ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ ٢التفسير الميسرالله تعالى هو الذي رفع السموات السبع بقدرته من غير عمد كما ترونها، ثم استوى -أي علا وارتفع- على العرش استواء يليق بجلاله وعظمته، وذلَّل الشمس والقمر لمنافع العباد، كلٌّ منهما يدور في فلكه إلى يوم القيامة. يدبِّر سبحانه أمور الدنيا والآخرة، يوضح لكم الآيات الدالة على قدرته وأنه لا إله إلا هو؛ لتوقنوا بالله والمعاد إليه، فتصدقوا بوعده ووعيده وتُخْلصوا العبادة له وحده.
تفسير السعدييخبر تعالى عن انفراده بالخلق والتدبير، والعظمة والسلطان الدال على أنه وحده المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له فقال: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ على عظمها واتساعها بقدرته العظيمة، بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا أي: ليس لها عمد من تحتها، فإنه لو كان لها عمد، لرأيتموها ثُمَّ بعد ما خلق السماوات والأرض اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ العظيم الذي هو أعلى المخلوقات، استواء يليق بجلاله ويناسب كماله. وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لمصالح العباد ومصالح مواشيهم وثمارهم، كُلِّ من الشمس والقمر يَجْرِي بتدبير العزيز العليم، لأَجَلٍ مُسَمًّى بسير منتظم، لا يفتران ولا ينيان، حتى يجيء الأجل المسمى وهو طي الله هذا العالم، ونقلهم إلى الدار الآخرة التي هي دار القرار، فعند ذلك يطوي الله السماوات ويبدلها، ويغير الأرض ويبدلها. فتكور الشمس والقمر، ويجمع بينهما فيلقيان في النار، ليرى من عبدهما أنهما غير أهل للعبادة؛ فيتحسر بذلك أشد الحسرة وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين.وقوله يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ هذا جمع بين الخلق والأمر، أي: قد استوى الله العظيم على سرير الملك، يدبر الأمور في العالم العلوي والسفلي، فيخلق ويرزق، ويغني ويفقر، ويرفع أقواما ويضع آخرين، ويعز ويذل، ويخفض ويرفع، ويقيل العثرات، ويفرج الكربات، وينفذ الأقدار في أوقاتها التي سبق بها علمه، وجرى بها قلمه، ويرسل ملائكته الكرام لتدبير ما جعلهم على تدبيره.وينزل الكتب الإلهية على رسله ويبين ما يحتاج إليه العباد من الشرائع والأوامر والنواهي، ويفصلها غاية التفصيل ببيانها وإيضاحها وتمييزها، لَعَلَّكُمْ بسبب ما أخرج لكم من الآيات الأفقية والآيات القرآنية، بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ فإن كثرة الأدلة وبيانها ووضوحها، من أسباب حصول اليقين في جميع الأمور الإلهية، خصوصا في العقائد الكبار، كالبعث والنشور والإخراج من القبور.وأيضا فقد علم أن الله تعالى حكيم لا يخلق الخلق سدى، ولا يتركهم عبثا، فكما أنه أرسل رسله وأنزل كتبه لأمر العباد ونهيهم، فلا بد أن ينقلهم إلى دار يحل فيها جزاؤه، فيجازي المحسنين بأحسن الجزاء، ويجازي المسيئين بإساءتهم.
تفسير ابن كثيريخبر الله تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه : أنه الذي بإذنه وأمره رفع السماوات بغير عمد ، بل بإذنه وأمره وتسخيره رفعها عن الأرض بعدا لا تنال ولا يدرك مداها ، فالسماء الدنيا محيطة بجميع الأرض وما حولها من الماء والهواء من جميع نواحيها وجهاتها وأرجائها ، مرتفعة عليها من كل جانب على السواء ، وبعد ما بينها وبين الأرض من كل ناحية مسيرة خمسمائة عام ، وسمكها في نفسها مسيرة خمسمائة عام . ثم السماء الثانية محيطة بالسماء الدنيا وما حوت ، وبينها وبينها من البعد مسيرة خمسمائة عام ، وسمكها خمسمائة عام ، ثم السماء الثالثة محيطة بالثانية ، بما فيها ، وبينها وبينها خمسمائة عام ، وسمكها خمسمائة عام ، وكذا الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة ، كما قال [ الله ] تعالى : ( الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ) [ الطلاق : 12 ] وفي الحديث : " ما السماوات السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة ، والكرسي في العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة وفي رواية : " والعرش لا يقدر قدره إلا الله ، عز وجل ، وجاء عن بعض السلف أن بعد ما بين العرش إلى الأرض مسيرة خمسين ألف سنة ، وبعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة ، وهو من ياقوتة حمراء .وقوله : ( بغير عمد ترونها ) روي عن ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن ، وقتادة : أنهم : قالوا : لها عمد ولكن لا ترى .وقال إياس بن معاوية : السماء على الأرض مثل القبة ، يعني بلا عمد . وكذا روي عن قتادة ، وهذا هو اللائق بالسياق . والظاهر من قوله تعالى : ( ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ) [ الحج : 65 ] فعلى هذا يكون قوله : ( ترونها ) تأكيدا لنفي ذلك ، أي : هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها . هذا هو الأكمل في القدرة . وفي شعر أمية بن أبي الصلت الذي آمن شعره وكفر قلبه ، كما ورد في الحديث ويروى لزيد بن عمرو بن نفيل ، رحمه الله ورضي عنه :وأنت الذي من فضل من ورحمة بعثت إلى موسى رسولا مناديا فقلت له : فاذهب وهارون فادعواإلى الله فرعون الذي كان طاغيا وقولا له : هل أنت سويت هذهبلا [ وتد حتى اطمأنت كما هيا وقولا له : أأنت رفعت هذهبلا ] عمد أرفق إذا بك بانيا ؟ وقولا له : هل أنت سويت وسطهامنيرا إذا ما جنك الليل هاديا وقولا له : من يرسل الشمس غدوةفيصبح ما مست من الأرض ضاحيا ؟ وقولا له : من ينبت الحب في الثرىفيصبح منه العشب يهتز رابيا ؟ ويخرج منه حبه في رءوسهففي ذاك آيات لمن كان واعياوقوله : ( ثم استوى على العرش ) تقدم تفسير ذلك في سورة " الأعراف " وأنه يمرر كما جاء من غير تكييف ، ولا تشبيه ، ولا تعطيل ، ولا تمثيل ، تعالى الله علوا كبيرا .وقوله : ( وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ) قيل : المراد أنهما يجريان إلى انقطاعهما بقيام الساعة ، كما في قوله تعالى : ( والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم ) [ يس : 38 ] .وقيل : المراد إلى مستقرهما ، وهو تحت العرش مما يلي بطن الأرض من الجانب الآخر ، فإنهما وسائر الكواكب إذا وصلوا هنالك ، يكونون أبعد ما يكون عن العرش; لأنه على الصحيح الذي تقوم عليه الأدلة ، قبة مما يلي العالم من هذا الوجه ، وليس بمحيط كسائر الأفلاك; لأنه له قوائم وحملة يحملونه . ولا يتصور هذا في الفلك المستدير ، وهذا واضح لمن تدبر ما وردت به الآيات والأحاديث الصحيحة ، ولله الحمد والمنة .وذكر الشمس والقمر; لأنهما أظهر الكواكب السيارة السبعة ، التي هي أشرف وأعظم .من الثوابت ، فإذا كان قد سخر هذه ، فلأن يدخل في التسخير سائر الكواكب بطريق الأولى والأحرى ، كما نبه بقوله تعالى : ( لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون ) [ فصلت : 37 ] مع أنه قد صرح بذلك بقوله ( والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ) [ الأعراف : 54 ] .وقوله : ( يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون ) أي : يوضح الآيات والدلالات الدالة على أنه لا إله إلا هو ، وأنه يعيد الخلق إذا شاء كما ابتدأ خلقه .
تفسير القرطبيقوله تعالى : الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنونقوله تعالى : الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها الآية . لما بين تعالى أن القرآن حق ، بين أن من أنزله قادر على الكمال ; فانظروا في مصنوعاته لتعرفوا كمال قدرته ; وقد تقدم هذا المعنى . وفي قوله : بغير عمد ترونها قولان : أحدهما : أنها مرفوعة بغير عمد ترونها ; قاله قتادة وإياس بن معاوية وغيرهما . الثاني : لها عمد ، ولكنا لا نراه ; قال ابن عباس : لها عمد على جبل قاف ; ويمكن أن يقال على هذا القول : العمد قدرته التي يمسك بها السماوات والأرض ، وهي غير مرئية لنا ; ذكره الزجاج . وقال ابن عباس أيضا : هي توحيد المؤمن . أعمدت السماء حين كادت تنفطر من كفر الكافر ; ذكره الغزنوي . والعمد جمع عمود ; قال النابغة :وخيس الجن إني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمدثم استوى على العرش تقدم الكلام فيه وسخر الشمس والقمر أي ذللهما لمنافع خلقه ومصالح عباده ; وكل مخلوق مذلل للخالق .كل يجري لأجل مسمى أي إلى وقت معلوم ; وهو فناء الدنيا ، وقيام الساعة التي عندها تكور الشمس ، ويخسف القمر ، وتنكدر النجوم ، وتنتثر الكواكب . وقال ابن عباس : أراد بالأجل المسمى درجاتهما ومنازلهما التي ينتهيان إليها لا يجاوزانها . وقيل : معنى الأجل المسمى أن القمر يقطع فلكه في شهر ، والشمس في سنة .يدبر الأمر أي يصرفه على ما يريد .يفصل الآيات أي يبينها أي من قدر على هذه الأشياء يقدر على الإعادة ; ولهذا قال : لعلكم بلقاء ربكم توقنون
تفسير الطبريقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الله، يا محمد، هو الذي رفع السموات السبع بغير عَمَد ترونها, فجعلها للأرض سقْفًا مسموكًا .* * *و " العَمَد " جمع " عمود ", وهي السَّواري, وما يعمد به البناء, كما قال النابغة:وَخَيِّسِ الجِنَّ إنِّي قَدْ أذِنْتُ لَهُمْيَبْنُون تَدْمُرَ بِالصُّفَّاحِ وَالعَمَدِ (8)وجمع " العمود: "" عَمَد," كما جمع الأديم: " أدَم ", ولو جمع بالضم فقيل: " عُمُد " جاز, كما يجمع " الرسول "" رسل ", و " الشَّكور "" شكر " .* * *واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (رفع السماوات بغير عمد ترونها) .فقال بعضهم: تأويل ذلك: الله الذي رفع السموات بعَمَدٍ لا ترونها .*ذكر من قال ذلك:20051- حدثنا أحمد بن هشام قال: حدثنا معاذ بن معاذ قال: حدثنا عمران بن حدير, عن عكرمة قال: قلت لابن عباس: إن فلانًا يقول: إنها على عمد يعنى السماء؟ قال: فقال: اقرأها(بغير عمَدٍ ترونها): أي لا ترونها .20052- حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح قال: حدثنا معاذ بن معاذ, عن عمران بن حدير, عن عكرمة, عن ابن عباس, مثله .20053- حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا عفان قال: حدثنا حماد قال: حدثنا حميد, عن الحسن بن مسلم, عن مجاهد في قوله: (بغير عمد ترونها) ، قال: بعمد لا ترونها .20054- حدثني المثنى قال: حدثنا الحجاج قال: حدثنا حماد, عن حميد, عن الحسن بن مسلم, عن مجاهد, في قول الله: (بغير عمد ترونها) قال: هي لا ترونها (9) .20055- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد (بغير عمد) يقول: عمد [لا ترونها] . (10)20056- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .20057- ...... قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الرزاق, عن معمر, عن الحسن وقتادة قوله: (الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها) قال قتادة: قال ابن عباس: بعَمَدٍ ولكن لا ترونها .20058- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا شريك, عن سماك, عن عكرمة, عن ابن عباس, قوله: (رفع السماوات بغير عمد ترونها) قال: ما يدريك؟ لعلها بعمد لا ترونها.* * *ومن تأوَّل ذلك كذلك, قصد مذهب تقديم العرب الجحدَ من آخر الكلام إلى أوله, كقول الشاعر (11)وَلا أرَاهَا تَزَالُ ظَالِمَةًتُحْدِثُ لِي نَكْبَةً وتَنْكَؤُهَا (12)يريد: أراها لا تزال ظالمة, فقدم الجحد عن موضعه من " تزال ", وكما قال الآخر: (13)إذَا أَعْجَبَتْكَ الدَّهْرَ حَالٌ مِنَ امْرِئٍفَدَعْهُ وَوَاكِلْ حَالَهُ وَاللَّيَاليَا (14)يَجِئْنَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ صَالحٍ بِهِوَإنْ كَانَ فِيما لا يَرَى النَّاسُ آلِيَايعني: وإن كان فيما يرى الناس لا يألو .* * *وقال آخرون، بل هي مرفوعة بغير عمد .*ذكر من قال ذلك:20059- حدثنا محمد بن خلف العسقلاني قال: أخبرنا آدم قال: حدثنا حماد بن سلمة, عن إياس بن معاوية, في قوله: (رفع السماوات بغير عمد ترونها) قال: السماء مقبّبة على الأرض مثل القبة . (15)20060- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (بغير عمد ترونها) قال: رفعها بغير عمد .* * *قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال كما قال الله تعالى: (الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها) فهي مرفوعة بغير عمد نَراها, كما قال ربنا جل ثناؤه . ولا خبر بغير ذلك, ولا حجة يجب التسليم لها بقول سواه . (16)* * *وأما قوله: (ثم استوى على العرش) فإنه يعني: علا عليه .* * *وقد بينا معنى الاستواء واختلاف المختلفين فيه، والصحيح من القول فيما قالوا فيه، بشواهده فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . (17)* * *وقوله: (وسخر الشمس والقمر) يقول: وأجرى الشمس والقمر في السماء, فسخرهما فيها لمصالح خلقه, وذلَّلَهما لمنافعهم, ليعلموا بجريهما فيها عدد السنين والحساب, ويفصلوا به بين الليل والنهار .* * *وقوله: (كل يجري لأجل مسمَّى) يقول جل ثناؤه: كل ذلك يجري في السماء(لأجل مسمى): أي: لوقت معلوم, (18) وذلك إلى فناء الدنيا وقيام القيامة التي عندها تكوَّر الشمس, ويُخْسف القمر، وتنكدر النجوم.وحذف ذلك من الكلام، لفهم السامعين من أهل لسان من نزل بلسانه القرآن معناه, وأن (كلّ) لا بدَّ لها من إضافة إلى ما تحيط به . (19)* * *وبنحو الذي قلنا في قوله: (لأجل مسمى) قال أهل التأويل .*ذكر من قال ذلك:20061- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمّى) قال: الدنيا . (20)* * *وقوله: (يدبِّر الأمر) يقول تعالى ذكره: يقضي الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها أمورَ الدنيا والآخرة كلها, ويدبِّر ذلك كله وحده, بغير شريك ولا ظهير ولا معين سُبْحانه . (21)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .*ذكر من قال ذلك:20062- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد (يدبر الأمر) يقضيه وحده .20063- ......... قال حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, بنحوه .20064- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, بنحوه .* * *وقوله: (يفصل الآيات) يقول: يفصل لكم ربُّكم آيات كتابه, فيبينها لكم (22) احتجاجًا بها عليكم، أيها الناس (لعلكم بلقاء ربكم توقنون) يقول: لتوقنوا بلقاء الله, والمعاد إليه, فتصدقوا بوعده ووعيده، (23) وتنزجروا عن عبادة الآلهة والأوثان, وتخلصوا له العبادة إذا أيقنتم ذلك . (24)* * *وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .*ذكر من قال ذلك:20065- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: (لعلكم بلقاء ربكم توقنون) ، وإن الله تبارك وتعالى إنما أنزل كتابه وأرسل رسله، لنؤمن بوعده, ونستيقن بلقائه .-----------------------الهوامش :(8) ديوانه : 29 ، ومجاز القرآن 1 : 320 ، وشمس العلوم لنشوان الحميري : 37 ، وغيرها كثير ، من قصيدته المشهورة التي اعتذر فيها للنعمان ، لما قذفوه بأمر المتجردة ، يقول قبله :ولاَ أَرَى فَاعلاً فِي النَّاسِ يُشْبِهُهُولاَ أُحَاشِي مِنَ الأقْوامِ مِنْ أَحَدِإلاَّ سُلَيْمَانَ إذْ قَالَ الإلهُ لَهُقُمْ فِي البَرِيَّةِ فَاحْدُدْهَا عن الفَنَدِوقوله :" وخيس الجن" ، أي : ذللها ورضها . و" الصفاح" ، حجارة رقاق عراض صلاب .و" تدمر" مدينة بالشام . قال نشوان الحميري في شمس العلوم :" مدينة الشأم مبنية بعظام الصخر ، فيها بناء عجيب ، سميت بتدمر الملكة العمليقية بنت حسان بن أذينة ، لأنها أول من بناها . ثم سكنها سليمان بن داود عليه السلام بعد ذلك . فبنت له فيها الجن بناء عظيمًا ، فنسبت اليهود والعرب بناءها إلى الجن ، لما استعظموه" .وهذا نص جيد من أخبارهم وقصصهم في الجاهلية .(9) الأثران : 20053 ، 20054 -" الحسن بن مسلم بن يناق المكي" ، ثقة ، وله أحاديث مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 2 / 304 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 36 .(10) ما بين القوسين زيادة لا بد منها ، وليست في المخطوطة .(11) هو ابن هرمة .(12) شرح شواهد المغني 277 ، 279 من تسعة أبيات ، ومعاني القرآن للفراء في تفسير الآية ، والأضداد لابن الأنباري : 234 .وقد زعموا أنه قيل لابن هرمة : إن قريشًا لا تهمز ، فقال : لأقولن قصيدة أهمزها كلها بلسان قريش ، وأولها :إنَّ سُلَيْمي والله يكْلَؤهَاضَنَّتْ بِشَيء مَا كَان يَرْزَؤُهاوعَوَّدَتْنِي فِيما تُعَوِّدُنيأَظْمَاءُ وِرْدٍ ما كُنْتُ أجزَؤُهَاولا أرَاهَا تَزَال ظَالِمةً. . . . . . . . . . . . . . . . . . .(13) لم أعرف قائله .(14) معاني القرآن للفراء في تفسير الآية ، والأضداد لابن الأنباري : 234 ، وقوله :" واكل حاله" ، أي : دع أمره لليالي . من" وكل إليه الأمر" ، أي : صرف أمره إليه . وقوله :" يجئن على ما كان من صالح به" ، أي يقضين على صالح أمره ويذهبنه . و" الآلي" ، المقصر .(15) الأثر : 20059 -" إياس بن معاوية بن قرة المزني" ،" أبو واثلة" قاضي البصرة ، ثقة ، وكان فقيهًا عفيفًا ، وكان عاقلا فطنًا من الرجال ، يضرب به المثل في الحلم والدهاء . مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 1 / 442 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 282 ، وابن سعد 7 / 2 / 4 ، 5 .(16) أي احتياط وفقه وعقل وورع ، كان أبو جعفر يستعمل في تفسيره ! .(17) انظر تفسير" الاستواء" فيما سلف 1 : 428 - 431 / 12 : 482 ، 483 / 15 : 18 .وتفسير" العرش" فيما سلف 15 : 245 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .(18) انظر تفسير" الأجل المسمى" فيما سلف 6 : 43 / 11 : 256 - 259 ، 407 .(19) انظر تفسير" كل" وأحكامها فيما سلف 15 : 540 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك . وانظر ما قاله أبو عبيدة في مجاز القرآن 1 : 321 .(20) قوله" الدنيا" ، كأنه يعني : فناء الدنيا ، فاقتصر على ذكر" الدنيا" ، لأنه معلوم بضرورة الدين أنها فانية ، وإنما الخلود في الآخرة .(21) انظر تفسير" التدبير" فيما سلف 15 : 18 ، 19 ، 84 .(22) انظر تفسير" تفصيل الآيات" فيما سلف 15 : 227 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .(23) انظر تفسير" الإيقان" فيما سلف 10 : 394 / 11 : 475 .(24) في المطبوعة :" تيقنتم" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو لب الصواب .
وَفِي ٱلۡأَرۡضِ قِطَعٞ مُّتَجَٰوِرَٰتٞ وَجَنَّٰتٞ مِّنۡ أَعۡنَٰبٖ وَزَرۡعٞ وَنَخِيلٞ صِنۡوَانٞ وَغَيۡرُ صِنۡوَانٖ يُسۡقَىٰ بِمَآءٖ وَٰحِدٖ وَنُفَضِّلُ بَعۡضَهَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلۡأُكُلِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٤التفسير الميسروفي الأرض قطع يجاور بعضها بعضًا، منها ما هو طيِّب يُنبتُ ما ينفع الناس، ومنها سَبِخة مِلْحة لا تُنبت شيئًا، وفي الأرض الطيبة بساتين من أعناب، وجعل فيها زروعًا مختلفة ونخيلا مجتمعًا في منبت واحد، وغير مجتمع فيه، كل ذلك في تربة واحدة، ويشرب من ماء واحد، ولكنه يختلف في الثمار والحجم والطعم وغير ذلك، فهذا حلو وهذا حامض، وبعضها أفضل من بعض في الأكل، إن في ذلك لَعلامات لمن كان له قلب يعقل عن الله تعالى أمره ونهيه.
تفسير السعديومن الآيات على كمال قدرته وبديع صنعته أن جعل فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ فيها أنواع الأشجار مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ وغير ذلك، والنخيل التي بعضها صِنْوَانٌ أي: عدة أشجار في أصل واحد، وَغَيْرُ صِنْوَانٍ بأن كان كل شجرة على حدتها، والجميع يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وأرضه واحدة وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ لونا وطعما ونفعا ولذة؛ فهذه أرض طيبة تنبت الكلأ والعشب الكثير والأشجار والزروع، وهذه أرض تلاصقها لا تنبت كلأ ولا تمسك ماء، وهذه تمسك الماء ولا تنبت الكلأ، وهذه تنبت الزرع والأشجار ولا تنبت الكلأ، وهذه الثمرة حلوة وهذه مرة وهذه بين ذلك.فهل هذا التنوع في ذاتها وطبيعتها؟ أم ذلك تقدير العزيز الرحيم؟ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أي: لقوم لهم عقول تهديهم إلى ما ينفعهم، وتقودهم إلى ما يرشدهم ويعقلون عن الله وصاياه وأوامره ونواهيه، وأما أهل الإعراض، وأهل البلادة فهم في ظلماتهم يعمهون، وفي غيهم يترددون، لا يهتدون إلى ربهم سبيلا ولا يعون له قيلا.
تفسير ابن كثيروقوله : ( وفي الأرض قطع متجاورات ) أي : أراض تجاور بعضها بعضا ، مع أن هذه طيبة تنبت ما ينتفع به الناس ، وهذه سبخة مالحة لا تنبت شيئا . هكذا روي عن ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، والضحاك ، وغيرهم .وكذا يدخل في هذه الآية اختلاف ألوان بقاع الأرض ، فهذه تربة حمراء ، وهذه بيضاء ، وهذه صفراء ، وهذه سوداء ، وهذه محجرة وهذه سهلة ، وهذه مرملة ، وهذه سميكة ، وهذه رقيقة ، والكل متجاورات . فهذه بصفتها ، وهذه بصفتها الأخرى ، فهذا كله مما يدل على الفاعل المختار ، لا إله إلا هو ، ولا رب سواه .وقوله : ( وجنات من أعناب وزرع ونخيل ) يحتمل أن تكون عاطفة على ) جنات ) فيكون ( وزرع ونخيل ) مرفوعين . ويحتمل أن يكون معطوفا على أعناب ، فيكون مجرورا; ولهذا قرأ بكل منهما طائفة من الأئمة .وقوله : ( صنوان وغير صنوان ) الصنوان : هي الأصول المجتمعة في منبت واحد ، كالرمان والتين وبعض النخيل ، ونحو ذلك . وغير الصنوان : ما كان على أصل واحد ، كسائر الأشجار ، ومنه سمي عم الرجل صنو أبيه ، كما جاء في الحديث الصحيح : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر : " أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه ؟ " .وقال سفيان الثوري ، وشعبة ، عن أبى إسحاق ، عن البراء ، رضي الله عنه : الصنوان : هي النخلات في أصل واحد ، وغير الصنوان : المتفرقات . وقاله ابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك ، وقتادة ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم .وقوله : ( يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل ) قال الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي ، صلى الله عليه وسلم : ( ونفضل بعضها على بعض في الأكل ) قال : " الدقل والفارسي ، والحلو والحامض " . رواه الترمذي وقال : حسن غريب .أي : هذا الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع ، في أشكالها وألوانها ، وطعومها وروائحها ، وأوراقها وأزهارها .فهذا في غاية الحلاوة وذا في غاية الحموضة ، وذا في غاية المرارة وذا عفص ، وهذا عذب وهذا جمع هذا وهذا ، ثم يستحيل إلى طعم آخر بإذن الله تعالى . وهذا أصفر وهذا أحمر ، وهذا أبيض وهذا أسود وهذا أزرق . وكذلك الزهورات مع أن كلها يستمد من طبيعة واحدة ، وهو الماء ، مع هذا الاختلاف الكبير الذي لا ينحصر ولا ينضبط ، ففي ذلك آيات لمن كان واعيا ، وهذا من أعظم الدلالات على الفاعل المختار ، الذي بقدرته فاوت بين الأشياء وخلقها على ما يريد; ولهذا قال تعالى : ( إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون )
تفسير القرطبيقوله تعالى : وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلونفيه خمس مسائل :الأولى : قوله تعالى : وفي الأرض قطع متجاورات في الكلام حذف ; المعنى :وفي الأرض قطع متجاورات وغير متجاورات ; كما قال : سرابيل تقيكم الحر والمعنى : وتقيكم البرد ، ثم حذف لعلم السامع . والمتجاورات المدن وما كان عامرا ، وغير متجاورات الصحاري وما كان غير عامر .الثانية : قوله تعالى : " متجاورات " أي قرى متدانيات ، ترابها واحد ، وماؤها واحد ، وفيها زروع وجنات ، ثم تتفاوت في الثمار والتمر ; فيكون البعض حلوا ، والبعض حامضا ; والغصن الواحد من الشجرة قد يختلف الثمر فيه من الصغر والكبر واللون والمطعم ، وإن انبسط الشمس والقمر على الجميع على نسق واحد ; وفي هذا أدل دليل على وحدانيته وعظم صمديته ، والإرشاد لمن ضل عن معرفته ; فإنه نبه سبحانه بقوله : يسقى بماء واحد على أن ذلك كله ليس إلا بمشيئته وإرادته ، وأنه مقدور بقدرته ; وهذا أدل دليل على بطلان القول بالطبع ; إذ لو كان ذلك بالماء والتراب والفاعل له الطبيعة لما وقع الاختلاف . وقيل : وجه الاحتجاج أنه أثبت التفاوت بين البقاع ; فمن تربة عذبة ، ومن تربة سبخة مع تجاورهما ; وهذا أيضا من دلالات كمال قدرته ; جل وعز تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا .الثالثة : ذهبت الكفرة - لعنهم الله - إلى أن كل حادث يحدث بنفسه لا من صانع ; وادعوا ذلك في الثمار الخارجة من الأشجار ، وقد أقروا بحدوثها ، وأنكروا محدثها ، وأنكروا الأعراض . وقالت فرقة بحدوث الثمار لا من صانع ، وأثبتوا للأعراض فاعلا ; والدليل على أن الحادث لا بد له من محدث أنه يحدث في وقت ، ويحدث ما هو من جنسه في وقت آخر ; فلو كان حدوثه في وقته لاختصاصه به ، لوجب أن يحدث في وقته كل ما هو من جنسه ; وإذا بطل اختصاصه بوقته صح أن اختصاصه به لأجل مخصص خصصه به ، ولولا تخصيصه إياه به لم يكن حدوثه في وقته أولى من حدوثه قبل ذلك أو بعده ; واستيفاء هذا في علم الكلام .الرابعة : قوله تعالى : وجنات من أعناب وقرأ الحسن " وجنات " بكسر التاء ، على التقدير : وجعل فيها جنات ، فهو محمول على قوله : " وجعل فيها رواسي " . ويجوز أن تكون مجرورة على الحمل على " كل " التقدير : ومن كل الثمرات ، ومن جنات . الباقون " جنات " بالرفع على تقدير : وبينهما جنات ." وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان " بالرفع . ابن كثير وأبو عمرو وحفص عطفا على الجنات ; أي على تقدير : وفي الأرض زرع ونخيل . وخفضها الباقون نسقا على الأعناب ; فيكون الزرع والنخيل من الجنات ; ويجوز أن يكون معطوفا على " كل " حسب ما تقدم في " وجنات " . وقرأ مجاهد والسلمي وغيرهما " صنوان " بضم الصاد ، الباقون بالكسر ; وهما لغتان ; وهما جمع صنو ، وهي النخلات والنخلتان ، يجمعهن أصل واحد ، وتتشعب منه رءوس فتصير نخيلا ; نظيرها قنوان ، واحدها قنو وروى أبو إسحاق عن البراء قال : الصنوان المجتمع ، وغير الصنوان المتفرق ; النحاس : وكذلك هو في اللغة ; يقال للنخلة إذا كانت فيها نخلة أخرى أو أكثر صنوان . والصنو المثل ; ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : عم الرجل صنو أبيه . ولا فرق فيها بين التثنية والجمع ولا بالإعراب ; فتعرب نون الجمع ، وتكسر نون التثنية ; قال الشاعر :العلم والحلم خلتا كرم للمرء زين إذا هما اجتمعا صنوان لا يستتم حسنهماإلا بجمع ذا وذاك معاالخامسة : قوله تعالى : " يسقى بماء واحد " كصالح بني آدم وخبيثهم ; أبوهم واحد ; قاله النحاس والبخاري . وقرأ عاصم وابن عامر : يسقى بالياء ، أي يسقى ذلك كله . وقرأ الباقون بالتاء ، لقوله : جنات واختاره أبو حاتم وأبو عبيدة ; قال أبو عمرو : والتأنيث أحسن ." ونفضل بعضها على بعض في الأكل " ولم يقل بعضه . وقرأ حمزة والكسائي وغيرهما " ويفضل " بالياء ردا على قوله : " يدبر الأمر " و " يفصل " و " يغشي " الباقون بالنون على معنى : ونحن نفضل . وروى جابر بن عبد الله قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول لعلي - رضي الله عنه - : الناس من شجر شتى وأنا وأنت من شجرة واحدة ثم قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي الأرض قطع متجاورات حتى بلغ قوله : يسقى بماء واحد و " الأكل " الثمر . قال ابن عباس : يعني الحلو والحامض والفارسي والدقل . وروي مرفوعا من حديث أبي هريرة ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في قوله تعالى : " ونفضل بعضها على بعض في الأكل " قال : الفارسي والدقل والحلو والحامض ) ذكره الثعلبي . قال الحسن : المراد بهذه الآية المثل ; ضربه الله تعالى لبني آدم ، أصلهم واحد ، وهم مختلفون في الخير والشر . والإيمان والكفر ، كاختلاف الثمار التي تسقى بماء واحد ; ومنه قول الشاعر :الناس كالنبت والنبت ألوان منها شجر الصندل والكافور والبانومنها شجر ينضح طول الدهر قطران" إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون " أي لعلامات لمن كان له قلب يفهم عن الله تعالى .
تفسير الطبريقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره (وفي الأرض قطع متجاورات)، وفي الأرض قطع منها متقاربات متدانيات، يقرب بعضها من بعض بالجوار, وتختلف بالتفاضل مع تجاورها وقرب بعضها من بعض, فمنها قِطْعة سَبَخَةٌ لا تنبت شيئًا في جوار قطعة طيبة تنبت وتنفع .* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .*ذكر من قال ذلك:20067- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع, عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد: (وفي الأرض قطع متجاورات) قال: السَّبَخة والعَذِيَة, (32) والمالح والطيب .20068- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان, عن ليث, عن مجاهد, قوله: (وفي الأرض قطع متجاورات) قال: سِبَاخٌ وعَذَويّة .20069- حدثني المثنى قال: ثنا أبو نعيم قال: حدثنا سفيان, عن ليث, عن مجاهد, مثله .20070- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا سعيد بن سليمان قال: حدثنا إسحاق بن سليمان, عن أبي سنان, عن ابن عباس في قوله: (وفي الأرض قطع متجاورات) قال: العَذِيَة والسَّبخة .20071- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: (وفي الأرض قطع متجاورات) يعني: الأرض السبخة, والأرض العذية, يكونان جميعًا متجاورات, يُفضِّل بعضها على بعض في الأكُل . (33)20072- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: (قطع متجاورات) العذية والسبخة، متجاورات جميعًا, تنبت هذه, وهذه إلى جنبها لا تُنْبِت .20073- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: (قطع متجاورات) طيِّبها: عذبُها, وخبيثها: السَّباخ .20074- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, بنحوه .20075- ...... قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .20076- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (وفي الأرض قطع متجاورات) قُرًى قَرُبت متجاورات بعضها من بعض .20077- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (وفي الأرض قطع متجاورات) قال: قُرًى متجاورات .20078- حدثني المثنى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا هشيم, عن أبي إسحاق الكوفي, عن الضحاك, في قوله: (قطع متجاورات) قال: الأرض السبخة، (34) تليها الأرض العَذِية . (35)20079- حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وفي الأرض قطع متجاورات) يعني الأرض السَّبِخة والأرض العَذِيَة, متجاورات بعضها عند بعض .20080- حدثنا الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا إسرائيل, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, في قوله: (وفي الأرض قطع متجاورات) قال: الأرض تنبت حُلوًا, والأرض تنبت حامضًا, وهي متجاورة تسقى بماءٍ واحد.20081- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا إسرائيل, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: (وفي الأرض قطع متجاورات) قال: يكون هذا حلوًا وهذا حامضًا, وهو يسقى بماء واحد, وهن متجاورات .20082- حدثني عبد الجبار بن يحيى الرملي قال: حدثنا ضمرة بن ربيعة, عن ابن شوذب في قوله: (وفي الأرض قطع متجاورات) قال: عَذِيَة ومالحة . (36)* * *وقوله: (وجنات من أعناب وزرع ونخيل صِنْوان وغير صنوان يسقى بماء واحدٍ ونفضّل بعضها على بعض في الأكُل) يقول تعالى ذكره: وفي الأرض مع القطع المختلفات المعاني منها, بالملوحة والعذوبة, والخبث والطيب, (37) مع تجاورها وتقارب بعضها من بعض, بساتين من أعناب وزرع ونخيلٍ أيضًا, متقاربةٌ في الخلقة مختلفة في الطعوم والألوان, مع اجتماع جميعها على شرب واحد. فمن طيّبٍ طعمُه منها حسنٍ منظره طيبةٍ رائحته, ومن حامضٍ طعمه ولا رائحة له .* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .*ذكر من قال ذلك:20083- حدثنا ابن حميد قال: ثنا جرير, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, في قوله: (وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان) قال: مجتمع وغير مجتمع" تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل " ، قال: الأرض الواحدة يكون فيها الخوخ والكمثرى والعنب الأبيض والأسود, وبعضها أكثر حملا من بعض, وبعضه حلو, وبعضه حامض, وبعضه أفضل من بعض .20084- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: (وجنات) قال: وما معها .20085- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد20086- قال المثنى, وحدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .* * *واختلفت القرأة في قراءة قوله: (وزرع ونخيل) فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة والكوفة: (وَزَرْعٍ وَنَخِيلٍ) بالخفض عطفًا بذلك على " الأعناب ", بمعنى: وفي الأرض قطعٌ متجاوراتٌ, وجناتٌ من أعناب ومن زرع ونخيل .وقرأ ذلك بعض قرأة أهل البصرة: (وَزَرْعٌ ونَخِيلٌ) بالرفع عطفًا بذلك على " الجنات ", بمعنى: وفي الأرض قطعٌ متجاوراتٌ وجناتٌ من أعناب, وفيها أيضًا زرعٌ ونخيلٌ .* * *قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان متقاربتا المعنى, وقرأ بكل واحدةٍ منهما قرأة مشهورون, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.وذلك أن " الزرع والنخيل " إذا كانا في البساتين فهما في الأرض, وإذا كانا في الأرض فالأرض التي هما فيها جنة, فسواءٌ وُصِفَا بأنهما في بستانٍ أو في أرضٍ .* * *وأما قوله: (ونخيل صنوان وغير صنوان) .فإن " الصنوان: " جمع " صنو ", وهي النخلات يجمعهن أصل واحد, لا يفرَّق فيه بين جميعه واثنيه إلا بالإعراب في النون, وذلك أن تكون نونه في اثنيه مكسورةً بكل حال, وفي جميعه متصرِّفة في وجوه الإعراب, ونظيره " القِنْوان ": واحدها " قِنْوٌ" .* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .*ذكر من قال ذلك:20087- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع, عن سفيان, عن أبي إسحاق, عن البراء: (صنوان) قال: المجتمع(وغير صنوان) : المتفرِّق .20088- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا يحيى بن واضح قال: حدثنا الحسين, عن أبي إسحاق, عن البراء قال: (صنوان) : هي النخلة التي إلى جنبها نخلاتٌ إلى أصلها,(وغير صنوان) : النخلة وحدَها .20089- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن البراء بن عازب: (صنوان وغير صنوان) قال: " الصنوان ": النخلتان أصلهما واحد,(وغير صنوان) النخلة والنخلتان المتفرّقتان .20090- حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة, عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول في هذه الآية قال: النخلة تكون لها النخلات(وغير صنوان) النخل المتفرّق .20091- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا عمرو بن الهيثم أبو قطن, ويحيى بن عباد وعفان, واللفظ لفظ أبي قطن قال،حدثنا شعبة, عن أبي إسحاق, عن البراء, في قوله: (صنوان وغير صنوان) قال: " الصنوان ": النخلة إلى جنبها النخلات(وغير صنوان) : المتفرق . (38)20092- حدثنا الحسن قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن البراء في قوله: (صنوان وغير صنوان) قال: " الصنوان "، النخلات الثلاث والأربع والثنتان أصلهن واحد(وغير صنوان)، المتفرّق .20093- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان وشريك, عن أبي إسحاق, عن البراء في قوله: (صنوان وغير صنوان) قال: النخلتان يكون أصلهما واحد(وغير صنوان): المتفرّق .20094- حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: (صنوان) يقول: مجتمع .20095- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: (ونخيل صنوان وغير صنوان) يعني بالصنوان: النخلة يخرج من أصلها النخلات, فيحمل بعضه ولا يحمل بعضه, فيكون أصله واحدا ورءوسه متفرقة .20096- حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا إسرائيل, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, في قوله: (صنوان وغير صنوان) النخيل في أصل واحد وغير صنوان: النخيل المتفرّق .20097- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير, عن عطاء, عن سعيد بن جبير: (ونخيل صنوان وغير صنوان) قال: مجتمع, وغير مجتمع .20098- حدثني المثنى قال: حدثنا النفيلي قال: حدثنا زهير قال: حدثنا أبو إسحاق, عن البراء قال: " الصنوان ": ما كان أصله واحدًا وهو متفرق(وغير صنوان): الذي نبت وحدَه . (39)20099- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: (صنوان) النخلتان وأكثر في أصل واحد (وغير صنوان) وحدَها .20100- حدثنا المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (صنوان) : النخلتان أو أكثر في أصل واحد,(وغير صنوان) واحدة .20101- ...... قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .20102- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع, عن سلمة بن نبيط, عن الضحاك: (صنوان وغير صنوان) قال: الصنوان: المجتمع أصله واحد, وغير صنوان: المتفرق أصله .20103- حدثني المثنى قال: حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم, عن جويبر, عن الضحاك, في قوله: (صنوان وغير صنوان) قال: " الصنوان ": المجتمع الذي أصله واحد(وغير صنوان): المتفرّق .20104- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (ونخيل صنوان وغير صنوان) أما " الصنوان ": فالنخلتان والثلاث أصولُهن واحدة وفروعهن شتى,(وغير صنوان)، النخلة الواحدة .20105- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (صنوان وغير صنوان) قال: صنوان: النخلة التي يكون في أصلها نخلتان وثلاث أصلهنّ واحدٌ .20106- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: (ونخيل صنوان وغير صنوان) قال: " الصنوان ": النخلتان أو الثلاث يكنَّ في أصل واحد, فذلك يعدُّه الناس صنوانًا . (40)20107- حدثنا ابن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر قال: حدثني رجل: أنه كان بين عمر بن الخطاب وبين العباس قول, فأسرع إليه العباس, (41) فجاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: يا رسول الله, ألم تر عباسًا فعل بي وفعل! فأردت أن أجيبه, فذكرتُ مكانه منك فكففت: فقال: يرحمك الله، إنّ عمّ الرجل صِنْوُ أبيه . (42)20108- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر, عن قتادة: (صنوان) : النخلة التي يكون في أصلها نخلتان وثلاث أصلهن واحد ; قال: فكان بين عمر بن الخطاب وبين العباس رضي الله عنهما قولٌ, فأسرع إليه العباس, فجاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله ألم تر عباسًا فعل بي وفعل! فأردت أن أجيبه. فذكرتُ مكانه منك فكففت عند ذلك, فقال: يرحمك الله إن عم الرجل صِنْو أبيه (43) .20109- ............... قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن عيينة, عن داود بن شابور, عن مجاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تؤذوني في العباس فإنه بقية آبائي, وإنّ عمّ الرجل صنو أبيه .20110- حدثني يعقوب قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا حجاج, عن عطاء, وابن أبي مليكة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر: يا عمر أما علمت أن عم الرجل صِنْوُ أبيه؟. (44)20111- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: أخبرني القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد: (صنوان قال: في أصل واحد ثلاث نخلات, كمثل ثلاثةٍ بني أم وأب يتفاضلون في العمل, كما يتفاضل ثمر هذه النخلات الثلاث في أصل واحد قال ابن جريج: قال مجاهد: كمثل صالح بنى آدم وخبيثهم، أبوهم واحد .20112- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا حجاج بن محمد, عن ابن جريج قال: أخبرني إبراهيم بن أبي بكر بن عبد الله, عن مجاهد, نحوه . (45)20113- حدثني القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن أبي بكر بن عبد الله, عن الحسن قال: هذا مثل ضربه الله لقلوب بني آدم.كانت الأرض في يد الرحمن طينةً واحدة, فسطحها وبَطَحها, فصارت الأرض قطعًا متجاورة, فينزل عليها الماء من السماء, فتخرج هذه زهرتها وثمرها وشجرها. وتخرج نباتها وتحيي مواتها, وتخرج هذه سبَخَها وملحها وخَبَثَها, وكلتاهما تسقى بماء واحد.فلو كان الماء مالحا, قيل: إنما استسبخت هذه من قبل الماء! كذلك الناس خلقوا من آدم, فتنزل عليهم من السماء تذكرة, فترقّ قلوب فتخشع وتخضع, وتقسو قلوب فتلهو وتسهو وتجفو .قال الحسن: والله من جالس القرآن أحدٌ إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان قال الله: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا [سورة الإسراء:82]. (46)* * *وقوله : (تسقى بماء واحد) اختلفت القرأء في قوله (تسقى) .فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة والعراق من أهل الكوفة والبصرة: (تُسْقَى) بالتاء, بمعنى: تسقى الجناتُ والزرع والنخيل . وقد كان بعضهم يقول: إنما قيل: (تسقى)، بالتاء لتأنيث " الأعناب " .* * *وقرأ ذلك بعض المكيين والكوفيين: (يُسْقَى) بالياء .* * *وقد اختلف أهل العربية في وجه تذكيره إذا قرئ كذلك, وإنما ذلك خبرٌ عن الجنات والأعناب والنخيل والزرع أنها تسقى بماء واحد.فقال بعض نحويي البصرة: إذا قرئ ذلك بالتاء, فذلك على " الأعناب " كما ذكّر الأنعام (47) في قوله: مِمَّا فِي بُطُونِهِ [سورة النحل: 66] وأنث بعدُ فقال: وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ، [سورة المؤمنون:22/ سورة غافر:80].فمن قال: (يسقى) بالياء جعل " الأعناب " مما تذكّر وتؤنث, مثل " الأنعام ".* * *وقال بعض نحويي الكوفة: من قال و (تسقى) ذهب إلى تأنيث " الزرع والجنات والنخيل ", ومن ذكَّر ذهب إلى أن ذلك كله يُسْقَى بماء واحد, وأكلُه مختلفٌ حامض وحلو, ففي هذا آية . (48)* * *قال أبو جعفر: وأعجب القراءتين إليّ أن أقرأ بها, قراءة من قرأ ذلك بالتاء: ( تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ) على أن معناه: تسقى الجنات والنخل والزرع بماء واحد، لمجيء (تسقى) بعد ما قد جرى ذكرها, وهي جِمَاعٌ من غير بني آدم, وليس الوجه الآخر بممتنع على معنى يسقى ذلك بماء واحد: أي جميع ذلك يسقى بماءٍ واحدٍ عذب دون المالح .* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .*ذكر من قال ذلك:20114- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: (تسقى بماء واحد) ماء السماء، كمثل صالح بني آدم وخبيثهم أبوهم واحدٌ .20115- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع, عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد: (تسقى بماء واحد) قال: ماء السماء .20116- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان, عن ليث, عن مجاهد, مثله .20117- حدثني المثنى قال: حدثنا عمرو قال: أخبرنا هشيم, عن أبي إسحاق الكوفي, عن الضحاك: (تسقى بماء واحد) قال: ماء المطر . (49)20118- حدثني المثنى قال: حدثنا سويد قال: أخبرنا ابن المبارك, قرأه ابن جريج, عن مجاهد: (تسقى بماء واحد) قال: ماء السماء, كمثل صالح بني آدم وخبيثهم أبوهم واحدٌ .20119...... قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل وحدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, بنحوه .20120- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, نحوه .20121- حدثنا عبد الجبار بن يحيى الرملي قال: حدثنا ضمرة بن ربيعة, عن ابن شوذب: (تسقى بماء واحد) قال: بماء السماء . (50)* * *وقوله: (ونفضّل بعضها على بعض في الأكل) (51) اختلفت القرأة في قراءة ذلك.فقرأه عامة قرأة المكيين والمدنيين والبصريين وبعض الكوفيين: (وَنُفَضِّلُ) ، بالنون بمعنى: ونفضّل نحن بعضها على بعض في الأكل .* * *وقرأته عامة قرأة الكوفيين: (وَيُفَضِّلُ) بالياء, ردا على قوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ (ويفضل بعضها على بعض) .* * *قال أبو جعفر: وهما قراءتان مستفيضتان بمعنى واحد, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. غير أن " الياء " أعجبهما إليّ في القراءة؛ لأنه في سياق كلام ابتداؤه اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ فقراءته بالياء، إذ كان كذلك أولى .* * *ومعنى الكلام: إن الجنات من الأعناب والزرع والنخيل الصنوان وغير الصنوان, تسقى بماء واحد عذب لا ملح, ويخالف الله بين طعوم ذلك, فيفضّل بعضها على بعض في الطعم, فهذا حلو وهذا حامضٌ .* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .*ذكر من قال ذلك:20122- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع, عن سفيان, عن عطاء, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: (ونفضل بعضها على بعض في الأكل) قال: الفارسيّ والدَّقَل، (52) والحلو والحامض .20123- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير: (ونفضل بعضها على بعض في الأكل) قال: الأرض الواحدة يكون فيها الخوخ والكمثرى والعنب الأبيض والأسود, وبعضها أكثر حملا من بعض, وبعضه حلو وبعضه حامض, وبعضه أفضل من بعض .20124- حدثني المثنى قال: حدثنا عارم أبو النعمان قال: حدثنا حماد بن زيد, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير: (ونفضل بعضها على بعض في الأكل) قال: بَرْنيّ وكذا وكذا, وهذا بعضه أفضل من بعض .20125- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا مؤمل قال: حدثنا سفيان, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, في قوله: (ونفضل بعضها على بعض في الأكل) قال: هذا حامض, وهذا حلو, وهذا مُزٌّ .20126- حدثني محمود بن خداش قال: حدثنا سيف بن محمد بن أخت سفيان الثوري قال: حدثنا الأعمش عن أبي صالح, عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (ونفضل بعضها على بعض في الأكل) قال: الدَّقَل والفارسيّ والحلو والحامض. (53)20127- حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي قال: حدثنا سليمان بن عبد الله الرقي قال: حدثنا عبيد الله بن عمر الرقي, عن زيد بن أبي أنيسة, عن الأعمش, عن أبي صالح, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم, في قوله: (ونفضل بعضها على بعض في الأكل) قال: الدَّقل والفارسيّ والحلو والحامض. (54)* * *وقوله: (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) يقول تعالى ذكره: إن في مخالفة الله عز وجل بين هذا القطع [من] الأرض المتجاورات وثمار جناتها وزروعها على ما وصفنا وبينَّا، (55) لدليلا واضحًا وعبرة لقوم يعقلون اختلاف ذلك, أن الذي خالف بينه على هذا النحو الذي خالف بينه, هو المخالف بين خلقه فيما قسم لهم من هداية وضلال وتوفيق وخذلان, فوفّق هذا وخذل هذا, وهدى ذا وأضل ذا, ولو شاء لسوَّى بين جميعهم, كما لو شاء سوَّى بين جميع أكل ثمار الجنة التي تشرب شربًا واحدًا, وتسقى سقيًا [واحدًا]، (56) وهي متفاضلة في الأكل .--------------------------الهوامش :(32) " السبخة" ( بفتح السين والباء ، وبفتح السين وكسر الباء ) : هي الأرض المالحة ، ذات الملح والنز ، ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر . و" العذية" ( بفتح العين وسكون الذال ، وفتح الياء بغير تشديد ) ، و" العذاة" أيضًا : وهي الأرض التربة ، الكريمة المنبت ، التي ليست بسبخة ، ولا تكون ذات وخامة ولا وباء .(33) في المخطوطة والمطبوعة ، ذكر بعد هذا الخبر التالي رقم : 20072 ، مبتور الآخر ، ثم عاد فروى هذا الخبر ( رقم : 20071 ) بنصه وإسناده ، ثم اتبعه الخبر رقم : 20072 ، فحذفت ما بين ذلك ، لأنه تكرار لا شك فيه ، وسهو من ناسخ الكتاب .(34) في المطبوعة :" الأرض السبخة بينها الأرض العذية" ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، لأنها غير منقوطة .(35) الأثر : 20078 -" أبو إسحاق الكوفي" ،" عبد الله بن ميسرة الحارثي" ، كنيته" أبو ليلى" ، وكناه هشيم :" أبا إسحاق" تارة و" أبا عبد الجليل" تارة أخرى ، كأنه يدلس بكنيته وهو ضعيف ، مضى برقم : 6920 ، 9250 ، 13489 .(36) الأثر : 20082 -" عبد الجبار بن يحيى الرملي" ، شيخ الطبري ، لم نجد له بعد ترجمة . ومضى برقم : 7425 ، 7446 .(37) في المطبوعة :" والخبيث" ، والصواب ما في المخطوطة .(38) الأثر : 20091 -" عمرو بن الهيثم بن قطن الزبيدي" ،" أبو قطن" ، ثقة ، من أصحاب شعبة ، مضى برقم : 18674 .و" يحيى بن عباد الضبعي" ، مضى برقم : 20010 .و" عفان" هو "عفان بن مسلم الصفار" ، ثقة روى له الجماعة ، مضى برقم : 5392 ، 16369 .(39) الأثر : 20098 -" النفيلي" ، هو" عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل" ،" أبو جعفر" ثقة حافظ ، مضى برقم : 9253 ، 9254 .و" زهير" ، هو" زهير بن معاوية الجعفي" ، ثقة روى له الجماعة ، مضى مرارًا آخرها رقم 17513 .(40) الأثر : 20106 - في المخطوطة :" حدثنا يوسف" ، مكان : يونس" ، وصححه في المطبوعة . وهو إسناد دائر في التفسير .(41) " أسرع إليه" ، عجل إليه بالشر وبادره ، مثله" تسرع إليه" ، ومن هذا المجاز قال المرار الفقعسي :إذا شِئتَ يوْمًا أنْ تسودَ عَشِيرَةًفَبِالحِلْمِ سُدْ , لاَ بِالتَّسَرُّعِ والشَّتْمِ(42) الأثر : 20107 - هذا خبر ضعيف ، لجهالة الرجل الذي روى عن عمر ، وسيأتي الخبر من طرق بعد كلها مرسل .وقوله :" عم الرجل صنو أبيه" ، هذا الحديث رواه مسلم في صحيحه ( 7 : 56 ، 57 ) ، من حديث أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، ومن هذه الطريق نفسها رواه أحمد في مسنده 2 : 322 ، 323 ، ورواه الترمذي في باب مناقب العباس مختصرًا وقال :" هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه" .وروى أحمد في مسند علي رضي الله عنه من حديث الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، عن علي ، وهو حديث طويل ، وإسناده ضعيف انقطاعه ، فأحاديث أبي البحتري عن علي مرسلة .وانظر التعليق على الأخبار التالية .(43) الأثر : 20108 - هذا خبر مرسل ، رواه ابن سعد في الطبقات 4 / 1 / 17 ، من طريق محمد بن حميد ، عن معمر .ورواه ابن سعد من طرق أخرى ( 4 / 1 / 17 ) وانظر التعليق على الخبر السالف .(44) الأثران 20109 ، 20110 - خبران مرسلان ، وانظر التعليق السالف .(45) الأثر : 20112 -" إبراهيم بن أبي بكر بن عبد الله الأخنسي" ، لم أجد ذكر جده إلا في هذا الخبر ، وقد سلف لي كلام في تحقيق اسمه ، في الخبرين 10758 ، 10759 ، والمراجع هناك .(46) الأثر : 20113 - : حجاج" فيما أرجح ،" حجاج بن أرطأة" .و" أبو بكر بن عبد الله" ، هو فيما أرجح" أبو بكر بن عبد الله بن أبي الجهم العدوي" ، ولم يذكروا روايته عن" الحسن" ، وهو خليق أن يروى عنه ، مضى برقم : 10334 ، 10335 .وقوله :" استسبخت" ، مما ينبغي أن يزاد على مشتقات" السبخة" في كتب اللغة .(47) في المخطوطة والمطبوعة :" كما ذكروا" ، والصواب ما أثبت .(48) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن ، في تفسير الآية .(49) الأثر : 20117 -" أبو إسحاق الكوفي" ، ضعيف واهي الحديث ، سلف برقم : 20078 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا" أبو إسحاق الصوفي" ، وهو خطأ محض .(50) الأثر : 20121 -" عبد الجبار بن يحيى الرملي" ، انظر ما سلف قريبًا رقم : 20082 .(51) انظر تفسير" الأكل" فيما سلف 5 : 538 / 12 : 157 .(52) " الفارسي" ، من التمر ، لم أجد من ذكره ، وأنا أرجح أن يكون عنى به البرني وهو ضرب من التمر أصفر مدور ، عذب الحلاوة ، وهو أجوده . وقالوا إن لفظ" البرني" فارسي معرب ويرجع ذلك عندي أن الرواية ستأتي عن سعيد بن جبير أيضًا أنه قال :" برني" ، رقم : 20124 .و" الدقل" أردأ أنواع التمر .وسيأتي ذكر" الفارسي" في الخبرين التاليين : 20126 ، 20127 .(53) الأثر : 20126 -" محمود بن خداش الطالقاني" ، شيخ الطبري ، ثقة صدوق ، مضى برقم : 178 ، 18487 .و" سيف بن محمد الثوري" ،" ابن أخت سفيان الثوري" ، لم يرو له من أصحاب الكتب الستة غير الترمذي ، قال البخاري في تاريخه :" ضعفه أحمد" ، وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه ، أنه قال :" كذاب" ، وقال يحيى بن معين :" كان شيخًا ههنا كذابًا خبيثًا" ، وقال أحمد أيضًا :" لا يكتب حديثه ، ليس بشيء ، كان يضع الحديث" . وقال النسائي :" ضعيف متروك وليس بثقة" ، مترجم في التهذيب والكبير 2 / 2 / 173 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 277 ، وميزان الاعتدال 1 : 438 .وهذا الخبر رواه الترمذي ، عن محمود بن خداش أيضًا ، بهذا الإسناد واللفظ في تفسير الآية ، ثم قال :" هذا حديث حسن غريب ، وقد رواه زيد بن أبي أنيسه ( وهو الإسناد التالي ) عن الأعمش ، نحو هذا . وسيف بن محمد هو أخو عمار بن محمد ، وعمار أثبت منه ، وهو ابن أخت سفيان الثوري" .فالعجب للترمذي كيف يحسن إسنادًا فيه هذا الكذاب" سيف بن محمد" . وانظر تخريج الأثر التالي .وكان في المطبوعة :" حدثنا سيف بن محمد بن أحمد ، عن سفيان الثوري" ، أساء ناشرها لأنه لم يدرس الإسناد ، وغير ما في المخطوطة ، وكان فيها :" حدثنا سيف بن محمد بن أحمد سفيان الثوري" ، وفي الهامش علامة الشك والتوقف ، وصوابه ما أثبت .انظر تفسير" الفارسي" فيما سلف ص : 343 ، تعليق : 2 .(54) الأثر : 20127 -" أحمد بن الحسن الترمذي" ، شيخ الطبري ، كان أحد أوعية الحديث ، ثقة ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 19876 .و" سليمان بن عبيد الله الأنصاري الرقي" ،" أبو أيوب الحطاب" ، قال ابن أبي حاتم : صدوق ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال النسائي :" ليس بالقوى ، وقال ابن معين :" ليس بشيء" ، ولم يذكر فيه البخاري جرحا ، مترجم في التهذيب والكبير 2 / 2 / 26 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 127 ، وميزان الاعتدال 1 : 418 .و" عبيد الله بن عمرو الرقي" ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا، آخرها رقم : 16945 .و" زيد بن أبي أنيسة الجزري" ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا آخرها رقم : 16945 .وهذا الخبر أشار إليه الترمذي ، كما أسلفت في التعليق السابق ، وذكره الذهبي في ميزان الاعتدال 1 : 418 ، في ترجمة" سليمان بن عبيد الله" ، بهذا الإسناد تامًا ، ثم قال :" قال العقيلي ، لم يأت به غير سليمان ، وإنما يعرف بسيف بن محمد عن الأعمش . قلت : وسيف هالك" .فهذا إسناد كما ترى ، فيه من الهلاك ، وانفراد الضعيف به ما فيه ، فكيف جاز للترمذي أن يحسنه مع هذه القوادح التي تقدح فيه من نواحيه . ( وانظر علل الحديث لابن أبي حاتم 2 : 80 ، رقم : 1723 ( .انظر تفسير" الفارسي فيما سلف ص : 343 ، تعليق : 2 .(55) في المخطوطة والمطبوعة :" هذه القطع الأرض" ، فالزيادة واجبة .(56) ما بين القوسين زيادة واجبة هنا أيضًا .