الأربعاء، ١٧ يونيو ٢٠٢٦
الأربعاء، ١٧ يونيو ٢٠٢٦
facebookinstagramtwitter

عرض بالصفحات

Basmala
سُورَةُ هُودٍ
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِعَشۡرِ سُوَرٖ مِّثۡلِهِۦ مُفۡتَرَيَٰتٖ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ  ١٣فَإِلَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلۡمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ  ١٤مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِيهَا وَهُمۡ فِيهَا لَا يُبۡخَسُونَ  ١٥أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيۡسَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ  ١٦أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتۡلُوهُ شَاهِدٞ مِّنۡهُ وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةًۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥۚ فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُۚ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ  ١٧وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُعۡرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمۡ وَيَقُولُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ أَلَا لَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ  ١٨ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ  ١٩
تفسير سُورَةُ هُودٍ
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِعَشۡرِ سُوَرٖ مِّثۡلِهِۦ مُفۡتَرَيَٰتٖ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ  ١٣
التفسير الميسربل أيقول هؤلاء المشركون من أهل "مكة": إن محمدًا قد افترى هذا القرآن؟ قل لهم: إن كان الأمر كما تزعمون فأتوا بعشر سور مثله مفتريات، وادعوا من استطعتم من جميع خلق الله ليساعدوكم على الإتيان بهذه السور العشر، إن كنتم صادقين في دعواكم.
تفسير السعدي أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ أي: افترى محمد هذا القرآن؟فأجابهم بقوله: قُلْ لهم فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أنه قد افتراه ، فإنه لا فرق بينكم وبينه في الفصاحة والبلاغة، وأنتم الأعداء حقا، الحريصون بغاية ما يمكنكم على إبطال دعوته، فإن كنتم صادقين، فأتوا بعشر سور مثله مفتريات.
تفسير ابن كثيرثم بين تعالى إعجاز القرآن ، وأنه لا يستطيع البشر الإتيان بمثله ، ولا بعشر سور [ من ] مثله ، ولا بسورة من مثله; لأن كلام الرب لا يشبهه كلام المخلوقين ، كما أن صفاته لا تشبه صفات المحدثات ، وذاته لا يشبهها شيء ، تعالى وتقدس وتنزه ، لا إله إلا هو ولا رب سواه .
تفسير القرطبيأم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات " أم " بمعنى بل ، وقد تقدم في " يونس " أي قد أزحت علتهم وإشكالهم في نبوتك بهذا القرآن ، وحججتهم به ; فإن قالوا : افتريته - أي اختلقته - فليأتوا بمثله مفترى بزعمهم .وادعوا من استطعتم من دون الله أي من الكهنة والأعوان .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : كفاك حجةً على حقيقة ما أتيتهم به، ودلالةً على صحة نبوّتك ، هذا القرآن ، من سائر الآيات غيره، إذ كانت الآيات إنما تكون لمن أعطيها دلالة على صدقه، لعجز جميع الخلق عن أن يأتوا بمثلها. وهذا القرآن ، جميع الخلق عَجَزَةٌ عن أن يأتوا بمثله، (1) فان هم قالوا: " افتريته "، أي : اختلقته وتكذَّبته. (2)* * *، ودلّ على أن معنى الكلام ما ذكرنا ، قوله: (أم يقولون افتراه) إلى آخر الآية. ويعني تعالى ذكره بقوله: (أم يقولون افتراه) ، أي : أيقولون افتراه ؟* * *، وقد دللنا على سبب إدخال العرب " أم " في مثل هذا الموضع . (3)* * *، فقل لهم: يأتوا بعشر سُور مثل هذا القرآن " مفتريات "، يعني مفتعلات مختلقات، إن كان ما أتيتكم به من هذا القرآن مفترًى ، وليس بآية معجزةٍ كسائر ما سُئلته من الآيات، كالكنز الذي قلتم: هَلا أنزل عليه ؟ أو الملك الذي قلتم: هلا جاء معه نذيرًا له مصدقًا ! فإنكم قومي ، وأنتم من أهل لساني، وأنا رجل منكم، ومحال أن أقدر أخلق وحدي مائة سورة وأربع عشرة سورة، ولا تقدروا بأجمعكم أن تفتروا وتختلقوا عشر سور مثلها، ولا سيما إذا استعنتم في ذلك بمن شئتم من الخلق.يقول جل ثناؤه: قل لهم: وادعوا من استطعتم أن تدعوهم من دون الله ، يعني سوى الله، لا افتراء ذلك واختلاقه من الآلهة، فإن أنتم لم تقدروا على أن تفتروا عشر سور مثله، فقد تبين لكم أنكم كذبةٌ في قولكم : (افتراه)، وصحّت عندكم حقيقة ما أتيتكم به أنه من عند الله. ولم يكن لكم أن تتخيروا الآيات على ربكم، وقد جاءكم من الحجة على حقيقة ما تكذبون به أنه من عند الله ، مثل الذي تسألون من الحجة وترغبون أنكم تصدِّقون بمجيئها.* * *وقوله: (إن كنتم صادقين)، لقوله: (فأتوا بعشر سور مثله) ، وإنما هو: قل : فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ، إن كنتم صادقين أن هذا القرآن افتراه محمد ، وادعوا من استطعتم من دون الله على ذلك ، من الآلهة والأنداد.18008- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين، قال، حدثني حجاج، عن ابن جريح: ( أم يقولون افتراه) ، قد قالوه ، (قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات). وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ ، قال: يشهدون أنها مثله ، هكذا قال القاسم في حديثه. (4)-------------------------الهوامش :(1) في المطبوعة : " جميع الخلق عجزت " ، غير ما في المخطوطة ، فأفسد الكلام إفسادًا .(2) انظر تفسير " الافتراء " فيما سلف من فهارس اللغة ( فرى ) .(3) انظر تفسير " أم " فيما سلف 2 : 492 / 3 : 97 / ثم 14 : 165 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .(4) يعني أنه قال : " وادعوا شهداءكم " ، وإن لم يكن ذلك في هذه الآية ، بل هو في غيرها ، وهي آية سورة البقرة : 23 :( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) .
فَإِلَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلۡمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ  ١٤
التفسير الميسرفإن لم يستجب هؤلاء المشركون لكم -أيها الرسول ومَن آمن معك- لما تدعونهم إليه؛ لِعَجْز الجميع عن ذلك، فاعلموا أن هذا القرآن إنما أنزله الله على رسوله بعلمه وليس من قول البشر، واعلموا أن لا إله يُعبد بحق إلا الله، فهل أنتم -بعد قيام هذه الحجة عليكم- مسلمون منقادون لله ورسوله؟
تفسير السعدي فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ على شيء من ذلكم فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ [من عند الله] لقيام الدليل والمقتضي، وانتفاء المعارض. وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أي: واعلموا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أي: هو وحده المستحق للألوهية والعبادة، فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أي: منقادون لألوهيته، مستسلمون لعبوديته، وفي هذه الآيات إرشاد إلى أنه لا ينبغي للداعي إلى الله أن يصده اعتراض المعترضين، ولا قدح القادحين.خصوصا إذا كان القدح لا مستند له، ولا يقدح فيما دعا إليه، وأنه لا يضيق صدره، بل يطمئن بذلك، ماضيا على أمره، مقبلا على شأنه، وأنه لا يجب إجابة اقتراحات المقترحين للأدلة التي يختارونها. بل يكفي إقامة الدليل السالم عن المعارض، على جميع المسائل والمطالب. وفيها أن هذا القرآن، معجز بنفسه، لا يقدر أحد من البشر أن يأتي بمثله، ولا بعشر سور من مثله، بل ولا بسورة من مثله، لأن الأعداء البلغاء الفصحاء، تحداهم الله بذلك، فلم يعارضوه، لعلمهم أنهم لا قدرة فيهم على ذلك.وفيها: أن مما يطلب فيه العلم، ولا يكفي غلبة الظن، علم القرآن، وعلم التوحيد، لقوله تعالى: فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
تفسير ابن كثيرثم قال تعالى : ( فإن لم يستجيبوا لكم ) أي : فإن لم يأتوا بمعارضة ما دعوتموهم إليه ، فاعلموا أنهم عاجزون عن ذلك ، وأن هذا الكلام منزل من عند الله ، متضمن علمه وأمره ونهيه ، ( وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون ) .
تفسير القرطبيقوله تعالى : فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمونقوله تعالى : فإن لم يستجيبوا لكم أي في المعارضة ولم تتهيأ لهم فقد قامت عليهم الحجة ; إذ هم اللسن البلغاء ، وأصحاب الألسن الفصحاء . فاعلموا أنما أنزل بعلم الله واعلموا صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - " و " اعلموا " أن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون " استفهام معناه الأمر ، وقد تقدم القول في معنى هذه الآية ، وأن القرآن معجز في مقدمة الكتاب . والحمد لله .وقال : قل فأتوا وبعده . فإن لم يستجيبوا لكم ولم يقل لك ; فقيل : هو على تحويل المخاطبة من الإفراد إلى الجمع تعظيما وتفخيما ; وقد يخاطب الرئيس بما يخاطب به الجماعة . وقيل : الضمير في " لكم " وفي " فاعلموا " للجميع ، أي فليعلم الجميع أنما أنزل بعلم الله ; قاله مجاهد . وقيل : الضمير في " لكم " وفي " فاعلموا " للمشركين ; والمعنى : فإن لم يستجب لكم من تدعونه إلى المعاونة ; ولا تهيأت لكم المعارضة فاعلموا أنما أنزل بعلم الله . وقيل : الضمير في " لكم " للنبي - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين ، وفي " فاعلموا " للمشركين .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: فإن لم يستجب لكمْ من تدعون من دون الله إلى أنْ يأتوا بعشر سور مثل هذا القرآن مفتريات، ولم تطيقوا أنتم وهم أن تأتوا بذلك، فاعلموا وأيقنوا أنه إنما أنزل من السماء على محمد صلى الله عليه وسلم بعلم الله وإذنه، وأن محمدًا لم يفتره، ولا يقدر أن يفتريه ، (وأن لا إله إلا هو)، يقول: وأيقنوا أيضًا أن لا معبود يستحق الألوهة على الخلق إلا الله الذي له الخلق والأمر، فاخلعوا الأنداد والآلهة ، وأفردوا له العبادة.* * *وقد قيل: إن قوله: (فإن لم يستجيبوا لكم) خطاب من الله لنبيه، كأنه قال: فإن لم يستجب لك هؤلاء الكفار ، يا محمد، فاعلموا ، أيها المشركون ، أنما أنزل بعلم الله ، وذلك تأويل بعيد من المفهوم.* * *وقوله: (فهل أنتم مسلمون) ، يقول: فهل أنتم مذعنون لله بالطاعة، ومخلصون له العبادة ، بعد ثبوت الحجة عليكم؟* * *وكان مجاهد يقول: عني بهذا القول أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.18009- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (فهل أنتم مسلمون) ، قال: لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.18010- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال ،18010- وحدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: (وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون) ، قال: لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.18011- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.* * *وقيل: (فإن لم يستجيبوا لكم) ، والخطاب في أوّل الكلام قد جرى لواحدٍ، وذلك قوله: قُلْ فَأْتُوا ، ولم يقل: " فإن لم يستجيبوا لك " على نحو ما قد بينا قبلُ في خطاب رئيس القوم وصاحب أمرهم، أن العرب تخرج خطابه أحيانا مخرج خطاب الجمع، إذا كانَ خطابه خطابًا لأتباعه وجنده، وأحيانًا مخرج خطاب الواحد ، إذا كان في نفسه واحدًا. (5)--------------------الهوامش :(5) انظر ما سلف 12 : 298 ، 549 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِيهَا وَهُمۡ فِيهَا لَا يُبۡخَسُونَ  ١٥
التفسير الميسرمن كان يريد بعمله الحياة الدنيا ومُتَعها نعطهم ما قُسِم لهم من ثواب أعمالهم في الحياة الدنيا كاملا غير منقوص.
تفسير السعدييقول تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا أي: كل إرادته مقصورة على الحياة الدنيا، وعلى زينتها من النساء والبنين، والقناطير المقنطرة، من الذهب، والفضة، والخيل المسومة، والأنعام والحرث. قد صرف رغبته وسعيه وعمله في هذه الأشياء، ولم يجعل لدار القرار من إرادته شيئا، فهذا لا يكون إلا كافرا، لأنه لو كان مؤمنا، لكان ما معه من الإيمان يمنعه أن تكون جميع إرادته للدار الدنيا، بل نفس إيمانه وما تيسر له من الأعمال أثر من آثار إرادته الدار الآخرة.ولكن هذا الشقي، الذي كأنه خلق للدنيا وحدها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا أي: نعطيهم ما قسم لهم في أم الكتاب من ثواب الدنيا. وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أي: لا ينقصون شيئا مما قدر لهم، ولكن هذا منتهى نعيمهم.
تفسير ابن كثيرقال العوفي ، عن ابن عباس ، في هذه الآية : إن أهل الرياء يعطون بحسناتهم في الدنيا ، وذلك أنهم لا يظلمون نقيرا ، يقول : من عمل صالحا التماس الدنيا ، صوما أو صلاة أو تهجدا بالليل ، لا يعمله إلا التماس الدنيا ، يقول الله : أوفيه الذي التمس في الدنيا من المثابة ، وحبط عمله الذي كان يعمله التماس الدنيا ، وهو في الآخرة من الخاسرين .وهكذا روي عن مجاهد ، والضحاك ، وغير واحد .وقال أنس بن مالك ، والحسن : نزلت في اليهود والنصارى . وقال مجاهد وغيره : نزلت في أهل الرياء .وقال قتادة : من كانت الدنيا همه وسدمه وطلبته ونيته ، جازاه الله بحسناته في الدنيا ، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها جزاء . وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة .وقد ورد في الحديث المرفوع نحو من هذا .
تفسير القرطبيقوله تعالى : من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسونفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : " من كان " كان زائدة ، ولهذا جزم بالجواب فقال : نوف إليهم قاله الفراء . وقال الزجاج : " من كان " في موضع جزم بالشرط ، وجوابه نوف إليهم أي من يكن يريد ; والأول في اللفظ ماض والثاني مستقبل ، كما قال زهير :ومن هاب أسباب المنية يلقها ولو رام أسباب السماء بسلمواختلف العلماء في تأويل هذه الآية ; فقيل : نزلت في الكفار ; قاله الضحاك ، واختاره النحاس ; بدليل الآية التي بعدها أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار أي من أتى منهم بصلة رحم أو صدقة نكافئه بها في الدنيا ، بصحة الجسم ، وكثرة الرزق ، لكن لا حسنة له في الآخرة . وقد تقدم هذا المعنى في " براءة " مستوفى . وقيل : المراد بالآية المؤمنون ; أي من أراد بعمله ثواب الدنيا عجل له الثواب ولم ينقص شيئا في الدنيا ، وله في الآخرة العذاب لأنه جرد قصده إلى الدنيا ، وهذا كما قال - صلى الله عليه وسلم - : إنما الأعمال بالنيات فالعبد إنما يعطى على وجه قصده ، وبحكم ضميره ; وهذا أمر متفق عليه في الأمم بين كل ملة . وقيل : هو لأهل الرياء ; وفي الخبر أنه يقال لأهل الرياء : صمتم وصليتم وتصدقتم وجاهدتم وقرأتم ليقال ذلك فقد قيل ذلك ثم قال : إن هؤلاء أول من تسعر بهم النار . رواه أبو هريرة ، ثم بكى بكاء شديدا وقال : صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها وقرأ الآيتين ، . خرجه مسلم [ في صحيحه ] بمعناه والترمذي أيضا . وقيل : الآية عامة في كل من ينوي بعمله غير الله تعالى ، كان معه أصل إيمان أو لم يكن ; قاله مجاهد وميمون بن مهران ، وإليه ذهب معاوية - رحمه الله تعالى - . وقال ميمون بن مهران : ليس أحد يعمل حسنة إلا وفي ثوابها ; فإن كان مسلما مخلصا وفي في الدنيا والآخرة ، وإن كان كافرا وفي في الدنيا . وقيل : من كان يريد الدنيا بغزوه مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيها ، أي وفي أجر الغزاة ولم ينقص منها ; وهذا خصوص والصحيح العموم .الثانية : قال بعض العلماء : معنى هذه الآية قوله - عليه السلام - : إنما الأعمال بالنيات وتدلك هذه الآية على أن من صام في رمضان لا عن رمضان لا يقع عن رمضان ، وتدل على أن من توضأ للتبرد والتنظف لا يقع قربة عن جهة الصلاة ، وهكذا كل ما كان في معناه .الثالثة : ذهب أكثر العلماء إلى أن هذه الآية مطلقة ; وكذلك الآية التي في " الشورى " من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها الآية . وكذلك ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها قيدها وفسرها التي في سبحان من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد إلى قوله : محظورا فأخبر سبحانه أن العبد ينوي ويريد والله سبحانه يحكم ما يريد ، وروى الضحاك عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله : من كان يريد الحياة الدنيا أنها منسوخة بقوله : من كان يريد العاجلة . والصحيح ما ذكرناه ; وأنه من باب الإطلاق والتقييد ; ومثله قوله : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فهذا ظاهره خبر عن إجابة كل داع دائما على كل حال ، وليس كذلك ; لقوله تعالى : فيكشف ما تدعون إليه إن شاء والنسخ في الأخبار لا يجوز ; لاستحالة تبدل الواجبات العقلية ، ولاستحالة الكذب على الله تعالى فأما الأخبار عن الأحكام الشرعية فيجوز نسخها على خلاف فيه ، على ما هو مذكور في الأصول ; ويأتي في " النحل " بيانه إن شاء الله تعالى .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ (15)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: من كان يريد بعمله الحياة الدنيا، وإيّاها وَزينتها يطلب به ، (6) نوفّ إليهم أجور أعمالهم فيها وثوابها (7) ، (وهم فيها) يقول: وهم في الدنيا ، (لا يبخسون) ، يقول: لا ينقصون أجرها، ولكنهم يوفونه فيها. (8)* * *وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:18012- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها) الآية، وهي ما يعطيهم الله من الدنيا بحسناتهم ، وذلك أنهم لا يظلمون نقيرًا. يقول: من عمل صالحًا التماس الدنيا ، صومًا أو صلاةً أو تهجدًا بالليل، لا يعمله إلا لالتماس الدنيا ، يقول الله: أوفيه الذي التمس في الدنيا من المثابة، وحبط عمله الذي كان يعملُ التماس الدنيا، وهو في الآخرة من الخاسرين.18013- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير، عن منصور، عن سعيد بن جبير: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها) ، قال: ثوابَ ما عملوا في الدنيا من خير أعطوه في الدنيا، وليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صَنَعوا فيها.* * *18014- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير، عن منصور، عن سعيد بن جبير قوله: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفّ إليهم أعمالهم فيها) ، قال: وَزْنَ ما عملوا من خير أعطوا في الدنيا، (9) وليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها. قال: هي مثل الآية التي في الروم: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ ، [سورة الروم: 39]18015- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن سعيد بن جبير: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها) ، قال: من عمل للدنيا وُفِّيهُ في الدنيا.18016- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها) ، قال: من عمل عملا مما أمر الله به ، من صلاة أو صدقة ، لا يريد بها وجهَ الله ، أعطاه الله في الدنيا ثوابَ ذلك مثلَ ما أنفق ، فذلك قوله: (نوفّ إليهم أعمالهم فيها) ، في الدنيا، (وهم فيها لا يبخسون) ، أجر ما عملوا فيها، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا ، الآية.18017- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن عيسى ، يعني ابن ميمون ، عن مجاهد في قوله: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها) ، قال: ممن لا يقبل منه ، جُوزِي به ، يُعطَى ثوابَه.18018- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن عيسى الجرشي، عن مجاهد: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها)، قال: ممن لا يقبل منه ، يعجّل له في الدنيا. (10)18019- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون) ، أي: لا يظلمون. يقول: من كانت الدنيا همَّه وسَدَمه (11) وطَلِبته ونيّته، جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة، وليس له حسنة يعطى بها جزاءً. وأما المؤمن ، فيجازى بحسناته في الدنيا ، ويثاب عليها في الآخرة ، (وهم فيها لا يبخسون) أي : في الآخرة لا يظلمون.18020- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق ، جميعًا، عن معمر، عن قتادة: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها)، الآية، قال: من كان إنما هِمّته الدنيا ، إياها يطلب ، أعطاه الله مالا وأعطاه فيها ما يعيش، وكان ذلك قصاصًا له بعمله.(وهم فيها لا يبخسون) ، قال: لا يظلمون.18021-. . .. قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ليث بن أبي سلم، عن محمد بن كعب القرظي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أحسن من محسن ، فقد وقع أجره على الله في عاجل الدنيا وآجل الآخرة . (12)18022- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها) ، الآية، يقول: من عمل عملا صالحًا في غير تقوى ، يعني من أهل الشرك ، أعطي على ذلك أجرًا في الدنيا: يصل رحمًا، يعطي سائلا يرحم مضطرًّا ، في نحو هذا من أعمال البرّ ، يعجل الله له ثواب عمله في الدنيا، ويُوسِّع عليه في المعيشة والرزق، ويقرُّ عينه فيما خَوَّله، ويدفع عنه من مكاره الدنيا ، في نحو هذا، وليس له في الآخرة من نصيب.18023- حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا حفص بن عمر أبو عمر الضرير قال ، حدثنا همام، عن قتادة، عن أنس في قوله: (نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون) ، قال: هي في اليهود والنصارى.18024-. . . . قال، حدثنا حفص بن عمر قال ، حدثنا يزيد بن زريع، عن أبي رجاء الأزدي، عن الحسن: (نوف إليهم أعمالهم فيها) ، قال: طيباتهم.18025- حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، مثله.18026- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، مثله.18027- حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن وهيب: أنه بلغه أن مجاهدًا كان يقول في هذه الآية: هم أهل الرياء، هم أهل الرياء.18028-. . . . قال، أخبرنا ابن المبارك، عن حيوة بن شريح قال ، حدثني الوليد بن أبي الوليد أبو عثمان، أن عقبة بن مسلم حدثه، أنّ شُفيّ بن ماتع الأصبحي حدثه: أنه دخل المدينة، فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس، فقال من هذا؟ فقالوا أبو هريرة! فدنوت منه حتى قعدت بين يديه ، وهو يحدِّث الناس، فلما سكت وَخَلا (13) قلت: أنشدك بحقِّ ، وبحقِّ، (14) لما حدثتني حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم عَقَلته وعلمتَه . قال: فقال أبو هريرة: أفعل، لأحدثنك حديثًا حدّثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ! ثم نَشَغ نشغةً، (15) ثم أفاق فقال: لأحدثنك حديثًا حدّثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا البيت ، ما فيه أحدٌ غيري وغيره ! ثم نشَغ أبو هريرة نشغةً شديدة، ثم مال خارًّا على وجهه، واشتدّ به طويلا ثم أفاق فقال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة ، نزل إلى القيامة ليقضي بينهم ، (16) وكل أمة جاثيةٌ، فأوّل من يدعى به رجلٌ جمع القرآن، ورجل قُتِل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلتُ على رسولي؟ قال: بلى يا رب ! قال: فماذا عملت فيما عُلِّمت؟ قال: كنت أقوم آناء الليل وآناء النهار! فيقول الله له: كذبت ! وتقول له الملائكة: كذبت ! ويقول الله له: بل أردت أن يقال: " فلان قارئ" فقد قيل ذلك ! ويؤتى بصاحب المال فيقول الله له: ألم أوسِّع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا رب ! قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم ، وأتصدَّق. فيقول الله له: كذبت ! وتقول الملائكة: كذبت ! ويقول الله له: بل أردت أن يقال: " فلان جواد "، فقد قيل ذلك! ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله، فيقال له: فيماذا قُتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك، فقاتلت حتى قتلت. فيقول الله له: كذبت ! وتقول له الملائكة: كذبت ! ويقول الله له: بل أردت أن يقال: " فلان جريء "، وقد قيل ذلك ! ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي فقال: يا أبا هريرة ، أولئك الثلاثة أول خلق الله تُسَعَّر بهم النار يوم القيامة. (17)، قال الوليد أبو عثمان: فأخبرني عقبة أن شفيًّا هو الذي دخل على معاوية، فأخبره بهذا.قال أبو عثمان: وحدثني العلاء بن أبي حكيم : أنه كان سيَّافًا لمعاوية، قال: فدخل عليه رجل فحدّثه بهذا عن أبي هريرة، فقال أبو هريرة : وقد فعل بهؤلاء هذا، فكيف بمن بقي من الناس! ثم بكى معاوية بكاءً شديدًا حتى ظننا أنه هلك، وقلنا: [قد جاءنا ] هذا الرجل بشرٍّ ! (18) ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه فقال: صدق الله ورسوله : (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها) ، وقرأ إلى: وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . (19)18029- حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان، عن عيسى بن ميمون، عن مجاهد: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها) الآية، قال: ممن لا يتقبل منه، يصوم ويصلي يريد به الدنيا، ويدفع عنه هَمّ الآخرة (20) ، (وهم فيها لا يبخسون)، لا ينقصون.---------------------الهوامش :(6) في المطبوعة : " وأثاثها وزينتها يطلب به " ، فأفسد الكلام وضامه ، وهو في المخطوطة على الصواب كما أثبته .(7) انظر تفسير " الزينة " فيما سلف ص : 177 ، تعليق : 2 ، 5 ، والمراجع هناك .، وتفسير " التوفية " فيما سلف من فهارس اللغة ( وفى ) .(8) انظر تفسير " البخس " فيما سلف 6 : 56 / 12 : 555 .(9) في المطبوعة : " وربما عملوا من خير أعطوه في الدنيا " ، وهو كلام متلو لا معنى له .وفي المخطوطة ما أثبته ، إلا أن فيه " ورب ما عملوا " غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت .(10) الأثر : 18018 - " عيسى الجرشي " ، هو " عيسى بن ميمون الجرشي المكي " ، المذكور في الخبر السالف ، مضى قبل مرات ، آخرها رقم : 14677 .(11) " السدم " ( بفتحتين ) : الولوع بالشيء واللهج به . والغم بطلبه ، والندم على فوته ، وفي الحديث :"مَنْ كانت الدنيا همَّه وسَدَمَه ، جَعَل الله فَقْرَه بين عينيه " .(12) الأثر : 18021 - هذا خبر مرسل .(13) في المطبوعة : " وخلى " ، والصواب ما أثبت ، كما في المخطوطة .(14) " بحق ، وبحق " هذا قسم عليه ، يريد : " بحق كذا " ، وهو اختصار .(15) " نشغ الرجل " ، شهق حتى يكاد يبلغ به الغشى . قال أبو عبيدة : " وإنما يفعل ذلك الإنسان شوقا إلى صاحبه ، أو إلى شيء فائت ، وأسفا عليه وحبا للقائه " .(16) هكذا في المخطوطة والمطبوعة : " نزل إلى القيامة " ، وأنا في شك منها شديد ، وأظن الصواب ما في رواية الترمذي :" ينزل إلى العباد ليقضى بينهم " .(17) في المطبوعة والمخطوطة : " تسعر لهم " ، والصواب ما أثبت من سنن الترمذي .(18) في المطبوعة : " قلنا هذا الرجل شر " ، وهو فاسد جدا ، وفي المخطوطة مثله إلا أن فيها : " بشر " ، والصواب ما أثبته من سنن الترمذي ، ووضعت الزيادة بين القوسين .(19) الأثر : 18028 - " ابن المبارك " ، هو " عبد الله بن المبارك " ، الإمام المشهور، و " حيوة بن شريح التجيبي المصري " ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 16382 ." والوليد بن أبي الوليد القرشي ، أبو عثمان " ، ثقة ، مضى برقم : 5455 ." وعقبة بن مسلم التجيبي المصري " ، تابعي ثقة ، مضى مرارًا آخرها رقم : 13240 ، 13241 ." وشفي بن ماتع الأصبحي المصري " ، تابعي ثقة ، من ثقات المصريين ، كان عالمًا حكيمًا . وعده ابن جرير الطبري في الصحابة ، ولا يكاد يثبت . مترجم في التهذيب ، وابن سعد 7 / 2 / 201 ، والكبير 2 / 2 / 267 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 389 ، والإصابة في ترجمته في القسم الرابع من حرف الشين . وقال الحافظ ابن حجر : " وأورد حديثه بقي بن مخلد في مسنده أيضًا . ولم أر له رواية عن صحابي إلا عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، وحديثه عنه في السنن . وجزم بأنه تابعي ، وأن حديثه مرسل : البخاري وابن حبان ، وأبو حاتم الرازي ، وغيرهم " . وهذا الخبر رواه الترمذي في " كتاب الزهد " ، في باب " الرياء والسمعة " ، وقال : " هذا حديث حسن غريب " ، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " فالترمذي إذا قال : حسن غريب ، قد يعني به أنه غريب من ذلك الطريق ، لكن المتن له شواهد صار بها من جملة الحسن " ، قلت : وغرابة هذا الحديث ، رواية " شفي بن ماتع " ، عن " أبي هريرة " ، وشفي لا تعرف له رواية مشهورة ثانية إلا عند عبد الله بن عمرو بن العاص ، وإن كانت روايته عن أبي هريرة حسنة ، على غرابتها ، لأنه خليق أن يروى عنه ، وخليق أن يلقاه مرة بالمدينة ، كما جاء في هذا الخبر . وقد رواه مختصرًا ، النسائي في سننه 6 : 23 ، من طريق أخرى ، عن محمد بن عبد الأعلى ، عن خالد ، عن جريج ، عن يوسف بن يوسف ، عن سليمان بن يسار ، قال : تفرق الناس عن أبي هريرة ، فقال له قائل من أهل الشأم ، أيها الشيخ ، حدثني حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الحديث ، فكأن هذا القائل من أهل الشأم هو " شفي بن ماتع " ، وأنه كان بالشأم قبل أن يسكن مصر ، و" شفي " ، في الطبقة الثانية من تابعي أهل مصر ، كما عده ابن سعد . و" سليمان بن يسار الهلالي " ، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة ، وسمع من أبي هريرة ، فكأن هذا القائل ، أو شفي بن ماتع ، كان يومئذ صغيرًا وهو يسأل أبا هريرة بالمدينة ، وكأن خبر النسائي ، هو الشاهد من الحديث الصحيح الذي جعل الترمذي يصف الخبر الأول بأنه " حسن غريب " .(20) في المخطوطة والمطبوعة : " ويدفع عنه وهم الآخرة " . ولا معنى له ، وأرجح أن الصواب ما أثبت .
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيۡسَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ  ١٦
التفسير الميسرأولئك ليس لهم في الآخرة إلا نار جهنم يقاسون حرَّها، وذهب عنهم نَفْع ما عملوه، وكان عملهم باطلا لأنه لم يكن لوجه الله.
تفسير السعدي أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ خالدين فيها أبدا، لا يفتَّر عنهم العذاب، وقد حرموا جزيل الثواب. وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا أي: في الدنيا، أي: بطل واضمحل ما عملوه مما يكيدون به الحق وأهله، وما عملوه من أعمال الخير التي لا أساس لها، ولا وجود لشرطها، وهو الإيمان.
تفسير ابن كثيروقال تعالى : ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ) [ الإسراء : 18 - 21 ] ، وقال تعالى : ( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ) [ الشورى : 20 ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى : أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملونقوله تعالى : أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار إشارة إلى التخليد ، والمؤمن لا يخلد ; لقوله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك الآية . فهو محمول على ما لو كانت موافاة هذا المرائي على الكفر . وقيل : المعنى ليس لهم إلا النار في أيام معلومة ثم يخرج ; إما بالشفاعة ، وإما بالقبضة . والآية تقتضي الوعيد بسلب الإيمان ; وفي الحديث الماضي يريد الكفر وخاصة الرياء ، إذ هو شرك على ما تقدم بيانه في " النساء " ويأتي في آخر " الكهف " .وباطل ما كانوا يعملون ابتداء وخبر ، قال أبو حاتم : وحذف الهاء ; قال النحاس : هذا لا يحتاج إلى حذف ; لأنه بمعنى المصدر ; أي وباطل عمله . وفي حرف أبي وعبد الله " وباطلا ما كانوا يعملون " وتكون ما زائدة ; أي وكانوا يعملون باطلا .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين ذكرت أنّا نوفيهم أجور أعمالهم في الدنيا ، (ليس لهم في الآخرة إلا النار) ، يصلونها ، (وحبط ما صنعوا فيها) ، يقول: وذهب ما عملوا في الدنيا، (21) ، (وباطل ما كانوا يعملون) ، لأنهم كانوا يعملون لغير الله، فأبطله الله وأحبط عامله أجره.---------------------الهوامش :(21) انظر تفسير " حبط " فيما سلف 14 : 344 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتۡلُوهُ شَاهِدٞ مِّنۡهُ وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةًۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥۚ فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُۚ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ  ١٧
التفسير الميسرأفمَن كان على حجة وبصيرة من ربه فيما يؤمن به، ويدعو إليه بالوحي الذي أنزل الله فيه هذه البينة، ويتلوها برهان آخر شاهد منه، وهو جبريل أو محمد عليهما السلام، ويؤيد ذلك برهان ثالث من قبل القرآن، وهو التوراة -الكتاب الذي أنزل على موسى إمامًا ورحمة لمن آمن به-، كمن كان همه الحياة الفانية بزينتها؟ أولئك يصدِّقون بهذا القرآن ويعملون بأحكامه، ومن يكفر بهذا القرآن من الذين تحزَّبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجزاؤه النار، يَرِدُها لا محالة، فلا تك -أيها الرسول- في شك من أمر القرآن وكونه من عند الله تعالى بعد ما شهدت بذلك الأدلة والحجج، واعلم أن هذا الدين هو الحق من ربك، ولكن أكثر الناس لا يصدِّقون ولا يعملون بما أُمروا به. وهذا توجيه عام لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.
تفسير السعدييذكر تعالى، حال رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ومن قام مقامه من ورثته القائمين بدينه، وحججه الموقنين بذلك، وأنهم لا يوصف بهم غيرهم ولا يكون أحد مثلهم، فقال: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ بالوحي الذي أنزل الله فيه المسائل المهمة، ودلائلها الظاهرة، فتيقن تلك البينة. وَيَتْلُوهُ أي: يتلو هذه البينة والبرهان برهان آخر شَاهِدٌ مِنْهُ وهو شاهد الفطرة المستقيمة، والعقل الصحيح، حين شهد حقيقة ما أوحاه الله وشرعه، وعلم بعقله حسنه، فازداد بذلك إيمانا إلى إيمانه. و ثم شاهد ثالث وهو كِتَابُ مُوسَى التوراة التي جعلها الله إِمَامًا للناس وَرَحْمَةً لهم، يشهد لهذا القرآن بالصدق، ويوافقه فيما جاء به من الحق.أي: أفمن كان بهذا الوصف قد تواردت عليه شواهد الإيمان، وقامت لديه أدلة اليقين، كمن هو في الظلمات والجهالات، ليس بخارج منها؟!لا يستوون عند الله، ولا عند عباد الله، أُولَئِكَ أي: الذين وفقوا لقيام الأدلة عندهم، يُؤْمِنُونَ بالقرآن حقيقة، فيثمر لهم إيمانهم كل خير في الدنيا والآخرة. وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ أي: القرآن مِنَ الْأَحْزَابِ أي: سائر طوائف أهل الأرض، المتحزبة على رد الحق، فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ لا بد من وروده إليها فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ منه أي: في أدنى شك إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ إما جهلا منهم وضلالا، وإما ظلما وعنادا وبغيا، وإلا فمن كان قصده حسنا وفهمه مستقيما، فلا بد أن يؤمن به، لأنه يرى ما يدعوه إلى الإيمان من كل وجه.
تفسير ابن كثيريخبر تعالى عن حال المؤمنين الذين هم على فطرة الله تعالى التي فطر عليها عباده ، من الاعتراف له بأنه لا إله إلا هو ، كما قال تعالى : ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ) [ الروم : 30 ] ، وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحسون فيها من جدعاء ؟ " . وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " يقول الله تعالى : إني خلقت عبادي حنفاء ، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم " . وفي المسند والسنن : " كل مولود يولد على هذه الملة ، حتى يعرب عنه لسانه " الحديث ، فالمؤمن باق على هذه الفطرة . [ وقوله : ( ويتلوه شاهد منه ) أي ] : وجاءه شاهد من الله ، وهو ما أوحاه إلى الأنبياء ، من الشرائع المطهرة المكملة المعظمة المختتمة بشريعة محمد ، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين . ولهذا قال ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وأبو العالية ، والضحاك ، وإبراهيم النخعي ، والسدي ، وغير واحد في قوله تعالى : ( ويتلوه شاهد منه ) إنه جبريل عليه السلام .وعن علي ، والحسن ، وقتادة : هو محمد ، صلى الله عليه وسلم .وكلاهما قريب في المعنى; لأن كلا من جبريل ومحمد ، صلوات الله عليهما ، بلغ رسالة الله تعالى ، فجبريل إلى محمد ، ومحمد إلى الأمة .وقيل : هو علي . وهو ضعيف لا يثبت له قائل ، والأول والثاني هو الحق; وذلك أن المؤمن عنده من الفطرة ما يشهد للشريعة من حيث الجملة ، والتفاصيل تؤخذ من الشريعة ، والفطرة تصدقها وتؤمن بها; ولهذا قال تعالى : ( أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ) وهو القرآن ، بلغه جبريل إلى النبي [ محمد ] صلى الله عليه وسلم ، وبلغه النبي محمد إلى أمته .ثم قال تعالى : ( ومن قبله كتاب موسى ) أي : ومن قبل [ هذا ] القرآن كتاب موسى ، وهو التوراة ، ( إماما ورحمة ) أي : أنزل الله تعالى إلى تلك الأمة إماما لهم ، وقدوة يقتدون بها ، ورحمة من الله بهم . فمن آمن بها حق الإيمان قاده ذلك إلى الإيمان بالقرآن; ولهذا قال تعالى : ( أولئك يؤمنون به ) .ثم قال تعالى متوعدا لمن كذب بالقرآن أو بشيء منه : ( ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ) أي : ومن كفر بالقرآن من سائر أهل الأرض مشركيهم : أهل الكتاب وغيرهم ، من سائر طوائف بني آدم على اختلاف ألوانهم وأشكالهم وأجناسهم ، ممن بلغه القرآن ، كما قال تعالى : ( لأنذركم به ومن بلغ ) [ الأنعام : 19 ] ، وقال تعالى : ( قل ياأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ) [ الأعراف : 158 ] . وقال تعالى : ( ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ) وفي صحيح مسلم ، من حديث شعبة ، عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " والذي نفسي بيده ، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار " .وقال أيوب السختياني ، عن سعيد بن جبير قال : كنت لا أسمع بحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على وجهه إلا وجدت مصداقه - أو قال : تصديقه - في القرآن ، فبلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ، ولا يهودي ولا نصراني ، فلا يؤمن بي إلا دخل النار " . فجعلت أقول : أين مصداقه في كتاب الله ؟ قال : وقلما سمعت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا وجدت له تصديقا في القرآن ، حتى وجدت هذه الآية : ( ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ) قال : " من الملل كلها " .قوله : ( فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ) أي : القرآن حق من الله ، لا مرية فيه ولا شك ، كما قال تعالى : ( الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ) [ السجدة : 1 ، 2 ] ، وقال تعالى : ( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه [ هدى للمتقين ] ) [ البقرة : 1 ، 2 ] .وقوله : ( ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ) كما قال تعالى : ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) [ يوسف : 103 ] ، وقال تعالى : ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ) [ الأنعام : 116 ] ، وقال تعالى : ( ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين ) [ سبأ : 20 ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى : أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنونقوله تعالى : أفمن كان على بينة من ربه ابتداء والخبر محذوف ; أي أفمن كان على بينة من ربه في اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه من الفضل ما يتبين به كغيره ممن يريد الحياة الدنيا وزينتها ؟ ! عن علي بن الحسين والحسن بن أبي الحسن . وكذلك قال ابن زيد : إن الذي على بينة هو من اتبع النبي - صلى الله عليه وسلم - . ويتلوه شاهد منه من الله ، وهو النبي - صلى الله عليه وسلم - . وقيل المراد بقوله أفمن كان على بينة من ربه النبي - صلى الله عليه وسلم - والكلام راجع إلى قوله : وضائق به صدرك ; أي أفمن كان معه بيان من الله ، ومعجزة كالقرآن ، ومعه شاهد كجبريل - على ما يأتي - وقد بشرت به الكتب السالفة يضيق صدره بالإبلاغ ، وهو يعلم أن الله لا يسلمه . والهاء في " ربه " تعود عليه .ويتلوه شاهد منه وروى عكرمة عن ابن عباس أنه جبريل ; وهو قول مجاهد والنخعي . والهاء في " منه " لله عز وجل ; أي ويتلو البيان والبرهان شاهد من الله - عز وجل - . وقال مجاهد : الشاهد ملك من الله - عز وجل - يحفظه ويسدده . وقال الحسن البصري وقتادة : الشاهد لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قال محمد بن علي ، ابن الحنفية : قلت لأبي أنت الشاهد ؟ فقال : وددت أن أكون أنا هو ; ولكنه لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وقيل : هو علي بن أبي طالب ; روي عن ابن عباس أنه قال : ( هو علي بن أبي طالب ) ; وروي عن علي أنه قال : ( ما من رجل من قريش إلا وقد أنزلت فيه الآية والآيتان ; فقال له رجل : أي شيء نزل فيك ؟ فقال علي : ويتلوه شاهد منه ) . وقيل : الشاهد صورة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووجهه ومخائله ; لأن من كان له فضل وعقل فنظر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - علم أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ; فالهاء على هذا ترجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - على قول ابن زيد وغيره . وقيل : الشاهد القرآن في نظمه وبلاغته ، والمعاني الكثيرة منه في اللفظ الواحد ; قاله الحسين بن الفضل ، فالهاء في " منه " للقرآن . وقال الفراء قال بعضهم : ويتلوه شاهد منه الإنجيل ، وإن كان قبله فهو يتلو القرآن في التصديق ; والهاء في " منه " لله عز وجل . وقيل : البينة معرفة الله التي أشرقت لها القلوب ، والشاهد الذي يتلوه العقل الذي ركب في دماغه وأشرق صدره بنوره" ومن قبله " أي من قبل الإنجيل .كتاب موسى رفع بالابتداء ، قال أبو إسحاق الزجاج والمعنى ويتلوه من قبله كتاب موسى ; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - موصوف في كتاب موسى يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل وحكى أبو حاتم عن بعضهم أنه قرأ " ومن قبله كتاب موسى " بالنصب ; وحكاها المهدوي عن الكلبي ; يكون معطوفا على الهاء في " يتلوه " والمعنى : ويتلو كتاب موسى جبريل - عليه السلام - ; وكذلك قال ابن عباس - رضي الله عنهما - ; المعنى من قبله تلا جبريل كتاب موسى على موسى . ويجوز على ما ذكره ابن عباس أيضا من هذا القول أن يرفع " كتاب " على أن يكون المعنى : ومن قبله كتاب موسى كذلك ; أي تلاه جبريل على موسى كما تلا القرآن على محمد ." إماما " نصب على الحال ." ورحمة " معطوف .أولئك يؤمنون به إشارة إلى بني إسرائيل ، أي يؤمنون بما في التوراة من البشارة بك ; وإنما كفر بك هؤلاء المتأخرون فهم الذين موعدهم النار ; حكاه القشيري . والهاء في به يجوز أن تكون للقرآن ، ويجوز أن تكون للنبي - صلى الله عليه وسلم - .ومن يكفر به أي بالقرآن أو بالنبي - عليه السلام - .من الأحزاب يعني من الملل كلها ; عن قتادة ; وكذا قال سعيد بن جبير : الأحزاب أهل الأديان كلها ; لأنهم يتحازبون . وقيل : قريش وحلفاؤهم .فالنار موعده أي هو من أهل النار ; وأنشد حسان :أوردتموها حياض الموت ضاحية فالنار موعدها والموت لاقيهاوفي صحيح مسلم من حديث أبي يونس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار .فلا تك في مرية أي في شك .منه أي من القرآن .إنه الحق من ربك أي القرآن من الله ; قاله مقاتل . وقال الكلبي : المعنى فلا تك في مرية في أن الكافر في النار . إنه الحق أي القول الحق الكائن ; والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد جميع المكلفين .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (أفمن كان على بينة من ربه) ، قد بين له دينه فتبينه (22) ، (ويتلوه شاهد منه). (23)* * *واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.فقال بعضهم: يعني بقوله: (أفمن كان على بينة من ربه) ، محمدًا صلى الله عليه وسلم.ذكر من قال ذلك:18030- حدثني محمد بن خلف قال ، حدثنا حسين بن محمد قال ، حدثنا شيبان، عن قتادة، عن عروة، عن محمد ابن الحنفية قال: قلت لأبي: يا أبت ، أنت التالي في (ويتلوه شاهد منه) ؟ قال: لا والله يا بنيّ ! وددت أني كنت أنا هو، ولكنه لسانُه18031- حدثني يعقوب وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، ، عن الحسن: (ويتلوه شاهد منه) قال: لسانه.18032- حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن، في قوله: (ويتلوه شاهد منه) قال: لسانه.18033- حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا الحكم بن عبد الله أبو النعمان العجلي قال ، حدثنا شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن، مثله. (24)18034- حدثني علي بن الحسن الأزدي قال ، حدثنا المعافى بن عمران، عن قرة بن خالد، عن الحسن، مثله.18035- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (أفمن كان على بينة من ربه) ، وهو محمد ، كان على بيّنة من ربه.18036- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن قوله: (ويتلوه شاهد منه) قال: لسانه.18037- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (ويتلوه شاهد منه)، قال: لسانه هو الشاهد.18038- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة، عن شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن، مثله.18039- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا غندر، عن عوف، عن الحسن، مثله.* * *وقال آخرون: يعني بقوله: (ويتلوه شاهد منه)، محمدًا صلى الله عليه وسلم.ذكر من قال ذلك:18040- حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن سليمان العلاف، عن الحسين بن علي في قوله: (ويتلوه شاهد منه) قال: الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم . (25)18041- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا غندر، عن عوف، قال، حدثني سليمان العلاف قال: بلغني أن الحسن بن علي قال: (ويتلوه شاهد منه) ، قال: محمد صلى الله عليه وسلم.18042-. . . . قال، حدثنا أبو أسامة، عن عوف، عن سليمان العلاف، سمع الحَسَن بن علي: (ويتلوه شاهد منه) ، يقول: محمد، هو الشاهد من الله. (26)18043- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) ، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان على بينة من ربه، والقرآن يتلوه شاهدٌ أيضًا من الله ، (27) بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.18044- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد: (أفمن كان على بينة من ربه) ، قال: النبي صلى الله عليه وسلم.18045- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي، عن نضر بن عربي، عن عكرمة، مثله.18046-. . .. قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، مثله.18047- حدثنا الحارث قال ، حدثنا أبو خالد، سمعت سفيان يقول: (أفمن كان على بينة من ربه) ، قال: محمد صلى الله عليه وسلم.* * *وقال آخرون: هو علي بن أبي طالب.*ذكر من قال ذلك:18048- حدثنا محمد بن عمارة الأسدي قال ، حدثنا رزيق بن مرزوق قال ، حدثنا صباح الفراء، عن جابر، عن عبد الله بن نجيّ قال، قال علي رضي الله عنه: ما من رجل من قريش إلا وقد نزلت فيه الآية والآيتان. فقال له رجُل: فأنتَ فأي شيء نزل فيك؟ فقال علي: أما تقرأ الآية التي نزلت في هود : (ويتلوه شاهد منه). (28)* * *وقال آخرون: هو جبريل.*ذكر من قال ذلك:18049- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: (ويتلوه شاهد منه) ، إنه كان يقول: جبريل.18050- حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا حدثنا ابن إدريس، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم: (ويتلوه شاهد منه) ، قال: جبريل.18051- وحدثنا به أبو كريب مرة أخرى ، بإسناده عن إبراهيم فقال: قال : يقولون : " علي" ، إنما هو جبريل.18052- حدثنا أبو كريب، وابن وكيع قالا حدثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد قال: هو جبريل، تلا التوراة والإنجيل والقرآن، وهو الشاهد من الله.18053- حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، وحدثنا محمد بن عبد الله المخرّميّ ، قال ، حدثنا جعفر بن عون قال ، حدثنا سفيان ، وحدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، وحدثني المثنى قال ، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم: (ويتلوه شاهد منه) قال: جبريل.18054- حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، مثله.18055-. . . . قال، حدثنا سهل بن يوسف قال ، حدثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، مثله.18056- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، مثله.18057-. . . . قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد قال: جبريل.18058-. . . . قال، حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي صالح: (ويتلوه شاهد منه) ، قال: جبريل.18059-. . . . قال، حدثنا أبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك: (ويتلوه شاهد منه) ، قال: جبريل18060-. . . . حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (أفمن كان على بينة من ربه) ، يعني محمدًا هو على بينة من الله ، (ويتلوه شاهد منه) ، جبريل ، شاهدٌ من الله ، يتلو على محمد ما بُعث به.18061- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال: هو جبريل18062-. . . . قال، حدثنا أبي، عن نضر بن عربي، عن عكرمة، قال: هو جبريل.18063-. . . . قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قال: جبريل.18064-. . . . حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي، قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (أفمن كان على بينة من ربه)، يعني محمدًا ، على بينة من ربه ، (ويتلوه شاهد منه) ، فهو جبريل ، شاهد من الله بالذي يتلو من كتاب الله الذي أنزل على محمد قال: ويقال: (ويتلوه شاهد منه) ، يقول: يحفظه المَلَك الذي معه.18065- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو النعمان عارم قال ، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب قال،كان مجاهد يقول في قوله: (أفمن كان على بينة من ربه) ، قال: يعني محمدًا، (ويتلوه شاهد منه) ، قال: جبريل.* * *وقال آخرون: هو ملك يحفظه.*ذكر من قال ذلك:18066- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (ويتلوه شاهد منه) ، قال: معه حافظ من الله ، مَلَكٌ.18067- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يزيد بن هارون، وسويد بن عمرو، عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن مجاهد: (ويتلوه شاهد منه) ، قال: ملك يحفظه.18068-. . . . قال، حدثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، عمن سمع مجاهدًا: (ويتلوه شاهد منه) ، قال: الملك.18069- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (ويتلوه شاهد منه) ، يتبعه حافظٌ من الله ، مَلَكٌ.18070- حدثني المثنى قال ، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا حماد، عن أيوب، عن مجاهد: (ويتلوه شاهد منه) ، قال: الملك يحفظه: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ، [سورة البقرة: 121] قال: يتّبعونه حقّ اتباعه.18071- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: (ويتلوه شاهد منه) ، قال: حافظ من الله ، مَلكٌ.* * *قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال التي ذكرناها بالصواب في تأويل قوله: (ويتلوه شاهد منه)، قولُ من قال: " هو جبريل "، لدلالة قوله: (ومن قبله كتاب موسى إمامًا ورحمةً) ، على صحة ذلك . وذلك أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لم يتلُ قبل القرآن كتاب موسى، فيكون ذلك دليلا على صحة قول من قال: " عنى به لسان محمد صلى الله عليه وسلم، أو: محمد نفسه، أو : عليّ" على قول من قال: " عني به علي". ولا يعلم أنّ أحدًا كان تلا ذلك قبل القرآن ، أو جاء به، ممن ذكر أهل التأويل أنه عنى بقوله: (ويتلوه شاهد منه) ، غير جبريل عليه السلام.* * *فإن قال قائل: فإن كان ذلك دليلك على أن المعنيَّ به جبريل، فقد يجب أن تكون القراءة في قوله: (ومن قبله كتاب موسى) بالنصب ، لأن معنى الكلام على ما تأولتَ يجب أن يكون: ويتلو القرآنَ شاهدٌ من الله، ومن قبل القرآن كتابَ موسى؟قيل: إن القراء في الأمصار قد أجمعت على قراءة ذلك بالرفع فلم يكن لأحد خلافها، ولو كانت القراءة جاءت في ذلك بالنصب ، كانت قراءة صحيحةً ومعنى صحيحًا.فإن قال: فما وجه رفعهم إذًا " الكتاب " على ما ادعيت من التأويل؟قيل: وجه رفعهم هذا أنهم ابتدؤوا الخبر عن مجيء كتاب موسى قبل كتابنا المنزل على محمد، فرفعوه ب " من " [ومنه]، (29) والقراءة كذلك، والمعنى الذي ذكرت من معنى تلاوة جبريل ذلك قبل القرآن، وأن المراد من معناه ذلك ، وإن كان الخبر مستأنفًا على ما وصفت ، اكتفاءً بدلالة الكلام على معناه.* * *وأما قوله: (إمامًا) فإنه نصب على القطع من " كتاب موسى " ، (30) وقوله (ورحمة) ، عطف على " الإمام ". كأنه قيل: ومن قبله كتاب موسى إمامًا لبني إسرائيل يأتمُّون به، ورحمةً من الله تلاه على موسى، كما:-18072- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي، عن أبيه، عن منصور، عن إبراهيم، في قوله: (ومن قبله كتاب موسى) ، قال: من قبله جاء بالكتاب إلى موسى.* * *وفي الكلام محذوف قد ترك ذكره اكتفاء بدلالة ما ذكر عليه منه، وهو: (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إمامًا ورحمةً) ، ، " كمن هو في الضلالة متردد لا يهتدي لرشد، ولا يعرف حقًّا من باطل، ولا يطلب بعمله إلا الحياة الدنيا وزينتها ". وذلك نظير قوله: أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [سورة الزمر: 9] (31) والدليل على حقيقة ما قلنا في ذلك أن ذلك عقيب قوله: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ، الآية، ثم قيل: أهذا خير ، أمن كان على بينة من ربه؟ والعرب تفعل ذلك كثيرًا إذا كان فيما ذكرت دلالة على مرادها على ما حذفت، وذلك كقول الشاعر: (32)وَأُقْسِمُ لَوْ شَيْءٌ أَتَانَا رَسُولُهسِواكَ وَلَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعًا (33)* * *وقوله: (أولئك يؤمنون به) ، يقول: هؤلاء الذين ذكرت ، يصدقون ويقرّون به ، إن كفر به هؤلاء المشركون الذين يقولون: إن محمدًا افتراه.* * *القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (17)قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ومن يكفر بهذا القرآن ، فيجحد أنه من عند الله ، (من الأحزاب) وهم المتحزّبة على مللهم (34) ، (فالنار موعده)، أنه يصير إليها في الآخرة بتكذيبه. يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (فلا تك في مرية منه) ، يقول: فلا تك في شك منه، (35) من أن موعدَ من كفر بالقرآن من الأحزاب النارُ، وأن هذا القرآن الذي أنزلناه إليك من عند الله.ثم ابتدأ جل ثناؤه الخبر عن القرآن فقال: إن هذا القرآن الذي أنزلناه إليك ، يا محمد ، الحقّ من ربك لا شك فيه، ولكنّ أكثر الناس لا يصدِّقون بأن ذلك كذلك.* * *فإن قال قائل: أوَ كان النبي صلى الله عليه وسلم في شكٍّ من أن القرآن من عند الله، وأنه حق، حتى قيل له: " فلا تك في مرية منه "؟قيل: هذا نظير قوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ [ سورة يونس: 94] ، وقد بينا ذلك هنالك. (36)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:18073- حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا أيوب قال: نبئت أن سعيد بن جبير قال: ما بلغني حديثٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، على وَجهه إلا وجدت مصداقَه في كتاب الله تعالى، حتى قال " لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمة ، ولا يهودي ولا نصرانيّ، ثم لا يؤمن بما أرسلت به إلا دخل النار ". قال سعيد، فقلت : أين هذا في كتاب الله؟ حتى أتيت على هذه الآية: (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ) ، قال: من أهل الملل كُلّها.18074- حدثنا محمد بن عبد الله المخرّمي ، وابن وكيع قالا حدثنا جعفر بن عون قال ، حدثنا سفيان، عن أيوب، عن سعيد بن جبير في قوله: (ومن يكفُر به من الأحزاب) ، قال: من الملل كلها.18075- حدثني يعقوب ، وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية قال ، حدثنا أيوب، عن سعيد بن جبير قال: كنت لا أسمع بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على وَجهه، إلا وجدت مصداقه ، أو قال تصديقه ، في القرآن، فبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة ، ولا يهودي ولا نصراني ، ثم لا يؤمن بما أرسلت به إلا دخل النار " ، فجعلت أقول: أين مصداقُها؟ حتى أتيت على هذه: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ، إلى قوله: (فالنار موعده) ، قال: فالأحزاب، الملل كلها.18076- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال، حدثني أيوب، عن سعيد بن جبير قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من أحد يسمع بي من هذه الأمة ، ولا يهودي ولا نصراني ، فلا يؤمن بي إلا دخل النار " ، فجعلت أقول: أين مصداقها في كتاب الله؟ قال: وقلَّما سمعت حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا وجدتُ له تصديقًا في القرآن، حتى وجدت هذه الآيات: (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده) ، الملل كلها. (37)18077-. . .. قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده) ، قال: الكفارُ أحزابٌ كلهم على الكفر.18078- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: وَمِنَ الأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ ، [سورة الرعد: 36] ، أي : يكفر ببعضه، وهم اليهود والنصارى. قال: بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة ، ولا يهودي ولا نصراني ، ثم يموت قبل أن يؤمن بي، إلا دخل النار ".18079- حدثني المثنى قال ، حدثنا يوسف بن عدي النضري قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من سمع بي من أمتي أو يهودي أو نصراني، فلم يؤمن بي لم يدخل الجنة. (38)-----------------------الهوامش :(22) انظر تفسير " البينة " فيما سلف من فهارس اللغة ( بين ) .(23) انظر تفسير " يتلو " ، و " شاهد " فيما سلف من فهارس اللغة ( تلا ) ، ( شهد ) .(24) الأثر : 18033 - " الحكم بن عبد الله " ، " أبو النعمان العجلي " ، ثقة ، مضى برقم : 17013 .(25) الأثر : 18040 - " سليمان العلاف " ، مترجم في الكبير 2 / 2 / 31 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 153 ، ولم يذكرا فيه جرحًا ، وقالا : إنه بلغه عن الحسن ، روى عنه عوف ، وقال البخاري : مرسل . وكأنه يعني هذا الحديث ، انظر الخبر التالي . وكان في المطبوعة والمخطوطة " عن الحسين بن علي " ، وهو خطأ ، يدل عليه ما ذكرته ، وانظر الخبر التالي ، والذي يليه .(26) الأثران : 18041 ، 18042 - " سليمان العلاف " ، انظر التعليق السالف ، وفي الأثرين " الحسين بن علي " في المخطوطة والمطبوعة ، والصواب ما أثبت كما مر ذلك في التعليق على الأثر السالف .(27) في المطبوعة : " شاهد منه أيضًا " ، والذي في المخطوطة هو الجيد .(28) الأثر : 18048 - " رزيق بن مرزوق الكوفي المقرئ البجلي " ، روى عن أبي الأحوص ، وابن عيينة ، وسهل بن شعيب ، وروى عنه أحمد بن يحيى الصوفي ، وأبو حاتم الرازي ، وقال : " صدوق " مترجم في ابن أبي حاتم 1 / 2 / 506 ." وصباح الفراء " ، لم أجده ، وأخشى أن يكون هو " صباح بن يحيى المزني " ، وهو الشيعي المتروك الذي سلف برقم : 16113 ." وجابر " هو الجعفي " جابر بن يزيد الجعفي " . وهو ضعيف ، بل ربما كان القول فيه أشد ، وكان فوق ذلك رافضيًا يشتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال ابن حبان : " كان من أصحاب عبد الله بن سبأ ، وكان يقول : إن عليا يرجع إلى الدنيا " مضى مرارًا آخرها رقم : 14008 . " وعبد الله بن نجي بن سلمة الكوفي الحضرمي " ، ليس بالقوي ، كان أبوه على مطهرة علي رضي الله عنه ، قال البخاري : " فيه نظر " ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 184 . وميزان الاعتدال 2 : 82 ، وقال الذهبي : " روى عنه جابر الجعفي ، فمنكرة من جابر " ، ووثقه النسائي .وكان في المطبوعة " عبد الله بن يحيى " ، لم يحسن قراءة المخطوطة فيعرف الاسم .(29) في المطبوعة : " فرفعوه بمن قبله والقراءة كذلك " ، غير ما في المخطوطة ، لهذه الكلمة التي وضعتها بين القوسين ، وأنا أخشى أن تكون زيادة لا معنى لها ، ولذلك أثبتها بين القوسين ، كما في المخطوطة .وانظر تفسير الآية في معاني القرآن للفراء .(30) " القطع " ، الحال ، كما سلف ص : 76 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .(31) انظر تفسير الآية في معاني القرآن للفراء .(32) هو امرؤ القيس .(33) ديوانه : 113 ، والخزانة 4 : 227 ، وغيرهما كثير ، وسيأتي في التفسير 13 : 102 / 23 : 128 / 29 : 67 ( بولاق ) ، وهذا البيت قد كثر الاستدلال به على الحذف ، إلا أن البغدادي أفاد فائدة جيدة فقال : " وعذرهم في تقدير الجواب أن هذا البيت ساقط في أكثر الروايات ، وقد ذكره الزجاجي في أماليه الصغرى والكبرى في جملة أبيات ثمانية ، رواها المبرد من قصيدة لأمرئ القيس ، ورأينا أن نقتصر عليها ، وهي :بَعَثْتُ إلَيْها والنُّجوم خَوَاضِعٌحِذَارًا عَلَيْهَا أنْ تَقُومَ فَتَسْمَعَافَجَاءتْ قَطُوفَ المَشْيِ هَائِبَةَ السُّرَىيُدَافِعُ رُكْنَاهَا كَوَاعِبَ أرْبَعَايُزَجِّيهَا مَشْىَ النَّزِيفِ وَقَدْ جَرَىصُبَابُ الكَرَى فِي مُخِّهِ فَتَقَطَّعَاتَقُولُ وَقَدْ جَرَّدْتُهَا مِنْ ثِيَابِهَاكَمَا رُعْتَ مَكْحُولَ المَدَامِع أَتْلَعَاأَجِدَّكَ لَوْ شَيْءٌ أَتَانا رَسُولُهُسِوَاكَ وَلكِنْ لم نَجِدْ لَكَ مَدْفَعَاإِذَنْ لَرَدَدْنَاهُ , وَلَوْ طَالَ مَكْثُهُلَدَيْنَا , وَلَكِنَّا بِحُبِّكَ وُلَّعَافَبِتْنَا تَصُدُّ الوُحْشُ عَنَّا , كَأَنَّنَاقَتِيلاَنِ لم يَعْلَمْ النَّاسُ لَنَا مَصْرَعَاإِذَا أَخَذَتْهَا هِزَّةُ الرَّوْعِ , أَمْسَكَتْبِمَنْكِبِ مِقْدَامٍ عَلَى الهَوْلِ أرْوَعَاهذا ما قاله البغدادي ، وفيه قول لا يتسع له هذا المكان ، ولكن فيه فائدة تقيد .(34) انظر تفسير " الحزب " فيما سلف 1 : 244 / 10 : 428 .(35) انظر تفسير " المرية " فيما سلف من فهارس اللغة ( مري ) .(36) انظر ما سلف قريبًا ص : 200 - 203 .(37) الآثار : 18073 - 18077 - هذه الآثار عن سعيد بن جبير ، والتي روى فيها الخبر مرسلا ، رواه الحاكم في المستدرك 2 : 342 ، موصولا مرفوعًا من حديث ابن عباس . وذلك من طريق عبد الرازق ، عن معمر ، عن أبي عمرو البصري ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، وقال الحاكم " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه " ، ووافقه الذهبي .وانظر حديث أبي هريرة ، في صحيح مسلم 2 : 186 ، وما سيأتي من حديث أبي موسى رقم : 18079 .(38) الأثر : 18079 - " يوسف بن عدي النصري " ، هكذا في المخطوطة غير منقوط ، وفي المطبوعة : " النضري " ولا أدري من أين أتى بإعجامه هذا . والذي مر بنا في الخبر رقم : 10309 ، رواية المثنى ، عن يوسف بن عدي ، عن ابن المبارك " وظننت هناك أنه : " يوسف بن عدي بن رزيق التيمي " ، فلا أدري ما هذه النسبة التي هنا ، إلا أني أظن أنها " المصري " ، لأن " يوسف بن عدي " ، وإن يكن كوفيًا ، إلا أنه سكن مصر ، ومات بها سنة 232 .وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده 4 : 396 ، عن طريق محمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن أبي بشر ، بهذا اللفظ . ومثله 4 : 398 ، من طريق عفان ، عن شعبة .وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 8 : 261 ، 262 ، مطولا ، وفيه من قول أبي موسى الأشعري : " فقلت : ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا في كتاب الله عز وجل ، فقرأت فوجدت : ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ، فهذا نحو ما قاله سعيد بن جبير في الآثار السالفة . وقال الهيثمي بعد : " رواه الطبراني ، واللفظ له ، وأحمد بنحوه في الروايتين ، ورجال أحمد رجال الصحيح ، والبزار أيضًا باختصار" .
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُعۡرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمۡ وَيَقُولُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ أَلَا لَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ  ١٨
التفسير الميسرولا أحد أظلم ممن اختلق على الله كذبًا، أولئك سيعرضون على ربهم يوم القيامة؛ ليحاسبهم على أعمالهم، ويقول الأشهاد من الملائكة والنبيين وغيرهم: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم في الدنيا قد سخط الله عليهم، ولعنهم لعنة لا تنقطع؛ لأن ظلمهم صار وصفًا ملازمًا لهم.
تفسير السعدييخبر تعالى أنه لا أحد أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ويدخل في هذا كل من كذب على الله، بنسبة الشريك له، أو وصفه بما لا يليق بجلاله، أو الإخبار عنه، بما لم يقل، أو ادعاء النبوة، أو غير ذلك من الكذب على الله، فهؤلاء أعظم الناس ظلما أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ ليجازيهم بظلمهم، فعندما يحكم عليهم بالعقاب الشديد يَقُولُ الْأَشْهَادُ أي: الذين شهدوا عليهم بافترائهم وكذبهم: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ أي: لعنة لا تنقطع، لأن ظلمهم صار وصفا لهم ملازما، لا يقبل التخفيف.
تفسير ابن كثيريبين تعالى حال المفترين عليه وفضيحتهم في الدار الآخرة على رءوس الخلائق; من الملائكة ، والرسل ، والأنبياء ، وسائر البشر والجان ، كما قال الإمام أحمد :حدثنا بهز وعفان قالا أخبرنا همام ، حدثنا قتادة ، عن صفوان بن محرز قال : كنت آخذا بيد ابن عمر ، إذ عرض له رجل قال : كيف سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في النجوى يوم القيامة ؟ قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الله عز وجل يدني المؤمن ، فيضع عليه كنفه ، ويستره من الناس ، ويقرره بذنوبه ، ويقول له : أتعرف ذنب كذا ؟ أتعرف ذنب كذا ؟ أتعرف ذنب كذا ؟ حتى إذا قرره بذنوبه ، ورأى في نفسه أنه قد هلك قال : فإني قد سترتها عليك في الدنيا ، وإني أغفرها لك اليوم . ثم يعطى كتاب حسناته ، وأما الكفار والمنافقون فيقول : ( الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين )أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين ، من حديث قتادة به .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمينقوله تعالى : ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أي لا أحد أظلم منهم لأنفسهم لأنهم افتروا على الله كذبا ; فأضافوا كلامه إلى غيره ; وزعموا أن له شريكا وولدا ، وقالوا للأصنام هؤلاء شفعاؤنا عند الله .أولئك يعرضون على ربهم أي يحاسبهم على أعمالهمويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم يعني الملائكة الحفظة ; عن مجاهد وغيره ; وقال سفيان : سألت الأعمش عن الأشهاد فقال : الملائكة . الضحاك : هم الأنبياء والمرسلون ; دليله قوله : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا . وقيل : الملائكة والأنبياء والعلماء الذين بلغوا الرسالات . وقال قتادة : عن الخلائق أجمع . وفي صحيح مسلم من حديث صفوان بن محرز عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه قال : وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رءوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على الله .ألا لعنة الله على الظالمين أي بعده وسخطه وإبعاده من رحمته على الذين وضعوا العبادة في غير موضعها .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18)قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: وأي الناس أشد تعذيبًا ممن اختلق على الله كذبًا فكذب عليه؟ (39) ، (أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ) يعرضون يوم القيامة على ربهم "، (40) فيسألهم عما كانوا في دار الدنيا يعملون، كما:18080- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا) ، قال: الكافر والمنافق ، (أولئك يعرضون على ربهم) ، فيسألهم عن أعمالهم.* * *وقوله: (ويقول الأشهاد) ، يعني الملائكة والأنبياء الذين شهدوهم وحفظوا عليهم ما كانوا يعملون ، وهم جمع " شاهد " مثل " الأصحاب " الذي هو جمع " صاحب " ، (هؤلاء الذين كذبوا على ربهم) ، يقول: شهد هؤلاء الأشهاد في الآخرة على هؤلاء المفترين على الله في الدنيا، فيقولون: هؤلاء الذين كذبوا في الدنيا على ربهم، يقول الله: (ألا لعنة الله على الظالمين) ، يقول: ألا غضب الله على المعتدين الذين كفروا بربّهم.* * *وبنحو ما قلنا في قوله (ويقول الأشهاد) ، قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:18081- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (ويقول الأشهاد) ، قال: الملائكة.18082- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: الملائكة.18083- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: (ويقول الأشهاد) ، والأشهاد: الملائكة، يشهدون على بني آدم بأعمالهم.18084- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (الأشهاد) ، قال: الخلائق ، أو قال: الملائكة.18085- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، بنحوه.18086- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: (ويقول الأشهاد) ، الذين كان يحفظون أعمالهم عليهم في الدنيا ، (هؤلاء الذين كذبوا على ربهم) ، حفظوه وشهدوا به عليهم يوم القيامة ، قال ابن جريج: قال مجاهد: " الأشهاد "، الملائكة.18087- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي، عن سفيان، قال: سألت الأعمش عن قوله: (ويقول الأشهاد)، قال: الملائكة.18088- حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (ويقول الأشهاد) ، يعني الأنبياء والرسل، وهو قوله: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ ، [سورة النحل: 89] . قال: وقوله: (ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم) ، يقولون: يا ربنا أتيناهم بالحق فكذبوا، فنحن نشهد عليهم أنهم كذبوا عليك يا ربنا.18089- حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد وهشام، عن قتادة، عن صفوان بن محرز المازني قال، بينا نحن بالبيت مع عبد الله بن عمر ، وهو يطوف، إذ عرض له رجل فقال: يا ابن عمر ، ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى؟ (41) فقال: سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كَنَفه فيقرّره بذنوبه، فيقول: هل تعرف كذا؟ فيقول: رب أعرف ! (42) مرتين ، حتى إذا بلغ به ما شاء الله أن يبلغ قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم . قال: فيعطى صحيفة حسناته ، أو : كتابه ، بيمينه. وأما الكفار والمنافقون، فينادى بهم على رءوس الأشهاد: " ألا هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين ". (43)18090- حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية قال ، حدثنا هشام، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه. (44)18091- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: كنا نحدَّث أنه لا يخزَى يومئذ أحدٌ ، فيخفى خزيُه على أحد ممن خلق لله ، أو: الخلائق.-----------------------الهوامش :(39) انظر تفسير " افترى " فيما سلف من فهارس اللغة ( فرى ) .(40) في المطبوعة والمخطوطة : " يكذبون على ربهم " ، والأجود أن تبقى على سياقة الآية .(41) مضى في رقم : 6497 : " أما سمعت " .(42) مضى في رقم : 6497 : " رب اغفر " ، مكان " رب أعرف " .(43) الأثر : 18089 - مضى هذا الخبر بإسناده ، وتخريجه في رقم : 6497 ( ج 6 : 119 ، 120 ) .(44) الأثر : 18090 - مضى هذا الإسناد برقم : 6497 ، أيضًا .
ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ  ١٩
التفسير الميسرهؤلاء الظالمون الذين يمنعون الناس عن سبيل الله الموصلة إلى عبادته، ويريدون أن تكون هذه السبيل عوجاء بموافقتها لأهوائهم، وهم كافرون بالآخرة لا يؤمنون ببعث ولا جزاء.
تفسير السعديثم وصف ظلمهم فقال: الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فصدوا بأنفسهم عن سبيل الله، وهي سبيل الرسل، التي دعوا الناس إليها، وصدوا غيرهم عنها، فصاروا أئمة يدعون إلى النار. وَيَبْغُونَهَا أي: سبيل الله عِوَجًا أي: يجتهدون في ميلها، وتشيينها، وتهجينها، لتصير عند الناس غير مستقيمة، فيحسنون الباطل ويقبحون الحق، قبحهم الله وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ
تفسير ابن كثيروقوله : ( الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ) أي يردون الناس عن اتباع الحق وسلوك طريق الهدى الموصلة إلى الله عز وجل ويجنبونهم الجنة ، ( ويبغونها عوجا ) أي : ويريدون أن يكون طريقهم عوجا غير معتدلة ، ( وهم بالآخرة هم كافرون ) أي : جاحدون بها مكذبون بوقوعها وكونها .
تفسير القرطبيقوله تعالى : الذين يصدون عن سبيل الله يجوز أن تكون الذين في موضع خفض نعتا للظالمين ، ويجوز أن تكون في موضع رفع ; أي هم الذين . وقيل : هو ابتداء خطاب من الله تعالى ; أي هم الذين يصدون أنفسهم وغيرهم عن الإيمان والطاعة .ويبغونها عوجا أي يعدلون بالناس عنها إلى المعاصي والشرك .وهم بالآخرة هم كافرون أعاد لفظ هم تأكيدا .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19)قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ألا لعنة الله على الظَّالمين الذين يصدّون الناسَ، عن الإيمان به، والإقرار له بالعبودة ، وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأنداد ، من مشركي قريش، وهم الذين كانوا يفتنون عن الإسلام من دخل فيه (45) . ، (ويبغونها عوجًا) ، يقول: ويلتمسون سبيل الله ، وهو الإسلام الذي دعا الناس إليه محمد، (46) يقول: زيغًا وميلا عن الاستقامة. (47) ، (وهم بالآخرة هم كافرون) ، يقول: وهم بالبعث بعد الممات مع صدهم عن سبيل الله وبغيهم إياها عوجًا ، (كافرون ) يقول: هم جاحدون ذلك منكرون.------------------------الهوامش:(45) انظر تفسير " الصد " فيما سلف 14 : 216 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .(46) انظر تفسير " بغى " فيما سلف 14 : 283 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .، وتفسير " سبيل الله " فيما سلف من فهارس اللغة ( سبل ) .(47) انظر تفسير " العوج " فيما سلف 7 : 53 ، 54 / 12 : 448 ، 559 .
من نحن

موقع الحياة بالإسلام هو موقع إسلامي، يقدم لكم العديد من المواضيع الاسلامية على منهاج الكتاب و السنة، كما يتضمن بعض قراءات القران الكريم بالرسم العثماني بأصوات اشهر القراء حول العالم

عرض المزيد
إشارات

التين , سُورَةُ هُودٍ , سُورَةُ الجُمُعَةِ , الكوثر , معيض الحارثي , القارئ سيلمان الشبيبي , القارئ عبدالرحمن الشحات , محمد عبدالحكيم سعيد العبدالله , قراءة يعقوب الحضرمي بروايتي رويس وروح , المصحف المعلم , قالون عن نافع من طريق أبي نشيط , خلف عن حمزة ,

عرض المزيد