عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يَرۡحَمَكُمۡۚ وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَاۚ وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ حَصِيرًا ٨التفسير الميسرعسى ربكم -يا بني إسرائيل- أن يرحمكم بعد انتقامه إن تبتم وأصلحتم، وإن عدتم إلى الإفساد والظلم عُدْنا إلى عقابكم ومذلَّتكم. وجعلنا جهنم لكم وللكافرين عامة سجنًا لا خروج منه أبدا. وفي هذه الآية وما قبلها، تحذير لهذه الأمة من العمل بالمعاصي؛ لئلا يصيبها مثل ما أصاب بني إسرائيل، فسنن الله واحدة لا تبدل ولا تغير.
تفسير السعدي عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ فيديل لكم الكرة عليهم، فرحمهم وجعل لهم الدولة. وتوعدهم على المعاصي فقال: وَإِنْ عُدْتُمْ إلى الإفساد في الأرض عُدْنَا إلى عقوبتكم، فعادوا لذلك فسلط الله عليهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلمفانتقم الله به منهم، فهذا جزاء الدنيا وما عند الله من النكال أعظم وأشنع، ولهذا قال: وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا يصلونها ويلازمونها لا يخرجون منها أبدا. وفي هذه الآيات التحذير لهذه الأمة من العمل بالمعاصي لئلا يصيبهم ما أصاب بني إسرائيل، فسنة الله واحدة لا تبدل ولا تغير.ومن نظر إلى تسليط الكفرة على المسلمين والظلمة، عرف أن ذلك من أجل ذنوبهم عقوبة لهم وأنهم إذا أقاموا كتاب الله وسنة رسوله، مكن لهم في الأرض ونصرهم على أعدائهم.
تفسير ابن كثير(عسى ربكم أن يرحمكم ) أي : فيصرفهم عنكم ( وإن عدتم عدنا ) أي : متى عدتم إلى الإفساد ) عدنا ) إلى الإدالة عليكم في الدنيا مع ما ندخره لكم في الآخرة من العذاب والنكال ؛ ولهذا قال [ تعالى ] ( وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ) أي : مستقرا ومحصرا وسجنا لا محيد لهم عنه .قال ابن عباس [ رضي الله عنهما ] : ( حصيرا ) أي : سجنا .وقال مجاهد : يحصرون فيها . وكذا قال غيره .وقال الحسن : فراش ومهاد .وقال قتادة : قد عاد بنو إسرائيل ، فسلط الله عليهم هذا الحي - محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه - يأخذون منهم الجزية عن يد وهم صاغرون .
تفسير القرطبيقوله تعالى : عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا قوله تعالى : عسى ربكم أن يرحمكم وهذا مما أخبروا به في كتابهم . وعسى وعد من الله أن يكشف عنهم . وعسى من الله واجبة . أن يرحمكم بعد انتقامه منكم ، وكذلك كان ; فكثر عددهم وجعل منهم الملوك .وإن عدتم عدنا قال قتادة : فعادوا فبعث الله عليهم محمدا - صلى الله عليه وسلم - ; فهم يعطون الجزية بالصغار ; وروي عن ابن عباس . وهذا خلاف ما تقدم في الحديث وغيره وقال القشيري : وقد حل العقاب ببني إسرائيل مرتين على أيدي الكفار ، ومرة على أيدي المسلمين . وهذا حين عادوا فعاد الله عليهم .وعلى هذا يصح قول قتادة . وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا أي محبسا وسجنا ، من الحصر وهو الحبس . قال الجوهري : يقال حصره يحصره حصرا ضيق عليه وأحاط به . والحصير : الضيق البخيل . والحصير : البارية . والحصير : الجنب ، قال الأصمعي : هو ما بين العرق الذي يظهر في جنب البعير والفرس معترضا فما فوقه إلى منقطع الجنب . والحصير : الملك ; لأنه محجوب . قال لبيد :وقماقم غلب الرقاب كأنهم جن لدى باب الحصير قيامويروى :ومقامة غلب الرقاب . . .على أن يكون ( غلب ) بدلا من ( مقامة ) كأنه قال : ورب غلب الرقاب . وروي عن أبي عبيدة :. . . لدى طرف الحصير قيامأي عند طرف البساط للنعمان بن المنذر . والحصير : المحبس ; قال الله - تعالى - : وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا . قال القشيري : ويقال للذي يفترش حصيرا ; لحصر بعضه على بعض بالنسج . وقال الحسن : أي فراشا ومهادا ; ذهب إلى الحصير الذي يفرش ، لأن العرب تسمي البساط الصغير حصيرا . قال الثعلبي : وهو وجه حسن .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8)يقول تعالى ذكره: لعلّ ربكم يا بني إسرائيل أن يرحمكم بعد انتقامه منكم بالقوم الذين يبعثهم الله عليكم ليسوء مبعثه عليكم وجوهكم، وليدخلوا المسجد كما دخلوه أوّل مرّة، فيستنقذكم من أيديهم، وينتشلكم من الذلّ الذي يحله بكم، ويرفعكم من الخمولة التي تصيرون إليها، فيعزّكم بعد ذلك، وعسى من الله: واجب، وفعل الله ذلك بهم، فكثر عددهم بعد ذلك، ورفع خَساستهم، وجعل منهم الملوك والأنبياء، فقال جلّ ثناؤه لهم: وإن عدتم يا معشر بني إسرائيل لمعصيتي وخلاف أمري، وقتل رسلي، عدنا عليكم بالقتل والسِّباء، وإحلال الذلّ والصِّغار بكم، فعادوا، فعاد الله عليهم بعقابه وإحلال سخطه بهم.وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، عن عمر بن ثابت، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله ( وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ) قال: عادوا فعاد، ثم عادوا فعاد، ثم عادوا فعاد. قال: فسلَّط الله عليهم ثلاثة ملوك من ملوك فارس: سندبادان وشهربادان وآخر.حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال الله تبارك وتعالى بعد الأولى والآخرة ( وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ) قال: فعادوا فسلَّط الله عليهم المؤمنين.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال ( ) فعاد الله عليهم بعائدته ورحمته (وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا) قال: عاد القوم بشرّ ما يحضرهم، فبعث الله عليهم ما شاء أن يبعث من نقمته وعقوبته، ثم كان ختام ذلك أن بعث الله عليهم هذا الحيّ من العرب، فهم في عذاب منهم إلى يوم القيامة؛ قال الله عزّ وجلّ في آية أخرى وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .... الآية، فبعث الله عليهم هذا الحيّ من العرب.حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال ( وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ) فعادوا، فبعث الله عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم، فهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون.حدثني يونس ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله تعالى ( ) قال بعد هذا(وَإِنْ عُدْتُمْ) لما صنعتم لمثل هذا من قتل يحيى وغيره من الأنبياء (عُدْنا) إليكم بمثل هذا.وقوله ( وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: وجعلنا جهنم للكافرين سجنا يسجنون فيها.* ذكر من قال ذلك:حدثنا محمد بن مسعدة، قال: ثنا جعفر بن سليمان، عن أبي عمران ( وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ) قال: سجنا.حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال : ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ) يقول: جعل الله مأواهم فيها.حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ) قال: مَحْبِسا حَصُورا.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ) يقول: سجنا.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى (حَصِيرًا) قال: يحصرون فيها.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ( وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ) قال: يُحصرون فيها.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ) سجنا يسجنون فيها حصروا فيها.حدثنا عليّ بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله ( وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ) يقول: سجنا.وقال آخرون: معناه : وجعلنا جهنم للكافرين فراشا ومهادا.* ذكر من قال ذلك:حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال : قال الحسن: الحصير: فِراش ومِهاد، وذهب الحسن بقوله هذا إلى أن الحصير في هذا الموضع عني به الحصير الذي يُبْسط ويفترش، وذلك أن العرب تسمي البساط الصغير حصيرا، فوجَّه الحسن معنى الكلام إلى أن الله تعالى جعل جهنم للكافرين به بساطا ومهادا، كما قال لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وهو وجه حسن وتأويل صحيح، وأما الآخرون، فوجهوه إلى أنه فعيل من الحصر الذي هو الحبس. وقد بيَّنت ذلك بشواهده في سورة البقرة، وقد تسمي العرب الملك حصيرابمعنى أنه محصور: أي محجوب عن الناس، كما قال لبيد:وَمَقاَمةٍ غُلْبِ الرّقابِ كأنَّهُمْجِنٌّ لَدَى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ (1)يعني بالحصير: الملك، ويقال للبخيل: حصور وحصر: لمنعه ما لديه من المال عن أهل الحاجة، وحبسه إياه عن النفقة، كما قال الأخطل:وشَارِبٍ مُرْبِحٍ بالكأْسِ نادَمَنِيلا بالحَصُورِ وَلا فِيها بِسَوَّارِ (2)ويروى: بسآر. ومنه الحصر في المنطق لامتناع ذلك عليه، واحتباسه إذا أراده. ومنه أيضا الحصور عن النساء لتعذّر ذلك عليه، وامتناعه من الجماع، وكذلك الحصر في الغائط: احتباسه عن الخروج، وأصل ذلك كله واحد وإن اختلفت ألفاظه. فأما الحصيران: فالجنبان، كما قال الطرمّاح:قَلِيلا تَتَلَّى حاجَةً ثُمَّ عُولِيَتْعَلى كُلّ مَفْرُوشِ الحَصِيرَيْنِ بادِنِ (3)يعني بالحصيرين: الجنبيّن.والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: معنى ذلك ( وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ) فراشا ومهادا لا يزايله من الحصير الذي بمعنى البساط، لأن ذلك إذا كان كذلك كان جامعا معنى الحبس والامتهاد، مع أن الحصير بمعنى البساط في كلام العرب أشهر منه بمعنى الحبس، وأنها إذا أرادت أن تصف شيئا بمعنى حبس شيء، فإنما تقول: هو له حاصر أو محصر، فأما الحصير فغير موجود في كلامهم، إلا إذا وصفته بأنه مفعول به، فيكون في لفظ فعيل، ومعناه مفعول به، ألا ترى بيت لبيد: لدى باب الحصير؟ فقال: لدى باب الحصير، لأنه أراد: لدى باب المحصور، فصرف مفعولا إلى فعيل. فأما فعيل في الحصر بمعنى وصفه بأنه الحاصر . فذلك ما لا نجده في كلام العرب، فلذلك قلت: قول الحسن أولى بالصواب في ذلك، وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة أن ذلك جائز، ولا أعلم لما قال وجها يصحّ إلا بعيدا وهو أن يقال: جاء حصير بمعنى حاصر، كما قيل: عليم بمعنى عالم، وشهيد بمعنى شاهد، ولم يسمع ذلك مستعملا في الحاصر كما سمعنا في عالم وشاهد.---------------------الهوامش :(1) البيت في (ديوان لبيد، طبع ليدن سنة 1891 ص 39) . والرواية فيه : "لدى طرف الحصير" . وروايته في (مجاز القرآن لأبي عبيدة ص 371) وفي (لسان العرب: قوم): كرواية المؤلف هنا. قالا: ويقال للملك حصير، لأنه محجوب. والمقامة والمقام المجلس، ومقامات الناس: مجالسهم والمقامة: السادة، والغلب: جمع أغلب، وصف من غلب غلبا (كفرح فرحا): إذا غلظت رقبته. وفي (اللسان: حصر) ذكر هذا الشاهد كرواية المؤلف مع وضع لفظة "وقماقم" في مكان: "ومقامة" وأشار إلى الرواية الأخرى. ثم قال: والحصير المحبس، وفي التنزيل: "وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا" ، قال القتيبي: هو من حصرته، أي حبسته. فهو محصور، وهذا حصيره، أي محبسه .(2) تقدم شرح هذا الشاهد في الجزء الثالث من هذا التفسير (ص 255).(3) البيت في ديوان الطرماح بن حكيم (طبع ليدن سنة 1927 ص 164) وقتلى الشيء: تتبعه وتتلى أيضا: بقي بقية من دينه. وعوليت: ذهب بها إلى العالية ، وهي نجد والحصير سفيفة تصنع من بردي وأسل ثم تفرش.
إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا ٩التفسير الميسرإن هذا القرآن الذي أنزلناه على عبدنا محمد يرشد الناس إلى أحسن الطرق، وهي ملة الإسلام، ويبشر المؤمنين الذين يعملون بما أمرهم الله به، وينتهون عمَّا نهاهم عنه، بأن لهم ثوابًا عظيمًا، وأن الذين لا يصدقون بالدار الآخرة وما فيها من الجزاء أعددنا لهم عذابًا موجعًا في النار.
تفسير السعدييخبر تعالى عن شرف القرآن وجلالته وأنه يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ أي: أعدل وأعلى من العقائد والأعمال والأخلاق، فمن اهتدى بما يدعو إليه القرآن كان أكمل الناس وأقومهم وأهداهم في جميع أموره. وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ من الواجبات والسنن، أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا أعده الله لهم في دار كرامته لا يعلم وصفه إلا هو.
تفسير ابن كثيريمدح تعالى كتابه العزيز الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن ، بأنه يهدي لأقوم الطرق ، وأوضح السبل ( ويبشر المؤمنين ) به ( الذين يعملون الصالحات ) على مقتضاه ( أن لهم أجرا كبيرا ) أي : يوم القيامة .
تفسير القرطبيقوله تعالى : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرالما ذكر المعراج ذكر ما قضى إلى بني إسرائيل ، وكان ذلك دلالة على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ثم بين أن الكتاب الذي أنزله الله عليه سبب اهتداء . ومعنى للتي هي أقوم أي الطريقة التي هي أسد وأعدل وأصوب ; ف التي نعت لموصوف محذوف ، أي الطريقة إلى نص أقوم . وقال الزجاج : للحال التي هي أقوم الحالات ، وهي توحيد الله والإيمان برسله . وقاله الكلبي والفراء .قوله تعالى : ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات تقدم . أن لهم في موضع نصب ب يبشر وقال الكسائي وجماعة من البصريين : أن في موضع خفض بإضمار الباء . أي بأن لهم .أجرا كبيرا أي الجنة .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: إن هذا القرآن الذي أنزلناه على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يرشد ويسدّد من اهتدى به (لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) يقول: للسبيل التي هي أقوم من غيرها من السبل ، وذلك دين الله الذي بعث به أنبياءه وهو الإسلام، يقول جلّ ثناؤه: فهذا القرآن يهدي عباد الله المهتدين به إلى قصد السبيل التي ضل عنها سائر أهل الملل المكذبين به.كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) قال: التي هي أصوب: هو الصواب وهو الحقّ؛ قال: والمخالف هو الباطل. وقرأ قول الله تعالى فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ قال: فيها الحقّ ليس فيها عوج. وقرأ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا * قَيِّمًا يقول: قيما مستقيما.وقوله (وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ) يقول: ويبشر أيضا مع هدايته من اهتدى به للسبيل الأقصد الذين يؤمنون بالله ورسوله، ويعملون في دنياهم بما أمرهم الله به، وينتهون عما نهاهم عنه بأن (لَهُمْ أجْرًا) من الله على إيمانهم وعملهم الصالحات ( كَبِيرًا ) يعني ثوابا عظيما، وجزاء جزيلا وذلك هو الجنة التي أعدّها الله تعالى لمن رضي عمله.كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ( أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ) قال: الجنة، وكلّ شيء في القرآن أجر كبير، أجر كريم، ورزق كريم فهو الجنة،وأن في قوله ( أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ) نصب بوقوع البشارة عليها، وأن الثانية معطوفة عليها.
وَأَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٠التفسير الميسرإن هذا القرآن الذي أنزلناه على عبدنا محمد يرشد الناس إلى أحسن الطرق، وهي ملة الإسلام، ويبشر المؤمنين الذين يعملون بما أمرهم الله به، وينتهون عمَّا نهاهم عنه، بأن لهم ثوابًا عظيمًا، وأن الذين لا يصدقون بالدار الآخرة وما فيها من الجزاء أعددنا لهم عذابًا موجعًا في النار.
تفسير السعدي وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا فالقرآن مشتمل على البشارة والنذارة وذكر الأسباب التي تنال بها البشارة وهو الإيمان والعمل الصالح والتي تستحق بها النذارة وهو ضد ذلك.
تفسير ابن كثير( وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة ) أي : ويبشر الذين لا يؤمنون بالآخرة أن ( لهم عذابا أليما ) أي : يوم القيامة ، كما قال تعالى : ( فبشرهم بعذاب أليم ) [ آل عمران : 21 ] .
تفسير القرطبيوأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أي ويبشرهم بأن لأعدائهم العقاب . والقرآن معظمه وعد ووعيد . وقرأ حمزة والكسائي ويبشر مخففا بفتح الياء وضم الشين ; وقد ذكر .
تفسير الطبريوقوله ( وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ) يقول تعالى ذكره:وأن الذين لا يصدّقون بالمعاد إلى الله، ولا يقرّون بالثواب والعقاب في الدنيا، فهم لذلك لا يتحاشون من ركوب معاصي الله (أَعْتَدْنَا لَهُمْ) يقول: أعددنا لهم، لقدومهم على ربهم يوم القيامة (عَذَابًا أَلِيما) يعني موجعا، وذلك عذاب جهنم.
وَيَدۡعُ ٱلۡإِنسَٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُۥ بِٱلۡخَيۡرِۖ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ عَجُولٗا ١١التفسير الميسرويدعو الإنسان أحيانًا على نفسه أو ولده أو ماله بالشر، وذلك عند الغضب، مثل ما يدعو بالخير، وهذا من جهل الإنسان وعجلته، ومن رحمة الله به أنه يستجيب له في دعائه بالخير دون الشر؛ لأنه يعلم منه عدم القصد إلى إرادة ذلك، وكان الإنسان بطبعه عجولا.
تفسير السعديوهذا من جهل الإنسان وعجلته حيث يدعو على نفسه وأولاده وماله بالشر عند الغضب ويبادر بذلك الدعاء كما يبادر بالدعاء في الخير، ولكن الله -بلطفه - يستجيب له في الخير ولا يستجيب له بالشر. وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ
تفسير ابن كثيريخبر تعالى عن عجلة الإنسان ، ودعائه في بعض الأحيان على نفسه أو ولده أو ماله ) بالشر ) أي : بالموت أو الهلاك والدمار واللعنة ونحو ذلك ، فلو استجاب له ربه لهلك بدعائه ، كما قال تعالى : ( ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم ) [ يونس : 11 ] ، وكذا فسره ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، وقد تقدم في الحديث : " لا تدعوا على أنفسكم ولا على أموالكم ، أن توافقوا من الله ساعة إجابة يستجيب فيها " .وإنما يحمل ابن آدم على ذلك عجلته وقلقه ؛ ولهذا قال تعالى ( وكان الإنسان عجولا )وقد ذكر سلمان الفارسي وابن عباس - رضي الله عنهما - هاهنا قصة آدم ، عليه السلام ، حين هم بالنهوض قائما قبل أن تصل الروح إلى رجليه ، وذلك أنه جاءته النفخة من قبل رأسه ، فلما وصلت إلى دماغه عطس ، فقال : الحمد لله . فقال الله : يرحمك ربك يا آدم . فلما وصلت إلى عينيه فتحهما ، فلما سرت إلى أعضائه وجسده جعل ينظر إليه ويعجبه ، فهم بالنهوض قبل أن تصل إلى رجليه فلم يستطع وقال : يا رب عجل قبل الليل .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا قوله تعالى : ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير قال ابن عباس وغيره : هو دعاء الرجل على نفسه وولده عند الضجر بما لا يحب أن يستجاب له : اللهم أهلكه ، ونحوه .دعاءه بالخير أي كدعائه ربه أن يهب له العافية ; فلو استجاب الله دعاءه على نفسه بالشر هلك لكن بفضله لا يستجيب له في ذلك . نظيره : ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير وقد تقدم . وقيل : نزلت في النضر بن الحارث ، كان يدعو ويقول : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم . وقيل : هو أن يدعو في طلب المحظور كما يدعو في طلب المباح ، قال الشاعر وهو ابن جامع :أطوف بالبيت فيمن يطوف وأرفع من مئزري المسبل وأسجد بالليل حتى الصباحوأتلو من المحكم المنزل عسى فارج الهم عن يوسفيسخر لي ربة المحملقال الجوهري : يقال ما على فلان محمل مثال مجلس أي معتمد . والمحمل أيضا : واحد محامل الحاج . والمحمل مثال المرجل : علاقة السيف . وحذفت الواو من ويدع الإنسان في اللفظ والخط ولم تحذف في المعنى لأن موضعها رفع فحذفت لاستقبالها اللام الساكنة ; كقوله - تعالى - : سندع الزبانية ويمح الله الباطل وسوف يؤت الله المؤمنين يناد المناد فما تغن النذر .وكان الإنسان عجولا أي طبعه العجلة ، فيعجل بسؤال الشر كما يعجل بسؤال الخير . وقيل : أشار به إلى آدم - عليه السلام - حين نهض قبل أن تركب فيه الروح على الكمال . قال سلمان : أول ما خلق الله - تعالى - من آدم رأسه فجعل ينظر وهو يخلق جسده ، فلما كان عند العصر بقيت رجلاه لم ينفخ فيهما الروح فقال : يا رب عجل قبل الليل ; فذلك قوله : وكان الإنسان عجولا . وقال ابن عباس : لما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده فذهب لينهض فلم يقدر ; فذلك قوله : وكان الإنسان عجولا . وقال ابن مسعود : لما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة ; فذلك حين يقول : خلق الإنسان من عجل ذكره البيهقي . وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لما صور الله - تعالى - آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك وقد تقدم . وقيل : سلم - عليه السلام - أسيرا إلى سودة فبات يئن فسألته فقال : أنيني لشدة القد والأسر ; فأرخت من كتافه فلما نامت هرب ; فأخبرت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : قطع الله يديك فلما أصبحت كانت تتوقع الآفة ; فقال - عليه السلام - : إني سألت الله - تعالى - أن يجعل دعائي على من لا يستحق من أهلي رحمة لأني بشر أغضب كما يغضب البشر ونزلت الآية ; ذكره القشيري أبو نصر - رحمه الله - . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر وإني قد اتخذت عندك عهدا لن تخلفينه فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة . وفي الباب عن عائشة وجابر . وقيل : معنى وكان الإنسان عجولا أي يؤثر العاجل وإن قل ، على الآجل وإن جل .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره مذكرا عباده أياديه عندهم، ويدعو الإنسان على نفسه وولده وماله بالشرّ، فيقول: اللهمّ أهلكه والعنه عند ضجره وغضبه، كدعائه بالخير: يقول: كدعائه ربه بأن يهب له العافية، ويرزقه السلامة في نفسه وماله وولده، يقول: فلو استجيب له في دعائه على نفسه وماله وولده بالشرّ كما يستجاب له في الخير هلك، ولكن الله بفضله لا يستجيب له في ذلك.وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ، قوله ( وَيَدْعُ الإنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولا ) يعني قول الإنسان: اللهمَّ العنه واغضب عليه، فلو يُعَجل له ذلك كما يُعجل له الخير، لهلك، قال: ويقال: هو وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا أن يكشف ما به من ضرّ، يقول تبارك وتعالى: لو أنه ذكرني وأطاعني، واتبع أمري عند الخير، كما يدعوني عند البلاء، كان خيرا له.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَيَدْعُ الإنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولا ) يدعو على ماله، فيلعن ماله وولده، ولو استجاب الله له لأهلكه.حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَيَدْعُ الإنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ) قال: يدعو على نفسه بما لو استجيب له هلك، وعلى خادمه، أو على ماله.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ( وَيَدْعُ الإنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولا ) قال: ذلك دعاء الإنسان بالشرّ على ولده وعلى امرأته، فيعجل: فيدعو عليه، ولا يحب أن يصيبه.واختلف في تأويل قوله ( وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولا ) فقال مجاهد ومن ذكرت قوله: معناه: وكان الإنسان عَجولا بالدعاء على ما يكره، أن يُستجاب له فيه.وقال آخرون: عنى بذلك آدم أنه عجل حين نفخ فيه الروح قبل أن تجري في جميع جسده ، فرام النهوض، فوصف ولده بالاستعجال، لما كان من استعجال أبيهم آدم القيام، قبل أن يتمّ خلقه.* ذكر من قال ذلك:حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شُعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، أن سلمان الفارسيّ، قال: أوّل ما خلق الله من آدم رأسه، فجعل ينظر وهو يُخلق، قال: وبقيت رجلاه؛ فلما كان بعد العصر قال: يا ربّ عَجِّل قبل الليل، فذلك قوله ( وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولا ).حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي رَوْق، عن الضحاك عن ابن عباس، قال: لما نفخ الله في آدم من روحه أتت النفخة من قبَل رأسه، فجعل لا يجرى شيء منها في جسده، إلا صار لحما ودما؛ فلما انتهت النفخة إلى سرّته، نظر إلى جسده، فأعجبه ما رأى من جسده فذهب لينهض فلم يقدر، فهو قول الله تبارك وتعالى ( وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولا ) قال: ضَجِرا لا صبر له على سرّاء، ولا ضرّاء.
وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيۡنِۖ فَمَحَوۡنَآ ءَايَةَ ٱلَّيۡلِ وَجَعَلۡنَآ ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبۡصِرَةٗ لِّتَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡ وَلِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ وَكُلَّ شَيۡءٖ فَصَّلۡنَٰهُ تَفۡصِيلٗا ١٢التفسير الميسروجعلنا الليل والنهار علامتين دالَّتين على وحدانيتنا وقدرتنا، فمَحَوْنا علامة الليل -وهي القمر- وجعلنا علامة النهار -وهي الشمس- مضيئة؛ ليبصر الإنسان في ضوء النهار كيف يتصرف في شؤون معاشه، ويخلد في الليل إلى السكن والراحة، وليعلم الناس -من تعاقب الليل والنهار- عدد السنين وحساب الأشهر والأيام، فيرتبون عليها ما يشاؤون من مصالحهم. وكل شيء بيَّناه تبيينًا كافيًا.
تفسير السعدييقول تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ أي: دالتين على كمال قدرة الله وسعة رحمته وأنه الذي لا تنبغي العبادة إلا له. فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ أي: جعلناه مظلما للسكون فيه والراحة، وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً أي: مضيئة لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ في معايشكم وصنائعكم وتجاراتكم وأسفاركم. وَلِتَعْلَمُوا بتوالي الليل والنهار واختلاف القمر عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ فتبنون عليها ما تشاءون من مصالحكم. وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا أي: بينا الآيات وصرفناه لتتميز الأشياء ويستبين الحق من الباطل كما قال تعالى: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ
تفسير ابن كثيريمتن تعالى على خلقه بآياته العظام ، فمنها مخالفته بين الليل والنهار ، ليسكنوا في الليل وينتشروا في النهار للمعايش والصناعات والأعمال والأسفار ، وليعلموا عدد الأيام والجمع والشهور والأعوام ، ويعرفوا مضي الآجال المضروبة للديون والعبادات والمعاملات والإجارات وغير ذلك ؛ ولهذا قال : ( لتبتغوا فضلا من ربكم ) أي : في معايشكم وأسفاركم ونحو ذلك ( ولتعلموا عدد السنين والحساب ) فإنه لو كان الزمان كله نسقا واحدا وأسلوبا متساويا ؛ لما عرف شيء من ذلك ، كما قال تعالى : ( قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ) [ القصص : 71 - 73 ] ، وقال تعالى : ( تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ) [ الفرقان : 61 ، 62 ] وقال تعالى : ( وله اختلاف الليل والنهار ) [ المؤمنون : 80 ] ، وقال : ( يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار ) [ الزمر : 5 ] ، وقال تعالى : ( فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم ) [ الأنعام : 96 ] ، وقال تعالى : ( وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم ) [ يس : 37 ، 38 ] .ثم إنه تعالى جعل لليل آية ، أي : علامة يعرف بها وهي الظلام وظهور القمر فيه ، وللنهار علامة ، وهي النور وظهور الشمس النيرة فيه ، وفاوت بين ضياء القمر وبرهان الشمس ليعرف هذا من هذا ، كما قال تعالى : ( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق ) إلى قوله : ( لآيات لقوم يتقون ) [ يونس : 5 ، 6 ] ، كما قال تعالى : ( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ) الآية [ البقرة : 189 ] .قال ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير في قوله : ( فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ) قال : ظلمة الليل وسدفة النهار .وقال ابن جريج عن مجاهد : الشمس آية النهار ، والقمر آية الليل ( فمحونا آية الليل ) قال : السواد الذي في القمر ، وكذلك خلقه الله تعالى .وقال ابن جريج : قال ابن عباس : كان القمر يضيء كما تضيء الشمس ، والقمر آية الليل ، والشمس آية النهار ( فمحونا آية الليل ) السواد الذي في القمر .وقد روى أبو جعفر بن جرير من طرق متعددة جيدة : أن ابن الكواء سأل [ أمير المؤمنين ] علي بن أبي طالب فقال : يا أمير المؤمنين ، ما هذه اللطخة التي في القمر ؟ فقال : ويحك أما تقرأ القرآن ؟ ( فمحونا آية الليل ) فهذه محوه .وقال قتادة في قوله : ( فمحونا آية الليل ) كنا نحدث أن محو آية الليل سواد القمر الذي فيه ، وجعلنا آية النهار مبصرة ، أي : منيرة ، خلق الشمس أنور من القمر وأعظم .وقال ابن أبي نجيح عن ابن عباس : ( وجعلنا الليل والنهار آيتين ) قال : ليلا ونهارا ، كذلك خلقهما الله ، عز وجل .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلاقوله تعالى : وجعلنا الليل والنهار آيتين أي علامتين على وحدانيتنا ووجودنا وكمال علمنا وقدرتنا . والآية فيهما : إقبال كل واحد منهما من حيث لا يعلم ، وإدباره إلى حيث لا يعلم .ونقصان أحدهما بزيادة الآخر وبالعكس آية أيضا . وكذلك ضوء النهار وظلمة الليل . وقد مضى هذا .فمحونا آية الليل ولم يقل : فمحونا الليل ، فلما أضاف الآية إلى الليل والنهار دل على أن الآيتين المذكورتين لهما لا هما . ومحونا معناه طمسنا . وفي الخبر أن الله - تعالى - أمر جبريل - عليه السلام - فأمر جناحه على وجه القمر فطمس عنه الضوء وكان كالشمس في النور ، والسواد الذي يرى في القمر من أثر المحو . قال ابن عباس : جعل الله الشمس سبعين جزءا والقمر سبعين جزءا ، فمحا من نور القمر تسعة وستين جزءا فجعله مع نور الشمس ، فالشمس على مائة وتسع وثلاثين جزءا والقمر على جزء واحد . وعنه أيضا : خلق الله شمسين من نور عرشه ، فجعل ما سبق في علمه أن يكون شمسا مثل الدنيا على قدرها ما بين مشارقها إلى مغاربها ، وجعل القمر دون الشمس ; فأرسل جبريل - عليه السلام - فأمر جناحه على وجهه ثلاث مرات وهو يومئذ شمس فطمس ضوءه وبقي نوره ; فالسواد الذي ترونه في القمر أثر المحو ، ولو تركه شمسا لم يعرف الليل من النهار ذكر عنه الأول الثعلبي والثاني المهدوي ; وسيأتي مرفوعا . وقال علي - رضي الله عنه - وقتادة : يريد بالمحو اللطخة السوداء التي في القمر ، ليكون ضوء القمر أقل من ضوء الشمس فيتميز به الليل من النهار .وجعلنا آية النهار مبصرة أي جعلنا شمسه مضيئة للأبصار . قال أبو عمرو بن العلاء : أي يبصر بها . قال الكسائي : وهو من قول العرب أبصر النهار إذا أضاء ، وصار بحالة يبصر بها . وقيل : هو كقولهم خبيث مخبث إذا كان أصحابه خبثاء . ورجل مضعف إذا كانت دوابه ضعافا ; فكذلك النهار مبصرا إذا كان أهله بصراء .لتبتغوا فضلا من ربكم يريد التصرف في المعاش . ولم يذكر السكون في الليل اكتفاء بما ذكر في النهار . وقد قال في موضع آخر : هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا .ولتعلموا عدد السنين والحساب أي لو لم يفعل ذلك لما عرف الليل من النهار ، ولا كان يعرف الحساب والعدد .وكل شيء فصلناه تفصيلا أي من أحكام التكليف ; وهو كقوله : تبيانا لكل شيء ما فرطنا في الكتاب من شيء . وعن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لما أبرم الله خلقه فلم يبق من خلقه غير آدم خلق شمسا من نور عرشه وقمرا فكانا جميعا شمسين فأما ما كان في سابق علم الله أن يدعها شمسا فخلقها مثل الدنيا ما بين مشارقها ومغاربها وأما ما كان في علم الله أن يخلقها قمرا فخلقها دون الشمس في العظم ولكن إنما يرى صغرهما من شدة ارتفاع السماء وبعدها من الأرض فلو ترك الله الشمس والقمر كما خلقهما لم يعرف الليل من النهار ولا كان الأجير يدري إلى متى يعمل ولا الصائم إلى متى يصوم ولا المرأة كيف تعتد ولا تدرى أوقات الصلوات والحج ولا تحل الديون ولا حين يبذرون ويزرعون ولا متى يسكنون للراحة لأبدانهم وكأن الله نظر إلى عباده وهو أرحم بهم من أنفسهم فأرسل جبريل فأمر جناحه على وجه القمر ثلاث مرات وهو يومئذ شمس فطمس عنه الضوء وبقي فيه النور فذلك قوله وجعلنا الليل والنهار آيتين الآية .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: ومن نعمته عليكم أيها الناس، مخالفته بين علامة الليل وعلامة النهار، بإظلامه علامة الليل، وإضاءته علامة النهار، لتسكنوا في هذا، وتتصرّفوا في ابتغاء رزق الله الذي قدره لكم بفضله في هذا، ولتعلموا باختلافهما عدد السنين وانقضاءها، وابتداء دخولها، وحساب ساعات النهار والليل وأوقاتها( وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا ) يقول: وكلّ شيء بيناه بيانا شافيا لكم أيها الناس لتشكروا الله على ما أنعم به عليكم من نعمه، وتخلصوا له العبادة، دون الآلهة والأوثان.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عبد العزيز بن رُفيع، عن أبي الطُفيل، قال: قال ابن الكَوّاء (4) لعليّ: يا أمير المؤمنين، ما هذه اللَّطْخة التي في القمر؟ فقال: ويْحَك أما تقرأ القرآن (فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ) ، فهذه محوه.حدثنا أبو كريب، قال: ثنا طلق ، عن زائدة، عن عاصم، عن عليّ بن ربيعة، قال: سأل ابن الكوّاء عليا فقال: ما هذا السواد في القمر؟ فقال عليّ( فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ) هُوَ المَحْو.حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عمر، قال: كنت عند عليّ، فسأله ابن الكَوّاء عن السواد الذي في القمر؟ فقال: ذاك آية الليل مُحِيت.حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا يزيد بن زُريع، قال: ثنا عمران بن حُدير، عن رفيع بن أبي كثير قال: قال عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه: سَلُوا عما شئتم، فقام ابن الكوّاء فقال: ما السواد الذي في القمر، فقال: قاتلك الله، هلا سألت عن أمر دينك وآخرتك؟ قال: ذلك مَحْو الليل.حدثني زكريا بن يحيى بن أبان المصريّ، قال: ثنا ابن عُفَير، قال: ثنا ابن لَهيعة، عن حُيَيّ بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رجلا قال لعليّ: ما السواد الذي في القمر؟ قال: إن الله يقول ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ).حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ ) قال: هو السواد بالليل.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، والقمر آية الليل، والشمس آية النهار، فمحونا آية الليل: السواد الذي في القمر.حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: ذكر ابن جريج، عن مجاهد، في قوله ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ) قال: الشمس آية النهار، والقمر آية الليل (فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ) قال: السواد الذي في القمر، وكذلك خلقه الله.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ) قال: ليلا ونهارا، كذلك خلقهما الله، قال ابن جريج : وأخبرنا عبد الله بن كثير، قال ( فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ) قال: ظلمة الليل وسدفة النهار.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ) : أي منيرة، وخلق الشمس أنور من القمر وأعظم.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، ثنا عيسى، وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ) قال: ليلا ونهارا، كذلك جعلهما الله.واختلف أهل العربية في معنى قوله ( وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ) فقال بعض نحويي الكوفة معناها: مضيئة، وكذلك قوله (والنَّهار مُبْصِرًا) معناه: مضيئا، كأنه ذهب إلى أنه قيل مبصرا، لإضاءته للناس البصر. وقال آخرون: بل هو من أبصر النهار: إذا صار الناس يبصرون فيه فهو مبصر، كقولهم: رجل مجبن: إذا كان أهله وأصحابه جبناء، ورجل مضعف: إذا كانت رواته ضعفاء، فكذلك النهار مبصرا: إذا كان أهله بصراء.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ ) قال: جعل لكم سبحا طويلا.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال : ثنا سعيد، عن قتادة ( وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا ) : أي بيناه تبيينا.---------------------الهوامش :(4) ابن الكواء: هو عبد الله بن الكواء الخارجي، أحد الذين كانوا مع علي في صفين، ثم فارقوه بعد التحكيم. فكان من زعماء الخوارج.
وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا ١٣التفسير الميسروكل إنسان يجعل الله ما عمله مِن خير أو شر ملازمًا له، فلا يحاسَب بعمل غيره، ولا يحاسَب غيره بعمله، ويخرج الله له يوم القيامة كتابًا قد سُجِّلت فيه أعماله يراه مفتوحًا.
تفسير السعديوهذا إخبار عن كمال عدله أن كل إنسان يلزمه طائره في عنقه، أي: ما عمل من خير وشر يجعله الله ملازما له لا يتعداه إلى غيره، فلا يحاسب بعمل غيره ولا يحاسب غيره بعمله. وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا فيه ما عمله من الخير والشر حاضرا صغيره وكبيره
تفسير ابن كثيريقول تعالى بعد ذكر الزمان وذكر ما يقع فيه من أعمال بني آدم : ( وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ) وطائره : هو ما طار عنه من عمله ، كما قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد : من خير وشر ، يلزم به ويجازى عليه ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) [ الزلزلة : 5 ، 6 ] ، وقال تعالى : ( عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) [ ق : 17 ، 18 ] ، وقال تعالى : ( وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ) [ الانفطار : 10 - 14 ] ، قال : ( إنما تجزون ما كنتم تعملون ) [ الطور : 16 ] وقال : ( من يعمل سوءا يجز به ) [ النساء : 123 ] .والمقصود أن عمل ابن آدم محفوظ عليه ، قليله وكثيره ، ويكتب عليه ليلا ونهارا ، صباحا ومساء .وقال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة ، حدثنا ابن لهيعة ، عن أبى الزبير ، عن جابر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لطائر كل إنسان في عنقه " . قال ابن لهيعة : يعني الطيرة .وهذا القول من ابن لهيعة في تفسير هذا الحديث ، غريب جدا ، والله أعلم .وقوله [ تعالى ] ( ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ) أي : نجمع له عمله كله في كتاب يعطاه يوم القيامة ، إما بيمينه إن كان سعيدا ، أو بشماله إن كان شقيا ) منشورا ) أي : مفتوحا يقرؤه هو وغيره ، فيه جميع عمله من أول عمره إلى آخره ( ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره ) [ القيامة : 13 - 15 ]
تفسير القرطبيقوله تعالى : وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشوراقوله تعالى : وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه قال الزجاج : ذكر العنق عبارة عن اللزوم كلزوم القلادة للعنق . وقال ابن عباس : طائره عمله وما قدر عليه من خير وشر ، وهو ملازمه أينما كان . وقال مقاتل والكلبي : خيره وشره معه لا يفارقه حتى يحاسب به . وقال مجاهد : عمله ورزقه ، وعنه : ما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة فيها مكتوب شقي أو سعيد . وقال الحسن : ألزمناه طائره أي شقاوته وسعادته وما كتب له من خير وشر وما طار له من التقدير ، أي صار له عند القسمة في الأزل . وقيل : أراد به التكليف ، أي قدرناه إلزام الشرع ، وهو بحيث لو أراد أن يفعل ما أمر به وينزجر عما زجر به أمكنه ذلك . ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا يعني كتاب طائره الذي في عنقه . وقرأ الحسن وأبو رجاء ومجاهد : " طيره " بغير ألف ; ومنه ما روي في الخبر اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا رب غيرك . وقرأ ابن عباس والحسن ومجاهد وابن محيصن وأبو جعفر ويعقوب " ويخرج " بفتح الياء وضم الراء ، على معنى ويخرج له الطائر كتابا ; ف كتابا منصوب على الحال . ويحتمل أن يكون المعنى : ويخرج الطائر فيصير كتابا . وقرأ يحيى بن وثاب " ويخرج " بضم الياء وكسر الراء ; وروي عن مجاهد ; أي يخرج الله . وقرأ شيبة ومحمد بن السميقع ، وروي أيضا عن أبي جعفر : " ويخرج " بضم الياء وفتح الراء على الفعل المجهول ، ومعناه : ويخرج له الطائر كتابا . الباقون ونخرج بنون مضمومة وكسر الراء ; أي ونحن نخرج . احتج أبو عمرو في هذه القراءة بقوله ألزمناه . وقرأ أبو جعفر والحسن وابن عامر " يلقاه " بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف ، بمعنى يؤتاه . الباقون بفتح الياء خفيفة ، أي يراه منشورا . وقال منشورا تعجيلا للبشرى بالحسنة والتوبيخ بالسيئة .وقال أبو السوار العدوي وقرأ هذه الآية وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه قال : هما نشرتان وطية ; أما ما حييت يا ابن آدم فصحيفتك المنشورة فأمل فيها ما شئت ; فإذا مت طويت حتى إذا بعثت نشرت .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: وكلّ إنسان ألزمناه ما قضى له أنه عامله، وهو صائر إليه من شقاء أو سعادة بعمله في عنقه لا يفارقه، وإنما قوله (ألْزَمْناهُ طائِرَهُ) مثل لما كانت العرب تتفاءل به أو تتشاءم من سوانح الطير وبوارحها، فأعلمهم جلّ ثناؤه أن كلّ إنسان منهم قد ألزمه ربه طائره في عنقه نحسا كان ذلك الذي ألزمه من الطائر، وشقاء يورده سعيرا، أو كان سعدا يورده جنات عدن.وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن بشار ، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثني أبي، عن قتادة، عن جابر بن عبد الله أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا عَدْوَى وَلا طِيَرةَ وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَه فِي عُنُقِهِ".حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ) قال: الطائر: عمله، قال: والطائر في أشياء كثيرة، فمنه التشاؤم الذي يتشاءم به الناس بعضهم من بعض.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج ، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء الخراساني عن ابن عباس، قوله ( وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ) قال: عمله وما قدر عليه، فهو ملازمه أينما كان، فزائل معه أينما زال. قال ابن جريج: وقال : طائره: عمله، قال: ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قال: عمله وما كتب الله له.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: طائره: عمله.حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان؛ وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو جميعا عن منصور، عن مجاهد ( وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ) قال: عمله.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، مثله.حدثني واصل بن عبد الأعلى ، قال: ثنا ابن فضيل، عن الحسن بن عمرو الفقيمي، عن الحكم، عن مجاهد، في قوله ( وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ) قال: ما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقيّ أو سعيد. قال: وسمعته يقول: أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب، قال: هو ما سبق.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ) : إي والله بسعادته وشقائه بعمله.حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: طائره: عمله.فإن قال قائل: وكيف قال: ألزمناه طائره في عنقه إن كان الأمر على ما وصفت، ولم يقل: ألزمناه في يديه ورجليه أو غير ذلك من أعضاء الجسد؟ قيل: لأن العنق هو موضع السمات، وموضع القلائد والأطوقة، وغير ذلك مما يزين أو يشين، فجرى كلام العرب بنسبة الأشياء اللازمة بني آدم وغيرهم من ذلك إلى أعناقهم وكثر استعمالهم ذلك حتى أضافوا الأشياء اللازمة سائر الأبدان إلى الأعناق، كما أضافوا جنايات أعضاء الأبدان إلى اليد، فقالوا: ذلك بما كسبت يداه، وإن كان الذي جرّ عليه لسانه أو فرجه، فكذلك قوله ( أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ).واختلفت القرّاء في قراءة قوله ( وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ) فقرأه بعض أهل المدينة ومكة، وهو نافع وابن كثير وعامة قرّاء العراق (ونُخْرِجُ) بالنون ( لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ) بفتح الياء من يَلْقاه وتخفيف القاف منه، بمعنى: ونخرج له نحن يوم القيامة ردّا على قوله (ألْزَمْناهُ)، ونحن نخرج له يوم القيامة كتاب عمله منشورا، وكان بعض قرّاء أهل الشام يوافق هؤلاء على قراءة قوله (ونُخْرِجُ) ويخالفهم في قوله (يَلْقاهُ) فيقرؤه (ويُلَقَّاهُ) بضم الياء وتشديد القاف، بمعنى: ونخرج له نحن يوم القيامة كتابا يلقاه، ثم يردّه إلى ما لم يسمّ فاعله، فيقول: يلقى الإنسان ذلك الكتاب منشورا.وذُكر عن مجاهد ما حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا يزيد، عن جرير بن حازم عن حميد، عن مجاهد أنه قرأها(وَيخْرَجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابا) قال: يزيد: يعني يخرج الطائر كتابا، هكذا أحسبه قرأها بفتح الياء، وهي قراءة الحسن البصري وابن محيصن؛ وكأن من قرأ هذه القراءة وجَّه تأويل الكلام إلى: ويخرج له الطائر الذي ألزمناه عنق الإنسان يوم القيامة، فيصير كتابا يقرؤه منشورا. وقرأ ذلك بعض أهل المدينة: (ويُخرَجُ لَهُ) بضم الياء على مذهب ما لم يسمّ فاعله، وكأنه وجَّه معنى الكلام إلى ويخرج له الطائر يوم القيامة كتابا، يريد: ويخرج الله ذلك الطائر قد صيره كتابا، إلا أنه نحاه نحو ما لم يسمّ فاعله.وأولى القراءات في ذلك بالصواب، قراءة من قرأه (ونُخْرِجُ) بالنون وضمها( لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ) بفتح الياء وتخفيف القاف، لأن الخبر جرى قبل ذلك عن الله تعالى أنه الذي ألزم خلقه ما ألزم من ذلك؛ فالصواب أن يكون الذي يليه خبرا عنه، أنه هو الذي يخرجه لهم يوم القيامة، أن يكون بالنون كما كان الخبر الذي قبله بالنون، وأما قوله (يَلقاهُ) فإنّ في إجماع الحجة من القرّاء على تصويب ما اخترنا من القراءة في ذلك، وشذوذ ما خالفه الحجة الكافية لنا على تقارب معنى القراءتين: أعني ضمّ الياء وفتحها في ذلك، وتشديد القاف وتخفيفها فيه؛ فإذا كان الصواب في القراءة هو ما اخترنا بالذي عليه دللنا، فتأويل الكلام: وكلّ إنسان منكم يا معشر بني آدم، ألزمناه نحسه وسعد، وشقاءه وسعادته، بما سبق له في علمنا أنه صائر إليه، وعامل من الخير والشرّ في عنقه، فلا يجاوز في شيء من أعماله ما قضينا عليه أنه عامله ، وما كتبنا له أنه صائر إليه، ونحن نخرج له إذا وافانا كتابا يصادفه منشورا بأعماله التي عملها في الدنيا، وبطائره الذي كتبنا له، وألزمناه إياه في عنقه، قد أحصى عليه ربه فيه كلّ ما سلف في الدنيا.وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، ( وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ) قال: هو عمله الذي عمل أحصي عليه، فأخرج له يوم القيامة ما كتب عليه من العمل يلقاه منشورا.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ) : أي عمله.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر ، عن قتادة ( أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ) قال: عمله (ونُخْرِجُ لَهُ) قال : نخرج ذلك العمل (كِتابا يَلقاهُ مَنْشُورًا) قال معمر: وتلا الحسن عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ يا ابن آدم بسطت لك صحيفتك، ووكل بك ملَكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن يسارك. فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا متّ طُويت صحيفتك، فجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا قد عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك.حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: طائره: عمله، ونخرج له بذلك العمل كتابا يلقاه منشورا.وقد كان بعض أهل العربية يتأوّل قوله ( وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ): أي حظه من قولهم: طار سهم فلان بكذا: إذا خرج سهمه على نصيب من الأنصباء، وذلك وإن كان قولا له وجه، فإن تأويل أهل التأويل على ما قد بينت، وغير جائز أن يتجاوز في تأويل القرآن ما قالوه إلى غيره، على أن ما قاله هذا القائل، إن كان عنى بقوله حظه من العمل والشقاء والسعادة، فلم يبعد معنى قوله من معنى قولهم.
ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا ١٤التفسير الميسريقال له: اقرأ كتاب أعمالك، فيقرأ، وإن لم يكن يعرف القراءة في الدنيا، تكفيك نفسك اليوم محصية عليك عملك، فتعرف ما عليها من جزاء. وهذا من أعظم العدل والإنصاف أن يقال للعبد: حاسِبْ نفسك، كفى بها حسيبًا عليك.
تفسير السعديويقال له: اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا وهذا من أعظم العدل والإنصاف أن يقال للعبد: حاسب نفسك ليعرف بما عليه من الحق الموجب للعقاب.
تفسير ابن كثيرولهذا قال تعالى : ( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) أي : إنك تعلم أنك لم تظلم ولم يكتب عليك غير ما عملت ؛ لأنك ذكرت جميع ما كان منك ، ولا ينسى أحد شيئا مما كان منه ، وكل أحد يقرأ كتابه من كاتب وأمي .وقوله [ تعالى ] ( ألزمناه طائره في عنقه ) إنما ذكر العنق ؛ لأنه عضو لا نظير له في الجسد ، ومن ألزم بشيء فيه فلا محيد له عنه ، كما قال الشاعر : .اذهب بها اذهب بها طوقتها طوق الحمامةقال قتادة ، عن جابر بن عبد الله ، رضي الله عنه عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا عدوى ولا طيرة وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه " . كذا رواه ابن جرير .وقد رواه الإمام عبد بن حميد ، رحمه الله ، في مسنده متصلا فقال : حدثنا الحسن بن موسى ، حدثنا ابن لهيعة ، عن أبي الزبير ، عن جابر [ رضي الله عنه ] قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " طير كل عبد في عنقه " .وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن إسحاق ، حدثنا عبد الله ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثني يزيد : أن أبا الخير حدثه : أنه سمع عقبة بن عامر [ رضي الله عنه ] يحدث ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليس من عمل يوم إلا وهو يختم عليه ، فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة : يا ربنا ، عبدك فلان ، قد حبسته ؟ فيقول الرب جل جلاله : اختموا له على مثل عمله ، حتى يبرأ أو يموت " .إسناده جيد قوي ، ولم يخرجوه .وقال معمر ، عن قتادة : ( ألزمناه طائره في عنقه ) قال : عمله . ( ونخرج له يوم القيامة ) قال : نخرج ذلك العمل ( كتابا يلقاه منشورا ) قال معمر : وتلا الحسن البصري ( عن اليمين وعن الشمال قعيد ) [ ق : 17 ] يا ابن آدم ، بسطت لك صحيفتك ووكل بك ملكان كريمان ، أحدهما عن يمينك والآخر عن يسارك فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك ، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك ، فاعمل ما شئت ، أقلل أو أكثر ، حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك ، حتى تخرج يوم القيامة كتابا تلقاه منشورا ( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) قد عدل - والله - عليك من جعلك حسيب نفسك .هذا من حسن كلام الحسن ، رحمه الله .
تفسير القرطبياقرأ كتابك قال الحسن : يقرأ الإنسان كتابه أميا كان أو غير أمي .كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا أي محاسبا . وقال بعض الصلحاء : هذا كتاب ، لسانك قلمه ، وريقك مداده ، وأعضاؤك قرطاسه . ، أنت كنت المملي على حفظتك ، ما زيد فيه ولا نقص منه ، ومتى أنكرت منه شيئا يكون فيه الشاهد منك عليك .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: (ونُخرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابا يَلقاهُ مَنْشُورًا) فيقال له ( اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ) فترك ذكر قوله: فنقول له، اكتفاء بدلالة الكلام عليه. وعنى بقوله (اقرأْ كِتابَكَ) : اقرأ كتاب عملك الذي عملته في الدنيا، الذي كان كاتبانا يكتبانه، ونحصيه عليك ( كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ) يقول: حسبك اليوم نفسك عليك حاسبا يحسب عليك أعمالك، فيحصيها عليك، لا نبتغي عليك شاهدا غيرها، ولا نطلب عليك محصيا سواها.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ) سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئا في الدنيا.
مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا ١٥التفسير الميسرمن اهتدى فاتبع طريق الحق فإنما يعود ثواب ذلك عليه وحده، ومن حاد واتبع طريق الباطل فإنما يعود عقاب ذلك عليه وحده، ولا تحمل نفس مذنبة إثم نفس مذنبة أخرى. ولا يعذب الله أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
تفسير السعديأي: هداية كل أحد وضلاله لنفسه لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يدفع عنه مثقال ذرة من الشر، والله تعالى أعدل العادلين لا يعذب أحدا حتى تقوم عليه الحجة بالرسالة ثم يعاند الحجة.وأما من انقاد للحجة أو لم تبلغه حجة الله تعالى فإن الله تعالى لا يعذبه.واستدل بهذه الآية على أن أهل الفترات وأطفال المشركين، لا يعذبهم الله حتى يبعث إليهم رسولا لأنه منزه عن الظلم.
تفسير ابن كثيريخبر تعالى أن من اهتدى واتبع الحق واقتفى آثار النبوة ، فإنما يحصل عاقبة ذلك الحميدة لنفسه ) ومن ضل ) أي : عن الحق ، وزاغ عن سبيل الرشاد ، فإنما يجني على نفسه ، وإنما يعود وبال ذلك عليه .ثم قال : ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) أي : لا يحمل أحد ذنب أحد ، ولا يجني جان إلا على نفسه ، كما قال تعالى : ( وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ) [ فاطر : 18 ] .ولا منافاة بين هذا وبين قوله تعالى : ( وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ) [ العنكبوت : 13 ] ، وقوله [ تعالى ] ( ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ) [ النحل : 25 ] ، فإن الدعاة عليهم إثم ضلالهم في أنفسهم ، وإثم آخر بسبب ما أضلوا من أضلوا من غير أن ينقص من أوزار أولئك ، ولا يحملوا عنهم شيئا . وهذا من عدل الله ورحمته بعباده .وكذا قوله تعالى : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) إخبار عن عدله تعالى ، وأنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه ، كما قال تعالى : ( كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير ) [ الملك : 8 ، 9 ] ، وكذا قوله [ تعالى ] : ( وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ) [ الزمر : 71 ] ، وقال تعالى : ( وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير ) [ فاطر : 37 ] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى لا يدخل أحدا النار إلا بعد إرسال الرسول إليه ، ومن ثم طعن جماعة من العلماء في اللفظة التي جاءت مقحمة في صحيح البخاري عند قوله تعالى : ( إن رحمة الله قريب من المحسنين ) [ الأعراف : 56 ] .حدثنا عبيد الله بن سعد ، حدثنا يعقوب ، حدثنا أبي ، عن صالح بن كيسان ، عن الأعرج بإسناده إلى أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " اختصمت الجنة والنار " فذكر الحديث إلى أن قال : " وأما الجنة فلا يظلم الله من خلقه أحدا ، وأنه ينشئ للنار خلقا فيلقون فيها ، فتقول : هل من مزيد ؟ ثلاثا ، وذكر تمام الحديث .فإن هذا إنما جاء في الجنة لأنها دار فضل ، وأما النار فإنها دار عدل ، لا يدخلها أحد إلا بعد الإعذار إليه وقيام الحجة عليه . وقد تكلم جماعة من الحفاظ في هذه اللفظة وقالوا : لعله انقلب على الراوي بدليل ما أخرجاه في الصحيحين واللفظ للبخاري من حديث عبد الرزاق عن معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " تحاجت الجنة والنار " فذكر الحديث إلى أن قال : " فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع فيها قدمه ، فتقول : قط قط ، فهنالك تمتلئ ويزوي بعضها إلى بعض ، ولا يظلم الله من خلقه أحدا ، وأما الجنة فينشئ الله لها خلقا " .بقي هاهنا مسألة قد اختلف الأئمة رحمهم الله تعالى فيها ، قديما وحديثا ، وهي : الولدان الذين ماتوا وهم صغار وآباؤهم كفار ، ماذا حكمهم ؟ وكذا المجنون والأصم والشيخ الخرف ، ومن مات في الفترة ولم تبلغه الدعوة . وقد ورد في شأنهم أحاديث أنا ذاكرها لك بعون الله [ تعالى ] وتوفيقه ثم نذكر فصلا ملخصا من كلام الأئمة في ذلك ، والله المستعان .فالحديث الأول : عن الأسود بن سريع :قال الإمام أحمد : حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا معاذ بن هشام ، حدثنا أبي ، عن قتادة ، عن الأحنف بن قيس ، عن الأسود بن سريع [ رضي الله عنه ] أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : " أربعة يحتجون يوم القيامة : رجل أصم لا يسمع شيئا ، ورجل أحمق ، ورجل هرم ، ورجل مات في فترة ، فأما الأصم فيقول : رب ، قد جاء الإسلام وما أسمع شيئا ، وأما الأحمق فيقول : رب ، قد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر ، وأما الهرم فيقول : رب ، لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا ، وأما الذي مات في الفترة فيقول : رب ، ما أتاني لك رسول . فيأخذ مواثيقهم ليطعنه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار ، فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما " .وبالإسناد عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبي رافع ، عن أبى هريرة ، مثل هذا الحديث غير أنه قال في آخره : " من دخلها كانت عليه بردا وسلاما ، ومن لم يدخلها يسحب إليها " .وكذا رواه إسحاق بن راهويه ، عن معاذ بن هشام ، ورواه البيهقي في كتاب الاعتقاد ، من حديث حنبل بن إسحاق ، عن علي بن عبد الله المديني ، به وقال : هذا إسناد صحيح ، وكذا رواه حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أربعة كلهم يدلي على الله بحجة " فذكر نحوه .ورواه ابن جرير ، من حديث معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة ، فذكره موقوفا ، ثم قال أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) .وكذا رواه معمر عن عبد الله بن طاوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة موقوفا .الحديث الثاني : عن أنس بن مالك :قال أبو داود الطيالسي : حدثنا الربيع ، عن يزيد بن أبان قال : قلنا لأنس : يا أبا حمزة ، ما تقول في أطفال المشركين ؟ فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لم يكن لهم سيئات فيعذبوا بها فيكونوا من أهل النار ، ولم يكن لهم حسنات فيجازوا بها فيكونوا من ملوك أهل الجنة هم من خدم أهل الجنة " .الحديث الثالث : عن أنس أيضا :قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا أبو خيثمة ، حدثنا جرير ، عن ليث ، عن عبد الوارث ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يؤتى بأربعة يوم القيامة : بالمولود ، والمعتوه ، ومن مات في الفترة ، والشيخ الفاني الهرم ، كلهم يتكلم بحجته ، فيقول الرب تبارك وتعالى لعنق من النار : ابرز . ويقول لهم : إني كنت أبعث إلى عبادي رسلا من أنفسهم ، وإني رسول نفسي إليكم ادخلوا هذه . قال : فيقول من كتب عليه الشقاء : يا رب ، أنى ندخلها ومنها كنا نفر ؟ قال : ومن كتبت عليه السعادة يمضي فيقتحم فيها مسرعا ، قال : فيقول الله تعالى : أنتم لرسلي أشد تكذيبا ومعصية ، فيدخل هؤلاء الجنة ، وهؤلاء النار " .وهكذا رواه الحافظ أبو بكر البزار ، عن يوسف بن موسى ، عن جرير بن عبد الحميد ، بإسناده مثله .الحديث الرابع : عن البراء بن عازب ، رضي الله عنه :قال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده أيضا : حدثنا قاسم بن أبي شيبة ، حدثنا عبد الله .- يعني ابن داود - عن عمر بن ذر ، عن يزيد بن أمية ، عن البراء قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطفال المسلمين قال : " هم مع آبائهم " . وسئل عن أولاد المشركين فقال : " هم مع آبائهم " . فقيل : يا رسول الله ، ما يعملون ؟ قال : " الله أعلم بهم " .ورواه عمر بن ذر ، عن يزيد بن أمية ، عن رجل ، عن البراء ، عن عائشة ، فذكره .الحديث الخامس : عن ثوبان :قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده : حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري ، حدثنا ريحان بن سعيد ، حدثنا عباد بن منصور ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي أسماء ، عن ثوبان ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم عظم شأن المسألة ، قال : " إذا كان يوم القيامة ، جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم فيسألهم ربهم ، فيقولون : ربنا لم ترسل إلينا رسولا ولم يأتنا لك أمر ، ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك ، فيقول لهم ربهم : أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني ؟ فيقولون : نعم ، فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها ، فينطلقون حتى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيظا وزفيرا ، فرجعوا إلى ربهم فيقولون : ربنا أخرجنا - أو : أجرنا - منها ، فيقول لهم : ألم تزعموا أني إن أمرتكم بأمر تطيعوني ؟ فيأخذ على ذلك مواثيقهم . فيقول : اعمدوا إليها ، فادخلوها .فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا ورجعوا ، فقالوا : ربنا فرقنا منها ، ولا نستطيع أن ندخلها فيقول : ادخلوها داخرين " . فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : " لو دخلوها أول مرة كانت عليهم بردا وسلاما " . ثم قال البزار : ومتن هذا الحديث غير معروف إلا من هذا الوجه ، لم يروه عن أيوب إلا عباد ، ولا عن عباد إلا ريحان بن سعيد .قلت : وقد ذكره ابن حبان في ثقاته ، وقال يحيى بن معين والنسائي : لا بأس به ، ولم يرضه أبو داود . وقال أبو حاتم : شيخ لا بأس به يكتب حديثه ولا يحتج به .الحديث السادس : عن أبي سعيد - سعد بن مالك بن سنان الخدري :قال الإمام محمد بن يحيى الذهلي : حدثنا سعيد بن سليمان ، عن فضيل بن مرزوق ، عن عطية ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الهالك في الفترة والمعتوه والمولود ، يقول الهالك في الفترة : لم يأتني كتاب ، ويقول المعتوه : رب ، لم تجعل لي عقلا أعقل به خيرا ولا شرا ، ويقول المولود : رب لم أدرك العقل فترفع لهم نار فيقال لهم : ردوها " ، قال : فيردها من كان في علم الله سعيدا لو أدرك العمل ، ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا لو أدرك العمل ، فيقول : إياي عصيتم ، فكيف لو أن رسلي أتتكم ؟ " .وكذا رواه البزار ، عن محمد بن عمر بن هياج الكوفي ، عن عبيد الله بن موسى ، عن فضيل بن مرزوق ، به ثم قال : لا يعرف من حديث أبي سعيد إلا من طريقه ، عن عطية عنه ، وقال في آخره : " فيقول الله : إياي عصيتم فكيف برسلي بالغيب ؟ "الحديث السابع : عن معاذ بن جبل ، رضي الله عنه :قال هشام بن عمار ومحمد بن المبارك الصوري حدثنا عمر بن واقد ، عن يونس بن حلبس ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن معاذ بن جبل ، عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : " يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلا وبالهالك في الفترة ، وبالهالك صغيرا . فيقول الممسوخ : يا رب ، لو آتيتني عقلا ما كان من آتيته عقلا بأسعد مني - وذكر في الهالك في الفترة والصغير نحو ذلك - فيقول الرب عز وجل : إني آمركم بأمر فتطيعوني ؟ فيقولون : نعم ، فيقول : اذهبوا فادخلوا النار - قال : ولو دخلوها ما ضرتهم - فتخرج عليهم قوابص ، فيظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء ، فيرجعون سراعا ، ثم يأمرهم الثانية فيرجعون كذلك ، فيقول الرب عز وجل : قبل أن أخلقكم علمت ما أنتم عاملون ، وعلى علمي خلقتكم ، وإلى علمي تصيرون ، ضميهم ، فتأخذهم النار " .الحديث الثامن : عن أبي هريرة ، رضي الله عنه :قد تقدم ، روايته مندرجة مع رواية الأسود بن سريع ، رضي الله عنه :وفي الصحيحين ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحسون فيها من جدعاء ؟ " .وفي رواية قالوا : يا رسول الله ، أفرأيت من يموت صغيرا ؟ قال : " الله أعلم بما كانوا عاملين " . وقال الإمام أحمد : حدثنا موسى بن داود ، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت ، عن عطاء بن قرة ، عن عبد الله بن ضمرة ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم - فيما أعلم ، شك موسى - قال : " ذراري المسلمين في الجنة ، يكفلهم إبراهيم عليه السلام " .وفي صحيح مسلم ، عن عياض بن حمار ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن الله - عز وجل - أنه قال : " إني خلقت عبادي حنفاء " وفي رواية لغيره " مسلمين " .الحديث التاسع : عن سمرة ، رضي الله عنه :رواه الحافظ أبو بكر البرقاني في كتابه " المستخرج على البخاري " من حديث عوف الأعرابي ، عن أبي رجاء العطاردي ، عن سمرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كل مولود يولد على الفطرة " فناداه الناس : يا رسول الله ، وأولاد المشركين ؟ قال : " وأولاد المشركين " .وقال الطبراني : حدثنا عبد الله بن أحمد ، حدثنا عقبة بن مكرم الضبي ، عن عيسى بن شعيب ، عن عباد بن منصور ، عن أبي رجاء ، عن سمرة قال : سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطفال المشركين فقال : " هم خدم أهل الجنة " .الحديث العاشر : عن عم حسناء .قال [ الإمام ] أحمد : [ حدثنا إسحاق ، يعني الأزرق ] ، أخبرنا روح ، حدثنا عوف ، عن حسناء بنت معاوية من بني صريم قالت : حدثني عمي قال : قلت : يا رسول الله ، من في الجنة ؟ قال : " النبي في الجنة ، والشهيد في الجنة ، والمولود في الجنة ، والوئيد في الجنة " .فمن العلماء من ذهب إلى التوقف فيهم لهذا الحديث ، ومنهم من جزم لهم بالجنة ، لحديث سمرة بن جندب في صحيح البخاري : أنه عليه الصلاة والسلام قال في جملة ذلك المنام ، حين مر على ذلك الشيخ تحت الشجرة وحوله ولدان ، فقال له جبريل : هذا إبراهيم ، عليه السلام ، وهؤلاء أولاد المسلمين وأولاد المشركين ، قالوا : يا رسول الله ، وأولاد المشركين ؟ . قال " نعم ، وأولاد المشركين " .ومنهم من جزم لهم بالنار ، لقوله عليه السلام : " هم مع آبائهم " .ومنهم من ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة في العرصات ، فمن أطاع دخل الجنة وانكشف علم الله فيهم بسابق السعادة ، ومن عصى دخل النار داخرا ، وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة .وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها ، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض . وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ، رحمه الله ، عن أهل السنة والجماعة ، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في " كتاب الاعتقاد " وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ النقاد .وقد ذكر الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري بعد ما تقدم من أحاديث الامتحان ، ثم قال : وأحاديث هذا الباب ليست قوية ، ولا تقوم بها حجة وأهل العلم ينكرونها ؛ لأن الآخرة دار جزاء وليست دار عمل ولا ابتلاء ، فكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين ، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها ؟ !والجواب عما قال أن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح ، كما قد نص على ذلك غير واحد من أئمة العلماء ، ومنها ما هو حسن ، ومنها ما هو ضعيف يقوى بالصحيح والحسن . وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متعاضدة على هذا النمط ، أفادت الحجة عند الناظر فيها ، وأما قوله : " إن الآخرة دار جزاء " . فلا شك أنها دار جزاء ، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار ، كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة ، من امتحان الأطفال ، وقد قال الله تعالى : ( يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود ) [ ن : 42 ] وقد ثبتت السنة في الصحاح وغيرها أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة ، وأما المنافق فلا يستطيع ذلك ويعود ظهره طبقا واحدا كلما أراد السجود خر لقفاه .وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجا منها أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه ألا يسأل غير ما هو فيه ، ويتكرر ذلك مرارا ، ويقول الله تعالى : يا ابن آدم ، ما أغدرك! ثم يأذن له في دخول الجنة .وأما قوله : " وكيف يكلفهم دخول النار ، وليس ذلك في وسعهم ؟ " فليس هذا بمانع من صحة الحديث ، فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط ، وهو جسر على جهنم أحد من السيف وأدق من الشعرة ، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم ، كالبرق ، وكالريح ، وكأجاويد الخيل والركاب ، ومنهم الساعي ومنهم الماشي ، ومنهم من يحبو حبوا ، ومنهم المكدوش على وجهه في النار ، وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا بل هذا أطم وأعظم ، وأيضا فقد ثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار ، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار ، فإنه يكون عليه بردا وسلاما ، فهذا نظير ذلك ، وأيضا فإن الله تعالى [ قد ] أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم ، فقتل بعضهم بعضا حتى قتلوا فيما قيل في غداة واحدة سبعين ألفا ، يقتل الرجل أباه وأخاه وهم في عماية غمامة أرسلها الله عليهم ، وذلك عقوبة لهم على عبادتهم العجل ، وهذا أيضا شاق على النفوس جدا لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور ، والله أعلم .فصلفإذا تقرر هذا ، فقد اختلف الناس في ولدان المشركين على أقوال :أحدها : أنهم في الجنة ، واحتجوا بحديث سمرة أنه ، عليه السلام رأى مع إبراهيم أولاد المسلمين وأولاد المشركين وبما تقدم في رواية أحمد عن حسناء عن عمها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " والمولود في الجنة " . وهذا استدلال صحيح ، ولكن أحاديث الامتحان أخص منه . فمن علم الله [ عز وجل ] منه أنه يطيع جعل روحه في البرزخ مع إبراهيم وأولاد المسلمين الذين ماتوا على الفطرة ، ومن علم منه أنه لا يجيب ، فأمره إلى الله تعالى ، ويوم القيامة يكون في النار كما دلت عليه أحاديث الامتحان ، ونقله الأشعري عن أهل السنة [ والجماعة ] ثم من هؤلاء القائلين بأنهم في الجنة من يجعلهم مستقلين فيها ، ومنهم من يجعلهم خدما لهم ، كما جاء في حديث علي بن زيد ، عن أنس ، عند أبي داود الطيالسي وهو ضعيف ، والله أعلم .القول الثاني : أنهم مع آبائهم في النار ، واستدل عليه بما رواه الإمام أحمد بن حنبل عن أبي المغيرة حدثنا عتبة بن ضمرة بن حبيب ، حدثني عبد الله بن أبى قيس مولى غطيف ، أنه أتى عائشة فسألها عن ذراري الكفار فقالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هم تبع لآبائهم " . فقلت : يا رسول الله ، بلا عمل ؟ فقال : " الله أعلم بما كانوا عاملين " .وأخرجه أبو داود من حديث محمد بن حرب ، عن محمد بن زياد الألهاني ، سمعت عبد الله بن أبي قيس سمعت ، عائشة تقول : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذراري المؤمنين قال : " هم من آبائهم " . قلت : فذراري المشركين ؟ قال : " هم مع آبائهم " قلت : بلا عمل ؟ قال : " الله أعلم بما كانوا عاملين " .ورواه [ الإمام ] أحمد أيضا ، عن وكيع ، عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل - وهو متروك - عن مولاته بهية عن عائشة ؛ أنها ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أطفال المشركين فقال : " إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار " .وقال عبد الله بن الإمام أحمد : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، عن محمد بن فضيل بن غزوان ، عن محمد بن عثمان ، عن زاذان عن علي - رضي الله عنه - قال : سألت خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ولدين لها ماتا في الجاهلية فقال : " هما في النار " . قال : فلما رأى الكراهية في وجهها [ قال ] لو رأيت مكانهما لأبغضتهما " . قالت : فولدي منك ؟ قال : [ قال : " في الجنة " . قال : ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ] ." إن المؤمنين وأولادهم في الجنة ، وإن المشركين وأولادهم في النار " ثم قرأ : ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ) [ الطور : 21 ] .وهذا حديث غريب ؛ فإن محمد بن عثمان هذا مجهول الحال ، وشيخه زاذان لم يدرك عليا ، والله أعلم .وروى أبو داود من حديث ابن أبي زائدة ، عن أبيه ، عن الشعبي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الوائدة والموءودة في النار " . ثم قال الشعبي : حدثني به علقمة ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود .وقد رواه جماعة عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، عن علقمة ، عن سلمة بن قيس الأشجعي قال : أتيت أنا وأخي النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا : إن أمنا ماتت في الجاهلية ، وكانت تقري الضيف وتصل الرحم ، وأنها وأدت أختا لنا في الجاهلية لم تبلغ الحنث . فقال : " الوائدة والموءودة في النار ، إلا أن تدرك الوائدة الإسلام ، فتسلم " . وهذا إسناد حسن .والقول الثالث : التوقف فيهم ، واعتمدوا على قوله صلى الله عليه وسلم : " الله أعلم بما كانوا عاملين " . وهو في الصحيحين من حديث جعفر بن أبي إياس ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين قال : الله أعلم بما كانوا عاملين " وكذلك هو في الصحيحين ، من حديث الزهري ، عن عطاء بن يزيد ، وعن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه سئل عن أطفال المشركين ، فقال : " الله أعلم بما كانوا عاملين " .ومنهم من جعلهم من أهل الأعراف . وهذا القول يرجع إلى قول من ذهب إلى أنهم من أهل الجنة ؛ لأن الأعراف ليس دار قرار ، ومآل أهلها إلى الجنة كما تقدم تقرير ذلك في " سورة الأعراف " ، والله أعلم .فصلوليعلم أن هذا الخلاف مخصوص بأطفال المشركين ، فأما ولدان المؤمنين فلا خلاف بين العلماء كما حكاه القاضي أبو يعلى بن الفراء الحنبلي ، عن الإمام أحمد أنه قال : لا يختلف فيهم أنهم من أهل الجنة . وهذا هو المشهور بين الناس ، وهو الذي نقطع به إن شاء الله ، عز وجل . فأما ما ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر ، عن بعض العلماء : أنهم توقفوا في ذلك ، وأن الولدان كلهم تحت مشيئة الله ، عز وجل . قال أبو عمر : ذهب إلى هذا القول جماعة من أهل الفقه والحديث منهم : حماد بن زيد ، وحماد بن سلمة ، وابن المبارك ، وإسحاق بن راهويه وغيرهم قالوا : وهو يشبه ما رسم مالك في موطئه في أبواب القدر ، وما أورده من الأحاديث في ذلك ، وعلى ذلك أكثر أصحابه . وليس عن مالك فيه شيء منصوص ، إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين في الجنة وأطفال المشركين خاصة في المشيئة ، انتهى كلامه وهو غريب جدا .وقد ذكر أبو عبد الله القرطبي في كتاب " التذكرة " نحو ذلك أيضا ، والله أعلم .وقد ذكروا في ذلك حديث عائشة بنت طلحة ، عن عائشة أم المؤمنين قالت : دعي النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار ، فقلت : يا رسول الله ، طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه ، فقال : " أو غير ذلك يا عائشة ، إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم " . رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه .ولما كان الكلام في هذه المسألة يحتاج إلى دلائل صحيحة جيدة ، وقد يتكلم فيها من لا علم عنده عن الشارع ؛ كره جماعة من العلماء الكلام فيها ، روي ذلك عن ابن عباس ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، ومحمد ابن الحنفية وغيرهم . وأخرج ابن حبان في صحيحه ، عن جرير بن حازم سمعت أبا رجاء العطاردي ، سمعت ابن عباس وهو على المنبر يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يزال أمر هذه الأمة مواتيا - أو مقاربا - ما لم يتكلموا في الولدان والقدر " .قال ابن حبان : يعني أطفال المشركين .وهكذا رواه أبو بكر البزار من طريق جرير بن حازم ، به . ثم قال : وقد رواه جماعة عن أبي رجاء ، عن ابن عباس موقوفا .
تفسير القرطبيقوله تعالى : من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاقوله تعالى : من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها أي إنما كل أحد يحاسب عن نفسه لا عن غيره ; فمن اهتدى فثواب اهتدائه له ، ومن ضل فعقاب كفره عليه .ولا تزر وازرة وزر أخرى تقدم في [ الأنعام ] . وقال ابن عباس : نزلت في الوليد بن المغيرة ، قال لأهل مكة : اتبعون واكفروا بمحمد وعلي أوزاركم ، فنزلت هذه الآية ; أي إن الوليد لا يحمل آثامكم وإنما إثم كل واحد عليه . يقال : وزر يزر وزرا ، ووزرة ، أي أثم . والوزر : الثقل المثقل والجمع أوزار ; ومنه يحملون أوزارهم على ظهورهم أي أثقال ذنوبهم . وقد وزر إذا حمل فهو وازر ; ومنه وزير السلطان الذي يحمل ثقل دولته . والهاء في قوله كناية عن النفس ، أي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى ، حتى أن الوالدة تلقى ولدها يوم القيامة فتقول : يا بني ألم يكن حجري لك وطاء ، ألم يكن ثديي لك سقاء ، ألم يكن بطني لك وعاء ، فيقول : بلى يا أمه فتقول : يا بني فإن ذنوبي أثقلتني فاحمل عني منها ذنبا واحدا فيقول : إليك عني يا أمه فإني بذنبي عنك اليوم مشغول .مسألة : نزعت عائشة - رضي الله عنها - بهذه الآية في الرد على ابن عمر حيث قال : إن الميت ليعذب ببكاء أهله . قال علماؤنا : وإنما حملها على ذلك أنه لم تسمعه ، وأنه معارض للآية . ولا وجه لإنكارها ، فإن الرواة لهذا المعنى كثير ، كعمر وابنه والمغيرة بن شعبة وقيلة بنت مخرمة ، وهم جازمون بالرواية ; فلا وجه لتخطئتهم . ولا معارضة بين الآية والحديث ; فإن الحديث محمله على ما إذا كان النوح من وصية الميت وسنته ، كما كانت الجاهلية تفعله ، حتى قال طرفة :إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي علي الجيب يا بنت معبدوقال :إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذروإلى هذا نحا البخاري . وقد ذهب جماعة من أهل العلم منهم داود إلى اعتقاد ظاهر الحديث ، وأنه إنما يعذب بنوحهم ; لأنه أهمل نهيهم عنه قبل موته وتأديبهم بذلك ، فيعذب بتفريطه في ذلك ; وبترك ما أمره الله به من قوله : قوا أنفسكم وأهليكم نارا لا بذنب غيره ، والله أعلم .قوله تعالى : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا أي لم نترك الخلق سدى ، بل أرسلنا الرسل . وفي هذا دليل على أن الأحكام لا تثبت إلا بالشرع ، خلافا للمعتزلة القائلين بأن العقل يقبح ويحسن ويبيح ويحظر . وقد تقدم في البقرة القول فيه . والجمهور على أن هذا في حكم الدنيا ; أي إن الله لا يهلك أمة بعذاب إلا بعد الرسالة إليهم والإنذار . وقالت فرقة : هذا عام في الدنيا والآخرة ، لقوله - تعالى - : كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا . قال ابن عطية : والذي يعطيه النظر أن بعثه آدم - عليه السلام - بالتوحيد وبث المعتقدات في بنيه مع نصب الأدلة الدالة على الصانع مع سلامة الفطر توجب على كل أحد من العالم الإيمان واتباع شريعة الله ، ثم تجدد ذلك في زمن نوح - عليه السلام - بعد غرق الكفار . وهذه الآية أيضا يعطي احتمال ألفاظها نحو هذا في الذين لم تصلهم رسالة ، وهم أهل الفترات الذين قد قدر وجودهم بعض أهل العلم . وأما ما روي من أن الله - تعالى - يبعث إليهم يوم القيامة وإلى المجانين والأطفال فحديث لم يصح ، ولا يقتضي ما تعطيه الشريعة من أن الآخرة ليست دار تكليف . قال المهدوي : وروي عن أبي هريرة أن الله - عز وجل - يبعث يوم القيامة رسولا إلى أهل الفترة والأبكم والأخرس والأصم ; فيطيعه منهم من كان يريد أن يطيعه في الدنيا ، وتلا الآية ; رواه معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة ، ذكره النحاس .قلت : هذا موقوف ، وسيأتي مرفوعا في آخر سورة [ طه ] إن شاء الله - تعالى - ; ولا يصح . وقد استدل قوم في أن أهل الجزائر إذا سمعوا بالإسلام وآمنوا فلا تكليف عليهم فيما مضى ; وهذا صحيح ، ومن لم تبلغه الدعوة فهو غير مستحق للعذاب من جهة العقل ، والله أعلم .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: من استقام على طريق الحقّ فاتبعه، وذلك دين الله الذي ابتعث به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عليه وسلم (فإِنَّمَا يهتَدِي لِنَفسِهِ) يقول: فليس ينفع بلزومه الاستقامة، وإيمانه بالله ورسوله غير نفسه (وَمَنْ ضَلَّ) يقول: ومن جار عن قصد السبيل، فأخذ على غير هدى، وكفر بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند الله من الحقّ، فليس يضرّ بضلاله وجوره عن الهدى غير نفسه، لأنه يوجب لها بذلك غضب الله وأليم عذابه.. وإنما عنى بقوله ( فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ) فإنما يكسب إثم ضلاله عليها لا على غيرها، وقوله ( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) يعني تعالى ذكره: ولا تحمل حاملة حمل أخرى غيرها من الآثام. وقال ( وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) لأن معناها: ولا تزر نفس وازرة وزر نفس أخرى يقال منه: وزرت كذا أزره وزرا، والوزر: هو الإثم، يجمع أوزارا، كما قال تعالى وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ وكأن معنى الكلام: ولا تأثم آثمة إثم أخرى، ولكن على كل نفس إثمها دون إثم غيرها من الأنفس.كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) والله ما يحمل الله على عبد ذنب غيره، ولا يؤاخذ إلا بعمله.وقوله ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ) يقول تعالى ذكره: وما كنا مهلكي قوم إلا بعد الإعذار إليهم بالرسل، وإقامة الحجة عليهم بالآيات التي تقطع عذرهم.كما حدثنا بشر ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ) : إن الله تبارك وتعالى ليس يعذب أحدا حتى يسبق إليه من الله خبرا، أو يأتيه من الله بيِّنة، وليس معذّبا أحدا إلا بذنبه.حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن أبي هريرة، قال: إذا كان يوم القيامة، جمع الله تبارك وتعالى نسم الذين ماتوا في الفترة والمعتوه والأصمّ والأبكم، والشيوخ الذين جاء الإسلام وقد خرفوا، ثم أرسل رسولا أن ادخلوا النار، فيقولون: كيف ولم يأتنا رسول، وايم الله لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما، ثم يرسل إليهم، فيطيعه من كان يريد أن يطيعه قبل؛ قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ).حدثنا القاسم ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة نحوه.
وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَٰهَا تَدۡمِيرٗا ١٦التفسير الميسروإذا أردنا إهلاك أهل قرية لظلمهم أَمَرْنا مترفيهم بطاعة الله وتوحيده وتصديق رسله، وغيرهم تبع لهم، فعصَوا أمر ربهم وكذَّبوا رسله، فحقَّ عليهم القول بالعذاب الذي لا مردَّ له، فاستأصلناهم بالهلاك التام.
تفسير السعدييخبر تعالى أنه إذا أراد أن يهلك قرية من القرى الظالمة ويستأصلها بالعذاب أمر مترفيها أمرا قدريا ففسقوا فيها واشتد طغيانهم، فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ أي: كلمة العذاب التي لا مرد لها فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا
تفسير ابن كثيراختلف القراء في قراءة قوله : ( أمرنا ) فالمشهور قراءة التخفيف ، واختلف المفسرون في معناها ، فقيل : معناها أمرنا مترفيها ففسقوا فيها أمرا قدريا ، كقوله تعالى : ( أتاها أمرنا ليلا أو نهارا ) [ يونس : 24 ] ، فإن الله لا يأمر بالفحشاء ، قالوا : معناه : أنه سخرهم إلى فعل الفواحش فاستحقوا العذاب .وقيل : معناه : أمرناهم بالطاعات ففعلوا الفواحش فاستحقوا العقوبة . رواه ابن جريج عن ابن عباس ، وقاله سعيد بن جبير أيضا .وقال ابن جرير : وقد يحتمل أن يكون معناه جعلناهم أمراء .قلت : إنما يجيء هذا على قراءة من قرأ " أمرنا مترفيها " قال علي بن طلحة ، عن ابن عباس قوله : ( أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ) يقول : سلطنا أشرارها فعصوا فيها ، فإذا فعلوا ذلك أهلكتهم بالعذاب ، وهو قوله : ( وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها ) [ الأنعام : 123 ] ، وكذا قال أبو العالية ومجاهد والربيع بن أنس .وقال العوفي عن ابن عباس : ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ) يقول : أكثرنا عددهم ، وكذا قال عكرمة ، والحسن ، والضحاك ، وقتادة ، وعن مالك عن الزهري : ( أمرنا مترفيها ) : أكثرنا .وقد استشهد بعضهم بالحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال : حدثنا روح بن عبادة ، حدثنا أبو نعامة العدوي ، عن مسلم بن بديل ، عن إياس بن زهير ، عن سويد بن هبيرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : خير مال امرئ له مهرة مأمورة أو سكة مأبورة " .قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام ، رحمه الله ، في كتابه " الغريب " : المأمورة : كثيرة النسل . والسكة : الطريقة المصطفة من النخل ، والمأبورة : من التأبير ، وقال بعضهم : إنما جاء هذا متناسبا كقوله : " مأزورات غير مأجورات " .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا فيه ثلاث مسائل :الأولى : أخبر الله - تعالى - في الآية التي قبل أنه لم يهلك القرى قبل ابتعاث الرسل ، لا لأنه يقبح منه ذلك إن فعل ، ولكنه وعد منه ، ولا خلف في وعده . فإذا أراد إهلاك قرية مع تحقيق وعده على ما قاله - تعالى - أمر مترفيها بالفسق والظلم فيها فحق عليها القول بالتدمير . يعلمك أن من هلك هلك بإرادته ، فهو الذي يسبب الأسباب ويسوقها إلى غاياتها ليحق القول السابق من الله - تعالى - .الثانية : قوله تعالى : أمرنا قرأ أبو عثمان النهدي وأبو رجاء وأبو العالية ، والربيع ومجاهد والحسن أمرنا بالتشديد ، وهي قراءة علي - رضي الله عنه - ; أي سلطنا شرارها فعصوا فيها ، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم . وقال أبو عثمان النهدي أمرنا بتشديد الميم ، جعلناهم أمراء مسلطين ; وقاله ابن عزيز . وتأمر عليهم تسلط عليهم . وقرأ الحسن أيضا وقتادة وأبو حيوة الشامي ويعقوب وخارجة عن نافع وحماد بن سلمة عن ابن كثير وعلي وابن عباس باختلاف عنهما " آمرنا " بالمد والتخفيف ، أي أكثرنا جبابرتها وأمراءها ; قاله الكسائي . وقال أبو عبيدة : آمرته بالمد وأمرته ، لغتان بمعنى كثرته ; ومنه الحديث خير المال مهرة مأمورة أو سكة مأبورة أي كثيرة النتاج والنسل . وكذلك قال ابن عزيز : آمرنا وأمرنا بمعنى واحد ; أي أكثرنا . وعن الحسن أيضا ويحيى بن يعمر " أمرنا " بالقصر وكسر الميم على فعلنا ، ورويت عن ابن عباس . قال قتادة والحسن : المعنى أكثرنا ; وحكى نحوه أبو زيد وأبو عبيد ، وأنكره الكسائي وقال : لا يقال من الكثرة إلا آمرنا بالمد ; قال وأصلها " أأمرنا " فخفف ، حكاه المهدوي . وفي الصحاح : وقال أبو الحسن أمر ماله ( بالكسر ) أي كثر . وأمر القوم أي كثروا ; قال الشاعر :أمرون لا يرثون سهم القعددوآمر الله ماله : ( بالمد ) : الثعلبي : ويقال للشيء الكثير أمر ، والفعل منه : أمر القوم يأمرون أمرا إذا كثروا . قال ابن مسعود : كنا نقول في الجاهلية للحي إذا كثروا : أمر أمر بني فلان ; قال لبيد :كل بني حر مصيرهم قل وإن أكثرت من العددإن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا يوما يصيروا للهلك والنكدقلت : وفي حديث هرقل الحديث الصحيح : ( لقد أمر أمر ابن أبي كبشة ، إنه ليخافه ملك بني الأصفر ) أي كثر . وكله غير متعد ولذلك أنكره الكسائي ، والله أعلم . قال المهدوي : ومن قرأ " أمر " فهي لغة ، ووجه تعدية " أمر " أنه شبهه بعمر من حيث كانت الكثرة أقرب شيء إلى العمارة ، فعدي كما عدي عمر . الباقون أمرنا من الأمر ; أي أمرناهم بالطاعة إعذارا وإنذارا وتخويفا ووعيدا .ففسقوا أي فخرجوا عن الطاعة عاصين لنا .فحق عليها القول فوجب ، عليها الوعيد ; عن ابن عباس .وقيل : أمرنا جعلناهم أمراء ; لأن العرب تقول : أمير غير مأمور ، أي غير مؤمر . وقيل : معناه بعثنا مستكبريها . قال هارون : وهي قراءة أبي " بعثنا أكابر مجرميها ففسقوا " ذكره الماوردي . وحكى النحاس : وقال هارون في قراءة أبي " وإذا أردنا أن نهلك قرية بعثنا فيها أكابر مجرميها فمكروا فيها فحق عليها القول . ويجوز أن يكون أمرنا بمعنى أكثرنا ; ومنه ( خير المال مهرة مأمورة ) على ما تقدم . وقال قوم : مأمورة اتباع لمأبورة ; كالغدايا والعشايا . وكقوله : ارجعن مأزورات غير مأجورات . وعلى هذا لا يقال : أمرهم الله ، بمعنى كثرهم ، بل يقال : آمره وأمره . واختار أبو عبيد وأبو حاتم قراءة العامة . قال أبو عبيد : وإنما اخترنا " أمرنا " لأن المعاني الثلاثة تجتمع فيها من الأمر والإمارة والكثرة . والمترف : المنعم ; وخصوا بالأمر لأن غيرهم تبع لهم .الثالثة : قوله تعالى : فدمرناها أي أستأصلناها بالهلاك . " تدميرا " وذكر المصدر للمبالغة في العذاب الواقع بهم . وفي الصحيح من حديث زينب بنت جحش زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما فزعا محمرا وجهه يقول : لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها . قالت : فقلت يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم إذا كثر الخبث . وقد تقدم الكلام في هذا الباب ، وأن المعاصي إذا ظهرت ولم تغير كانت سببا لهلاك الجميع ; والله أعلم .
تفسير الطبرياختلف القرّاء في قراءة قوله (أمَرْنَا مُتْرَفِيها) فقرأت ذلك عامة قرّاء الحجاز والعراق (أمَرْنا) بقصر الألف وغير مدها وتخفيف الميم وفتحها. وإذا قرئ ذلك كذلك، فإن الأغلب من تأويله: أمرنا مترفيها بالطاعة، ففسقوا فيها بمعصيتهم الله، وخلافهم أمره، كذلك تأوّله كثير ممن قرأه كذلك.* ذكر من قال ذلك:حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس (أمَرْنا مُتْرَفِيها) قال: بطاعة الله، فعصوا.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا شريك، عن سلمة أو غيره، عن سعيد بن جبير، قال: أمرنا بالطاعة فعصوا، وقد يحتمل أيضا إذا قرئ كذلك أن يكون معناه: جعلناهم أمراء ففسقوا فيها، لأن العرب تقول: هو أمير غير مأمور. وقد كان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول: قد يتوجَّه معناه إذا قرئ كذلك إلى معنى أكثرنا مترفيها، ويحتجّ لتصحيحه ذلك بالخبر الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " خَيْرُ المَالِ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ أوْ سِكّةٌ مَأْبُورَةٌ" ويقول: إن معنى قوله: مأمورة: كثيرة النسل. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من الكوفيين ينكر ذلك من قيله، ولا يجيزنا أمرنا، بمعنى أكثرنا إلا بمد الألف من أمرنا. ويقول في قوله " مهرة مأمورة ": إنما قيل ذلك على الاتباع لمجيء مأبورة بعدها، كما قيل : " ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيرَ مَأْجُورَاتٍ" فهمز مأزورات لهمز مأجورات، وهي من وزرت إتباعا لبعض الكلام بعضا. وقرأ ذلك أبو عثمان (أمَّرْنا) بتشديد الميم، بمعنى الإمارة.حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيم عن عوف، عن أبي عثمان النهدي أنه قرأ (أمَّرْنا) مشدّدة من الإمارة. وقد تأوّل هذا الكلام على هذا التأويل، جماعة من أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا عليّ بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (أمَّرْنا مُترَفِيها) يقول: سلطنا أشرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكتهم بالعذاب، وهو قوله وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا .حدثني الحرث، قال: ثنا القاسم، قال: سمعت الكسائي يحدّث عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، أنه قرأها(أمَّرْنا) وقال: سلَّطنا.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن أبي حفص، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: (أمَّرْنا) مثقلة: جعلنا عليها مترفيها: مستكبريها.حدثني محمد بن عمرو ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحرث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تبارك وتعالى: (أمَّرْنا مُتْرَفِيها) قال: بعثنا.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.وذكر عن الحسن البصري أنه قرأ ذلك (آمَرْنا) بمدّ الألف من أمرنا، بمعنى: أكثرنا فسقتها. وقد وجَّه تأويل هذا الحرف إلى هذا التأويل جماعة من أهل التأويل، إلا أن الذين حدّثونا لم يميزوا لنا اختلاف القراءات في ذلك، وكيف قرأ ذلك المتأوّلون، إلا القليل منهم.ذكر من تأوّل ذلك كذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (وَإِذَا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً آمَرْنا مُترَفِيها فَفَسَقُوا فِيها) يقول: أكثرنا عددهم.حدثنا هناد ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة قوله (آمَرْنا مُتْرَفِيها) قال: أكثرناهم.حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله (أمَرْنا مُتْرَفِيها) قال: أكثرناهم.حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (أَمَرْنَا مُتْرَفِيها) يقول: أكثرنا مترفيها: أى كبراءها.حدثنا بشر، قالا ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلكَ قَرْيَةً آمَرْنَا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فيها فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ) يقول: أكثرنا مترفيها: أى جبابرتها، ففسقوا فيها وعملوا بمعصية الله (فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) وكان يقال: إذا أراد الله بقوم صلاحا، بعث عليهم مصلحا، وإذا أراد بهم فسادا بعث عليهم مفسدا، وإذا أراد أن يهلكها أكثر مترفيها.حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة (آمَرْنَا مُتْرَفِيها) قال: أكثرناهم.حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما على زينب وهو يقول: " لا إِلَهَ إِلا الله وَيْلٌ لِلْعَرَبِ منْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ فُتِحَ اليَوْمُ منْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هذَا، وحلق بين إبهامه والتي تليها، قالت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ".حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا ) قال: ذكر بعض أهل العلم أن أمرنا: أكثرنا. قال: والعرب تقول للشيء الكثير أمِرَ لكثرته. فأما إذا وصف القوم بأنهم كثروا، فإنه يقال: أمر بنو فلان، وأمر القوم يأمرون أمرا، وذلك إذا كثروا وعظم أمرهم، كما قال لبيد.إنْ يُغْبَطُوا يُهْبَطُوا وَإِنْ أَمِرُوايَوْما يَصِيرُوا للقُلّ والنَّقَدِ (5)والأمر المصدر، والاسم الإمر، كما قال الله جلّ ثناؤه لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا قال: عظيما، وحكي في مثل شرّ إِمْر: أي كثير.وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأ (أَمَرْنا مُتْرَفِيها) بقصر الألف من أمرنا وتخفيف الميم منها، لإجماع الحجة من القرّاء على تصويبها دون غيرها. وإذا كان ذلك هو الأولى بالصواب بالقراءة، فأولى التأويلات به تأويل من تأوّله: أمرنا أهلها بالطاعة فعصوا وفسقوا فيها، فحقّ عليهم القول، لأن الأغلب من معنى أمرنا: الأمر، الذي هو خلاف النهي دون غيره، وتوجيه معاني كلام الله جلّ ثناؤه إلى الأشهر الأعرف من معانيه، أولى ما وجد إليه سبيل من غيره.ومعنى قوله (فَفَسَقُوا فِيهَا): فخالفوا أمر الله فيها، وخرجوا عن طاعته (فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ) يقول: فوجب عليهم بمعصيتهم الله وفسوقهم فيها، وعيد لله الذي أوعد من كفر به، وخالف رسله، من الهلاك بعد الإعذار والإنذار بالرسل والحجج (فَدَمَّرْناها تَدْميرًا) يقول: فخرّبناها عند ذلك تخريبا، وأهلكنا من كان فيها من أهلها إهلاكا، كما قال الفرزدق:وكانَ لَهُمْ كَبكْرِ ثَمُودَ لَمَّارَغا ظُهْرًا فَدَمَّرَهُمْ دَمارًا (6)والبيت من قصيدة ناقض بها الفرزدق قصيدة جرير التي مطلعها:ألا حَيَّ الدّيارَ بِسُعْدِ إنّيأُحِبّ لِحُبّ فاطمةَ الّذياراوالضمير في قوله " وكان لهم كبكر ثمود " راجع إلى جرير المذكور في البيت قبله وهو :جَرٍّ الْمُخْزِياتِ عَلى كُلَيْبٍجَرِيرٌ ثمَّ ما مَنَعَ الدَّمَارَاوبكر ثمود : ولد ناقة صالح . ورغا: صوت . والرغاء: صوت ذوات الخف.--------------------------الهوامش :(5) البيت في ديوان لبيد طبع فينا سنة 1880 رواية الطوسي ص 19 وفي روايته آخر البيت : "للهلك والنكد" في موضع: للقل والنقد في رواية المؤلف: وقال شارحه: يقول: إن غبطوا يوما فإنهم يموتون، ويهبطوا هاهنا يموتون. قال أبو الحسن: وهو قول أبي عمرو. ويروى: "إن يغبطوا: يموتون غبطة، كأنهم يموتون من غير مرض. ويقال للناقة إذا ذبحت من غير علة: اعتبطت، أخذه من العبيط، والعبيط: الطري من كل شيء" أ ه. قلت: والقد النفد بمعنى القلة والغناء.(6) البيت للفرزدق (ديوانه 443) استشهد به المؤلف على أن قوله تعالى: "فدمرناها تدميرا" معناه: خربناها تخريبا.
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِنۢ بَعۡدِ نُوحٖۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ١٧التفسير الميسروكثيرا أهلكنا من الأمم المكذبة رسلها مِن بعد نبي الله نوح. وكفى بربك -أيها الرسول- أنه عالم بجميع أعمال عباده، لا تخفى عليه خافية.
تفسير السعديوهؤلاء أمم كثيرة أبادهم الله بالعذاب من بعد قوم نوح كعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ممن عاقبهم الله لما كثر بغيهم واشتد كفرهم أنزل [الله] بهم عقابه العظيم. وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا فلا يخافوا منه ظلما وأنه يعاقبهم على ما عملوه.
تفسير ابن كثيريقول تعالى منذرا كفار قريش في تكذيبهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بأنه قد أهلك أمما من المكذبين للرسل من بعد نوح ، ودل هذا على أن القرون التي كانت بين آدم ونوح على الإسلام ، كما قاله ابن عباس : كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام .ومعناه : أنكم أيها المكذبون لستم أكرم على الله منهم ، وقد كذبتم أشرف الرسل وأكرم الخلائق ، فعقوبتكم أولى وأحرى .وقوله [ تعالى ] ( وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا ) أي : هو عالم بجميع أعمالهم ، خيرها وشرها ، لا يخفى عليه منها خافية [ سبحانه وتعالى ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا قوله تعالى : وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح أي كم من قوم كفروا حل بهم البوار . يخوف كفار مكة . كم في موضع نصب ب أهلكنا والمعنى : ألا يعتبرون بمن أهلكنا من الأمم قبلهم لتكذيبهم أنبياءهم أي ألم يعرفوا ذلك والقرن الأمة من الناس . والجمع القرون ; قال الشاعر :إذا ذهب القرن الذي كنت فيهم وخلفت في قرن فأنت غريبفالقرن كله عالم في عصره مأخوذ من الاقتران أي عالم مقترن به بعضهم إلى بعض ; وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : خير الناس قرني يعني أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم هذا أصح ما قيل فيه . وقيل : المعنى من أهل قرن فحذف كقوله : واسأل القرية . فالقرن على هذا مدة من الزمان ; قيل : ستون عاما وقيل سبعون ، وقيل : ثمانون ; وقيل : مائة ; وعليه أكثر أصحاب الحديث أن القرن مائة سنة ; واحتجوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعبد الله بن بسر : تعيش قرنا فعاش مائة سنة ; ذكره النحاس . وأصل القرن الشيء الطالع كقرن ما له قرن من الحيوان .وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا خبيرا عليما بهم . بصيرا يبصر أعمالهم ; وقد تقدم .
تفسير الطبريوهذا وعيد من الله تعالى ذكره مكذّبي رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من مشركي قريش، وتهديدهم لهم بالعقاب، وإعلام منه لهم، أنهم إن لم ينتهوا عما هم عليه مقيمون من تكذيبهم رسوله صلى الله عليه وسلم أنه محلّ بهم سخطه، ومنزل بهم من عقابه ما أنزل بمن قبلهم من الأمم الذين سلكوا في الكفر بالله، وتكذيب رسله سبيلهم، يقول الله تعالى ذكره: وقد أهلكنا أيها القوم من قبلكم من بعد نوح إلى زمانكم قرونا كثيرة كانوا من جحود آيات الله والكفر به، وتكذيب رسله، على مثل الذي أنتم عليه، ولستم بأكرم على الله تعالى منهم، لأنه لا مناسبة بين أحد وبين الله جلّ ثناؤه، فيعذّب قوما بما لا يعذّب به آخرين، أو يعفو عن ذنوب ناس فيعاقب عليها آخرين؛ يقول جلّ ثناؤه: فأنيبوا إلى طاعة الله ربكم، فقد بعثنا إليكم رسولا ينبهكم على حججنا عليكم، ويوقظكم من غفلتكم، ولم نكن لنعذّب قوما حتى نبعث إليهم رسولا منبها لهم على حجج الله، وأنتم على فسوقكم مقيمون، وكفى بربك يا محمد بذنوب عباده خبيرا: يقول: وحسبك يا محمد بالله خابرا بذنوب خلقه عالما، فإنه لا يخفى عليه شيء من أفعال مشركي قومك هؤلاء، ولا أفعال غيرهم من خلقه، وهو بجميع ذلك عالم خابر بصير، يقول: يبصر ذلك كله فلا يغيب عنه منه شيء، ولا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر.وقد اختلف في مبلغ مدة القرن،فحدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أبي محمد بن عبد الله بن أبي أوفى، قال: القرن: عشرون ومئة سنة، فبُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوّل قرن كان، وآخرهم يزيد بن معاوية.وقال آخرون: بل هو مئة سنة.* ذكر من قال ذلك:حدثنا حسان بن محمد بن عبد الرحمن الحمصي أبو الصلت الطائي، قال: ثنا سلامة بن حواس، عن محمد بن القاسم، عن عبد الله بن بسر المازني، قال: وضع النبيّ صلى الله عليه وسلم يده على رأسه وقال: " سَيَعيِشُ هذَا الغُلام قَرْنا " قلت: كم القرن؟ قال: " مِئَةُ سَنَةٍ".حدثنا حسان بن محمد، قال: ثنا سلامة بن حواس، عن محمد بن القاسم، قال: ما زلنا نعدّ له حتى تمَّت مئة سنة ثم مات، قال أبو الصلت: أخبرني سلامة أن محمد بن القاسم هذا كان ختن عبد الله بن بسر.وقال آخرون في ذلك بما حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: أخبرنا عمر بن شاكر، عن ابن سيرين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً".وقوله (وكَفَى بِرَبِّكَ) أدخلت الباء في قوله (بِرَبِّكَ) وهو في محلّ رفع، لأن معنى الكلام: وكفاك ربك ، وحسبك ربك بذنوب عباده خبيرا، دلالة على المدح، وكذلك تفعل العرب في كلّ كلام كان بمعنى المدح أو الذمّ، تدخل في الاسم الباء والاسم المدخلة عليه الباء في موضع رفع لتدلّ بدخولها على المدح أو الذمّ كقولهم: أكرم به رجلا وناهيك به رجلا وجاد بثوبك ثوبا، وطاب بطعامكم طعاما، وما أشبه ذلك من الكلام، ولو أسقطت الباء مما دخلت فيه من هذه الأسماء رفعت، لأنها في محلّ رفع، كما قال الشاعر:ويُخْبرُنِي عَنْ غائبِ المَرْءِ هَدْيُهُكَفَى الهَدْيُ عَمَّا غَيَّبَ المَرْءُ مُخْبرًا (7)فأما إذا لم يكن في الكلام مدح أو ذمّ فلا يدخلون في الاسم الباء؛ لا يجوز أن يقال: قام بأخيك، وأنت تريد: قام أخوك، إلا أن تريد: قام رجل آخر به، وذلك معنى غير المعنى الأوّل.------------------------الهوامش:(7) البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن ( مصورة الجامعة رقم 24059 ص 178) قال : "وكل ما في القرآن من قوله: "وكفى بربك) ، وفي (كفى بالله) و (كفى بنفسك اليوم): فلو ألقيت الباء ، كان الخوف مرفوعا ، كما قال الشاعر: "ويخبرني ... البيت". وإنما يجوز دخول الباء في المرفوع إذا كان يمدح به صاحبه ؛ ألا ترى أنك تقول : كفاك به ، ونهاك به ، وأكرم به رجلا ، وبئس به رجلا ، ونعم به رجلا ، وطاب بطعامك طعاما ، وجاد بثوبك ثوبا . ولو لم يكن مدحا أو ذما لم يجز دخولها؛ ألا ترى أن الذي يقول : قام أخوك . أو قعد أخوك ، لا يجوز له أن يقول: قام بأخيك ، ولا قعد بأخيك؛ إلا أن تريد قام به غيره وقعد به . أ ه . وقد اغترف ا لمؤلف من كلام الفراء ما شاء ، غير أنه لم يعزه إلى قائله في هذا الموضع .