۞ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفۡسِيٓۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥٣التفسير الميسرقالت امرأة العزيز: وما أزكي نفسي ولا أبرئها، إن النفس لكثيرة الأمر لصاحبها بعمل المعاصي طلبا لملذاتها، إلا مَن عصمه الله. إن الله غفور لذنوب مَن تاب مِن عباده، رحيم بهم.
تفسير السعديثم لما كان في هذا الكلام نوع تزكية لنفسها، وأنه لم يجر منها ذنب في شأن يوسف، استدركت فقالت: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي أي: من المراودة والهمِّ، والحرص الشديد، والكيد في ذلك. إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ أي: لكثيرة الأمر لصاحبها بالسوء، أي: الفاحشة، وسائرالذنوب، فإنها مركب الشيطان، ومنها يدخل على الإنسان إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي فنجاه من نفسه الأمارة، حتى صارت نفسه مطمئنة إلى ربها، منقادة لداعي الهدى، متعاصية عن داعي الردى، فذلك ليس من النفس، بل من فضل الله ورحمته بعبده. إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ أي: هو غفور لمن تجرأ على الذنوب والمعاصي، إذا تاب وأناب، رَحِيمٌ بقبول توبته، وتوفيقه للأعمال الصالحة،. وهذا هو الصواب أن هذا من قول امرأة العزيز، لا من قول يوسف، فإن السياق في كلامها، ويوسف إذ ذاك في السجن لم يحضر.
تفسير ابن كثيرتقول المرأة : ولست أبرئ نفسي ، فإن النفس تتحدث وتتمنى; ولهذا راودته لأنها أمارة بالسوء ، ( إلا ما رحم ربي ) أي : إلا من عصمه الله تعالى ، ( إن ربي غفور رحيم ) .وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام . وقد حكاه الماوردي في تفسيره ، وانتدب لنصره الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية ، رحمه الله ، فأفرده بتصنيف على حدةوقد قيل : إن ذلك من كلام يوسف ، عليه السلام ، من قوله : ( ذلك ليعلم أني لم أخنه ) في زوجته ) بالغيب ) الآيتين أي : إنما رددت الرسول ليعلم الملك براءتي وليعلم العزيز ( أني لم أخنه ) في زوجته ) بالغيب ) ( وأن الله لا يهدي كيد الخائنين وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ) [ الآية ] وهذا القول هو الذي لم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم سواه .وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما جمع الملك النسوة فسألهن : هل راودتن يوسف عن نفسه ؟ ( قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ) قال يوسف ( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب [ وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ] ) قال : فقال له جبريل ، عليه السلام : ولا يوم هممت بما هممت به . فقال : ( وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء )وهكذا قال مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، وابن أبي الهذيل ، والضحاك ، والحسن ، وقتادة ، والسدي . والقول الأول أقوى وأظهر; لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك ، ولم يكن يوسف ، عليه السلام ، عندهم ، بل بعد ذلك أحضره الملك .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وما أبرئ نفسي قيل : هو من قول المرأة . وقال القشيري : فالظاهر أن قوله : ذلك ليعلم وقوله : وما أبرئ نفسي من قول يوسف . قلت : إذا احتمل أن يكون من قول المرأة فالقول به أولى حتى نبرئ يوسف من حل الإزار والسراويل ; وإذا قدرناه من قول يوسف فيكون مما خطر بقلبه ، على ما قدمناه من القول المختار في قوله : وهم بها . قال أبو بكر الأنباري : من الناس من يقول : ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب إلى قوله : إن ربي غفور رحيم من كلام امرأة العزيز ; لأنه متصل بقولها : أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين وهذا مذهب الذين ينفون الهم عن يوسف - عليه السلام - ; فمن بنى على قولهم : " قال " من قوله : قالت امرأة العزيز إلى قوله : إن ربي غفور رحيم كلام متصل بعضه ببعض ، ولا يكون فيه وقف تام على حقيقة ; ولسنا نختار هذا القول ولا نذهب إليه . وقال الحسن : لما قال يوسف ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب كره نبي الله أن يكون قد زكى نفسه فقال : وما أبرئ نفسي لأن تزكية النفس مذمومة ; قال الله تعالى : فلا تزكوا أنفسكم وقد بيناه في " النساء " . وقيل : هو من قول العزيز ; أي وما أبرئ نفسي من سوء الظن بيوسف .إن النفس لأمارة بالسوء أي مشتهية له .إلا ما رحم ربي في موضع نصب بالاستثناء ; و " ما " بمعنى من ; أي إلا من رحم ربي فعصمه ; و " ما " بمعنى من كثير ; قال الله تعالى : فانكحوا ما طاب لكم من النساء وهو استثناء منقطع ، لأنه استثناء المرحوم بالعصمة من النفس الأمارة بالسوء ; وفي الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ما تقولون في صاحب لكم إن أنتم أكرمتموه وأطعمتموه وكسوتموه أفضى بكم إلى شر غاية وإن أهنتموه وأعريتموه وأجعتموه أفضى بكم إلى خير غاية قالوا : يا رسول الله ! هذا شر صاحب في الأرض . قال : فوالذي نفسي بيده إنها لنفوسكم التي بين جنوبكم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)قال أبو جعفر : يقول يوسف صلوات الله عليه: وما أبرئ نفسي من الخطأ والزلل فأزكيها ، (إن النفس لأمارة بالسوء)، يقول: إن النفوسَ نفوسَ العباد، تأمرهم بما تهواه، وإن كان هواها في غير ما فيه رضا الله ، (إلا ما رحم ربي) يقول: إلا أن يرحم ربي من شاء من خلقه ، فينجيه من اتباع هواها وطاعتها فيما تأمرُه به من السوء ، (إن ربي غفور رحيم) .* * *و " ما " في قوله: (إلا ما رحم ربي)، في موضع نصب ، وذلك أنه استثناء منقطع عما قبله ، كقوله: وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ * إِلا رَحْمَةً مِنَّا [ سورة يس : 43 ، 44 ] بمعنى: إلا أن يرحموا . و " أن "، إذا كانت في معنى المصدر، تضارع " ما ".* * *ويعني بقوله: (إن ربي غفور رحيم)، أن الله ذو صفح عن ذنوب من تاب من ذنوبه ، بتركه عقوبته عليها وفضيحته بها ، " رحيم "، به بعد توبته، أن يعذبه عليها .* * *وذُكر أن يوسف قال هذا القول، من أجل أن يوسف لما قال: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ، قال ملك من الملائكة: ولا يومَ هممت بها! فقال يوسفُ حينئذ: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء) .* * *وقد قيل: إن القائل ليوسف: " ولا يومَ هممت بها، فحللت سراويلك "! هو امرأة العزيز ، فأجابها يوسف بهذا الجواب .* * *وقيل: إن يوسف قال ذلك ابتداءً من قبل نفسه .* * **ذكر من قال ذلك:19428 - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: لما جمع الملك النسوة فسألهن: هل راودتن يوسف عن نفسه؟ قلن حَاشَ لله، ما علمنا عليه من سوء! قالت امرأة العزيز: الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ الآية . قال يوسف: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ، قال فقال له جبريل: ولا يوم هممت بما هممت! فقال: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء).19429- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: لما جمع الملك النسوة ، قال لهن: أنتن راودتن يوسف عن نفسه؟ ، ثم ذكر سائر الحديث ، مثل حديث أبي كريب ، عن وكيع.19430- حدثنا الحسن بن محمد قال ، حدثنا عمرو قال ،أخبرنا إسرائيل عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: لما جمع فرعون النسوة، (1) قال: أنتن راودتن يوسف عن نفسه؟ ثم ذكر نحوه ، غير أنه قال: فغمزه جبريل ، فقال: ولا حين هممت بها! فقال يوسف: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء).19431 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، ، عن مسعر ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير قال: لما قال يوسف: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ . قال جبريل ، أو مَلَك: ولا يوم هممت بما هممت به؟ فقال: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء).19432- حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا وكيع قال ، حدثنا مسعر ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير، بنحوه ، إلا أنه قال: قال له المَلَك: ولا حين هممت بها؟ ولم يقل: " أو جبريل " ، ثم ذكر سائر الحديث مثله.19433- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا محمد بن بشر، وأحمد بن بشير ، عن مسعر ، عن أبى حصين ، عن سعيد بن جبير: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ، قال فقال له الملك ، أو: جبريل ، : ولا حين هممت بها؟ فقال يوسف: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء).19434 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن أبي سنان ، عن ابن أبي الهذيل قال: لما قال يوسف: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ، قال له جبريل: ولا يوم هممت بما هممت به؟ فقال: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء).19435- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن أبي سنان ، عن ابن أبي الهذيل ، بمثله .19436- حدثنا الحسن بن محمد قال ، حدثنا عمرو قال ،أخبرنا مسعر ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير ، مثل حديث ابن وكيع ، عن محمد بن بشر وأحمد بن بشير سواءً .19437 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا العلاء بن عبد الجبار ، وزيد بن حباب ، عن حماد بن سلمة، عن ثابت ، عن الحسن: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ، قال له جبريل: اذكر همَّك ! فقال: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء).19438 - حدثنا الحسن قال ، حدثنا عفان قال ، حدثنا حماد ، عن ثابت ، عن الحسن: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ قال جبريل: يا يوسف اذكر همك ! قال: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء).19439 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم ، عن إسماعيل بن سالم ، عن أبي صالح ، في قوله: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ، قال: هذا قول يوسف قال: فقال له جبريل: ولا حين حللت سراويلك؟ قال فقال يوسف: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء) ، الآية.19440- حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ،أخبرنا هشيم ، عن إسماعيل بن سالم ، عن أبي صالح ، بنحوه .19441 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة ، قوله: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ذُكر لنا أن الملك الذي كان مع يوسف ، قال له: اذكر ما هممت به. قال نبي الله: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء).19442- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة قال: بلغني أن الملك قال له حين قال ما قال: أتذكر همك؟ فقال: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي).19443 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة ، قوله: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ، قال الملك ، وطَعَن في جنبه: يا يوسف ، ولا حين هممت؟ قال: فقال: (وما أبرئ نفسي).* * **ذكر من قال: قائل ذلك له المرأة.19444- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ، قال: قاله يوسف حين جيء به، ليعلم العزيز أنه لم يخنه بالغيب في أهله، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين. فقالت امرأة العزيز: يا يوسف، ولا يوم حللت سراويلك؟ فقال يوسف: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء).* * ** ذكر من قال: قائل ذلك يوسف لنفسه ، من غير تذكير مذكّر ذكره ولكنه تذكّر ما كان سلف منه في ذلك .19445- حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ، هو قول يوسف لمليكه، حين أراه الله عذره ، فذكر أنه قد همَّ بها وهمت به ، فقال يوسف: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء)، الآية.----------------------الهوامش:(1) في المطبوعة :" لما جمع الملك" ، وأثبت ما في المخطوطة .
وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦٓ أَسۡتَخۡلِصۡهُ لِنَفۡسِيۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلۡيَوۡمَ لَدَيۡنَا مَكِينٌ أَمِينٞ ٥٤التفسير الميسروقال الملك الحاكم لـ "مصر" حين بلغته براءة يوسف: جيئوني به أجعله من خلصائي وأهل مشورتي، فلما جاء يوسف وكلَّمه الملك، وعرف براءته، وعظيم أمانته، وحسن خلقه، قال له: إنك اليوم عندنا عظيم المكانة، ومؤتمن على كل شيء.
تفسير السعديفلما تحقق الملك والناس براءة يوسف التامة، أرسل إليه الملك وقال: ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي أي: أجعله خصيصة لي ومقربا لديَّ فأتوه به مكرما محترما، فَلَمَّا كَلَّمَهُ أعجبه كلامه، وزاد موقعه عنده فقال له: إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا أي: عندنا مَكِينٌ أَمِينٌ أي: متمكن، أمين على الأسرار
تفسير ابن كثيريقول تعالى إخبارا عن الملك حين تحقق براءة يوسف ، عليه السلام ، ونزاهة عرضه مما نسب إليه ، قال : ( ائتوني به أستخلصه لنفسي ) أي : أجعله من خاصتي وأهل مشورتي ) فلما كلمه ) أي : خاطبه الملك وعرفه ، ورأى فضله وبراعته ، وعلم ما هو عليه من خلق وخلق وكمال قال له الملك : ( إنك اليوم لدينا مكين أمين ) أي : إنك عندنا قد بقيت ذا مكانة وأمانة
تفسير القرطبيقوله تعالى : وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين قوله تعالى : وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي لما ثبت للملك براءته مما نسب إليه ; وتحقق في القصة أمانته ، وفهم أيضا صبره وجلده عظمت منزلته عنده ، وتيقن حسن خلاله قال : ائتوني به أستخلصه لنفسي فانظر إلى قول الملك أولا - حين تحقق علمه - ائتوني به فقط ، فلما فعل يوسف ما فعل ثانيا قال : ائتوني به أستخلصه لنفسي وروي عن وهب بن منبه قال : لما دعي يوسف وقف بالباب فقال : حسبي ربي من خلقه ، عز جاره وجل ثناؤه ولا إله غيره . ثم دخل فلما نظر إليه الملك نزل عن سريره فخر له ساجدا ; ثم أقعده الملك معه على سريره فقال . إنك اليوم لدينا مكين أمين قال له يوسف اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ للخزائن عليم بوجوه تصرفاتها . وقيل : حافظ للحساب ، عليم بالألسن . وفي الخبر : يرحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ولكن أخر ذلك سنة . وقيل : إنما تأخر تمليكه إلى سنة لأنه لم يقل إن شاء الله . وقد قيل في هذه القصة : إن يوسف - عليه السلام - لما دخل على الملك قال : اللهم إني أسألك بخيرك من خيره ، وأعوذ بك من شره وشر غيره ; ثم سلم على الملك بالعربية فقال : ما هذا اللسان ؟ قال : هذا لسان عمي إسماعيل ، ثم دعا له بالعبرانية فقال : ما هذا اللسان ؟ قال : لسان آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ; وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا ، فكلما تكلم الملك بلسان أجابه يوسف بذلك اللسان ، فأعجب الملك أمره ، وكان يوسف إذ ذاك ابن ثلاثين سنة ; ثم أجلسه على سريره وقال : أحب أن أسمع منك رؤياي ، قال يوسف نعم أيها الملك ! رأيت سبع بقرات سمان شهبا غرا حسانا ، كشف لك عنهن النيل فطلعن عليك من شاطئه تشخب أخلافها لبنا ; فبينا أنت تنظر إليهن وتتعجب من حسنهن إذ نضب النيل فغار ماؤه ، وبدا أسه ، فخرج من حمئه ووحله سبع بقرات عجاف شعث غبر مقلصات البطون ، ليس لهن ضروع ولا أخلاف ، لهن أنياب وأضراس ، وأكف كأكف الكلاب وخراطيم كخراطيم السباع ، فاختلطن بالسمان فافترسنهن افتراس السباع ، فأكلن لحومهن ، ومزقن جلودهن ، وحطمن عظامهن ، ومشمشن مخهن ; فبينا أنت تنظر وتتعجب كيف غلبنهن وهن مهازيل ! ثم لم يظهر منهن سمن ولا زيادة بعد أكلهن ! إذا بسبع سنابل خضر طريات ناعمات ممتلئات حبا وماء ، وإلى جانبهن سبع يابسات ليس فيهن ماء ولا خضرة في منبت واحد ، عروقهن في الثرى والماء ، فبينا أنت تقول في نفسك : أي شيء هذا ؟ ! هؤلاء خضر مثمرات ، وهؤلاء سود يابسات ، والمنبت واحد ، وأصولهن في الماء ، إذ هبت ريح فذرت الأوراق من اليابسات السود على الخضر المثمرات ، فأشعلت فيهن النار فأحرقتهن ; فصرن سودا مغبرات ; فانتبهت مذعورا أيها الملك ; فقال الملك : والله ما شأن هذه الرؤيا وإن كان عجبا بأعجب مما سمعت منك ! فما ترى في رؤياي أيها الصديق ؟ فقال يوسف : أرى أن تجمع الطعام ، وتزرع زرعا كثيرا في هذه السنين المخصبة ; فإنك لو زرعت على حجر أو مدر لنبت ، وأظهر الله فيه النماء والبركة ، ثم ترفع الزرع في قصبه وسنبله تبني له المخازن العظام ; فيكون القصب والسنبل علفا للدواب ، وحبه للناس ، وتأمر الناس فيرفعون من طعامهم إلى أهرائك الخمس ; فيكفيك من الطعام الذي جمعته لأهل مصر ومن حولها ، ويأتيك الخلق من النواحي يمتارون منك ، ويجتمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد قبلك ; فقال الملك : ومن لي بتدبير هذه الأمور ؟ ولو جمعت أهل مصر جميعا ما أطاقوا ، ولم يكونوا فيه أمناء ; فقال يوسف - عليه السلام - عند ذلك : اجعلني على خزائن الأرض أي على خزائن أرضك ; وهي جمع خزانة ; ودخلت الألف واللام عوضا من الإضافة ، كقول النابغة :لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم من الجود والأحلام غير كواذبقوله تعالى : أستخلصه لنفسي جزم لأنه جواب الأمر ; وهذا يدل على أن قوله : ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب جرى في السجن . ويحتمل أنه جرى عند الملك ثم قال في مجلس آخر : ائتوني به تأكيدا أستخلصه لنفسي أي أجعله خالصا لنفسي ، أفوض إليه أمر مملكتي ; فذهبوا فجاءوا به ; ودل على هذا قوله : " فلما كلمه " أي كلم الملك يوسف ، وسأله عن الرؤيا فأجاب يوسف ; ف " قال " الملك : إنك اليوم لدينا مكين أمين أي متمكن نافذ القول ، أمين لا تخاف غدرا .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: " وقال الملك " ، يعني ملك مصر الأكبر ، وهو فيما ذكر ابن إسحاق: الوليد بن الرّيان .19446 - حدثنا بذلك ابن حميد قال ، حدثنا سلمة، عنه.* * *، حين تبين عذر يوسف ، وعرف أمانته وعلمه، قال لأصحابه: (ائتوني به أستخلصه لنفسي)، يقول: أجعله من خُلصائي دون غيري.* * *وقوله: (فلما كلمه)، يقول: فلما كلم الملك يوسفَ ، وعرف براءته وعِظَم أمانته قال له: إنك يا يوسف،" لدينا مكين أمين " ، أي: متمكن مما أردت، وعرض لك من حاجة قبلنا ، لرفعة مكانك ومنزلتك، لدينا ، أمين على ما أؤتمنت عليه من شيء .19447 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي قال: لما وجد الملك له عذرًا قال: (ائتوني به أستخلصه لنفسي).19448 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: (أستخلصه لنفسي)، يقول: أتخذه لنفسي.19449- حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن أبي سنان ، عن ابن أبي الهذيل قال الملك: ( ائتوني به أستخلصه لنفسي) قال: قال له الملك: إني أريد أن أخلصك لنفسي ، غير أني آنَفُ أن تأكُل معي.فقال يوسف: أنا أحق أن آنفَ ، أنا ابن إسحاق ، أو: أنا ابن إسماعيل ، أبو جعفر شكَّ ، وفي كتابي: ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله.19450- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثني أبي ، عن سفيان ، عن أبي سنان ، عن ابن أبي الهذيل بنحوه ، غير أنه قال: أنا ابن إبراهيم خليل الله، ابن إسماعيل ذبيح الله.19451- حدثنا أحمد بن إسحاق قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا سفيان ، عن أبي سنان ، عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: قال العزيز ليوسف: ما من شيء إلا وأنا أحبُّ أن تشركني فيه ، إلا أني أحب أن لا تشركني في أهلي ، وأن لا يأكل معي عَبْدي ! قال: أتأنف أن آكل معك؟ فأنا أحق أن آنف منك ، أنا ابن إبراهيم خليل الله ، وابن إسحاق الذبيح ، وابن يعقوب الذي ابيضت عيناه من الحزن.19452 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا سفيان بن عقبة ، عن حمزة الزيات ، عن ابن إسحاق ، عن أبي ميسرة قال: لما رأى العزيز لَبَقَ يوسف وكيسه وظَرْفه ، دعاه فكان يتغدى ويتعشى معه دون غلمانه. فلما كان بينه وبين المرأة ما كان ، قالت له: تُدْنِي هذا! مُرْهُ فليتغدَّ مع الغلمان. قال له: اذهب فتغدَّ مع الغلمان. فقال له يوسف في وجهه: ترغب أن تأكل معي ، أو تَنْكَف (2) ، أنا والله يوسف بن يعقوب نبي الله ، ابن إسحاق ذبيح الله ، ابن إبراهيم خليل الله.* * *----------------------الهوامش:(2) يقال :" نكف من الشيء" و" استنكف منه" بمعنى واحد .
قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ ٥٥التفسير الميسروأراد يوسف أن ينفع العباد، ويقيم العدل بينهم، فقال للملك: اجعلني واليًا على خزائن "مصر"، فإني خازن أمين، ذو علم وبصيرة بما أتولاه.
تفسير السعدي قَالَ يوسف طلبا للمصلحة العامة: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ أي: على خزائن جبايات الأرض وغلالها، وكيلا حافظا مدبرا. إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ أي: حفيظ للذي أتولاه، فلا يضيع منه شيء في غير محله، وضابط للداخل والخارج، عليم بكيفية التدبير والإعطاء والمنع، والتصرف في جميع أنواع التصرفات، وليس ذلك حرصا من يوسف على الولاية، وإنما هو رغبة منه في النفع العام، وقد عرف من نفسه من الكفاءة والأمانة والحفظ ما لم يكونوا يعرفونه.فلذلك طلب من الملك أن يجعله على خزائن الأرض، فجعله الملك على خزائن الأرض وولاه إياها.
تفسير ابن كثيرفقال يوسف ، عليه السلام : ( اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ) مدح نفسه ، ويجوز للرجل ذلك إذا جهل أمره ، للحاجة . وذكر أنه ) حفيظ ) أي : خازن أمين ، ( عليم ) ذو علم وبصر بما يتولاه .قال شيبة بن نعامة : حفيظ لما استودعتني ، عليم بسني الجدب . رواه ابن أبي حاتم .وسأل العمل لعلمه بقدرته عليه ، ولما في ذلك من المصالح للناس وإنما سأل أن يجعل على خزائن الأرض ، وهي الأهرام التي يجمع فيها الغلات ، لما يستقبلونه من السنين التي أخبرهم بشأنها ، ليتصرف لهم على الوجه الأحوط والأصلح والأرشد ، فأجيب إلى ذلك رغبة فيه ، وتكرمة له; ولهذا قال تعالى :
تفسير القرطبيقوله تعالى : قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم فيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : قال اجعلني على خزائن الأرض قال سعيد بن منصور : سمعت مالك بن أنس يقول : مصر خزانة الأرض ; أما سمعت إلى قوله : اجعلني على خزائن الأرض أي على حفظها ، فحذف المضاف . إني حفيظ لما وليت عليم بأمره . وفي التفسير : إني حاسب كاتب ; وأنه أول من كتب في القراطيس . وقيل : حفيظ لتقدير الأقوات عليم بسني المجاعات . قال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ولكن أخر ذلك عنه سنة . قال ابن عباس : لما انصرمت السنة من يوم سأل الإمارة دعاه الملك فتوجه ورداه بسيفه ، ووضع له سريرا من ذهب ، مكللا بالدر والياقوت ، وضرب عليه حلة من إستبرق ; وكان طول السرير ثلاثين ذراعا وعرضه عشرة أذرع ، عليه ثلاثون فراشا وستون مرفقة ، ثم أمره أن يخرج ، فخرج متوجا ، لونه كالثلج ، ووجهه كالقمر ; يرى الناظر وجهه من صفاء لون وجهه ، فجلس على السرير ودانت له الملوك ، ودخل الملك بيته مع نسائه ، وفوض إليه أمر مصر ، وعزل قطفير عما كان عليه وجعل يوسف مكانه . قال ابن زيد : كان لفرعون ملك مصر خزائن كثيرة غير الطعام ، فسلم سلطانه كله إليه ، وهلك قطفير تلك الليالي ، فزوج الملك يوسف راعيل امرأة العزيز ، فلما دخل عليها قال : أليس هذا خيرا مما كنت تريدين ؟ ! فقالت : أيها الصديق لا تلمني ; فإني كنت امرأة حسناء ناعمة كما ترى ، وكان صاحبي لا يأتي النساء ، وكنت كما جعلك الله من الحسن فغلبتني نفسي . فوجدها يوسف عذراء فأصابها فولدت له رجلين : إفراثيم بن يوسف ، ومنشا بن يوسف . وقال وهب بن منبه : إنما كان تزويجه زليخاء امرأة العزيز بين دخلتي الإخوة ، وذلك أن زليخاء مات زوجها ويوسف في السجن ، وذهب مالها وعمي بصرها بكاء على يوسف ، فصارت تتكفف الناس ، فمنهم من يرحمها ومنهم من لا يرحمها ، وكان يوسف يركب في كل أسبوع مرة في موكب زهاء مائة ألف من عظماء قومه ، فقيل لها : لو تعرضت له لعله يسعفك بشيء ; ثم قيل لها : لا تفعلي ، فربما ذكر بعض ما كان منك من المراودة والسجن فيسيء إليك ، فقالت : أنا أعلم بخلق حبيبي منكم ، ثم تركته حتى إذا ركب في موكبه ، قامت فنادت بأعلى صوتها : سبحان من جعل الملوك عبيدا بمعصيتهم ، وجعل العبيد ملوكا بطاعتهم ، فقال يوسف : ما هذه ؟ فأتوا بها ; فقالت : أنا التي كنت أخدمك على صدور قدمي ، وأرجل جمتك بيدي ، وتربيت في بيتي ، وأكرمت مثواك ، لكن فرط ما فرط من جهلي وعتوي فذقت وبال أمري ، فذهب مالي ، وتضعضع ركني ، وطال ذلي ، وعمي بصري ، وبعدما كنت مغبوطة أهل مصر صرت مرحومتهم ، أتكفف الناس ، فمنهم من يرحمني ، ومنهم من لا يرحمني ، وهذا جزاء المفسدين ; فبكى يوسف بكاء شديدا ، ثم قال لها : هل بقيت تجدين مما كان في نفسك من حبك لي شيئا ؟ فقالت : والله لنظرة إلى وجهك أحب إلي من الدنيا بحذافيرها ، لكن ناولني صدر سوطك ، فناولها فوضعته على صدرها ، فوجد للسوط في يده اضطرابا وارتعاشا من خفقان قلبها ، فبكى ثم مضى إلى منزله فأرسل إليها رسولا : إن كنت أيما تزوجناك ، وإن كنت ذات بعل أغنيناك ، فقالت للرسول : أعوذ بالله أن يستهزئ بي الملك ! لم يردني أيام شبابي وغناي ومالي وعزي أفيريدني اليوم وأنا عجوز عمياء فقيرة ؟ ! فأعلمه الرسول بمقالتها ، فلما ركب في الأسبوع الثاني تعرضت له ، فقال لها : ألم يبلغك الرسول ؟ فقالت : قد أخبرتك أن نظرة واحدة إلى وجهك أحب إلي من الدنيا وما فيها ; فأمر بها فأصلح من شأنها وهيئت ، ثم زفت إليه ، فقام يوسف يصلي ويدعو الله ، وقامت وراءه ، فسأل الله تعالى أن يعيد إليها شبابها وجمالها وبصرها ، فرد الله عليها شبابها وجمالها وبصرها حتى عادت أحسن ما كانت يوم راودته ، إكراما ليوسف - عليه السلام - لما عف عن محارم الله ، فأصابها فإذا هي عذراء ، فسألها ; فقالت : يا نبي الله إن زوجي كان عنينا لا يأتي النساء ، وكنت أنت من الحسن والجمال بما لا يوصف ; قال : فعاشا في خفض عيش ، في كل يوم يجدد الله لهما خيرا ، وولدت له ولدين ; إفراثيم ومنشا . وفيما روي أن الله تعالى ألقى في قلب يوسف من محبتها أضعاف ما كان في قلبها ، فقال لها : ما شأنك لا تحبينني كما كنت في أول مرة ؟ فقالت له : لما ذقت محبة الله تعالى شغلني ذلك عن كل شيء .الثانية : قال بعض أهل العلم : في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر ، والسلطان الكافر ، بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فعل لا يعارضه فيه ، فيصلح منه ما شاء ; وأما إذا كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره فلا يجوز ذلك . وقال قوم : إن هذا كان ليوسف خاصة ، وهذا اليوم غير جائز ; والأول أولى إذا كان على الشرط الذي ذكرناه . والله أعلم . قال الماوردي : فإن كان المولي ظالما فقد اختلف الناس في جواز الولاية من قبله على قولين : أحدهما - جوازها إذا عمل بالحق فيما تقلده ; لأن يوسف ولي من قبل فرعون ، ولأن الاعتبار في حقه بفعله لا بفعل غيره . الثاني : أنه لا يجوز ذلك ; لما فيه من تولي الظالمين بالمعونة لهم ، وتزكيتهم بتقلد أعمالهم ; فأجاب من ذهب إلى هذا المذهب عن ولاية يوسف من قبل فرعون بجوابين : أحدهما : أن فرعون يوسف كان صالحا ، وإنما الطاغي فرعون موسى . الثاني : أنه نظر في أملاكه دون أعماله ، فزالت عنه التبعة فيه . قال الماوردي : والأصح من إطلاق هذين القولين أن يفصل ما يتولاه من جهة الظالم على ثلاثة أقسام : أحدها : ما يجوز لأهله فعله من غير اجتهاد في تنفيذه كالصدقات والزكوات ، فيجوز توليه من جهة الظالم ، لأن النص على مستحقه قد أغنى عن الاجتهاد فيه ، وجواز تفرد أربابه به قد أغنى عن التقليد . والقسم الثاني : ما لا يجوز أن يتفردوا به ويلزم الاجتهاد في مصرفه كأموال الفيء ، فلا يجوز توليه من جهة الظالم ; لأنه يتصرف بغير حق ، ويجتهد فيما لا يستحق . والقسم الثالث : ما يجوز أن يتولاه لأهله ، وللاجتهاد فيه مدخل كالقضايا والأحكام ، فعقد التقليد محلول ، فإن كان النظر تنفيذا للحكم بين متراضيين ، وتوسطا بين مجبورين جاز ، وإن كان إلزام إجبار لم يجز .الثالثة : ودلت الآية أيضا على جواز أن يخطب الإنسان عملا يكون له أهلا ; فإن قيل : فقد روى مسلم عن عبد الرحمن بن سمرة قال : قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها . وعن أبي بردة قال : قال أبو موسى : أقبلت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعي رجلان من الأشعريين ، أحدهما عن يميني والآخر عن يساري ، فكلاهما سأل العمل ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يستاك ، فقال : ما تقول يا أبا موسى - أو يا عبد الله بن قيس . قال قلت : والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما ، وما شعرت أنهما يطلبان العمل ، قال : وكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلصت ، فقال : لن - أو - لا نستعمل على عملنا من أراده وذكر الحديث ; خرجه مسلم أيضا وغيره ; فالجواب : أولا : أن يوسف - عليه السلام - إنما طلب الولاية لأنه علم أنه لا أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم فرأى أن ذلك فرض متعين عليه فإنه لم يكن هناك غيره ، وهكذا الحكم اليوم ، لو علم إنسان من نفسه أنه يقوم بالحق في القضاء أو الحسبة ولم يكن هناك من يصلح ولا يقوم مقامه لتعين ذلك عليه ، ووجب أن يتولاها ويسأل ذلك ، ويخبر بصفاته التي يستحقها به من العلم والكفاية وغير ذلك ، كما قال يوسف - عليه السلام - : فأما لو كان هناك من يقوم بها ويصلح لها وعلم بذلك فالأولى ألا يطلب ; لقوله - عليه السلام - لعبد الرحمن : لا تسأل الإمارة وأيضا فإن في سؤالها والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها وصعوبة التخلص منها دليلا على أنه يطلبها لنفسه ولأغراضه ، ومن كان هكذا يوشك أن تغلب عليه نفسه فيهلك ; وهذا معنى قوله - عليه السلام - : ( وكل إليها ومن أباها لعلمه بآفاتها ، ولخوفه من التقصير في حقوقها فر منها ، ثم إن ابتلي بها فيرجى له التخلص منها ، وهو معنى قوله : أعين عليها . الثاني : أنه لم يقل : إني حسيب كريم ، وإن كان كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ولا قال : إني جميل مليح ، إنما قال : إني حفيظ عليم فسألها بالحفظ والعلم ، لا بالنسب والجمال . الثالث : إنما قال ذلك عند من لا يعرفه فأراد تعريف نفسه ، وصار ذلك مستثنى من قوله تعالى : فلا تزكوا أنفسكم . الرابع : أنه رأى ذلك فرضا متعينا عليه ; لأنه لم يكن هنالك غيره ، وهو الأظهر ، والله أعلم .الرابعة ودلت الآية أيضا على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بما فيه من علم وفضل ; قال الماوردي : وليس هذا على الإطلاق في عموم الصفات ، ولكنه مخصوص فيما اقترن بوصله ، أو تعلق بظاهر من مكسب ، وممنوع منه فيما سواه ، لما فيه من تزكية ومراءاة ، ولو ميزه الفاضل عنه لكان أليق بفضله ; فإن يوسف دعته الضرورة إليه لما سبق من حاله ، ولما يرجو من الظفر بأهله .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه: قال يوسف للملك: اجعلني على خزائن أرضك.* * *وهي جمع " خِزَانة ".* * *و " الألف واللام " دخلتا في" الأرض " خلفًا من الإضافة ، كما قال الشاعر: &; 16-149 &; (3)والأَحْلامُ غَيْرُ عَوَازِبِ (4)* * *وهذا من يوسف صلوات الله عليه، مسألة منه للملك أن يولّيه أمر طعام بلده وخراجها ، والقيام بأسباب بلده ، ففعل ذلك الملك به، فيما بلغني، كما:-19453 - حدثني يونس قال ،أخبرنا ابن وهب قال ،قال ابن زيد في قوله: (اجعلني على خزائن الأرض)، قال: كان لفرعون خزائن كثيرة غير الطعام قال: فأسلم سلطانه كُلَّه إليه ، وجعل القضاء إليه ، أمرُه وقضاؤه نافذٌ.19454- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا إبراهيم بن المختار ، عن شيبة الضبي ، في قوله: (اجعلني على خزائن الأرض)، قال: على حفظ الطعام (5) .* * *وقوله: (إني حفيظ عليم) اختلف أهل التأويل في تأويله.فقال بعضهم: معنى ذلك: إني حفيظ لما استودعتني، عليم بما وليتني .*ذكر من قال ذلك:19455 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق: (إني حفيظ عليم)، إني حافظ لما استودعتني ، عالم بما وليتني . قال: قد فعلت.19456 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: (إني حفيظ عليم)، يقول: حفيظ لما وليت ، عليم بأمره.19457 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا إبراهيم بن المختار ، عن شيبة الضبي في قوله: (إني حفيظ عليم) يقول: إني حفيظ لما استودعتني ، عليم بسني المجاعة. (6)* * *وقال آخرون: إني حافظ للحساب ، عليم بالألسن .*ذكر من قال ذلك:19458 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عمرو ، عن الأشجعي: (إني حفيظ عليم) ، حافظ للحساب ، عليم بالألسن.* * *قال أبو جعفر : وأولى القولين عندنا بالصواب ، قولُ من قال: معنى ذلك: " إني حافظ لما استودعتني ، عالم بما أوليتني"، لأن ذلك عقيب قوله: (اجعلني على خزائن الأرض)، ومسألته الملك استكفاءه خزائن الأرض ، فكان إعلامه بأن عنده خبرةً في ذلك وكفايته إياه ، أشبه من إعلامه حفظه الحساب، ومعرفته بالألسن . (7)* * *----------------------الهوامش:(3) هو النابغة الذبياني .(4) سلف البيت وتخريجه وشرحه 5 : 160 /13 : 106 ، وهو :لَهُمْ شِيمَةٌ لَمْ يُعْطِهَا الدَّهُرْ غَيْرَهُممِنَ النَّاسِ , والأَحْلامُ غيْرُ عَوَازِبِ(5) الأثر : 19454 -" إبراهيم بن المختار التميمي" ، ممن يتقى حديثه ، وبخاصة من رواية محمد بن حميد عنه ، مضى برقم : 4038 ، 14365 ، 17631 .و "شيبة الضبي" ، هو" شيبة بن نعامة الضبي" ،" أبو نعامة" ، ضعيف الحديث لا يحتج به ، مترجم في الكبير 2 / 2 / 143 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 335 ، وميزان الاعتدال 1 : 452 ، ولسان الميزان 3 : 159 .وانظر الإسناد الآتي رقم : 19457 .(6) الأثر : 19457 - انظر بيانه في التعليق على رقم : 19454 .(7) انظر تفسير" حفيظ" فيما سلف 15 : 449 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك، وتفسير" عليم" في فهارس اللغة ( علم ) .
وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَتَبَوَّأُ مِنۡهَا حَيۡثُ يَشَآءُۚ نُصِيبُ بِرَحۡمَتِنَا مَن نَّشَآءُۖ وَلَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٦التفسير الميسروكما أنعم الله على يوسف بالخلاص من السجن مكَّن له في أرض "مصر" ينزل منها أي منزل شاءه. يصيب الله برحمته من يشاء من عباده المتقين، ولا يضيع أجر مَن أحسن شيئًا مِن العمل الصالح.
تفسير السعدي وَكَذَلِكَ أي: بهذه الأسباب والمقدمات المذكورة، مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ في عيش رغد، ونعمة واسعة، وجاه عريض، نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ أي: هذا من رحمة الله بيوسف التي أصابه بها وقدرها له، وليست مقصورة على نعمة الدنيا. وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ويوسف عليه السلام من سادات المحسنين، فله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة
تفسير ابن كثيريقول تعالى : ( وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ) أي : أرض مصر ، ( يتبوأ منها حيث يشاء )قال السدي ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : يتصرف فيها كيف يشاء .وقال ابن جرير : يتخذ منها منزلا حيث يشاء بعد الضيق والحبس والإسار . ( نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ) أي : وما أضعنا صبر يوسف على أذى إخوته ، وصبره على الحبس بسبب امرأة العزيز; فلهذا أعقبه الله عز وجل السلامة والنصر والتأييد ( ولا نضيع أجر المحسنين).
تفسير القرطبيقوله تعالى : وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنينقوله تعالى : وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء أي ومثل هذا الإنعام الذي أنعمنا عليه في تقريبه إلى قلب الملك ، وإنجائه من السجن مكنا له في الأرض ; أي أقدرناه على ما يريد . وقال إلكيا الطبري قوله تعالى : وكذلك مكنا ليوسف في الأرض دليل على إجازة الحيلة في التوصل إلى المباح ، وما فيه الغبطة والصلاح ، واستخراج الحقوق ، ومثله قوله تعالى : وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث وحديث أبي سعيد الخدري في عامل خيبر ، والذي أداه من التمر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما قاله . قلت : وهذا مردود على ما يأتي . يقال : مكناه ومكنا له ، قال الله تعالى : مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم . قال الطبري : استخلف الملك الأكبر الوليد بن الريان يوسف على عمل إطفير وعزله ; قال مجاهد : وأسلم على يديه . قال ابن عباس : ملكه بعد سنة ونصف . وروى مقاتل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لو أن يوسف قال إني حفيظ عليم إن شاء الله لملك في وقته . ثم مات إطفير فزوجه الوليد بزوجة إطفير راعيل ، فدخل بها يوسف فوجدها عذراء ، وولدت له ولدين : إفراثيم ومنشا ، ابني يوسف ، ومن زعم أنها زليخاء قال : لم يتزوجها يوسف ، وأنها لما رأته في موكبه بكت ، ثم قالت : الحمد لله الذي جعل الملوك عبيدا بالمعصية ، والحمد لله الذي جعل العبيد بالطاعة ملوكا ، فضمها إليه ، فكانت من عياله حتى ماتت عنده ، ولم يتزوجها ; ذكره الماوردي ; وهو خلاف ما تقدم عن وهب ، وذكره الثعلبي ; فالله أعلم . ولما فوض الملك أمر مصر إلى يوسف تلطف بالناس ، وجعل يدعوهم إلى الإسلام حتى آمنوا به ، وأقام فيهم العدل ، فأحبه الرجال والنساء ، قال وهب والسدي وابن عباس وغيرهم : ثم دخلت السنون المخصبة ، فأمر يوسف بإصلاح المزارع ، وأمرهم أن يتوسعوا في الزراعة ، فلما أدركت الغلة أمر بها فجمعت ، ثم بنى لها الأهراء ، فجمعت فيها في تلك السنة غلة ضاقت عنها المخازن لكثرتها ، ثم جمع عليه غلة كل سنة كذلك ، حتى إذا انقضت السبع المخصبة وجاءت السنون المجدبة نزل جبريل وقال : يا أهل مصر جوعوا ; فإن الله سلط عليكم الجوع سبع سنين . وقال بعض أهل الحكمة : للجوع والقحط علامتان : إحداهما : أن النفس تحب الطعام أكثر من العادة ، ويسرع إليها الجوع خلاف ما كانت عليه قبل ذلك ، وتأخذ من الطعام فوق الكفاية . والثانية : أن يفقد الطعام فلا يوجد رأسا ويعز إلى الغاية ، فاجتمعت هاتان العلامتان في عهد يوسف ، فانتبه الرجال والنساء والصبيان ينادون الجوع الجوع !! ويأكلون ولا يشبعون ، وانتبه الملك ، ينادي الجوع الجوع !! قال : فدعا له يوسف فأبرأه الله من ذلك ، ثم أصبح فنادى يوسف في أرض مصر كلها ; معاشر الناس ! لا يزرع أحد زرعا فيضيع البذر ولا يطلع شيء . وجاءت تلك السنون بهول عظيم لا يوصف ; قال ابن عباس : لما كان ابتداء القحط بينا الملك في جوف الليل أصابه الجوع في نصف الليل ، فهتف الملك يا يوسف ! الجوع الجوع !! فقال يوسف : هذا أوان القحط ; فلما دخلت أول سنة من سني القحط هلك فيها كل شيء أعدوه في السنين المخصبة ، فجعل أهل مصر يبتاعون الطعام من يوسف ; فباعهم أول سنة بالنقود ، حتى لم يبق بمصر دينار ولا درهم إلا قبضه ; وباعهم في السنة الثانية بالحلي والجواهر ، حتى لم يبق في أيدي الناس منها شيء ; وباعهم في السنة الثالثة بالمواشي والدواب ، حتى احتوى عليها أجمع ، وباعهم في السنة الرابعة بالعبيد والإماء ، حتى احتوى على الكل ; وباعهم في السنة الخامسة بالعقار والضياع ، حتى ملكها كلها ; وباعهم في السنة السادسة بأولادهم ونسائهم فاسترقهم جميعا وباعهم في السنة السابعة برقابهم ، حتى لم يبق في السنة السابعة بمصر حر ولا عبد إلا صار عبدا له ; فقال الناس : والله ما رأينا ملكا أجل ولا أعظم من هذا ; فقال يوسف لملك مصر : كيف رأيت صنع ربي فيما خولني ! والآن كل هذا لك ، فما ترى فيه ؟ فقال : فوضت إليك الأمر فافعل ما شئت ، وإنما نحن لك تبع ; وما أنا بالذي يستنكف عن عبادتك وطاعتك ، ولا أنا إلا من بعض مماليكك ، وخول من خولك ; فقال يوسف - عليه السلام - : إني لم أعتقهم من الجوع لأستعبدهم ، ولم أجرهم من البلاء لأكون عليهم بلاء ; وإني أشهد الله وأشهدك أني أعتقت أهل مصر عن آخرهم ، ورددت عليهم أموالهم وأملاكهم ، ورددت عليك ملكك بشرط أن تستن بسنتي . ويروى أن يوسف - عليه السلام - كان لا يشبع من طعام في تلك السنين ، فقيل له : أتجوع وبيدك خزائن الأرض ؟ فقال : إني أخاف إن شبعت أن أنسى الجائع ; وأمر يوسف طباخ الملك أن يجعل غذاءه نصف النهار ، حتى يذوق الملك طعم الجوع . فلا ينسى الجائعين ; فمن ثم جعل الملوك غذاءهم نصف النهار .قوله تعالى : نصيب برحمتنا من نشاء أي بإحساننا ; والرحمة النعمة والإحسان .ولا نضيع أجر المحسنين أي ثوابهم . وقال ابن عباس ووهب : يعني الصابرين ; لصبره في الجب ، وفي الرق ، وفي السجن ، وصبره عن محارم الله عما دعته إليه المرأة . وقال الماوردي : واختلف فيما أوتيه يوسف من هذه الحال على قولين : أحدهما : أنه ثواب من الله تعالى على ما ابتلاه . الثاني : أنه أنعم الله عليه بذلك تفضلا منه عليه ، وثوابه باق على حاله في الآخرة .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56)قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: وهكذا وطَّأنا ليوسف في الأرض (8) ، يعني أرض مصر ، (يتبوأ منها حيث يشاء)، يقول: يتخذ من أرض مصر منزلا حيث يشاء، بعد الحبس والضيق (9) ، (نصيب برحمتنا من نشاء)، من خلقنا، كما أصبنا يوسف بها ، فمكنا له في الأرض بعد العبودة والإسار، وبعد الإلقاء في الجبّ ، (ولا نضيع أجر المحسنين)، يقول: ولا نبطل جزاء عمل من أحسن فأطاع ربه، وعمل بما أمره، وانتهى عما نهاه عنه ، كما لم نبطل جزاء عمل يوسف إذ أحسن فأطاع الله . (10)* * *وكان تمكين الله ليوسف في الأرض كما:-19459 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال: لما قال يوسف للملك: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ قال الملك: قد فعلت ! فولاه فيما يذكرون عمل إطفير وعزل إطفير عما كان عليه ، يقول الله: (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء)، الآية. قال: فذكر لي، والله أعلم أن إطفير هَلَك في تلك الليالي ، وأن الملك الرَّيان بن الوليد، زوَّج يوسف امرأة إطفير راعيل ، وأنها حين دخلت عليه قال: أليس هذا خيرًا مما كنت تريدين؟ قال: فيزعمون أنها قالت: أيُّها الصديق، لا تلمني ، فإني كنت امرأة كما ترى حسنًا وجمالا ناعمةً في ملك ودنيا ، وكان صاحبي لا يأتي النساء ، وكنتَ كما جعلك الله في حسنك وهيئتك ، فغلبتني نفسي على ما رأيت . فيزعمون أنه وجدَها عذراء ، فأصابها ، فولدت له رجلين: أفرائيم بن يوسف ، وميشا بن يوسف.19460 - حدثني ابن وكيع قال ، حدثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي &; 16-152 &; (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء) قال: استعمله الملك على مصر ، وكان صاحب أمرها ، وكان يلي البيعَ والتجارة وأمرَها كله ، فذلك قوله: (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء).19461 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ،قال ابن زيد في قوله: (يتبوأ منها حيث يشاء) قال: ملكناه فيما يكون فيها حيث يشاء من تلك الدنيا ، يصنع فيها ما يشاء ، فُوِّضَتْ إليه . قال: ولو شاء أن يجعَل فرعون من تحت يديه ، ويجعله فوقه لفعل.19462 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو قال ،أخبرنا هشيم ، عن أبي إسحاق الكوفي ، عن مجاهد قال: أسلم الملك الذي كان معه يوسف.----------------------الهوامش:(8) انظر تفسير" التمكين" فيما سلف ص : 20 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .(9) انظر تفسير" تبوأ" فيما سلف 15 : 198 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .(10) انظر تفسير" الأجر" و" الإحسان" فيما سلف من فهارس اللغة ( أجر ) ، ( حسن )
وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ٥٧التفسير الميسرولَثواب الآخرة عند الله أعظم من ثواب الدنيا لأهل الإيمان والتقوى الذين يخافون عقاب الله، ويطيعونه في أمره ونهيه.
تفسير السعدي وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ من أجر الدنيا لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ أي: لمن جمع بين التقوى والإيمان، فبالتقوى تترك الأمور المحرمة من كبائر الذنوب وصغائرها، وبالإيمان التام يحصل تصديق القلب، بما أمر الله بالتصديق به، وتتبعه أعمال القلوب وأعمال الجوارح، من الواجبات والمستحبات.
تفسير ابن كثيريخبر تعالى أن ما ادخره الله لنبيه يوسف ، عليه السلام ، في الدار الآخرة أعظم وأكثر وأجل ، مما خوله من التصرف والنفوذ في الدنيا كما قال تعالى في حق سليمان ، عليه السلام : ( هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ) [ ص : 39 ، 40 ] .والغرض أن يوسف ، عليه السلام ، ولاه ملك مصر الريان بن الوليد الوزارة في بلاد مصر مكان الذي اشتراه من مصر زوج التي راودته ، وأسلم الملك على يدي يوسف ، عليه السلام .قاله مجاهد . وقال محمد بن إسحاق لما قال يوسف للملك : ( اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ) قال الملك : قد فعلت . فولاه فيما ذكروا عمل إطفير وعزل إطفير عما كان عليه ، يقول الله عز وجل : ( وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ) فذكر لي - والله أعلم - أن إطفير هلك في تلك الليالي ، وأن الملك الريان بن الوليد زوج يوسف امرأة إطفير راعيل ، وأنها حين دخلت عليه قال : أليس هذا خيرا مما كنت تريدين ؟ قال : فيزعمون أنها قالت : أيها الصديق ، لا تلمني ، فإني كنت امرأة كما ترى حسناء جميلة ، ناعمة في ملك ودنيا ، وكان صاحبي لا يأتي النساء ، وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك على ما رأيت ، فيزعمون أنه وجدها عذراء ، فأصابها فولدت له رجلين أفرائيم بن يوسف ، وميشا بن يوسف وولد لأفرائيم نون ، والد يوشع بن نون ، ورحمة امرأة أيوب ، عليه السلام .وقال الفضيل بن عياض : وقفت امرأة العزيز على ظهر الطريق ، حتى مر يوسف ، فقالت : الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكا بطاعته ، والملوك عبيدا بمعصيته .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ولأجر الآخرة خير أي ما نعطيه في الآخرة خير وأكثر مما أعطيناه في الدنيا ; لأن أجر الآخرة دائم ، وأجر الدنيا ينقطع ; وظاهر الآية العموم في كل مؤمن متق ; وأنشدوا :أما في رسول الله يوسف أسوة لمثلك محبوسا على الظلم والإفك أقام جميل الصبر في الحبس برهةفآل به الصبر الجميل إلى الملكوكتب بعضهم إلى صديق له :وراء مضيق الخوف متسع الأمن وأول مفروح به آخر الحزنفلا تيأسن فالله ملك يوسفا خزائنه بعد الخلاص من السجنوأنشد بعضهم :إذا الحادثات بلغن النهى وكادت تذوب لهن المهجوحل البلاء وقل العزاء فعند التناهي يكون الفرجوالشعر في هذا المعنى كثير .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَلأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولثواب الله في الآخرة ، ( خير للذين آمنوا ) يقول: للذين صدقوا الله ورسوله، مما أعطى يوسف في الدنيا من تمكينه له في أرض مصر ، (وكانوا يتقون)، يقول: وكانوا يتقون الله، فيخافون عقابه في خلاف أمره واستحلال محارمه ، فيطيعونه في أمره ونهيه .
وَجَآءَ إِخۡوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَعَرَفَهُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٥٨التفسير الميسروقدِمَ إخوة يوسف إلى "مصر" -بعد أن حلَّ بهم الجدب في أرضهم-؛ ليجلبوا منها الطعام، فدخلوا عليه فعرفهم، ولم يعرفوه لطول المدة وتغيُّر هيئته.
تفسير السعديأي: لما تولى يوسف عليه السلام خزائن الأرض، دبرها أحسن تدبير، فزرع في أرض مصر جميعها في السنين الخصبة، زروعا هائلة، واتخذ لها المحلات الكبار، وجبا من الأطعمة شيئا كثيرا وحفظه، وضبطه ضبطا تاما، فلما دخلت السنون المجدبة، وسرى الجدب، حتى وصل إلى فلسطين، التي يقيم فيها يعقوب وبنوه، فأرسل يعقوب بنيه لأجل الميرة إلى مصر. وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ أي: لم يعرفوه.
تفسير ابن كثيرذكر السدي ، ومحمد بن إسحاق ، وغيرهما من المفسرين : أن السبب الذي أقدم إخوة يوسف بلاد مصر ، أن يوسف ، عليه السلام ، لما باشر الوزارة بمصر ، ومضت السبع السنين المخصبة ، ثم تلتها سنين الجدب ، وعم القحط بلاد مصر بكمالها ، ووصل إلى بلاد كنعان ، وهي التي فيها يعقوب ، عليه السلام ، وأولاده . وحينئذ احتاط يوسف ، عليه السلام ، للناس في غلاتهم ، وجمعها أحسن جمع ، فحصل من ذلك مبلغ عظيم ، وأهراء متعددة هائلة ، وورد عليه الناس من سائر الأقاليم والمعاملات ، يمتارون لأنفسهم وعيالهم ، فكان لا يعطى الرجل أكثر من حمل بعير في السنة . وكان ، عليه السلام ، لا يشبع نفسه ولا يأكل هو والملك وجنودهما إلا أكلة واحدة في وسط النهار ، حتى يتكفى الناس بما في أيديهم مدة السبع سنين . وكان رحمة من الله على أهل مصر .وما ذكره بعض المفسرين من أنه باعهم في السنة الأولى بالأموال ، وفي الثانية بالمتاع ، وفي الثالثة بكذا ، وفي الرابعة بكذا ، حتى باعهم بأنفسهم وأولادهم بعدما تملك عليهم جميع ما يملكون ، ثم أعتقهم ورد عليهم أموالهم كلها ، الله أعلم بصحة ذلك ، وهو من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب .والغرض أنه كان في جملة من ورد للميرة إخوة يوسف ، عن أمر أبيهم لهم في ذلك ، فإنه بلغهم أن عزيز مصر يعطي الناس الطعام بثمنه ، فأخذوا معهم بضاعة يعتاضون بها طعاما ، وركبوا عشرة نفر ، واحتبس يعقوب ، عليه السلام ، عنده بنيامين شقيق يوسف ، عليهما السلام ، وكان أحب ولده إليه بعد يوسف . فلما دخلوا على يوسف ، وهو جالس في أبهته ورياسته وسيادته ، عرفهم حين نظر إليهم ، ( وهم له منكرون ) أي : لا يعرفونه; لأنهم فارقوه وهو صغير حدث فباعوه للسيارة ، ولم يدروا أين يذهبون به ، ولا كانوا يستشعرون في أنفسهم أن يصير إلى ما صار إليه ، فلهذا لم يعرفوه ، وأما هو فعرفهم .فذكر السدي وغيره : أنه شرع يخاطبهم ، فقال لهم كالمنكر عليهم : ما أقدمكم بلادي ؟ قالوا : أيها العزيز ، إنا قدمنا للميرة . قال : فلعلكم عيون ؟ قالوا : معاذ الله . قال : فمن أين أنتم ؟ قالوا : من بلاد كنعان ، وأبونا يعقوب نبي الله . قال : وله أولاد غيركم ؟ قالوا : نعم ، كنا اثنى عشر ، فذهب أصغرنا ، هلك في البرية ، وكان أحبنا إلى أبيه ، وبقي شقيقه فاحتبسه أبوه ليتسلى به عنه . فأمر بإنزالهم وإكرامهم .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون قوله تعالى : وجاء إخوة يوسف أي جاءوا إلى مصر لما أصابهم القحط ليمتاروا ; وهذا من اختصار القرآن المعجز . قال ابن عباس وغيره : لما أصاب الناس القحط والشدة ، ونزل ذلك بأرض كنعان بعث يعقوب - عليه السلام - ولده للميرة ، وذاع أمر يوسف - عليه السلام - في الآفاق ، للينه وقربه ورحمته ورأفته وعدله وسيرته ; وكان يوسف - عليه السلام - حين نزلت الشدة بالناس ، يجلس للناس عند البيع بنفسه ، فيعطيهم من الطعام على عدد رءوسهم ، لكل رأس وسقا .وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم يوسفوهم له منكرون لأنهم خلفوه صبيا ، ولم يتوهموا أنه بعد العبودية يبلغ إلى تلك الحال من المملكة ، مع طول المدة ; وهي أربعون سنة . وقيل : أنكروه لأنهم اعتقدوا أنه ملك كافر : وقيل : رأوه لابس حرير ، وفي عنقه طوق ذهب ، وعلى رأسه تاج ، وقد تزيا بزي فرعون مصر ; ويوسف رآهم على ما كان عهدهم في الملبس والحلية . ويحتمل أنهم رأوه وراء ستر فلم يعرفوه . وقيل : أنكروه لأمر خارق امتحانا امتحن الله به يعقوب .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم) ، يوسف، (وهم) ليوسف (منكرون) لا يعرفونه .* * *وكان سبب مجيئهم يوسفَ ، فيما ذكر لي , كما:-19463 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: لما اطمأن يوسف في ملكه , وخرج من البلاء الذي كان فيه , وخلت السنون المخصبة التي كان أمرهم بالإعداد فيها للسنين التي أخبرهم بها أنها كائنة , جُهد الناس في كل وجه , وضربوا إلى مصر يلتمسون بها الميرة من كل بلدة . وكان يوسف حين رأى ما أصاب الناس من الجهد , قد آسى بينهم , (11) وكان لا يحمل للرجل إلا بعيرًا واحدًا , ولا يحمل للرجل الواحد بعيرين , تقسيطًا بين الناس , وتوسيعًا عليهم , (12) فقدم إخوته فيمن قدم عليه من الناس , يلتمسون الميرة من مصر , فعرفهم وهم له منكرون , لما أراد الله أن يبلغ ليوسف عليه السلام فيما أراد. (13)19464- حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو , عن أسباط , عن السدي , قال: أصاب الناس الجوعُ , حتى أصاب بلادَ يعقوب التي هو بها , فبعث بنيه إلى مصر , وأمسك أخا يوسف بنيامين ; فلما دخلوا على يوسف عرفهم وهم له منكرون ; فلما نظر إليهم , قال: أخبروني ما أمركم , فإني أنكر شأنكم ! قالوا: نحن قوم من أرض الشأم . قال: فما جاء بكم قالوا: جئنا نمتار طعامًا . قال: &; 16-154 &; كذبتم , أنتم عيون، كم أنتم؟ قالوا: عشرة . قال: أنتم عشرة آلاف , كل رجل منكم أمير ألف , فأخبروني خبركم. قالوا: إنّا إخوة بنو رجل صِدِّيق , وإنا كنا اثنى عشر , وكان أبونا يحبّ أخًا لنا , وإنه ذهب معنا البرية فهلك منا فيها , وكان أحبَّنا إلى أبينا . قال: فإلى من سكن أبوكم بعده؟ قالوا: إلى أخ لنا أصغر منه . قال: فكيف تخبروني أن أباكم صدِّيق، وهو يحب الصغير منكم دون الكبير؟ ائتوني بأخيكم هذا حتى أنظر إليه فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ * قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ ، قال: فضعُوا بعضكم رهينة حتى ترجعوا. فوضعوا شمعون.19465- حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة: (وهم له منكرون) قال: لا يعرفونه.* * *----------------------الهوامش:(11) في المطبوعة :" أسا بينهم" ، والصواب من المخطوطة . و" آسى بين القوم" ، سوى بينهم ، وجعل كل واحد أسوة لصاحبه ، أي مثله .(12) " التقسيط" التفريق ، أعطى لكل امرئ قسطًا ، وهو من العدل بينهم .(13) في المطبوعة :" ما أراد" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب محض .
وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ قَالَ ٱئۡتُونِي بِأَخٖ لَّكُم مِّنۡ أَبِيكُمۡۚ أَلَا تَرَوۡنَ أَنِّيٓ أُوفِي ٱلۡكَيۡلَ وَأَنَا۠ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ ٥٩التفسير الميسروقد أمر يوسف بإكرامهم وحسن ضيافتهم، ثم أعطاهم من الطعام ما طلبوا، وكانوا قد أخبروه أن لهم أخًا من أبيهم لم يُحضروه معهم -يريدون شقيقه- فقال: ائتوني بأخيكم من أبيكم، ألم تروا أني أوفيتُ لكم الكيل وأكرمتكم في الضيافة، وأنا خير المضيفين لكم؟
تفسير السعدي وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ أي: كال لهم كما كان يكيل لغيرهم، وكان من تدبيره الحسن أنه لا يكيل لكل واحد أكثر من حمل بعير، وكان قد سألهم عن حالهم، فأخبروه أن لهم أخا عند أبيه، وهو بنيامين.ف قَالَ لهم: ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ ثم رغبهم في الإتيان به فقال: أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ في الضيافة والإكرام.
تفسير ابن كثير( ولما جهزهم بجهازهم ) أي : وفاهم كيلهم ، وحمل لهم أحمالهم قال : ائتوني بأخيكم هذا الذي ذكرتم ، لأعلم صدقكم فيما ذكرتم ، (ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين ) يرغبهم في الرجوع إليه
تفسير القرطبيقوله تعالى : ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلينقوله تعالى : ولما جهزهم بجهازهم يقال : جهزت القوم تجهيزا أي تكلفت لهم بجهازهم للسفر ; وجهاز العروس ما يحتاج إليه عند الإهداء إلى الزوج ; وجوز بعض الكوفيين الجهاز بكسر الجيم ; والجهاز في هذه الآية الطعام الذي امتاروه من عنده . قال السدي : وكان مع إخوة يوسف أحد عشر بعيرا ، وهم عشرة ، فقالوا ليوسف : إن لنا أخا تخلف عنا ، وبعيره معنا ; فسألهم لم تخلف ؟ فقالوا : لحب أبيه إياه ، وذكروا له أنه كان له أخ أكبر منه فخرج إلى البرية فهلك ; فقال لهم : أردت أن أرى أخاكم هذا الذي ذكرتم ، لأعلم وجه محبة أبيكم إياه ، وأعلم صدقكم ; ويروى أنهم تركوا عنده شمعون رهينة ، حتى يأتوا بأخيه بنيامين .وقال ابن عباس : قال يوسف للترجمان قل لهم : لغتكم مخالفة للغتنا ، وزيكم مخالف لزينا ، فلعلكم جواسيس ; فقالوا : والله ! ما نحن بجواسيس ، بل نحن بنو أب واحد ، فهو شيخ صديق ; قال : فكم عدتكم ؟ قالوا : كنا اثني عشر فذهب أخ لنا إلى البرية فهلك فيها ; قال : فأين الآخر ؟ قالوا : عند أبينا ; قال : فمن يعلم صدقكم ؟ قالوا : لا يعرفنا هاهنا أحد ، وقد عرفناك أنسابنا ، فبأي شيء تسكن نفسك إلينا ؟ فقال يوسف : ائتوني بأخ لكم من أبيكم إن كنتم صادقين ; فأنا أرضى بذلكألا ترون أني أوفي الكيل أي أتمه ولا أبخسه ، وأزيدكم حمل بعير لأخيكم فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون توعدهم ألا يبيعهم الطعام إن لم يأتوا به .قوله تعالى : ألا ترون أني أوفي الكيل ويحتمل وجهين : أحدهما : أنه رخص لهم في السعر فصار زيادة في الكيل . والثاني : أنه كال لهم بمكيال واف .وأنا خير المنزلين فيه وجهان : أحدهما : أنه خير المضيفين ، لأنه أحسن ضيافتهم ; قال مجاهد . الثاني : وهو محتمل ; أي خير من نزلتم عليه من المأمونين ; وهو على التأويل الأول مأخوذ من النزل وهو الطعام ، وعلى الثاني من المنزل وهو الدار .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59)قال أبو جعفر: يقول: ولما حمَّل يوسف لإخوته أبا عرهم من الطعام , فأوقر لكل رجل منهم بعيرَه , قال لهم: (ائتوني بأخ لكم من أبيكم) كيما أحمل لكم بعيرًا آخر، فتزدادوا به حمل بعير آخر، (ألا ترون أني أوفي الكيل) ، (14) فلا أبخسه &; 16-155 &; أحدًا ، (وأنا خير المنزلين) , وأنا خير من أنزل ضيفًا على نفسه من الناس بهذه البلدة , فأنا أضيفكم . كما:19466- حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (وأنا خير المنزلين) ، يوسف يقوله: (15) أنا خيرُ من يُضيف بمصر.19467- حدثني ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: لما جهز يوسف فيمن جهَّز من الناس , حَمَل لكل رجل منهم بعيرًا بعدّتهم , ثم قال لهم: (ائتوني بأخ لكم من أبيكم) ، أجعل لكم بعيرًا آخر , أو كما قال ، (ألا ترون أني أوفي الكيل) ، أي: لا أبخس الناس شيئًا ، (وأنا خير المنزلين) : ، أي خير لكم من غيري , فإنكم إن أتيتم به أكرمت منزلتكم وأحسنت إليكم , وازددتم به بعيرًا مع عدّتكم , فإني لا أعطي كلّ رجل منكم إلا بعيرًا فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ ، لا تقربوا بلدي.19468- حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: (ائتوني بأخ لكم من أبيكم) ، يعني بنيامين , وهو أخو يوسف لأبيه وأمه.* * *----------------------الهوامش:(14) انظر تفسير" الإيفاء" فيما سلف 15 : 492 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .، وتفسير" الكيل" فيما سلف 15 : 446 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .(15) في المطبوعة :" يوسف يقول" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب .
فَإِن لَّمۡ تَأۡتُونِي بِهِۦ فَلَا كَيۡلَ لَكُمۡ عِندِي وَلَا تَقۡرَبُونِ ٦٠التفسير الميسرفإن لم تأتوني به فليس لكم عندي طعام أكيله لكم، ولا تأتوا إليَّ.
تفسير السعديثم رهبهم بعدم الإتيان به، فقال: فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ وذلك لعلمه باضطرارهم إلى الإتيان إليه، وأن ذلك يحملهم على الإتيان به.
تفسير ابن كثيرثم رهبهم فقال : ( فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون ) أي : إن لم تقدموا به معكم في المرة الثانية ، فليس لكم عندي ميرة ، ( ولا تقربون)
تفسير القرطبيقوله تعالى : فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي أي فلا أبيعكم شيئا فيما بعد ، لأنه قد وفاهم كيلهم في هذه الحال . ولا تقربون أي لا أنزلكم عندي منزلة القريب ، ولم يرد أنهم يبعدون منه ولا يعودون إليه ; لأنه على العود حثهم . قال السدي : وطلب منهم رهينة حتى يرجعوا ; فارتهن شمعون عنده ; قال الكلبي : إنما اختار شمعون منهم لأنه كان يوم الجب أجملهم قولا ، وأحسنهم رأيا . و " تقربون " في موضع جزم بالنهي ، فلذلك حذفت منه النون وحذفت الياء ; لأنه رأس آية ; ولو كان خبرا لكان تقربون بفتح النون .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ (60)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل يوسف لإخوته: (فإن لم تأتوني به) ، بأخيكم من أبيكم ، (فلا كيل لكم عندي) ، يقول: فليس لكم عندي طعام أكيله لكم ، (ولا تقربون) ، يقول: ولا تقربوا بلادي .وقوله: (ولا تقربون) ، في موضع جزم بالنهي , و " النون " في موضع نصب , وكسرت لما حذفت ياؤها , والكلام: ولا تقربُوني .
قَالُواْ سَنُرَٰوِدُ عَنۡهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَٰعِلُونَ ٦١التفسير الميسرقالوا: سنبذل جهدنا لإقناع أبيه أن يرسله معنا، ولن نقصِّر في ذلك.
تفسير السعديف قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ دل هذا على أن يعقوب عليه السلام كان مولعا به لا يصبر عنه، وكان يتسلى به بعد يوسف، فلذلك احتاج إلى مراودة في بعثه معهم وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ لما أمرتنا
تفسير ابن كثيرأي : سنحرص على مجيئه إليك بكل ممكن ولا نبقي مجهودا لتعلم صدقنا فيما قلناه .وذكر السدي : أنه أخذ منهم رهائن حتى يقدموا به معهم . وفي هذا نظر; لأنه أحسن إليهم ورغبهم كثيرا ، وهذا لحرصه على رجوعهم .
تفسير القرطبيقوله تعالى : قالوا سنراود عنه أباه أي سنطلبه منه ، ونسأله أن يرسله معنا .وإنا لفاعلون أي لضامنون المجيء به ، ومحتالون في ذلك .مسألة : إن قيل : كيف استجاز يوسف إدخال الحزن على أبيه بطلب أخيه ؟ قيل له : عن هذا أربعة أجوبة : أحدها : يجوز أن يكون الله - عز وجل - أمره بذلك ابتلاء ليعقوب ، ليعظم له الثواب ; فاتبع أمره فيه . الثاني : يجوز أن يكون أراد بذلك أن ينبه يعقوب على حال يوسف - عليهما السلام - . الثالث : لتتضاعف المسرة ليعقوب برجوع ولديه عليه . الرابع : ليقدم سرور أخيه بالاجتماع معه قبل إخوته ; لميل كان منه إليه ; والأول أظهر . والله أعلم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (61)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال إخوة يوسف ليوسف إذ قال لهم: ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ : قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ ، ونسأله أن يخليّه معنا حتى نجيء به إليك (16) ، وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ يعنون بذلك: وإنا لفاعلون ما قلنا لك إنا نفعله من مراودة أبينا عن أخينا منه ولنجتهدنَّ كما:-19469- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ ، لنجتهدنّ.* * *----------------------الهوامش:(16) انظر تفسير" المراودة" فيما سلف ص : 138 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
وَقَالَ لِفِتۡيَٰنِهِ ٱجۡعَلُواْ بِضَٰعَتَهُمۡ فِي رِحَالِهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَعۡرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٦٢التفسير الميسروقال يوسف لغلمانه: اجعلوا ثمن ما أخذوه في أمتعتهم سرًا؛ رجاء أن يعرفوه إذا رجعوا إلى أهلهم، ويقدِّروا إكرامنا لهم؛ ليرجعوا طمعًا في عطائنا.
تفسير السعدي وَقَالَ يوسف لِفِتْيَانِهِ الذين في خدمته: اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ أي: الثمن الذي اشتروا به من الميرة. فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا أي: بضاعتهم إذا رأوها بعد ذلك في رحالهم، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ لأجل التحرج من أخذها على ما قيل، والظاهر أنه أراد أن يرغبهم في إحسانه إليهم بالكيل لهم كيلا وافيا، ثم إعادة بضاعتهم إليهم على وجه لا يحسون بها، ولا يشعرون لما يأتي، فإن الإحسان يوجب للإنسان تمام الوفاء للمحسن.
تفسير ابن كثير( وقال لفتيانه ) أي : غلمانه ( اجعلوا بضاعتهم ) وهي التي قدموا بها ليمتاروا عوضا عنها ( في رحالهم ) أي : في أمتعتهم من حيث لا يشعرون ، ( لعلهم يرجعون ) بها .قيل : خشي يوسف ، عليه السلام ، ألا يكون عندهم بضاعة أخرى يرجعون للميرة بها . وقيل : تذمم أن يأخذ من أبيه وإخوته عوضا عن الطعام . وقيل : أراد أن يردهم إذا وجدوها في متاعهم تحرجا وتورعا لأنه يعلم ذلك منهم . والله أعلم .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون قوله تعالى : " وقال لفتيته " هذه قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم ; وهي اختيار أبي حاتم والنحاس وغيرهما . وقرأ سائر الكوفيين " لفتيانه " وهو اختيار أبي عبيد ; وقال : هو في مصحف عبد الله كذلك . قال الثعلبي : وهما لغتان جيدتان ; مثل الصبيان والصبية قال النحاس : " لفتيانه " مخالف للسواد الأعظم ; لأنه في السواد لا ألف فيه ولا نون ، ولا يترك السواد المجتمع عليه لهذا الإسناد المنقطع ; وأيضا فإن فتية أشبه من فتيان ; لأن فتية عند العرب لأقل العدد ، والقليل بأن يجعلوا البضاعة في الرحال أشبه . وكان هؤلاء الفتية يسوون جهازهم ، ولهذا أمكنهم جعل بضاعتهم في رحالهم . ويجوز أن يكونوا أحرارا ، وكانوا أعوانا له ، و " بضاعتهم " أثمان ما اشتروه من الطعام . وقيل : كانت دراهم ودنانير . وقال ابن عباس : النعال والأدم ومتاع المسافر ، ويسمى رحلا ; قال ابن الأنباري : يقال للوعاء رحل ، وللبيت رحل . وقال : لعلهم يعرفونها لجواز ألا تسلم في الطريق . وقيل : إنما فعل ذلك ليرجعوا إذا وجدوا ذلك ; لعلمه أنهم لا يقبلون الطعام إلا بثمنه . قيل : ليستعينوا بذلك على الرجوع لشراء الطعام . وقيل : استقبح أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمن الطعام . وقيل : ليروا فضله ، ويرغبوا في الرجوع إليه .
تفسير الطبريوقوله: (وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم) ، يقول تعالى ذكره: وقال يوسف ، " لفتيانه " , وهم غلمانه، (17) كما:-19470- حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: (وقال لفتيانه) ، أي: لغلمانه.* * *(اجعلوا بضاعتهم في رحالهم) ، يقول: اجعلوا أثمان الطعام التي أخذتموها منهم (18) ، " في رحالهم ".و " الرحال "، جمع " رَحْل " , وذلك جمع الكثير , فأما القليل من الجمع منه فهو: " أرْحُل " , وذلك جمع ما بين الثلاثة إلى العشرة .* * *وبنحو الذي قلنا في معنى " البضاعة " ، قال أهل التأويل .*ذكر من قال ذلك:19471- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد , قال، حدثنا سعيد , عن قتادة: (اجعلوا بضاعتهم في رحالهم) : أي: أوراقهم (19)19472- حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: ثم أمر ببضاعتهم التي أعطاهم بها ما أعطاهم من الطعام , فجعلت في رحالهم وهم لا يعلمون.19473- حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو , عن أسباط , عن السدي قال: وقال لفتيته وهو يكيل لهم: " اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون " إليّ.* * *فإن قال قائل: ولأيّةِ علة أمر يوسف فتيانه أن يجعلوا بضاعة إخوته في رحالهم؟قيل: يحتمل ذلك أوجهًا:أحدها: أن يكون خَشي أن لا يكون عند أبيه دراهم , إذ كانت السَّنة سنة جَدْب وقَحْط , فيُضِرُّ أخذ ذلك منهم به، وأحبّ أن يرجع إليه .، أو: أرادَ أن يتسع بها أبوه وإخوته، مع [قلّة] حاجتهم إليه , (20) فردَّه عليهم من حيث لا يعلمون سبب ردّه ، تكرمًا وتفضُّلا.والثالث: وهو أن يكون أراد بذلك أن لا يخلفوه الوعد في الرجوع , إذا وجدوا في رحالهم ثمن طعام قد قبضوه وملَكهُ عليهم غيرهم، عوضًا من طعامه , (21) ويتحرّجوا من إمساكهم ثمن طعام قد قبضوه حتى يؤدُّوه على صاحبه , فيكون ذلك أدعى لهم إلى العود إليه .----------------------الهوامش:(17) انظر تفسير" الفتى" فيما سلف ص : 94 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .(18) انظر تفسير" البضاعة" فيما سلف ص 4 - 7(19) " الأوراق" جمع" ورق" ( بفتح فكسر ) ، و" ورق" ( بفتحتين ) ، وهو الفضة ، أو المال كله ما كان .(20) في المخطوطة :" وأراد" ، والصواب" أو" كما في المطبوعة . والذي بين القوسين ليس في المخطوطة أيضًا ، فزدته استظهارًا ، لحاجة المعنى إليه .(21) في المطبوعة :" عوضًا من طعامهم" ، وإنما فعل ذلك لأن معنى الكلام خفي عليه .وهو كلام بلا شك خفي المعنى ، ومعناه : أن هذا الثمن قد ملكه غيرهم ، وغلبهم على ملكه من أعطاهم هذا الطعام عوضًا عن الثمن .
فَلَمَّا رَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيهِمۡ قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلۡكَيۡلُ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَآ أَخَانَا نَكۡتَلۡ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٦٣التفسير الميسرفلما رجعوا إلى أبيهم قصُّوا عليه ما كان من إكرام العزيز لهم، وقالوا: إنه لن يعطينا مستقبَلا إلا إذا كان معنا أخونا الذي أخبرناه به، فأرسلْه معنا نحضر الطعام وافيًا، ونتعهد لك بحفظه.
تفسير السعدي فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ أي: إن لم ترسل معنا أخانا، فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ أي: ليكون ذلك سببا لكيلنا، ثم التزموا له بحفظه، فقالوا: وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ من أن يعرض له ما يكره.
تفسير ابن كثيريخبر تعالى عنهم إنهم رجعوا إلى أبيهم ( قالوا ياأبانا منع منا الكيل ) يعنون بعد هذه المرة ، إن لم ترسل معنا أخانا بنيامين ، فأرسله معنا نكتل .وقرأ بعضهم : [ يكتل ] بالياء ، أي يكتل هو ، ( وإنا له لحافظون ) أي : لا تخف عليه فإنه سيرجع إليك . وهذا كما قالوا له في يوسف : ( أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون )
تفسير القرطبيقوله تعالى : فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا لأنه قال لهم : فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي وأخبروه بما كان من أمرهم وإكرامهم إياه ، وأن شمعون مرتهن حتى يعلم صدق قولهم .فأرسل معنا أخانا نكتل أي قالوا عند ذلك : فأرسل معنا أخانا نكتل والأصل نكتال ; فحذفت الضمة من اللام للجزم ، وحذفت الألف لالتقاء الساكنين . وقراءة أهل الحرمين وأبي عمرو وعاصم " نكتل " بالنون وقرأ سائر الكوفيين " يكتل " بالياء ; والأول اختيار أبي عبيد ، ليكونوا كلهم داخلين فيمن يكتال ; وزعم أنه إذا كان بالياء كان للأخ وحده . قال النحاس : وهذا لا يلزم ; لأنه لا يخلو الكلام من أحد جهتين ; أن يكون المعنى : فأرسل أخانا يكتل معنا ; فيكون للجميع ، أو يكون التقدير على غير التقديم والتأخير ; فيكون في الكلام دليل على الجميع ، لقوله : فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي .وإنا له لحافظون من أن يناله سوء .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما رجع إخوة يوسف إلى أبيهم ، ( قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل) ، يقول: منع منا الكيل فوق الكيل الذي كِيلَ لنا , ولم يكل لكل رجُلٍ منّا إلا كيل بعير-(فأرسل معنا أخانا) ، بنيامين يكتلَ لنفسه كيلَ بعير آخر زيادة على كيل أباعِرِنا ، (وإنا له لحافظون) ، من أن يناله مكروه في سفره .* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .*ذكر من قال ذلك:19474- حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو , عن أسباط , عن السدي: فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا: يا أبانا إن ملك مصر أكرمنا كرامةَ ما لو كان رجل من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامته , وإنه ارتهن شمعون , وقال: ائتوني بأخيكم هذا الذي عكف عليه أبوكم بعد أخيكم الذي هلك , فإن لم تأتوني به فلا تقربوا بلادي . قال يعقوب: هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ؟ قال: فقال لهم يعقوب: إذا أتيتم ملك مصر فاقرءوه مني السلام , وقولوا: إن أبانا يصلِّي عليك , ويدعو لك بما أوليتنا.19475-حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق قال: خرجوا حتى قدموا على أبيهم , وكان منزلهم، فيما ذكر لي بعض أهل العلم بالعرَبات من أرض فلسطين بِغَوْرِ الشأم ، وبعض يقول: بالأولاج من ناحية الشّعب، أسفل من حِسْمى (22) ، وكان صاحب بادية له شاءٌ وإبل , فقالوا: يا أبانا، قدمنا على خير رجُلٍ، أنزلنا فأكرم منزلنا، وكال لنا فأوفانا ولم يبخسنا , وقد أمرنا أن نأتِيَه بأخ لنا من أبينا، وقال: إن أنتم لم تفعلوا، فلا تقربُنِّي ولا تدخلُنّ بلدي. فقال لهم يعقوب: هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ؟* * *واختلفت القرأة في قراءة قوله: (نكتل) .فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة، وبعض أهل مكة والكوفة (نَكْتَلْ) ، بالنون , بمعنى: نكتل نحن وهو .* * *وقرأ ذلك عامة قرأة أهل الكوفة: " يَكْتَلْ"، بالياء؛ بمعنى يكتل هو لنفسه، كما نكتال لأنفسنا .* * *قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان متفقتا المعنى , فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ . وذلك أنهم إنما أخبروا أباهم أنه منع منهم زيادةَ الكيل على عدد رءوسهم , فقالوا: (يا أبانا مُنع منا الكيل) ، ثم سألوه أن يرسل معهم أخاهم ليكتال لنفسه , فهو إذا اكتال لنفسه واكتالوا هم لأنفسهم , فقد دخل " الأخ " في عددهم . فسواءٌ كان الخبر بذلك عن خاصة نفسه , أو عن جميعهم بلفظ الجميع , إذ كان مفهوما معنى الكلام وما أريد به .----------------------الهوامش:(22) في المخطوطة :" من حسو" ، والصواب ما في المطبوعة .