الثلاثاء، ١٠ فبراير ٢٠٢٦
الثلاثاء، ١٠ فبراير ٢٠٢٦
facebookinstagramtwitter

عرض بالصفحات

Basmala
سُورَةُ يُونُسَ
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا ٱئۡتِ بِقُرۡءَانٍ غَيۡرِ هَٰذَآ أَوۡ بَدِّلۡهُۚ قُلۡ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلۡقَآيِٕ نَفۡسِيٓۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۖ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ  ١٥قُل لَّوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوۡتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَدۡرَىٰكُم بِهِۦۖ فَقَدۡ لَبِثۡتُ فِيكُمۡ عُمُرٗا مِّن قَبۡلِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ  ١٦فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ  ١٧وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِۚ قُلۡ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ  ١٨وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَٱخۡتَلَفُواْۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡ فِيمَا فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ  ١٩وَيَقُولُونَ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۖ فَقُلۡ إِنَّمَا ٱلۡغَيۡبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ  ٢٠
تفسير سُورَةُ يُونُسَ
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا ٱئۡتِ بِقُرۡءَانٍ غَيۡرِ هَٰذَآ أَوۡ بَدِّلۡهُۚ قُلۡ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلۡقَآيِٕ نَفۡسِيٓۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۖ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ  ١٥
التفسير الميسروإذا تتلى على المشركين آيات الله التي أنزلناها إليك -أيها الرسول- واضحات، قال الذين لا يخافون الحساب، ولا يرجون الثواب، ولا يؤمنون بيوم البعث والنشور: ائت بقرآن غير هذا، أو بدِّل هذا القرآن: بأن تجعل الحلال حرامًا، والحرام حلالا والوعد وعيدًا، والوعيد وعدًا، وأن تُسْقط ما فيه مِن عيب آلهتنا وتسفيه أحلامنا، قل لهم -أيها الرسول-: إن ذلك ليس إليَّ، وإنما أتبع في كل ما آمركم به وأنهاكم عنه ما ينزله عليَّ ربي ويأمرني به، إني أخشى من الله -إن خالفت أمره- عذاب يوم عظيم وهو يوم القيامة.
تفسير السعدييذكر تعالى تعنت المكذبين لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأنهم إذا تتلى عليهم آيات الله القرآنية المبينة للحق، أعرضوا عنها، وطلبوا وجوه التعنت فقالوا، جراءة منهم وظلما‏:‏ ‏‏ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ‏‏ فقبحهم الله، ما أجرأهم على الله، وأشدهم ظلما وردا لآياته‏.‏فإذا كان الرسول العظيم يأمره الله، أن يقول لهم‏:‏ ‏‏قُلْ مَا يَكُونُ لِي‏‏ أي‏:‏ ما ينبغي ولا يليق ‏‏أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي‏‏ فإني رسول محض، ليس لي من الأمر شيء، ‏‏إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ‏‏ أي‏:‏ ليس لي غير ذلك، فإني عبد مأمور، ‏‏إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏‏ فهذا قول خير الخلق وأدبه مع أوامر ربه ووحيه، فكيف بهؤلاء السفهاء الضالين، الذين جمعوا بين الجهل والضلال، والظلم والعناد، والتعنت والتعجيز لرب العالمين، أفلا يخافون عذاب يوم عظيم‏؟‏‏"‏‏.‏
تفسير ابن كثيريخبر تعالى عن تعنت الكفار من مشركي قريش الجاحدين الحق المعرضين عنه ، أنهم إذا قرأ عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم كتاب الله وحججه الواضحة قالوا له : ( ائت بقرآن غير هذا ) أي : رد هذا وجئنا بغيره من نمط آخر ، أو بدله إلى وضع آخر ، قال الله لنبيه ، صلوات الله وسلامه عليه ، ( قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ) أي : ليس هذا إلي ، إنما أنا عبد مأمور ، ورسول مبلغ عن الله ، ( إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم )
تفسير القرطبيقوله تعالى وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيمقوله تعالى وإذا تتلى عليهم آياتنا تتلى تقرأ ، وبينات نصب على الحال ; أي واضحات لا لبس فيها ولا إشكال .قال الذين لا يرجون لقاءنا يعني لا يخافون يوم البعث والحساب ولا يرجون الثواب . قال قتادة : يعني مشركي أهل مكة .ائت بقرآن غير هذا أو بدله والفرق بين تبديله والإتيان بغيره أن تبديله لا يجوز أن يكون معه ، والإتيان بغيره قد يجوز أن يكون معه ; وفي قولهم ذلك ثلاثة أوجه :أحدها : أنهم سألوه أن يحول الوعد وعيدا والوعيد وعدا ، والحلال حراما والحرام حلالا ; قاله ابن جرير الطبري .الثاني : سألوه أن يسقط ما في القرآن من عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم ; قاله ابن عيسى .الثالث : أنهم سألوه إسقاط ما فيه من ذكر البعث والنشور ; قاله الزجاج .الثانية : قوله تعالى قل ما يكون لي أي قل يا محمد ما كان لي أن أبدله من تلقاء نفسي ومن عندي ، كما ليس لي أن ألقاه بالرد والتكذيب .إن أتبع إلا ما يوحى إلي أي لا أتبع إلا ما أتلوه عليكم من وعد ووعيد ، وتحريم وتحليل ، وأمر ونهي . وقد يستدل بهذا من يمنعنسخ الكتاب بالسنة ; لأنه تعالى قال : قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي وهذا فيه بعد ; فإن الآية وردت في طلب المشركين مثل القرآن نظما ، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم قادرا على ذلك ، ولم يسألوه تبديل الحكم دون اللفظ ; ولأن الذي يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كان وحيا لم يكن من تلقاء نفسه ، بل كان من عند الله تعالى .الثالثة : قوله تعالى إني أخاف إن عصيت ربي أي إن خالفت في تبديله وتغييره أو في ترك العمل به .عذاب يوم عظيم يعني يوم القيامة .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا قرئ على هؤلاء المشركين آيات كتاب الله الذي أنزلنَاه إليك ، يا محمد (1) ، (بينات)، واضحات ، على الحق دالاتٍ (2) ، (قال الذين لا يرجون لقاءنا)، يقول: قال الذين لا يخافون عقابنا ، ولا يوقنون بالمعاد إلينا ، ولا يصدّقون بالبعث ، (3) لك ، (ائت بقرآن غير هذا أو بدّله) ، يقول: أو غيِّره (4) ، (قل) لهم ، يا محمد ، (ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي) ، أي: من عندي. (5)* * *والتبديل الذي سألوه ، فيما ذكر، أن يحوّل آية الوعيد آية وعد ، وآية الوعد وعيدًا والحرامَ حلالا والحلال حرامًا، فأمر الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم أن ذلك ليس إليه، وأن ذلك إلى من لا يردّ حكمه ، ولا يُتَعَقَّب قضاؤه، وإنما هو رسول مبلّغ ومأمور مُتّبع.* * *وقوله: (إن أتبع إلا ما يوحى إليّ) ، يقول: قل لهم: ما أتبع في كل ما آمركم به أيها القوم ، وأنهاكم عنه ، إلا ما ينزله إليّ ربي ، ويأمرني به (6) ، ( إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) ، يقول: إني أخشى من الله إن خالفت أمره ، وغيَّرت أحكام كتابه ، وبدّلت وَحيه، فعصيته بذلك، عذابَ يوم عظيمٍ هَوْلُه، وذلك: يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتَضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى. (7)-----------------------الهوامش :(1) انظر تفسير " تلا " فيما سلف 13 : 502 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .(2) انظر تفسير " بينات " فيما سلف من فهارس اللغة ( بين ) .(3) انظر تفسير " الرجاء " فيما سلف ص : 34 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .(4) انظر تفسير " التبديل " فيما سلف 11 : 335 / 12 : 62 ، وفهارس اللغة ( بدل ) .(5) انظر تفسير " تلقاء " فيما سلف 12 : 466 .(6) انظر تفسير " الوحي " فيما سلف من فهارس اللغة ( وحي ) .(7) هذا تضمين لآية سورة الحج : 2 .
قُل لَّوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوۡتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَدۡرَىٰكُم بِهِۦۖ فَقَدۡ لَبِثۡتُ فِيكُمۡ عُمُرٗا مِّن قَبۡلِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ  ١٦
التفسير الميسرقل لهم -أيها الرسول-: لو شاء الله ما تلوت هذا القرآن عليكم، ولا أعلمكم الله به، فاعلموا أنه الحق من الله، فإنكم تعلمون أنني مكثت فيكم زمنًا طويلا من قبل أن يوحيه إليَّ ربي، ومن قبل أن أتلوه عليكم، أفلا تستعملون عقولكم بالتدبر والتفكر؟
تفسير السعديفإن زعموا أن قصدهم أن يتبين لهم الحق بالآيات التي طلبوا فهم كذبة في ذلك، فإن الله قد بين من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، وهو الذي يصرفها كيف يشاء، تابعا لحكمته الربانية، ورحمته بعباده‏.‏‏‏قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا‏‏ طويلا ‏‏مِنْ قَبْلِهِ‏‏ أي‏:‏ قبل تلاوته، وقبل درايتكم به، وأنا ما خطر على بالي، ولا وقع في ظني‏.‏‏‏أَفَلَا تَعْقِلُونَ‏‏ أني حيث لم أتقوله في مدة عمري، ولا صدر مني ما يدل على ذلك، فكيف أتقوله بعد ذلك، وقد لبثت فيكم عمرا طويلا تعرفون حقيقة حالي، بأني أمي لا أقرأ ولا أكتب، ولا أدرس ولا أتعلم من أحد‏؟‏‏"‏فأتيتكم بكتاب عظيم أعجز الفصحاء، وأعيا العلماء، فهل يمكن مع هذا أن يكون من تلقاء نفسي، أم هذا دليل قاطع أنه تنزيل من حكيم حميد‏؟‏فلو أعملتم أفكاركم وعقولكم، وتدبرتم حالي وحال هذا الكتاب، لجزمتم جزما لا يقبل الريب بصدقه، وأنه الحق الذي ليس بعده إلا الضلال، ولكن إذ أبيتم إلا التكذيب والعناد، فأنتم لا شك أنكم ظالمون‏.‏‏‏فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ‏‏ ‏؟‏‏!‏‏!‏
تفسير ابن كثيرثم قال محتجا عليهم في صحة ما جاءهم به : ( قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به ) أي : هذا إنما جئتكم به عن إذن الله لي في ذلك ومشيئته وإرادته ، والدليل على أني لست أتقوله من عندي ولا افتريته أنكم عاجزون عن معارضته ، وأنكم تعلمون صدقي وأمانتي منذ نشأت بينكم إلى حين بعثني الله عز وجل ، لا تنتقدون علي شيئا تغمصوني به ؛ ولهذا قال : ( فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون ) أي : أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل ؛ ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان ومن معه ، فيما سأله من صفة النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قال أبو سفيان : فقلت : لا - وقد كان أبو سفيان إذ ذاك رأس الكفرة وزعيم المشركين ، ومع هذا اعترف بالحق :والفضل ما شهدت به الأعداءفقال له هرقل : فقد أعرف أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله . !وقال جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة : بعث الله فينا رسولا نعرف نسبه وصدقه وأمانته ، وقد كانت مدة مقامه ، عليه السلام ، بين أظهرنا قبل النبوة أربعين سنة . وعن سعيد بن المسيب : ثلاثا وأربعين سنة . والصحيح المشهور الأول .
تفسير القرطبيقوله تعالى قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلونقوله تعالى قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به أي لو شاء الله ما أرسلني إليكم فتلوت عليكم القرآن ، ولا أعلمكم الله ولا أخبركم به ; يقال : دريت الشيء وأدراني الله به ، ودريته ودريت به . وفي الدراية معنى الختل ; ومنه دريت الرجل أي ختلته ، ولهذا لا يطلق الداري في حق الله تعالى وأيضا عدم فيه التوقيف . وقرأ ابن كثير : " ولأدراكم به " بغير ألف بين اللام والهمزة ; والمعنى : لو شاء الله لأعلمكم به من غير أن أتلوه عليكم ; فهي لام التأكيد دخلت على ألف أفعل . وقرأ ابن عباس والحسن " ولا أدراتكم به " بتحويل الياء ألفا ، على لغة بني عقيل ; قال الشاعر :لعمرك ما أخشى التصعلك ما بقى على الأرض قيسي يسوق الأباعراوقال آخر :ألا آذنت أهل اليمامة طيئ بحرب كناصات الأغر المشهرقال أبو حاتم : سمعت الأصمعي يقول سألت أبا عمرو بن العلاء : هل لقراءة الحسن " ولا أدراتكم به " وجه ؟ فقال لا . وقال أبو عبيد : لا وجه لقراءة الحسن " ولا أدراتكم به " إلا الغلط . قال النحاس : معنى قول أبي عبيد : لا وجه ، إن شاء الله على الغلط ; لأنه يقال : دريت أي علمت ، وأدريت غيري ، ويقال : درأت أي دفعت ; فيقع الغلط بين دريت ودرأت . قال أبو حاتم : يريد الحسن فيما أحسب " ولا أدريتكم به " فأبدل من الياء ألفا على لغة بني الحارث بن كعب ، يبدلون من الياء ألفا إذا انفتح ما قبلها ; مثل : إن هذان لساحران . قال المهدوي : ومن قرأ " أدرأتكم " فوجهه أن أصل الهمزة ياء ، فأصله " أدريتكم " فقلبت الياء ألفا وإن كانت ساكنة ; كما قال : يايس في ييس وطايئ في طيئ ، ثم قلبت الألف همزة على لغة من قال في العالم العألم وفي الخاتم الخأتم . قال النحاس : وهذا غلط ، والرواية عن الحسن " ولا أدرأتكم " بالهمزة ، وأبو حاتم وغيره تكلم أنه بغير همز ، ويجوز أن يكون من درأت أي دفعت ; أي ولا أمرتكم أن تدفعوا فتتركوا الكفر بالقرآن .قوله تعالى فقد لبثت فيكم عمرا ظرف ، أي مقدارا من الزمان وهو أربعون سنة . من قبله أي من قبل القرآن ، تعرفونني بالصدق والأمانة ، لا أقرأ ولا أكتب ، ثم جئتكم بالمعجزات .أفلا تعقلون أن هذا لا يكون إلا من عند الله لا من قبلي .وقيل : معنى لبثت فيكم عمرا أي لبثت فيكم مدة شبابي لم أعص الله ، أفتريدون مني الآن وقد بلغت أربعين سنة أن أخالف أمر الله ، وأغير ما ينزله علي . قال قتادة : لبث فيهم أربعين سنة ، وأقام سنتين يرى رؤيا الأنبياء ، وتوفي صلى الله عليه وسلم وهو ابن اثنتين وستين سنة .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (16)قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه ، معرِّفَه الحجةَ على هؤلاء المشركين الذين قالوا له : ( ائت بقرآن غير هذا أو بدله) ، (قل) لهم ، يا محمد ، (لو شاء الله ما تلوته عليكم) ، أي: ما تلوت هذا القرآن عليكم ، أيها الناس ، بأن كان لا ينزله عليَّ فيأمرني بتلاوته عليكم (8) ، (ولا أدراكم به) ، يقول: ولا أعلمكم به ، ( فقد لبثت فيكم عمرًا من قبله) يقول: فقد مكثت فيكم أربعين سنة من قبل أن أتلوَه عليكم ، ومن قبل أن يوحيه إليّ ربي ، (أفلا تعقلون) ، أني لو كنت منتحلا ما ليس لي من القول، كنت قد انتحلته في أيّام شبابي وحَداثتي ، وقبل الوقت الذي تلوته عليكم؟ فقد كان لي اليوم ، لو لم يوح إليّ وأومر بتلاوته عليكم ، مندوحةٌ عن معاداتكم ، ومتّسَعٌ، في الحال التي كنت بها منكم قبل أن يوحى إلي وأومر بتلاوته عليكم.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:17581- حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله قال ، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (ولا أدراكم به) ، ولا أعلمكم.17582- حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به) ، يقول: لو شاء الله لم يعلمكموه.17583- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: (لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به) ، يقول: ما حذَّرتكم به.17584- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ ، وهو قول مشركي أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرًا من قبله أفلا تعقلون) ، لبث أربعين سنة.17585- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به)، ولا أعلمكم به.17586- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن، أنه كان يقرأ: (وَلا أَدْرَأْتُكُمْ بِهِ)، يقول: ما أعلمتكم به. (9)17587- حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (ولا أدراكم به) ، يقول: ولا أشعركم الله به.* * *قال أبو جعفر: وهذه القراءة التي حكيت عن الحسن ، عند أهل العربية غلطٌ.* * *وكان الفرّاء يقول في ذلك : قد ذكر عن الحسن أنه قال: (وَلا أَدْرَأْتُكُمْ بِهِ). قال: فإن يكن فيها لغة سوى " دريت " و " أدريت "، فلعل الحسن ذهب إليها. وأما أن تصلح من " دريت " أو " أدريت " فلا لأن الياء والواو إذا انفتح ما قبلهما وسكنتا صحتا ولم تنقلبا إلى ألف ، مثل " قضيت " و " دعوت ". ولعل الحسن ذهب إلى طبيعته وفصاحته فهمزها، لأنها تضارع " درأت الحد " ، وشبهه. وربما غلطت العرب في الحرف إذا ضارعه آخر من الهمز فيهمزون غير المهموز. وسمعت امرأة من طيّ تقول: " رثَأْتُ زوجي بأبيات "، ويقولون: " لبّأتُ بالحجّ" و " حلأت السويق " ، فيغلطون، لأن " حلأت "، قد يقال في دفع العطاش، من الإبل، و " لبأت ": ذهبت به إلى " اللبأ " لِبَأ الشاء، و " رثأت زوجي"، ذهبت به إلى " رثأت اللبن " ، إذا أنت حلبت الحليب على الرائب، فتلك " الرثيثة ". (10)* * *وكان بعض البصريين يقول: لا وجه لقراءة الحسن هذه لأنها من " أدريت " مثل " أعطيت "، إلا أن لغةً لبني عقيل (11): " أعطَأتُ"، يريدون: " أعطيت "، تحوّل الياء ألفًا، قال الشاعر: (12)لَقَدْ آذَنَتْ أَهْلُ الْيَمَاَمَةِ طَيِّئٌبِحَرْبٍ كَنَاصَاةِ الأَغَرِّ المُشَهَّرِ (13)يريد: كناصية، حكي ذلك عن المفضّل، وقال زيد الخيل:لَعَمْرُكَ مَا أَخْشَى التَّصَعْلُكَ مَا بَقَاعَلَى الأَرْضِ قَيْسِيٌّ يَسُوقُ الأَبَاعِرَا (14)فقال " بقا "، وقال الشاعر : (15)لَزَجَرْتُ قَلْبًا لا يَرِيعُ لِزَاجِرٍإِنَّ الغَوِيَّ إِذَا نُهَا لَمْ يَعْتِبِ (16)يريد " نُهِي". قال: وهذا كله على قراءة الحسن، وهي مرغوب عنها، قال: وطيئ تصيِّر كل ياء انكسر ما قبلها ألفًا، يقولون: " هذه جاراة "، (17)وفي " الترقوة " " ترقاة " و " العَرْقوة " " عرقاة " . قال: وقال بعض طيئ: " قد لَقَت فزارة " ، حذف الياء من " لقيت " لما لم يمكنه أن يحوّلها ألفًا ، لسكون التاء ، فيلتقي ساكنان. وقال: زعم يونس أن " نَسَا " و " رضا " لغة معروفة، قال الشاعر: (18)وَأُبْنِيْتُ بِالأَعْرَاض ذَا الْبَطْنِ خالِدًانَسَا أوْ تَنَاسَى أَنْ يَعُدَّ المَوَالِيَا* * *ورُوي عن ابن عباس في قراءة ذلك أيضًا روايةٌ أخرى، وهي ما:-17588- حدثنا به المثنى قال ، حدثنا المعلى بن أسد قال ، حدثنا خالد بن حنظلة عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس : أنه كان يقرأ: ( قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْذَرْتُكُمْ بِهِ).* * *قال أبو جعفر : والقراءة التي لا نستجيزُ أن نعدوها ، (19) هي القراءة التي عليها قراء الأمصار: ( قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ )، بمعنى: ولا أعلمكم به، ولا أشعركم به.-------------------------الهوامش :(8) انظر تفسير " تلا " فيما سلف ص : 40 ، رقم : 1 .(9) في المخطوطة : " ولا أدرأكم " ، وفي المطبوعة : " ولا أدراتكم " ، بغير همز ، والصواب ما أثبت ، كما نص عليه ابن خالويه في شواذ القراءات ص : 56 : " بالهز والتاء " ، ومعاني القرآن للفراء .(10) هذا نص الفراء بتمامه في معاني القرآن 1 : 459 ، مع خلاف يسير في حروف قليلة .(11) في المطبوعة : " لغة بني عقيل " ، والصواب ما في المخطوطة ، باللام .(12) هو حريث بن عناب ( بالنون ) الطائي .(13) نوادر أبي زيد : 124 ، والمعاني الكبير : 1048 ، واللسان ( نصا ) .(14) نوادر أبي زيد : 68 ، وقبلهأُنْبِئْتُ أَنَّ ابْنًا لِتَيْمَاءَ هَهَنَاتَغَنَّى بِنَا سَكْرَانَ أَوْ مُتَسَاكِرًايَحُضُّ عَلَيْنَا عَامِرًا , وِإَخالُنَاسَنُصْبِحُ أَلْفًا ذَا زَوَائِدَ , عامِرًاقال أو زيد : " يقول : لا أخشى ما بقي قيس يسوق إبلا ، لأني أغير عليهم " .(15) هو لبيد .(16) ديوانه قصيدة رقم : 61 ، والأغاني 15 : 134 ( ساسي ) ، من مرثية أخيه أربد ، وقبله :طَرِبَ الفُؤَادُ وَلَيْتَهُ لَمْ يُطْرَبِوَعَنَاهُ ذِكْرَى خُلَّةٍ لم تَصْقَبِسَفَهًا , وَلَوْ أنّي أطَعتُ عَوَاذِلِيفيما يُشِرْنَ بِهِ بِسَفْحِ المِذْنِبِلَزَجَرْتُ قَلْبًا . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . .والذي أثبته هو نص المخطوطة ، أما المطبوعة ، فإنه لم يحسن معرفة الشعر ، فكتبه هكذا : " زجرت له : و " أعتب " ، آب إلى رضى من يعاتبه .(17) يعني في " جارية " .(18) لم أعرف قائله ، ولم أجد البيت في مكان آخر .(19) في المطبوعة : " لا أستجيز أن تعدوها " ، وأثبت ما في المخطوطة .
فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ  ١٧
التفسير الميسرلا أحد أشد ظلمًا ممن اختلق على الله الكذب أو كذَّب بآياته إنه لا ينجح مَن كذَّب أنبياء الله ورسله، ولا ينالون الفلاح.
تفسير السعديفلو كنت متقولا لكنت أظلم الناس، وفاتني الفلاح، ولم تخف عليكم حالي، ولكني جئتكم بآيات الله، فكذبتم بها، فتعين فيكم الظلم، ولا بد أن أمركم سيضمحل، ولن تنالوا الفلاح، ما دمتم كذلك‏.‏ودل قوله‏:‏ ‏‏قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا‏‏ الآية، أن الذي حملهم على هذا التعنت الذي صدر منهم هو عدم إيمانهم بلقاء الله وعدم رجائه، وأن من آمن بلقاء الله فلا بد أن ينقاد لهذا الكتاب ويؤمن به، لأنه حسن القصد‏.‏
تفسير ابن كثيريقول تعالى : لا أحد أظلم ولا أعتى ولا أشد إجراما ( ممن افترى على الله كذبا ) وتقول على الله ، وزعم أن الله أرسله ، ولم يكن كذلك ، فليس أحد أكبر جرما ولا أعظم ظلما من هذا ، ومثل هذا لا يخفى أمره على الأغبياء ، فكيف يشتبه حال هذا بالأنبياء ! فإن من قال هذه المقالة صادقا أو كاذبا ، فلا بد أن الله ينصب عليه من الأدلة على بره أو فجوره ما وأظهر من الشمس ، فإن الفرق بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين مسيلمة الكذاب [ لعنه الله ] لمن شاهدهما أظهر من الفرق بين وقت الضحى ووقت نصف الليل في حندس الظلماء ، فمن سيما كل منهما وكلامه وفعاله يستدل من له بصيرة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم وكذب مسيلمة الكذاب ، وسجاح ، والأسود العنسي .قال عبد الله بن سلام : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس ، فكنت فيمن انجفل ، فلما رأيته عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب ، فكان أول ما سمعته يقول : " يا أيها الناس أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، [ وصلوا الأرحام ] وصلوا بالليل والناس نيام ، تدخلون الجنة بسلام " .ولما قدم ضمام بن ثعلبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قومه بني سعد بن بكر قال لرسول الله فيما قال له من رفع هذه السماء ؟ قال : " الله " . قال : ومن نصب هذه الجبال ؟ قال : " الله " . قال : ومن سطح هذه الأرض ؟ قال : " الله " . قال : فبالذي رفع هذه السماء ، ونصب هذه الجبال ، وسطح هذه الأرض : الله أرسلك إلى الناس كلهم ؟ قال : " اللهم نعم " ثم سأله عن الصلاة ، والزكاة ، والحج ، والصيام ، ويحلف عند كل واحدة هذه اليمين ، ويحلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له : صدقت ، والذي بعثك بالحق لا أزيد على ذلك ولا أنقص .فاكتفى هذا الرجل بمجرد هذا ، وقد أيقن بصدقه ، صلوات الله وسلامه عليه ، بما رأى وشاهد من الدلائل الدالة عليه ، كما قال حسان بن ثابت :لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تأتيك بالخبروأما مسيلمة فمن شاهده من ذوي البصائر ، علم أمره لا محالة ، بأقواله الركيكة التي ليست بفصيحة ، وأفعاله غير الحسنة بل القبيحة ، وقرآنه الذي يخلد به في النار يوم الحسرة والفضيحة ، وكم من فرق بين قوله تعالى : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم ) [ البقرة : 255 ] . وبين علاك مسيلمة قبحه الله ولعنه : " يا ضفدع بنت الضفدعين ، نقي كما تنقين لا الماء تكدرين ، ولا الشارب تمنعين " . وقوله - قبح ولعن - : " لقد أنعم الله على الحبلى ، إذ أخرج منها نسمة تسعى ، من بين صفاق وحشى " . وقوله - خدره الله في نار جهنم ، وقد فعل - : " الفيل وما أدراك ما الفيل ؟ له زلقوم طويل " وقوله - أبعده الله من رحمته : " والعاجنات عجنا ، والخابزات خبزا ، واللاقمات لقما ، إهالة وسمنا ، إن قريشا قوم يعتدون " إلى غير ذلك من الهذيانات والخرافات التي يأنف الصبيان أن يتلفظوا بها ، إلا على وجه السخرية والاستهزاء ؛ ولهذا أرغم الله أنفه ، وشرب يوم " حديقة الموت " حتفه . ومزق شمله . ولعنه صحبه وأهله . وقدموا على الصديق تائبين ، وجاءوا في دين الله راغبين ، فسألهم الصديق خليفة الرسول ، صلوات الله وسلامه عليه ، ورضي [ الله ] عنه - أن يقرءوا عليه شيئا من قرآن مسيلمة لعنه الله ، فسألوه أن يعفيهم من ذلك ، فأبى عليهم إلا أن يقرءوا شيئا منه ليسمعه من لم يسمعه من الناس ، فيعرفوا فضل ما هم عليه من الهدى والعلم . فقرءوا عليه من هذا الذي ذكرناه وأشباهه ، فلما فرغوا قال لهم الصديق ، رضي الله عنه : ويحكم ! أين كان يذهب بعقولكم ؟ والله إن هذا لم يخرج من إل .وذكروا أن وفد عمرو بن العاص على مسيلمة ، وكان صديقا له في الجاهلية ، وكان عمرو لم يسلم بعد ، فقال له مسيلمة : ويحك يا عمرو ، ماذا أنزل على صاحبكم - يعني : رسول الله صلى الله عليه وسلم - في هذه المدة ؟ فقال : لقد سمعت أصحابه يقرءون سورة عظيمة قصيرة فقال : وما هي ؟ فقال : ( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) [ سورة العصر ] ، ففكر مسيلمة ساعة ، ثم قال : وقد أنزل علي مثله . فقال : وما هو ؟ فقال : " يا وبر إنما أنت أذنان وصدر ، وسائرك حقر نقر ، كيف ترى يا عمرو ؟ " فقال له عمرو : والله إنك لتعلم أني أعلم أنك لتكذب " ، فإذا كان هذا من مشرك في حال شركه ، لم يشتبه عليه حال محمد صلى الله عليه وسلم وصدقه ، وحال مسيلمة - لعنه الله - وكذبه ، فكيف بأولي البصائر والنهى ، وأصحاب العقول السليمة المستقيمة والحجى ! ولهذا قال الله تعالى : ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ) [ الأنعام : 93 ] ، وقال في هذه الآية الكريمة : ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون ) [ الأنعام : 21 ] ، وكذلك من كذب بالحق الذي جاءت به الرسل ، وقامت عليه الحجج ، لا أحد أظلم منه كما جاء في الحديث : " أعتى الناس على الله رجل قتل نبيا ، أو قتله نبي " .
تفسير القرطبيقوله تعالى فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمونهذا استفهام بمعنى الجحد ; أي لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب ، وبدل كلامه وأضاف شيئا إليه مما لم ينزله . وكذلك لا أحد أظلم منكم إذا أنكرتم القرآن وافتريتم على الله الكذب ، وقلتم ليس هذا كلامه . وهذا مما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم . وقيل : هو من قول الله ابتداء . وقيل : المفتري المشرك ، والمكذب بالآيات أهل الكتاب . إنه لا يفلح المجرمون .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17)قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهؤلاء المشركين الذين نسبوك فيما جئتهم به من عند ربّك إلى الكذب: أيُّ خلق أشدُّ تعدّيًا ، (20) وأوضع لقيله في غير موضعه، (21) ممن اختلق على الله كذبًا ، وافترى عليه باطلا ، (22) (أو كذب بآياته) يعني بحججه ورسله وآيات كتابه؟ (23) يقول له جل ثناؤه: قل لهم : ليس الذي أضفتموني إليه بأعجب من كذبكم على ربكم ، وافترائكم عليه ، وتكذيبكم بآياته ، ( إنه لا يفلح المجرمون) ، يقول: إنه لا ينجح الذين اجترموا الكفر في الدنيا يوم القيامة ، إذا لقوا ربّهم، ولا ينالون الفلاح. (24)--------------------------الهوامش :(20) في المطبوعة : " أي خلق أشر بعدنا " ، وهو كلام ساقط جدًا ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، لأنها غير منقولة .(21) انظر تفسير " الظلم " فيما سلف من فهارس اللغة ( ظلم ) .(22) انظر تفسير " الافتراء " فيما سلف 13 : 135 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .(23) انظر تفسير " الآية " فيما سلف من فهارس اللغة ( أيى ) .(24) انظر تفسير " الفلاح " فيما سلف 14 : 415 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .، وتفسير " الإجرام " فيما سلف من فهارس اللغة ( جرم ) .
وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِۚ قُلۡ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ  ١٨
التفسير الميسرويعبد هؤلاء المشركون من دون الله ما لا يضرهم شيئًا، ولا ينفعهم في الدنيا والآخرة، ويقولون: إنما نعبدهم ليشفعوا لنا عند الله، قل لهم -أيها الرسول-: أتخبرون الله تعالى بشيء لا يعلمه مِن أمر هؤلاء الشفعاء في السموات أو في الأرض؟ فإنه لو كان فيهما شفعاء يشفعون لكم عنده لكان أعلم بهم منكم، فالله تعالى منزَّه عما يفعله هؤلاء المشركون من إشراكهم في عبادته ما لا يضر ولا ينفع.
تفسير السعدييقول تعالى‏:‏ ‏‏وَيَعْبُدُونَ‏‏ أي‏:‏ المشركون المكذبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ‏.‏‏‏مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ‏‏ أي‏:‏ لا تملك لهم مثقال ذرة من النفع ولا تدفع عنهم شيئا‏.‏‏‏وَيَقُولُونَ‏‏ قولا خاليا من البرهان‏:‏ ‏‏هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ‏‏ أي‏:‏ يعبدونهم ليقربوهم إلى الله، ويشفعوا لهم عنده، وهذا قول من تلقاء أنفسهم، وكلام ابتكروه هم، ولهذا قال تعالى مبطلا لهذا القول ‏:‏ ‏‏قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السموات وَلَا فِي الْأَرْضِ‏‏ أي‏:‏ الله تعالى هو العالم، الذي أحاط علما بجميع ما في السماوات والأرض، وقد أخبركم بأنه ليس له شريك ولا إله معه، أفأنتم يا معشر المشركين تزعمون أنه يوجد له فيها شركاء‏؟‏ أفتخبرونه بأمر خفي عليه، وعلمتوه‏؟‏ أأنتم أعلم أم الله‏؟‏ فهل يوجد قول أبطل من هذا القول، المتضمن أن هؤلاء الضلال الجهال السفهاء أعلم من رب العالمين‏؟‏ فليكتف العاقل بمجرد تصور هذا القول، فإنه يجزم بفساده وبطلانه‏:‏ ‏‏سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏‏ أي‏:‏ تقدس وتنزه أن يكون له شريك أو نظير، بل هو الله الأحد الفرد الصمد الذي لا إله في السماوات والأرض إلا هو، وكل معبود في العالم العلوي والسفلي سواه، فإنه باطل عقلا وشرعا وفطرة‏.‏‏‏ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ‏‏
تفسير ابن كثيرينكر تعالى على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره ، ظانين أن تلك الآلهة تنفعهم شفاعتها عند الله ، فأخبر تعالى أنها لا تنفع ولا تضر ولا تملك شيئا ، ولا يقع شيء مما يزعمون فيها ، ولا يكون هذا أبدا ؛ ولهذا قال تعالى : ( قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ) .وقال ابن جرير : معناه أتخبرون الله بما لا يكون في السماوات ولا في الأرض ؟ ثم نزه نفسه عن شركهم وكفرهم ، فقال : ( سبحانه وتعالى عما يشركون ) .
تفسير القرطبيقوله تعالى ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركونقوله تعالى ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم يريد الأصنام .ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله وهذه غاية الجهالة منهم ; حيث ينتظرون الشفاعة في المآل ممن لا يوجد منه نفع ولا ضر في الحال . وقيل : شفعاؤنا أي تشفع لنا عند الله في إصلاح معائشنا في الدنيا .قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض قراءة العامة " تنبئون " بالتشديد . وقرأ أبو السمال العدوي " أتنبئون الله " مخففا ، من أنبأ ينبئ . وقراءة العامة من نبأ ينبئ تنبئة ; وهما بمعنى واحد ، جمعهما قوله تعالى : من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير أي أتخبرون الله أن له شريكا في ملكه أو شفيعا بغير إذنه ، والله لا يعلم لنفسه شريكا في السماوات ولا في الأرض ; لأنه لا شريك له فلذلك لا يعلمه . نظيره قوله : أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرضثم نزه نفسه وقدسها عن الشرك فقال : سبحانه وتعالى عما يشركون أي هو أعظم من أن يكون له شريك وقيل : المعنى أي يعبدون ما لا يسمع ولا يبصر ولا يميز ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله فيكذبون ; وهل يتهيأ لكم أن تنبئوه بما لا يعلم ، سبحانه وتعالى عما يشركون! . وقرأ حمزة والكسائي تشركون بالتاء ، وهو اختيار أبي عبيد . الباقون بالياء .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18)قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ويعبُد هؤلاء المشركون الذين وصفت لك ، يا محمد صفتهم ، من دون الله الذي لا يضرهم شيئًا ولا ينفعهم ، في الدنيا ولا في الآخرة، وذلك هو الآلهة والأصنام التي كانوا يعبدونها ، ( ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله) ، يعني: أنهم كانوا يعبدونها رجاء شفاعتها عند الله (25) قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وآله: (قل) لهم ( أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض) ، يقول: أتخبرون الله بما لا يكون في السماوات ولا في الأرض؟ (26) وذلك أن الآلهة لا تشفع لهم عند الله في السماوات ولا في الأرض. وكان المشركون يزعمون أنها تشفع لهم عند الله. فقال الله لنبيه صلى الله عليه وآله: قل لهم: أتخبرون الله أن ما لا يشفع في السماوات ولا في الأرض يشفع لكم فيهما؟ وذلك باطلٌ لا تعلم حقيقته وصحته، بل يعلم الله أن ذلك خلاف ما تقولون ، وأنها لا تشفع لأحد ، ولا تنفع ولا تضر ، (سبحان الله عما يشركون) ، يقول: تنزيهًا لله وعلوًّا عما يفعله هؤلاء المشركون ، (27) من إشراكهم في عبادته ما لا يضر ولا ينفع ، وافترائهم عليه الكذب.----------------------الهوامش :(25) انظر تفسير " الشفاعة " فيما سلف ص : 18 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .(26) انظر تفسير " النبأ " فيما سلف من فهارس اللغة ( نبأ ) .(27) انظر تفسير " سبحان " فيما سلف ص ، 30 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .، وتفسير " تعالى " فيما سلف 13 : 317 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَٱخۡتَلَفُواْۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡ فِيمَا فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ  ١٩
التفسير الميسركان الناس على دين واحد وهو الإسلام، ثم اختلفوا بعد ذلك، فكفر بعضهم، وثبت بعضهم على الحق. ولولا كلمة سبقت من الله بإمهال العاصين وعدم معاجلتهم بذنوبهم لقُضِيَ بينهم: بأن يُهْلك أهل الباطل منهم، وينجي أهل الحق.
تفسير السعديأي‏:‏ ‏‏وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً‏‏ متفقين على الدين الصحيح، ولكنهم اختلفوا، فبعث الله الرسل مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه‏.‏‏‏وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ‏‏ بإمهال العاصين وعدم معاجلتهم بذنوبهم، ‏‏لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ‏‏ بأن ننجي المؤمنين، ونهلك الكافرين المكذبين، وصار هذا فارقا بينهم ‏‏فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏‏ ولكنه أراد امتحانهم وابتلاء بعضهم ببعض، ليتبين الصادق من الكاذب‏.‏
تفسير ابن كثيرثم أخبر تعالى أن هذا الشرك حادث في الناس ، كائن بعد أن لم يكن ، وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد ، وهو الإسلام ؛ قال ابن عباس : كان بين آدم ونوح عشرة قرون ، كلهم على الإسلام ، ثم وقع الاختلاف بين الناس ، وعبدت الأصنام والأنداد والأوثان ، فبعث الله الرسل بآياته وبيناته وحججه البالغة وبراهينه الدامغة ، ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة ) [ الأنفال : 42 ] .وقوله : ( ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون ) أي : لولا ما تقدم من الله تعالى أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه ؛ وأنه قد أجل الخلق إلى أجل معدود لقضى بينهم فيما فيه اختلفوا ، فأسعد المؤمنين ، وأعنت الكافرين .
تفسير القرطبيقوله تعالى وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون تقدم في " البقرة " معناه فلا معنى للإعادة . وقال الزجاج : هم العرب كانوا على الشرك . وقيل : كل مولود يولد على الفطرة ، فاختلفوا عند البلوغ . ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون إشارة إلى القضاء والقدر ; أي لولا ما سبق في حكمه أنه لا يقضي بينهم فيما اختلفوا فيه بالثواب والعقاب دون القيامة لقضي بينهم في الدنيا ، فأدخل المؤمنين الجنة بأعمالهم والكافرين النار بكفرهم ، ولكنه سبق من الله الأجل مع علمه بصنيعهم فجعل موعدهم القيامة ; قاله الحسن . وقال أبو روق : لقضي بينهم لأقام عليهم الساعة . وقيل : لفرغ من هلاكهم . وقال الكلبي : " الكلمة " أن الله أخر هذه الأمة فلا يهلكهم بالعذاب في الدنيا إلى يوم القيامة ، فلولا هذا التأخير لقضي بينهم بنزول العذاب أو بإقامة الساعة . والآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم في تأخير العذاب عمن كفر به . وقيل : الكلمة السابقة أنه لا يأخذ أحدا إلا بحجة وهو إرسال الرسل ; كما قال : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقيل : الكلمة قوله : سبقت رحمتي غضبي ولولا ذلك لما أخر العصاة إلى التوبة . وقرأ عيسى " لقضى " بالفتح .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (19)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما كان الناس إلا أهل دين واحد وملة واحدة فاختلفوا في دينهم، فافترقت بهم السبل في ذلك ، ( ولولا كلمة سبقت من ربك ) ، يقول: ولولا أنه سبق من الله أنه لا يهلك قوما إلا بعد انقضاء آجالهم ، " لقضي بينهم فيما فيه يختلفون " يقول: لقضي بينهم بأن يُهلِك أهل الباطل منهم، وينجي أهل الحق . (28)* * *وقد بينا اختلاف المختلفين في معنى ذلك في " سورة البقرة "، وذلك في قوله: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ ، [سورة البقرة: 213] ، وبينا الصواب من القول فيه بشواهده ، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع. (29)17589- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا) ، حين قتل أحدُ ابني آدم أخاه.17590- حدثني المثنى قال ، حدثنا القاسم قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ، بنحوه.17591- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه.-------------------------الهوامش :(28) انظر تفسير " قضى " فيما سلف من فهارس اللغة ( قضى ) .(29) انظر ما سلف 4 : 275 - 280 .
وَيَقُولُونَ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۖ فَقُلۡ إِنَّمَا ٱلۡغَيۡبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ  ٢٠
التفسير الميسرويقول هؤلاء الكفرة المعاندون: هلاَّ أُنزل على محمد علم ودليل، وآية حسية من ربه نعلم بها أنه على حق فيما يقول، فقل لهم -أيها الرسول-: لا يعلم الغيب أحد إلا الله، فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، فانتظروا -أيها القوم- قضاء الله بيننا وبينكم بتعجيل عقوبته للمبطل منا، ونصرة صاحب الحق، إني منتظر ذلك.
تفسير السعدي‏وَيَقُولُونَ‏‏ أي‏:‏ المكذبون المتعنتون، ‏‏لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ‏‏ يعنون‏:‏ آيات الاقتراح التي يعينونها كقولهم‏:‏ ‏‏لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا‏‏ الآيات‏.‏وكقولهم‏:‏ ‏‏وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا‏‏ الآيات‏.‏‏‏فَقُلْ‏‏ لهم إذا طلبوا منك آية ‏‏إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ‏‏ أي‏:‏ هو المحيط علما بأحوال العباد، فيدبرهم بما يقتضيه علمه فيهم وحكمته البديعة، وليس لأحد تدبير في حكم ولا دليل، ولا غاية ولا تعليل‏.‏‏‏فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ‏‏ أي‏:‏ كل ينتظر بصاحبه ما هو أهل له، فانظروا لمن تكون العاقبة‏.‏
تفسير ابن كثيرأي : ويقول هؤلاء الكفرة [ الملحدون ] المكذبون المعاندون : " لولا أنزل على محمد آية من ربه " ، يعنون كما أعطى الله ثمود الناقة ، أو أن يحول لهم الصفا ذهبا ، أو يزيح عنهم جبال مكة ويجعل مكانها بساتين وأنهارا ، ونحو ذلك مما الله عليه قادر ولكنه حكيم في أفعاله وأقواله ، كما قال تعالى : ( تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا ) [ الفرقان : 10 ، 11 ] وقال تعالى : ( وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ) [ الإسراء : 59 ] ، يقول تعالى : إن سنتي في خلقي أني إذا آتيتهم ما سألوا ، فإن آمنوا وإلا عاجلتهم بالعقوبة . ولهذا لما خير رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، بين أن يعطى ما سألوا ، فإن أجابوا وإلا عوجلوا ، وبين أن يتركهم وينظرهم ، اختار إنظارهم ، كما حلم عنهم غير مرة ، صلوات الله عليه ؛ ولهذا قال تعالى إرشادا لنبيه إلى الجواب عما سألوا : ( فقل إنما الغيب لله ) أي : الأمر كله لله ، وهو يعلم العواقب في الأمور ، ( فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) أي : إن كنتم لا تؤمنون حتى تشاهدوا ما سألتم فانتظروا حكم الله في وفيكم . هذا مع أنهم قد شاهدوا من معجزاته ، عليه السلام أعظم مما سألوا حين أشار بحضرتهم إلى القمر ليلة إبداره ، فانشق باثنتين فرقة من وراء الجبل ، وفرقة من دونه . وهذا أعظم من سائر الآيات الأرضية مما سألوا وما لم يسألوا ، ولو علم الله منهم أنهم سألوا ذلك استرشادا وتثبتا لأجابهم ، ولكن علم أنهم إنما يسألون عنادا وتعنتا ، فتركهم فيما رابهم ، وعلم أنهم لا يؤمن منهم أحد ، كما قال تعالى : ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ) [ يونس : 96 ، 97 ] ، وقال تعالى : ( ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون ) [ الأنعام : 111 ] ، ولما فيهم من المكابرة ، كما قال تعالى : ( ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ) [ الحجر : 14 ، 15 ] ، وقال تعالى : ( وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم ) [ الطور : 44 ] ، وقال تعالى : ( ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ) [ الأنعام : 7 ] ، فمثل هؤلاء أقل من أن يجابوا إلى ما سألوه ؛ لأنه لا فائدة في جواب هؤلاء ؛ لأنه دائر على تعنتهم وعنادهم ، لكثرة فجورهم وفسادهم ؛ ولهذا قال : ( فانتظروا إني معكم من المنتظرين )
تفسير القرطبيقوله تعالى ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين يريد أهل مكة ; أي هلا أنزل عليه آية ، أي معجزة غير هذه المعجزة ، فيجعل لنا الجبال ذهبا ويكون له بيت من زخرف ، ويحيي لنا من مات من آبائنا . وقال الضحاك : عصا كعصا موسى .فقل إنما الغيب لله أي قل يا محمد إن نزول الآية غيب . فانتظروا أي تربصوا . إني معكم من المنتظرين لنزولها . وقيل : انتظروا قضاء الله بيننا بإظهار المحق على المبطل .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (20)قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ويقول هؤلاء المشركون: هلا أنزل على محمد آيةٌ من ربه (30) ، يقول: عَلَمٌ ودليلٌ نعلم به أن محمدًا محق فيما يقول؟ (31) قال الله له: (فقل) يا محمد (إنما الغيب لله) ، أي : لا يُعلم أحدٌ يفعل ذلك إلا هو جل ثناؤه، لأنه لا يعلم الغيب ، وهو السرُّ والخفيّ من الأمور (32) ، إلا الله ، فانتظروا أيها القوم ، قضاءَ الله بيننا ، بتعجيل عقوبته للمبطل منا ، وإظهاره المحقَّ عليه، إني معكم ممن ينتظر ذلك. ففعل ذلك جل ثناؤه فقضى بينهم وبينه بأن قتلهم يوم بدرٍ بالسيف.* * *الهوامش:(30) انظر تفسير " لولا " فيما سلف من فهارس مباحث العربية والنحو وغيرها .(31) انظر تفسير " آية " فيما سلف من فهارس اللغة ( أيى ) .(32) انظر تفسير " الغيب " فيما سلف من فهارس اللغة ( غيب ) .
من نحن

موقع الحياة بالإسلام هو موقع إسلامي، يقدم لكم العديد من المواضيع الاسلامية على منهاج الكتاب و السنة، كما يتضمن بعض قراءات القران الكريم بالرسم العثماني بأصوات اشهر القراء حول العالم

عرض المزيد
إشارات

التين , سُورَةُ هُودٍ , سُورَةُ الجُمُعَةِ , الكوثر , معيض الحارثي , القارئ سيلمان الشبيبي , القارئ عبدالرحمن الشحات , محمد عبدالحكيم سعيد العبدالله , قراءة يعقوب الحضرمي بروايتي رويس وروح , المصحف المعلم , قالون عن نافع من طريق أبي نشيط , خلف عن حمزة ,

عرض المزيد