُ ) بفتح الألف من ( أنه ).* * *، كأنه أراد: حقًّا أنه يبدأ الخلق ثم يعيده، ف " أنّ" حينئذ تكون رفعًا، كما قال الشاعر: (23)أحَقًّا عِبَادَ اللهِ أَنْ لَسْتُ زَائِرًارُبَى جَنَّة إِلا عَلَيَّ رَقِيبُ (24)* * *وقوله: (ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط)، يقول: ثم يعيده من بعد مماته كهيئته قبل مماته عند بعثه من قبره ، ( ليجزي الذين آمنوا) ليثيب من صدّق الله ورسوله وعملوا ما أمرهم الله به من الأعمال ، واجتنبوا ما نهاهم عنه ، على أعمالهم الحسنة (25) ، (بالقسط) يقول: ليجزيهم على الحسن من أعمالهم التي عملوها في الدنيا الحسنَ من الثواب ، والصالحَ من الجزاء في الآخرة ، وذلك هو " القسط" ، و " القسط" العدلُ والإنصاف، (26) كما:-17552- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (بالقسط) ، بالعدل.* * *وقوله: (والذين كفروا لهم شَرَاب من حميم)، فإنه جل ثناؤه ابتدأ الخبر عما أعدَّ الله للذين كفروا من العذاب، وفيه معنى العطف على الأول. لأنه تعالى ذكره عمَّ بالخبر عن معادِ جميعهم ، كفارهم ومؤمنيهم ، إليه. ثم أخبر أن إعادتهم ليجزي كلَّ فريق بما عمل المحسنَ منهم بالإحسان ، والمسيءَ بالإساءة. ولكن لما كان قد تقدم الخبر المستأنفُ عما أعدّ للذين كفروا من العذاب ، ما يدلُّ سامعَ ذلك على المرادِ ، ابتدأ الخبر ، والمعنيُّ العطف فقال: والذين جحدوا الله ورسولَه وكذبوا بآيات الله ، ( لهم شراب ) في جهنم (من حميم) وذلك شراب قد أُغلي واشتدّ حره ، حتى إنه فيما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم ليتساقطُ من أحدهم حين يدنيه منه فروةُ رأسه، وكما وصفه جل ثناؤه: كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ، [سورة الكهف: 29].* * *وأصله : " مفعول " صرف إلى " فعيل "، وإنما هو " محموم ": أي مسخّن، وكل مسخَّن عند العرب فهو حميم، (27)ومنه قول المرقش:وَكُلُّ يَوْمٍ لَهَا مِقْطَرَةٌفِيهَا كِبَاءٌ مُعَدٌّ وَحَمِيمْ (28)يعني ب " الحميم " ، الماء المسخَّن.* * *وقوله: (عَذَابٌ أَلِيمٌ)، يقول: ولهم مع ذلك عذاب موجع، (29) سوى الشراب من الحميم، بما كانوا يكفرون بالله ورسوله.---------------------------الهوامش :(21) انظر تفسير " المرجع " فيما سلف 12 : 287 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .(22) انظر تفسير " البدء " و " العود " فيما سلف 12 : 382 - 388 .(23) لم أعرف قائله .(24) في المطبوعة : " أبا حبة إلا على رقيب " ، وهو تحريف لما في المخطوطة ، وهو فيها هكذا ، غير منقوط : " رباحه " ، وصواب قراءته ما أثبت .(25) انظر تفسير " الجزاء " فيما سلف من فهارس اللغة ( جزى ) .(26) انظر تفسير " القسط " فيما سلف 12 : 379 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .(27) انظر تفسير " حميم " فيما سلف 11 : 448 ، 449 .(28) سلف البيت وتخريجه وشرحه 11 : 448 ، وروايته هناك : " في كل ممسي " .(29) انظر تفسير " أليم " فيما سلف من فهارس اللغة ( ألم ) .
هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٥التفسير الميسرالله هو الذي جعل الشمس ضياء، وجعل القمر نورًا، وقدَّر القمر منازل، فبالشمس تعرف الأيام، وبالقمر تعرف الشهور والأعوام، ما خلق الله تعالى الشمس والقمر إلا لحكمة عظيمة، ودلالة على كمال قدرة الله وعلمه، يبيِّن الحجج والأدلة لقوم يعلمون الحكمة في إبداع الخلق.
تفسير السعديتفسير الآيتين 5 و6 :لما قرر ربوبيته وإلهيته، ذكر الأدلة العقلية الأفقية الدالة على ذلك وعلى كماله، في أسمائه وصفاته، من الشمس والقمر، والسماوات والأرض وجميع ما خلق فيهما من سائر أصناف المخلوقات، وأخبر أنها آيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ و لِقَوْمٍ يَتَّقُونَفإن العلم يهدي إلى معرفة الدلالة فيها، وكيفية استنباط الدليل على أقرب وجه، والتقوى تحدث في القلب الرغبة في الخير، والرهبة من الشر، الناشئين عن الأدلة والبراهين، وعن العلم واليقين.وحاصل ذلك أن مجرد خلق هذه المخلوقات بهذه الصفة، دال على كمال قدرة الله تعالى، وعلمه، وحياته، وقيوميته، وما فيها من الأحكام والإتقان والإبداع والحسن، دال على كمال حكمة الله، وحسن خلقه وسعة علمه. وما فيها من أنواع المنافع والمصالح كجعل الشمس ضياء، والقمر نورا، يحصل بهما من النفع الضروري وغيره ما يحصل يدل ذلك على رحمة الله تعالى واعتنائه بعباده وسعة بره وإحسانه، وما فيها من التخصيصات دال على مشيئة الله وإرادته النافذة.وذلك دال على أنه وحده المعبود والمحبوب المحمود، ذو الجلال والإكرام والأوصاف العظام، الذي لا تنبغي الرغبة والرهبة إلا إليه، ولا يصرف خالص الدعاء إلا له، لا لغيره من المخلوقات المربوبات، المفتقرات إلى الله في جميع شئونها.وفي هذه الآيات الحث والترغيب على التفكر في مخلوقات الله، والنظر فيها بعين الاعتبار، فإن بذلك تنفتح البصيرة، ويزداد الإيمان والعقل، وتقوى القريحة، وفي إهمال ذلك، تهاون بما أمر الله به، وإغلاق لزيادة الإيمان، وجمود للذهن والقريحة.
تفسير ابن كثيريخبر تعالى عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته ، وعظيم سلطانه ، وأنه جعل الشعاع الصادر عن جرم الشمس ضياء وشعاع القمر نورا ، هذا فن وهذا فن آخر ، ففاوت بينهما لئلا يشتبها ، وجعل سلطان الشمس بالنهار ، وسلطان القمر بالليل ، وقدر القمر منازل ، فأول ما يبدو صغيرا ، ثم يتزايد نوره وجرمه ، حتى يستوسق ويكمل إبداره ، ثم يشرع في النقص حتى يرجع إلى حاله الأول في تمام شهر ، كما قال تعالى : ( والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ) [ يس : 39 ، 40 ] . وقال : ( والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم ) [ الأنعام : 96 ] .وقال في هذه الآية الكريمة : ( وقدره ) أي : القمر ( وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ) فبالشمس تعرف الأيام ، وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام .( ما خلق الله ذلك إلا بالحق ) أي : لم يخلقه عبثا بل له حكمة عظيمة في ذلك ، وحجة بالغة ، كما قال تعالى : ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ) . وقال تعالى : ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم ) [ المؤمنون : 115 ، 116 ] .وقوله : ( نفصل الآيات ) أي : نبين الحجج والأدلة ( لقوم يعلمون )
تفسير القرطبيقوله تعالى هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمونقوله تعالى هو الذي جعل الشمس ضياء مفعولان ، أي مضيئة ، ولم يؤنث لأنه مصدر ; أو ذات ضياءوالقمر نورا عطف ، أي منيرا ، أو ذا نور ، فالضياء ما يضيء الأشياء ، والنور ما يبين فيخفى ؛ لأنه من النار من أصل واحد . والضياء جمع ضوء ; كالسياط والحياض جمع سوط وحوض . وقرأ قنبل عن ابن كثير " ضئاء " بهمز الياء ولا وجه له ؛ لأن ياءه كانت واوا مفتوحة وهي عين الفعل ، أصلها ضواء فقلبت وجعلت ياء كما جعلت في الصيام والقيام . قال المهدوي : ومن قرأ ضئاء بالهمز فهو مقلوب ، قدمت الهمزة التي بعد الألف فصارت قبل الألف فصار ضئايا ، ثم قلبت الياء همزة لوقوعها بعد ألف زائدة . وكذلك إن قدرت أن الياء حين تأخرت رجعت إلى الواو التي انقلبت عنها فإنها تقلب همزة أيضا فوزنه فلاع مقلوب من فعال . ويقال : إن الشمس والقمر تضيء وجوههما لأهل السماوات السبع وظهورهما لأهل الأرضين السبع .قوله تعالى وقدره منازل أي ذا منازل ، أو قدر له منازل . ثم قيل : المعنى وقدرهما ، فوحد إيجازا واختصارا ; كما قال : وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها . وكما قال :نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلفوقيل : إن الإخبار عن القمر وحده ; إذ به تحصى الشهور التي عليها العمل في المعاملات ونحوها ، كما تقدم في " البقرة " . وفي سورة يس : والقمر قدرناه منازل أي على عدد الشهر ، وهو ثمانية وعشرون منزلا . ويومان للنقصان والمحاق ، وهناك يأتي بيانه .لتعلموا عدد السنين والحساب قال ابن عباس : لو جعل شمسين ، شمسا بالنهار وشمسا بالليل ليس فيهما ظلمة ولا ليل ، لم يعلم عدد السنين وحساب الشهور . وواحد السنين سنة ، ومن العرب من يقول : سنوات في الجمع ومنهم من يقول : سنهات . والتصغير سنية وسنيهة .قوله تعالى ما خلق الله ذلك إلا بالحق أي ما أراد الله عز وجل بخلق ذلك إلا الحكمة والصواب ، وإظهارا لصنعته وحكمته ، ودلالة على قدرته وعلمه ، ولتجزى كل نفس بما كسبت ; فهذا هو الحق .قوله تعالى يفصل الآيات لقوم يعلمون تفصيل الآيات تبيينها ليستدل بها على قدرته تعالى ، لاختصاص الليل بظلامه والنهار بضيائه من غير استحقاق لهما ولا إيجاب ; فيكون هذا لهم دليلا على أن ذلك بإرادة مريد . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص ويعقوب يفصل بالياء ، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ; لقوله من قبله : ما خلق الله ذلك إلا بالحق وبعده وما خلق الله في السماوات والأرض فيكون متبعا له . وقرأ ابن السميقع " تفصل " بضم التاء وفتح الصاد على الفعل المجهول ، و " الآيات رفعا . الباقون " نفصل " بالنون على التعظيم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5)قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض ، (هو الذي جعل الشمس ضياء)، بالنهار ، (والقمر نورًا) بالليل. ومعنى ذلك: هو الذي أضاء الشمسَ وأنار القمر ، (وقدّره منازل) ، يقول: قضاه فسوّاه منازلَ ، لا يجاوزها ولا يقصر دُونها ، على حالٍ واحدةٍ أبدًا. (30)* * *وقال: (وقدّره منازل) ، فوحّده، وقد ذكر " الشمس " و " القمر " ، فإن في ذلك وجهين:أحدهما : أن تكون " الهاء " في قوله: (وقدره) للقمر خاصة، لأن بالأهلة يُعرف انقضاءُ الشهور والسنين ، لا بالشمس.والآخر: أن يكون اكتفي بذكر أحدهما عن الآخر، كما قال في موضع آخر: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ، [سورة التوبة: 62] ، وكما قال الشاعر: (31)رَمَانِي بِأَمْرٍ كُنْتُ مِنْهُ وَوَالِدِيبَرِيًّا, وَمِنْ جُولِ الطَّوِيِّ رَمَانِي (32)* * *وقوله: (لتعلموا عدد السنين والحساب)، يقول: وقدّر ذلك منازل ، (لتعلموا) ، أنتم أيها الناس ، ( عدد السنين)، دخول ما يدخل منها، أو انقضاءَ ما يستقبل منها ، وحسابها ، يقول: وحساب أوقات السنين ، وعدد أيامها، وحساب ساعات أيامها ، (مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلا بِالْحَقِّ)، يقول جل ثناؤه: لم يخلق الله الشمس والقمر ومنازلهما إلا بالحق. يقول الحق تعالى ذكره: خلقت ذلك كله بحقٍّ وحدي، بغير عون ولا شريك ، (يفصل الآيات) يقول: يبين الحجج والأدلة (33) ، (لقوم يعلمون) ، إذا تدبروها، حقيقةَ وحدانية الله وصحةَ ما يدعوهم إليه محمد صلى الله عليه وسلم ، من خلع الأنداد ، والبراءة من الأوثان.---------------------الهوامش :(30) انظر تفسير " التقدير " فيما سلف 11 : 560 .(31) هو ابن أحمر ، أو : الأزرق بن طرفة بن العمرد الفراصي .(32) معاني القرآن للفراء 1 : 458 ، اللسان ( جول ) ، وغيرهما . وكانت بينه وبين رجل حكومة في بئر ، فقال خصمه : " إنه لص ابن لص " ، فقال هذا الشعر ، وبعده :دَعَانِي لِصًّا فِي لُصُوصٍ , ومَا دَعَابِهَا وَالِدِي فِيمَا مَضَى رَجُلاَنورواية البيت على الصواب : " ومن أجل الطوى " ، و " الطوى " : البئر . و " الجول " و " الجال " ناحية من نواحي البئر إلى أعلاها من أسفلها .(33) انظر تفسير " التفصيل " فيما سلف : 14 : 152 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .، وتفسير "الآية " فيما سلف من فهارس اللغة (أيي)
إِنَّ فِي ٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَّقُونَ ٦التفسير الميسرإن في تعاقب الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض من عجائب الخلق وما فيهما من إبداع ونظام، لأدلة وحججًا واضحة لقوم يخشون عقاب الله وسخطه وعذابه.
تفسير السعديتفسير الآيتين 5 و6 :لما قرر ربوبيته وإلهيته، ذكر الأدلة العقلية الأفقية الدالة على ذلك وعلى كماله، في أسمائه وصفاته، من الشمس والقمر، والسماوات والأرض وجميع ما خلق فيهما من سائر أصناف المخلوقات، وأخبر أنها آيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ و لِقَوْمٍ يَتَّقُونَفإن العلم يهدي إلى معرفة الدلالة فيها، وكيفية استنباط الدليل على أقرب وجه، والتقوى تحدث في القلب الرغبة في الخير، والرهبة من الشر، الناشئين عن الأدلة والبراهين، وعن العلم واليقين.وحاصل ذلك أن مجرد خلق هذه المخلوقات بهذه الصفة، دال على كمال قدرة الله تعالى، وعلمه، وحياته، وقيوميته، وما فيها من الأحكام والإتقان والإبداع والحسن، دال على كمال حكمة الله، وحسن خلقه وسعة علمه. وما فيها من أنواع المنافع والمصالح كجعل الشمس ضياء، والقمر نورا، يحصل بهما من النفع الضروري وغيره ما يحصل يدل ذلك على رحمة الله تعالى واعتنائه بعباده وسعة بره وإحسانه، وما فيها من التخصيصات دال على مشيئة الله وإرادته النافذة.وذلك دال على أنه وحده المعبود والمحبوب المحمود، ذو الجلال والإكرام والأوصاف العظام، الذي لا تنبغي الرغبة والرهبة إلا إليه، ولا يصرف خالص الدعاء إلا له، لا لغيره من المخلوقات المربوبات، المفتقرات إلى الله في جميع شئونها.وفي هذه الآيات الحث والترغيب على التفكر في مخلوقات الله، والنظر فيها بعين الاعتبار، فإن بذلك تنفتح البصيرة، ويزداد الإيمان والعقل، وتقوى القريحة، وفي إهمال ذلك، تهاون بما أمر الله به، وإغلاق لزيادة الإيمان، وجمود للذهن والقريحة.
تفسير ابن كثيروقوله : ( إن في اختلاف الليل والنهار ) أي : تعاقبهما إذا جاء هذا ذهب هذا ، وإذا ذهب هذا جاء هذا ، لا يتأخر عنه شيئا ، كما قال تعالى : ( يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا ) [ الأعراف : 54 ] ، وقال : ( لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار ) [ يس : 40 ] ، وقال تعالى : ( فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم ) [ الأنعام : 96 ] .وقوله : ( وما خلق الله في السماوات والأرض ) أي : من الآيات الدالة على عظمته تعالى ، كما قال : ( وكأين من آية في السماوات والأرض [ يمرون عليها وهم عنها معرضون ] ) [ يوسف : 105 ] ، [ وقال ( قل انظروا ماذا في السماوات والأرض ] وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ) [ يونس : 101 ] . وقال : ( أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض ) [ سبأ : 9 ] . وقال : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ) [ آل عمران : 190 ] . أي : العقول ، وقال هاهنا : ( لآيات لقوم يتقون ) أي : عقاب الله ، وسخطه ، وعذابه .
تفسير القرطبيقوله تعالى إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون تقدم في " البقرة " وغيرها معناه ، والحمد لله . وقد قيل : إن سبب نزولها أن أهل مكة سألوا آية فردهم إلى تأمل مصنوعاته والنظر فيها ; قال ابن عباس . لقوم يتقون أي الشرك ; فأما من أشرك ولم يستدل فليست الآية له آية .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (6)قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره ، منبِّهًا عبادَه على موضع الدّلالة على ربوبيته ، وأنه خالق كلِّ ما دونه: إن في اعتقاب الليل النهارَ ، واعتقاب النهار الليلَ، . إذا ذهب هذا جاء هذا ، وإذا جاء هذا ذهب هذا، (34) وفيما خلق الله في السماوات من الشمس والقمر والنجوم ، وفي الأرض من عجائب الخلق الدالة على أن لها صانعا ليس كمثله شيء ، (لآيات)، يقول : لأدلة وحججًا وأعلامًا واضحةً ، (لقوم يتقون) الله، فيخافون وعيده ويخشون عقابه على إخلاص العبادة لربهم.فإن قال قائل: أوَ لا دلالة فيما خلق الله في السماوات والأرض على صانعه ، إلا لمن اتقى الله؟قيل: في ذلك الدلالة الواضحةُ على صانعه لكل من صحَّت فطرته، وبرئ من العاهات قلبه. ولم يقصد بذلك الخبرَ عن أن فيه الدلالة لمن كان قد أشعرَ نفسه تقوى الله وإنما معناه: إن في ذلك لآيات لمن اتَّقى عقاب الله ، فلم يحمله هواه على خلاف ما وضحَ له من الحق، لأن ذلك يدلُّ كل ذي فطرة صحيحة على أن له مدبِّرًا يستحقّ عليه الإذعان له بالعبودة ، دون ما سواه من الآلهة والأنداد.------------------------الهوامش:(34) وتفسير " اختلاف الليل والنهار " فيما سلف 3 : 272 ، 273 .