۞ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوۡمَيۡنِ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۖ لِمَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٠٣التفسير الميسرواذكروا الله تسبيحًا وتكبيرًا في أيام قلائل، وهي أيام التشريق: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة. فمن أراد التعجل وخرج من "مِنى" قبل غروب شمس اليوم الثاني عشر بعد رمي الجمار فلا ذنب عليه، ومن تأخر بأن بات بـ "مِنى" حتى يرمي الجمار في اليوم الثالث عشر فلا ذنب عليه، لمن اتقى الله في حجه. والتأخر أفضل؛ لأنه تزوُّد في العبادة واقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم. وخافوا الله- أيها المسلمون- وراقبوه في كل أعمالكم، واعلموا أنكم إليه وحده تُحْشَرون بعد موتكم للحساب والجزاء.
تفسير السعديويدخل في ذكر الله فيها, ذكره عند رمي الجمار, وعند الذبح, والذكر المقيد عقب الفرائض، بل قال بعض العلماء: إنه يستحب فيها التكبير المطلق, كالعشر, وليس ببعيد. فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ أي: خرج من " منى " ونفر منها قبل غروب شمس اليوم الثاني فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ بأن بات بها ليلة الثالث ورمى من الغد فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وهذا تخفيف من الله [تعالى] على عباده, في إباحة كلا الأمرين، ولكن من المعلوم أنه إذا أبيح كلا الأمرين, فالمتأخر أفضل, لأنه أكثر عبادة. ولما كان نفي الحرج قد يفهم منه نفي الحرج في ذلك المذكور وفي غيره, والحاصل أن الحرج منفي عن المتقدم، والمتأخر فقط قيده بقوله: لِمَنِ اتَّقَى أي: اتقى الله في جميع أموره, وأحوال الحج، فمن اتقى الله في كل شيء, حصل له نفي الحرج في كل شيء، ومن اتقاه في شيء دون شيء, كان الجزاء من جنس العمل. وَاتَّقُوا اللَّهَ بامتثال أوامره واجتناب معاصيه، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ فمجازيكم بأعمالكم، فمن اتقاه, وجد جزاء التقوى عنده, ومن لم يتقه, عاقبه أشد العقوبة، فالعلم بالجزاء من أعظم الدواعي لتقوى الله, فلهذا حث تعالى على العلم بذلك.
تفسير ابن كثيرقال ابن عباس : " الأيام المعدودات " أيام التشريق ، و " الأيام المعلومات " أيام العشر . وقال عكرمة : ( واذكروا الله في أيام معدودات ) يعني : التكبير أيام التشريق بعد الصلوات المكتوبات : الله أكبر ، الله أكبر .وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا موسى بن علي ، عن أبيه ، قال : سمعت عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام ، وهي أيام أكل وشرب " .وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا هشيم ، أخبرنا خالد ، عن أبي المليح ، عن نبيشة الهذلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله " . رواه مسلم أيضا وتقدم حديث جبير بن مطعم : " عرفة كلها موقف ، وأيام التشريق كلها ذبح " . وتقدم [ أيضا ] حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي " وأيام منى ثلاثة ، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ، ومن تأخر فلا إثم عليه " .وقال ابن جرير : حدثنا يعقوب بن إبراهيم وخلاد بن أسلم ، قالا حدثنا هشيم ، عن عمرو بن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أيام التشريق أيام طعم وذكر " .وحدثنا خلاد بن أسلم ، حدثنا روح ، حدثنا صالح ، حدثني ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة يطوف في منى : " لا تصوموا هذه الأيام ، فإنها أيام أكل وشرب ، وذكر الله ، عز وجل " .وحدثنا يعقوب ، حدثنا هشيم ، عن سفيان بن حسين ، عن الزهري ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة ، فنادى في أيام التشريق فقال : " إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله ، إلا من كان عليه صوم من هدي " .زيادة حسنة ولكن مرسلة . وبه قال هشيم ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عمرو بن دينار : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بشر بن سحيم ، فنادى في أيام التشريق فقال : " إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله " .وقال هشيم ، عن ابن أبي ليلى ، عن عطاء ، عن عائشة قالت : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم أيام التشريق ، قال : " هي أيام أكل وشرب وذكر الله " .وقال محمد بن إسحاق ، عن حكيم بن حكيم ، عن مسعود بن الحاكم الزرقي ، عن أمه قالت : لكأني أنظر إلى علي على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء ، حتى وقف على شعب الأنصار وهو يقول : " يا أيها الناس ، إنها ليست بأيام صيام ، إنما هي أيام أكل وشرب وذكر " .وقال مقسم عن ابن عباس : الأيام المعدودات : أيام التشريق ، أربعة أيام : يوم النحر ، وثلاثة [ أيام ] بعده ، وروي عن ابن عمر ، وابن الزبير ، وأبي موسى ، وعطاء ، ومجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وأبي مالك ، وإبراهيم النخعي ، [ ويحيى بن أبي كثير ] والحسن ، وقتادة ، والسدي ، والزهري ، والربيع بن أنس ، والضحاك ، ومقاتل بن حيان ، وعطاء الخراساني ، ومالك بن أنس ، وغيرهم مثل ذلك .وقال علي بن أبي طالب : هي ثلاثة ، يوم النحر ويومان بعده ، اذبح في أيهن شئت ، وأفضلها أولها .والقول الأول هو المشهور وعليه دل ظاهر الآية الكريمة ، حيث قال : ( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ) فدل على ثلاثة بعد النحر .ويتعلق بقوله : ( واذكروا الله في أيام معدودات ( ذكر الله على الأضاحي ، وقد تقدم ، وأن الراجح في ذلك مذهب الشافعي ، رحمه الله ، وهو أن وقت الأضحية من يوم النحر إلى آخر أيام التشريق . ويتعلق به أيضا الذكر المؤقت خلف الصلوات ، والمطلق في سائر الأحوال . وفي وقته أقوال للعلماء ، وأشهرها الذي عليه العمل أنه من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق ، وهو آخر النفر الآخر . وقد جاء فيه حديث رواه الدارقطني ، ولكن لا يصح مرفوعا والله أعلم . وقد ثبت أن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، كان يكبر في قبته ، فيكبر أهل السوق بتكبيره ، حتى ترتج منى تكبيرا .ويتعلق بذلك أيضا التكبير وذكر الله عند رمي الجمرات كل يوم من أيام التشريق . وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره : " إنما جعل الطواف بالبيت ، والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار ، لإقامة ذكر الله عز وجل " .ولما ذكر الله تعالى النفر الأول والثاني ، وهو تفرق الناس من موسم الحج إلى سائر الأقاليم والآفاق بعد اجتماعهم في المشاعر والمواقف ، قال : ( واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون ) [ أي : تجتمعون يوم القيامة ] ، كما قال : ( وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون ) [ المؤمنون : 79 ] .
تفسير القرطبيواذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرونقوله تعالى : واذكروا الله في أيام معدودات فيه ست مسائلالأولى : قال الكوفيون : الألف والتاء في " معدودات " لأقل العدد . وقال البصريون : هما للقليل والكثير ، بدليل قوله تعالى : " وهم في الغرفات آمنون " ، والغرفات كثيرة . ولا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات في هذه الآية هي أيام منى ، وهي أيام التشريق ، وأن هذه الثلاثة الأسماء واقعة عليها ، وهي أيام رمي الجمار ، وهي واقعة على الثلاثة الأيام التي يتعجل الحاج منها في يومين بعد يوم النحر ، فقف على ذلك . وقال الثعلبي وقال إبراهيم : الأيام المعدودات أيام العشر ، والأيام المعلومات أيام النحر ، وكذا حكى مكي والمهدوي أن الأيام المعدودات هي أيام العشر . ولا يصح لما ذكرناه من الإجماع على ما نقله أبو عمر بن عبد البر وغيره . قال ابن عطية : وهذا إما أن يكون من تصحيف النسخة ، وإما أن يريد العشر الذي بعد النحر ، وفى ذلك بعد .الثانية : أمر الله - سبحانه وتعالى - عباده بذكره في الأيام المعدودات ، وهي الثلاثة التي بعد يوم النحر ، وليس يوم النحر منها ؛ لإجماع الناس أنه لا ينفر أحد يوم النفر وهو ثاني يوم النحر ، ولو كان يوم النحر في المعدودات لساغ أن ينفر من شاء متعجلا يوم النفر ؛ لأنه قد أخذ يومين من المعدودات . خرج الدارقطني والترمذي وغيرهما عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي أن ناسا من أهل نجد أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة فسألوه ، فأمر مناديا فنادى : الحج عرفة ، فمن جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك ، أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ، أي من تعجل من الحاج في يومين من أيام منى صار مقامه بمنى ثلاثة أيام بيوم النحر ، ويصير جميع رميه بتسع وأربعين حصاة ، ويسقط عنه رمي يوم الثالث . ومن لم ينفر منها إلا في آخر اليوم الثالث حصل له بمنى مقام أربعة أيام من أجل يوم النحر ، واستوفى العدد في الرمي ، على ما يأتي بيانه . ومن الدليل على أن أيام منى ثلاثة - مع ما ذكرناه - قول العرجي :ما نلتقي إلا ثلاث منى حتى يفرق بيننا النفرفأيام الرمي معدودات ، وأيام النحر معلومات . وروى نافع عن ابن عمر أن الأيام المعدودات والأيام المعلومات يجمعها أربعة أيام : يوم النحر وثلاثة أيام بعده ، فيوم النحر معلوم غير معدود ، واليومان بعده معلومان معدودان ، واليوم الرابع معدود لا معلوم ، وهذا مذهب مالك وغيره .وإنما كان كذلك لأن الأول ليس من الأيام التي تختص بمنى في قوله سبحانه وتعالى : واذكروا الله في أيام معدودات ولا من التي عين النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : أيام منى ثلاثة فكان معلوما ؛ لأن الله تعالى قال : ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ولا خلاف أن المراد به النحر ، وكان النحر في اليوم الأول وهو يوم الأضحى والثاني والثالث ، ولم يكن في الرابع نحر بإجماع من علمائنا ، فكان الرابع غير مراد في قوله تعالى : " معلومات " لأنه لا ينحر فيه وكان مما يرمى فيه ، فصار معدودا لأجل الرمي ، غير معلوم لعدم النحر فيه . قال ابن العربي : والحقيقة فيه أن يوم النحر معدود بالرمي معلوم بالذبح ، لكنه عند علمائنا ليس مرادا في قوله تعالى : واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل . وقال أبو حنيفة والشافعي : ( الأيام المعلومات العشر من أول يوم من ذي الحجة ، وآخرها يوم النحر ) ، لم يختلف قولهما في ذلك ، ورويا ذلك عن ابن عباس . وروى الطحاوي عن أبي يوسف أن الأيام المعلومات أيام النحر . قال أبو يوسف : روي ذلك عن عمر وعلي ، وإليه أذهب ؛ لأنه تعالى قال : ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام . وحكى الكرخي عن محمد بن الحسن أن الأيام المعلومات أيام النحر الثلاثة : يوم الأضحى ويومان بعده . قال الكيا الطبري : فعلى قول أبي يوسف ومحمد لا فرق بين المعلومات والمعدودات ؛ لأن المعدودات المذكورة في القرآن أيام التشريق بلا خلاف ، ولا يشك أحد أن المعدودات لا تتناول أيام العشر ؛ لأن الله تعالى يقول : فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه وليس في العشر حكم يتعلق بيومين دون الثالث . وقد روي عن ابن عباس ( أن المعلومات العشر ، والمعدودات أيام التشريق ) ، وهو قول الجمهور .قلت : وقال ابن زيد : الأيام المعلومات عشر ذي الحجة وأيام التشريق ، وفيه بعد ؛ لما ذكرناه ، وظاهر الآية يدفعه . وجعل الله الذكر في الأيام المعدودات والمعلومات يدل على خلاف قوله ، فلا معنى للاشتغال به .الثالثة : ولا خلاف أن المخاطب بهذا الذكر هو الحاج ، خوطب بالتكبير عند رمي الجمار ، وعلى ما رزق من بهيمة الأنعام في الأيام المعلومات وعند أدبار الصلوات دون تلبية ، وهل يدخل غير الحاج في هذا أم لا ؟ فالذي عليه فقهاء الأمصار والمشاهير من الصحابة والتابعين على أن المراد بالتكبير كل أحد - وخصوصا في أوقات الصلوات - فيكبر عند انقضاء كل صلاة - كان المصلي وحده أو في جماعة - تكبيرا ظاهرا في هذه الأيام ، اقتداء بالسلف رضي الله عنهم . وفي المختصر : ولا يكبر النساء دبر الصلوات ، والأول أشهر ؛ لأنه يلزمها حكم الإحرام كالرجل ، قاله في المدونة .الرابعة : ومن نسي التكبير بإثر صلاة كبر إن كان قريبا ، وإن تباعد فلا شيء عليه ، قاله ابن الجلاب . وقال مالك في المختصر : يكبر ما دام في مجلسه ، فإذا قام من مجلسه فلا شيء عليه . وفي المدونة من قول مالك : إن نسي الإمام التكبير فإن كان قريبا قعد فكبر ، وإن تباعد فلا شيء عليه ، وإن ذهب ولم يكبر والقوم جلوس فليكبروا .الخامسة : واختلف العلماء في طرفي مدة التكبير فقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس : ( يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق ) . وقال ابن مسعود وأبو حنيفة : يكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر ؛ وخالفه صاحباه فقالا بالقول الأول قول عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم ، فاتفقوا في الابتداء دون الانتهاء . وقال مالك : يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق . وبه قال الشافعي ، وهو قول ابن عمر وابن عباس أيضا . وقال زيد بن ثابت : ( يكبر من ظهر يوم النحر إلى آخر أيام التشريق ) . قال ابن العربي : فأما من قال : يكبر يوم عرفة ويقطع العصر من يوم النحر فقد خرج عن الظاهر ؛ لأن الله تعالى قال : في أيام معدودات وأيامها ثلاثة ، وقد قال هؤلاء : يكبر في يومين ، فتركوا الظاهر لغير دليل . وأما من قال : يوم عرفة وأيام التشريق فقال : إنه قال : فإذا أفضتم من عرفات ، فذكر عرفات داخل في ذكر الأيام ، هذا كان يصح لو كان قال : يكبر من المغرب يوم عرفة ؛ لأن وقت الإفاضة حينئذ ، فأما قبل فلا يقتضيه ظاهر اللفظ ، ويلزمه أن يكون من يوم التروية عند الحلول بمنى .السادسة : واختلفوا في لفظ التكبير ، فمشهور مذهب مالك أنه يكبر إثر كل صلاة ثلاث تكبيرات ، رواه زياد بن زياد عن مالك . وفي المذهب رواية : يقال بعد التكبيرات الثلاث : لا إله إلا الله ، والله أكبر ولله الحمد . وفي المختصر عن مالك : الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله ، والله أكبر ، الله أكبر ولله الحمد .قوله تعالى : فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه فيه إحدى وعشرون مسألة : الأولى : قوله تعالى : فمن تعجل التعجيل أبدا لا يكون هنا إلا في آخر النهار ، وكذلك اليوم الثالث ؛ لأن الرمي في تلك الأيام إنما وقته بعد الزوال . وأجمعوا على أن يوم النحر لا يرمى فيه غير جمرة العقبة ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرم يوم النحر من الجمرات غيرها ، ووقتها من طلوع الشمس إلى الزوال ، وكذلك أجمعوا أن وقت رمي الجمرات في أيام التشريق بعد الزوال إلى الغروب ، واختلفوا فيمن رمى جمرة العقبة قبل طلوع الفجر أو بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس . فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق : جائز رميها بعد الفجر قبل طلوع الشمس . وقال مالك : لم يبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لأحد برمي قبل أن يطلع الفجر ، ولا يجوز رميها قبل الفجر ، فإن رماها قبل الفجر أعادها . وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه : لا يجوز رميها ، وبه قال أحمد وإسحاق . ورخصت طائفة في الرمي قبل طلوع الفجر ، روي عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت ترمي بالليل وتقول : إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أخرجه أبو داود . وروي هذا القول عن عطاء وابن أبي مليكة وعكرمة بن خالد ، وبه قال الشافعي إذا كان الرمي بعد نصف الليل . وقالت طائفة : لا يرمى حتى تطلع الشمس ، قاله مجاهد والنخعي والثوري . وقال أبو ثور : إن رماها قبل طلوع الشمس فإن اختلفوا فيه لم يجزه ، وإن أجمعوا أو كانت فيه سنة أجزأه . قال أبو عمر : أما قول الثوري ومن تابعه فحجته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة بعد طلوع الشمس وقال : خذوا عني مناسككم . وقال ابن المنذر : السنة ألا ترمي إلا بعد طلوع الشمس ، ولا يجزئ الرمي قبل طلوع الفجر ، فإن رمى أعاد ، إذ فاعله مخالف لما سنه الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته . ومن رماها بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس فلا إعادة عليه ، إذ لا أعلم أحدا قال لا يجزئه .الثانية : روى معمر قال أخبرني هشام بن عروة عن أبيه قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة أن تصبح بمكة يوم النحر ، وكان يومها . قال أبو عمر : اختلف على هشام في هذا الحديث ، فروته طائفة عن هشام عن أبيه مرسلا ، كما رواه معمر ، ورواه آخرون عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أم سلمة بذلك مسندا ، ورواه آخرون عن هشام عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة مسندا أيضا ، وكلهم ثقات . وهو يدل على أنها رمت الجمرة بمنى قبل الفجر ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن تصبح بمكة يوم النحر ، وهذا لا يكون إلا وقد رمت الجمرة بمنى ليلا قبل الفجر ، والله أعلم . ورواه أبو داود قال حدثنا هارون بن عبد الله قال حدثنا ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت ، وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها . وإذا ثبت فالرمي بالليل جائز لمن فعله ، والاختيار من طلوع الشمس إلى زوالها . قال أبو عمر : أجمعوا على أن وقت الاختيار في رمي جمرة العقبة من طلوع الشمس إلى زوالها ، وأجمعوا أنه إن رماها قبل غروب الشمس من يوم النحر فقد أجزأ عنه ولا شيء عليه ، إلا مالكا فإنه قال : أستحب له إن ترك جمرة العقبة حتى أمسى أن يهريق دما يجيء به من الحل . واختلفوا فيمن لم يرمها حتى غابت الشمس فرماها من الليل أو من الغد ، فقال مالك : عليه دم ، واحتج بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لرمي الجمرة وقتا ، وهو يوم النحر ، فمن رمى بعد غروب الشمس فقد رماها بعد خروج وقتها ، ومن فعل شيئا في الحج بعد وقته فعليه دم . وقال الشافعي : لا دم عليه ، وهو قول أبي يوسف ومحمد ، وبه قال أبو ثور ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له السائل : يا رسول الله ، رميت بعدما أمسيت فقال : لا حرج ، قال مالك : من نسي رمي الجمار حتى يمسي فليرم أية ساعة ذكر من ليل أو نهار ، كما يصلي أية ساعة ذكر ، ولا يرمي إلا ما فاته خاصة ، وإن كانت جمرة واحدة رماها ، ثم يرمي ما رمى بعدها من الجمار ، فإن الترتيب في الجمار واجب ، فلا يجوز أن يشرع في رمي جمرة حتى يكمل رمي الجمرة الأولى كركعات الصلاة ، هذا هو المشهور من المذهب . وقيل : ليس الترتيب بواجب في صحة الرمي ، بل إذا كان الرمي كله في وقت الأداء أجزأه .الثالثة : فإذا مضت أيام الرمي فلا رمي فإن ذكر بعدما يصدر وهو بمكة أو بعدما يخرج منها فعليه الهدي ، وسواء ترك الجمار كلها ، أو جمرة منها ، أو حصاة من جمرة حتى خرجت أيام منى فعليه دم . وقال أبو حنيفة : إن ترك الجمار كلها فعليه دم ، وإن ترك جمرة واحدة كان عليه بكل حصاة من الجمرة إطعام مسكين نصف صاع ، إلى أن يبلغ دما فيطعم ما شاء ، إلا جمرة العقبة فعليه دم . وقال الأوزاعي : يتصدق إن ترك حصاة . وقال الثوري : يطعم في الحصاة والحصاتين والثلاث ، فإن ترك أربعا فصاعدا فعليه دم . وقال الليث : في الحصاة الواحدة دم ، وهو أحد قولي الشافعي . والقول الآخر وهو المشهور : إن في الحصاة الواحدة مدا من طعام ، وفي حصاتين مدين ، وفي ثلاث حصيات دم .الرابعة : ولا سبيل عند الجميع إلى رمي ما فاته من الجمار في أيام التشريق حتى غابت الشمس من آخرها ، وذلك اليوم الرابع من يوم النحر ، وهو الثالث من أيام التشريق ، ولكن يجزئه الدم أو الإطعام على حسب ما ذكرنا .الخامسة : ولا تجوز البيتوتة بمكة وغيرها عن منى ليالي التشريق ، فإن ذلك غير جائز عند الجميع إلا للرعاء ، ولمن ولي السقاية من آل العباس . قال مالك : من ترك المبيت ليلة من ليالي منى من غير الرعاء وأهل السقاية فعليه دم . روى البخاري عن ابن عمر أن العباس استأذن النبي صلى الله عليه وسلم ليبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له . قال ابن عبد البر : كان العباس ينظر في السقاية ويقوم بأمرها ، ويسقي الحاج شرابها أيام الموسم ، فلذلك أرخص له في المبيت عن منى ، كما أرخص لرعاء الإبل من أجل حاجتهم لرعي الإبل وضرورتهم إلى الخروج بها نحو المراعي التي تبعد عنمنى .وسميت منى " منى " لما يمنى فيها من الدماء ، أي يراق . وقال ابن عباس : ( إنما سميت منى لأن جبريل قال لآدم عليه السلام : تمن . قال : أتمنى الجنة ، فسميت منى . قال : وإنما سميت جمعا لأنه اجتمع بها حواء وآدم عليهما السلام ) ، والجمع أيضا هو المزدلفة ، وهو المشعر الحرام ، كما تقدم .السادسة : وأجمع الفقهاء على أن المبيت للحاج - غير الذين رخص لهم - ليالي منى بمنى من شعائر الحج ونسكه ، والنظر يوجب على كل مسقط لنسكه دما ، قياسا على سائر الحج ونسكه . وفي الموطأ : مالك عن نافع عن ابن عمر قال : قال عمر : لا يبيتن أحد من الحاج ليالي منى من وراء العقبة . والعقبة التي منع عمر أن يبيت أحد وراءها هي العقبة التي عند الجمرة التي يرميها الناس يوم النحر مما يلي مكة . رواه ابن نافع عن مالك في المبسوط ، قال : وقال مالك : ومن بات وراءها ليالي منى فعليه الفدية ، وذلك أنه بات بغير منى ليالي منى ، وهو مبيت مشروع في الحج ، فلزم الدم بتركه كالمبيت بالمزدلفة ، ومعنى الفدية هنا عند مالك الهدي . قال مالك : هو هدي يساق من الحل إلى الحرم .السابعة : روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه أن أبا البداح بن عاصم بن عدي أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى يرمون يوم النحر ، ثم يرمون الغد ، ومن بعد الغد ليومين ، ثم يرمون يوم النفر .قال أبو عمر : لم يقل مالك بمقتضى هذا الحديث ، وكان يقول : يرمون يوم النحر - يعني جمرة العقبة - ثم لا يرمون من الغد ، فإذا كان بعد الغد وهو الثاني من أيام التشريق وهو اليوم الذي يتعجل فيه النفر من يريد التعجيل أو من يجوز له التعجيل رموا اليومين لذلك اليوم ولليوم الذي قبله ؛ لأنهم يقضون ما كان عليهم ، ولا يقضي أحد عنده شيئا إلا بعد أن يجب عليه ، هذا معنى ما فسر به مالك هذا الحديث في موطئه . وغيره يقول : لا بأس بذلك كله على ما في حديث مالك ؛ لأنها أيام رمي كلها ، وإنما لم يجز عند مالك للرعاء تقديم الرمي لأن غير الرعاء لا يجوز لهم أن يرموا في أيام التشريق شيئا من الجمار قبل الزوال ، فإن رمى قبل الزوال أعادها ، ليس لهم التقديم . وإنما رخص لهم في اليوم الثاني إلى الثالث . قال ابن عبد البر : الذي قاله مالك في هذه المسألة موجود في رواية ابن جريج قال : أخبرني محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه أن أبا البداح بن عاصم بن عدي أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص للرعاء أن يتعاقبوا ، فيرموا يوم النحر ، ثم يدعوا يوما وليلة ثم يرمون الغد . قال علماؤنا : ويسقط رمي الجمرة الثالثة عمن تعجل . قال ابن أبي زمنين يرميها يوم النفر الأول حين يريد التعجيل . قال ابن المواز : يرمي المتعجل في يومين بإحدى وعشرين حصاة ، كل جمرة بسبع حصيات ، فيصير جميع رميه بتسع وأربعين حصاة ؛ لأنه قد رمى جمرة العقبة يوم النحر بسبع . قال ابن المنذر : ويسقط رمي اليوم الثالث .الثامنة : روى مالك عن يحيى بن سعيد عن عطاء بن أبي رباح أنه سمعه يذكر أنه أرخص للرعاء أن يرموا بالليل ، يقول في الزمن الأول . قال الباجي : " قوله في الزمن الأول يقتضي إطلاقه زمن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أول زمن هذه الشريعة ، فعلى هذا هو مرسل . ويحتمل أن يريد به أول زمن أدركه عطاء ، فيكون موقوفا مسندا " . والله أعلم .قلت : هو مسند من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم ، خرجه الدارقطني وغيره ، وقد ذكرناه في " المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس " ، وإنما أبيح لهم الرمي بالليل لأنه أرفق بهم وأحوط فيما يحاولونه من رعي الإبل ؛ لأن الليل وقت لا ترعى فيه ولا تنتشر ، فيرمون في ذلك الوقت . وقد اختلفوا فيمن فاته الرمي حتى غربت الشمس . فقال عطاء : لا رمي بالليل إلا لرعاء الإبل ، فأما التجار فلا . وروي عن ابن عمر أنه قال : من فاته الرمي حتى تغيب الشمس فلا يرم حتى تطلع الشمس من الغد ، وبه قال أحمد وإسحاق . وقال مالك : إذا تركه نهارا رماه ليلا ، وعليه دم في رواية ابن القاسم ، ولم يذكر في الموطأ أن عليه دما . وقال الشافعي وأبو ثور ويعقوب ومحمد : إذا نسي الرمي حتى أمسى يرمي ولا دم عليه . وكان الحسن البصري يرخص في رمي الجمار ليلا . وقال أبو حنيفة : يرمي ولا شيء عليه ، وإن لم يذكرها من الليل حتى يأتي الغد فعليه أن يرميها وعليه دم . وقال الثوري : إذا أخر الرمي إلى الليل ناسيا أو متعمدا أهرق دما .قلت : أما من رمى من رعاء الإبل أو أهل السقاية بالليل فلا دم يجب ؛ للحديث ، وإن كان من غيرهم فالنظر يوجب الدم لكن مع العمد ، والله أعلم . التاسعة : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة يوم النحر على راحلته . واستحب مالك وغيره أن يكون الذي يرميها راكبا . وقد كان ابن عمر وابن الزبير وسالم يرمونها وهم مشاة ، ويرمي في كل يوم من الثلاثة بإحدى وعشرين حصاة ، يكبر مع كل حصاة ، ويكون وجهه في حال رميه إلى الكعبة ، ويرتب الجمرات ويجمعهن ولا يفرقهن ولا ينكسهن ، يبدأ بالجمرة الأولى فيرميها بسبع حصيات رميا ولا يضعها وضعا ، كذلك قال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ، فإن طرحها طرحا جاز عند أصحاب الرأي . وقال ابن القاسم : لا تجزئ في الوجهين جميعا ، وهو الصحيح ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرميها ، ولا يرمي عندهم بحصاتين أو أكثر في مرة ، فإن فعل عدها حصاة واحدة ، فإذا فرغ منها تقدم أمامها فوقف طويلا للدعاء بما تيسر . ثم يرمي الثانية وهي الوسطى وينصرف عنها ذات الشمال في بطن المسيل ، ويطيل الوقوف عندها للدعاء . ثم يرمي الثالثة بموضع جمرة العقبة بسبع حصيات أيضا ، يرميها من أسفلها ولا يقف عندها ، ولو رماها من فوقها أجزأه ، ويكبر في ذلك كله مع كل حصاة يرميها . وسنة الذكر في رمي الجمار التكبير دون غيره من الذكر ، ويرميها ماشيا بخلاف جمرة يوم النحر ، وهذا كله توقيف رفعه النسائي والدارقطني عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رمى الجمرة التي تلي المسجد - مسجد منى - يرميها بسبع حصيات ، يكبر كلما رمى بحصاة ، ثم تقدم أمامها فوقف مستقبل القبلة رافعا يديه يدعو ، وكان يطيل الوقوف . ثم يأتي الجمرة الثانية فيرميها بسبع حصيات ، يكبر كلما رمى بحصاة ، ثم ينحدر ذات اليسار مما يلي الوادي فيقف مستقبل القبلة رافعا يديه ثم يدعو . ثم يأتي الجمرة التي عند العقبة فيرميها بسبع حصيات ، يكبر كلما رمى بحصاة ثم ينصرف ولا يقف عندها . قال الزهري : سمعت سالم بن عبد الله يحدث بهذا عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال : وكان ابن عمر يفعله ، لفظ الدارقطني .العاشرة : وحكم الجمار أن تكون طاهرة غير نجسة ، ولا مما رمي به ، فإن رمى بما قد رمي به لم يجزه عند مالك ، وقد قال عنه ابن القاسم : إن كان ذلك في حصاة واحدة أجزأه ، ونزلت بابن القاسم فأفتاه بهذا .الحادية عشرة : واستحب أهل العلم أخذها من المزدلفة لا من حصى المسجد ، فإن أخذ زيادة على ما يحتاج وبقي ذلك بيده بعد الرمي دفنه ولم يطرحه ، قاله أحمد بن حنبل وغيره .الثانية عشرة : ولا تغسل عند الجمهور خلافا لطاوس ، وقد روي أنه لو لم يغسل الجمار النجسة أو رمى بما قد رمي به أنه أساء وأجزأ عنه . قال ابن المنذر : يكره أن يرمي بما قد رمي به ، ويجزئ إن رمى به ، إذ لا أعلم أحدا أوجب على من فعل ذلك الإعادة ، ولا نعلم في شيء من الأخبار التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه غسل الحصى ولا أمر بغسله ، وقد روينا عن طاوس أنه كان يغسله .الثالثة عشرة : ولا يجزئ في الجمار المدر ولا شيء غير الحجر ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق . وقال أصحاب الرأي : يجوز بالطين اليابس ، وكذلك كل شيء رماها من الأرض فهو يجزئ . وقال الثوري : من رمى بالخزف والمدر لم يعد الرمي . قال ابن المنذر : لا يجزئ الرمي إلا بالحصى ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : عليكم بحصى الخذف . وبالحصى رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم .الرابعة عشرة : واختلف في قدر الحصى ، فقال الشافعي : يكون أصغر من الأنملة طولا وعرضا . وقال أبو ثور وأصحاب الرأي : بمثل حصى الخذف ، وروينا عن ابن عمر أنه كان يرمي الجمرة بمثل بعر الغنم ، ولا معنى لقول مالك : أكبر من ذلك أحب إلي ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سن الرمي بمثل حصى الخذف ، ويجوز أن يرمى بما وقع عليه اسم حصاة ، واتباع السنة أفضل ، قاله ابن المنذر .قلت : وهو الصحيح الذي لا يجوز خلافه لمن اهتدى واقتدى . روى النسائي عن ابن عباس قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على راحلته : هات القط لي - فلقطت له حصيات هن حصى الخذف ، فلما وضعتهن في يده قال - : بأمثال هؤلاء ، وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين . فدل قوله : ( وإياكم والغلو في الدين ) على كراهة الرمي بالجمار الكبار ، وأن ذلك من الغلو ، والله أعلم .الخامسة عشرة : : ومن بقي في يده حصاة لا يدري من أي الجمار هي جعلها من الأولى ، ورمى بعدها الوسطى والآخرة ، فإن طال استأنف جميعا .السادسة عشرة : قال مالك والشافعي وعبد الملك وأبو ثور وأصحاب الرأي فيمن قدم جمرة على جمرة : لا يجزئه إلا أن يرمي على الولاء . وقال الحسن ، وعطاء وبعض الناس : يجزئه . واحتج بعض الناس بقول النبي صلى الله عليه وسلم : من قدم نسكا بين يدي نسك فلا حرج وقال : ( لا يكون هذا بأكثر من رجل اجتمعت عليه صلوات أو صيام فقضى بعضا قبل بعض ) . والأول أحوط ، والله أعلم .السابعة عشرة : واختلفوا في رمي المريض والرمي عنه ، فقال مالك : يرمى عن المريض والصبي اللذين لا يطيقان الرمي ، ويتحرى المريض حين رميهم فيكبر سبع تكبيرات لكل جمرة وعليه الهدي ، وإذا صح المريض في أيام الرمي رمى عن نفسه ، وعليه مع ذلك دم عند مالك . وقال الحسن والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي : يرمى عن المريض ، ولم يذكروا هديا . ولا خلاف في الصبي الذي لا يقدر على الرمي أنه يرمى عنه ، وكان ابن عمر يفعل ذلك .الثامنة عشرة : روى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري قال قلنا : يا رسول الله ، هذه الجمار التي يرمى بها كل عام فنحسب أنها تنقص ، فقال : إنه ما تقبل منها رفع ولولا ذلك لرأيتها أمثال الجبال .التاسعة عشرة : قال ابن المنذر : وأجمع أهل العلم على أن لمن أراد الخروج من الحاج من منى شاخصا إلى بلده خارجا عن الحرم غير مقيم بمكة في النفر الأول أن ينفر بعد زوال الشمس إذا رمى في اليوم الذي يلي يوم النحر قبل أن يمسي ؛ لأن الله جل ذكره قال : فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه فلينفر من أراد النفر ما دام في شيء من النهار . وقد روينا عن النخعي والحسن أنهما قالا : من أدركه العصر وهو بمنى من اليوم الثاني من أيام التشريق لم ينفر حتى الغد . قال ابن المنذر : وقد يحتمل أن يكونا قالا ذلك استحبابا ، والقول الأول به نقول ؛ لظاهر الكتاب والسنة .الموفية عشرين : واختلفوا في أهل مكة هل ينفرون النفر الأول ، فروينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : من شاء من الناس كلهم أن ينفروا في النفر الأول ، إلا آل خزيمة فلا ينفرون إلا في النفر الآخر . وكان أحمد بن حنبل يقول : لا يعجبني لمن نفر النفر الأول أن يقيم بمكة ، وقال : أهل مكة أخف ، وجعل أحمد وإسحاق معنى قول عمر بن الخطاب : ( إلا آل خزيمة ) أي أنهم أهل حرم . وكان مالك يقول في أهل مكة : من كان له عذر فله أن يتعجل في يومين ، فإن أراد التخفيف عن نفسه مما هو فيه من أمر الحج فلا ، فرأى التعجيل لمن بعد قطره . وقالت طائفة : الآية على العموم ، والرخصة لجميع الناس ، أهل مكة وغيرهم ، أراد الخارج عن منى المقام بمكة أو الشخوص إلى بلده . وقال عطاء : هي للناس عامة . قال ابن المنذر : وهو يشبه مذهب الشافعي ، وبه نقول . وقال ابن عباس والحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة والنخعي : ( من نفر في اليوم الثاني من الأيام المعدودات فلا حرج ، ومن تأخر إلى الثالث فلا حرج ) ، فمعنى الآية : كل ذلك مباح ، وعبر عنه بهذا التقسيم اهتماما وتأكيدا ، إذ كان من العرب من يذم المتعجل وبالعكس ، فنزلت الآية رافعة للجناح في كل ذلك . وقال علي بن أبي طالب وابن عباس وابن مسعود وإبراهيم النخعي أيضا : ( معنى من تعجل فقد غفر له ، ومن تأخر فقد غفر له ) ، واحتجوا بقوله عليه السلام : من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من خطاياه كيوم ولدته أمه . فقوله : فلا إثم عليه نفي عام وتبرئة مطلقة . وقال مجاهد أيضا : معنى الآية ، من تعجل أو تأخر فلا إثم عليه إلى العام المقبل . وأسند في هذا القول أثر . وقال أبو العالية في الآية : لا إثم عليه لمن اتقى بقية عمره ، والحاج مغفور له البتة ، أي ذهب إثمه كله إن اتقى الله فيما بقي من عمره . وقال أبو صالح وغيره : معنى الآية لا إثم عليه لمن اتقى قتل الصيد ، وما يجب عليه تجنبه في الحج . وقال أيضا : لمن اتقى في حجه فأتى به تاما حتى كان مبرورا .الحادية والعشرون : " من " في قوله : فمن تعجل رفع بالابتداء ، والخبر فلا إثم عليه . ويجوز في غير القرآن فلا إثم عليهم ؛ لأن معنى " من " جماعة ، كما قال جل وعز : ومنهم من يستمعون إليك وكذا ومن تأخر فلا إثم عليه . واللام من قوله : لمن اتقى متعلقة بالغفران ، التقدير المغفرة لمن اتقى ، وهذا على تفسير ابن مسعود وعلي . قال قتادة : ذكر لنا أن ابن مسعود قال : إنما جعلت المغفرة لمن اتقى بعد انصرافه من الحج عن جميع المعاصي . وقال الأخفش : التقدير ذلك لمن اتقى . وقال بعضهم : لمن اتقى يعني قتل الصيد في الإحرام وفي الحرم . وقيل التقدير الإباحة لمن اتقى ، روي هذا عن ابن عمر . وقيل : السلامة لمن اتقى . وقيل : هي متعلقة بالذكر الذي في قوله تعالى : واذكروا أي الذكر لمن اتقى . وقرأ سالم بن عبد الله فلا اثم عليه بوصل الألف تخفيفا ، والعرب قد تستعمله . قال الشاعر :إن لم أقاتل فالبسوني برقعاثم أمر الله تعالى بالتقوى وذكر بالحشر والوقوف .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍقال أبو جعفر: يعني جَلّ ذكره: اذكروا الله بالتوحيد والتعظيم في أيام مُحصَيات، وهي أيام رَمي الجمار. أمر عباده يومئذ بالتكبير أدبارَ الصلوات، وعند الرمي مع كل حصاة من حَصى الجمار يرمي بها جَمرةً من الجمار.وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل:* ذكر من قال ذلك:3886 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: " واذكروا الله في أيام معدودات "، قال: أيام التشريق.3887 - حدثني محمد بن نافع البصري، قال: حدثنا غندر: قال: حدثنا شعبة، عن هشيم، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله. (1)3888 - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " واذكروا الله في أيام معدودات "، يعني الأيام المعدودات أيامَ التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد النحر.3889 - وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " واذكروا الله في أيام معدودات "، يعني أيام التشريق.3890 - حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.3891 - وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا مخلد، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس: سمعه يوم الصَّدَر يَقول بعد ما صدر يُكبر في المسجد ويتأول: " واذكروا الله في أيام مَعدودات ".3892 - حدثنا علي بن داود، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " واذكروا الله في أيام معدودات "، يعني أيام التشريق.3893 - حدثنا عبد الحميد بن بيان السكري، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن عطاء بن أبي رباح في قول الله عز وجل: " واذكروا الله في أيام معدودات "، قال: هي أيام التشريق.3894 - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثني أبي، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، مثله.3895 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " واذكروا الله في أيام معدودات "، قال أيام التشريق بمنى.3896 - حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد وعطاء قالا هي أيام التشريق.3897 - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.3898 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، مثله.3899 - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: الأيام المعدودات: أيام التشريق.3900 - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، مثله.3901 - حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن، قال: الأيام المعدودات: الأيام بعد النحر.3902 - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، قال: سألت إسماعيل بن أبي خالد عن " الأيام المعدودات "، قال: أيام التشريق.3903 - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، فقال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " واذكروا الله في أيام معدودات "، كنا نُحدَّث أنها أيام التشريق.3904 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " واذكروا الله في أيام معدودات "، قال: هي أيام التشريق.3905 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " أما الأيام المعدوداتُ" : فهي أيام التشريق.3906 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.3907 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، عن مالك، قال: " الأيام المعدودات "، ثلاثة أيامٍ بعد يوم النحر.3908 - حدثت عن حسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: " في أيام معدودات " قال: أيام التشريق الثلاثة.3910 - حدثني ابن البرقي، قال: حدثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سألت ابن زيد عن " الأيام المعدودات " و " الأيام المعلومات "، فقال: " الأيام المعدودات " أيام التشريق،" والأيام المعلومات "، يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق.* * *وإنما قلنا: إنّ" الأيام المعدودات "، هي أيام منى وأيام رمي الجمار لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول فيها: إنها أيام ذكر الله عز وجل.* ذكر الأخبار التي رويت بذلك:3911 - حدثني يعقوب بن إبراهيم وخلاد بن أسلم، قال: حدثنا هشيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيام التشريق أيام طُعْمٍ وذِكْر ". (2)3912 - حدثنا خلاد، قال: حدثنا روح، قال: حدثنا صالح، قال: حدثني ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بَعثَ عبد الله بن حُذافة يطوف في منى: " لا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل ". (3)3912م - وحدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا بشر بن المفضل= وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية= قالا جميعًا، حدثنا خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المليح، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله.3913 - حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة، قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم أيام التشريق وقال: هي أيام أكل وشرب وذكر الله. (4)3914 - حدثني يعقوب، قال: حدثني هشيم، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عمرو بن دينار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بَعث بشر بن سُحَيم، فنادى في أيام التشريق، فقال: إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله. (5)3915 - حدثني يعقوب. قال: حدثنا هشيم، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة بن قيس فنادى في أيام التشريق فقال: " إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله، إلا من كان عليه صومٌ من هَدْي". (6)3916 - حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن محمد بن إسحاق، عن حكيم بن حكيم، عن مسعود بن الحكم الزُّرَقي، عن أمه قالت: لكأني أنظر إلى عليٍّ رضي الله عنه على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء حين وقف على شِعْب الأنصار وهو يقول: " أيها الناس إنها ليست بأيام صيام، إنما هي أيام أكل وشرب وذكر ". (7)* * *قال أبو جعفر: فإن قال قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال في أيام منى: إنها أيام أكل وشرب وذكر الله، لم يخبر أمَّته أنها " الأيام المعدودات " التي ذكرها الله في كتابه، فما تنكر أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم عنى بقوله: " وذكْر الله "،" الأيامَ المعلومات "؟قيل: غير جائز أن يكون عنى ذلك. لأن الله لم يكن يُوجب في" الأيام المعلومات " من ذكره فيها ما أوجبَ في" الأيام المعدودات ". وإنما وصف " المعلومات " جل ذكره بأنها أيام يذكر فيها اسم الله على بهائم الأنعام، فقال: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ [الحج: 28]، فلم يوجب في" الأيام المعلومات " من ذكره كالذي أوجبه في" الأيام المعدودات " من ذكره، بل أخبر أنها أيام ذكره علىَ بهائم الأنعام. فكان معلومًا= إذ قال صلى الله عليه وسلم لأيام التشريق: " إنها أيام أكل وشرب وذكر الله " فأخرج قوله: " وذكر الله " مطلقًا بغير شرط، ولا إضافة، إلى أنه الذكر على بهائم الأنعام = أنه عنى بذلك الذكر الذي ذكره الله في كتابه، فأوجبه على عباده مطلقًا بغير شرط ولا إضافة إلى معنى في" الأيام المعدودات "، وأنه لو كان أراد بذلك صلى الله عليه وسلم وصف " الأيام المعلومات " به، لوصل قوله: " وذكر "، إلى أنه ذكر الله على ما رزقهم من بهائم الأنعام، كالذي وصف الله به ذلك، ولكنه أطلق ذلك باسم الذكر من غير وصله بشيء، كالذي أطلقه تبارك وتعالى باسم الذكر، فقال: " واذكروا الله في أيام معدودات " فكان ذلك من أوضح الدليل على أنه عنى بذلك ما ذكره الله في كتابه وأوجبه في" الأيام المعدودات ".* * *القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَىقال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك:فقال بعضهم: معناه: فمن تعجل في يَومين من أيام التشريق فنفر في اليوم الثاني فلا إثم عليه في نَفْره وتعجله في النفر، ومن تأخر عن النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الثالث حتى ينفر في اليوم الثالث فلا إثم عليه في تأخره.* ذكر من قال ذلك.3917 - حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا هشيم، عن عطاء، قال: لا إثم عليه في تعجيله، ولا إثم عليه في تأخيره.3918 - حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد، قال. حدثنا هشيم، عن عوف، عن الحسن، مثله.3919 - حدثنا أحمد، قال. حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا هشيم، عن مغيره، عن عكرمة، مثله.3920 - حدثني محمد بن عمرو، قال. حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " فمن تعجَّل في يومين "، يوم النَّفر،" فلا إثم عليه "، لا حرج عليه،" ومن تأخر فلا إثم عليه ".3921 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: أما: " من تعجَّل في يومين فلا إثم عليه "، يقول: من نَفَر في يومين فلا جُناح عليه، ومن تأخر فنفر في الثالث فلا جناح عليه.3922 - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " فمن تعجَّل في يومين "، يقول: فمن تعجَّل في يومين- أي: من أيام التشريق=" فلا إثم عليه "، ومن أدركه الليل بمنى من اليوم الثاني من قبل أن ينفر، فلا نَفْر له حتى تزول الشمس من الغد=" ومن تأخر فلا إثم عليه "، يقول: من تأخر إلى اليوم الثالث من أيام التشريق فلا إثم عليه.3923 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال. أخبرنا عبد الرزاق، قال. أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " فمن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه "، قال: رخَّص الله في أن ينفروا في يومين منها إن شاءوا، ومن تأخر في اليوم الثالث فلا إثم عليه.3924 - حدثني محمد بن المثنى، قال. حدثنا محمد بن جعفر، قال. حدثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم أنه قال في هذه الآية: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه "، قال في تعجيله.3925 - حدثني هناد بن السريّ، قال: حدثنا ابن أبى زائدة، قال: حدثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم قال: " لا إثم عليه "، لا إثم على من تعجل، ولا إثم على من تأخر.3926 - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، قال: هذا في التعجيل.3927 - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا شريك وإسرائيل، عن زيد بن جبير، قال: سمعت ابن عمر يقول: حلَّ النَّفر في يومين لمن اتقى.3928 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: " فمن تجعل في يومين فلا إثم عليه " في تعجله،" ومن تأخر فلا إثم عليه " في تأخره.3929 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أللمكي أن ينفر في النفْر الأول؟ قال: نعم، قال الله عز وجل: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه "، فهي للناس أجمعين.3930 - حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه "، قال: ليس عليه إثم3931 - حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " فمن تعجل في يومين " بعد يوم النحر،" فلا إثم عليه "، بقول: من نَفَر من منى في يومين بعد النحر فلا إثم عليه،" ومن تأخر فلا إثم عليه " في تأخره، فلا حرج عليه. (8)3932 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه " في تعجله،" ومن تأخر فلا إثم عليه " في تأخره.* * *وقال آخرون: بل معناه: فمن تعجل في يومين فهو مغفور له لا إثم عليه، ومن تأخر كذلك.* ذكر من قال ذلك:3933 - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل، عن ثوير، عن أبيه، عن عبد الله: " فمن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه "، قال: ليس عليه إثم.3934 - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال حدثنا سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه "، أي غفر له " ومن تأخر فلا إثم عليه "، قال: غُفر له.3935 - حدثنا أحمد بن حازم، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا مسعر، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه "، أي غفر له.3936 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا المحاربي= وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد= جميعًا، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله في قوله: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه "، قال: قد غُفر له.3937 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم في قوله: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه "، قد غفر له.3938 - حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله قال في هذه الآية: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخّر فلا إثم عليه " قال: برئ من الإثم.3939 - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن ابن عمر: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه " قال: رجع مغفورًا له.3940 - حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد في قوله: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عَليه ومن تأخر فلا إثم عليه "، قال: قد غفر له.3941 - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن جابر، عن أبي عبد الله، عن ابن عباس: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه "، قال: قد غفر له، إنهم يتأولونها على غير تأويلها، إن العمرة لتكفِّر ما معها من الذنوب فكيف بالحج!.3942 - حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن إبراهيم وعامر: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه "، قالا غفر له.3943 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: حدثني من أصدقه، عن ابن مسعود قوله: " فلا إثم عليه "، قال: خرج من الإثم كله " ومن تأخر فلا إثم عليه "، قال: برئ من الإثم كله، وذلك في الصَّدَر عن الحج = قال ابن جريج: وسمعت رجلا يحدث عن عطاء بن أبي رباح، عن على بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: " فلا إثم عليه "، قال. غفر له،" ومن تأخر فلا إثم عليه "، قال: غُفر له.3944 - حدثني أحمد بن حازم، قال: حدثنا أبو نعيم، قال. حدثنا أسود بن سوادة القطان، قال: سمعت معاوية بن قُرة قال: يَخرج من ذنوبه. (9)* * *وقال آخرون: معنى ذلك: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه "، فيما بينه وبين السنة التي بَعدها.* ذكر من قال ذلك:3945 - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسحاق بن يحيى بن طلحه، قال: سألت مجاهدًا عن قول الله عز وجل: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه "، قال: لمن في الحج، ليس عليه إثم حتى الحج من عام قابل.* * *وقال آخرون: بل معناه. فلا إثم عليه إن اتقى الله فيما بقي من عمره.* ذكر من قال ذلك:3946 - حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه "، قال: ذهب إثمه كله إن اتقى فيما بقي.3947 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن المغيرة، عن إبراهيم، مثله.3948 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، مثله.3949 - حدثني يونس، قاله: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه "، قال: لمن اتقى بشرط.3950 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه "، لا جُناح عليه =" ومن تأخر " إلى اليوم الثالث فلا جناح عليه لمن اتقى= وكان ابن عباس يقول: وددت أنّي من هؤلاء، ممن يُصيبه اسمُ التقوى.3951 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج: هي في مصحف عبد الله: " لِمَنِ اتَّقَى اللهَ".3952 - حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه "، فلا حرج عليه، يقول: لمن اتقى معاصيَ الله عز وجل. (10)* * *وقال آخرون: بل معنى ذلك: " فمن تعجل في يومين " من أيام التشريق " فلا إثم عليه "، أي فلا حرج عليه في تعجيله النفْر، إن هو اتقى قَتْل الصيد حتى ينقضي اليوم الثالث، ومن تأخر إلى اليوم الثالث فلم ينفر فلا حرج عليه.* ذكر من قال ذلك:3953 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا محمد بن أبي صالح: " لمن اتقى " أن يصيب شيئًا من الصيد حتى يمضي اليوم الثالث.3954 - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه "، ولا يحل له أن يقتل صيدًا حتى تخلو أيام التشريق.* * *وقال آخرون: بل معناه: " فمن تعجل في يومين " من أيام التشريق فنفر " فلا إثم عليه "، أي مغفورٌ له-" ومن تأخر " فنفر في اليوم الثالث " فلا إثم عليه "، أي مغفور له إن اتقى على حجه أن يصيبَ فيه شيئًا نهاه الله عنه.* ذكر من قال ذلك:3955 - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، فال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " لمن اتقى "، قال: يقول لمن اتقى على حجه = قال قتادة: ذكر لنا أن ابن مسعود كان يقول: من اتقى في حجه غفر له ما تقدم من ذنبه - أو: ما سلف من ذنبه.* * *قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصحة قول من قال: تأويل ذلك: " فمن تعجل في يومين " من أيام منى الثلاثة فنفر في اليوم الثاني" فلا إثم عليه "، لحطِّ الله ذنوبَه، إن كان قد اتقى الله في حجه، فاجتنب فيه ما أمره الله باجتنابه، وفعل فيه ما أمره الله بفعله، وأطاعه بأدائه على ما كلفه من حدوده =" ومن تأخر " إلى اليوم الثالث منهن فلم ينفر إلى النفر الثاني حتى نفر من غد النفر الأول،" فلا إثم عليه "، لتكفير الله له ما سلف من آثامه وإجرامه، وإن كان اتقى الله في حجه بأدائه بحدوده.وإنما قلنا أن ذلك أولى تأويلاته [بالصحة]، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ومن حجّ هذا البيت فلم يرفُثْ ولم يفسُقْ خرَج من ذنوبه كيوم ولدته أمه = وأنه قال صلى الله عليه وسلم : " تابعوا بين الحجّ والعمرة، فإنهما ينفيان الذنوب كما ينفي الكِيرُ خَبَثَ الحديد والذهب والفضة ".3956 - حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، قال: حدثنا عمرو بن قيس، عن عاصم، عن شقيق، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقرَ والذنوبَ كما ينفي الكِيرُ خَبَثَ الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثوابُ دون الجنة ". (11)3957 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا الحكم بن بشير، عن عمرو بن قيس، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. (12)3958 - حدثنا الفضل بن الصباح، قال: . حدثنا ابن عيينة، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، عن عمر يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تابعوا بين الحج والعمرة، فإنّ متابعة ما بينهما تنفي الفقر والذنوبَ كما ينفي الكيرُ الخبَثَ= أو: خبَثَ الحديد ". (13)3959 - حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال: حدثنا سعد بن عبد الحميد، قال: حدثنا ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قضيتَ حجَّك فأنت مثل ما ولدتك أمك. (14)* * *= وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول بذكر جميعها الكتاب، مما ينبئ عنه أنّ من حجّ فقضاه بحدوده على ما أمره الله، فهو خارج من ذنوبه، كما قال جل ثناؤه: " فلا إثم عليه لمن اتقى " الله في حجه. فكان في ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يوضح عن أن معنى قوله جل وعزّ: " فلا إثم عليه "، أنه خارجٌ من ذنوبه، محطوطة عنه آثامه، مغفورَةٌ له أجْرامه= وأنه لا معنى لقول من تأول قوله: " فلا إثم عليه "، فلا حرج عليه في نفره في اليوم الثاني، ولا حرج عليه في مقامه إلى اليوم الثالث. لأن الحرَج إنما يوضع عن العامل فيما كان عليه ترْك عمله، فيرخّص له في عمله بوضع الحرَج عنه في عمله؛ أو فيما كان عليه عمله، فيرخَّص له في تركه بوضع الحرج عنه في تركه. فأما ما على العامل عَمله فلا وَجه لوضع الحرَج عنه فيه إن هو عَمله، وفرضُه عَملُه، لأنه محال أن يكون المؤدِّي فرضًا عليه، حرجا بأدائه، (15) فيجوز أن يقال: قد وضعنا عنك فيه الحرَج.وإذ كان ذلك كذلك= وكان الحاج لا يخلو عند من تأوّل قوله: " فلا إثم عليه " فلا حرج عليه، أو فلا جناح عليه، من أن يكون فرضه النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق، فوضع عنه الحرَج في المقام، أو أن يكون فرضَه المقام، إلى اليوم الثالث، فوضع عنه الحرج في النفر في اليوم الثاني، فإن يكن فرضه في اليوم الثاني من أيام التشريق المقام إلى اليوم الثالث منها، فوضع عنه الحرج في نفره في اليوم الثاني منها - وذلك هو التعجُّل الذي قيل: " فمن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه "- فلا معنى لقوله على تأويل من تأوّل ذلك: " فلا إثم عليه "، فلا جناح عليه،" ومن تأخر فلا إثمَ عليه ". لأن المتأخر إلى اليوم الثالث إنما هو متأخّرٌ عن أداء فرض عليه، تاركٌ قبولَ رُخصة النفر، فلا وجه لأن يقال: " لا حرج عليك في مقامك على أداء الواجب عليك "، لما وصفنا قبل- أو يكون فرضُه في اليوم الثاني النفر، فرُخِّص له في المقام إلى اليوم الثالث، فلا معنى أن يقال: " لا حرج عليك في تعجُّلك النفر الذي هو فرضك وعليك فعله "، للذي قدمنا من العلة.وكذلك لا معنى لقول من قال: معناه: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه " ولا حرج عليه في نفره ذلك، إن اتقى قتل الصيد إلى انقضاء اليوم الثالث. لأن ذلك لو كان تأويلا مسلَّمًا لقائله لكان في قوله: " ومن تأخر فلا إثم عليه "، ما يُبطل دعواه، لأنه لا خلاف بين الأمة في أن الصيد للحاجّ بعد نفره من منى في اليوم الثالث حلال، فما الذي من أجله وَضَع عنه الحرج في قوله: " ومن تأخر فلا إثم عليه "، إذا هو تأخر إلى اليوم الثالث ثم نفر ؟ هذا، مع إجماعِ الحجة على أن المحرم إذا رمى وذبح وحلق وطافَ بالبيت، فقد حلَّ له كل شيء، وتصريحِ الرواية المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ذلك، (16) التي:-3960 - حدثنا بها هناد بن السري الحنظلي، قال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن حجاج، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة قالت: سألت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها متى يحلّ المحرم ؟ فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رَميتم وذبحتم وحلقتم، حلّ لكم كل شيء إلا النساء= قال: وذكر الزهري، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثله. (17)وأما الذي تأوّل ذلك أنه بمعنى: " لا إثم عليه إلى عام قابل "، فلا وجه لتحديد ذلك بوقت، وإسقاطه الإثمَ عن الحاجّ سنة مستقبَلة، دون آثامه السالفة. لأن الله جل ثناؤه لم يحصُر ذلك على نفي إثم وقت مستقبَل بظاهر التنزيل، ولا على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام، بل دلالةُ ظاهر التنزيل تُبين عن أن المتعجّل في اليومين والمتأخر لا إثم على كل واحد منهما في حاله التي هو بها دون غيرها من الأحوال.والخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم يصرِّح بأنه بانقضاء حجه على ما أمر به، خارجٌ من ذنوبه كيوم ولدته أمه. ففي ذلك = من دلالة ظاهر التنزيل، وصريح قول الرسول صلى الله عليه وسلم= دلالة واضحة على فساد قول من قال: معنى قوله: " فلا إثم عليه "، فلا إثم عليه من وقت انقضاء حجه إلى عام قابل.* * *قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: ما الجالب " اللام " في قوله: " لمن اتقى "؟ وما معناها ؟قيل: الجالبُ لها معنى قوله: " فلا إثم عليه ". لأن في قوله: " فلا إثم عليه " معنى: حططنا ذنوبه وكفَّرنا آثامه، فكان في ذلك معنى: جعلنا تكفيرَ الذنوب لمن اتقى الله في حجه، فترك ذكر " جعلنا تكفير الذنوب "، اكتفاء بدلالة قوله: " فلا إثم عليه " .وقد زعم بعض نحوييّ البصرة أنه كأنه إذا ذكر هذه الرخصة فقد أخبر عن أمر، فقال: " لمن اتقى " أي: هذا لمن اتقى. وأنكرَ بعضُهم ذلك من قوله، وزعم أن الصفة لا بد لها من شيء تتعلق به، (18) لأنها لا تقوم بنفسها، ولكنها فيما زعم من صلة " قول " متروك، فكان معنى الكلام عنده " قلنا ": (19) " ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى "، وقام قوله: " ومن تأخر فلا إثم عليه "، مقامَ" القول ".وزعم بعضُ أهل العربية أنّ موضع طرْح الإثم في المتعجِّل، فجُعل في المتأخر= وهو الذي أدَّى ولم يقصر= مثل ما جُعل على المقصِّر، كما يقال في الكلام: " إن تصدقت سرًّا فحسنٌ، وإن أظهرتَ فحسنٌ"، وهما مختلفان، لأن المتصدق علانية إذا لم يقصد الرياء فحسن، وإن كان الإسرار أحسن.وليس في وصف حالتي المتصدقين بالحُسن وصف إحداهما بالإثم. وقد أخبر الله عز وجل عن النافرين بنفي الإثم عنهما، ومحال أن ينفي عنهما إلا ما كان في تركه الإثم على ما تأوَّله قائلو هذه المقالة. وفي إجماع الجميع على أنهما جميعًا لو تركا النفر وأقاما بمنىً لم يكونا آثمين، ما يدل على فساد التأويل الذي تأوله من حكينا عنه هذا القول.وقال أيضًا: فيه وجهٌ آخر، وهو معنى نهي الفريقين عن أن يُؤثِّم أحدُ الفريقين الآخر، كأنه أراد بقوله: " فلا إثم عليه "، لا يقل المتعجل للمتأخر: " أنت آثم "، ولا المتأخر للمتعجل: " أنت آثم "، بمعنى: فلا يؤثِّمنَّ أحدهما الآخر.وهذا أيضًا تأويل لقول جميع أهل التأويل مخالفٌ، وكفى بذلك شاهدًا على خطئه.* * *القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: واتقوا الله أيها المؤمنون فيما فَرض عليكما من فرائضه، فخافوه في تضييعها والتفريط فيها، وفيما نهاكم عنه في حجكم ومناسككما أن ترتكبوه أو تأتوه وفيما كلفكم في إحرامكم لحجكم أن تقصِّروا في أدائه والقيام به،" واعلموا أنكم إليه تحشرون "، فمجازيكم هو بأعمالكم- المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته- وموفٍّ كل نفس منكم ما عملت وأنتم لا تظلمون.---------------------الهوامش :(1) الأثر : 3887 -"محمد بن نافع البصري" هو محمد بن أحمد بن نافع العبدي القيسي أبو بكر بن نافع البصري مشهور بكنيته . مترجم في التهذيب"غندر" هو محمد بن جعفر الهذلي مولاهم أبو عبد الله البصري . مترجم في التهذيب .(2) الحديث : عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف : ثقة وثقه أحمد وغيره وتكلم فيه آخرون من قبل حفظه .والحديث رواه أحمد في المسند : 7134 عن هشيم بهذا الإسناد . ورواه أيضًا : 9008 (2 : 387 حلبي) عن عفان عن أبي عوانة عن عمر بن أبي سلمة .ورواه الطحاوي في معاني الآثار 1 : 428 من طريق سعيد بن منصور عن هشيم به .ولم ينفرد عمر بن أبي سلمة بروايته . فرواه ابن ماجه : 1719 من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة وقال البوصيري في زوائده : "إسناده صحيح على شرط الشيخين" .وسيأتي عقب هذا من رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة .(3) الحديث : 3912 - روح : هو ابن عبادة . صالح : هو ابن أبي الأخضر اليمامي . وهو ثقةن تكلموا في روايته عن الزهري بما ليس بقادح . وهو كان خادما لزهري فالظاهر أن يكون عرف عن الزهري ما لم يعرف غيره .والحديث رواه أحمد في المسند : 10674 ، 10930 (2 : 513 ، 535 حلبي) عن روح ابن عبادة بهذا الإسناد . وكذلك رواه الطحاوي 1 : 428 ونسباه للطبري فقط .وانظر ما مضى : 3471 وما يأتي : 3916 .(4) الحديث : 3913 - خالد : هو ابن مهران الحذاء . أبو قلابة : هو الجرمي عبد الله ابن زيد . أبو المليح : هو ابن أسامة الهذلي . وهذا إسناد صحيح ليست له علة .ويشهد له ما روى البخاري 4 : 211 (فتح) من طريق الزهري عن عروة عن عائشة - وعن سالم عن ابن عمر قالا : "لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدى" وهو مرفوع حكما -على الراجح- وإن كان لفظه لفظ الموقوف .وقد مضى معناه مرفوعا لفظا من وجه آخر ، عن الزهري عن سالم عن ابن عمر .وانظر الحديث التالي لهذا .(5) الحديث : 3914 - ابن أبي ليلى : هو محمد بن عبد الرحمن . عطاء : هو ابن أبي رباح وهذا إسناد حسن .والحديث رواه الطحاوي 1 : 428 من طريق سعيد بن منصور عن هشيم بهذا الإسناد . وذكره ابن كثير 1 : 475 ولم يذكر تخريجه . وذكره السيوطي 1 : 235 منسوبا للطبري فقط .(6) الحديث : 3915 - هذا إسناد مرسل لأن عمرو بن دينار تابعي . ولكن الحديث ورد من طريقه متصلا صحيحًا وكذلك من غير طريقه :فرواه أحمد في المسند : 15496 (3 : 415 حلبي) عن محمد بن جعفر عن شعبة عن عمرو بن دينار"عن نافع بن جبير بن مطعم عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه بعث بشر بن سحيم فأمره أن ينادي : ألا إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمن وإنها أيام أكل وشرب يعني أيام التشريق" .ورواه أحمد أيضًا بنحوه (4 : 235 حلبي) عن سريج عن حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن نافع بن جبير عن بشر بن سحيم . وكذلك رواه الطحاوي 1 : 429 عن ابن خزيمة عن حجاج بن منهال عن حماد بن زيد به .ورواه شعبة أيضًا عن حبيب بن أبي ثابت عن نافع بن جبير وروايته في مسند الطيالسي 1299 ومسند أحمد : 15497 (3 : 415 حلبي) والطحاوي 1 : 429 .وكذلك رواه سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن نافع بن جبير وروايته في المسند : 15495 (3 : 415 حلبي) وفيه أيضًا (4 : 235 حلبي) وسنن ابن ماجه : 1730 وقال البوصيري في زوائده : "رواه ابن خزيمة في صحيحه" . وكذلك رواه البيهقي 4 : 298 .(7) الحديث : 3916 - مضى بهذا الإسناد : 3471 .حكيم بن حكيم بفتح الحاء فيهما بن عباد بن حنيف : ثقة وثقه ابن حبان والعجلي وغيرهما وصحح له الترمذي وابن خزيمة . وترجمه البخاري في الكبير 2/1/17 وابن أبي حاتم 1/2/202 فلم يذكرا فيه جرحا .مسعود بن الحكم بن الربيع الزرقي الأنصاري المدني : تابعي ثقة يعد في جلة التابعين وكبارهم . وأمه صحابية معروفة .والحديث رواه ابن سعد في الطبقات 2/1/134 عن إسماعيل بن إبراهيم -وهو ابن علية- بهذا الإسناد .ورواه الحاكم في المستدرك 1 : 434- 435 من طريق أحمد بن حنبل عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق بهذا الإسناد . وقال الحاكم : "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" . ووافقه الذهبي .وهذا الإسناد -من طريق الإمام احمد : ليس من طريق رواية المسند بل من طريق آخر عنه ولم يذكر هذا الإسناد في المسند . ولكنه رواه بإسناد آخر :فرواه في المسند : 708 عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحاق : "حدثني عبد اله بن أبي سلمة عن مسعود بن الحكم الأنصاري ثم الزرقي عن أمه أنها حدثته . . . " فذكر الحديث . وهذا إسناد صحيح أيضًا . فلابن إسحاق فيه شيخان سمعه منهما : حكيم بن حكيم وعبد الله بن أبي سلمة الماجشون- كلاهما عن مسعود بن الحكم .وانظر أيضًا في المسند : 567 ، 821 ، 824 .(8) الأثر : 3931 - كان في المطبوعة"حدثنا علي قال حدثنا أبو صالح . . . " و"علي" تصحيف"المثنى" وهعو إسناد دائر في الطبري أقربه رقم : 2893 .(9) الأثر : 3944 - لم أجد"أسود بن سوادة القطان" ، ولعله"سوادة بن أبي الأسود القطان" وهو الذي يروي عنه أبو نعيمن واسمه"عبد الله" ويقال مسلم بن مخارق القطان . ترجمه في التهذيب .(10) الأثر : 3952 - في المطبوعة : "حدثنا علي ، قال حدثنا عبد الله" . وقوله"علي" تصحيف والصواب ما أثبتنا ، وانظر الأثر السالف رقم : 3931 والتعليق عليه .(11) الحديث : 3956 - عبد الله بن سعيد الكندي أبو سعيد الأشج : ثقة حافظ من شيوخ أصحاب الكتب الستة . أبو خالد الأحمر : هو سليمان بن حيان -بالياء التحتية- الأزدي وهو ثقة من شيوخ أحمد وإسحاق أخرج له جماعة . عمرو بن قيس : هو الملائي . عاصم : هو ابن أبي النجود . شقيق : هو ابن سلمة أبو وائل الأسدي عبد الله : هو ابن مسعود .والحديث رواه احمد في المسند : 3669 عن أبي خالد الأحمر بهذا الإسناد ورواه الترمذي 2 : 78 والنسائي 2 : 4- كلاهما من طريق أبي خالد الأحمر .وذكره السيوطي 1 : 211 وزاد نسبته لابن أبي شيبة وابن خزيمة وابن حبان .الكير : زق أو جلد غليظ ذو حافات ينفخ فيه الحداد ، ليؤرث النار . وخبث الحديد وغيره : هو ما ينفيه الكير والنار من الحديد إذا أذيب وهو ما لا خير فيه منه .(12) الحديث : 3957 - وهذا إسناد آخر صحيح لهذا الحديث لم أجده عند غير الطبري . وهو يدل على أن عاصم بن أبي النجود رواه عن شيخين ، هما أبو وائل وزر بن حبيش- : كلاهما عن ابن مسعود .(13) الحديث : 3958 - عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب : ضعيف وقد بينا ضعفه في شرح المسند : 128 ، 5229 .والحديث رواه ابن ماجه : 2887 بإسنادين من طريق ابن عيينة ومن طريق عبيد الله بن عمر- كلاهما عن عاصم بن عبيد الله . وقال البوصيري في زوائده : "مدار الإسنادين على عاصم ابن عبيد الله ، وهو ضعيف . والمتن صحيح من حديث ابن مسعود رواه الترمذي والنسائي" ، يريد الحديثين السابقين .وذكره السيوطي 1 : 211 وزاد لابن أبي شيبة ، والبيهقي .(14) الحديث : 3959 - إبراهيم بن سعيد هو الجوهري . مضى في : 3355 . سعد بن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله الأنصاري المدني : ضعفه ابن حبان جدا وقال ابن معين : "ليس به بأس" . والذي أرجحه أنه ثقة ، فإن البخاري ترجمه في الكبير 2/2/62 فلم يذكر فيه حرجا ولم يذكره هو ولا النسائي في الضعفاء وترجمه ابن أبي حاتم 2/1/92 فلم يجرحه أيضًا .صالح مولى التوأمة : هو صالح بن نبهان ، مضى في 1020 تصحيح رواية من سمع منه قديما قبل تغير حفظه . وموسى بن عقبة سمع منه قديما ، كما بينا في شرح المسند : 2604 .وهذا الحديث . بهذا الإسناد - لم أجده في موضع آخر من المراجع من حديث ابن عباس . ومعناه ثابت في أحاديث أخر صحاح . انظر الترغيب والترهيب 2 : 105- 113 ومجمع الزوائد 3 : 207- 209 ، 274- 277 ، وانظر ما سلف من رقم : 3718- 3728 .(15) قوله : "حرجًا" على وزن"فرح" بمعنى آثم وقد مضى في الجزء 2 : 423 استعمال هذه الصيغة وعلقت عليه أن أهل اللغة ينكرون ذلك ويقولون بل هو"حارج" ولقد أعاد الطبري استعمالها هنا مرة أخرى ، ورأيت أيضًا القاضي الباقلاني قد استعملها في كتابه التمهيد ص : 221 ، فقال : " . . . لم يكن الإمام بذلك مأثومًا ولا حرجًا" وكأني رأيت الشافعي قد استعملها أيضًا في الأم ، ولكن ذهب عني مكانها .(16) في المطبوعة : "الرواية المروية" ورددتها إلى عبارة الطبري التي يكثر استعمالها ، انظر ما سلف 4 : 33ن س : 19 وفي مواضع كثيرة لم استطع أن أجدها الآن .(17) الحديث : 3960 - هناد بن السري الدارمي : مضت ترجمته : 2058 . وقد نسب هنا حنظليا كما نسبه البخاري في الكبير . وكلاهما صحيح فهو من بني"دارم بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم" . انظر جمهرة ابن حزم ص : 211 ، 217 .حجاج : هو ابن أرطأة وهو ثقة على الراجح عندنا كما ذكرنا في : 2299 .وقد روى الحجاج هذا الحديث بإسنادين : فرواه عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة ، وهي بنت عبد الرحمن -وهي خالة أبي بكر بن حزم- عن عائشة وذكر لفظ الحديث . ثم رواه عن الزهري عن عمرة عن عائشة"مثله" . فلم يذكر لفظه . وهذا من تحري الحجاج بن أرطأة ودققه كما سيبين مما يجيء .فالحديث -من رواية أبي بكر بن حزم- رواه أحمد في المسند 6 : 143 (حلبي) عن يزيد ابن هارون عن الحجاج بهذا الإسناد نحوه . ولكن ليس فيه كلمة"وذبحتم" . وكذلك رواه البيهقي في السنن الكبرى 5 : 136 من طريق مالك بن يحيى عن يزيد بن هارون ، ثم قال : "ورواه محمد بن أبي بكر ، عن يزيد بن هارون فزاد فيه : وذبحتم فقد حل لكم كل شيء ، الطيب والثياب إلا النساء" . ثم ذكر البيهقي إسناده به إلى محمد بن أبي بكر . ثم أعله البيهقي وسنذكر ما قال والجواب عنه ، إن شاء الله .وقد سها السيوطي ، حين ذكر هذا الحديث في زوائد الجامع الصغير (1 : 117 من الفتح الكبير) فنسبه لصحيح مسلم -مع البيهقي) وهذا خطأ يقينا ، فإنه ليس في صحيح مسلم .وأما من رواية الحجاج عن الزهري : فرواه أبو داود في السنن : 1978 عن مسدد عن عبد الواحد بن زياد عن الحجاج عن الزهري عن عمرة عن عائشة مرفوعا بلفظ : "إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء" . ثم أعله أبو داود فقال : "هذا حديث ضعيف . والحجاج لم ير الزهري ولم يسمع منه" . وهذا تعليل جيد من أبي داود فقد روى ابن أبي حاتم في كتاب المراسيل ص : 18 بإسناده عن هشيم قال : "قال لي الحجاج بن أرطأة : سمعت من الزهري؟ قلت : نعم قال : لكني لم أسمع منه شيئًا" .وأما البيهقي فإنه أعلى رواية الحجاج عن أبي بكر بن حزم تعليلا لا أراه مستقيما . قال عقب روايته : "وهذا من تخليطات الحجاج بن أرطأة وإنما الحديث عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه سائر الناس عن عائشة" . ثم ذكر حديثها قالت : "طيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه حين أحرم ، ولحله قبل أن يفيض -بأطيب ما وجدت من الطيب" . وهو حديث صحيح رواه مسلم .وما نرى إعلال ذاك بهذا هذا حديث فعلي ، من حكاية عائشة وذاك حديث قولي من روايتها عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وكل منهما مؤيد لصحة الآخر ، فأتى يستقيم التعليل؟وقد ورد نحو هذا الحديث أيضًا من حديث ابن عباس مرفوعا : "إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء" . رواه أحمد في المسند : 2090 ، 3204 ، 3491 . ولكنه بإسناد منقطع لأنه من رواية الحسن العرني عن ابن عباس . وهو لم يسمع من ابن عباس كما قال البخاري في الصغير ص 136 . ولكنه يصلح على كل حال شاهدا لهذا الحديث .(18) الصفة : هي حرف الجر وهي حروف الصفات وانظر ما سلف 1 : 299 تعليق : 1 ثم 3 : 475 تعليق : 1 .(19) في المطبوعة : "فكان معنى الكلام عنده"ما قلنا" بزيادة"ما" وهو خطأ بين بدل عليه سياق هذا التأويل .
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ ٢٠٤التفسير الميسروبعض الناس من المنافقين يعجبك -أيها الرسول- كلامه الفصيح الذي يريد به حظًّا من حظوظ الدنيا لا الآخرة، ويحلف مستشهدًا بالله على ما في قلبه من محبة الإسلام، وفي هذا غاية الجرأة على الله، وهو شديد العداوة والخصومة للإسلام والمسلمين.
تفسير السعديلما أمر تعالى بالإكثار من ذكره, وخصوصا في الأوقات الفاضلة الذي هو خير ومصلحة وبر, أخبر تعالى بحال من يتكلم بلسانه ويخالف فعله قوله, فالكلام إما أن يرفع الإنسان أو يخفضه فقال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أي: إذا تكلم راق كلامه للسامع، وإذا نطق, ظننته يتكلم بكلام نافع, ويؤكد ما يقول بأنه وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ بأن يخبر أن الله يعلم, أن ما في قلبه موافق لما نطق به, وهو كاذب في ذلك, لأنه يخالف قوله فعله. فلو كان صادقا, لتوافق القول والفعل, كحال المؤمن غير المنافق, فلهذا قال: وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ أي: إذا خاصمته, وجدت فيه من اللدد والصعوبة والتعصب, وما يترتب على ذلك, ما هو من مقابح الصفات, ليس كأخلاق المؤمنين, الذين جعلوا السهولة مركبهم, والانقياد للحق وظيفتهم, والسماحة سجيتهم.
تفسير ابن كثيرقال السدي : نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي ، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأظهر الإسلام وفي باطنه خلاف ذلك . وعن ابن عباس : أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خبيب وأصحابه الذين قتلوا بالرجيع وعابوهم ، فأنزل الله في ذم المنافقين ومدح خبيب وأصحابه : ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله )وقيل : بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم . وهذا قول قتادة ، ومجاهد ، والربيع بن أنس ، وغير واحد ، وهو الصحيح .وقال ابن جرير : حدثني يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني الليث بن سعد ، عن خالد بن يزيد ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن القرظي ، عن نوف وهو البكالي ، وكان ممن يقرأ الكتب قال : إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل : قوم يحتالون على الدنيا بالدين ، ألسنتهم أحلى من العسل ، وقلوبهم أمر من الصبر ، يلبسون للناس مسوك الضأن ، وقلوبهم قلوب الذئاب . يقول الله تعالى : فعلي يجترئون ! وبي يغترون ! حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيران . قال القرظي : تدبرتها في القرآن ، فإذا هم المنافقون ، فوجدتها : ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه ) الآية .وحدثني محمد بن أبي معشر ، أخبرني أبي أبو معشر نجيح قال : سمعت سعيدا المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي ، فقال سعيد : إن في بعض الكتب : إن [ لله ] عبادا ألسنتهم أحلى من العسل ، وقلوبهم أمر من الصبر ، لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين ، يجترون الدنيا بالدين . قال الله تعالى : علي تجترئون ! وبي تغترون ! . وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران . فقال محمد بن كعب : هذا في كتاب الله . فقال سعيد : وأين هو من كتاب الله ؟ قال : قول الله : ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ) الآية . فقال سعيد : قد عرفت فيمن أنزلت هذه الآية . فقال محمد بن كعب : إن الآية تنزل في الرجل ، ثم تكون عامة بعد . وهذا الذي قاله القرظي حسن صحيح .وأما قوله : ( ويشهد الله على ما في قلبه ) فقرأه ابن محيصن : " ويشهد الله " بفتح الياء ، وضم الجلالة ( على ما في قلبه ) ومعناها : أن هذا وإن أظهر لكم الحيل لكن الله يعلم من قلبه القبيح ، كقوله تعالى : ( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) [ المنافقون : 1 ] .وقراءة الجمهور بضم الياء ، ونصب الجلالة ( ويشهد الله على ما في قلبه ) ومعناه : أنه يظهر للناس الإسلام ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق ، كقوله تعالى : ( يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله ) الآية [ النساء : 108 ] هذا معنى ما رواه ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس .وقيل : معناه أنه إذا أظهر للناس الإسلام حلف وأشهد الله لهم : أن الذي في قلبه موافق للسانه . وهذا المعنى صحيح ، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، واختاره ابن جرير ، وعزاه إلى ابن عباس ، وحكاه عن مجاهد ، والله أعلم .وقوله : ( وهو ألد الخصام ) الألد في اللغة : [ هو ] الأعوج ، ( وتنذر به قوما لدا ) [ مريم : 97 ] أي : عوجا . وهكذا المنافق في حال خصومته ، يكذب ، ويزور عن الحق ولا يستقيم معه ، بل يفتري ويفجر ، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر " .وقال البخاري : حدثنا قبيصة ، حدثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة ترفعه قال : " أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم " .قال : وقال عبد الله بن يزيد : حدثنا سفيان ، حدثني ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم " .وهكذا رواه عبد الرزاق ، عن معمر في قوله : ( وهو ألد الخصام ) عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم " .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصامالأولى : قوله تعالى : ومن الناس من يعجبك قوله لما ذكر الذين قصرت همتهم على الدنيا - في قوله : فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا - والمؤمنين الذين سألوا خير الدارين ذكر المنافقين لأنهم أظهروا الإيمان وأسروا الكفر . قال السدي وغيره من المفسرين : نزلت في الأخنس بن شريق ، واسمه أبي ، والأخنس لقب لقب به ؛ لأنه خنس يوم بدر بثلاثمائة رجل من حلفائه من بني زهرة عن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على ما يأتي في " آل عمران " بيانه . وكان رجلا حلو القول والمنظر ، فجاء بعد ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأظهر الإسلام وقال : الله يعلم أنى صادق ، ثم هرب بعد ذلك ، فمر بزرع لقوم من المسلمين وبحمر فأحرق الزرع وعقر الحمر . قال المهدوي : وفيه نزلت ولا تطع كل حلاف مهين . هماز مشاء بنميم و ويل لكل همزة لمزة . قال ابن عطية : ما ثبت قط أن الأخنس أسلم . وقال ابن عباس : ( نزلت في قوم من المنافقين تكلموا في الذين قتلوا في غزوة الرجيع : عاصم بن ثابت ، وخبيب ، وغيرهم ، وقالوا : ويح هؤلاء القوم ، لا هم قعدوا في بيوتهم ، ولا هم أدوا رسالة صاحبهم ) ، فنزلت هذه الآية في صفات المنافقين ، ثم ذكر المستشهدين في غزوة الرجيع في قوله : ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله . وقال قتادة ومجاهد وجماعة من العلماء : نزلت في كل مبطن كفرا أو نفاقا أو كذبا أو إضرارا ، وهو يظهر بلسانه خلاف ذلك ، فهي عامة ، وهي تشبه ما ورد في الترمذي أن في بعض كتب الله تعالى : إن من عباد الله قوما ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر ، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين ، يشترون الدنيا بالدين ، يقول الله تعالى : أبي يغترون ، وعلي يجترئون ، فبي حلفت لأتيحن لهم فتنة تدع الحليم منهم حيرانا . ومعنى ويشهد الله أي يقول : الله يعلم أني أقول حقا . وقرأ ابن محيصن ويشهد الله على ما في قلبه بفتح الياء والهاء في " يشهد " ، " الله " بالرفع ، والمعنى يعجبك قوله ، والله يعلم منه خلاف ما قال . دليله قوله : والله يشهد إن المنافقين لكاذبون . وقراءة ابن عباس : " والله يشهد على ما في قلبه " . وقراءة الجماعة أبلغ في الذم ؛ لأنه قوي على نفسه التزام الكلام الحسن ، ثم ظهر من باطنه خلافه . وقرأ أبي وابن مسعود : " ويستشهد الله على ما في قلبه " وهي حجة لقراءة الجماعة .الثانية : قال علماؤنا : وفي هذه الآية دليل وتنبيه على الاحتياط فيما يتعلق بأمور الدين والدنيا ، واستبراء أحوال الشهود والقضاة ، وأن الحاكم لا يعمل على ظاهر أحوال الناس وما يبدو من إيمانهم وصلاحهم حتى يبحث عن باطنهم ؛ لأن الله تعالى بين أحوال الناس ، وأن منهم من يظهر قولا جميلا وهو ينوي قبيحا .فإن قيل : هذا يعارضه قوله عليه السلام : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله الحديث ، وقوله : فأقضي له على نحو ما أسمع ، فالجواب أن هذا كان في صدر الإسلام ، حيث كان إسلامهم سلامتهم ، وأما وقد عم الفساد فلا ، قاله ابن العربي .قلت : والصحيح أن الظاهر يعمل عليه حتى يتبين خلافه ، لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صحيح البخاري : أيها الناس ، إن الوحي قد انقطع ، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم ، فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه ، وليس لنا من سريرته شيء ، الله يحاسبه في سريرته ، ومن أظهر لنا سوءا لم نؤمنه ولم نصدقه ، وإن قال إن سريرته حسنة .الثالثة : قوله تعالى : وهو ألد الخصام الألد : الشديد الخصومة ، وهو رجل ألد ، وامرأة لداء ، وهم أهل لدد . وقد لددت - بكسر الدال - تلد - بالفتح - لددا ، أي صرت ألد . ولددته - بفتح الدال - ألده - بضمها - إذا جادلته فغلبته . والألد مشتق من اللديدين ، وهما صفحتا العنق ، أي في أي جانب أخذ من الخصومة غلب . قال الشاعر :وألد ذي حنق علي كأنما تغلي عداوة صدره في مرجلوقال آخر :إن تحت التراب عزما وحزما وخصيما ألد ذا مغلاقو الخصام في الآية مصدر خاصم ، قاله الخليل . وقيل : جمع خصم ، قاله الزجاج ، ككلب وكلاب ، وصعب وصعاب ، وضخم وضخام . والمعنى أشد المخاصمين خصومة ، أي هو ذو جدال ، إذا كلمك وراجعك رأيت لكلامه طلاوة وباطنه باطل . وهذا يدل على أن الجدال لا يجوز إلا بما ظاهره وباطنه سواء . وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِقال أبو جعفر: وهذا نعت من الله تبارك وتعالى للمنافقين، بقوله جل ثناؤه: ومن الناس من يعجبك يا محمد ظاهرُ قوله وعلانيته، ويستشهد الله على ما في قلبه، وهو ألدُّ الخصام، جَدِلٌ بالباطل.* * *ثم اختلف أهل التأويل فيمن نزلت فيه هذه الآية.فقال بعضهم. نزلت في الأخنس بن شرِيق، قدِم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزعم أنه يريد الإسلام، وحلف أنه ما قدم إلا لذلك، ثم خرج فأفسد أموالا من أموال المسلمين.* ذكر من قال ذلك:3961 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي : " ومن الناس من يُعجبك قولُه في الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما في قلبه وهو ألدُّ الخصام " ، قال: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي- وهو حليفٌ لبني زُهرة- وأقبل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فأظهر له الإسلام، فأعجبَ النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك منه، وقال: إنما جئت أريد الإسلام، والله يعلم أنّي صادق!= وذلك قوله: " ويشهد الله على ما في قلبه "= ثم خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم فمرَّ بزرع لقوم من المسلمين وُحُمر، فأحرق الزرع، وعقر الحُمُرُ، فأنزل الله عز وجل: وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ . وأما " ألد الخصام " فأعوجُ الخصام، وفيه نزلت: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة: 1] ونزلت فيه: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ إلى عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ [القلم: 10-13] (20)* * *وقال آخرون: بل نزل ذلك في قوم من أهل النفاق تكلموا في السرية التي أصيبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرَّجيع.* ذكر من قال ذلك:3962 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن أبى إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما أصيبت هذه السرية أصحاب خُبَيْب بالرجيع بين مكة والمدينة، فقال رجال من المنافقين: يا ويح هؤلاء المقتولين الذين هلكوا هكذا! (21) لا هم قعدوا في بيوتهم، ولا هم أدَّوْا رسالة صاحبهم! فأنزل الله عز وجلّ في ذلك من قول المنافقين، وما أصاب أولئك النفر في الشهادة والخير من الله: " ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا " = أي: ما يُظهر بلسانه من الإسلام =" ويشهد الله على ما في قلبه " = أي من النفاق- (22) " وهو ألد الخصام " أي: ذو جدال إذا كلمك وراجعك = وَإِذَا تَوَلَّى - أي: خرج من عندك= سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ - أي: لا يحبّ عمله ولا يرضاه= وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ = الذين شروا أنفسهم لله بالجهاد في سبيل الله والقيام بحقه، حتى هلكوا على ذلك- يعني هذه السرّية.3963 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة مولى ابن عباس- أو: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس- قال: لما أصيبت السرية التي كان فيها عاصم ومرْثد بالرَّجيع، قال رجال من المنافقين:- ثم ذكر نحو حديث أبي كريب. (23)* * *وقال آخرون: بل عنى بذلك جميعَ المنافقين، وعنى بقوله: " ومن الناس من يُعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما في قلبه "، اختلافَ سريرته وعلانيته.* ذكر من قال ذلك:3964 - حدثني محمد بن أبي معشر، قال: أخبرني أبى أبو معشر نجيح، قال: سمعت سعيدًا المقبري يذاكر محمد بن كعب، فقال سعيد: إنّ في بعض الكتب أن لله عبادًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرُّ من الصَّبِر، لبسوا للناس مسوكَ الضأن من اللين، (24) يجترُّون الدنيا بالدين، قال الله تبارك وتعالى: أعليّ يجترئون، وبي يغترُّون!! وعزتي لأبعثنّ عليهم فتنة تترك الحليمَ منهم حيران !! فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله جل ثناؤه. فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله ؟ قال: قول الله عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ فقال سعيد: قد عرفتَ فيمن أنزلت هذه الآية ! فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل، ثم تكون عامة بعدُ.3965 - حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن القرظي، عن نَوْفٍ- وكان يقرأ الكتب- قال: إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل: " قومٌ يجتالون الدنيا بالدين، (25) ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرُّ من الصَّبر، يلبسون للناس لباسَ مُسوك الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب، فعليّ يجترئون! وبي يغترُّون! حلفت بنفسي لأبعثنّ عليهم فتنةً تترك الحليم فيهم حيران ". قال القرظي: تدبرتها في القرآن فإذا هم المنافقون، فوجدتها: " ومن الناس من يُعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام "، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ (26) [الحج: 11]3966 - وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن قتادة قوله: " ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما في قلبه " قال: هو المنافق.3967 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى،عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ومن الناس من يُعجبك قوله "، قال: علانيته في الدنيا، ويُشهد الله في الخصومة، إنما يريد الحق.3968 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " ومن الناس من يُعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام "، قال: هذا عبد كان حسن القول سيئ العمل، يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحسن له القول، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا .3969 - وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: " ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه "، قال. يقول قولا في قلبه غيره، والله يعلم ذلك.* * *وفي قوله: " ويُشهد الله على ما في قلبه "، وجهان من القراءة: فقرأته عامة القرأة: " ويُشهد الله على ما في قلبه "، بمعنى أن المنافق الذي يُعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم قولُه، يستشهدُ الله على ما في قلبه، أن قوله موافقٌ اعتقادَه، وأنه مؤمن بالله ورسوله وهو كاذب. كما:-3970 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " ومن الناس من يُعجبك قوله في الحياة الدنيا " إلى وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ، كان رجلٌ يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: أي رسول الله أشهد أنك جئت بالحق والصدق من عند الله ! قال: حتى يُعجب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله. ثم يقول: أما والله يا رسولَ الله ، إنّ الله ليعلم ما في قلبي مثلُ ما نطق به لساني! فذلك قوله: " ويُشهد الله على ما في قلبه " . قال: هؤلاء المنافقون، وقرأ قول الله تبارك وتعالى: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ حتى بلغ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون: 1] بما يشهدون أنك رسول الله.* * *وقال السدي: " ويُشهد الله على ما في قلبه "، يقول: الله يعلم أني صادق، أني أريد الإسلام.3971 - حدثني بذلك موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، عن أسباط.* * *وقال مجاهد: ويُشهد الله في الخصومة، إنما يريد الحق.3972 - حدثني بذلك محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عنه.* * *وقرأ ذلك آخرون: ( وَيَشْهَدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ ) بمعنى: والله يشهد على الذي في قلبه من النفاق، وأنه مضمرٌ في قلبه غير الذي يُبديه بلسانه وعلى كذبه في قلبه. وهي قراءة ابن مُحَيْصن، وعلى ذلك المعنى تأوله ابن عباس. وقد ذكرنا الرواية عنه بذلك فيما مضى في حديث أبي كريب، عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق الذي ذكرناه آنفًا. (27)* * *والذي نختار في ذلك من قول القرأة قراءة من قرأ: " ويشهد الله على ما في قلبه "، بمعنى يستشهد الله على ما في قلبه، لإجماع الحجة من القرأةِ عليه.* * *القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204)قال أبو جعفر: " الألد " من الرجال: الشديد الخصومة، يقال في" فعلت " منه: " قد لَدَدْتَ يا هذا، ولم تكن ألدَّ، فأنت تلُدُّ لَدَدًا ولَدَادةً". (28) فأما إذا غلب من خاصمه، فإنما يقال فيه: " لدَدْت يا فلانُ فلانًا فأنت تَلُدُّه لَدًّا، ومنه قول الشاعر:ثُمَّ أُرَدِّي بِهِمُ من تُرْدِيتَلُدُّ أقْرَانَ الخُصُومِ اللُّدِّ (29)* * *قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.فقال بعضهم: تأويله: أنه ذو جدال.* ذكر من قال ذلك:3973 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: " وهو ألد الخصام "، أي: ذو جدال، إذا كلمك وراجعك. (30)3974 - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وهو ألد الخصام "، يقول: شديد القسوة في معصية الله جَدِلٌ بالباطل، وإذا شئتَ رأيته عالم اللسان جاهلَ العمل، يتكلم بالحكمة، ويعمل بالخطيئة.3975 - حدثنا الحسن بن يحيى. قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " وهو ألد الخصام "، قال: جَدِلٌ بالباطل.* * *وقال آخرون: معنى ذلك أنه غير مستقيم الخصومة، ولكنه معوَجُّها.* ذكر من قال ذلك:3976 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وهو ألد الخصام "، قال: ظالم لا يستقيم.3977 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قال: " الألدُّ الخصام "، الذي لا يستقيم على خصومة.3978 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " ألد الخصام "، أعوجُ الخصام. (31)* * *قال، أبو جعفر: وكلا هذين القولين متقاربُ المعنى، لأن الاعوجاجَ في الخصومة من الجدال واللدد.* * *وقال آخرون: معنى ذلك: وهو كاذبٌ في قوله.* ذكر من قال ذلك:3979 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا وكيع، عن بعض أصحابه، عن الحسن، قال: " الألد الخصام "، الكاذب القول.* * *وهذا القول يحتمل أن يكون معناه معنى القولين الأولين إن كان أراد به قائله أنه يخاصم بالباطل من القول والكذب منه جدلا واعوجاجًا عن الحق.* * *وأما " الخصام " فهو مصدر من قول القائل: " خاصمت فلانًا خصامًا ومخاصمة ".* * *وهذا خبر من الله تبارك وتعالى عن المنافق الذي أخبر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أنه يُعجبه إذا تكلم قِيلُه ومنطقه، ويستشهد الله على أنه محقّ في قيله ذلك، لشدة خصومته وجداله بالباطل والزور من القول.-------الهوامش :(20) الأثر رقم : 3961 - لم يذكر الطبري في تفسير"سورة الهمزة" و"سورة القلم" هذا الخبر من أن الآيتين نزلتا في الأخنس بن شريق . وهذا دليل آخر على صدق ما أخبروا به عنه أنه قد اختصر هذا التفسير اختصارًا كبيرًا ، كما جاء في أخباره .وسيأتي بعض هذا الاثر برقم : 3978 .(21) في المطبوعة : "هؤلاء المقتولين" . والصواب من سيرة ابن هشام . وبعد هذا في ابن هشام : "لا هم قعدوا في أهليهم" .(22) مكان هذا التفسير في نص ابن هشام : "وهو مخالف لما يقول بلسانه" .(23) الأثر : 3962 ، 3963 - سيرة ابن هشام 3 : 183- 184 وسيأتي بعضه برقم 3973ن ثم رقم : 3980 .(24) الصبر (بفتح الصاد وكسر الباء) : عصارة شجر مر . والمسوك جمع مسك (بفتح فسكون) : الجلد جلد الغنم وغيرها .(25) في الأصل : "يحتالون" والصواب ما أثبت . اجتال الرجل الشيء : إذا ذهب به وطرده وساقه . واجتال الجيش أموالهم : ذهب بها .(26) الأثر : 3965 - خالد بن يزيد الجمحي أبو عبد الرحيم المصري كان فقيها مفتيا . ثقة مات سنة 139 . مترجم في التهذيب . و"نوف" هو نوف بن فضالة الحميري البكالي ، كان ثقة رواية للقصص وهو ابن امرأة كعب الأحبار ، مات ما بين التسعين إلى المئة . مترجم في التهذيب .(27) انظر رقم : 3962 .(28) قوله : "لدادة" مصدر لم أجده في كتب اللغة التي بين يدي .(29) لم أعرف قائله . والبيت الثاني في اللسان (لدد) روايته"ألد أقران" . والبيتان جميعا في معاني القرآن للفراء 1 : 123 بتقديم البيت الثاني على الأول ، وروايته :"اللُّدّ أقران الرجال اللُّدِّ"وكأنه تصحيف وخطأ وصوابه"ألد" كما في اللسان . وكان في الطبري"ثم أردى وبهم . . " بزيادة واو ، والصواب ما في معاني القرآن .(30) هو بعض الأثر السالف رقم : 3962 .(31) هو بعض الأثر السالف رقم : 3961 .
وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ ٢٠٥التفسير الميسروإذا خرج من عندك أيها الرسول، جَدَّ ونَشِط في الأرض ليفسد فيها، ويتلف زروع الناس، ويقتل ماشيتهم. والله لا يحب الفساد.
تفسير السعدي وَإِذَا تَوَلَّى هذا الذي يعجبك قوله إذا حضر عندك سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا أي: يجتهد على أعمال المعاصي, التي هي إفساد في الأرض وَيُهْلِكَ بسبب ذلك الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ فالزروع والثمار والمواشي, تتلف وتنقص, وتقل بركتها, بسبب العمل في المعاصي، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وإذا كان لا يحب الفساد, فهو يبغض العبد المفسد في الأرض, غاية البغض, وإن قال بلسانه قولا حسنا. ففي هذه الآية دليل على أن الأقوال التي تصدر من الأشخاص, ليست دليلا على صدق ولا كذب, ولا بر ولا فجور حتى يوجد العمل المصدق لها, المزكي لها وأنه ينبغي اختبار أحوال الشهود, والمحق والمبطل من الناس, بسبر أعمالهم, والنظر لقرائن أحوالهم, وأن لا يغتر بتمويههم وتزكيتهم أنفسهم.
تفسير ابن كثيروقوله : ( وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ) أي : هو أعوج المقال ، سيئ الفعال ، فذلك قوله ، وهذا فعله : كلامه كذب ، واعتقاده فاسد ، وأفعاله قبيحة .والسعي هاهنا هو : القصد . كما قال إخبارا عن فرعون : ( ثم أدبر يسعى فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ) [ النازعات : 2226 ] ، وقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ) [ الجمعة : 9 ] أي : اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة ، فإن السعي الحسي إلى الصلاة منهي عنه بالسنة النبوية : " إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ، وأتوها وعليكم السكينة والوقار " .فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض ، وإهلاك الحرث ، وهو : محل نماء الزروع والثمار والنسل ، وهو : نتاج الحيوانات الذين لا قوام للناس إلا بهما .وقال مجاهد : إذا سعى في الأرض فسادا ، منع الله القطر ، فهلك الحرث والنسل . ( والله لا يحب الفساد ) أي : لا يحب من هذه صفته ، ولا من يصدر منه ذلك .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفسادوقوله تعالى : وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها قيل : " تولى وسعى " من فعل القلب ، فيجيء " تولى " بمعنى ضل وغضب وأنف في نفسه . و " سعى " أي سعى بحيلته وإرادته الدوائر على الإسلام وأهله ، عن ابن جريج وغيره . وقيل : هما فعل الشخص ، فيجيء تولى بمعنى أدبر وذهب عنك يا محمد . و سعى أي بقدميه فقطع الطريق وأفسدها ، عن ابن عباس وغيره . وكلا السعيين فساد . يقال : سعى الرجل يسعى سعيا ، أي عدا ، وكذلك إذا عمل وكسب . وفلان يسعى على عياله أي يعمل في نفعهم .قوله تعالى : " ويهلك " عطف على " ليفسد " . وفي قراءة أبي " وليهلك " . وقرأ الحسن وقتادة " ويهلك " بالرفع ، وفي رفعه أقوال : يكون معطوفا على " يعجبك " . وقال أبو حاتم : هو معطوف على " سعى " لأن معناه يسعى ويهلك ، وقال أبو إسحاق : وهو يهلك . وروي عن ابن كثير " ويهلك " بفتح الياء وضم الكاف ، " الحرث والنسل " مرفوعان ب " يهلك " ، وهي قراءة الحسن وابن أبي إسحاق وأبي حيوة وابن محيصن ، ورواه عبد الوارث عن أبي عمرو . وقرأ قوم " ويهلك " بفتح الياء واللام ، ورفع الحرث ؛ لغة هلك يهلك ، مثل ركن يركن ، وأبى يأبى ، وسلى يسلى ، وقلى يقلى ، وشبهه . والمعني في الآية الأخنس في إحراقه الزرع وقتله الحمر ، قاله الطبري . قال غيره : ولكنها صارت عامة لجميع الناس ، فمن عمل مثل عمله استوجب تلك اللعنة والعقوبة . قال بعض العلماء : إن من يقتل حمارا أو يحرق كدسا استوجب الملامة ، ولحقه الشين إلى يوم القيامة . وقال مجاهد : المراد أن الظالم يفسد في الأرض فيمسك الله المطر فيهلك الحرث والنسل . وقيل : الحرث النساء ، والنسل الأولاد ، وهذا لأن النفاق يؤدي إلى تفريق الكلمة ووقوع القتال ، وفيه هلاك الخلق ، قال معناه الزجاج . والسعي في الأرض المشي بسرعة ، وهذه عبارة عن إيقاع الفتنة والتضريب بين الناس ، والله أعلم .وفي الحديث : إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده . وسيأتي بيان هذا إن شاء الله تعالى .قوله تعالى : الحرث والنسل الحرث في اللغة : الشق ، ومنه المحراث لما يشق به الأرض . والحرث : كسب المال وجمعه ، وفى الحديث : احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا . والحرث الزرع . والحراث الزراع . وقد حرث واحترث ، مثل زرع وازدرع ويقال : احرث القرآن ، أي ادرسه . وحرثت الناقة وأحرثتها ، أي سرت عليها حتى هزلت وحرثت النار حركتها . والمحراث : ما يحرك به نار التنور ، عن الجوهري . والنسل : ما خرج من كل أنثى من ولد . وأصله الخروج والسقوط ، ومنه نسل الشعر ، وريش الطائر ، والمستقبل ينسل ، ومنه إلى ربهم ينسلون ، من كل حدب ينسلون وقال امرؤ القيس :وإن كنت قد ساءتك مني خليقة فسلي ثيابي من ثيابك تنسلقلت : ودلت الآية على الحرث وزراعة الأرض ، وغرسها بالأشجار حملا على الزرع ، وطلب النسل ، وهو نماء الحيوان ، وبذلك يتم قوام الإنسان . وهو يرد على من قال بترك الأسباب ، وسيأتي بيانه في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى .قوله تعالى : والله لا يحب الفساد قال العباس بن الفضل : الفساد هو الخراب . وقال سعيد بن المسيب : قطع الدراهم من الفساد في الأرض . وقال عطاء : إن رجلا يقال له عطاء بن منبه أحرم في جبة فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزعها . قال قتادة : قلت لعطاء : إنا كنا نسمع أن يشقها ، فقال عطاء : إن الله لا يحب الفساد .قلت : والآية بعمومها تعم كل فساد كان في أرض أو مال أو دين ، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى . قيل : معنى لا يحب الفساد أي لا يحبه من أهل الصلاح ، أو لا يحبه دينا . ويحتمل أن يكون المعنى لا يأمر به ، والله أعلم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَاقال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " وإذا تولى " ، وإذا أدبر هذا المنافق من عندك يا محمد منصرفًا عنك. (32) كما:-3980 - حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال حدثني محمد بن أبي محمد قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: " وإذا تولى "، قال: يعني: وإذا خرج من عندك " سعى ". (33)* * *وقال بعضهم: وإذا غضب.* ذكر من قال ذلك:3981 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج قال: قال ابن جريج في قوله: " وإذا تولى "، قال: إذا غضب.* * *فمعنى الآية: وإذا خرَج هذا المنافق من عندك يا محمد غضْبان، عَمل في الأرض بما حرَّم الله عليه، وحاول فيها معصيةَ الله، وقطعَ الطريق وإفسادَ السبيل على عباد الله، كما قد ذكرنا آنفًا من فعل الأخنس بن شريق الثقفي، الذي ذكر السدي أن فيه نزلت هذه الآية، من إحراقه زرع المسلمين وقتله حُمرهم. (34)* * *و " السعي" في كلام العرب العمل، يقال منه: " فلان يسعى على أهله "، يعني به: يعمل فيما يعود عليهم نفعه، ومنه قول الأعشى:وَسَعَى لِكِنْدَةَ سَعْيَ غَيْرِ مُوَاكِلٍقَيْسٌ فَضَرَّ عَدُوَّها وَبَنَى لَهَا (35)يعني بذلك: عمل لهم في المكارم.* * *وكالذي قلنا في ذلك كان مجاهد يقول.3982 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله " وإذا تولى سعى "، قال: عمل.* * *واختلف أهل التأويل في معنى " الإفساد " الذي أضافه الله عز وجل إلى هذا المنافق.فقال بعضهم: تأويله ما قلنا فيه من قطعه الطريق وإخافته السبيل، كما قد ذكرنا قبل من فعل الأخنس بن شريق.* * *وقال بعضهم: بل معنى ذلك قطع الرحم وسفك دماء المسلمين.* ذكر من قال ذلك:3983 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج في قوله: " سعَى في الأرض ليفسد فيها "، قطع الرحم، وسفك الدماء، دماء المسلمين، فإذا قيل: لم تَفعل كذا وكذا ؟ قال أتقرب به إلى الله عز وجل.* * *قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنّ الله تبارك وتعالى وَصَف هذا المنافقَ بأنه إذا تولى مدبرًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عَمِل في أرض الله بالفساد. وقد يدخل في" الإفساد " جميع المعاصي، (36) وذلك أن العمل بالمعاصي إفسادٌ في الأرض، فلم يخصص الله وصفه ببعض معاني" الإفساد " دون بعض. وجائزٌ أن يكون ذلك الإفساد منه كان بمعنى قطع الطريق، وجائز أن يكون غير ذلك. وأيّ ذلك كان منه فقد كان إفسادًا في الأرض، لأن ذلك منه لله عز وجل معصية. غير أن الأشبه بظاهر التنزيل أن يكون كان يقطع الطريقَ ويُخيف السبيل. لأن الله تعالى ذكره وصَفه في سياق الآية بأنه " سَعى في الأرض ليفسد فيها ويُهلك الحرث والنسل "، وذلك بفعل مخيف السبيل، أشبهُ منه بفعل قَطَّاع الرحم.* * *القول في تأويل قوله تعالى : وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَقال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في وجه " إهلاك " هذا المنافق، الذي وصفه الله بما وصفَه به من صفة " إهلاك الحرث والنسل ".فقال بعضهم: كان ذلك منه إحراقًا لزرع قوم من المسلمين وعقرًا لحمُرهم.3984 - حدثني بذلك موسى بن هارون، قال: حدثني عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السدي. (37)* * *وقال آخرون بما:-3985 - حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثام، قال: حدثنا النضر بن عربي، عن مجاهد: " وإذا تولى سعى في الأرض ليُفسد فيها ويُهلك الحرث والنسل " الآية. قال: إذا تولى سعى في الأرض بالعدوان والظلم، فيحبس الله بذلك القطرَ، فيُهلك الحرثَ والنسلَ والله لا يحب الفساد. قال: ثم قرأ مجاهد: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: 41] قال: ثم قال: أما والله ما هو بحركم هذا، ولكن كل قرية على ماءٍ جارٍ فهو " بحر ". (38)* * *والذي قاله مجاهد، وإن كان مذهبًا من التأويل تحتمله الآية، فإن الذي هو أشبهُ بظاهر التنزيل من التأويل ما ذكرنا عن السدي، فلذلك اخترناه* * *وأما " الحرث " فإنه الزرع، والنسل: العقب والولد.* * *" وإهلاكه الزرع " إحراقه. وقد يجوز أن يكون كان كما قال مجاهد باحتباس القطر من أجل معصيته ربَّه وَسعيه بالإفساد في الأرض. وقد يحتمل أن يكون كان بقتله القُوَّام به والمتعاهدين له حتى فسد فهلك. وكذلك جائز في معنى: " إهلاكه النسل ": أن يكون كانَ بقتله أمهاته أو آباءه التي منها يكون النسل، فيكون في قتله الآباء والأمهات انقطاع نسلهما. وجائزٌ أن يكون كما قال مجاهد، غير أن ذلك وإن كان تحتمله الآية، فالذي هو أولى بظاهرها ما قاله السدي غير أن السدي ذكر أن الذي نزلت فيه هذه الآية إنما نزلت في قتله حُمُرَ القوم من المسلمين وإحراقه زرعًا لهم. وذلك وإن كان جائزًا أن يكون كذلك، فغير فاسد أن تكون الآية نزلت فيه، والمراد بها كلُّ من سلك سبيله في قتل كل ما قَتل من الحيوان الذي لا يحلّ قتله بحال، والذي يحلّ قتله في بعض الأحوال - إذا قتله بغير حق، بل ذلك كذلك عندي، لأن الله تبارك وتعالى لم يخصُص من ذلك شيئًا دون شيء بل عمَّه.وبالذي قلنا في عموم ذلك قال جماعة من أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:3986 - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن التميمي أنه سأل ابن عباس: " ويهلك الحرث والنسل "، قال: نسلَ كل دابة.3987 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن عطية، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، أنه سأل ابن عباس: قال: قلت أرأيت قوله: " الحرث والنسل "؟ قال: الحرث حرثكم، والنسل: نسل كل دابة.3988 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق، عن التميمي، قال: سألت ابن عباس عن " الحرث والنسل "، فقال: الحرثُ: مما تحرثون، والنسلُ: نسل كلّ دابة.3989 - حدثنا ابن حميد، قال. حدثنا حكام، عن عمرو، عن مطرِّف، عن أبي إسحاق، عن رجل من تميم، عن ابن عباس، مثله. (39)3990 - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " ويهلك الحرثَ والنسل "، فنسلَ كل دابة، والناس أيضًا.3991 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ويهلك الحرث "، قال: نبات الأرض،" والنسل " من كل دابة تمشي من الحيوان من الناس والدواب.3992 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " ويهلك الحرث "، قال: نبات الأرض،" والنسل " : نسل كل شيء.3993 - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، قال: الحرثُ النبات، والنسل: نسل كل دابة.3994 - حدثني عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " ويهلك الحرث "، قال: " الحرث " الذي يحرثه الناس: نباتُ الأرض،" والنسل " نسل كل دابة.3995 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: " ويهلكَ الحرثَ والنسل "، قال: الحرث: الزرع، والنسل من الناس والأنعام، قال: يقتُل نسْل الناس والأنعام= قال: وقال مجاهد: يبتغي في الأرض هلاك الحرث- نباتَ الأرض- والنسل من كل شيء من الحيوان.3996 - حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: " ويهلك الحرثَ والنسل "، قال: الحرث: الأصل، والنسل: كل دابة والناس منهم. (40)3997 - حدثني ابن عبد الرحيم البرقيّ، قال: حدثنا عمرو بن أبي سلمة، قال، (41) سئل سعيد بن عبد العزيز عن " فساد الحرث والنسل " وما هما: أيُّ حرث، وأيُّ نسل ؟ قال سعيد: قال مكحول: الحرث: ما تحرثون، وأما النسل: فنسْل كل شيء.* * *قال أبو جعفر: وقد قرأ بعض القرأة : " ويهلكُ الحرث والنسل " برفع " يهلك "، = على معنى: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، ويهلك الحرثَ والنسل، وإذا تولى سعى في الأرض ليُفسد فيها، والله لا يجب الفساد= فيردُّ" ويُهلكُ" على " ويشهدُ الله " عطفًا به عليه.وذلك قراءةٌ عندي غير جائزة، وإن كان لها مخرج في العربية، لمخالفتها لما عليه الحجة مجمعةٌ من القراءة في ذلك، قراءةَ" ويهلكَ الحرثَ والنسل "، وأن ذلك في قراءة أبيّ بن كعب ومصحفه - فيما ذكر لنا: (42) " ليفسد فيها وليهلك الحرث والنسل "، وذلك من أدل الدليل على تصحيح قراءة من قرأ ذلك " ويهلك " بالنصب، عطفًا به على: لِيُفْسِدَ فِيهَا .* * *القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: والله لا يحب المعاصيَ، وقطعَ السبيل، وإخافة الطريق.* * *و " الفساد " مصدر من قول القائل: " فسد الشيء يفسُد "، نظير قولهم: " ذهب يذهب ذهابًا ". ومن العرب من يجعل مصدر " فسد "" فسودًا "، ومصدر " ذهب يذهب ذُهوبًا ". (43)---------------الهوامش :(32) انظر معنى"التولي" فيما سلف 2 : 162- 163 ، 298 ، 535/ ثم 3 : 115 ، 131 .(33) الأثر : 3980 - هو بعض الأثر السالف رقم : 3962 .(34) انظر الأثر رقم : 3961 السالف .(35) ديوانه : 25 ، وكان في المطبوعة"ونبالها" وهو خطأ وقيس هو قيس بن معد يكرب الكندي ، كان يكثر مدحه والثناء عليه .(36) انظر معنى"الإفساد في الأرض" فيما سلف 1 : 287- 290 ، 416 ثم معنى"الفساد" فيما سيأتي : 243 ، 244 .(37) يعني الأثر السالف رقم : 3961 .(38) الأثر : 3985 - سيأتي هذا الأثر في تفسير الآية من سورة الروم ج : 21 : 32 (بولاق) .(39) الآثار : 3986- 3989 . "التميمي" ، قد مضى ما كتبه أخي السيد أحمد في التعليق على الأثر رقم : 2095 . ولكن ظهر من الأثر رقم . 3989 ، أنه رجل من بني تميم - مجهول الاسم فيما يظهر ، كان يسأل ابن عباس كما كان يسأله أصحاب المسائل من الأمة وذلك بين في مسند أبي داود الطيالسي رقم : 2739 ص 358 .(40) قوله : "الحرث : الأصل" معنى قلما تصيبه في كتب اللغة بينا ، ولكنه أتى فيها معترضا كقولهم : "الحرث أصل جردان الحمار" وهذا تخصيص ، وهذا الأثر دال على عموم معنى"الحرث" أنه : الأصل وهو جيد في مجاز اللغة .(41) في المطبوعة"عمر بن أبي سلمة" والصواب ما أثبت .(42) في المطبوعة : "فيما ذكرنا" وهو لا يستقيم .(43) انظر معنى"الإفساد في الأرض" 1 : 287- 290 ، 416 وما سلف قريبًا : 239 . وانظر أيضًا معاني القرآن للفراء 1 : 124 .
وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ فَحَسۡبُهُۥ جَهَنَّمُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ٢٠٦التفسير الميسروإذا نُصِح ذلك المنافق المفسد، وقيل له: اتق الله واحذر عقابه، وكُفَّ عن الفساد في الأرض، لم يقبل النصيحة، بل يحمله الكبر وحميَّة الجاهلية على مزيد من الآثام، فَحَسْبُه جهنم وكافيته عذابًا، ولبئس الفراش هي.
تفسير السعديثم ذكر أن هذا المفسد في الأرض بمعاصي الله, إذا أمر بتقوى الله تكبر وأنف، و أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فيجمع بين العمل بالمعاصي والكبر على الناصحين. فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ التي هي دار العاصين والمتكبرين، وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ أي: المستقر والمسكن, عذاب دائم, وهم لا ينقطع, ويأس مستمر, لا يخفف عنهم العذاب, ولا يرجون الثواب, جزاء لجناياتهم ومقابلة لأعمالهم، فعياذا بالله من أحوالهم.
تفسير ابن كثيروقوله : ( وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم ) أي : إذا وعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله ، وقيل له : اتق الله ، وانزع عن قولك وفعلك ، وارجع إلى الحق امتنع وأبى ، وأخذته الحمية والغضب بالإثم ، أي : بسبب ما اشتمل عليه من الآثام ، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير ) [ الحج : 72 ] ، ولهذا قال في هذه الآية : ( فحسبه جهنم ولبئس المهاد ) أي : هي كافيته عقوبة في ذلك .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد هذه صفة الكافر والمنافق الذاهب بنفسه زهوا ، ويكره للمؤمن أن يوقعه الحرج في بعض هذا . وقال عبد الله : كفى بالمرء إثما أن يقول له أخوه : اتق الله ، فيقول : عليك بنفسك ، مثلك يوصيني! والعزة : القوة والغلبة ، من عزه يعزه إذا غلبه . ومنه : وعزني في الخطاب وقيل : العزة هنا الحمية ، ومنه قول الشاعر :أخذته عزة من جهله فتولى مغضبا فعل الضجروقيل : العزة هنا المنعة وشدة النفس ، أي اعتز في نفسه وانتحى فأوقعته تلك العزة في الإثم حين أخذته وألزمته إياه . وقال قتادة : المعنى إذا قيل له مهلا ازداد إقداما على المعصية ، والمعنى حملته العزة على الإثم . وقيل : أخذته العزة بما يؤثمه ، أي ارتكب الكفر للعزة وحمية الجاهلية . ونظيره : بل الذين كفروا في عزة وشقاق وقيل : الباء في بالإثم بمعنى اللام ، أي أخذته العزة والحمية عن قبول الوعظ للإثم الذي في قلبه ، وهو النفاق ، ومنه قول عنترة يصف عرق الناقة :وكأن ربا أو كحيلا معقدا حش الوقود به جوانب قمقمأي حش الوقود له وقيل : الباء بمعنى مع ، أي أخذته العزة مع الإثم ، فمعنى الباء يختلف بحسب التأويلات . وذكر أن يهوديا كانت له حاجة عند هارون الرشيد ، فاختلف إلى بابه سنة ، فلم يقض حاجته ، فوقف يوما على الباب ، فلما خرج هارون سعى حتى وقف بين يديه وقال : اتق الله يا أمير المؤمنين! فنزل هارون عن دابته وخر ساجدا ، فلما رفع رأسه أمر بحاجته فقضيت ، فلما رجع قيل له : يا أمير المؤمنين ، نزلت عن دابتك لقول يهودي! قال : لا ، ولكن تذكرت قول الله تعالى : وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد . حسبه أي كافيه معاقبة وجزاء ، كما تقول للرجل : كفاك ما حل بك! وأنت تستعظم وتعظم عليه ما حل . والمهاد جمع المهد ، وهو الموضع المهيأ للنوم ، ومنه مهد الصبي . وسمى جهنم مهادا لأنها مستقر الكفار . وقيل : لأنها بدل لهم من المهاد ، كقوله : فبشرهم بعذاب أليم ونظيره من الكلام قولهم : للشاعر معدي كربوخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وإذا قيل = لهذا المنافق الذي نعَتَ نعتَه لنبيه عليه الصلاة والسلام، وأخبره أنه يُعجبه قوله في الحياة الدنيا=: اتق الله وخَفْهُ في إفسادك في أرْض الله، وسعيكَ فيها بما حرَّم الله عليك من معاصيه، وإهلاكك حروث المسلمين ونسلهم- استكبر ودخلته عِزة وحَمية بما حرّم الله عليه، وتمادى في غيِّه وضلاله. قال الله جل ثناؤه: فكفاه عقوبة من غيه وضلاله، صِلِيُّ نارِ جهنم، ولبئس المهاد لصاليها.* * *واختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية.فقال بعضهم: عنى بها كل فاسق ومنافق.* ذكر من قال ذلك:3998 - حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، قال: حدثنا بسطام بن مسلم، قال: حدثنا أبو رجاء العطارديّ قال: سمعت عليًّا في هذه الآية: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا إلى: وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ، قال علي: " اقتَتَلا وربِّ الكعبة ".3999 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " وإذا قيلَ له اتق الله أخذته العزة بالإثم " إلى قوله: وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ، قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا صلى السُّبْحة وفرغ، دخل مربدًا له، (44) فأرسل إلى فتيان قد قرأوا القرآن، منهم ابن عباس وابن أخي عيينة، (45) قال: فيأتون فيقرأون القرآن ويتدارسونه، فإذا كانت القائلة انصرف. قال فمرُّوا بهذه الآية: " وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم "، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ = قال ابن زيد: وهؤلاء المجاهدون في سبيل الله= فقال ابن عباس لبعض من كان إلى جنبه: اقتتل الرجلان؟ فسمع عمر ما قال، فقال: وأيّ شيء قلت ؟ قال: لا شيء يا أمير المؤمنين! قال: ماذا قلت ؟ اقتَتل الرجلان ؟ قال فلما رأى ذلك ابن عباس قال: أرى ههنا مَنْ إذا أُمِر بتقوى الله أخذته العزة بالإثم، وأرى من يَشري نفسه ابتغاءَ مرضاة الله، يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإثم، قال هذا: وأنا أشتري نفسي ! فقاتله، فاقتتل الرجلان! فقال عمر: لله بلادك يا ابن عباس. (46)* * *وقال آخرون: بل عنى به الأخنس بن شريق، وقد ذكرنا من قال ذلك فيما مضى. (47)* * *وأما قوله: " ولبئس المهاد "، فإنه يعني: ولبئس الفراشُ والوِطاء جهنمُ التي أوعدَ بها جل ثناؤه هذا المنافق، ووطَّأها لنفسه بنفاقه وفجوره وتمرُّده على ربه.
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٢٠٧التفسير الميسروبعض الناس يبيع نفسه طلبًا لرضا الله عنه، بالجهاد في سبيله، والتزام طاعته. والله رءوف بالعباد، يرحم عباده المؤمنين رحمة واسعة في عاجلهم وآجلهم، فيجازبهم أحسن الجزاء.
تفسير السعديهؤلاء هم الموفقون الذين باعوا أنفسهم وأرخصوها وبذلوها طلبا لمرضاة الله ورجاء لثوابه، فهم بذلوا الثمن للمليء الوفي الرءوف بالعباد، الذي من رأفته ورحمته أن وفقهم لذلك، وقد وعد الوفاء بذلك، فقال: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ إلى آخر الآية. وفي هذه الآية أخبر أنهم اشتروا أنفسهم وبذلوها، وأخبر برأفته الموجبة لتحصيل ما طلبوا، وبذل ما به رغبوا، فلا تسأل بعد هذا عن ما يحصل لهم من الكريم، وما ينالهم من الفوز والتكريم
تفسير ابن كثيروقوله : ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ) لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة ، ذكر صفات المؤمنين الحميدة ، فقال : ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله )قال ابن عباس ، وأنس ، وسعيد بن المسيب ، وأبو عثمان النهدي ، وعكرمة ، وجماعة : نزلت في صهيب بن سنان الرومي ، وذلك أنه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة ، منعه الناس أن يهاجر بماله ، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر ، فعل . فتخلص منهم وأعطاهم ماله ، فأنزل الله فيه هذه الآية ، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة . فقالوا : ربح البيع . فقال : وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم ، وما ذاك ؟ فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه الآية . ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : " ربح البيع صهيب ، ربح البيع صهيب " .قال ابن مردويه : حدثنا محمد بن إبراهيم ، حدثنا محمد بن عبد الله بن رسته ، حدثنا سليمان بن داود ، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي ، حدثنا عوف ، عن أبي عثمان النهدي ، عن صهيب قال : لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت لي قريش : يا صهيب ، قدمت إلينا ولا مال لك ، وتخرج أنت ومالك ! والله لا يكون ذلك أبدا . فقلت لهم : أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني ؟ قالوا : نعم . فدفعت إليهم مالي ، فخلوا عني ، فخرجت حتى قدمت المدينة . فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " ربح صهيب ، ربح صهيب " مرتين .وقال حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب قال : أقبل صهيب مهاجرا نحو النبي صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر من قريش ، فنزل عن راحلته ، وانتثل ما في كنانته . ثم قال يا معشر قريش ، قد علمتم أني من أرماكم رجلا ، وأنتم والله لا تصلون إلي حتى أرمي كل سهم في كنانتي ، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء ، ثم افعلوا ما شئتم ، وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي بمكة وخليتم سبيلي ؟ قالوا : نعم . فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ربح البيع ، ربح البيع " . قال : ونزلت : ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد )وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله ، كما قال تعالى : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ) [ التوبة : 111 ] . ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين ، أنكر عليه بعض الناس ، فرد عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما ، وتلوا هذه الآية : ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد )
تفسير القرطبيقوله تعالى : ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعبادابتغاء نصب على المفعول من أجله . ولما ذكر صنيع المنافقين ذكر بعده صنيع المؤمنين . قيل : نزلت في صهيب فإنه أقبل مهاجرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر من قريش ، فنزل عن راحلته ، وانتثل ما في كنانته ، وأخذ قوسه ، وقال : لقد علمتم أني من أرماكم ، وايم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بما في كنانتي ، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء ، ثم افعلوا ما شئتم . فقالوا : لا نتركك تذهب عنا غنيا وقد جئتنا صعلوكا ، ولكن دلنا على مالك بمكة ونخلي عنك ، وعاهدوه على ذلك ففعل ، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت : ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله الآية ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ربح البيع أبا يحيى ، وتلا عليه الآية ، أخرجه رزين ، وقاله سعيد بن المسيب رضي الله عنهما . وقال المفسرون : أخذ المشركون صهيبا فعذبوه ، فقال لهم صهيب : إني شيخ كبير ، لا يضركم أمنكم كنت أم من غيركم ، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني ؟ ففعلوا ذلك ، وكان شرط عليهم راحلة ونفقة ، فخرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ورجال ، فقال له أبو بكر : ربح بيعك أبا يحيى . فقال له صهيب : وبيعك فلا يخسر ، فما ذاك ؟ فقال : أنزل الله فيك كذا ، وقرأ عليه الآية . وقال الحسن : أتدرون فيمن نزلت هذه الآية ، نزلت في المسلم لقي الكافر فقال له : قل لا إله إلا الله ، فإذا قلتها عصمت مالك ونفسك ، فأبى أن يقولها ، فقال المسلم : والله لأشرين نفسي لله ، فتقدم فقاتل حتى قتل . وقيل : نزلت فيمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، وعلى ذلك تأولها عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم ، قال علي وابن عباس : ( اقتتل الرجلان ، أي قال المغير للمفسد : اتق الله ، فأبى المفسد وأخذته العزة ، فشرى المغير نفسه من الله وقاتله فاقتتلا ) . وقال أبو الخليل : سمع عمر بن الخطاب إنسانا يقرأ هذه الآية ، فقال عمر : إنا لله وإنا إليه راجعون ، قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل ) . وقيل : إن عمر سمع ابن عباس يقول : ( اقتتل الرجلان ) عند قراءة القارئ هذه الآية ، فسأله عما قال ففسر له هذا التفسير ، فقال له عمر ، ( لله تلادك يا ابن عباس ) ! وقيل : نزلت فيمن يقتحم القتال . حمل هشام بن عامر على الصف في القسطنطينية فقاتل حتى قتل ، فقرأ أبو هريرة : ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ، ومثله عن أبي أيوب . وقيل : نزلت في شهداء غزوة الرجيع . وقال قتادة : هم المهاجرون والأنصار . وقيل : نزلت في علي رضي الله عنه حين تركه النبي صلى الله عليه وسلم على فراشه ليلة خرج إلى الغار ، على ما يأتي بيانه في " براءة " إن شاء الله تعالى . وقيل : الآية عامة ، تتناول كل مجاهد في سبيل الله ، أو مستشهد في ذاته أو مغير منكر . وقد تقدم حكم من حمل على الصف ، ويأتي ذكر المغير للمنكر وشروطه وأحكامه في " آل عمران " إن شاء الله تعالى .و يشري معناه يبيع ، ومنه وشروه بثمن بخس أي باعوه ، وأصله الاستبدال ، ومنه قوله تعالى : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة . ومنه قول الشاعر :وإن كان ريب الدهر أمضاك في الألى شروا هذه الدنيا بجناته الخلدوقال آخر :وشريت بردا ليتني من بعدبرد كنت هامهالبرد هنا اسم غلام . وقال آخر :يعطي بها ثمنا فيمنعها ويقول صاحبها ألا فأشروبيع النفس هنا هو بذلها لأوامر الله . " ابتغاء " مفعول من أجله . ووقف الكسائي على " مرضات " بالتاء ، والباقون بالهاء . قال أبو علي : وقف الكسائي بالتاء إما على لغة من يقول : طلحت وعلقمت ، ومنه قول الشاعر :بل جوزتيهاء كظهر الحجفتوإما أنه لما كان هذا المضاف إليه في ضمن اللفظة ولابد أثبت التاء كما ثبتت في الوصل ليعلم أن المضاف إليه مراد . والمرضاة الرضا ، يقال : رضي يرضى رضا ومرضاة . وحكى قوم أنه يقال : شرى بمعنى اشترى ، ويحتاج إلى هذا من تأول الآية في صهيب ؛ لأنه اشترى نفسه بماله ولم يبعها ، اللهم إلا أن يقال : إن عرض صهيب على قتالهم بيع لنفسه من الله . فيستقيم اللفظ على معنى باع .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِقال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه: ومن الناس من يبيع نفسه بما وعد الله المجاهدين في سبيله وابتاع به أنفسهم بقوله: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة: 111].* * *وقد دللنا على أن معنى " شرى " باع، في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته. (48)* * *وأما قوله: " ابتغاءَ مرضات الله " فإنه يعني أن هذا الشاري يشري إذا اشترى طلبَ مرضاة الله.ونصب " ابتغاء " بقوله: " يشري"، فكأنه قال. ومن الناس من يَشري [نفسه] من أجل ابتغاء مرضاة الله، ثم تُرك " من أجل " وعَمل فيه الفعل.وقد زعم بعض أهل العربية أنه نصب ذلك على الفعل، (49) على " يشري"، كأنه قال: لابتغاء مرضاة الله، فلما نزع " اللام " عمل الفعل، قال: ومثله: حَذَرَ الْمَوْتِ [البقرة: 19] (50) وقال الشاعر وهو حاتم:وَأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الكَرِيمِ ادِّخَارَهُوَأُعْرِضُ عَنْ قَوْلِ الَّلئِيمِ تَكَرُّمَا (51)وقال: لما أذهب " اللام " أعمل فيه الفعل.وقال بعضهم: أيُّما مصدر وُضع موضعَ الشرط، (52) وموضع " أن " فتحسن فيها " الباء " و " اللام "، فتقول: " أتيتك من خوف الشرّ -ولخوف الشر- وبأن خفتُ الشرَّ"، فالصفة غير معلومة، فحذفت وأقيم المصدرُ مقامها. (53) قال: ولو كانت الصفة حرفًا واحدًا بعينه، لم يجز حذفها، كما غير جائز لمن قال: " فعلت هذا لك ولفلان " أن يسقط" اللام ".* * *ثم اختلف أهل التأويل فيمن نزلت هذه الآية فيه ومن عنى بها. فقال بعضهم: نزلت في المهاجرين والأنصار، وعنى بها المجاهدون في سبيل الله.* ذكر من قال ذلك:4000 - حدثنا الحسين بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله "، قال: المهاجرون والأنصار.* * *وقال بعضهم: نزلت في رجال من المهاجرين بأعيانهم.* ذكر من قال ذلك:4001 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: " ومن الناس مَنْ يشري نفسه ابتغاء مرضات الله "، قال: نزلت في صُهيب بن سنان، وأبي ذرّ الغفاري جُندب بن السَّكن أخذ أهل أبي ذرّ أبا ذرّ، فانفلت منهم، فقدم على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رجع مهاجرًا عرَضوا له، وكانوا بمرِّ الظهران، فانفلت أيضًا حتى قدم على النبي عليه الصلاة والسلام. وأما صُهيب فأخذه أهله، فافتدى منهم بماله، ثم خرج مهاجرًا فأدركه قُنقذ بن عُمير بن جُدعان، فخرج له مما بقي من ماله، وخلَّى سبيله. (54)4002 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله " الآية، قال: كان رجل من أهل مكة أسلم، فأراد أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ويهاجر إلى المدينة، فمنعوه وحبسوه، فقال لهم: أعطيكم داري ومالي وما كان لي من شيء! فخلُّوا عني، فألحق بهذا الرجل ! فأبوْا. ثم إنّ بعضهم قال لهم: خذوا منه ما كان له من شيء وخلُّوا عنه ! ففعلوا، فأعطاهم داره وماله، ثم خرج; فأنزل الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله "، الآية. فلما دنا من المدينة تلقاه عُمر في رجال، فقال له عمر: رَبح البيعُ! قال: وبيعك فلا يخسر! قال: وما ذاك ؟ قال: أنزل فيك كذا وكذا. (55)* * *وقال آخرون: بل عنى بذلك كل شار نفسه في طاعة الله وجهادٍ في سبيله، أو أمرٍ بمعروف.* ذكر من قال ذلك:4003 - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا حسين بن الحسن أبو عبد الله، قال: حدثنا أبو عون، عن محمد، قال: حمل هشام بن عامر على الصف حتى خرقه، فقالوا: ألقى بيده !! فقال أبو هريرة: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ". (56)4004 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا مصعب بن المقدام، قال: حدثنا إسرائيل، عن طارق بن عبد الرحمن، عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة، قال: بعث عمر جيشًا فحاصروا أهل حصن، وتقدم رجل من بجيلة، فقاتل، فقُتِل، فأكثر الناس فيه يقولون: ألقى بيده إلى التهلكة! قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: كذبوا، أليس الله عز وجل يقول: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد " ؟4005 - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا هشام، عن قتادة، قال: حَمل هشام بن عامر على الصّف حتى شقَّه، فقال أبو هريرة: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ".4006 - حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا حزم بن أبي حزْم، قال: سمعت الحسن قرأ: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد "، أتدرون فيم أنزلت ؟ نزلت في أن المسلم لقي الكافرَ فقال له: " قل لا إله إلا الله "، فإذا قلتها عصمتَ دمك &; 4-250 &; ومالك إلا بحقهما! فأبى أن يقولها، فقال المسلم: والله لأشرِيَنَّ نفسي لله! فتقدم فقاتل حتى قتل. (57)4007 - حدثني أحمد بن حازم، قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا زياد بن أبي مسلم، عن أبي الخليل، قال: سمع عُمر إنسانًا قرأ هذه الآية: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله "، قال: استرجع عُمر فَقال: إنا لله وإنا إليه رَاجعون! قام رجلٌ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقُتل. (58)* * *قال أبو جعفر: والذي هو أولى بظاهر هذه الآية من التأويل، ما روي عن عمر بن الخطاب وعن علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم، من أن يكون عُني بها الآمرُ بالمعروف والناهي عن المنكر.وذلك أن الله جل ثناؤه وصَف صفة فريقين: أحدهما منافقٌ يقول بلسانه خلافَ ما في نفسه، وإذا اقتدر على معصية الله ركبها، وإذا لم يقتدر رَامَها، وإذا نُهى أخذته العزّة بالإثمٌ بما هو به إثم، والآخر منهما بائعٌ نفسه، طالب من الله رضا الله. فكان الظاهر من التأويل أن الفريقَ الموصوف بأنه شرى نفسه لله وطلب رضاه، إنما شراها للوثُوب بالفريق الفاجر طلبَ رضا الله. فهذا هو الأغلب الأظهر من تأويل الآية.وأما ما رُوي من نزول الآية في أمر صُهيب، فإنّ ذلك غير مستنكرٍ، إذ كان غيرَ مدفوع جوازُ نزول آية من عند الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بسبب من الأسباب، والمعنيُّ بها كلُّ من شمله ظاهرها.فالصواب من القول في ذلك أن يقال: إنّ الله عز وجل وصف شاريًا نفسَه ابتغاء مرضاته، فكل من باعَ نفسه في طاعته حتى قُتل فيها، أو استقتل وإن لم يُقتل، (59) فمعنيٌّ بقوله: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله "- في جهاد عدو المسلمين كان ذلك منه، أو في أمرٍ بمعروف أو نهي عن منكر.* * *القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)قد دللنا فيما مضى على معنى " الرأفة "، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، وأنها رقة الرحمة (60)* * *فمعنى ذلك: والله ذو رحمة واسعة بعبده الذي يشري نفسه له في جهاد من حادَّه في أمره من أهل الشرك والفُسوق وبغيره من عباده المؤمنين في عاجلهم وآجل معادهم، فينجز لهم الثواب على ما أبلوا في طاعته في الدنيا، ويسكنهم جناته على ما عملوا فيها من مرضاته.-------------------الهوامش :(44) السبحة : صلاة التطوع والنافلة وذكر الله ، تقول : "قضيت سبحتي" والمريد : قضاء وراء البيوت برتفق بهن كالحجرة في الدار وهو أيضًا موضع التمر يجفف فيه لينشف يسميه أهل المدينة مريدا وهو المراد هنا .(45) ابن أخي عيينة ، هو الحر بن قيس بن حصين الفزاري ويقال : الحارث بن قيس والأول أصح . وروى البخاري من طريق الزهري عن عبيد اله بن عبد الله ، عن ابن عباس قال : قدم عيينة بن حصن فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس ، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر - الحديث . ترجم في الإصابة وغيرها .(46) في المطبوعة : "لله تلادك" بالتاء في أوله ولا معنى له ، والصواب ما أثبت . وفي الدر المنثور 1 : 241 -"لله درك" . والعرب تقول : "لله در فلان ، ولله بلاده" .(47) انظر الأثر رقم : 3961 .(48) انظر ما سلف 2 : 341- 343ن 455 وفهارس الغة .(49) قوله : "على الفعل" أي أنه مفعول لأجله وقد مضى مثله"على التفسير للفعل" 1 : 354 تعليق : 4 .(50) انظر القول في إعراب هذه الكلمة فيما سلف 1 : 354- 355 .(51) ديوانه : 24 ، من أبيات جياد كريمة وسيبويه 1 : 184 ، 464 ونوادر أبي زيد : 110ن الخزانة 1 : 491 والعيني 3 : 75 وغيرها . وفي البيت اختلاف كثير في الرواية ، والشاهد فيه نصب"ادخاره" على أنه مفعول له .(52) قوله : "الشرط" كأنه فيما أظن أراد به معنى العلة والعذر يعني أنه علة وسببًا أو عذرًا لوقوع الفعل .(53) "الصفة" هي حرف الجر . وانظر ما سلف آنفًا 1 : 299 وفهرس المصطلحات في الأجزاء السالفة .(54) الأثر : 4001 - في الدر المنثور 1 : 240 ، في المطبوعة : "منقذ بن عمير" وهو خطأ وقد ذكر قنفد بن عمير ، أبو طالب في قصيدته المشهورة وذكر ابن هشام نسبه في سيرته (انظر 1 : 295 ، 301) . وقد أسلم قنفد بن عمير ، وله صحبة ، وولاه عمر مكة ، ثم عزله .(55) الأثر : 4002 - في تفسير البغوي 1 : 481- 482 ، مع اختلاف في اللفظ .(56) الأثر : 4003 - حسين بن الحسن أبو عبد الله النصري روى عن ابن عون وغيره ، وروى عنه أحمد والفلاس وبندار وغيرهم . كان من المعدودين من الثقات وكان يحفظ عن ابن عون . توفي سنة 188ن مترجم في التهذيب . و"أبو عون" كنية"ابن عون" - عبد الله بن عون المزني مولاهم . "ومحمد" هو محمد بن سيرين وهشام بن عامر بن أمية الأنصاري كان اسمه في الجاهلية"شهابًا" فغيره رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكان ذلك منه في غزاة كابل انظر الإصابة وغيرها . وقوله : "ألقى بيده" أي : ألقى بيده إلى التهلكة ، كما هو مبين في الروايات الأخرى ، وانظر ما سيأتي رقم : 4005 ، مختصرًا .(57) الأثر : 4006 -"حزم بن أبي حزم" القطعي أبو عبد الله البصري روى عن الحسن وغيره ، قال أبو حاتم : صدوق لا بأس به ، وهو من ثقات من بقى من أصحاب الحسن ، مات سنة 75 . مترجم في التهذيب . وكان في المطبوعة : "حزام بن أبي حزم" وهو خطأ .(58) الأثر : 4007 -"زياد بن أبي مسلم" أبو عمر الفراء البصري ، روى عن صالح أبي الخليل وأبي العالية والحسن . مترجم في التهذيب . "وأبو الخليل" : صالح بن أبي مريم الضبعي مولاهم تابعي ، مترجم في التهذيب .(59) في المطبوعة : "واستقتل" بواو العطف ، وهو فاسد ، والصواب ما أثبت .(60) انظر ما سلف 3 : 171 ، 172 .
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٢٠٨التفسير الميسريا أيها الذين آمنوا بالله ربًا وبمحمد نبيًا ورسولا وبالإسلام دينًا، ادخلوا في جميع شرائع الإسلام، عاملين بجميع أحكامه، ولا تتركوا منها شيئًا، ولا تتبعوا طرق الشيطان فيما يدعوكم إليه من المعاصي. إنه لكم عدو ظاهر العداوة فاحذروه.
تفسير السعديهذا أمر من الله تعالى للمؤمنين أن يدخلوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً أي: في جميع شرائع الدين, ولا يتركوا منها شيئا, وأن لا يكونوا ممن اتخذ إلهه هواه, إن وافق الأمر المشروع هواه فعله, وإن خالفه, تركه، بل الواجب أن يكون الهوى, تبعا للدين, وأن يفعل كل ما يقدر عليه, من أفعال الخير, وما يعجز عنه, يلتزمه وينويه, فيدركه بنيته. ولما كان الدخول في السلم كافة, لا يمكن ولا يتصور إلا بمخالفة طرق الشيطان قال: وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ أي: في العمل بمعاصي الله إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ والعدو المبين, لا يأمر إلا بالسوء والفحشاء, وما به الضرر عليكم.
تفسير ابن كثيريقول تعالى آمرا عباده المؤمنين به المصدقين برسوله : أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه ، والعمل بجميع أوامره ، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك .قال العوفي ، عن ابن عباس ، ومجاهد ، وطاوس ، والضحاك ، وعكرمة ، وقتادة ، والسدي ، وابن زيد ، في قوله : ( ادخلوا في السلم ) يعني : الإسلام .وقال الضحاك ، عن ابن عباس ، وأبو العالية ، والربيع بن أنس : ( ادخلوا في السلم ) يعني : الطاعة . وقال قتادة أيضا : الموادعة .وقوله : ( كافة ) قال ابن عباس ، ومجاهد ، وأبو العالية ، وعكرمة ، والربيع ، والسدي ، ومقاتل بن حيان ، وقتادة والضحاك : جميعا ، وقال مجاهد : أي اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر .وزعم عكرمة أنها نزلت في نفر ممن أسلم من اليهود وغيرهم ، كعبد الله بن سلام ، وثعلبة وأسد بن عبيد وطائفة استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يسبتوا ، وأن يقوموا بالتوراة ليلا . فأمرهم الله بإقامة شعائر الإسلام والاشتغال بها عما عداها . وفي ذكر عبد الله بن سلام مع هؤلاء نظر ، إذ يبعد أن يستأذن في إقامة السبت ، وهو مع تمام إيمانه يتحقق نسخه ورفعه وبطلانه ، والتعويض عنه بأعياد الإسلام .ومن المفسرين من يجعل قوله : ( كافة ) حالا من الداخلين ، أي : ادخلوا في الإسلام كلكم . والصحيح الأول ، وهو أنهم أمروا [ كلهم ] أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام ، وهي كثيرة جدا ما استطاعوا منها . وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا علي بن الحسين ، أخبرنا أحمد بن الصباح ، أخبرني الهيثم بن يمان ، حدثنا إسماعيل بن زكريا ، حدثني محمد بن عون ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ) كذا قرأها بالنصب يعني مؤمني أهل الكتاب ، فإنهم كانوا مع الإيمان بالله مستمسكين ببعض أمر التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم ، فقال الله : ( ادخلوا في السلم كافة ) يقول : ادخلوا في شرائع دين محمد صلى الله عليه وسلم ولا تدعوا منها شيئا وحسبكم بالإيمان بالتوراة وما فيها .وقوله : ( ولا تتبعوا خطوات الشيطان ) أي : اعملوا الطاعات ، واجتنبوا ما يأمركم به الشيطان ف ( إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) [ البقرة : 169 ] ، و ( إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ) [ فاطر : 6 ] ; ولهذا قال : ( إنه لكم عدو مبين ( قال مطرف : أغش عباد الله لعبيد الله الشيطان .
تفسير القرطبيقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبينلما بين الله سبحانه الناس إلى مؤمن وكافر ومنافق فقال : كونوا على ملة واحدة ، واجتمعوا على الإسلام واثبتوا عليه . فالسلم هنا بمعنى الإسلام ، قاله مجاهد ، ورواه أبو مالك عن ابن عباس . ومنه قول الشاعر الكندي :دعوت عشيرتي للسلم لما رأيتهم تولوا مدبريناأي إلى الإسلام لما ارتدت كندة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مع الأشعث بن قيس الكندي ، ولأن المؤمنين لم يؤمروا قط بالدخول في المسالمة التي هي الصلح ، وإنما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجنح للسلم إذا جنحوا له ، وأما أن يبتدئ بها فلا ، قاله الطبري . وقيل : أمر من آمن بأفواههم أن يدخلوا فيه بقلوبهم . وقال طاوس ومجاهد : ادخلوا في أمر الدين . سفيان الثوري : في أنواع البر كلها . وقرئ السلم بكسر السين .قال الكسائي : السلم والسلم بمعنى واحد ، وكذا هو عند أكثر البصريين ، وهما جميعا يقعان للإسلام والمسالمة . وفرق أبو عمرو بن العلاء بينهما ، فقرأها هنا : ادخلوا في السلم وقال هو الإسلام . وقرأ التي في " الأنفال " والتي في سورة " محمد " صلى الله عليه وسلم " السلم " بفتح السين ، وقال : هي بالفتح المسالمة . وأنكر المبرد هذه التفرقة . وقال عاصم الجحدري : السلم الإسلام ، والسلم الصلح ، والسلم الاستسلام . وأنكر محمد بن يزيد هذه التفريقات وقال : اللغة لا تؤخذ هكذا ، وإنما تؤخذ بالسماع لا بالقياس ، ويحتاج من فرق إلى دليل . وقد حكى البصريون : بنو فلان سلم وسلم وسلم ، بمعنى واحد . قال الجوهري : والسلم الصلح ، يفتح ويكسر ، ويذكر ويؤنث ، وأصله من الاستسلام والانقياد ، ولذلك قيل للصلح : سلم . قال زهير :وقد قلتما إن ندرك السلم واسعا بمال ومعروف من الأمر نسلمورجح الطبري حمل اللفظة على معنى الإسلام بما تقدم . وقال حذيفة بن اليمان في هذه الآية : الإسلام ثمانية أسهم ؛ الصلاة سهم ، والزكاة سهم ، والصوم سهم ، والحج سهم ، والعمرة سهم ، والجهاد سهم ، والأمر بالمعروف سهم ، والنهي عن المنكر سهم ، وقد خاب من لا سهم له في الإسلام . وقال ابن عباس : ( نزلت الآية في أهل الكتاب ، والمعنى ، يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى ادخلوا في الإسلام بمحمد صلى الله عليه وسلم كافة ) . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار . و " كافة " معناه جميعا ، فهو نصب على الحال من السلم أو من ضمير المؤمنين ، وهو مشتق من قولهم : كففت أي منعت ، أي لا يمتنع منكم أحد من الدخول في الإسلام . والكف المنع ، ومنه كفة القميص - بالضم - لأنها تمنع الثوب من الانتشار ، ومنه كفة الميزان - بالكسر - التي تجمع الموزون وتمنعه أن ينتشر ، ومنه كف الإنسان الذي يجمع منافعه ومضاره ، وكل مستدير كفة ، وكل مستطيل كفة . ورجل مكفوف البصر ، أي منع عن النظر ، فالجماعة تسمى كافة لامتناعهم عن التفرق .ولا تتبعوا نهي . خطوات الشيطان مفعول ، وقد تقدم . وقال مقاتل : استأذن عبد الله بن سلام وأصحابه بأن يقرءوا التوراة في الصلاة ، وأن يعملوا ببعض ما في التوراة ، فنزلت : ولا تتبعوا خطوات الشيطان فإن اتباع السنة أولى بعدما بعث محمد صلى الله عليه وسلم من خطوات الشيطان . وقيل : لا تسلكوا الطريق الذي يدعوكم إليه الشيطان .إنه لكم عدو ظاهر العداوة ، وقد تقدم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةًقال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى السلم في هذا الموضع.فقال بعضهم: معناه: الإسلام.* ذكر من قال ذلك:4008 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " ادخلوا في السِّلم "، قال: ادخلوا في الإسلام.4009 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: " ادخلوا في السلم "، قال: ادخلوا في الإسلام.4010 - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " ادخلوا في السلم كافة "، قال: السلم: الإسلام.4011 - حدثني موسى بن هارون، قال: أخبرنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " ادخلوا في السلم "، يقول: في الإسلام.4012 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن النضر بن عربي، عن مجاهد: ادخلوا في الإسلام.4013 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " ادخلوا في السلم ". قال: السلم: الإسلام.4014 - حدثت عن الحسين بن فرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: حدثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول: " ادخلوا في السلم " : في الإسلام.* * *وقال آخرون: بل معنى ذلك: ادخلوا في الطاعة.* ذكر من قال ذلك:4015 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " ادخلوا في السلم "، يقول: ادخلوا في الطاعة.* * *وقد اختلف القرأة في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل الحجاز: " ادخلوا في السَّلم " بفتح السين، وقرأته عامة قرأة الكوفيين بكسر السين.فأما الذين فتحوا " السين " من " السلم "، فإنهم وجهوا تأويلها إلى المسالمة، بمعنى: ادخلوا في الصلح والمساومة وترك الحرب وإعطاء الجزية.وأما الذين قرءوا ذلك بالكسر من " السين " فإنهم مختلفون في تأويله.فمنهم من يوجهه إلى الإسلام، بمعنى ادخلوا في الإسلام كافة، ومنهم من يوجّهه إلى الصلح، بمعنى: ادخلوا في الصلح، ويستشهد على أن " السين " تكسر، وهي بمعنى الصلح بقول زهير بن أبي سلمى:وَقَدْ قُلْتُمَا إنْ نُدْرِكِ السِّلْمَ وَاسِعًابِمَالٍ وَمَعْرُوفٍ مِنَ الأمْرِ نَسْلَمِ (61)وأولى التأويلات بقوله: " ادخلوا في السلم "، قول من قال: معناه: ادخلوا في الإسلام كافة.وأمّا الذي هو أولى القراءتين بالصواب في قراءة ذلك، فقراءة من قرأ بكسر " السين " لأن ذلك إذا قرئ كذلك - وإن كان قد يحتمل معنى الصلح - فإن معنى الإسلام: ودوام الأمر الصالح عند العرب، أغلبُ عليه من الصلح والمسالمة، وينشد بيت أخي كندة:دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمّارَأَيْتُهُمُ تَوَلَّوْا مُدْبِرينَا (62)بكسر السين، بمعنى: دعوتهم للإسلام لما ارتدُّوا، وكان ذلك حين ارتدت كندة مع الأشعث (63) بعد وَفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.وقد كان أبو عمرو بن العلاء يقرأ سائرَ ما في القرآن من ذكر " السلم " بالفتح سوى هذه التي في سورة البقرة، فإنه كان يخصُّها بكسر سينها توجيهًا منه لمعناها إلى الإسلام دون ما سواها.وإنما اخترنا ما اخترنا من التأويل في قوله: " ادخلوا في السلم " وصرفنا معناه إلى الإسلام، لأن الآية مخاطب بها المؤمنون، فلن يعدوَ الخطاب إذ كان خطابًا للمؤمنين من أحد أمرين:إما أن يكون خطابًا للمؤمنين بمحمد المصدقين به وبما جاء به، فإن يكن ذلك كذلك، فلا معنى أن يقال لهم وهم أهل الإيمان: " ادخلوا في صلح المؤمنين ومسالمتهم "، لأن المسالمة والمصالحة إنما يؤمر بها من كان حربًا بترك الحرب، فأما الموالي فلا يجوز أن يقال له: " صالح فلانا "، ولا حرب بينهما ولا عداوة.= أو يكون خطابًا لأهل الإيمان بمن قبل محمد صلى الله عليه وسلم من الأنبياء المصدِّقين بهم، وبما جاءوا به من عند الله المنكرين محمدًا ونبوته، فقيل لهم: " ادخلوا في السلم "، يعني به الإسلام، لا الصُّلح. لأن الله عز وجل إنما أمر عباده بالإيمان به وبنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وإلى الذي دعاهم دون المسالمة والمصالحة. بل نهى نبيه صلى الله عليه وسلم في بعض الأحوال عن دعاء أهل الكفر إلى الصلح (64) فقال: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ [محمد: 35] وإنما أباحَ له صلى الله عليه وسلم في بعض الأحوال إذا دعَوه إلى الصلح ابتداءَ المصالحة، فقال له جل ثناؤه: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا [الأنفال: 61] فأما دعاؤهم إلى الصُّلح ابتداءً، فغير موجود في القرآن، فيجوزُ توجيه قوله: " ادخلوا في السلم " إلى ذلك.* * *قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فأيّ هذين الفريقين دعي إلى الإسلام كافة ؟قيل قد اختلف في تأويل ذلك.فقال بعضهم: دعي إليه المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به.* * *وقال آخرون: قيل: دُعي إليه المؤمنون بمن قبل محمد صلى الله عليه وسلم من الأنبياء المكذبون بمحمد.* * *فإن قال: فما وجه دعاء المؤمن بمحمد وبما جاء به إلى الإسلام ؟قيل: وجه دُعائه إلى ذلك الأمرُ له بالعمل بجميع شرائعه، وإقامة جميع أحكامه وحدوده، دون تضييع بعضه والعمل ببعضه. وإذا كان ذلك معناه، كان قوله " كافة " من صفة " السلم "، ويكون تأويله: ادخلوا في العمل بجميع معاني السلم، ولا تضيعوا شيئًا منه يا أهل الإيمان بمحمد وما جاء به.وبنحو هذا المعنى كان يقول عكرمة في تأويل ذلك.4016 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قوله: " ادخلوا في السلم كافة " ، قال: نزلت في ثعلبة، وعبد الله بن سلام وابن يامين وأسد وأسَيْد ابني كعب وسَعْيَة بن عمرو (65) وقيس بن زيد- كلهم من يهود- قالوا: يا رسول الله، يوم السبت يومٌ كنا نعظمه، فدعنا فلنُسبِت فيه! وإن التوراة كتاب الله، فدعنا فلنقم بها بالليل ! فنزلت: " يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان " (66)* * *فقد صرح عكرمة بمعنى ما قلنا في ذلك من أن تأويل ذلك دعاء للمؤمنين إلى رَفض جميع المعاني التي ليست من حكم الإسلام، والعمل بجميع شرائع الإسلام، والنهي عن تضييع شيء من حدوده.* * *وقال آخرون: بل الفريق الذي دُعي إلى السلم فقيل لهم: " ادخلوا فيه " بهذه الآية هم أهل الكتاب، أمروا بالدخول في الإسلام.* ذكر من قال ذلك:4017 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال. قال ابن عباس في قوله: " ادخلوا في السلم كافة "، يعني أهل الكتاب.4018 - حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قول الله عز وجل: " ادخلوا في السلم كافة "، قال: يعني أهل الكتاب.* * *قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله جل ثناؤه أمر الذين آمنوا بالدخول في العمل بشرائع الإسلام كلها، وقد يدخل في" الذين آمنوا " المصدِّقون بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما حاء به، والمصدقون بمن قبله من الأنبياء والرسل، وما جاءوا به، وقد دعا الله عز وجل كلا الفريقين إلى العمل بشرائع الإسلام وحدوده، والمحافظة على فرائضه التي فرضها، ونهاهم عن تضييع شيء من ذلك، فالآية عامة لكل من شمله اسم " الإيمان "، فلا وجه لخصوص بعض بها دون بعض.وبمثل التأويل الذي قلنا في ذلك كان مجاهد يقول.4019 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " ادخلوا في السلم كافة "، قال: ادخلوا في الإسلام كافة، ادخلوا في الأعمال كافة.* * *القول في تأويل قوله تعالى : كَافَّةًقال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله (67) " كافة " عامة، جميعًا، كما:-4020 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: " في السلم كافة " قال: جميعًا.4021 - حدثنا موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " في السلم كافة "، قال: جميعًا.4022 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع " في السلم كافة "، قال: جميعًا= وعن أبيه، عن قتادة مثله.4023 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع بن الجراح، عن النضر، عن مجاهد، ادخلوا في الإسلام جميعًا.4024 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عباس: " كافة "، : جميعًا.4025 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " كافة " جميعًا، وقرأ. وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التوبة: 36] جميعًا.4026 - حدثت عن الحسين، قال. سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: " ادخلوا في السلم كافة "، قال: جميعًا.* * *القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208)قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه. بذلك: اعملوا أيها المؤمنون بشرائع الإسلام كلها، وادخلوا في التصديق به قولا وعملا ودعوا طرائق الشيطان وآثاره أن تتبعوها فإنه لكم عدو مبين لكم عداوته. (68) وطريقُ الشيطان الذي نهاهم أن يتبعوه هو ما خالف حكم الإسلام وشرائعه، ومنه تسبيت السبت وسائر سنن أهل الملل التي تخالف ملة الإسلام.* * *وقد بينت معنى " الخطوات " بالأدلة الشاهدة على صحته فيما مضى ، فكرهت إعادته في هذا المكان. (69)-------------------الهوامش :(61) ديوانه : 16 من معلقته النبيلة . والضمير في"قلتما" للساعيان في الصلح وهما الحارث ابن عوف وهرم بن سنان ، وذلك في حرب عبس وذبيان . وقوله : "واسعًا" أي : قد استقر الأمرواطمأنت النفوس فاتسع للناس فيه ما لا يتسع لهم في زمن الحرب . وكان الحارث وهرم قد حملا الحمالة في أموالهما ، ليصطلح الناس .(62) من أبيات لامرئ القيس بن عابس الكندي وتروى لغيره . المؤتلف والمختلف : 9 والوحشيات : 75 وغيرهما وكان امرؤ القيس قد وفد على رسول الله صلى اله عليه وسلم ولم يرتد في أيام أبي بكر ، وأقام على الإسلام وكان له في الردة غناء وبلاء ، وقد قال الأبيات في زمن الردة وقبل البيت :أَلاَ أَبْلِغْ أبَا بَكْرٍ رَسُولاًوَأَبْلِغْهَا جَمِيعَ المُسْلِمِينَافَلَسْتُ مُجَاوِرًا أَبَدًا قَبِيلاًبِمَا قَالَ الرَّسُولُ مُكَذِّبِينَادَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ حَتَّى رَأَيْتُهُمُ أَغَارُوا مُفْسِدينَا(63) هو الأشعث بن قيس الكندين وكان وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة في سبعين راكبا من كندة ثم ارتد فيمن ارتد من العرب . وقاتل في الردة حتى هزم ثم استسلم وأسر وقدموا به على أبي بكر فقال له أبو بكر : ماذا تراني أصنع بك؟ فإنك قد فعلت ما علمت قال الأشعث : تمن علي فتفكني من الحديد وتزوجني أختك فإني قد راجعت وأسلمت . فقال أبو بكر : قد فعلت! فزوجه ام فروة بنت أبي قحافة ، فكان بالمدينة حتى فتح العراق . ثم شهد الفتوح حتى مات سنة 40 ، وله ثلاث وستون سنة .(64) في المطبوعة : " . . عن دعاء أهل الكفر إلى الإسلام" وهو خطأ لا شك فيه ، سبق قلم الكاتب فوضع"الإسلام" مكان"الصلح" ومحال أن ينهى الله نبيه عن دعاء أحد إلى الإسلام والسياق دال على الصواب كما ترى .(65) في المطبوعة : "شعبة" وفي الدر المنثور : "سعيد" والذي في أسماء يهود : "سعية" و"سعنة" وأكثر هذه الأسماء من أسماء يهود مما يصعب تحقيقها ويطول ، لكثرة الاختلاف فيها .(66) الأثر : 4016 - في الدر المنثور 1 : 241 .(67) في المطبوعة : "جل ثناؤه : كافة" بإسقاط"بقوله" وهذا سياق الكلام .(68) انظر تفسير"عدو مبين" فيما سلف 3 : 300 .(69) انظر ما سلف 3 : 301 ، 302 .
فَإِن زَلَلۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡكُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٢٠٩التفسير الميسرفإن انحرفتم عن طريق الحق، من بعد ما جاءتكم الحجج الواضحة من القرآن والسنة، فاعلموا أن الله عزيز في ملكه لا يفوته شيء، حكيم في أمره ونهيه، يضع كل شيء في موضعه المناسب له.
تفسير السعديولما كان العبد لا بد أن يقع منه خلل وزلل, قال تعالى: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ أي: على علم ويقين فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وفيه من الوعيد الشديد, والتخويف, ما يوجب ترك الزلل, فإن العزيز القاهر الحكيم, إذا عصاه العاصي, قهره بقوته, وعذبه بمقتضى حكمته فإن من حكمته, تعذيب العصاة والجناة.
تفسير ابن كثيروقوله : ( فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات ) أي : عدلتم عن الحق بعد ما قامت عليكم الحجج ، فاعلموا أن الله عزيز [ أي ] في انتقامه ، لا يفوته هارب ، ولا يغلبه غالب . حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه ; ولهذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس : عزيز في نقمته ، حكيم في أمره . وقال محمد بن إسحاق : العزيز في نصره ممن كفر به إذا شاء ، الحكيم في عذره وحجته إلى عباده .
تفسير القرطبيقوله تعالى : فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيمفإن زللتم أي تنحيتم عن طريق الاستقامة . وأصل الزلل في القدم ، ثم يستعمل في الاعتقادات والآراء وغير ذلك ، يقال : زل يزل زلا وزللا وزلولا ، أي دحضت قدمه . وقرأ أبو السمال العدوي " زللتم " بكسر اللام ، وهما لغتان . وأصل الحرف من الزلق ، والمعنى ضللتم وعجتم عن الحق .من بعد ما جاءتكم البينات أي المعجزات وآيات القرآن ، إن كان الخطاب للمؤمنين ، فإن كان الخطاب لأهل الكتابين فالبينات ما ورد في شرعهم من الإعلام بمحمد صلى الله عليه وسلم والتعريف به . وفي الآية دليل على أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به ، ومن لم تبلغه دعوة الإسلام لا يكون كافرا بترك الشرائع . وحكى النقاش أن كعب الأحبار لما أسلم كان يتعلم القرآن ، فأقرأه الذي كان يعلمه " فاعلموا أن الله غفور رحيم " فقال كعب : إني لأستنكر أن يكون هكذا ، ومر بهما رجل فقال كعب : كيف تقرأ هذه الآية ؟ فقال الرجل : فاعلموا أن الله عزيز حكيم فقال كعب : هكذا ينبغي ؛ " عزيز " لا يمتنع عليه ما يريده ، " حكيم " فيما يفعله .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن أخطأتم الحق، (70)فضللتم عنه، وخالفتم الإسلام وشرائعه، من بعد ما جاءتكم حُجَجي وبيِّنات هداي، واتضحت لكم صحة أمر الإسلام بالأدلة التي قطعت عذركم أيها المؤمنون = فاعلموا أن الله ذو عزة، لا يمنعه من الانتقام منكم مانع، ولا يدفعه عن عقوبتكم على مخالفتكم أمره ومعصيتكم إياه دافع =" حكيم " فيما يفعل بكم من عقوبته على معصيتكم إياه، بعد إقامته الحجة عليكم، وفي غيره من أموره.* * *وقد قال عدد من أهل التأويل إن " البينات " هي محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. (71)وذلك قريب من الذي قلنا في تأويل ذلك، لأن محمدًا صلى الله عليه وسلم والقرآن، من حجج الله على الذين خوطبوا بهاتين الآيتين. غير أن الذي قلناه في تأويل ذلك أولى بالحق، لأن الله جل ثناؤه، قد احتج على من خالف الإسلام من أحبار أهل الكتاب بما عهد إليهم في التوراة والإنجيل، وتقدَّم إليه على ألسن أنبيائهم بالوَصاةِ به، فذلك وغيرُه من حجج الله تبارك وتعالى عليهم مع ما لزمهم من الحجج بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن. فلذلك اخترنا ما اخترنا من التأويل في ذلك.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* * ** ذكر أقوال القائلين في تأويل قوله: " فإن زللتم ": (72)4027 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: " فإن زللتم "، يقول: فإن ضللتم.4028 - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " فإن زللتم " قال: الزلل: الشرك.* * *ذكر أقوال القائلين في تأويل قوله: " من بعد ما جاءتكم البينات ": (73)4029 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " من بعد ما جاءتكم البينات "، يقول: من بعد ما جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم.4030 - وحدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج: " فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات "، قال: الإسلام والقرآن.* * *4031 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " فاعلموا أن الله عزيز حكيم " ، يقول: عزيز في نقمته، حكيم في أمره. (74)-----------------الهوامش :(70) انظر معنى"زل" فيما سلف 1 : 524- 525 .(71) انظر ما سلف في تفسير"البينات" 2 : 318 ، 354/ ثم 3 : 249- 151 .(72) انظر معنى"زل" فيما سلف 1 : 524- 525 .(73) انظر ما سلف في تفسير"البينات" 2 : 318 ، 354/ ثم 3 : 249- 251 .(74) انظر معنى"عزيز" و"حكيم" في فهرس اللغة .
هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلۡغَمَامِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٢١٠التفسير الميسرما ينتظر هؤلاء المعاندون الكافرون بعد قيام الأدلة البينة إلا أن يأتيهم الله عز وجل على الوجه اللائق به سبحانه في ظُلَل من السحاب يوم القيامة؛ ليفصل بينهم بالقضاء العادل، وأن تأتي الملائكة، وحينئذ يقضي الله تعالى فيهم قضاءه. وإليه وحده ترجع أمور الخلائق جميعها.
تفسير السعديوهذا فيه من الوعيد الشديد والتهديد ما تنخلع له القلوب، يقول تعالى: هل ينتظر الساعون في الفساد في الأرض, المتبعون لخطوات الشيطان, النابذون لأمر الله إلا يوم الجزاء بالأعمال, الذي قد حشي من الأهوال والشدائد والفظائع, ما يقلقل قلوب الظالمين, ويحق به الجزاء السيئ على المفسدين. وذلك أن الله تعالى يطوي السماوات والأرض, وتنثر الكواكب, وتكور الشمس والقمر, وتنزل الملائكة الكرام, فتحيط بالخلائق, وينزل الباري [تبارك] تعالى: فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ليفصل بين عباده بالقضاء العدل. فتوضع الموازين, وتنشر الدواوين, وتبيض وجوه أهل السعادة وتسود وجوه أهل الشقاوة, ويتميز أهل الخير من أهل الشر، وكل يجازى بعمله، فهنالك يعض الظالم على يديه إذا علم حقيقة ما هو عليه. وهذه الآية وما أشبهها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة, المثبتين للصفات الاختيارية, كالاستواء, والنزول, والمجيء, ونحو ذلك من الصفات التي أخبر بها تعالى, عن نفسه, أو أخبر بها عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، فيثبتونها على وجه يليق بجلال الله وعظمته, من غير تشبيه ولا تحريف، خلافا للمعطلة على اختلاف أنواعهم, من الجهمية, والمعتزلة, والأشعرية ونحوهم, ممن ينفي هذه الصفات, ويتأول لأجلها الآيات بتأويلات ما أنزل الله عليها من سلطان, بل حقيقتها القدح في بيان الله وبيان رسوله, والزعم بأن كلامهم هو الذي تحصل به الهداية في هذا الباب، فهؤلاء ليس معهم دليل نقلي, بل ولا دليل عقلي، أما النقلي فقد اعترفوا أن النصوص الواردة في الكتاب والسنة, ظاهرها بل صريحها, دال على مذهب أهل السنة والجماعة, وأنها تحتاج لدلالتها على مذهبهم الباطل, أن تخرج عن ظاهرها ويزاد فيها وينقص، وهذا كما ترى لا يرتضيه من في قلبه مثقال ذرة من إيمان. وأما العقل فليس في العقل ما يدل على نفي هذه الصفات، بل العقل دل على أن الفاعل أكمل من الذي لا يقدر على الفعل, وأن فعله تعالى المتعلق بنفسه والمتعلق بخلقه هو كمال، فإن زعموا أن إثباتها يدل على التشبيه بخلقه، قيل لهم: الكلام على الصفات, يتبع الكلام على الذات، فكما أن لله ذاتا لا تشبهها الذوات, فلله صفات لا تشبهها الصفات، فصفاته تبع لذاته, وصفات خلقه, تبع لذواتهم, فليس في إثباتها ما يقتضي التشبيه بوجه. ويقال أيضا, لمن أثبت بعض الصفات, ونفى بعضا, أو أثبت الأسماء دون الصفات: إما أن تثبت الجميع كما أثبته الله لنفسه, وأثبته رسوله، وإما أن تنفي الجميع, وتكون منكرا لرب العالمين، وأما إثباتك بعض ذلك, ونفيك لبعضه, فهذا تناقض، ففرق بين ما أثبته, وما نفيته, ولن تجد إلى الفرق سبيلا، فإن قلت: ما أثبته لا يقتضي تشبيها، قال لك أهل السنة: والإثبات لما نفيته لا يقتضي تشبيها، فإن قلت: لا أعقل من الذي نفيته إلا التشبيه، قال لك النفاة: ونحن لا نعقل من الذي أثبته إلا التشبيه، فما أجبت به النفاة, أجابك به أهل السنة, لما نفيته. والحاصل أن من نفى شيئا وأثبت شيئا مما دل الكتاب والسنة على إثباته, فهو متناقض, لا يثبت له دليل شرعي ولا عقلي, بل قد خالف المعقول والمنقول.
تفسير ابن كثيريقول تعالى مهددا للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه : ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ) يعني : يوم القيامة ، لفصل القضاء بين الأولين والآخرين ، فيجزي كل عامل بعمله ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، ولهذا قال : ( وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور ) كما قال : ( كلا إذا دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك صفا صفا وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى ) [ الفجر : 21 23 ] ، وقال : ( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك ) الآية [ الأنعام : 158 ] .وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير هاهنا حديث الصور بطوله من أوله ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهو حديث مشهور ساقه غير واحد من أصحاب المسانيد وغيرهم ، وفيه : " أن الناس إذا اهتموا لموقفهم في العرصات تشفعوا إلى ربهم بالأنبياء واحدا واحدا ، من آدم فمن بعده ، فكلهم يحيد عنها حتى ينتهوا إلى محمد ، صلوات الله وسلامه عليه ، فإذا جاءوا إليه قال : أنا لها ، أنا لها . فيذهب فيسجد لله تحت العرش ، ويشفع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء بين العباد ، فيشفعه الله ، ويأتي في ظلل من الغمام بعد ما تنشق السماء الدنيا ، وينزل من فيها من الملائكة ، ثم الثانية ، ثم الثالثة إلى السابعة ، وينزل حملة العرش والكروبيون ، قال : وينزل الجبار ، عز وجل ، في ظلل من الغمام والملائكة ، ولهم زجل من تسبيحهم يقولون : سبحان ذي الملك والملكوت ، سبحان رب العرش ذي الجبروت ، سبحان الحي الذي لا يموت ، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت ، سبوح قدوس ، رب الملائكة والروح ، قدوس قدوس ، سبحان ربنا الأعلى ، سبحان ذي السلطان والعظمة ، سبحانه أبدا أبدا " .وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه هاهنا أحاديث فيها غرابة والله أعلم ; فمنها ما رواه من حديث المنهال بن عمرو ، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، عن مسروق ، عن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم ، قياما شاخصة أبصارهم إلى السماء ، ينتظرون فصل القضاء ، وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي " .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا أبو بكر بن عطاء بن مقدم ، حدثنا معتمر بن سليمان ، سمعت عبد الجليل القيسي ، يحدث عن عبد الله بن عمرو : ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ) الآية ، قال : يهبط حين يهبط ، وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب ، منها : النور ، والظلمة ، والماء . فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتا تنخلع له القلوب .قال : وحدثنا أبي : حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي ، حدثنا الوليد قال : سألت زهير بن محمد ، عن قول الله : ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ) قال : ظلل من الغمام ، منظوم من الياقوت مكلل بالجوهر والزبرجد .وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( في ظلل من الغمام ) قال : هو غير السحاب ، ولم يكن قط إلا لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا .وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية : ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة )[ قال ] : يقول : والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام ، والله تعالى يجيء فيما يشاء وهي في بعض القراءة : " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام " وهي كقوله : ( ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا ) [ الفرقان : 25 ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور هل ينظرون يعني التاركين الدخول في السلم ، و " هل " يراد به هنا الجحد ، أي ما ينتظرون . إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة نظرته وانتظرته بمعنى . والنظر الانتظار . وقرأ قتادة وأبو جعفر يزيد بن القعقاع والضحاك " في ظلال من الغمام " . وقرأ أبو جعفر " والملائكة " بالخفض عطفا على الغمام ، وتقديره مع الملائكة ، تقول العرب : أقبل الأمير في العسكر ، أي مع العسكر . ( ظلل ) جمع ظلة في التكسير ، كظلمة وظلم وفي التسليم ظللات ، وأنشد سيبويه : - للشاعر الجعدي -إذا الوحش ضم الوحش في ظللاتها سواقط من حر وقد كان أظهراوظلات وظلال ، جمع ظل في الكثير ، والقليل أظلال . ويجوز أن يكون ظلال جمع ظلة ، مثل قوله : قلة وقلال ، كما قال الشاعر :ممزوجة بماء القلالقال الأخفش سعيد : و " الملائكة " بالخفض بمعنى وفي الملائكة . قال : والرفع أجود ، كما قال : هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ، وجاء ربك والملك صفا صفا . قال الفراء : وفي قراءة عبد الله : " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام " . قال قتادة : " الملائكة " يعني تأتيهم لقبض أرواحهم ، ويقال يوم القيامة ، وهو أظهر . قال أبو العالية والربيع : تأتيهم الملائكة في ظلل من الغمام ، ويأتيهم الله فيما شاء . وقال الزجاج : التقدير في ظلل من الغمام ومن الملائكة . وقيل : ليس الكلام على ظاهره في حقه سبحانه ، وإنما المعنى يأتيهم أمر الله وحكمه . وقيل : أي بما وعدهم من الحساب والعذاب في ظلل ، مثل : فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ؛ أي بخذلانه إياهم ، هذا قول الزجاج ، والأول قول الأخفش سعيد . وقد يحتمل أن يكون معنى الإتيان راجعا إلى الجزاء ، فسمى الجزاء إتيانا كما سمى التخويف والتعذيب في قصة نمروذ إتيانا فقال : فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم . وقال في قصة النضير : فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب ، وقال : وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها . وإنما احتمل الإتيان هذه المعاني لأن أصل الإتيان عند أهل اللغة هو القصد إلى الشيء ، فمعنى الآية : هل ينظرون إلا أن يظهر الله تعالى فعلا من الأفعال مع خلق من خلقه يقصد إلى مجازاتهم ويقضي في أمرهم ما هو قاض ، وكما أنه سبحانه أحدث فعلا سماه نزولا واستواء كذلك يحدث فعلا يسميه إتيانا ، وأفعاله بلا آلة ولا علة ، سبحانه! وقال ابن عباس في رواية أبي صالح : هذا من المكتوم الذي لا يفسر . وقد سكت بعضهم عن تأويلها ، وتأولها بعضهم كما ذكرنا . وقيل : الفاء بمعنى الباء ، أي يأتيهم بظلل ، ومنه الحديث : يأتيهم الله في صورة أي بصورة امتحانا لهم ولا يجوز أن يحمل هذا وما أشبهه مما جاء في القرآن والخبر على وجه الانتقال والحركة والزوال ؛ لأن ذلك من صفات الأجرام والأجسام ، تعالى الله الكبير المتعال ، ذو الجلال والإكرام عن مماثلة الأجسام علوا كبيرا . " والغمام " : السحاب الرقيق الأبيض ، سمي بذلك لأنه يغم ، أي يستر ، كما تقدم . وقرأ معاذ بن جبل : " وقضاء الأمر " . وقرأ يحيى بن يعمر " وقضي الأمور " بالجمع . والجمهور وقضي الأمر فالمعنى وقع الجزاء وعذب أهل العصيان . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي " ترجع الأمور " على بناء الفعل للفاعل ، وهو الأصل ، دليله ألا إلى الله تصير الأمور ، إلى الله مرجعكم . وقرأ الباقون ترجع على بنائه للمفعول ، وهي أيضا قراءة حسنة ، دليله ثم تردون ، ثم ردوا إلى الله ، ولئن رددت إلى ربي . والقراءتان حسنتان بمعنى ، والأصل الأولى ، وبناؤه للمفعول توسع وفرع ، والأمور كلها راجعة إلى الله قبل وبعد . وإنما نبه بذكر ذلك في يوم القيامة على زوال ما كان منها إلى الملوك في الدنيا .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُقال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: هل ينظرُ المكذِّبون بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، إلا أن يأتيهم الله في ظُلل من الغمام والملائكة ؟.* * *ثم اختلفت القرأة في قراءة قوله: " والملائكة " .فقرأ بعضهم: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة "، بالرفع، عطفًا ب " الملائكة " على اسم الله تبارك وتعالى، على معنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكةُ في ظلل من الغمام.* ذكر من قال ذلك:4032 - حدثني أحمد بن يوسف عن أبي عبيد القاسم بن سلام، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال- في قراءة أبيّ بن كعب: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكةُ في ظلل من الغمام "، قال: تأتي الملائكة في ظلل من الغمام، ويأتي الله عزّ وجل فيما شاء.4033 - وقد حدثت هذا الحديث عن عمار بن الحسن، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة " الآية، وقال أبو جعفر الرازي: وهي في بعض القراءة: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام "، كقوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلا [الفرقان: 25]* * *وقرأ ذلك آخرون: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكةِ" بالخفض عطفًا ب " الملائكة " على " الظلل "، بمعنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام وفي الملائكة.* * *وكذلك اختلفت القرأة في قراءة " ظلل "، فقرأها بعضُهم: " في ظُلَل "، وبعضهم: " في ظلال ".فمن قرأها " في ظُلل "، فإنه وجهها إلى أنها جمع " ظُلَّة "، و " الظُلَّة "، تجمع " ظُلل وظِلال "، كما تجمع " الخُلَّة "،" خُلَل وخِلال "، و " الجلَّة "، " جُلَلٌ وجلال ".وأما الذي قرأها " في ظلال "، فإنه جعلها جمع " ظُلَّة "، كما ذكرنا من جمعهم " الخلة "" خلال ".وقد يحتمل أن يكون قارئه كذلك، وجَّهه إلى أنّ ذلك جمع " ظِلّ"، لأن " الظلُّة " و " الظِّل " قد يجمعان جميعًا " ظِلالا ".* * *قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندي: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظُللٍ من الغمام "، لخبر روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفًا. (75) فدل بقوله " طاقات "، على أنها ظلل لا ظلال، لأن واحد " الظلل "" ظلة "، وهي الطاق= واتباعًا لخط المصحف. (76) وكذلك الواجبُ في كل ما اتفقت معانيه واختلفتْ في قراءته القرأة، ولم يكن على إحدى القراءتين دلالة تنفصل بها من الأخرى غير اختلاف خطّ المصحف، فالذي ينبغي أن تؤثر قراءته منها ما وافق رَسم المصحف.* * *وأما الذي هو أولى القراءتين في: " والملائكة "، فالصواب بالرفع، عطفًا بها على اسم الله تبارك وتعالى، على معنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وإلا أن تأتيهم الملائكة، على ما روي عن أبيّ بن كعب، لأن الله جل ثناؤه قد أخبر في غير موضع من كتابه أن الملائكة تأتيهم، فقال جل ثناؤه: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: 22]، وقال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ [الأنعام: 158] فإن أشكلَ على امرئ قول الله جل ثناؤه: وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا فظن أنه مخالفٌ معناه معنى قوله: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة " إذ كان قوله: " والملائكة " في هذه الآية بلفظ جمع، وفي الأخرى بلفظ الواحد. فإن ذلك خطأ من الظنّ، وذلك أن " الملك " في قوله: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ بمعنى الجميع، ومعنى " الملائكة ". والعرب تذكر الواحد بمعنى الجميع، فتقول: " فلان كثير الدرهم والدينار "= يراد به: الدراهم والدنانير= و " هلك البعير والشاةُ"، بمعنى جماعة الإبل والشاء، فكذلك قوله: " والملك " بمعنى " الملائكة ".* * *قال أبو جعفر: ثم اختلف أهل التأويل في قوله: " ظُلل من الغمام "، وهل هو من صلة فعل الله جل ثناؤه، أو من صلة فعل " الملائكة "، ومن الذي يأتي فيها ؟ فقال بعضهم: هو من صلة فعل الله، ومعناه: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وأن تأتيهم الملائكة.* ذكر من قال ذلك:4034 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام "، قال: هو غير السحاب (77) لم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا، وهو الذي يأتي الله فيه يوم القيامة.4035 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة : " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام "، قال: يأتيهم الله وتأتيهم الملائكة عند الموت.4036 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عكرمة في قوله: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام "، قال: طاقات من الغمام، والملائكة حوله= قال ابن جريج، وقال غيره: والملائكةُ بالموت* * *وقول عكرمة هذا، وإن كان موافقًا قولَ من قال: إن قوله: " في ظُلل من الغمام " من صلة فعل الرب تبارك وتعالى الذي قد تقدم ذكرناه، فإنه له مخالف في صفة الملائكة. وذلك أن الواجب من القراءة = على تأويل قول عكرمة هذا في" الملائكة " = الخفضُ، لأنه تأول الآية: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام وفي الملائكة، لأنه زعم أن الله تعالى يأتي في ظلل من الغمام والملائكةُ حوله.هذا إن كان وجَّه قوله: " والملائكة حوله "، إلى أنهم حول الغمام، وجعل " الهاء " في" حوله " من ذكر " الغمام ". وإن كان وجَّه قوله: " والملائكة حوله " إلى أنهم حول الرب تبارك وتعالى، وجعل " الهاء " في" حوله " من ذكر الرب عز وجل ، فقوله نظيرُ قول الآخرين الذين قد ذكرنا قولهم، غيرُ مخالفهم في ذلك.* * *وقال آخرون: بل قوله: " في ظلل من الغمام " من صلة فعل " الملائكة "، وإنما تأتي الملائكة فيها، وأما الرب تعالى ذكره فإنه يأتي فيما شاء.* ذكر من قال ذلك:4037 - حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة " الآية، قال: ذلك يوم القيامة، تأتيهم الملائكة في ظلل من الغمام. قال: الملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والرب تعالى يجيء فيما شاء.* * *قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك تأويل من وجَّه قوله: " في ظُلل من الغمام " إلى أنه من صلة فعل الرب عز وجل، وأن معناه: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وتأتيهم الملائكة، لما:-4038 - حدثنا به محمد بن حميد، قال: حدثنا إبراهيم بن المختار، عن ابن جريج، عن زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفًا، وذلك قوله: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقُضي الأمر ". (78)* * *وأما معنى قوله: " هل ينظرون "، فإنه ما ينظرون، وقد بيّنا ذلك بعلله فيما مضى من كتابنا هذا قبل. (79)* * *ثم اختلف في صفة إتيان الرب تبارك وتعالى الذي ذكره في قوله: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ".فقال بعضهم: لا صفة لذلك غير الذي وصَف به نفسه عز وجل من المجيء والإتيان والنزول، وغيرُ جائز تكلُّف القول في ذلك لأحد إلا بخبر من الله جل جلاله، أو من رسول مرسل. فأما القول في صفات الله وأسمائه، فغيرُ جائز لأحد من جهة الاستخراج إلا بما ذكرنا.* * *وقال آخرون: إتيانه عز وجل، نظيرُ ما يعرف من مجيء الجائي من موضع إلى موضع، وانتقاله من مكان إلى مكان.* * *وقال آخرون: معنى قوله: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله "، يعني به: هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمرُ الله، كما يقال: " قد خشينا أن يأتينا بنو أمية "، يراد به: حُكمهم.* * *وقال آخرون: بل معنى ذلك: هل ينظرون إلا أن يأتيهم ثوابه وحسابه وعذابه، كما قال عز وجل: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [سبأ: 33] وكما يقالُ: " قطع الوالي اللص أو ضربه "، وإنما قطعه أعوانُه.* * *وقد بينا معنى " الغمام " فيما مضى من كتابنا هذا قبل فأغنى ذلك عن تكريره، (80) لأن معناه ههنا هو معناه هنالك.* * *قال أبو جعفر: فمعنى الكلام إذًا: هل ينظر التاركون الدخول في السلم كافة (81) والمتبعون خُطوات الشيطان، إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، فيقضي في أمرهم ما هو قاضٍ.4939 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع المديني، عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: توقفون موقفًا واحدًا يوم القيامة مقدار سَبعين عامًا، لا يُنظر إليكم ولا يُقضى بينكم، قد حُصر عليكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دمًا، وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم الأذقان، أو يلجمكم فتصيحون، ثم تقولون: من يشَفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا ؟ فيقولون من أحقُّ بذلك من أبيكم آدم ؟ جبل الله تُربته، وخلَقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وكلَّمه قِبَلا (82) فيؤتى آدم، فيطلبَ ذلك إليه، فيأبى، ثم يستقرئون الأنبياء نبيًّا نبيًّا، كلما جاءوا نبيًّا أبى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حتى يأتوني، فإذا جاءوني خرجت حتى آتي الفَحْص= قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الفَحْص ؟ قال: قُدّام العرش= فأخرّ ساجدًا، فلا أزال ساجدًا حتى يبعث الله إليَّ ملَكًا، فيأخذ بعضديّ فيرفعني، ثم يقول الله لي: يا محمد ! فأقول: نعم! وهو أعلم. فيقول: ما شأنك ؟ فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة، فشفِّعني في خلقك، فاقض بينهم . فيقول: قد شفَّعتك، أنا آتيكم فأقضي بينكم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينا نحن وقوفٌ سمعنا حِسًّا من السماء شديدًا، فهالنا، فنزل أهل السماء الدنيا بمثلَيْ من في الأرض من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقَت الأرضُ بنورهم، وأخذوا مَصافَّهم، فقلنا لهم: أفيكم ربُّنا ؟ قالوا: لا! وهو آتٍ. ثم نزل أهل السماء الثانية بمثْليْ من نزل من الملائكة، وبمثلي من فيها من الجنّ والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا ؟ قالوا: لا! وهو آتٍ. ثم نزل أهل السماء الثالثة بمثلي من نزل من الملائكة، وبمثلي من في الأرض من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مَصافَّهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا ؟ قالوا: لا ! وهو آتٍ، ثم نزل أهلُ السموات على عدد ذلك من التضعيف، حتى نزل الجبار في ظُلل من الغمام والملائكة، ولهم زجَلٌ من تسبيحهم يقولون: " سبحان ذي الملك والملكوت! سبحان ربّ العرش ذي الجبروت! سبحان الحي الذي لا يموت! سبحان الذي يُميت الخلائق ولا يموت! سبوح قدوس، رب الملائكة والروح! قدّوس قدّوس! سبحان ربنا الأعلى! سبحان ذي السلطان والعظمة! سبحانه أبدًا أبدًا "! فينزل تبارك وتعالى، يحملُ عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة ، أقدامهم على تُخوم الأرض السفلى والسموات إلى حُجَزهم ، والعرشُ على مناكبهم. فوضع الله عز وجل عرشه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي مناد نداءً يُسمع الخلائق، فيقول: يا معشر الجن والإنس إني قد أنصتُّ منذ يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم، وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليّ، فإنما هي صُحُفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه! فيقضي الله عز وجل بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه ليقتصُّ يومئذ للجمَّاءِ من ذات القَرْن ". (83)* * *قال أبو جعفر: وهذا الخبر يدلّ على خطأ قول قتادة في تأويله قوله: " والملائكة " أنه يعني به الملائكة تأتيهم عند الموت . لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر أنهم يأتونهم بعد قيام الساعة في موقف الحساب، حين تشقَّقُ السماء، وبمثل ذلك روي الخبر عن جماعة من الصحابة والتابعين، كرهنا إطالة الكتاب بذكرهم وذكر ما قالوا في ذلك،= ويوضحُ أيضًا صحة ما اخترنا في قراءة قوله: " والملائكة " بالرفع على معنى: وتأتيهم الملائكة = ويُبينُ عن خطأ قراءة من قرأ ذلك بالخفض، لأنه أخبر صلى الله عليه وسلم أن الملائكة تأتي أهل القيامة في موقفهم حين تَفَطَّر السماء، قبل أن يأتيهم ربُّهم، في ظلل من الغمام. إلا أن يكون قارئ ذلك ذهب إلى أنه عز وجل عنى بقوله ذلك: إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وفي الملائكة الذين يأتون أهلَ الموقف حين يأتيهم الله في ظلل من الغمام، فيكون ذلك وجهًا من التأويل، وإن كان بعيدًا من قول أهل العلم، ودلالة الكتاب وآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة.* * *القول في تأويل قوله تعالى : وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ (210)قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: وفُصِل القضاء بالعدل بين الخلق، (84) على ما ذكرناه قبلُ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: من أخْذ الحق لكلّ مظلوم من كل ظالم، حتى القصاص للجمّاء من القرناء من البهائم ". (85)وأما قوله: " وإلى الله تُرجع الأمور "، فإنه يعني: وإلى الله يؤول القضاء بين خلقه يوم القيامة، والحكم بينهم في أمورهم التي جرت في الدنيا، من ظلم بعضهم بعضًا، واعتداءِ المعتدي منهم حدودَ الله، وخلافَ أمره، وإحسانِ المحسن منهم، وطاعته إياه فيما أمرَه به- فيفصلُ بين المتظالمين، ويجازي أهل الإحسان بالإحسان، وأهل الإساءة بما رأى، ويتفضل على من لم يكن منهم كافرًا فيعفو. ولذلك قال جل ثناؤه: " وإلى الله تُرجع الأمور "، وإن كانت أمور الدنيا كلها والآخرةِ، من عنده مبدؤها، وإليه مصيرها، إذْ كان خلقُه في الدنيا يتظالمون، ويلي النظرَ بينهم أحيانًا في الدنيا بعضُ خلقه، فيحكم بينهم بعضُ عبيده، فيجورُ بعضٌ ويعدل بعضٌ، ويصيبُ واحد ويخطئ واحد، ويمكَّن من تنفيذ الحكم على بعض، ويتعذَّر ذلك على بعض، لمنعة جانبه وغلبته بالقوة. فأعلم عبادَه تعالى ذكره أن مرجع جميع ذلك إليه في موقف القيامة، فينصف كُلا من كُلٍّ، ويجازي حق الجزاء كُلا حيثُ لا ظلمَ ولا مُمْتَنَعَ من نفوذ حكمه عليه، وحيث يستوي الضعيف والقويّ، والفقير والغني، ويضمحل الظلم وينزلُ سلطان العدل.* * *وإنما أدخل جل وعزّ" الألف واللام " في" الأمور "، لأنه جل ثناؤه عنى بها جميع الأمور، ولم يعن بها بعضًا دون بعض، فكان ذلك بمعنى قول القائل: " يعجبني العسل- والبغل أقوى من الحمار "، فيدخل فيه " الألف واللام "، لأنه لم يُقصد به قصد بعض دون بعض، إنما يراد به العموم والجمع.---------------------------الهوامش :(75) سيأتي في الأثر رقم : 4038 .(76) قوله : "واتباعا . . . " معطوف على موضع قوله : "لخبر روي عن رسول الله . . . "(77) انظر تفسير"الغمام" فيما سلف 2 : 90 ، 91 ، وما سيأتي قريبا : 266 .(78) الحديث : 4038 -زمعة بن صالح الجندي- بفتح الجيم والنون- اليماني : ضعيف ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما . وفصلنا ذلك في شرح المسند : 2061 .سلمة بن وهرام -بفتح الواو وسكون الهاء- اليماني : ثقة ، وإنما تكلموا فيه من أجل أحاديث رواها عنه زمعة بن صالح ، والحمل فيها على زمعة .وهذا الحديث ضعيف ، كما ترى وذكره السيوطي 1 : 241- 242 ونسبه لابن جرير والديلمي فقط .ونقل قبله نحو معناه ، موقوفًا على ابن عباس ونسبه لعبد بن حميد ، وأبي يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم . ولعله موقوفًا أشبه بالصواب .وانظر الحديث بعده : 4039 .(79) كأنه يريد ما سلف 2 : 485 ، من أن حروف الاستفهام تدخل بمعنى الجحد . ولم أجد موضعًا مما يشير إليه غير هذا . وانظر اللسان مادة (هلل) .(80) انظر ما سلف 2 : 90- 91 ، وما مضى قريبا : 263 .(81) في المطبوعة : "هل ينظرون التاركون . . " والصواب ما أثبت .(82) "كلمة قبلا" (بكسر القاف وفتح الباء) أي عيانا ومقابلة ، لا من وراء حجاب ومن غير أن يولى أمره او كلامه أحدًا من الملائكة .(83) الحديث : 4039 - هذا حدث ضعيف من جهتين : من جهة إسماعيل بن رافع ومن جهة الرجل المبهم من الأنصار ثم هذا السياق فيه نكارة .فإسماعيل بن رافع بن عويمر المدني : ضعيف جدًا ، ضعفه أحمد وابن معين وأبو حاتم وابن سعد وغيرهم وذكره ابن حبان في كتاب المجروحين رقم : 42 (مخطوط مصور) وقال : "كان رجلا صالحا ، إلا أنه يقلب الأخبار حتى صار الغالب على حديثه المناكير التي يسبق إلى القلب أنه كالمعتمد لها" .وهذا الحديث أشار إليه ابن كثير 1 : 474- 475 وقال : "وهو حديث مشهور ساقه غير واحد من أصحاب المسانيد وغيرهم"! وما وجدته في شيء مما بين يدي من المراجع فلا أدري كيف كان هذا؟ .ولإسماعيل بن رافع هذا حديث آخر ، في معنى هذا الحديث أطول منه جدًا . ذكره ابن كثير في التفسير 3 : 337- 342 من رواية الطبراني في كتابه (المطولات) بإسناده من طريق أبي عاصم النبيل عن إسماعيل بن رافع عن محمد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة مرفوعا . ثم قال ابن كثير بعد سياقه بطوله : "هذا حديث مشهور وهو غريب جدا ، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة وفي بعض أفاظه نكارة . تفرد به إسماعيل بن رافع قاص أهل المدينة وقد اختلف فيه : فمنهم من وثقه ومنهم من ضعفه . ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة كأحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي وعمرو بن علي الفلاس ومنهم من قال فيه : هو متروك وقال ابن عدي : أحاديثه كلها فيها نظر إلا انه يكتب حديثه في جملة الضعفاء قلت : [القائل ابن كثير] : وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة وقد أفردتها في جزء على حدة . وأما سياقه فغريب جدًا ، ويقال أنه جمعه من أحاديث كثيرة وجعله سياقًا واحدًا فأنكر عليه بسبب ذلك . وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول : إنه رأى للوليد بن مسلم مصنفًا قد جمعه كالشواهد لبعض مفردات هذا الحديث . فاله أعلم" .ثم جاء صدر الدين بن أبي العز قاضي القضاة -تلميذ ابن كثير- فأشار إلى هذين الحديثين : حديث الطبري الذي هنا ، وحديث الطبراني الذي ذكره شيخه ابن كثير إشارة واحدة في شرح الطحاوية ص : 171- 172 بتحقيقنا كأنه اعتبرهما حديثًا واحدًا ، فذكر بعض سياق الحديث المطول ثم قال : "رواه الأئمة : ابن جرير في تفسيره والطبراني وأبو يعلى الموصلي والبيهقي" فكان شأنه في ذلك موضع نظر ، لأن رواية الطبراني إنما هي في كتاب آخر غير معاجمة الثلاثة كما نقل ابن كثير ثم لم أجده في كتاب الأسماء والصفات للبيهقي . ثم لم يذكره صاحب الزوائد . ولو كان في أحد معاجم الطبراني او في مسند أبي يعلى الموصلي كما يوهمه إطلاق ابن أبي العز- لذكره صاحب الزوائد بما التزم من ذلك في كتابه .(84) انظر معنى"قضى" و"القضاء" فيما سلف 2 : 542 ، 543 .(85) انظر الأثر السالف رقم : 4039 .