الجمعة، ١٣ مارس ٢٠٢٦
الجمعة، ١٣ مارس ٢٠٢٦
facebookinstagramtwitter

عرض بالصفحات

Basmala
سُورَةُ الكَهۡفِ
وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدٗا  ٣٥وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا  ٣٦قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا  ٣٧لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا  ٣٨وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالٗا وَوَلَدٗا  ٣٩فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصۡبِحَ صَعِيدٗا زَلَقًا  ٤٠أَوۡ يُصۡبِحَ مَآؤُهَا غَوۡرٗا فَلَن تَسۡتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبٗا  ٤١وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصۡبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيۡهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُشۡرِكۡ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا  ٤٢وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٞ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا  ٤٣هُنَالِكَ ٱلۡوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلۡحَقِّۚ هُوَ خَيۡرٞ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ عُقۡبٗا  ٤٤وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا  ٤٥
تفسير سُورَةُ الكَهۡفِ
وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدٗا  ٣٥
التفسير الميسرودخل حديقته، وهو ظالم لنفسه بالكفر بالبعث، وشكه في قيام الساعة، فأعجبته ثمارها وقال: ما أعتقد أن تَهْلِك هذه الحديقة مدى الحياة، وما أعتقد أن القيامة واقعة، وإن فُرِضَ وقوعها -كما تزعم أيها المؤمن- ورُجعتُ إلى ربي لأجدنَّ عنده أفضل من هذه الحديقة مرجعًا ومردًا؛ لكرامتي ومنزلتي عنده.
تفسير السعديتفسير الآيات من 34 حتى 36 :أي: فقال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن، وهما يتحاوران، أي: يتراجعان بينهما في بعض الماجريات المعتادة، مفتخرا عليه: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا فخر بكثرة ماله، وعزة أنصاره من عبيد، وخدم، وأقارب، وهذا جهل منه، وإلا فأي: افتخار بأمر خارجي ليس فيه فضيلة نفسية، ولا صفة معنوية، وإنما هو بمنزله فخر الصبي بالأماني، التي لا حقائق تحتها، ثم لم يكفه هذا الافتخار على صاحبه، حتى حكم، بجهله وظلمه، وظن لما دخل جنته، ف قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ أي: تنقطع وتضمحل هَذِهِ أَبَدًا فاطمأن إلى هذه الدنيا، ورضى بها، وأنكر البعث، فقال: وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي على ضرب المثل لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا أي ليعطيني خيرا من هاتين الجنتين، وهذا لا يخلو من أمرين: إما أن يكون عالما بحقيقة الحال، فيكون كلامه هذا على وجه التهكم والاستهزاء فيكون زيادة كفر إلى كفره، وإما أن يكون هذا ظنه في الحقيقة، فيكون من أجهل الناس، وأبخسهم حظا من العقل، فأي: تلازم بين عطاء الدنيا وعطاء الآخرة، حتى يظن بجهله أن من أعطي في الدنيا أعطي في الآخرة، بل الغالب، أن الله تعالى يزوي الدنيا عن أوليائه وأصفيائه، ويوسعها على أعدائه الذين ليس لهم في الآخرة نصيب، والظاهر أنه يعلم حقيقة الحال، ولكنه قال هذا الكلام، على وجه التهكم والاستهزاء، بدليل قوله: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ فإثبات أن وصفه الظلم، في حال دخوله، الذي جرى منه، من القول ما جرى، يدل على تمرده وعناده.
تفسير ابن كثيروقوله : ( ودخل جنته وهو ظالم لنفسه ) أي : بكفره وتمرده وتكبره وتجبره وإنكاره المعاد ( قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا ) وذلك اغترار منه ، لما رأى فيها من الزروع والثمار والأشجار والأنهار المطردة في جوانبها وأرجائها ، ظن أنها لا تفنى ولا تفرغ ولا تهلك ولا تتلف وذلك لقلة عقله ، وضعف يقينه بالله ، وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها ، وكفره بالآخرة ؛
تفسير القرطبيقوله تعالى : ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدافقوله تعالى : ودخل جنته قيل : أخذ بيد أخيه المؤمن يطيف به فيها ويريه إياها .وهو ظالم لنفسه أي بكفره ، وهو جملة في موضع الحال . ومن أدخل نفسه النار بكفره فهو ظالم لنفسه .قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا أنكر فناء الدار .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35)يقول تعالى ذكره: هذا الذي جعلنا له جنتين من أعناب ( دَخَلَ جَنَّتَهُ ) وهي بستانه (وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) وظلمه نفسه: كفره بالبعث، وشكه في قيام الساعة، ونسيانه المعاد إلى الله تعالى، فأوجب لها بذلك سخط الله وأليم عقابه ، وقوله : (قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا) يقول جلّ ثناؤه: قال لما عاين جنته، ورآها وما فيها من الأشجار والثمار والزروع والأنهار المطردة شكا في المعاد إلى الله: ما أظنّ أن تبيد هذه الجنة أبدا، ولا تفنى ولا تَخْرب ، وما أظنّ الساعة التي وعد الله خلقه الحشر فيها تقوم فتحدث، ثم تمنى أمنية أخرى على شكّ منه، فقال: ( وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي ) فرجعت إليه، وهو غير موقن أنه راجع إليه ( لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ) يقول: لأجدنّ خيرا من جنتي هذه عند الله إن رددت إليه مرجعا ومردًا، يقول: لم يعطني هذه الجنة في الدنيا إلا ولي عنده أفضل منها في المعاد إن رددت إليه.
وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا  ٣٦
التفسير الميسرودخل حديقته، وهو ظالم لنفسه بالكفر بالبعث، وشكه في قيام الساعة، فأعجبته ثمارها وقال: ما أعتقد أن تَهْلِك هذه الحديقة مدى الحياة، وما أعتقد أن القيامة واقعة، وإن فُرِضَ وقوعها -كما تزعم أيها المؤمن- ورُجعتُ إلى ربي لأجدنَّ عنده أفضل من هذه الحديقة مرجعًا ومردًا؛ لكرامتي ومنزلتي عنده.
تفسير السعديتفسير الآيات من 34 حتى 36 :أي: فقال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن، وهما يتحاوران، أي: يتراجعان بينهما في بعض الماجريات المعتادة، مفتخرا عليه: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا فخر بكثرة ماله، وعزة أنصاره من عبيد، وخدم، وأقارب، وهذا جهل منه، وإلا فأي: افتخار بأمر خارجي ليس فيه فضيلة نفسية، ولا صفة معنوية، وإنما هو بمنزله فخر الصبي بالأماني، التي لا حقائق تحتها، ثم لم يكفه هذا الافتخار على صاحبه، حتى حكم، بجهله وظلمه، وظن لما دخل جنته، ف قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ أي: تنقطع وتضمحل هَذِهِ أَبَدًا فاطمأن إلى هذه الدنيا، ورضى بها، وأنكر البعث، فقال: وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي على ضرب المثل لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا أي ليعطيني خيرا من هاتين الجنتين، وهذا لا يخلو من أمرين: إما أن يكون عالما بحقيقة الحال، فيكون كلامه هذا على وجه التهكم والاستهزاء فيكون زيادة كفر إلى كفره، وإما أن يكون هذا ظنه في الحقيقة، فيكون من أجهل الناس، وأبخسهم حظا من العقل، فأي: تلازم بين عطاء الدنيا وعطاء الآخرة، حتى يظن بجهله أن من أعطي في الدنيا أعطي في الآخرة، بل الغالب، أن الله تعالى يزوي الدنيا عن أوليائه وأصفيائه، ويوسعها على أعدائه الذين ليس لهم في الآخرة نصيب، والظاهر أنه يعلم حقيقة الحال، ولكنه قال هذا الكلام، على وجه التهكم والاستهزاء، بدليل قوله: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ فإثبات أن وصفه الظلم، في حال دخوله، الذي جرى منه، من القول ما جرى، يدل على تمرده وعناده.
تفسير ابن كثيرولهذا قال : ( وما أظن الساعة قائمة ) أي : كائنة ( ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا ) أي : ولئن كان معاد ورجعة ومرد إلى الله ، ليكونن لي هناك أحسن من هذا لأني محظى عند ربي ، ولولا كرامتي عليه ما أعطاني هذا ، كما قال في الآية الأخرى : ( ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ) [ فصلت : 50 ] ، وقال ( أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا ) [ مريم : 77 ] أي : في الدار الآخرة ، تألى على الله عز وجل ، وكان سبب نزولها في العاص بن وائل ، كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة .
تفسير القرطبيوما أظن الساعة قائمة أي لا أحسب البعث كائنا .ولئن رددت إلى ربي أي وإن كان بعث فكما أعطاني هذه النعم في الدنيا فسيعطيني أفضل منه لكرامتي عليه .لأجدن خيرا منها منقلبا وإنما قال ذلك لما دعاه أخوه إلى الإيمان بالحشر والنشر . وفي مصاحف مكة والمدينة والشام " منهما " . وفي مصاحف أهل البصرة والكوفة منها على التوحيد ، والتثنية أولى ; لأن الضمير أقرب إلى الجنتين .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : ( وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ) كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ابن زيد : شكّ، ثم قال: (وَلَئِنْ ) كان ذلك ثم ( رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ) ما أعطاني هذه إلا ولي عنده خير من ذلك.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ، قوله: ( وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ) كفور لنعم ربه، مكذّب بلقائه : متمنّ على الله.
قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا  ٣٧
التفسير الميسرقال له صاحبه المؤمن، وهو يحاوره واعظًا له: كيف تكفر بالله الذي خلقك مِن تراب، ثم مِن نطفة الأبوين، ثم سَوَّاك بشرًا معتدل القامة والخَلْق؟ وفي هذه المحاورة دليل على أن القادر على ابتداء الخلق، قادر على إعادتهم.
تفسير السعديتفسير الآيتين 37 و 38 :أي: قال له صاحبه المؤمن، ناصحا له، ومذكرا له حاله الأولى، التي أوجده الله فيها في الدنيا مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا فهو الذي أنعم عليك بنعمة الإيجاد والإمداد، وواصل عليك النعم، ونقلك من طور إلى طور، حتى سواك رجلا، كامل الأعضاء والجوارح المحسوسة، والمعقولة، وبذلك يسر لك الأسباب، وهيأ لك ما هيأ من نعم الدنيا، فلم تحصل لك الدنيا بحولك وقوتك، بل بفضل الله تعالى عليك، فكيف يليق بك أن تكفر بالله الذي خلقك من تراب، ثم من نطفة ثم سواك رجلا، وتجحد نعمته، وتزعم أنه لا يبعثك، وإن بعثك أنه يعطيك خيرا من جنتك؟! هذا مما لا ينبغي ولا يليق. ولهذا لما رأى صاحبه المؤمن حاله واستمراره على كفره وطغيانه، قال مخبرا عن نفسه، على وجه الشكر لربه، والإعلان بدينه، عند ورود المجادلات والشبه: لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا فأقر بربوبية لربه، وانفراده فيها، والتزم طاعته وعبادته، وأنه لا يشرك به أحدا من المخلوقين، ثم أخبره أن نعمة الله عليه بالإيمان والإسلام، ولو مع قلة ماله وولد، أنها هي النعمة الحقيقية، وأن ما عداها معرض للزوال والعقوبة عليه والنكال، فقال:
تفسير ابن كثيريقول تعالى مخبرا عما أجابه صاحبه المؤمن ، واعظا له وزاجرا عما هو فيه من الكفر بالله والاغترار : ( أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا ) ؟ وهذا إنكار وتعظيم لما وقع فيه من جحود ربه ، الذي خلقه وابتدأ خلق الإنسان من طين وهو آدم ، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ، كما قال تعالى : ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ) [ البقرة : 280 ] أي : كيف تجحدون ربكم ، ودلالته عليكم ظاهرة جلية ، كل أحد يعلمها من نفسه ، فإنه ما من أحد من المخلوقات إلا ويعلم أنه كان معدوما ثم وجد ، وليس وجوده من نفسه ولا مستندا إلى شيء من المخلوقات ؛ لأنه بمثابته فعلم إسناد إيجاده إلى خالقه ، وهو الله ، لا إله إلا هو ، خالق كل شيء ؛ ولذا قال :
تفسير القرطبيقوله تعالى : قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحداقال له صاحبه يهوذا أو تمليخا ; على الخلاف في اسمه .أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا وعظه وبين له أن ما اعترف به من هذه الأشياء التي لا ينكرها أحد أبدع من الإعادة . وسواك رجلا أي جعلك معتدل القامة والخلق ، صحيح الأعضاء ذكرا .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا (37)يقول تعالى ذكره: قال لصاحب الجنتين صاحبه الذي هو أقل منه مالا وولدا، (وَهُوَ يُحَاوِرُهُ) : يقول : وهو يخاطبه ويكلمه: (أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ) يعني خلق أباك آدم من تراب (ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) يقول: ثم أنشأك من نطفة الرجل والمرأة ، (ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا) يقول: ثم عدلك بشرا سويا رجلا ذكرا لا أنثى، يقول: أكفرت بمن فعل بك هذا أن يعيدك خلقا جديدا بعد ما تصير رفاتا
لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا  ٣٨
التفسير الميسرلكن أنا لا أقول بمقالتك الدالة على كفرك، وإنما أقول: المنعم المتفضل هو الله ربي وحده، ولا أشرك في عبادتي له أحدًا غيره.
تفسير السعديتفسير الآيتين 37 و 38 :أي: قال له صاحبه المؤمن، ناصحا له، ومذكرا له حاله الأولى، التي أوجده الله فيها في الدنيا مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا فهو الذي أنعم عليك بنعمة الإيجاد والإمداد، وواصل عليك النعم، ونقلك من طور إلى طور، حتى سواك رجلا، كامل الأعضاء والجوارح المحسوسة، والمعقولة، وبذلك يسر لك الأسباب، وهيأ لك ما هيأ من نعم الدنيا، فلم تحصل لك الدنيا بحولك وقوتك، بل بفضل الله تعالى عليك، فكيف يليق بك أن تكفر بالله الذي خلقك من تراب، ثم من نطفة ثم سواك رجلا، وتجحد نعمته، وتزعم أنه لا يبعثك، وإن بعثك أنه يعطيك خيرا من جنتك؟! هذا مما لا ينبغي ولا يليق. ولهذا لما رأى صاحبه المؤمن حاله واستمراره على كفره وطغيانه، قال مخبرا عن نفسه، على وجه الشكر لربه، والإعلان بدينه، عند ورود المجادلات والشبه: لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا فأقر بربوبية لربه، وانفراده فيها، والتزم طاعته وعبادته، وأنه لا يشرك به أحدا من المخلوقين، ثم أخبره أن نعمة الله عليه بالإيمان والإسلام، ولو مع قلة ماله وولد، أنها هي النعمة الحقيقية، وأن ما عداها معرض للزوال والعقوبة عليه والنكال، فقال:
تفسير ابن كثير( لكنا هو الله ربي ) أي : أنا لا أقول بمقالتك ، بل أعترف لله بالربوبية والوحدانية ( ولا أشرك بربي أحدا ) أي : بل هو الله المعبود وحده لا شريك له .
تفسير القرطبيلكنا هو الله ربي كذا قرأه أبو عبد الرحمن السلمي وأبو العالية . وروي عن الكسائي لكن هو الله بمعنى لكن الأمر هو الله ربي ، فأضمر اسمها فيها . وقرأ الباقون " لكنا " بإثبات الألف . قالالكسائي : فيه تقديم وتأخير ، تقديره : لكن الله هو ربي أنا ، فحذفت الهمزة من " أنا " طلبا للخفة لكثرة الاستعمال وأدغمت إحدى النونين في الأخرى وحذفت ألف " أنا " في الوصل وأثبتت في الوقف . وقال النحاس : مذهب الكسائي والفراء والمازني أن الأصل لكن أنا فألقيت حركة الهمزة على نون لكن وحذفت الهمزة وأدغمت النون في النون فالوقف عليها لكنا وهي ألف أنا لبيان الحركة . وقال أبو عبيدة : الأصل لكن أنا ، فحذفت الألف فالتقت نونان فجاء بالتشديد لذلك ، وأنشدنا الكسائي :لهنك من عبسية لوسيمة على هنوات كاذب من يقولهاأراد : لله إنك ، فأسقط إحدى اللامين من " لله " وحذف الألف من إنك . وقال آخر فجاء به على الأصل :وترمينني بالطرف أي أنت مذنب وتقلينني لكن إياك لا أقليأي لكن أنا . وقال أبو حاتم : ورووا عن عاصم " لكنا هو الله ربي " وزعم أن هذا لحن ، يعني إثبات الألف في الإدراج . قال الزجاج : إثبات الألف في " لكنا هو الله ربي " في الإدراج جيد ; لأنه قد حذفت الألف من أنا فجاءوا بها عوضا . قال : وفي قراءة أبي " لكن أنا هو الله ربي " . وقرأ ابن عامر والمسيلي عن نافع ورويس عن يعقوب " لكنا " في حال الوقف والوصل معا بإثبات الألف . وقال الشاعر :أنا سيف العشيرة فاعرفوني حميدا قد تذريت السناماوقال الأعشى :فكيف أنا وانتحال القوافي بعد المشيب كفى ذاك عاراولا خلاف في إثباتها في الوقف . هو الله ربي هو ضمير القصة والشأن والأمر ; كقوله فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا وقوله : قل هو الله أحد .ولا أشرك بربي أحدا دل مفهومه على أن الأخ الآخر كان مشركا بالله - تعالى - يعبد غيره . ويحتمل أنه أراد لا أرى الغنى والفقر إلا منه ، وأعلم أنه لو أراد أن يسلب صاحب الدنيا دنياه قدر عليه ; وهو الذي آتاني الفقر . ويحتمل أنه أراد جحودك البعث مصيره إلى أن الله - تعالى - لا يقدر عليه ، وهو تعجيز الرب - سبحانه وتعالى - ، ومن عجزه - سبحانه وتعالى - شبهه بخلقه ; فهو إشراك .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى( لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي ) يقول: أما أنا فلا أكفر بربي، ولكن أنا هو الله ربي، معناه أنه يقول: ولكن أنا أقول: هو الله ربي ( وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا ). وفي قراءة ذلك وجهان: أحدهما لكنّ هو الله ربي بتشديد النون وحذف الألف في حال الوصل، كما يقال: أنا قائم فتحذف الألف من أنا، وذلك قراءة عامة قراء أهل العراق. وأما في الوقف فإن القراءة كلها تثبت فيها الألف، لأن النون إنما شددت لاندغام النون من لكن، وهي ساكنة في النون التي من أنا، إذ سقطت الهمزة التي في أنا، فإذا وقف عليها ظهرت الألف التي في أنا، فقيل: لكنا، لأنه يقال في الوقف على أنا بإثبات الألف لا بإسقاطها. وقرأ ذلك جماعة من أهل الحجاز: (لَكِنَّا) بإثبات الألف في الوصل والوقف، وذلك وإن كان مما ينطق به في ضرورة الشعر، كما قال الشاعر:أنا سَيْفُ العَشِيرَة فاعْرِفُونِيحميدا قد تذريت السناما (1)فأثبت الألف في أنا، فليس ذلك بالفصيح من الكلام، والقراءة التي هي القراءة الصحيحة عندنا ما ذكرنا عن العراقيين، وهو حذف الألف من " لكنّ" في الوصل، وإثباتها في الوقف.
وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالٗا وَوَلَدٗا  ٣٩
التفسير الميسروهلا حين دخَلْتَ حديقتك فأعجبتك حَمِدت الله، وقلت: هذا ما شاء الله لي، لا قوة لي على تحصيله إلا بالله. إن كنت تراني أقل منك مالا وأولادًا، فعسى ربي أن يعطيني أفضل من حديقتك، ويسلبك النعمة بكفرك، ويرسل على حديقتك عذابا من السماء، فتصبح أرضًا ملساء جرداء لا تثبت عليها قدم، ولا ينبت فيها نبات، أو يصير ماؤها الذي تُسقى منه غائرًا في الأرض، فلا تقدر على إخراجه.
تفسير السعديأي: قال للكافر صاحبه المؤمن: أنت -وإن فخرت علي بكثرة مالك وولدك، ورأيتني أقل منك مالا وولدا -فإن ما عند الله، خير وأبقى، وما يرجى من خيره وإحسانه، أفضل من جميع الدنيا، التي يتنافس فيها المتنافسون.
تفسير ابن كثيرثم قال : ( ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترني أنا أقل منك مالا وولدا ) هذا تحضيض وحث على ذلك ، أي : هلا إذا أعجبتك حين دخلتها ونظرت إليها حمدت الله على ما أنعم به عليك ، وأعطاك من المال والولد ما لم يعطه غيرك ، وقلت : ( ما شاء الله لا قوة إلا بالله ) ؛ ولهذا قال بعض السلف : من أعجبه شيء من حاله أو ماله أو ولده أو ماله ، فليقل : ( ما شاء الله لا قوة إلا بالله ) وهذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة . وقد روي فيه حديث مرفوع أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده :حدثنا جراح بن مخلد ، حدثنا عمر بن يونس ، حدثنا عيسى بن عون ، حدثنا عبد الملك بن زرارة ، عن أنس - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد ، فيقول : ( ما شاء الله لا قوة إلا بالله ) فيرى فيه آفة دون الموت " . وكان يتأول هذه الآية : ( ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله ) .قال الحافظ أبو الفتح الأزدي : عيسى بن عون ، عن عبد الملك بن زرارة ، عن أنس : لا يصح حديثه .وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة وحجاج ، حدثني شعبة ، عن عاصم بن عبيد الله ، عن عبيد مولى أبي رهم ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة ؟ لا قوة إلا بالله " . تفرد به أحمدوقد ثبت في الصحيح عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : " ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة ؟ لا حول ولا قوة إلا بالله "وقال الإمام أحمد : حدثنا بكر بن عيسى ، حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بلج ، عن عمرو بن ميمون قال : قال أبو هريرة : قال لي نبي الله صلى الله عليه وسلم : " يا أبا هريرة ، أدلك على كنز من كنوز الجنة تحت العرش ؟ " . قال : قلت : نعم ، فداك أبي وأمي . قال : " أن تقول : لا قوة إلا بالله " قال أبو بلج : وأحسب أنه قال : " فإن الله يقول : أسلم عبدي واستسلم " . قال : فقلت لعمرو - قال أبو بلج : قال عمرو : قلت لأبي هريرة : لا حول ولا قوة إلا بالله ؟ فقال : لا إنها في سورة الكهف : ( ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله )
تفسير القرطبيقوله تعالى : ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله أي بالقلب ، وهو توبيخ ووصية من المؤمن للكافر ورد عليه ، إذ قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما في موضع رفع ، تقديره : هذه الجنة هي ما شاء الله . وقال الزجاج والفراء : الأمر ما شاء الله ، أو هو ما شاء الله ; أي الأمر مشيئة الله - تعالى - . وقيل : الجواب مضمر ، أي ما شاء الله كان ، وما لا يشاء لا يكون .لا قوة إلا بالله أي ما اجتمع لك من المال فهو بقدرة الله - تعالى - وقوته لا بقدرتك وقوتك ، ولو شاء لنزع البركة منه فلم يجتمع .الثانية : قال أشهب قال مالك : ينبغي لكل من دخل منزله أن يقول هذا . وقال ابن وهب قال لي حفص بن ميسرة : رأيت على باب وهب بن منبه مكتوبا ما شاء الله لا قوة إلا بالله . وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لأبي هريرة : ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة - أو قال كنز من كنوز الجنة قلت : بلى يا رسول الله ، قال لا حول ولا قوة إلا بالله إذا قالها العبد قال الله - عز وجل - أسلم عبدي واستسلم أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى . وفيه : فقال يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة - في رواية على كنز من كنوز الجنة - قلت : ما هي يا رسول الله ، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله . وعنه قال : قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة أو قال كنز من كنوز الجنة قلت : بلى ; فقال لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . وروي أنه من دخل منزله أو خرج منه فقال : باسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله تنافرت عنه الشياطين من بين يديه وأنزل الله - تعالى - عليه البركات . وقالت عائشة : إذا خرج الرجل من منزله فقال باسم الله قال الملك هديت ، وإذا قال ما شاء الله قال الملك كفيت ، وإذا قال لا قوة إلا بالله قال الملك وقيت . خرجه الترمذي من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من قال - يعني إذا خرج من بيته - باسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله يقال كفيت ووقيت وتنحى عنه الشيطان هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . خرجه أبو داود أيضا وزاد فيه - فقال له : هديت وكفيت ووقيت . وأخرجه ابن ماجه من حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا خرج الرجل من باب بيته أو باب داره كان معه ملكان موكلان به فإذا قال باسم الله قالا هديت وإذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله قالا وقيت وإذا قال توكلت على الله قالا كفيت قال فيلقاه قريناه فيقولان ماذا تريدان من رجل قد هدي ووقي وكفي . وقال الحاكم أبو عبد الله في علوم الحديث : سئل محمد بن إسحاق بن خزيمة عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : تحاجت الجنة والنار فقالت هذه - يعني الجنة - يدخلني الضعفاء من الضعيف ؟ قال : الذي يبرئ نفسه من الحول والقوة يعني في اليوم عشرين مرة أو خمسين مرة . وقال أنس بن مالك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من رأى شيئا فأعجبه فقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره عين . وقد قال قوم : ما من أحد قال ما شاء الله كان فأصابه شيء إلا رضي به . وروي أن من قال أربعا أمن من أربع : من قال هذه أمن من العين ، ومن قال حسبنا الله ونعم الوكيل أمن من كيد الشيطان ، ومن قال وأفوض أمري إلى الله أمن مكر الناس ، ومن قال لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين أمن من الغم .قوله تعالى : إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا إن شرط ترن مجزوم به ، والجواب فعسى ربي وأنا فاصلة لا موضع لها من الإعراب . ويجوز أن تكون في موضع نصب توكيدا للنون والياء . وقرأ عيسى بن عمر إن ترن أنا أقل منك بالرفع ; يجعل أنا مبتدأ " وأقل " خبره ، والجملة في موضع المفعول الثاني ، والمفعول الأول النون والياء ; إلا أن الياء حذفت لأن الكسرة تدل عليها ، وإثباتها جيد بالغ وهو الأصل لأنها الاسم على الحقيقة .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا وَوَلَدًا (39)يقول عز ذكره: وهلا إذ دخلت بستانك، فأعجبك ما رأيت منه، قلت ما شاء الله كان ، وفي الكلام محذوف استغني بدلالة ما ظهر عليه منه، وهو جواب الجزاء، وذلك كان.وإذا وجه الكلام إلى هذا المعنى الذي قلنا كانت " ما " نصبا بوقوع فعل الله عليه، وهو شاء ، وجاز طرح الجواب، لأن معنى الكلام معروف، كما قيل: فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض، وترك الجواب، إذ كان مفهوما معناه ، وكان بعض أهل العربية يقول " ما " من قوله: ( مَا شَاءَ اللَّهُ ) في موضع رفع بإضمار هو، كأنه قيل: قلت هو ما شاء الله ( لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ ) يقول: لا قوة على ما نحاول من طاعته إلا به.وقوله: ( إِنْ تَرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا وَوَلَدًا ) وهو قول المؤمن الذي لا مال له، ولا عشيرة، مثل صاحب الجنتين وعشيرته وهو مثل سَلْمان وصُهَيب وخباب، يقول: قال المؤمن للكافر: إن ترن أيها الرجل أنا أقل منك مالا وولدا ، فإذا جعلت أنا عمادا نصبت أقل ، وبه القراءة عندنا، لأن عليه قراءة الأمصار، وإذا جعلته اسما رفعت أقل.
فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصۡبِحَ صَعِيدٗا زَلَقًا  ٤٠
التفسير الميسروهلا حين دخَلْتَ حديقتك فأعجبتك حَمِدت الله، وقلت: هذا ما شاء الله لي، لا قوة لي على تحصيله إلا بالله. إن كنت تراني أقل منك مالا وأولادًا، فعسى ربي أن يعطيني أفضل من حديقتك، ويسلبك النعمة بكفرك، ويرسل على حديقتك عذابا من السماء، فتصبح أرضًا ملساء جرداء لا تثبت عليها قدم، ولا ينبت فيها نبات، أو يصير ماؤها الذي تُسقى منه غائرًا في الأرض، فلا تقدر على إخراجه.
تفسير السعدي فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا أي: على جنتك التي طغيت بها وغرتك حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ أي: عذابا، بمطر عظيم أو غيره، فَتُصْبِحَ بسبب ذلك صَعِيدًا زَلَقًا أي: قد اقتلعت أشجارها، وتلفت ثمارها، وغرق زرعها، وزال نفعها.
تفسير ابن كثيروقوله : ( فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك ) أي : في الدار الآخرة ( ويرسل عليها ) أي : على جنتك في الدنيا التي ظننت أنها لا تبيد ولا تفنى ( حسبانا من السماء ) قال ابن عباس ، والضحاك ، وقتادة ، ومالك عن الزهري : أي عذابا من السماء .والظاهر أنه مطر عظيم مزعج ، يقلع زرعها وأشجارها ؛ ولهذا قال : ( فتصبح صعيدا زلقا ) أي : بلقعا ترابا أملس ، لا يثبت فيه قدم .وقال ابن عباس : كالجرز الذي لا ينبت شيئا .
تفسير القرطبيفعسى ربي بمعنى لعل أي فلعل ربي .أن يؤتين خيرا من جنتك أي في الآخرة . وقيل في الدنيا .ويرسل عليها أي على جنتك .حسبانا أي مرامي من السماء ، واحدها حسبانة ; قاله الأخفش والقتبي وأبو عبيدة . وقال ابن الأعرابي : والحسبانة السحابة ، والحسبانة الوسادة ، والحسبانة الصاعقة . وقال الجوهري : والحسبان ( بالضم ) : العذاب . وقال أبو زياد الكلابي : أصاب الأرض حسبان أي جراد . والحسبان أيضا الحساب ، قال الله - تعالى - : الشمس والقمر بحسبان . وقد فسر الحسبان هنا بهذا . قال الزجاج : الحسبان من الحساب ; أي يرسل عليها عذاب الحساب ، وهو حساب ما اكتسبت يداك ; فهو من باب حذف المضاف . والحسبان أيضا : سهام قصار يرمى بها في طلق واحد ، وكان من رمي الأكاسرة . والمرامي من السماء عذاب . فتصبح صعيدا زلقا يعني أرضا بيضاء لا ينبت فيها نبات ولا يثبت عليها قدم ، وهي أضر أرض بعد أن كانت جنة أنفع أرض ; وزلقا تأكيد لوصف الصعيد ; أي تزل عنها الأقدام لملاستها . يقال : مكان زلق ( بالتحريك ) أي دحض ، وهو في الأصل مصدر قولك : زلقت رجله تزلق زلقا ، وأزلقها غيره . والزلق أيضا عجز الدابة . قال رؤبة :كأنها حقباء بلقاء الزلقوالمزلقة والمزلقة : الموضع الذي لا يثبت عليه قدم . وكذلك الزلاقة . والزلق الحلق ، زلق رأسه يزلقه زلقا حلقه ; قاله الجوهري . والزلق المحلوق ، كالنقض والنقض . وليس المراد أنها تصير مزلقة ، بل المراد أنها لا يبقى فيها نبات كالرأس إذا حلق لا يبقى عليه شعر ; قاله القشيري .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40)يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمن الموقن للمعاد إلى الله للكافر المرتاب في قيام الساعة: إن ترن أيها الرجل أنا أقلّ منك مالا وولدا في الدنيا، فعسى ربي أن يرزقني خيرا من بستانك هذا(وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا) يعني على جنة الكافر التي قال لها: ما أظن أن تبيد هذه أبدا(حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ) يقول: عذابا من السماء ترمي به رميا، وتقذف. والحسبان: جمع حُسْبانة، وهي المرامي.وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ) عذابا.حُدثت عن محمد بن يزيد، عن جويبر، عن الضحاك، قال: عذابا.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد ، في قوله: (وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ) قال: عذابا، قال: الحُسبان: قضاء من الله يقضيه.حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: الحُسبان: العذاب.حدثنا الحسن بن محمد، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله (حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ) قال: عذابا.وقوله: (فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا) يقول عز ذكره: فتصبح جنتك هذه أيها الرجل أرضا ملساء لا شيء فيها، قد ذهب كل ما فيها من غَرْس ونبت، وعادت خرابا بلاقع، زَلَقا، لا يثبت في أرضها قدم لاملساسها، ودروس ما كان نابتا فيها.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ، قوله: (فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا) : أي قد حصد ما فيها فلم يترك فيها شيء.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: (فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا) قال: مثل الجُرُز.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد، في قوله: (فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا) قال: صعيدا زلقا وصعيدا جُرُزا واحد ليس فيها شيء من النبات.
أَوۡ يُصۡبِحَ مَآؤُهَا غَوۡرٗا فَلَن تَسۡتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبٗا  ٤١
التفسير الميسروهلا حين دخَلْتَ حديقتك فأعجبتك حَمِدت الله، وقلت: هذا ما شاء الله لي، لا قوة لي على تحصيله إلا بالله. إن كنت تراني أقل منك مالا وأولادًا، فعسى ربي أن يعطيني أفضل من حديقتك، ويسلبك النعمة بكفرك، ويرسل على حديقتك عذابا من السماء، فتصبح أرضًا ملساء جرداء لا تثبت عليها قدم، ولا ينبت فيها نبات، أو يصير ماؤها الذي تُسقى منه غائرًا في الأرض، فلا تقدر على إخراجه.
تفسير السعدي أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا الذي مادتها منه غَوْرًا أي: غائرا في الأرض فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا أي: غائرا لا يستطاع الوصول إليه بالمعاول ولا بغيرها، وإنما دعا على جنته المؤمن، غضبا لربه، لكونها غرته وأطغته، واطمأن إليها، لعله ينيب، ويراجع رشده، ويبصر في أمره.
تفسير ابن كثيروقوله : ( أو يصبح ماؤها غورا ) أي : غائرا في الأرض ، وهو ضد النابع الذي يطلب وجه الأرض ، فالغائر يطلب أسفلها كما قال تعالى : ( قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين ) [ الملك : 30 ] أي : جار وسائج . وقال هاهنا : ( أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا ) والغور : مصدر بمعنى غائر ، وهو أبلغ منه ، كما قال الشاعرتظل جياده نوحا عليه تقلده أعنتها صفوفابمعنى نائحات عليه .
تفسير القرطبيأو يصبح ماؤها غورا أي غائرا ذاهبا ، فتكون أعدم أرض للماء بعد أن كانت أوجد أرض للماء . والغور مصدر وضع موضع الاسم ; كما يقال : رجل صوم وفطر وعدل ورضا وفضل وزور ، ونساء نوح ; ويستوي فيه المذكر والمؤنث والتثنية والجمع . قال عمرو بن كلثوم :تظل جياده نوحا عليه مقلدة أعنتها صفوناآخر :هريقي من دموعهما سجاما ضباع وجاوبي نوحا قياماأي نائحات . وقيل : أو يصبح ماؤها ذا غور ; فحذف المضاف ; مثل واسأل القرية ذكره النحاس . وقال الكسائي : ماء غور . وقد غار الماء يغور غورا وغؤورا ، أي سفل في الأرض ، ويجوز الهمزة لانضمام الواو . وغارت عينه تغور غورا وغؤورا ; دخلت في الرأس . وغارت تغار لغة فيه . وقال :أغارت عينه أم لم تغاراوغارت الشمس تغور غيارا ، أي غربت . قال أبو ذؤيب :هل الدهر إلا ليلة ونهارها وإلا طلوع الشمس ثم غيارهافلن تستطيع له طلبا أي لن تستطيع رد الماء الغائر ، ولا تقدر عليه بحيلة . وقيل : فلن تستطيع طلب غيره بدلا منه . وإلى هذا الحديث انتهت مناظرة أخيه وإنذاره .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : ( أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا ) يقول: أو يصبح ماؤها غائرا ، فوضع الغور وهو مصدر مكان الغائر، كما قال الشاعر:تَظَلُّ جِيَادُهُ نَوْحا عَلَيْهِمُقَلَّدَةً أعِنَّتَها صُفُونا (2)بمعنى نائحة ، وكما قال الآخر:هَرِيقي مِنْ دُمُوعِهِما سَجَاماضُباعَ وجَاوِبي نَوْحا قِيامَا (3)والعرب توحد الغَور مع الجمع والاثنين، وتذكر مع المذكر والمؤنث، تقول: ماء غور، وماءان غَوْر ومياه غَور.ويعني بقوله: (غَوْرًا) ذاهبا قد غار في الأرض، فذهب فلا تلحقه الرِّشاء.كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا ) أي ذاهبا قد غار في الأرض.وقوله: ( فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ) يقول: فلن تطيق أن تدرك الماء الذي كان في جنتك بعد غَوْره، بطلبك إياه.
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصۡبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيۡهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُشۡرِكۡ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا  ٤٢
التفسير الميسروتحَقَّقَ ما قاله المؤمن، ووقع الدمار بالحديقة، فهلك كل ما فيها، فصار الكافر يُقَلِّب كفيه حسرةً وندامة على ما أنفق فيها، وهي خاوية قد سقط بعضها على بعض، ويقول: يا ليتني عرفت نِعَمَ الله وقدرته فلم أشرك به أحدًا. وهذا ندم منه حين لا ينفعه الندم.
تفسير السعديفاستجاب الله دعاءه وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ أي: أصابه عذاب، أحاط به، واستهلكه، فلم يبق منه شيء، والإحاطة بالثمر يستلزم تلف جميع أشجاره، وثماره، وزرعه، فندم كل الندامة، واشتد لذلك أسفه، فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا أي على كثرة نفقاته الدنيوية عليها، حيث اضمحلت وتلاشت، فلم يبق لها عوض، وندم أيضا على شركه، وشره، ولهذا قال: وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا
تفسير ابن كثيريقول تعالى : ( وأحيط بثمره ) بأمواله ، أو بثماره على القول الآخر . والمقصود أنه وقع بهذا الكافر ما كان يحذر ، مما خوفه به المؤمن من إرسال الحسبان على جنته ، التي اغتر بها وألهته عن الله ، عز وجل ( فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها ) وقال قتادة : يصفق كفيه متأسفا متلهفا على الأموال التي أذهبها عليه ( ويقول ياليتني لم أشرك بربي أحدا)
تفسير القرطبيقوله تعالى : وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول ياليتني لم أشرك بربي أحدا ولم تكن اسم ما لم يسم فاعله مضمر ، وهو المصدر . ويجوز أن يكون المخفوض في موضع رفع . ومعنى أحيط بثمره أي أهلك ماله كله . وهذا أول ما حقق الله - تعالى - به إنذار أخيه .فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها أي فأصبح الكافر يضرب إحدى يديه على الأخرى ندما ; لأن هذا يصدر من النادم . وقيل : يقلب ملكه فلا يرى فيه عوض ما أنفق ; وهذا لأن الملك قد يعبر عنه باليد ، من قولهم : في يده مال ، أي في ملكه مال . ودل قوله فأصبح على أن هذا الإهلاك جرى بالليل ; كقوله فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم ويقال : أنفقت في هذه الدار كذا وأنفقت عليها .وهي خاوية على عروشها أي خالية قد سقط بعضها على بعض ; مأخوذ من خوت النجوم تخوى خيا أمحلت ، وذلك إذا سقطت ولم تمطر في نوئها . وأخوت مثله . وخوت الدار خواء أقوت ، وكذلك إذا سقطت ; ومنه قوله - تعالى - : فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ويقال ساقطة ; كما يقال فهي خاوية على عروشها أي ساقطة على سقوفها ; فجمع عليه بين هلاك الثمر والأصل ، وهذا من أعظم الجوائح ، مقابلة على بغيه .ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أي يا ليتني عرفت نعم الله علي ، وعرفت أنها كانت بقدرة الله ولم أكفر به . وهذا ندم منه حين لا ينفعه الندم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42)يقول تعالى ذكره: وأحاط الهلاك والجوائح بثمره، وهي صنوف ثمار جنته التي كان يقول لها: مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا فأصبح هذا الكافر صاحب هاتين الجنتين، يقلب كفيه ظهرا لبطن، تلهفا وأسفا على ذهاب نفقته التي أنفق في جنته ( وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ) يقول: وهي خالية على نباتها وبيوتها.وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ) : أي يصفق ( كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا ) متلهفا على ما فاته ، (وَ) هو ( يَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا ) ويقول: يا ليتني ، يقول: يتمنى هذا الكافر بعد ما أصيب بجنته أنه لم يكن كان أشرك بربه أحدا، يعني بذلك: هذا الكافر إذا هلك وزالت عنه دنياه وانفرد بعمله، ودّ أنه لم يكن كفر بالله ولا أشرك به شيئا.
وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٞ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا  ٤٣
التفسير الميسرولم تكن له جماعة ممن افتخر بهم يمنعونه مِن عقاب الله النازل به، وما كان ممتنعًا بنفسه وقوته.
تفسير السعدي وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا أي: لما نزل العذاب بجنته، ذهب عنه ما كان يفتخر به من قوله لصاحبه: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا فلم يدفعوا عنه من العذاب شيئا، أشد ما كان إليهم حاجة، وما كان بنفس منتصرا، وكيف ينتصر، أي: يكون له أنصارا على قضاء الله وقدره الذي إذا أمضاه وقدره، لو اجتمع أهل السماء والأرض على إزالة شيء منه، لم يقدروا؟"ولا يستبعد من رحمة الله ولطفه، أن صاحب هذه الجنة، التي أحيط بها، تحسنت حاله، ورزقه الله الإنابة إليه، وراجع رشده، وذهب تمرده وطغيانه، بدليل أنه أظهر الندم على شركه بربه، وأن الله أذهب عنه ما يطغيه، وعاقبه في الدنيا، وإذا أراد الله بعبد خيرا عجل له العقوبة في الدنيا. وفضل الله لا تحيط به الأوهام والعقول، ولا ينكره إلا ظالم جهول.
تفسير ابن كثيرأي : عشيرة أو ولد ، كما افتخر بهم واستعز ( ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا هنالك الولاية لله الحق ) اختلف القراء هاهنا ، فمنهم من يقف على قوله : ( وما كان منتصرا)
تفسير القرطبيقوله تعالى : ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا قوله تعالى : ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله فئة اسم تكن وله الخبر . ينصرونه في موضع الصفة ، أي فئة ناصرة . ويجوز أن يكون ينصرونه الخبر . والوجه الأول عند سيبويه أولى لأنه قد تقدم له . وأبو العباس يخالفه ، ويحتج بقول الله - عز وجل - ولم يكن له كفوا أحد . وقد أجاز سيبويه الآخر . وينصرونه على معنى فئة ; لأن معناها أقوام ، ولو كان على اللفظ لقال ولم تكن له فئة تنصره ; أي فرقة وجماعة يلتجئ إليهم .وما كان منتصرا أي ممتنعا ; قاله قتادة . وقيل : مستردا بدل ما ذهب منه . وقد تقدم اشتقاق الفئة في " آل عمران " . والهاء عوض من الياء التي نقصت من وسطه ، أصله فيء مثل فيع ; لأنه من فاء ، ويجمع على فئون وفئات ، مثل شيات ولدات ومئات . أي لم تكن له عشيرة يمنعونه من عذاب الله ، وضل عنه من افتخر بهم من الخدم والولد .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43)يقول تعالى ذكره: ولم يكن لصاحب هاتين الجنتين فئة، وهم الجماعة ، كما قال عَجَّاح:كَمَا يَحُوزُ الفِئَةُ الكَمِيّ (4)وبنحو ما قلنا في ذلك، قال أهل التأويل، وإن خالف بعضهم في العبارة عنه عبارتنا، فإن معناهم نظير معنانا فيه.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى " ح " ، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز وجل: (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ) قال: عشيرته.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ) : أي جند ينصرونه ، وقوله: (يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ) يقول: يمنعونه من عقاب الله وعذاب الله إذا عاقبه وعذّبه.وقوله (وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا) يقول: ولم يكن ممتنعا من عذاب الله إذا عذّبه.كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا) : أي ممتنعا.
هُنَالِكَ ٱلۡوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلۡحَقِّۚ هُوَ خَيۡرٞ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ عُقۡبٗا  ٤٤
التفسير الميسرفي مثل هذه الشدائد تكون الولاية والنصرة لله الحق، هو خير جزاءً، وخير عاقبة لمن تولاهم من عباده المؤمنين.
تفسير السعدي هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا أي: في تلك الحال التي أجرى الله فيها العقوبة على من طغى، وآثر الحياة الدنيا، والكرامة لمن آمن، وعمل صالحا، وشكر الله، ودعا غيره لذلك، تبين وتوضح أن الولاية لله الحق، فمن كان مؤمنا به تقيا، كان له وليا، فأكرمه بأنواع الكرامات، ودفع عنه الشرور والمثلات، ومن لم يؤمن بربه ويتولاه، خسر دينه ودنياه، فثوابه الدنيوي والأخروي، خير ثواب يرجى ويؤمل، ففي هذه القصة العظيمة، اعتبار بحال الذي أنعم الله عليه نعما دنيوية، فألهته عن آخرته وأطغته، وعصى الله فيها، أن مآلها الانقطاع والاضمحلال، وأنه وإن تمتع بها قليلا، فإنه يحرمها طويلا، وأن العبد ينبغي له -إذا أعجبه شيء من ماله أو ولده- أن يضيف النعمة إلى موليها ومسديها، وأن يقول: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله ليكون شاكرا لله متسببا لبقاء نعمته عليه، لقوله: وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ وفيها: الإرشاد إلى التسلي عن لذات الدنيا وشهواتها، بما عند الله من الخير لقوله: إِنْ تَرَن أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وفيها أن المال والولد لا ينفعان، إن لم يعينا على طاعة الله كما قال تعالى: وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا وفيه الدعاء بتلف مال ما كان ماله سبب طغيانه وكفره وخسرانه، خصوصا إن فضل نفسه بسببه على المؤمنين، وفخر عليهم، وفيها أن ولاية الله وعدمها إنما تتضح نتيجتها إذا انجلى الغبار وحق الجزاء، ووجد العاملون أجرهم ف هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا أي: عاقبة ومآلا.
تفسير ابن كثيرأي : في ذلك الموطن الذي حل به عذاب الله ، فلا منقذ منه . ويبتدئ [ بقوله ] ( الولاية لله الحق ) ومنهم من يقف على : ( وما كان منتصرا ) ويبتدئ بقوله : ( هنالك الولاية لله الحق ) .ثم اختلفوا في قراءة ( الولاية ) فمنهم من فتح الواو ، فيكون المعنى : هنالك الموالاة لله ، أي : هنالك كل أحد من مؤمن أو كافر يرجع إلى الله وإلى موالاته والخضوع له إذا وقع العذاب ، كقوله : ( فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين ) [ غافر : 84 ] وكقوله إخبارا عن فرعون : ( حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ) [ يونس : 91 ، 90 ]ومنهم من كسر الواو من ( الولاية ) أي : هنالك الحكم لله الحق .ثم منهم من رفع ) الحق ) على أنه نعت للولاية ، كقوله تعالى : ( الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا ) [ الفرقان : 26 ]ومنهم من خفض القاف ، على أنه نعت لله عز وجل ، كقوله : ( ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين ) [ الأنعام : 62 ] ؛ ولهذا قال تعالى : ( هو خير ثوابا ) أي : جزاء ( وخير عقبا ) أي : الأعمال التي تكون لله - عز وجل - ثوابها خير ، وعاقبتها حميدة رشيدة ، كلها خير .
تفسير القرطبيقوله تعالى : هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا قوله تعالى : هنالك الولاية لله الحق اختلف في العامل في قوله هنالك وهو ظرف ; فقيل : العامل فيه ولم تكن له فئة ولا كان هنالك ; أي ما نصر ولا انتصر هنالك ، أي لما أصابه من العذاب . وقيل : تم الكلام عند قوله منتصرا . والعامل في قوله هنالك : الولاية . وتقديره على التقديم والتأخير : الولاية لله الحق هنالك ، أي في القيامة . وقرأ أبو عمرو والكسائي الحق بالرفع نعتا للولاية . وقرأ أهل المدينة وحمزة الحق بالخفض نعتا لله - عز وجل - ، والتقدير : لله ذي الحق . قال الزجاج : ويجوز الحق بالنصب على المصدر والتوكيد ; كما تقول : هذا لك حقا . وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي " الولاية " بكسر الواو ، الباقون بفتحها ، وهما بمعنى واحد كالرضاعة والرضاعة . وقيل : الولاية بالفتح من الموالاة ; كقوله الله ولي الذين آمنوا . ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا . وبالكسر يعني السلطان والقدرة والإمارة ; كقوله والأمر يومئذ لله أي له الملك والحكم يومئذ ، أي لا يرد أمره إلى أحد ; والملك في كل وقت لله ولكن تزول الدعاوى والتوهمات يوم القيامة . وقال أبو عبيد : إنها بفتح الواو للخالق ، وبكسرها للمخلوق .هو خير ثوابا أي الله خير ثوابا في الدنيا والآخرة لمن آمن به ، وليس ثم غير يرجى منه ، ولكنه أراد في ظن الجهال ; أي هو خير من يرجى .وخير عقبا قرأ عاصم والأعمش وحمزة ويحيى عقبا ساكنة القاف ، الباقون بضمها ، وهما بمعنى واحد ; أي هو خير عافية لمن رجاه وآمن به . يقال : هذا عاقبة أمر فلان وعقباه وعقبه ، أي آخره .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : ( هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ) يقول عزّ ذكره: ثم وذلك حين حلّ عذاب الله بصاحب الجنتين في القيامة.واختلفت القرّاء في قراءة قوله الولاية، فقرأ بعض أهل المدينة والبصرة والكوفة ( هُنَالِكَ الْوَلايَةُ ) بفتح الواو من الولاية، يعنون بذلك هنالك المُوالاة لله، كقول الله: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا وكقوله: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا يذهبون بها إلى الوَلاية في الدين. وقرأ ذلك عامَّة قراء الكوفة ( هُنالِك الوِلايَةُ ) بكسر الواو: من الملك والسلطان، من قول القائل: وَلِيتُ عمل كذا، أو بلدة كذا أليه ولاية.وأولى القراءتين في ذلك بالصواب، قراءة من قرأ بكسر الواو، وذلك أن الله عقب ذلك خبره عن مُلكه وسلطانه، وأن من أحلّ به نقمته يوم القيامة فلا ناصر له يومئذ، فإتباع ذلك الخبر عن انفراده بالمملكة والسلطان أولى من الخبر عن الموالاة التي لم يجر لها ذكر ولا معنى، لقول من قال: لا يسمَّى سلطان الله ولاية، وإنما يسمى ذلك سلطان البشر، لأن الوِلاية معناها أنه يلي أمر خلقه منفردا به دون جميع خلقه، لا أنه يكون أميرا عليهم.واختلفوا أيضا في قراءة قوله (الحَقِّ) فقرأ ذلك عامَّة قرّاء المدينة والعراق خفضا، على توجيهه إلى أنه من نعت الله، وإلى أن معنى الكلام: هنالك الولاية لله الحقّ ألوهيته، لا الباطل بطول (5) ألوهيته التي يدعونها المشركون بالله آلهة ، وقرأ ذلك بعض أهل البصرة وبعض متأخري الكوفيين ( للهِ الحَقُّ ) برفع الحقّ توجيها منهما إلى أنه من نعت الولاية، ومعناه: هنالك الولاية الحقّ، لا الباطل لله وحده لا شريك له.وأولى القراءتين عندي في ذلك بالصواب، قراءة من قرأه خفضا على أنه من نعت الله، وأن معناه ما وصفت على قراءة من قرأه كذلك.وقوله: ( هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا ) يقول عزّ ذكره: خير للمنيبين في العاجل والآجل ثوابا( وَخَيْرٌ عُقْبًا ) يقول: وخيرهم عاقبة في الآجل إذا صار إليه المطيع له، العامل بما أمره الله، والمنتهي عما نهاه الله عنه ، والعقب هو العاقبة، يقال: عاقبة أمر كذا وعُقْباه وعُقُبه، وذلك آخره وما يصير إليه منتهاه.وقد اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة (عُقْبا ) بضم العين وتسكين القاف. (6) والقول في ذلك عندنا ، أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا  ٤٥
التفسير الميسرواضرب أيها الرسول للناس -وبخاصة ذوو الكِبْر منهم - صفة الدنيا التي اغترُّوا بها في بهجتها وسرعة زوالها، فهي كماء أنزله الله من السماء فخرج به النبات بإذنه، وصار مُخْضرًّا، وما هي إلا مدة يسيرة حتى صار هذا النبات يابسًا متكسرًا تنسفه الرياح إلى كل جهة. وكان الله على كل شيء مقتدرًا، أي: ذا قدرة عظيمة على كل شيء.
تفسير السعدييقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أصلا، ولمن قام بوراثته بعده تبعا: اضرب للناس مثل الحياة الدنيا ليتصوروها حق التصور، ويعرفوا ظاهرها وباطنها، فيقيسوا بينها وبين الدار الباقية، ويؤثروا أيهما أولى بالإيثار. وأن مثل هذه الحياة الدنيا، كمثل المطر، ينزل على الأرض، فيختلط نباتها، تنبت من كل زوج بهيج، فبينا زهرتها وزخرفها تسر الناظرين، وتفرح المتفرجين، وتأخذ بعيون الغافلين، إذ أصبحت هشيما تذروه الرياح، فذهب ذلك النبات الناضر، والزهر الزاهر، والمنظر البهي، فأصبحت الأرض غبراء ترابا، قد انحرف عنها النظر، وصدف عنها البصر، وأوحشت القلب، كذلك هذه الدنيا، بينما صاحبها قد أعجب بشبابه، وفاق فيها على أقرانه وأترابه، وحصل درهمها ودينارها، واقتطف من لذته أزهارها، وخاض في الشهوات في جميع أوقاته، وظن أنه لا يزال فيها سائر أيامه، إذ أصابه الموت أو التلف لماله، فذهب عنه سروره، وزالت لذته وحبوره، واستوحش قلبه من الآلام وفارق شبابه وقوته وماله، وانفرد بصالح، أو سيئ أعماله، هنالك يعض الظالم على يديه، حين يعلم حقيقة ما هو عليه، ويتمنى العود إلى الدنيا، لا ليستكمل الشهوات، بل ليستدرك ما فرط منه من الغفلات، بالتوبة والأعمال الصالحات، فالعاقل الجازم الموفق، يعرض على نفسه هذه الحالة، ويقول لنفسه: قدري أنك قد مت، ولا بد أن تموتي، فأي: الحالتين تختارين؟ الاغترار بزخرف هذه الدار، والتمتع بها كتمتع الأنعام السارحة، أم العمل، لدار أكلها دائم وظلها، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين؟ فبهذا يعرف توفيق العبد من خذلانه، وربحه من خسرانه
تفسير ابن كثيريقول تعالى : ( واضرب ) يا محمد للناس ( مثل الحياة الدنيا ) في زوالها وفنائها وانقضائها ( كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض ) أي : ما فيها من الحب ، فشب وحسن ، وعلاه الزهر والنور والنضرة ثم بعد هذا كله ( فأصبح هشيما ) يابسا ( تذروه الرياح ) أي : تفرقه وتطرحه ذات اليمين وذات الشمال ( وكان الله على كل شيء مقتدرا ) أي : هو قادر على هذه الحال ، وهذه الحال ، وكثيرا ما يضرب الله مثل الحياة الدنيا بهذا المثل كما في سورة " يونس " : ( إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت ) الآية [ يونس : 24 ] ، وقال في سورة " الزمر " : ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب ) [ الزمر : 21 ] ، وقال في سورة " الحديد " : ( اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) [ الحديد : 20 ] .وفي الحديث الصحيح : " الدنيا حلوة خضرة "
تفسير القرطبيقوله تعالى : واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا قوله تعالى : واضرب لهم مثل الحياة الدنيا أي صف لهؤلاء المتكبرين الذين سألوك طرد فقراء المؤمنين مثل الحياة الدنيا ، أي شبهها .كماء أنزلناه من السماء فاختلط به أي بالماء .نبات الأرض حتى استوى . وقيل : إن النبات اختلط بعضه ببعض حين نزل عليه الماء ; لأن النبات إنما يختلط ويكثر بالمطر . وقد تقدم هذا المعنى في " يونس " مبينا . وقالت الحكماء : إنما شبه - تعالى - الدنيا بالماء لأن الماء لا يستقر في موضع ، كذلك الدنيا لا تبقى على واحد ، ولأن الماء لا يستقيم على حالة واحدة كذلك الدنيا ، ولأن الماء لا يبقى ويذهب كذلك الدنيا تفنى ، ولأن الماء لا يقدر أحد أن يدخله ولا يبتل كذلك الدنيا لا يسلم أحد دخلها من فتنتها وآفتها ، ولأن الماء إذا كان بقدر كان نافعا منبتا ، وإذا جاوز المقدار كان ضارا مهلكا ، وكذلك الدنيا الكفاف منها ينفع وفضولها يضر . وفي حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له رجل : يا رسول الله ، إني أريد أن أكون من الفائزين ; قال : ذر الدنيا وخذ منها كالماء الراكد فإن القليل منها يكفي والكثير منها يطغي . وفي صحيح مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما أتاه .فأصبح أي النبات .هشيما أي متكسرا من اليبس متفتتا ، يعني بانقطاع الماء عنه ، فحذف ذلك إيجازا لدلالة الكلام عليه . والهشم : كسر الشيء اليابس . والهشيم من النبات اليابس المتكسر ، والشجرة البالية يأخذها الحاطب كيف يشاء . ومنه قولهم : ما فلان إلا هشيمة كرم ; إذا كان سمحا . ورجل هشيم : ضعيف البدن . وتهشم عليه فلان إذا تعطف . واهتشم ما في ضرع الناقة إذا احتلبه . ويقال : هشم الثريد ; ومنه سمي هاشم بن عبد مناف واسمه عمرو ، وفيه يقول عبد الله بن الزبعرى :عمرو العلا هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجافوكان سبب ذلك أن قريشا أصابتهم سنون ذهبن بالأموال فخرج هاشم إلى الشام فأمر بخبز كثير فخبز له ، فحمله في الغرائر على الإبل حتى وافى مكة ، وهشم ذلك الخبز ، يعني كسره وثرده ، ونحر تلك الإبل ، ثم أمر الطهاة فطبخوا ، ثم كفأ القدور على الجفان فأشبع أهل مكة ; فكان ذلك أول الحباء بعد السنة التي أصابتهم ; فسمي بذلك هاشما .تذروه الرياح أي تفرقه ; قاله أبو عبيدة . ابن قتيبة : تنسفه . ابن كيسان : تذهب به وتجيء . ابن عباس : تديره ; والمعنى متقارب . وقرأ طلحة بن مصرف " تذريه الريح " . قال الكسائي : وفي قراءة عبد الله " تذريه " . يقال : ذرته الريح تذروه ذروا و [ تذريه ] ذريا وأذرته تذريه إذراء إذا طارت به . وحكى الفراء : أذريت الرجل عن فرسه أي قلبته . وأنشد سيبويه والفراء :فقلت له صوب ولا تجهدنه فيذرك من أخرى القطاة فتزلققوله تعالى : وكان الله على كل شيء مقتدرا من الإنشاء والإفناء والإحياء ، سبحانه .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45)يقول عزّ ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واضرب لحياة هؤلاء المستكبرين الذين قالوا لك: اطرد عنك هؤلاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ، إذا نحن جئناك الدنيا منهم مثلا يقول: شبها( كَمَاءٍ أَنزلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ ) يقول: كمطر أنزلناه من السماء ( فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ ) يقول: فاختلط بالماء نبات الأرض ( فَأَصْبَحَ هَشِيمًا ) يقول: فأصبح نبات الأرض يابسا متفتتا( تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ) يقول تطيره الرياح وتفرّقه ، يقال منه: ذَرَته الريح تَذْروه ذَرْوًا، وذَرتْه ذَرْيا، وأذرته تذْرِيهِ إذراء ، كما قال الشاعر:فَقُلْتُ لَهُ صَوّبْ ولا تُجْهِدَنَّهُفَيُذْرِكَ مِنْ أُخْرَى القَطاةِ فَتزْلَقِ (7)يقال: أذريت الرجل عن الدابة والبعير: إذا ألقيته عنه.وقوله: (وكان الله على كل شيء مقتدرا) يقول: وكان الله على تخريب جنة هذا القائل حين دخل جنته: مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وإهلاك أموال ذي الأَمْوَالِ الباخلين بها عن حقوقها، وإزالة دنيا الكافرين به عنهم، وغير ذلك مما يشاء قادر، لا يعجزه شيء أراده، ولا يعْييه أمر أراده.يقول: فلا يفخر ذو الأموال بكثرة أمواله، ولا يستكبر على غيره بها، ولا يغترنّ أهل الدنيا بدنياهم، فإنما مَثَلُها مثل هذا النبات الذي حَسُن استواؤه بالمطر، فلم يكن إلا رَيْثَ أن انقطع عنه الماء، فتناهى نهايته، عاد يابسا تذروه الرياح، فاسدا، تنبو عنه أعين الناظرين ، ولكن ليعمل للباقي الذي لا يفنى، والدائم الذي لا يبيد ولا يتغير.--------------------------------------------------------------------------------الهوامش:(1) البيت من شواهد النحويين ، على أن ثبوت ألف " أنا " في الوصل عند غير بني تميم لا يكون إلا في ضرورة الشعر . ( خزانة الأدب للبغدادي 2 : 390 ) ثم قال : قال ابن جني في شرح تصريف المازني : أما الألف في " أنا " في الوقف فزائدة ، ليست بأصل ؛ ألا ترى أنك تقول في الوصل : أن زيد ، كما قال تعالى : إِنِّي أَنَا رَبُّكَ تكتب بألف بعد النون ، وليست الألف في اللفظ ، وإنما كتبت على الوقف ، فصار سقوط الألف في الوصل ، كسقوط الهاء التي تلحق في الوقف لبيان الحركة في الوصل وبينت الحركة بالألف كما بينت بالهاء ، لأن الهاء مجاورة للألف . ا ه . و " حميدا " بدل من الياء في اعرفوني ، يروى مصغرا ومكبرا . وفي الصحاح : " جميعا في موضع " حميدا " . وتذريت السنام : علوته . ونسب ياقوت هذا البيت في حاشية الصحاح إلى حميد بن بحدل ، شاعر . وهو حميد بن حريث بن بحدل ، من بني كلب بن وبرة ، ينتهي نسبه إلى قضاعة . وهو شاعر إسلامي ، كانت عمته ميسون بنت بحدل ، أم يزيد بن معاوية .(2) البيت لعمرو بن كلثوم فارس تغلب وسيدها ، من معلقته المشهورة ، ورواية الشطر الأول منه في شرح التبريزي والزوزني وجمهرة أشعار العرب طبع القاهرة : " تركنا الخيل عاكفة عليه " . قال الزوزني : الصفون : جمع صافن . وقد صفن الفرس يصفن صفونا : إذا قام على ثلاث ، وثنى سنبكه الرابع . يقول : قتلناه ، وحبسنا خيلنا عليه ، وقد قلدناها أعنتها في حال صفونها عنده . والبيت من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن ( 1 : 403 ) قال : " أو يصبح ماؤها غورا " أي غائرا . وللعرب قد تصف الفاعل بمصدره ، وكذلك الاثنين والجمع ، على لفظ المصدر قال عمرو بن كلثوم " تظل جياده نوحا عليه " . . . البيت : أي نائحات .(3) البيت من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن ( 1 : 404 ) قال بعد الشاهد السابق : وقال باك يبكي هشام بن المغيرة : " هريقي . . . البيت " قال خفقه لعله هشام بن عقبة بن عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي . ا ه . والشاهد فيه كالشاهد في البيت الذي قبله ، يريد بقوله " نوحا " . نائحات ، وهذا في المصدر كثير . وضباع مرخم ضباعة : اسم امرأة .(4) البيت للعجاج من أرجوزة له مطولة ( أراجيز العرب للسيد محمد توفيق البكري طبعة القاهرة سنة 1346 ص 184 ) وقبله :* يحوذهن وله حوذي ** خوف الخلاص وهو أجنبي ** كما يحوذ الفئة الكمي *وقال في شرحه : ويحوذ : يسوق ويطرد . وله حوذي : أي له ما يطردهن به . والكمي : الشجاع . وأجنبي : أي مجانب لهن ، متخوف ، ولا يمكنهن من نفسه . ا ه . و ( في اللسان : حوذ ) حاذ الإبل يحوذها : إذا حازها وجمعها ليسوقها . وحاذه يحوذه حوذا : غلبه ، وحاذ الحمار أتنه : إذا استولى عليها وجمعها ، وكذلك حازها ، والفئة : الفرقة والجماعة من الناس في الأصل ، والطائفة التي تقيم وراء الجيش ، فإن كل عليهم خوف أو هزيمة التجئوا إليهم .(5) لعل كلمة " بطول " هذه مقحمة من قلم الناسخ ، وأن الأصل ، لا الباطل ألوهيته . . . ألخ .(6) سقط من قلم الناسخ القراءة الثانية ، وهي : عقبا ، بضم العين والقاف .(7) البيت لامرئ القيس بن حجر ( مختار الشعر الجاهلي طبعة مصطفى البابي الحلبي بشرح مصطفى السقا ص 125 ) قال في شرحه : فيدرك : يصرعك ويلقك ؛ يقال : أذريت الشيء عن الشيء : إذا والقطاة : مقعد الرديف. يقول : قلت للغلام : صواب الفرس نحو القصد ، وخذ عفوه ، ولا تحمله على سرعة العدو ، فيلقيك من آخر القطاة . ويروى : من أعلى القطاة .
من نحن

موقع الحياة بالإسلام هو موقع إسلامي، يقدم لكم العديد من المواضيع الاسلامية على منهاج الكتاب و السنة، كما يتضمن بعض قراءات القران الكريم بالرسم العثماني بأصوات اشهر القراء حول العالم

عرض المزيد
إشارات

التين , سُورَةُ هُودٍ , سُورَةُ الجُمُعَةِ , الكوثر , معيض الحارثي , القارئ سيلمان الشبيبي , القارئ عبدالرحمن الشحات , محمد عبدالحكيم سعيد العبدالله , قراءة يعقوب الحضرمي بروايتي رويس وروح , المصحف المعلم , قالون عن نافع من طريق أبي نشيط , خلف عن حمزة ,

عرض المزيد