الأربعاء، ٢٠ مايو ٢٠٢٦
الأربعاء، ٢٠ مايو ٢٠٢٦
facebookinstagramtwitter

عرض بالصفحات

Basmala
سُورَةُ الأَنبِيَاءِ
وَمِنَ ٱلشَّيَٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُۥ وَيَعۡمَلُونَ عَمَلٗا دُونَ ذَٰلِكَۖ وَكُنَّا لَهُمۡ حَٰفِظِينَ  ٨٢۞ وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ  ٨٣فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَكَشَفۡنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰبِدِينَ  ٨٤وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِدۡرِيسَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰبِرِينَ  ٨٥وَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ فِي رَحۡمَتِنَآۖ إِنَّهُم مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ  ٨٦وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ  ٨٧فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡغَمِّۚ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ  ٨٨وَزَكَرِيَّآ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ رَبِّ لَا تَذَرۡنِي فَرۡدٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡوَٰرِثِينَ  ٨٩فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَوَهَبۡنَا لَهُۥ يَحۡيَىٰ وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ  ٩٠
تفسير سُورَةُ الأَنبِيَاءِ
وَمِنَ ٱلشَّيَٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُۥ وَيَعۡمَلُونَ عَمَلٗا دُونَ ذَٰلِكَۖ وَكُنَّا لَهُمۡ حَٰفِظِينَ  ٨٢
التفسير الميسروسخَّرنا لسليمان من الشياطين شياطين يستخدمهم فيما يَعْجِز عنه غيرهم، فكانوا يغوصون في البحر يستخرجون له اللآلئ والجواهر، وكانوا يعملون كذلك في صناعة ما يريده منهم، لا يقدرون على الامتناع مما يريده منهم، حفظهم الله له بقوته وعزه سبحانه وتعالى.
تفسير السعدي وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وهذا أيضا من خصائص سليمان عليه السلام، أن الله سخر له الشياطين والعفاريت، وسلطه على تسخيرهم في الأعمال، التي لا يقدر على كثير منها غيرهم، فكان منهم من يغوص له في البحر، ويستخرج الدر، واللؤلؤ، وغير ذلك، ومنهم من يعمل له مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ وسخر طائفة منهم، لبناء بيت المقدس، ومات، وهم على عمله، وبقوا بعده سنة، حتى علموا موته، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ أي: لا يقدرون على الامتناع منه وعصيانه، بل حفظهم الله له، بقوته وعزته، وسلطانه.
تفسير ابن كثيروقوله : ( ومن الشياطين من يغوصون له ) أي : في الماء يستخرجون اللآلئ [ وغير ذلك . ( ويعملون عملا دون ذلك ) أي : غير ذلك ، كما قال تعالى : ( والشياطين كل بناء وغواص ] وآخرين مقرنين في الأصفاد ) . [ ص : 37 ، 38 ] .وقوله : ( وكنا لهم حافظين ) أي : يحرسه الله أن يناله أحد من الشياطين بسوء ، بل كل في قبضته وتحت قهره لا يتجاسر أحد منهم على الدنو إليه والقرب منه ، بل هو محكم فيهم ، إن شاء أطلق ، وإن شاء حبس منهم من يشاء; ولهذا قال : ( وآخرين مقرنين في الأصفاد )
تفسير القرطبيقوله تعالى : ومن الشياطين من يغوصون له أي وسخرنا له من يغوصون ؛ يريد تحت الماء . أي يستخرجون له الجواهر من البحر . والغوص النزول تحت الماء ، وقد غاص في الماء ، والهاجم على الشيء غائص . والغواص الذي يغوص في البحر على اللؤلؤ ، وفعله الغياصة . ويعملون عملا دون ذلك أي سوى ذلك من الغوص ؛ قاله الفراء . وقيل : يراد بذلك المحاريب والتماثيل وغير ذلك يسخرهم فيه . وكنا لهم حافظين أي لأعمالهم . وقال الفراء : حافظين لهم من أن يفسدوا أعمالهم ، أو يهيجوا أحدا من بني آدم في زمان سليمان . وقيل : حافظين من أن يهربوا أو يمتنعوا . أو حفظناهم من أن يخرجوا عن أمره . وقد قيل : إن الحمام والنورة والطواحين والقوارير والصابون من استخراج الشياطين .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: وسخرنا أيضا لسليمان من الشياطين من يغوصون له في البحر، ويعملون عملا دون ذلك من البنيان والتماثيل والمحاريب ( وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ ) ، يقول: وكنا لأعمالهم ولأعدادهم حافظين، لا يئودنا حفظ ذلك كله.
۞ وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ  ٨٣
التفسير الميسرواذكر - أيها الرسول - عبدنا أيوب، إذ ابتليناه بضر وسقم عظيم في جسده، وفقد أهله وماله وولده، فصبر واحتسب، ونادى ربه عز وجل أني قد أصابني الضر، وأنت أرحم الراحمين، فاكشفه عني.
تفسير السعديأي: واذكر عبدنا ورسولنا، أيوب - مثنيا معظما له، رافعا لقدره - حين ابتلاه، ببلاء شديد، فوجده صابرا راضيا عنه، وذلك أن الشيطان سلط على جسده، ابتلاء من الله، وامتحانا فنفخ في جسده، فتقرح قروحا عظيمة ومكث مدة طويلة، واشتد به البلاء، ومات أهله، وذهب ماله، فنادى ربه: رب أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فتوسل إلى الله بالإخبار عن حال نفسه، وأنه بلغ الضر منه كل مبلغ
تفسير ابن كثيريذكر تعالى عن أيوب ، عليه السلام ، ما كان أصابه من البلاء ، في ماله وولده وجسده ، وذلك أنه كان له من الدواب والأنعام والحرث شيء كثير ، وأولاد كثيرة ، ومنازل مرضية . فابتلي في ذلك كله ، وذهب عن آخره ، ثم ابتلي في جسده - يقال : بالجذام في سائر بدنه ، ولم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه ، يذكر بهما الله عز وجل ، حتى عافه الجليس ، وأفرد في ناحية من البلد ، ولم يبق من الناس أحد يحنو عليه سوى زوجته ، كانت تقوم بأمره ، ويقال : إنها احتاجت فصارت تخدم الناس من أجله ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أشد الناس بلاء الأنبياء ، ثم الصالحون ، ثم الأمثل فالأمثل " وفي الحديث الآخر : " يبتلى الرجل على قدر دينه ، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه " .وقد كان نبي الله أيوب ، عليه السلام ، غاية في الصبر ، وبه يضرب المثل في ذلك .وقال يزيد بن ميسرة : لما ابتلى الله أيوب ، عليه السلام ، بذهاب الأهل والمال والولد ، ولم يبق له شيء ، أحسن الذكر ، ثم قال : أحمدك رب الأرباب ، الذي أحسنت إلي ، أعطيتني المال والولد ، فلم يبق من قلبي شعبة ، إلا قد دخله ذلك ، فأخذت ذلك كله مني ، وفرغت قلبي ، ليس يحول بيني وبينك شيء ، لو يعلم عدوي إبليس بالذي صنعت ، حسدني . قال : فلقي إبليس من ذلك منكرا .قال : وقال أيوب ، عليه السلام : يا رب ، إنك أعطيتني المال والولد ، فلم يقم على بابي أحد يشكوني لظلم ظلمته ، وأنت تعلم ذلك . وأنه كان يوطأ لي الفراش فأتركها وأقول لنفسي : يا نفس ، إنك لم تخلقي لوطء الفرش ، ما تركت ذلك إلا ابتغاء وجهك . رواه ابن أبي حاتم .وقد ذكر عن وهب بن منبه في خبره قصة طويلة ، ساقها ابن جرير وابن أبي حاتم بالسند عنه ، وذكرها غير واحد من متأخري المفسرين ، وفيها غرابة تركناها لحال الطول .وقد روي أنه مكث في البلاء مدة طويلة ، ثم اختلفوا في السبب المهيج له على هذا الدعاء ، فقال الحسن وقتادة ، ابتلي أيوب ، عليه السلام ، سبع سنين وأشهرا ، ملقى على كناسة بني إسرائيل ، تختلف الدواب في جسده ففرج الله عنه ، وعظم له الأجر ، وأحسن عليه الثناء .وقال وهب بن منبه : مكث في البلاء ثلاث سنين ، لا يزيد ولا ينقص .وقال السدي : تساقط لحم أيوب حتى لم يبق إلا العصب والعظام ، فكانت امرأته تقوم عليه وتأتيه بالزاد يكون فيه ، فقالت له امرأته لما طال وجعه : يا أيوب ، لو دعوت ربك يفرج عنك؟ فقال : قد عشت سبعين سنة صحيحا ، فهل قليل لله أن أصبر له سبعين سنة؟ فجزعت من ذلك فخرجت ، فكانت تعمل للناس بأجر وتأتيه بما تصيب فتطعمه ، وإن إبليس انطلق إلى رجلين من فلسطين كانا صديقين له وأخوين ، فأتاهما فقال : أخوكما أيوب أصابه من البلاء كذا وكذا ، فأتياه وزوراه واحملا معكما من خمر أرضكما ، فإنه إن شرب منه برأ . فأتياه ، فلما نظرا إليه بكيا ، فقال : من أنتما؟ فقالا : نحن فلان وفلان! فرحب بهما وقال : مرحبا بمن لا يجفوني عند البلاء ، فقالا : يا أيوب ، لعلك كنت تسر شيئا وتظهر غيره ، فلذلك ابتلاك الله؟ فرفع رأسه إلى السماء ثم قال : هو يعلم ، ما أسررت شيئا أظهرت غيره . ولكن ربي ابتلاني لينظر أأصبر أم أجزع ، فقالا له : يا أيوب ، اشرب من خمرنا فإنك إن شربت منه برأت . قال : فغضب وقال : جاءكما الخبيث فأمركما بهذا؟ كلامكما وطعامكما وشرابكما علي حرام . فقاما من عنده ، وخرجت امرأته تعمل للناس فخبزت لأهل بيت لهم صبي ، فجعلت لهم قرصا ، وكان ابنهم نائما ، فكرهوا أن يوقظوه ، فوهبوه لها .فأتت به إلى أيوب ، فأنكره وقال : ما كنت تأتيني بهذا ، فما بالك اليوم؟ فأخبرته الخبر . قال : فلعل الصبي قد استيقظ ، فطلب القرص فلم يجده فهو يبكي على أهله . [ فانطلقي به إليه . فأقبلت حتى بلغت درجة القوم ، فنطحتها شاة لهم ، فقالت : تعس أيوب الخطاء! فلما صعدت وجدت الصبي قد استيقظ وهو يطلب القرص ، ويبكي على أهله ] ، لا يقبل منهم شيئا غيره ، فقالت : رحم الله أيوب فدفعت القرص إليه ورجعت . ثم إن إبليس أتاها في صورة طبيب ، فقال لها : إن زوجك قد طال سقمه ، فإن أراد أن يبرأ فليأخذ ذبابا فليذبحه باسم صنم بني فلان فإنه يبرأ ويتوب بعد ذلك . فقالت ذلك لأيوب ، فقال : قد أتاك الخبيث . لله علي إن برأت أن أجلدك مائة جلدة . فخرجت تسعى عليه ، فحظر عنها الرزق ، فجعلت لا تأتي أهل بيت فيريدونها ، فلما اشتد عليها ذلك وخافت على أيوب الجوع حلقت من شعرها قرنا فباعته من صبية من بنات الأشراف ، فأعطوها طعاما طيبا كثيرا فأتت به أيوب ، فلما رآه أنكره وقال : من أين لك هذا؟ قالت : عملت لأناس فأطعموني . فأكل منه ، فلما كان الغد خرجت فطلبت أن تعمل فلم تجد فحلقت أيضا قرنا فباعته من تلك الجارية ، فأعطوها من ذلك الطعام ، فأتت به أيوب ، فقال : والله لا أطعمه حتى أعلم من أين هو؟ فوضعت خمارها ، فلما رأى رأسها محلوقا جزع جزعا شديدا ، فعند ذلك دعا ربه عز وجل : ( أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ) .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد ، حدثنا أبو عمران الجوني ، عن نوف البكالي; أن الشيطان الذي عرج في أيوب كان يقال له : " سوط " ، قال : وكانت امرأة أيوب تقول : " ادع الله فيشفيك " ، فجعل لا يدعو ، حتى مر به نفر من بني إسرائيل ، فقال بعضهم لبعض : ما أصابه ما أصابه إلا بذنب عظيم أصابه ، فعند ذلك قال : " رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين " .وحدثنا أبي ، حدثنا أبو سلمة ، حدثنا جرير بن حازم ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال : كان لأيوب ، عليه السلام ، أخوان فجاءا يوما ، فلم يستطيعا أن يدنوا منه ، من ريحه ، فقاما من بعيد ، فقال أحدهما للآخر : لو كان الله علم من أيوب خيرا ما ابتلاه بهذا؟ فجزع أيوب من قولهما جزعا لم يجزع من شيء قط ، فقال : اللهم ، إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعان وأنا أعلم مكان جائع ، فصدقني . فصدق من السماء وهما يسمعان . ثم قال : اللهم ، إن كنت تعلم أني لم يكن لي قميصان قط ، وأنا أعلم مكان عار ، فصدقني ، فصدق من السماء وهما يسمعان . اللهم بعزتك ثم خر ساجدا ، ثم قال اللهم بعزتك لا أرفع رأسي أبدا حتى تكشف عني . فما رفع رأسه حتى كشف عنه .وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر مرفوعا بنحو هذا فقال : أخبرنا يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب أخبرني نافع بن يزيد ، عن عقيل ، عن الزهري ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة ، فرفضه القريب والبعيد ، إلا رجلين من إخوانه ، كانا من أخص إخوانه ، كانا يغدوان إليه ويروحان ، فقال أحدهما لصاحبه : تعلم - والله - لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين . فقال له صاحبه : وما ذاك؟ قال : منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به . فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له ، فقال أيوب ، عليه السلام : ما أدري ما تقول ، غير أن الله عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله ، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما ، كراهة أن يذكرا الله إلا في حق . قال : وكان يخرج في حاجته ، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ ، فلما كان ذات يوم أبطأت عليه ، فأوحي إلى أيوب في مكانه : أن اركض برجلك ، هذا مغتسل بارد وشراب " .رفع هذا الحديث غريب جدا .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد ، أخبرنا علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس ، قال : وألبسه الله حلة من الجنة ، فتنحى أيوب فجلس في ناحية ، وجاءت امرأته ، فلم تعرفه ، فقالت : يا عبد الله ، أين ذهب المبتلى الذي كان هاهنا؟ لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب ، فجعلت تكلمه ساعة ، فقال : ويحك! أنا أيوب ! قالت : أتسخر مني يا عبد الله؟ فقال : ويحك! أنا أيوب ، قد رد الله علي جسدي .وبه قال ابن عباس : ورد عليه ماله وولده عيانا ، ومثلهم معهم .وقال وهب بن منبه : أوحى الله إلى أيوب : قد رددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم ، فاغتسل بهذا الماء ، فإن فيه شفاءك ، وقرب عن صاحبتك قربانا ، واستغفر لهم ، فإنهم قد عصوني فيك . رواه ابن أبي حاتم .[ وقال ] أيضا : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا عمرو بن مرزوق ، حدثنا همام ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لما عافى الله أيوب ، أمطر عليه جرادا من ذهب ، فجعل يأخذ بيده ويجعله في ثوبه " . قال : " فقيل له : يا أيوب ، أما تشبع؟ قال : يا رب ، ومن يشبع من رحمتك " .أصله في الصحيحين ، وسيأتي في موضع آخر .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وأيوب إذ نادى ربه أي واذكر أيوب إذ نادى ربه . أني مسني الضر أي نالني في بدني ضر وفي مالي وأهلي . قال ابن عباس : سمي أيوب لأنه آب إلى الله تعالى في كل حال . وروي أن أيوب - عليه السلام - كان رجلا من الروم ذا مال عظيم ، وكان برا تقيا رحيما بالمساكين ، يكفل الأيتام والأرامل ، ويكرم الضيف ، ويبلغ ابن السبيل ، شاكرا لأنعم الله تعالى ، وأنه دخل مع قومه على جبار عظيم فخاطبوه في أمر ، فجعل أيوب يلين له في القول من أجل زرع كان له فامتحنه الله بذهاب ماله وأهله ، وبالضر في جسمه حتى تناثر لحمه وتدود جسمه ، حتى أخرجه أهل قريته إلى خارج القرية ، وكانت امرأته تخدمه . قال الحسن : مكث بذلك تسع سنين وستة أشهر . فلما أراد الله أن يفرج عنه قال الله تعالى له : اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب فيه شفاؤك ، وقد وهبت لك أهلك ومالك وولدك ومثلهم معهم . وسيأتي في ( ص ) ما للمفسرين في قصة أيوب من تسليط الشيطان عليه ، والرد عليهم إن شاء الله تعالى . واختلف في قول أيوب : مسني الضر على خمسة عشر قولا : الأول : أنه وثب ليصلي فلم يقدر على النهوض فقال : مسني الضر إخبارا عن حاله ، لا شكوى لبلائه ؛ رواه أنس مرفوعا . الثاني : أنه إقرار بالعجز فلم يكن منافيا للصبر . الثالث : أنه سبحانه أجراه على لسانه ليكون حجة لأهل البلاء بعده في الإفصاح بما ينزل بهم . الرابع : أنه أجراه على لسانه إلزاما له في صفة الآدمي في الضعف عن تحمل البلاء . الخامس : أنه انقطع الوحي عنه أربعين يوما فخاف هجران ربه فقال : مسني الضر . وهذا قول جعفر بن محمد . السادس : أن تلامذته الذين كانوا يكتبون عنه لما أفضت حاله إلى ما انتهت إليه محوا ما كتبوا عنه ، وقالوا : ما لهذا عند الله قدر ؛ فاشتكى الضر في ذهاب الوحي والدين من أيدي الناس . وهذا مما لم يصح سنده . والله أعلم ؛ قاله ابن العربي . السابع : أن دودة سقطت من لحمه فأخذها وردها في موضعها فعقرته فصاح مسني الضر فقيل : أعلينا تتصبر . قال ابن العربي : وهذا بعيد جدا مع أنه يفتقر إلى نقل صحيح ، ولا سبيل إلى وجوده . الثامن : أن الدود كان يتناول بدنه فصبر حتى تناولت دودة قلبه وأخرى لسانه ، فقال : مسني الضر لاشتغاله عن ذكر الله ، قال ابن العربي : وما أحسن هذا لو كان له سند ولم تكن دعوى عريضة . التاسع : أنه أبهم عليه جهة أخذ البلاء له هل هو تأديب ، أو تعذيب ، أو تخصيص ، أو تمحيص ، أو ذخر أو طهر ، فقال : مسني الضر أي ضر الإشكال في جهة أخذ البلاء . قال ابن العربي : وهذا غلو لا يحتاج إليه . العاشر : أنه قيل له سل الله العافية فقال : أقمت في النعيم سبعين سنة وأقيم في البلاء سبع سنين وحينئذ أسأله فقال : مسني الضر . قال ابن العربي : وهذا ممكن ولكنه لم يصح في إقامته مدة خبر ولا في هذه القصة . الحادي عشر : أن ضره قول إبليس لزوجه اسجدي لي فخاف ذهاب الإيمان عنها فتهلك ويبقى بغير كافل . الثاني عشر : لما ظهر به البلاء قال قومه : قد أضر بنا كونه معنا وقذره فليخرج عنا ، فأخرجته امرأته إلى ظاهر البلد ؛ فكانوا إذا خرجوا رأوه وتطيروا به وتشاءموا برؤيته ، فقالوا : ليبعد بحيث لا نراه . فخرج إلى بعد من القرية ، فكانت امرأته تقوم عليه وتحمل قوته إليه . فقالوا : إنها تتناوله وتخالطنا فيعود بسببه ضره إلينا . فأرادوا قطعها عنه ؛ فقال : مسني الضر . الثالث عشر : قال عبد الله بن عبيد بن عمير : كان لأيوب أخوان فأتياه فقاما بعيدا لا يقدران أن يدنوا منه من نتن ريحه ، فقال أحدهما : لو علم الله في أيوب خيرا ما ابتلاه بهذا البلاء ؛ فلم يسمع شيئا أشد عليه من هذه الكلمة ؛ فعند ذلك قال : مسني الضر ثم قال : ( اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت شبعان قط وأنا أعلم مكان جائع فصدقني ) فنادى مناد من السماء ( أن صدق عبدي ) وهما يسمعان فخرا ساجدين . الرابع عشر : أن معنى مسني الضر من شماتة الأعداء ؛ ولهذا قيل له : ما كان أشد عليك في بلائك ؟ قال شماتة الأعداء . قال ابن العربي : وهذا ممكن فإن الكليم قد سأله أخوه العافية من ذلك فقال : إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء . الخامس عشر : أن امرأته كانت ذات ذوائب فعرفت حين منعت أن تتصرف لأحد بسببه ما تعود به عليه ، فقطعت ذوائبها واشترت بها ممن يصلها قوتا وجاءت به إليه ، وكان يستعين بذوائبها في تصرفه وتنقله ، فلما عدمها وأراد الحركة في تنقله لم يقدر قال : مسني الضر . وقيل : إنها لما اشترت القوت بذوائبها جاءه إبليس في صفة رجل وقال له : إن أهلك بغت فأخذت وحلق شعرها . فحلف أيوب أن يجلدها ؛ فكانت المحنة على قلب المرأة أشد من المحنة على قلب أيوب .قلت : وقول سادس عشر : ذكره ابن المبارك : أخبرنا يونس بن يزيد عن عقيل عن ابن شهاب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر يوما أيوب النبي - صلى الله عليه وسلم - وما أصابه من البلاء ؛ الحديث . وفيه أن بعض إخوانه ممن صابره ولازمه قال : يا نبي الله لقد أعجبني أمرك وذكرته إلى أخيك وصاحبك ، أنه قد ابتلاك بذهاب الأهل والمال وفي جسدك ، منذ ثمان عشرة سنة حتى بلغت ما ترى ؛ ألا يرحمك فيكشف عنك ! لقد أذنبت ذنبا ما أظن أحدا بلغه ! فقال أيوب - عليه السلام - : ( ما أدري ما يقولان غير أن ربي - عز وجل - يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتزاعمان وكل يحلف بالله - أو على النفر يتزاعمون - فأنقلب إلى أهلي فأكفر عن أيمانهم إرادة ألا يأثم أحد ذكره ، ولا يذكره أحد إلا بالحق ) فنادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين إنما كان دعاؤه عرضا عرضه على الله تبارك وتعالى يخبره بالذي بلغه ، صابرا لما يكون من الله تبارك وتعالى فيه . وذكر الحديث . وقول سابع عشر : سمعته ولم أقف عليه أن دودة سقطت من جسده فطلبها ليردها إلى موضعها فلم يجدها فقال : مسني الضر لما فقد من أجر ألم تلك الدودة ، وكان أراد أن يبقى له الأجر موفرا إلى وقت العافية ، وهذا حسن إلا أنه يحتاج إلى سند . قال العلماء : ولم يكن قوله مسني الضر جزعا ؛ لأن الله تعالى قال : إنا وجدناه صابرا بل كان ذلك دعاء منه ، والجزع في الشكوى إلى الخلق لا إلى الله تعالى ، والدعاء لا ينافي الرضا . قال الثعلبي سمعت أستاذنا أبا القاسم بن حبيب يقول : حضرت مجلسا غاصا بالفقهاء والأدباء في دار السلطان ، فسألت عن هذه الآية بعد إجماعهم على أن قول أيوب كان شكاية قد قال الله تعالى : إنا وجدناه صابرا فقلت : ليس هذا شكاية وإنما كان دعاء ؛ بيانه فاستجبنا له ، والإجابة تتعقب الدعاء لا الاشتكاء . فاستحسنوه وارتضوه . وسئل الجنيد عن هذه الآية فقال : عرفه فاقة السؤال ليمن عليه بكرم النوال .
تفسير الطبريوأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمينالقول في تأويل قوله تعالى : وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : واذكر أيوب يا محمد , إذ نادى ربه وقد مسه الضر والبلاء . وكان الضر الذي أصابه والبلاء الذي نزل به , امتحانا من الله له واختبارا . وكان سبب ذلك كما : 18673 - حدثني محمد بن سهل بن عسكر البخاري , قال : ثنا إسماعيل بن عبد الكريم بن هشام , قال : ثني عبد الصمد بن معقل , قال : سمعت وهب بن منبه يقول : كان بدء أمر أيوب الصديق صلوات الله عليه , أنه كان صابرا نعم العبد . قال وهب : إن لجبريل بين يدي الله مقاما ليس لأحد من الملائكة في القربة من الله والفضيلة عنده , وإن جبريل هو الذي يتلقى الكلام , فإذا ذكر الله عبدا بخير تلقاه جبرائيل منه ثم تلقاه ميكائيل , وحوله الملائكة المقربون حافين من حول العرش . وشاع ذلك في الملائكة المقربين , صارت الصلاة على ذلك العبد من أهل السماوات , فإذا صلت عليه ملائكة السماوات , هبطت عليه بالصلاة إلى ملائكة الأرض . وكان إبليس لا يحجب بشيء من السماوات , وكان يقف فيهن حيث شاء ما أرادوا , ومن هنالك وصل إلى آدم حين أخرجه من الجنة . فلم يزل على ذلك يصعد في السماوات , حتى رفع الله عيسى ابن مريم , فحجب من أربع , وكان يصعد في ثلاث . فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم , حجب من الثلاث الباقية , فهو محجوب هو وجميع جنوده من جميع السماوات إلى يوم القيامة إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين , 15 18 ولذلك أنكرت الجن ما كانت تعرف حين قالت : وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا . .. 72 8 إلى قوله : شهابا رصدا . 72 9 قال وهب : فلم يرع إبليس إلا تجاوب ملائكتها بالصلاة على أيوب , وذلك حين ذكره الله وأثنى عليه . فلما سمع إبليس صلاة الملائكة , أدركه البغي والحسد , وصعد سريعا حتى وقف من الله مكانا كان يقفه , فقال : يا إلهي , نظرت في أمر عبدك أيوب , فوجدته عبدا أنعمت عليه فشكرك , وعافيته فحمدك , ثم لم تجربه بشدة ولم تجربه ببلاء , وأنا لك زعيم لئن ضربته بالبلاء ليكفرن بك ولينسينك وليعبدن غيرك ! قال الله تبارك وتعالى له : انطلق , فقد سلطتك على ماله , فإنه الأمر الذي تزعم أنه من أجله يشكرني , ليس لك سلطان على جسده ولا على عقله ! فانقض عدو الله , حتى وقع على الأرض , ثم جمع عفاريت الشياطين وعظماءهم , وكان لأيوب البثنية من الشام كلها , بما فيها من شرقها وغربها , وكان له بها ألف شاة برعاتها , وخمس مائة فدان يتبعها خمس مائة عبد , لكل عبد امرأة وولد ومال , وحمل آلة كل فدان أتان , لكل أتان ولد من اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة وفوق ذلك . فلما جمع إبليس الشياطين , قال لهم : ماذا عندكم من القوة والمعرفة ؟ فإني قد سلطت على مال أيوب , فهي المصيبة الفادحة , والفتنة التي لا يصبر عليها الرجال . قال عفريت من الشياطين : أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصارا من نار فأحرقت كل شيء آتي عليه . فقال له إبليس : فأت الإبل ورعاتها . فانطلق يؤم الإبل , وذلك حين وضعت رءوسها وثبتت في مراعيها , فلم تشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار تنفخ منها أرواح السموم , لا يدنو منها أحد إلا احترق , فلم يزل يحرقها ورعاتها حتى أتى على آخرها ; فلما فرغ منها تمثل إبليس على قعود منها براعيها , ثم انطلق يؤم أيوب , حتى وجده قائما يصلي , فقال : يا أيوب ! قال : لبيك ! قال : هل تدري ما الذي صنع ربك الذي اخترت وعبدت ووحدت بإبلك ورعاتها ؟ قال أيوب : إنها ماله أعارنيه , وهو أولى به إذا شاء نزعه , وقديما ما وطنت نفسي ومالي على الفناء . قال إبليس : وإن ربك أرسل عليها نارا من السماء فاحترقت ورعاتها , حتى أتى على آخر شيء منها ومن رعاتها , فتركت الناس مبهوتين , وهم وقوف عليها يتعجبون , منهم من يقول : ما كان أيوب يعبد شيئا وما كان إلا في غرور ; ومنهم من يقول : لو كان إله أيوب يقدر على أن يمنع من ذلك شيئا لمنع وليه , ومنهم من يقول : بل هو فعل الذي فعل ليشمت به عدوه وليفجع به صديقه . قال أيوب : الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني , عريانا خرجت من بطن أمي , وعريانا أعود في التراب , وعريانا أحشر إلى الله , ليس ينبغي لك أن تفرح حين أعارك الله وتجزع حين قبض عاريته , الله أولى بك وبما أعطاك , ولو علم الله فيك أيها العبد خيرا لنقل روحك مع ملك الأرواح , فآجرني فيك وصرت شهيدا , ولكنه علم منك شرا فأخرك من أجله فعراك الله من المصيبة وخلصك من البلاء كما يخلص الزوان من القمح الخلاص . ثم رجع إبليس إلى أصحابه خاسئا ذليلا , فقال لهم : ماذا عندكم من القوة , فإني لم أكلم قلبه ؟ قال عفريت من عظمائهم : عندي من القوة ما إذا شئت صحت صوتا لا يسمعه ذو روح إلا خرجت مهجة نفسه . قال له إبليس : فأت الغنم ورعاتها ! فانطلق يؤم الغنم ورعاتها , حتى إذا وسطها صاح صوتا جثمت أمواتا من عند آخرها ورعاءها . ثم خرج إبليس متمثلا بقهرمان الرعاء , حتى إذا جاء أيوب وجده وهو قائم يصلي , فقال له القول الأول , ورد عليه أيوب الرد الأول . ثم إن إبليس رجع إلى أصحابه , فقال لهم : ماذا عندكم من القوة , فإني لم أكلم قلب أيوب ؟ فقال عفريت من عظمائهم : عندي من القوة إذا شئت تحولت ريحا عاصفا تنسف كل شيء تأتي عليه حتى لا أبقي شيئا . قال له إبليس : فأت الفدادين والحرث ! فانطلق يؤمهم , وذلك حين قربوا الفدادين وأنشئوا في الحرث , والأتن وأولادها رتوع , فلم يشعروا حتى هبت ريح عاصف تنسف كل شيء من ذلك حتى كأنه لم يكن . ثم خرج إبليس متمثلا بقهرمان الحرث , حتى جاء أيوب وهو قائم يصلي , فقال له مثل قوله الأول , ورد عليه أيوب مثل رده الأول . فلما رأى إبليس أنه قد أفنى ماله ولم ينجح منه , صعد سريعا , حتى وقف من الله الموقف الذي كان يقفه ; فقال : يا إلهي , إن أيوب يرى أنك ما متعته بنفسه وولده , فأنت معطيه المال , فهل أنت مسلطي على ولده ؟ فإنها الفتنة المضلة , والمصيبة التي لا تقوم لها قلوب الرجال , ولا يقوى عليها صبرهم . فقال الله تعالى له : انطلق , فقد سلطتك على ولده , ولا سلطان لك على قلبه ولا جسده ولا على عقله ! فانقض عدو الله جوادا , حتى جاء بني أيوب وهم في قصرهم , فلم يزل يزلزل بهم حتى تداعى من قواعده , ثم جعل يناطح الجدر بعضها ببعض , ويرميهم بالخشب والجندل , حتى إذا مثل بهم كل مثلة , رفع بهم القصر , حتى إذا أقله بهم فصاروا فيه منكسين , انطلق إلى أيوب متمثلا بالمعلم الذي كان يعلمهم الحكمة , وهو جريح , مشدوخ الوجه يسيل دمه ودماغه متغير لا يكاد يعرف من شدة التغير والمثلة التي جاء متمثلا فيها . فلما نظر إليه أيوب هاله وحزن ودمعت عيناه , وقال له : يا أيوب , لو رأيت كيف أفلت من حيث أفلت والذي رمانا به من فوقنا ومن تحتنا , ولو رأيت بنيك كيف عذبوا وكيف مثل بهم وكيف قلبوا فكانوا منكسين على رءوسهم تسيل دماؤهم ودماغهم من أنوفهم وأجوافهم وتقطر من أشفارهم , ولو رأيت كيف شقت بطونهم فتناثرت أمعاؤهم , ولو رأيت كيف قذفوا بالخشب والجندل يشدخ دماغهم , وكيف دق الخشب عظامهم وخرق جلودهم وقطع عصبهم , ولو رأيت العصب عريانا , ولو رأيت العظام متهشمة في الأجواف , ولو رأيت الوجوه مشدوخة , ولو رأيت الجدر تناطح عليهم , ولو رأيت ما رأيت , قطع قلبك ! فلم يزل يقول هذا ونحوه , ولم يزل يرققه حتى رق أيوب فبكى , وقبض قبضة من تراب فوضعها على رأسه , فاغتنم إبليس الفرصة منه عند ذلك , فصعد سريعا بالذي كان من جزع أيوب مسرورا به . ثم لم يلبث أيوب أن فاء وأبصر , فاستغفر , وصعد قرناؤه من الملائكة بتوبة منه , فبدروا إبليس إلى الله , فوجدوه قد علم بالذي رفع إليه من توبة أيوب , فوقف إبليس خازيا ذليلا , فقال : يا إلهي , إنما هون على أيوب خطر المال والولد أنه يرى أنك ما متعته بنفسه فأنت تعيد له المال والولد , فهل أنت مسلطي على جسده ؟ فأنا لك زعيم لئن ابتليته في جسده لينسينك , وليكفرن بك , وليجحدنك نعمتك ! قال الله : انطلق فقد سلطتك على جسده , ولكن ليس لك سلطان على لسانه ولا على قلبه ولا على عقله . فانقض عدو الله جوادا , فوجد أيوب ساجدا , فعجل قبل أن يرفع رأسه , فأتاه من قبل الأرض في موضع وجهه , فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده , فترهل , ونبتت ( به ) ثآليل مثل أليات الغنم , ووقعت فيه حكة لا يملكها , فحك بأظفاره حتى سقطت كلها , ثم حك بالعظام , وحك بالحجارة الخشنة وبقطع المسوح الخشنة , فلم يزل يحكه حتى نفد لحمه وتقطع . ولما نغل جلد أيوب وتغير وأنتن , أخرجه أهل القرية , فجعلوه على تل وجعلوا له عريشا . ورفضه خلق الله غير امرأته , فكانت تختلف إليه بما يصلحه ويلزمه . وكان ثلاثة من أصحابه اتبعوه على دينه ; فلما رأوا ما ابتلاه الله به رفضوه من غير أن يتركوا دينه واتهموه , يقال لأحدهم بلدد , وأليفز , وصافر . قال : فانطلق إليه الثلاثة وهو في بلائه , فبكتوه ; فلما سمع منهم أقبل على ربه , فقال أيوب صلى الله عليه وسلم : رب لأي شيء خلقتني ؟ لو كنت إذ كرهتني في الخير تركتني فلم تخلقني ! يا ليتني كنت حيضة ألقتني أمي ! ويا ليتني مت في بطنها فلم أعرف شيئا ولم تعرفني ! ما الذنب الذي أذنبت لم يذنبه أحد غيري ؟ وما العمل الذي عملت فصرفت وجهك الكريم عني ؟ لو كنت أمتني فألحقتني بآبائي فالموت كان أجمل بي , فأسوة لي بالسلاطين الذي صفت من دونهم الجيوش , يضربون عنهم بالسيوف , بخلا بهم عن الموت وحرصا على بقائهم , أصبحوا في القبور جاثمين , حتى ظنوا أنهم سيخلدون . وأسوة لي بالملوك الذين كنزوا الكنوز , وطمروا المطامير , وحموا الجموع , وظنوا أنهم سيخلدون . وأسوة لي بالجبارين الذين بنوا المدائن والحصون , وعاشوا فيها المئين من السنين , ثم أصبحت خرابا , مأوى للوحوش ومثنى للشياطين . قال أليفز التيماني : قد أعيانا أمرك يا أيوب , إن كلمناك فما نرجو للحديث منك موضعا , وإن نسكت عنك مع الذي نرى فيك من البلاء , فذلك علينا . قد كنا نرى من أعمالك أعمالا كنا نرجو لك عليها من الثواب غير ما رأينا , فإنما يحصد امرؤ ما زرع ويجزى بما عمل . أشهد على الله الذي لا يقدر قدر عظمته ولا يحصى عدد نعمه , الذي ينزل الماء من السماء فيحيي به الميت ويرفع به الخافض ويقوي به الضعيف , الذي تضل حكمة الحكماء عند حكمته وعلم العلماء عند علمه حتى تراهم من العي في ظلمة يموجون , أن من رجا معونة الله هو القوي , وأن من توكل عليه هو المكفي , هو الذي يكسر ويجبر ويجرح ويداوي ! قال أيوب : لذلك سكت فعضضت على لساني ووضعت لسوء الخدمة رأسي ; لأني علمت أن عقوبته غيرت نور وجهي , وأن قوته نزعت قوة جسدي , فأنا عبده , ما قضى علي أصابني , ولا قوة لي إلا ما حمل علي ; لو كانت عظامي من حديد وجسدي من نحاس وقلبي من حجارة , لم أطق هذا الأمر , ولكن هو ابتلائي وهو يحمله عني ; أتيتموني غضابا , رهبتم قبل أن تسترهبوا , وبكيتم من قبل أن تضربوا , كيف بي لو قلت لكم : تصدقوا عني بأموالكم لعل الله أن يخلصني , أو قربوا عني قربانا لعل الله أن يتقبله مني ويرضى عني ؟ إذا استيقظت تمنيت النوم رجاء أن أستريح , فإذا نمت كادت تجود نفسي . تقطعت أصابعي , فإني لأرفع اللقمة من الطعام بيدي جميعا فما تبلغان فمي إلا على الجهد مني , تساقطت لهواتي ونخر رأسي , فما بين أذني من سداد , حتى إن إحداهما لترى من الأخرى , وإن دماغي ليسيل من فمي . تساقط شعري عني , فكأنما حرق بالنار وجهي , وحدقتاي هما متدليتان على خدي , ورم لساني حتى ملأ فمي , فما أدخل فيه طعاما إلا غصني , وورمت شفتاي حتى غطت العليا أنفي والسفلى ذقني . تقطعت أمعائي في بطني , فإني لأدخل الطعام فيخرج كما دخل , ما أحسه ولا ينفعني . ذهبت قوة رجلي , فكأنهما قربتا ماء ملئتا , لا أطيق حملهما . أحمل لحافي بيدي , وأسناني فما أطيق حمله حتى يحمله معي غيري . ذهب المال فصرت أسأل بكفي , فيطعمني من كنت أعوله اللقمة الواحدة , فيمنها علي ويعيرني . هلك بني وبناتي , ولو بقي منهم أحد أعانني على بلائي ونفعني . وليس العذاب بعذاب الدنيا , إنه يزول عن أهلها , ويموتون عنه , ولكن طوبى لمن كانت له راحة في الدار التي لا يموت أهلها , ولا يتحولون عن منازلهم , السعيد من سعد هنالك والشقي من شقي فيها ! قال بلدد : كيف يقوم لسانك بهذا القول وكيف تفصح به ؟ أتقول إن العدل يجور , أم تقول إن القوي يضعف ؟ ابك على خطيئتك , وتضرع إلى ربك عسى أن يرحمك ويتجاوز عن ذنبك , وعسى إن كنت بريئا أن يجعل هذا لك ذخرا في آخرتك ! وإن كان قلبك قد قسا فإن قولنا لن ينفعك , ولن يأخذ فيك ; هيهات أن تنبت الآجام في المفاوز , وهيهات أن ينبت البردي في الفلاة ! من توكل على الضعيف كيف يرجو أن يمنعه , ومن جحد الحق كيف يرجو أن يوفى حقه ؟ قال أيوب : إني لأعلم أن هذا هو الحق , لن يفلج العبد على ربه ولا يطيق أن يخاصمه , فأي كلام لي معه وإن كان إلي القوة ؟ هو الذي سمك السماء فأقامها وحده , وهو الذي يكشطها إذا شاء فتنطوي له , وهو الذي سطح الأرض فدحاها وحده , ونصب فيها الجبال الراسيات , ثم هو الذي يزلزلها من أصولها حتى تعود أسافلها أعاليها ; وإن كان في الكلام , فأي كلام لي معه ؟ من خلق العرش العظيم بكلمة واحدة , فحشاه السماوات والأرض وما فيهما من الخلق , فوسعه وهو في سعة واسعة , وهو الذي كلم البحار ففهمت قوله وأمرها فلم تعد أمره , وهو الذي يفقه الحيتان والطير وكل دابة , وهو الذي يكلم الموتى فيحييهم قوله , ويكلم الحجارة فتفهم قوله ويأمرها فتطيعه . قال أليفز : عظيم ما تقول يا أيوب , إن الجلود لتقشعر من ذكر ما تقول , إن ما أصابك ما أصابك بغير ذنب أذنبته , مثل هذه الحدة وهذا القول أنزلك هذه المنزلة ; عظمت خطيئتك , وكثر طلابك , وغصبت أهل الأموال على أموالهم , فلبست وهم عراة , وأكلت وهم جياع , وحبست عن الضعيف بابك , وعن الجائع طعامك , وعن المحتاج معروفك , وأسررت ذلك وأخفيته في بيتك , وأظهرت أعمالا كنا نراك تعملها , فظننت أن الله لا يجزيك إلا على ما ظهر منك , وظننت أن الله لا يطلع على ما غيبت في بيتك , وكيف لا يطلع على ذلك وهو يعلم ما غيبت الأرضون وما تحت الظلمات والهواء ؟ قال أيوب صلى الله عليه وسلم : إن تكلمت لم ينفعني الكلام , وإن سكت لم تعذروني ! قد وقع علي كيدي , وأسخطت ربي بخطيئتي , وأشمت أعدائي , وأمكنتهم من عنقي , وجعلتني للبلاء غرضا , وجعلتني للفتنة نصبا ; لم تنفسني مع ذلك , ولكن أتبعني ببلاء على إثر بلاء . ألم أكن للغريب دارا , وللمسكين قرارا , ولليتيم وليا , وللأرملة قيما ؟ ما رأيت غريبا إلا كنت له دارا مكان داره وقرارا مكان قراره , ولا رأيت مسكينا إلا كنت له مالا مكان ماله وأهلا مكان أهله , وما رأيت يتيما إلا كنت له أبا مكان أبيه , وما رأيت أيما إلا كنت لها قيما ترضى قيامه . وأنا عبد ذليل , إن أحسنت لم يكن لي كلام بإحسان , لأن المن لربي وليس لي , وإن أسأت فبيده عقوبتي ; وقد وقع علي بلاء لو سلطته على جبل ضعف عن حمله , فكيف يحمله ضعفي ؟ قال أليفز : أتحاج الله يا أيوب في أمره , أم تريد أن تناصفه وأنت خاطئ , أو تبرئها وأنت غير بريء ؟ خلق السماوات والأرض بالحق , وأحصى ما فيهما من الخلق , فكيف لا يعلم ما أسررت , وكيف لا يعلم ما عملت فيجزيك به ؟ وضع الله ملائكة صفوفا حول عرشه وعلى أرجاء سماواته , ثم احتجب بالنور , فأبصارهم عنه كليلة , وقوتهم عنه ضعيفة , وعزيزهم عنه ذليل , وأنت تزعم أن لو خاصمك وأدلى إلى الحكم معك , وهل تراه فتناصفه ؟ أم هل تسمعه فتحاوره ؟ قد عرفنا فيك قضاءه , إنه من أراد أن يرتفع وضعه , ومن اتضع له رفعه . قال أيوب صلى الله عليه وسلم : إن أهلكني فمن ذا الذي يعرض له في عبده ويسأله عن أمره ؟ لا يرد غضبه شيء إلا رحمته , ولا ينفع عبده إلا التضرع له ! قال : رب أقبل علي برحمتك , وأعلمني ما ذنبي الذي أذنبت ! أو لأي شيء صرفت وجهك الكريم عني , وجعلتني لك مثل العدو وقد كنت تكرمني ؟ ليس يغيب عنك شيء ; تحصي قطر الأمطار وورق الأشجار وذر التراب , أصبح جلدي كالثوب العفن , بأيه أمسكت سقط في يدي , فهب لي قربانا من عندك , وفرجا من بلائي , بالقدرة التي تبعث موتى العباد وتنشر بها ميت البلاد , ولا تهلكني بغير أن تعلمني ما ذنبي , ولا تفسد عمل يديك وإن كنت غنيا عني ! ليس ينبغي في حكمك ظلم , ولا في نقمتك عجل , وإنما يحتاج إلى الظلم الضعيف , وإنما يعجل من يخاف الفوت ; ولا تذكرني خطئي وذنوبي , اذكر كيف خلقتني من طين فجعلتني مضغة , ثم خلقت المضغة عظاما , وكسوت العظام لحما وجلدا , وجعلت العصب والعروق لذلك قواما وشدة , ورأيتني صغيرا , ورزقتني كبيرا , ثم حفظت عهدك وفعلت أمرك ; فإن أخطأت فبين لي ولا تهلكني غما , وأعلمني ذنبي ! فإن لم أرضك فأنا أهل أن تعذبني , وإن كنت من بين خلقك تحصي علي عملي , وأستغفرك فلا تغفر لي . إن أحسنت لم أرفع رأسي , وإن أسأت لم تبلعني ريقي ولم تقلني عثرتي , وقد ترى ضعفي تحتك وتضرعي لك , فلم خلقتني ؟ أو لم أخرجتني من بطن أمي ؟ لو كنت كمن لم يكن لكان خيرا لي , فليست الدنيا عندي بخطر لغضبك , وليس جسدي يقوم بعذابك , فارحمني وأذقني طعم العافية من قبل أن أصير إلى ضيق القبر وظلمة الأرض وغم الموت ! قال صافر : قد تكلمت يا أيوب وما يطيق أحد أن يحبس فمك ; تزعم أنك بريء , فهل ينفعك إن كنت بريئا وعليك من يحصي عملك ؟ وتزعم أنك تعلم أن الله يغفر لك ذنوبك , هل تعلم سمك السماء كم بعده ؟ أم هل تعلم عمق الهواء كم بعده ؟ أم هل تعلم أي الأرض أعرضها ؟ أم عندك لها من مقدار تقدرها به ؟ أم هل تعلم أي البحر أعمقه ؟ أم هل تعلم بأي شيء تحبسه ؟ فإن كنت تعلم هذا العلم وإن كنت لا تعلمه , فإن الله خلقه وهو يحصيه , لو تركت كثرة الحديث وطلبت إلى ربك رجوت أن يرحمك , فبذلك تستخرج رحمته , وإن كنت تقيم على خطيئتك وترفع إلى الله يديك عند الحاجة وأنت مصر على ذنبك إصرار الماء الجاري في صبب لا يستطاع إحباسه , فعند طلب الحاجات إلى الرحمن تسود وجوه الأشرار وتظلم عيونهم , وعند ذلك يسر بنجاح حوائجهم الذين تركوا الشهوات تزينا بذلك عند ربهم , وتقدموا في التضرع , ليستحقوا بذلك الرحمة حين يحتاجون إليها , وهم الذين كابدوا الليل واعتزلوا الفرش وانتظروا الأسحار . قال أيوب : أنتم قوم قد أعجبتكم أنفسكم , وقد كنت فيما خلا والرجال يوقرونني , وأنا معروف حقي , منتصف من خصمي , قاهر لمن هو اليوم يقهرني , يسألني عن علم غيب الله لا أعلمه , ويسألني , فلعمري ما نصح الأخ لأخيه حين نزل به البلاء كذلك , ولكنه يبكي معه . وإن كنت جادا فإن عقلي يقصر عن الذي تسألني عنه , فسل طير السماء هل تخبرك ؟ وسل وحوش الأرض هل ترجع إليك ؟ وسل سباع البرية هل تجيبك ؟ وسل حيتان البحر هل تصف لك كل ما عددت ؟ تعلم أن صنع هذا بحكمته وهيأه بلطفه . أما يعلم ابن آدم من الكلام ما سمع بأذنيه وما طعم بفيه وما شم بأنفه ؟ وأن العلم الذي سألت عنه لا يعلمه إلا الله الذي خلقه , له الحكمة والجبروت وله العظمة واللطف وله الجلال والقدرة ؟ إن أفسد فمن ذا الذي يصلح ؟ وإن أعجم فمن ذا الذي يفصح ؟ إن نظر إلى البحار يبست من خوفه , وإن أذن لها ابتلعت الأرض , فإنما يحملها بقدرته ; هو الذي تبهت الملوك عند ملكه , وتطيش العلماء عند علمه , وتعيا الحكماء عند حكمته , ويخسأ المبطلون عند سلطانه . هو الذي يذكر المنسي , وينسي المذكور , ويجري الظلمات والنور . هذا علمي , وخلقه أعظم من أن يحصيه عقلي , وعظمته أعظم من أن يقدرها مثلي . قال بلدد : إن المنافق يجزى بما أسر من نفاقه , وتضل عنه العلانية التي خادع بها , وتوكل على الجزاء بها الذي عملها , ويهلك ذكره من الدنيا ويظلم نوره في الآخرة , ويوحش سبيله , وتوقعه في الأحبولة سريرته , وينقطع اسمه من الأرض , فلا ذكر فيها ولا عمران , لا يرثه ولد مصلحون من بعده , ولا يبقى له أصل يعرف به , ويبهت من يراه , وتقف الأشعار عند ذكره ! قال أيوب : إن أكن غويا فعلي غواي , وإن أكن بريا فأي منعة عندي ؟ إن صرخت فمن ذا الذي يصرخني ؟ وإن سكت فمن ذا الذي يعذرني ؟ ذهب رجائي , وانقضت أحلامي , وتنكرت لي معارفي ; دعوت غلامي فلم يجبني , وتضرعت لأمتي فلم ترحمني , وقع علي البلاء فرفضوني , أنتم كنتم أشد علي من مصيبتي . انظروا وابهتوا من العجائب التي في جسدي ! أما سمعتم بما أصابني وما شغلكم عني ما رأيتم بي ؟ لو كان عبد يخاصم ربه , رجوت أن أتغلب عند الحكم , ولكن لي ربا جبارا تعالى فوق سماواته , وألقاني ها هنا , وهنت عليه , لا هو عذرني بعذري , ولا هو أدناني فأخاصم عن نفسي . يسمعني ولا أسمعه ويراني ولا أراه , وهو محيط بي , ولو تجلى لي لذابت كليتاي , وصعق روحي , ولو نفسني فأتكلم بملء فمي ونزع الهيبة مني , علمت بأي ذنب عذبني ! نودي فقيل : يا أيوب ! قال : لبيك ! قال : أنا هذا قد دنوت منك , فقم فاشدد إزارك , وقم مقام جبار , فإنه لا ينبغي لي أن يخاصمني إلا جبار مثلي , ولا ينبغي أن يخاصمني إلا من يجعل الزمام في فم الأسد , والسخال في فم العنقاء , واللحم في فم التنين , ويكيل مكيالا من النور , ويزن مثقالا من الريح , ويصر صرة من الشمس , ويرد أمس لغد . لقد منتك نفسك أمرا ما يبلغ بمثل قوتك , ولو كنت إذ منتك نفسك ذلك ودعتك إليه , تذكرت أي مرام رام بك ; أردت أن تخاصمني بغيك , أم أردت أن تحاجيني بخطئك , أم أردت أن تكاثرني بضعفك ؟ أين كنت مني يوم خلقت الأرض فوضعتها على أساسها ؟ هل علمت بأي مقدار قدرتها ؟ أم كنت معي تمر بأطرافها ؟ أم تعلم ما بعد زواياها ؟ أم على أي شيء وضعت أكنافها ؟ أبطاعتك حمل الماء الأرض , أم بحكمتك كانت الأرض للماء غطاء ؟ أين كنت مني يوم رفعت السماء سقفا في الهواء لا بعلائق ثبتت من فوقها ولا يحملها دعائم من تحتها هل يبلغ من حكمتك أن تجري نورها , أو تسير نجومها , أو يختلف بأمرك ليلها ونهارها ؟ أين كنت مني يوم سجرت البحار وأنبعت الأنهار ؟ أقدرتك حبست أمواج البحار على حدودها , أم قدرتك فتحت الأرحام حين بلغت مدتها ؟ أين أنت مني يوم صببت الماء على التراب . ونصبت شوامخ الجبال ؟ هل لك من ذراع تطيق حملها ؟ أم هل تدري كم من مثقال فيها ؟ أم أين الماء الذي أنزل من السماء ؟ هل تدري أم تلده أو أب يولده ؟ أحكمتك أحصت القطر وقسمت الأرزاق , أم قدرتك تثير السحاب وتغشيه الماء ؟ هل تدري ما أصوات الرعود ؟ أم من أي شيء لهب البروق ؟ هل رأيت عمق البحور ؟ أم هل تدري ما بعد الهواء ؟ أم هل خزنت أرواح الأموات ؟ أم هل تدري أين خزانة الثلج , أو أين خزائن البرد , أم أين جبال البرد ؟ أم هل تدري أين خزانة الليل بالنهار وأين خزانة النهار بالليل وأين طريق النور , وبأي لغة تتكلم الأشجار , وأين خزانة الريح , كيف تحبسه الأغلاق , ومن جعل العقول في أجواف الرجال , ومن شق الأسماع والأبصار , ومن ذلت الملائكة لملكه وقهر الجبارين بجبروته وقسم أرزاق الدواب بحكمته ؟ ومن قسم للأسد أرزاقها وعرف الطير معايشها وعطفها على أفراخها ؟ من أعتق الوحش من الخدمة , وجعل مساكنها البرية لا تستأنس بالأصوات ولا تهاب المسلطين ؟ أمن حكمتك تفرعت أفراخ الطير وأولاد الدواب لأمهاتها ؟ أم من حكمتك عطفت أمهاتها عليها , حتى أخرجت لها الطعام من بطونها , وآثرتها بالعيش على نفوسها ؟ أم من حكمتك يبصر العقاب , فأصبح في أماكن القتلى ؟ أين أنت مني يوم خلقت بهموت , مكانه في منقطع التراب , والوتينان يحملان الجبال والقرى والعمران , آذانهما كأنها شجر الصنوبر الطوال , رءوسهما كأنها آكام الحبال , وعروق أفخاذهما كأنها أوتاد الحديد , وكأن جلودهما فلق الصخور , وعظامهما كأنها عمد النحاس . هما رأسا خلقي الذين خلقت للقتال , أأنت ملأت جلودهما لحما ؟ أم أنت ملأت رءوسهما دماغا ؟ أم هل لك في خلقهما من شرك ؟ أم لك بالقوة التي عملتهما يدان ؟ أو هل يبلغ من قوتك أن تخطم على أنوفهما , أو تضع يدك على رءوسهما , أو تقعد لهما على طريق فتحبسهما , أو تصدهما عن قوتهما ؟ أين أنت يوم خلقت التنين ورزقه في البحر ومسكنه في السحاب ؟ عيناه توقدان نارا , ومنخراه يثوران دخانا , أذناه مثل قوس السحاب , يثور منهما لهب كأنه إعصار العجاج , جوفه يحترق ونفسه يلتهب , وزبده كأمثال الصخور , وكأن صريف أسنانه صوت الصواعق , وكأن نظر عينيه لهب البرق , أسراره لا تدخله الهموم , تمر به الجيوش وهو متكئ , لا يفزعه شيء ; ليس فيه مفصل ( زبر ) الحديد عنده مثل التين , والنحاس عنده مثل الخيوط , لا يفزع من النشاب , ولا يحس وقع الصخور على جسده , ويضحك من النيازك , ويسير في الهواء كأنه عصفور , ويهلك كل شيء يمر به ملك الوحوش , وإياه آثرت بالقوة على خلقي ; هل أنت آخذه بأحبولتك فرابطه بلسانه أو واضع اللجام في شدقه ؟ أتظنه يوفي بعهدك أو يسبح من خوفك ؟ هل تحصي عمره أم هل تدري أجله أو تفوت رزقه ؟ أم هل تدري ماذا خرب من الأرض , أم ماذا يخرب فيما بقي من عمره ؟ أتطيق غضبه حين يغضب أم تأمره فيطيعك ؟ تبارك الله وتعالى ! قال أيوب صلى الله عليه وسلم : قصرت عن هذا الأمر الذي تعرض لي ; ليت الأرض انشقت بي فذهبت في بلائي ولم أتكلم بشيء يسخط ربي ! اجتمع علي البلاء إلهي جعلتني لك مثل العدو وقد كنت تكرمني وتعرف نصحي , وقد علمت أن الذي ذكرت صنع يديك وتدبير حكمتك , وأعظم من هذا ما شئت عملت ; لا يعجزك شيء ولا يخفى عليك خافية ولا تغيب عنك غائبة , من هذا الذي يظن أن يسر عنك سرا , وأنت تعلم ما يخطر على القلوب ؟ وقد علمت منك في بلائي هذا ما لم أكن أعلم , وخفت حين بلوت أمرك أكثر مما كنت أخاف . إنما كنت أسمع بسطوتك سمعا , فأما الآن فهو بصر العين . إنما تكلمت حين تكلمت لتعذرني وسكت حين سكت لترحمني , كلمة زلت فلن أعود . قد وضعت يدي على فمي , وعضضت على لساني , وألصقت بالتراب خدي , ودست وجهي لصغاري , وسكت كما أسكتتني خطيئتي , فاغفر لي ما قلت فلن أعود لشيء تكرهه مني ! قال الله تبارك وتعالى : يا أيوب نفذ فيك علمي , وبحلمي صرفت عنك غضبي , إذ خطئت فقد غفرت لك , ورددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم , فاغتسل بهذا الماء , فإن فيه شفاءك , وقرب عن صحابتك قربانا , واستغفر لهم , فإنهم قد عصوني فيك ! * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , قال : ثني محمد بن إسحاق , عمن لا يتهم , عن وهب بن منبه اليماني , وغيره من أهل الكتب الأول : أنه كان من حديث أيوب أنه كان رجلا من الروم , وكان الله قد اصطفاه ونبأه , وابتلاه في الغنى بكثرة الولد والمال , وبسط عليه من الدنيا فوسع عليه في الرزق . وكانت له البثنية من أرض الشأم , أعلاها وأسفلها وسهلها وجبلها . وكان له فيها من أصناف المال كله , من الإبل والبقر والغنم والخيل والحمير ما لا يكون للرجل أفضل منه في العدة والكثرة . وكان الله قد أعطاه أهلا وولدا من رجال ونساء . وكان برا تقيا رحيما بالمساكين , يطعم المساكين ويحمل الأرامل ويكفل الأيتام ويكرم الضيف ويبلغ ابن السبيل . وكان شاكرا لأنعم الله عليه مؤديا لحق الله في الغنى ; قد امتنع من عدو الله إبليس أن يصيب منه ما أصاب من أهل الغنى من العزة والغفلة والسهو والتشاغل عن أمر الله بما هو فيه من الدنيا . وكان معه ثلاثة قد آمنوا به وصدقوه وعرفوا فضل ما أعطاه الله على من سواه , منهم رجل من أهل اليمن يقال له : أليفز , ورجلان من أهل بلاده يقال لأحدهما : صوفر , وللآخر : بلدد , وكانوا من بلاده كهولا . وكان لإبليس عدو الله منزل من السماء السابعة يقع به كل سنة موقعا يسأل فيه ; فصعد إلى السماء في ذلك اليوم الذي كان يصعد فيه , فقال الله له - أو قيل له عن الله - : هل قدرت من أيوب عبدي على شيء ؟ قال : أي رب وكيف أقدر منه على شيء ؟ أو إنما ابتليته بالرخاء والنعمة والسعة والعافية , وأعطيته الأهل والمال والولد والغنى والعافية في جسده وأهله وماله , فما له لا يشكرك ويعبدك ويطيعك وقد صنعت ذلك به ؟ لو ابتليته بنزع ما أعطيته لحال عما كان عليه من شكرك ولترك عبادتك , ولخرج من طاعتك إلى غيرها ! أو كما قال عدو الله . فقال : قد سلطتك على أهله وماله ! وكان الله هو أعلم به , ولم يسلطه عليه إلا رحمة ليعظم له الثواب بالذي يصيبه من البلاء , وليجعله عبرة للصابرين وذكرى للعابدين في كل بلاء نزل بهم , ليأتموا به , وليرجوا من عاقبة الصبر في عرض الدنيا ثواب الآخرة وما صنع الله بأيوب . فانحط عدو الله سريعا , فجمع عفاريت الجن ومردة الشياطين من جنوده , فقال : إني قد سلطت على أهل أيوب وماله , فماذا عليكم ؟ فقال قائل منهم : أكون إعصارا فيه نار , فلا أمر بشيء من ماله إلا أهلكته ; قال : أنت وذاك . فخرج حتى أتى إبله , فأحرقها ورعاتها جميعا . ثم جاء عدو الله إلى أيوب في صورة قيمه عليها هو في مصلى فقال : يا أيوب أقبلت نار حتى غشيت إبلك فأحرقتها ومن فيها غيري , فجئتك أخبرك بذلك . فعرفه أيوب , فقال : الحمد لله الذي هو أعطاها وهو أخذها الذي أخرجك منها كما يخرج الزوان من الحب النقي . ثم انصرف عنه , فجعل يصيب ماله مالا مالا حتى مر على آخره , كلما انتهى إليه هلاك مال من ماله حمد الله وأحسن عليه الثناء ورضي بالقضاء , ووطن نفسه بالصبر على البلاء . حتى إذا لم يبق له مال أتى أهله وولده , وهم في قصر لهم معهم حظيانهم وخدامهم , فتمثل ريحا عاصفا , فاحتمل القصر من نواحيه فألقاه على أهله وولده , فشدخهم تحته . ثم أتاه في صورة قهرمانه عليهم , قد شدخ وجهه , فقال : يا أيوب قد أتت ريح عاصف , فاحتملت القصر من نواحيه ثم ألقته على أهلك وولدك فشدختهم غيري , فجئتك أخبرك ذلك . فلم يجزع على شيء أصابه جزعه على أهله وولده , وأخذ ترابا فوضعه على رأسه , ثم قال : ليت أمي لم تلدني ولم أك شيئا ! وسر بها عدو الله منه ; فأصعد إلى السماء جذلا . وراجع أيوب التوبة ما قال , فحمد الله , فسبقت توبته عدو الله إلى الله ; فلما جاء وذكر ما صنع , قيل له قد سبقتك توبته إلى الله ومراجعته . قال : أي رب فسلطني على جسده ! قال : قد سلطتك على جسده إلا على لسانه وقلبه ونفسه وسمعه وبصره . فأقبل إليه عدو الله وهو ساجد , فنفخ في جسده نفخة أشعل ما بين قرنه إلى قدمه كحريق النار , ثم خرج في جسده ثآليل كأليات الغنم , فحك بأظفاره حتى ذهبت , ثم بالفخار والحجارة حتى تساقط لحمه , فلم يبق منه إلا العروق والعصب والعظام , عيناه تجولان في رأسه للنظر وقبله للعقل , ولم يخلص إلى شيء من حشو البطن , لأنه لا بقاء للنفس إلا بها , فهو يأكل ويشرب على التواء من حشوته , فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث - فحدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة عن ابن إسحاق , عن ابن دينار , عن الحسن أنه كان يقول : مكث أيوب في ذلك البلاء سبع سنين وستة أشهر ملقى على رماد مكنسة في جانب القرية - قال وهب بن منبه : ولم يبق من أهله إلا امرأة واحدة تقوم عليه وتكسب له , ولا يقدر عدو الله منه على قليل ولا كثير مما يريد . فلما طال البلاء عليه وعليها وسئمها الناس , وكانت تكسب عليه ما تطعمه وتسقيه ; قال وهب بن منبه : فحدثت أنها التمست له يوما من الأيام تطعمه , فما وجدت شيئا حتى جزت قرنا من رأسها فباعته برغيف , فأتته به فعشته إياه , فلبث في ذلك البلاء تلك السنين , حتى إن كان المار ليمر فيقول : لو كان لهذا عند الله خير لأراحه مما هو فيه - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , قال : فحدثني محمد بن إسحاق , قال : - وكان وهب بن منبه يقول : لبث في ذلك البلاء ثلاث سنين لم يزد يوما واحدا ; فلما غلبه أيوب فلم يستطع منه شيئا , اعترض لامرأته في هيئة ليست كهيئة بني آدم في العظم والجسم والطول على مركب ليس من مراكب الناس , له عظم وبهاء وجمال ليس لها , فقال لها : أنت صاحبة أيوب هذا الرجل المبتلى ؟ قالت نعم . قال : هل تعرفينني ؟ قالت لا . قال : فأنا إله الأرض وأنا الذي صنعت بصاحبك ما صنعت , وذلك أنه عبد إله السماء وتركني فأغضبني , ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليه وعليك كل ما كان لكما من مال وولد , فإنه عندي ! ثم أراها إياهم فيما ترى ببطن الوادي الذي لقيها فيه . قال : وقد سمعت أنه إنما قال : لو أن صاحبك أكل طعاما ولم يسم عليه لعوفي مما به من البلاء , والله أعلم . وأراد عدو الله أن يأتيه من قبلها . فرجعت إلى أيوب , فأخبرته بما قال لها وما أراها ; قال : أوقد آتاك عدو الله ليفتنك عن دينك ؟ ثم أقسم إن الله عافاه ليضربها مائة ضربة فلما طال عليه البلاء , جاءه أولئك النفر الذين كانوا معه قد آمنوا به وصدقوه , معهم فتى حديث السن قد كان آمن به وصدقه , فجلسوا إلى أيوب ونظروا إلى ما به من البلاء , فأعظموا ذلك وفظعوا به , وبلغ من أيوب صلوات الله عليه مجهوده , وذلك حين أراد الله أن يفرج عنه ما به ; فلما رأى أيوب ما أعظموا ما أصابه , قال : أي رب لأي شيء خلقتني ولو كنت إذ قضيت علي البلاء تركتني فلم تخلقني ؟ ليتني كنت دما ألقتني أمي . ثم ذكر نحو حديث ابن عسكر , عن إسماعيل بن عبد الكريم , إلى : وكابدوا الليل , واعتزلوا الفراش , وانتظروا الأسحار ; ثم زاد فيه : أولئك الآمنون الذين لا يخافون , ولا يهتمون ولا يحزنون , فأين عاقبة أمرك يا أيوب من عواقبهم ؟ قال فتى حضرهم وسمع قولهم ولم يفطنوا له ولم يأبهوا لمجلسه , وإنما قيضه الله لهم لما كان من جورهم في المنطق وشططهم , فأراد الله أن يصغر به إليهم أنفسهم وأن يسفه بصغره لهم أحلامهم ; فلما تكلم تمادى في الكلام , فلم يزدد إلا حكما . وكان القوم من شأنهم الاستماع والخشوع إذا وعظوا أو ذكروا ; فقال : إنكم تكلمتم قبلي أيها الكهول , وكنتم أحق بالكلام وأولى به مني لحق أسنانكم , ولأنكم جربتم قبلي ورأيتم وعلمتم ما لم أعلم وعرفتم ما لم أعرف , ومع ذلك قد تركتم من القول أحسن من الذي قلتم ومن الرأي أصوب من الذي رأيتم ومن الأمر أجمل من الذي أتيتم ومن الموعظة أحكم من الذي وصفتم , وقد كان لأيوب عليكم من الحق والذمام أفضل من الذي وصفتم , هل تدرون أيها الكهول حق من انتقصتم وحرمة من انتهكتم ومن الرجل الذي عبتم واتهمتم ؟ ولم تعلموا أيها الكهول أن أيوب نبي الله وخيرته وصفوته من أهل الأرض يومكم هذا , اختاره الله لوحيه واصطفاه لنفسه وائتمنه على نبوته , ثم لم تعلموا ولم يطلعكم الله على أنه سخط شيئا من أمره مذ أتاه ما آتاه إلى يومكم هذا ولا على أنه نزع منه شيئا من الكرامة التي أكرمه بها مذ آتاه ما آتاه إلى يومكم هذا , ولا أن أيوب غير الحق في طول ما صحبتموه إلى يومكم هذا ; فإن كان البلاء هو الذي أزرى به عندكم ووضعه في أنفسكم , فقد علمتم أن الله يبتلي النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ; ثم ليس بلاؤه لأولئك بدليل سخطه عليهم ولا لهوانه لهم , ولكنها كرامة وخيرة لهم ; ولو كان أيوب ليس من الله بهذه المنزلة ولا في النبوة ولا في الأثرة ولا في الفضيلة ولا في الكرامة , إلا أنه أخ أحببتموه على وجه الصحابة , لكان لا يجمل بالحكيم أن يعذل أخاه عند البلاء ولا يعيره بالمصيبة بما لا يعلم وهو مكروب حزين , ولكن يرحمه ويبكي معه ويستغفر له ويحزن لحزنه ويدله على مراشد أمره ; وليس بحكيم ولا رشيد من جهل هذا , فالله الله أيها الكهول في أنفسكم ! قال : ثم أقبل على أيوب : فقال , وقد كان في عظمة الله وجلاله وذكر الموت : ما يقطع لسانك , ويكسر قلبك , وينسيك حججك ؟ ألم تعلم يا أيوب أن لله عبادا أسكتتهم خشيته من غير عي ولا بكم وإنهم لهم الفصحاء النطقاء النبلاء الألباء العالمون بالله وبآياته ؟ ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انقطعت ألسنتهم واقشعرت جلودهم وانكسرت قلوبهم وطاشت عقولهم إعظاما لله وإعزازا وإجلالا , فإذا استفاقوا من ذلك استبقوا إلى الله بالأعمال الزاكية , يعدون أنفسهم مع الظالمين والخاطئين , وإنهم لأنزاه براء , ومع المقصرين والمفرطين , وإنهم لأكياس أقوياء , ولكنهم لا يستكثرون لله الكثير , ولا يرضون لله بالقليل , ولا يدلون عليه بالأعمال ; فهم مروعون مفزعون مغتمون خاشعون وجلون مستكينون معترفون متى ما رأيتهم يا أيوب . قال أيوب : إن الله يزرع الحكمة بالرحمة في قلب الصغير والكبير , فمتى نبتت في القلب يظهرها الله على اللسان , وليست تكون الحكمة من قبل السن ولا الشبيبة ولا طول التجربة , وإذا جعل الله العبد حكيما في الصيام لم يسقط منزله عند الحكماء وهم يرون عليه من الله نور الكرامة , ولكنكم قد أعجبتكم أنفسكم وظننتم أنكم عوفيتم بإحسانكم , فهنالك بغيتم وتعززتم , ولو نظرتم فيما بينكم وبين ربكم ثم صدقتم أنفسكم لوجدتم لكم عيوبا سترها الله بالعافية التي ألبسكم ; ولكني قد أصبحت اليوم وليس لي رأي ولا كلام معكم , قد كنت فيما خلا مسموعا كلامي معروفا حقي منتصفا من خصمي قاهرا لمن هو اليوم يقهرني مهيبا مكاني والرجال مع ذلك ينصتون لي ويوقروني , فأصبحت اليوم قد انقطع رجائي ورفع حذري وملني أهلي وعقني أرحامي وتنكرت لي معارفي ورغب عني صديقي وقطعني أصحابي وكفرني أهل بيتي وجحدت حقوقي ونسيت صنائعي , أصرخ فلا يصرخونني وأعتذر فلا يعذرونني , وإن قضاءه هو الذي أذلني وأقماني وأخسأني , وأن سلطانه هو الذي أسقمني وأنحل جسمي . ولو أن ربي نزع الهيبة التي في صدري وأطلق لساني حتى أتكلم بملء فمي , ثم كان ينبغي للعبد يحاج عن نفسه , لرجوت أن يعافيني عند ذلك ما بي ; ولكنه ألقاني وتعالى عني , فهو يراني ولا أراه , ويسمعني ولا أسمعه لا نظر إلي فرحمني , ولا دنا مني ولا أدناني فأدلي بعذري وأتكلم ببراءتي وأخاصم عن نفسي ! لما قال ذلك أيوب وأصحابه عنده , أظله غمام حتى ظن أصحابه أنه عذاب , ثم نودي منه , ثم قيل له : يا أيوب , إن الله يقول : ها أنا ذا قد دنوت منك , ولم أزل منك قريبا , فقم فأدل بعذرك الذي زعمت , وتكلم ببراءتك وخاصم عن نفسك , واشدد إزارك ! ثم ذكر نحو حديث ابن عسكر , عن إسماعيل , إلى آخره , وزاد فيه : ورحمتي سبقت غضبي , فاركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب فيه شفاؤك , وقد وهبت لك أهلك ومثلهم معهم ومالك ومثله معه - وزعموا : ومثله معه - لتكون لمن خلفك آية , ولتكون عبرة لأهل البلاء وعزاء للصابرين ! فركض برجله , فانفجرت له عين , فدخل فيها فاغتسل , فأذهب الله عنه كل ما كان به من البلاء . ثم خرج فجلس , وأقبلت امرأته تلتمسه في مضجعه , فلم تجده , فقامت كالوالهة متلددة , ثم قالت : يا عبد الله , هل لك علم بالرجل المبتلى الذي كان هاهنا ؟ قال : لا ; ثم تبسم , فعرفته بمضحكه , فاعتنقته . 18674 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن محمد بن إسحاق , عن بعض أهل العلم , عن وهب بن منبه , قال : فحدثت عبد الله بن عباس حديثه واعتناقها إياه , فقال عبد الله : فوالذي نفس عبد الله بيده ما فارقته من عناقه حتى مر بها كل مال لهما وولد . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال : وقد سمعت بعض من يذكر الحديث عنه أنه دعاها حين سألت عنه , فقال لها : وهل تعرفينه إذا رأيته ؟ قالت : نعم , وما لي لا أعرفه ؟ فتبسم , ثم قال : ها أنا هو , وقد فرج الله عني ما كنت فيه . فعند ذلك اعتنقته . قال وهب : فأوحى الله في قسمه ليضربها في الذي كلمته , أن وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث 38 44 أي قد برت يمينك . يقول الله تعالى : إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب 38 44 يقول الله : ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب . 38 43 18675 - حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي , قال : ثنا فضيل بن عياض , عن هشام , عن الحسن , قال : لقد مكث أيوب مطروحا على كناسة سبع سنين وأشهرا ما يسأل الله أن يكشف ما به . قال : وما على وجه الأرض خلق أكرم على الله من أيوب . فيزعمون أن بعض الناس قال : لو كان لرب هذا فيه حاجة ما صنع به هذا ! فعند ذلك دعا . 18676 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن يونس , عن الحسن , قال : بقي أيوب على كناسة لبني إسرائيل سبع سنين وأشهرا تختلف عليه الدواب . 18677 - حدثني محمد بن إسحاق , قال : ثنا يحيى بن معين , قال : ثنا ابن عيينة , عن عمرو , عن وهب بن منبه , قال : لم يكن بأيوب أكلة , إنما كان يخرج به مثل ثدي النساء ثم ينقفه . 18678 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا مخلد بن حسين , عن هشام , عن الحسن , وحجاج عن مبارك , عن الحسن : - زاد أحدهما على الآخر - قال : إن أيوب آتاه الله مالا وأوسع عليه , وله من النساء والبقر والغنم والإبل . وإن عدو الله إبليس قيل له : هل تقدر أن تفتن أيوب ؟ قال : رب إن أيوب أصبح في دنيا من مال وولد , ولا يستطيع أن لا يشكرك , ولكن سلطني على ماله وولده فسترى كيف يطيعني ويعصيك ! قال : فسلطه على ماله وولده . قال : فكان يأتي بالماشية من ماله من الغنم فيحرقها بالنيران , ثم يأتي أيوب وهو يصلي متشبها براعي الغنم , فيقول : يا أيوب تصلي لربك ! ما ترك الله لك من ماشيتك شيئا من الغنم إلا أحرقها بالنيران , وكنت ناحية فجئت لأخبرك . قال : فيقول أيوب : اللهم أنت أعطيت وأنت أخذت , مهما تبقي نفسي أحمدك على حسن بلائك فلا يقدر منه على شيء ما يريد ! ثم يأتي ماشيته من البقر فيحرقها بالنيران , ثم يأتي أيوب فيقول له ذلك , ويرد عليه أيوب مثل ذلك . قال : وكذلك فعل بالإبل حتى ما ترك له من ماشية حتى هدم البيت على ولده , فقال : يا أيوب أرسل الله على ولدك من هدم عليهم البيوت ! حتى هلكوا ! فيقول أيوب مثل ذلك . قال : رب هذا حين أحسنت إلي الإحسان كله , قد كنت قبل اليوم يشغلني حب المال بالنهار ويشغلني حب الولد بالليل شفقة عليهم , فالآن أفرغ سمعي وبصري وليلي ونهاري بالذكر والحمد والتقديس والتهليل ! فينصرف عدو الله من عنده لم يصب منه شيئا ما يريد . قال : ثم إن الله تبارك وتعالى قال : كيف رأيت أيوب ؟ قال إبليس : أيوب قد علم أنك سترد عليه ماله وولده ; ولكن سلطني على جسده , فإن أصابه الضر فيه أطاعني وعصاك ! قال : فسلط على جسده , فأتاه فنفخ فيه نفخة قرح من لدن قرنه إلى قدمه . قال : فأصابه البلاء بعد البلاء , حتى حمل فوضع على مزبلة كناسة لبني إسرائيل . فلم يبق له مال ولا ولد ولا صديق ولا أحد يقربه غير زوجته , صبرت معه بصدق , وكانت تأتيه بطعام , وتحمد الله معه إذا حمد , وأيوب على ذلك لا يفتر من ذكر الله , والتحميد والثناء على الله والصبر على ما ابتلاه الله . قال الحسن : فصرخ إبليس عدو الله صرخة جمع فيها جنوده من أقطار الأرض جزعا من صبر أيوب ; فاجتمعوا إليه وقالوا له : جمعتنا , ما خبرك ؟ ما أعياك ؟ قال : أعياني هذا العبد الذي سألت ربي أن يسلطني على ماله وولده فلم أدع له مالا ولا ولدا , فلم يزدد بذلك إلا صبرا وثناء على الله وتحميدا له , ثم سلطت على جسده فتركته قرحة ملقاة على كناسة بني إسرائيل , لا يقربه إلا امرأته , فقد افتضحت بربي , فاستعنت بكم , فأعينوني عليه ! قال : فقالوا له : أين مكرك ؟ أين علمك الذي أهلكت به من مضى ؟ قال : بطل ذلك كله في أيوب , فأشيروا علي ! قالوا : نشير عليك , أرأيت آدم حين أخرجته من الجنة , من أين أتيته ؟ قال : من قبل امرأته , قالوا : فشأنك بأيوب من قبل امرأته , فإنه لا يستطيع أن يعصيها وليس أحد يقربه غيرها . قال : أصبتم . فانطلق حتى أتى امرأته وهي تصدق , فتمثل لها في صورة رجل , فقال : أين بعلك يا أمة الله ؟ قالت : هو ذاك يحك قروحه ويتردد الدواب في جسده . فلما سمعها طمع أن تكون كلمة جزع , فوقع في صدرها فوسوس إليها فذكرها ما كانت فيه من النعم والمال والدواب , وذكرها جمال أيوب وشبابه , وما هو فيه من الضر , وأن ذلك لا ينقطع عنهم أبدا . قال الحسن : فصرخت ; فلما صرخت علم أن قد صرخت وجزعت , أتاها بسخلة , فقال : ليذبح هذا إلي أيوب ويبرأ , قال : فجاءت تصرخ يا أيوب , يا أيوب , حتى متى يعذبك ربك , ألا يرحمك ؟ أين الماشية ؟ أين المال ؟ أين الولد ؟ أين الصديق ؟ أين لونك الحسن قد تغير , وصار مثل الرماد ؟ أين جسمك الحسن الذي قد بلي وتردد فيه الدواب ؟ اذبح هذه السخلة واسترح ! قال أيوب : أتاك عدو الله فنفخ فيك فوجد فيك رفقا وأجبته , ويلك ! أرأيت ما تبكين عليه ما تذكرين ما كنا فيه من المال والولد والصحة والشباب ؟ من أعطانيه ؟ قالت : الله . قال : فكم متعنا به ؟ قالت : ثمانين سنة . قال : فمذ كم ابتلانا الله بهذا البلاء الذي ابتلانا به ؟ قالت : منذ سبع سنين وأشهر . قال : ويلك ! والله ما عدلت ولا أنصفت ربك ! ألا صبرت حتى نكون في هذا البلاء الذي ابتلانا ربنا به ثمانين سنة كما كنا في الرخاء ثمانين سنة ؟ والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة ! هيه أمرتيني أن أذبح لغير الله , طعامك وشرابك الذي تأتيني به علي حرام وأن أذوق ما تأتيني به بعد , إذ قلت لي هذا فاغربي عني فلا أراك ! فطردها , فذهبت , فقال الشيطان : هذا قد وطن نفسه ثمانين سنة على هذا البلاء الذي هو فيه ! فباء بالغلبة ورفضه . ونظر أيوب إلى امرأته وقد طردها , وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق قال الحسن : ومر به رجلان وهو على تلك الحال , ولا والله ما على ظهر الأرض يومئذ أكرم على الله من أيوب , فقال أحد الرجلين لصاحبه : لو كان لله في هذا حاجة , ما بلغ به هذا ! فلم يسمع أيوب شيئا كان أشد عليه من هذه الكلمة . 18679 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن جرير بن حازم , عن عبد الله بن عبيد بن عمير , قال : كان لأيوب أخوان , فأتياه , فقاما من بعيد لا يقدران أن يدنوا منه من ريحه , فقال أحدهما لصاحبه : لو كان الله علم في أيوب خيرا ما ابتلاه بما أرى , قال : فما جزع أيوب من شيء أصابه جزعه من كلمة الرجل . فقال أيوب : اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة شبعان قط وأنا أعلم مكان جائع فصدقني ! فصدق وهما يسمعان . ثم قال : اللهم إن كنت تعلم أني لم أتخذ قميصين قط وأنا أعلم مكان عار فصدقني ! فصدق وهما يسمعان . قال : ثم خر ساجدا . 18680 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : فحدثني مخلد بن الحسين , عن هشام , عن الحسن , قال : فقال : رب إني مسني الضر ثم رد ذلك إلى ربه فقال : وأنت أرحم الراحمين . 18681 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن جرير , عن عبد الله بن عبيد بن عمير , قال : فقيل له : ارفع رأسك فقد استجيب لك .
فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَكَشَفۡنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰبِدِينَ  ٨٤
التفسير الميسرفاستجبنا له دعاءه، ورفعنا عنه البلاء، ورددنا عليه ما فقده من أهل وولد ومال مضاعفًا، فَعَلْنا به ذلك رحمة منَّا، وليكون قدوة لكل صابر على البلاء، راجٍ رحمة ربه، عابد له.
تفسير السعديوبرحمة ربه الواسعة العامة فاستجاب الله له، وقال له: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ فركض برجله فخرجت من ركضته عين ماء باردة فاغتسل منها وشرب، فأذهب الله عنه ما به من الأذى، وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ أي: رددنا عليه أهله وماله. وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ بأن منحه الله العافية من الأهل والمال شيئا كثيرا، رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا به، حيث صبر ورضي، فأثابه الله ثوابا عاجلا قبل ثواب الآخرة. وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ أي: جعلناه عبرة للعابدين، الذين ينتفعون بالعبر، فإذا رأوا ما أصابه من البلاء، ثم ما أثابه الله بعد زواله، ونظروا السبب، وجدوه الصبر، ولهذا أثنى الله عليه به في قوله: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ فجعلوه أسوة وقدوة عندما يصيبهم الضر.
تفسير ابن كثيروقوله : ( وآتيناه أهله ومثلهم معهم ) قد تقدم عن ابن عباس أنه قال : ردوا عليه بأعيانهم . وكذا رواه العوفي ، عن ابن عباس أيضا . وروي مثله عن ابن مسعود ومجاهد ، وبه قال الحسن وقتادة .وقد زعم بعضهم أن اسم زوجته رحمة ، فإن كان أخذ ذلك من سياق الآية فقد أبعد النجعة ، وإن كان أخذه من نقل أهل الكتاب ، وصح ذلك عنهم ، فهو مما لا يصدق ولا يكذب . وقد سماها ابن عساكر في تاريخه - رحمه الله تعالى - قال : ويقال : اسمها ليا ابنة منشا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، قال : ويقال : ليا بنت يعقوب ، عليه السلام ، زوجة أيوب كانت معه بأرض البثنية .وقال مجاهد : قيل له : يا أيوب ، إن أهلك لك في الجنة ، فإن شئت أتيناك بهم ، وإن شئت تركناهم لك في الجنة ، وعوضناك مثلهم . قال : لا ، بل اتركهم لي في الجنة . فتركوا له في الجنة وعوض مثلهم في الدنيا .وقال حماد بن زيد ، عن أبي عمران الجوني ، عن نوف البكالي قال : أوتي أجرهم في الآخرة ، وأعطي مثلهم في الدنيا . قال : فحدثت به مطرفا ، فقال : ما عرفت وجهها قبل اليوم .وهكذا روي عن قتادة ، والسدي ، وغير واحد من السلف ، والله أعلم .وقوله : ( رحمة من عندنا ) أي : فعلنا به ذلك رحمة من الله به ، ( وذكرى للعابدين ) أي : وجعلناه في ذلك قدوة ، لئلا يظن أهل البلاء أنما فعلنا بهم ذلك لهوانهم علينا ، وليتأسوا به في الصبر على مقدورات الله وابتلائه لعباده بما يشاء ، وله الحكمة البالغة في ذلك .
تفسير القرطبيقوله تعالى : فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم قال مجاهد وعكرمة قيل لأيوب - صلى الله عليه وسلم - : قد آتيناك أهلك في الجنة فإن شئت تركناهم لك في الجنة وإن شئت آتيناكهم في الدنيا . قال مجاهد : فتركهم الله - عز وجل - له في الجنة وأعطاه مثلهم في الدنيا . قال النحاس : والإسناد عنهما بذلك صحيح .قلت : وحكاه المهدوي عن ابن عباس . وقال الضحاك : قال عبد الله بن مسعود كان أهل أيوب قد ماتوا إلا امرأته فأحياهم الله - عز وجل - في أقل من طرف البصر ، وآتاه مثلهم معهم . وعن ابن عباس أيضا : كان بنوه قد ماتوا فأحيوا له وولد له مثلهم معهم . وقال قتادة وكعب الأحبار والكلبي وغيرهم . قال ابن مسعود : مات أولاده وهم سبعة من الذكور وسبعة من الإناث فلما عوفي نشروا له ، وولدت امرأته سبعة بنين وسبع بنات . الثعلبي : وهذا القول أشبه بظاهر الآية .قلت : لأنهم ماتوا ابتلاء قبل آجالهم حسب ما تقدم بيانه في سورة ( البقرة ) في قصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت . وفي قصة السبعين الذين أخذتهم الصعقة فماتوا ثم أحيوا ؛ وذلك أنهم ماتوا قبل آجالهم ، وكذلك هنا والله أعلم . وعلى قول مجاهد وعكرمة يكون المعنى : وآتيناه أهله في الآخرة ومثلهم معهم في الدنيا . وفي الخبر : إن الله بعث إليه جبريل - عليه السلام - حين ركض برجله على الأرض ركضة فظهرت عين ماء حار ، وأخذ بيده ونفضه نفضة فتناثرت عنه الديدان ، وغاص في الماء غوصة فنبت لحمه وعاد إلى منزله ، ورد الله عليه أهله ومثلهم معهم ، ونشأت سحابة على قدر قواعد داره فأمطرت ثلاثة أيام بلياليها جرادا من ذهب . فقال له جبريل : أشبعت ؟ فقال : ومن يشبع من فضل الله ! . فأوحى الله إليه : قد أثنيت عليك بالصبر قبل وقوعك في البلاء وبعده ، ولولا أني وضعت تحت كل شعرة منك صبرا ما صبرت .رحمة من عندنا أي فعلنا ذلك به رحمة من عندنا . وقيل : ابتليناه ليعظم ثوابه غدا . وذكرى للعابدين أي وتذكيرا للعباد ؛ لأنهم إذا ذكروا بلاء أيوب وصبره عليه ومحنته له وهو أفضل أهل زمانه وطنوا أنفسهم على الصبر على شدائد الدنيا نحو ما فعل أيوب ، فيكون هذا تنبيها لهم على إدامة العبادة ، واحتمال الضرر . واختلف في مدة إقامته في البلاء ؛ فقال ابن عباس : كانت مدة البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ليال . وهب : ثلاثين سنة . الحسن سبع سنين وستة أشهر . قلت : وأصح من هذا والله أعلم ثماني عشرة سنة ؛ رواه ابن شهاب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ ذكره ابن المبارك وقد تقدم .
تفسير الطبريحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن جرير، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: فقيل له: ارفع رأسك فقد استجيب لك.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن مبارك، عن الحسن ومخلد، عن هشام، عن الحسن، دخل حديث أحدهما في الآخر، قالا فقيل له: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ فركض برجله فنبعت عين، فاغتسل منها، فلم يبق عليه من دائه شيء ظاهر إلا سقط، فأذهب الله كل ألم وكل سقم، وعاد إليه شبابه وجماله، أحسن ما كان وأفضل ما كان، ثم ضرب برجله، فنبعت عين أخرى فشرب منها، فلم يبق في جوفه داء إلا خرج، فقام صحيحا، وكُسِي حُلة، قال: فجعل يتلفت ولا يرى شيئا ما كان له من أهل ومال إلا وقد أضعفه الله له، حتى والله ذُكر لنا أن الماء الذي اغتسل به، تطاير على صدره جرادا من ذهب، قال: فجعل يضمه بيده، فأوحى الله إليه: يا أيوب ألم أغنك؟ قال: بلى، ولكنها بركتك، فمن يشبع منها، قال: فخرج حتى جلس على مكان مشرف، ثم إن امرأته قالت: أرأيت إن كان طردني إلى من أكله؟ أدعه يموت جوعا أو يضيع فتأكله السباع؟ لأرجعنّ إليه فرجعت، فلا كُناسة ترى، ولا من تلك الحال التي كانت، وإذا الأمور قد تغيرت، فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة وتبكي، وذلك بعين أيوب، قالت: وهابت صاحب الحُلة أن تأتيه فتسأل عنه، فأرسل إليها أيوب فدعاها، فقال: ما تريدين يا أمة الله؟ فبكت وقالت: أردت ذلك المبتَلى الذي كان منبوذا على الكُناسة، لا أدري أضاع أم ما فعل؟ قال لها أيوب: ما كان منك؟ فبكت وقالت: بعلي، فهل رأيته؟ وهي تبكي إنه قد كان هاهنا؟ قال: وهل تعرفينه إذا رأيتيه؟ قالت: وهل يخفى على أحد رآه؟ ثم جعلت تنظر إليه وهي تهابه، ثم قالت: أما إنه كان أشبه خلق الله بك إذ كان صحيحا، قال: فإني أنا أيوب الذي أمرتيني أن أذبح للشيطان، وإني أطعت الله وعصيت الشيطان، فدعوت الله فردّ علي ما ترين، قال الحسن: ثم إن الله رحمها بصبرها معه على البلاء أن أمره تخفيفا عنها أن يأخذ جماعة من الشجر فيضربها ضربة واحدة تخفيفا عنها بصبرها معه.حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ )... إلى آخر الآيتين، فإنه لما مسه الشيطان بنصب وعذاب، أنساه الله الدعاء أن يدعوه فيكشف ما به من ضرّ، غير أنه كان يذكر الله كثيرا، ولا يزيده البلاء في الله إلا رغبة وحسن إيمان، فلما انتهى الأجل، وقضى الله أنه كاشف ما به من ضرّ أذن له في الدعاء، ويسرَّه له، وكان قبل ذلك يقول تبارك وتعالى: لا ينبغي لعبدي أيوب أن يدعوني، ثم لا أستجيب له، فلما دعا استجاب له، وأبدله بكل شيء ذهب له ضعفين، ردّ إليه أهله ومثلهم معهم، وأثنى عليه فقال: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ .واختلف أهل التأويل في الأهل الذي ذكر الله في قوله ( وآتيناه أهله ومثلهم معهم ) أهم أهله الذين أوتيهم في الدنيا، أم ذلك وعد وعده الله أيوب أن يفعل به في الآخرة؟ فقال بعضهم: إنما آتى الله أيوب في الدنيا مثل أهله الذين هلكوا، فإنهم لم يُرَدّوا عليه في الدنيا، وإنما وعد الله أيوب أن يؤتيه إياهم في الآخرة.حدثني أبو السائب سلم بن جنادة، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، قال: أرسل مجاهد رجلا يقال له قاسم إلى عكرمة يسأله عن قول الله لأيوب ( وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ) فقال: قيل له: إن أهلك لك في الآخرة، فإن شئت عجلناهم لك في الدنيا، وإن شئت كانوا لك في الآخرة، وآتيناك مثلهم في الدنيا، فقال: يكونون لي في الآخرة، وأُوتي مثلهم في الدنيا، قال: فرجع إلى مجاهد فقال: أصاب.وقال آخرون: بل ردّهم إليه بأعيانهم وأعطاه مثلهم معهم.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلم، عن أبي سنان، عن ثابت، عن الضحاك، عن ابن مسعود ( وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ) قال: أهله بأعيانهم.حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: لما دعا أيوب استجاب الله له، وأبدله بكل شيء ذهب له ضعفين، ردّ إليه أهله ومثلهم معهم.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ قال: أحياهم بأعيانهم، وردّ إليه مثلهم (8) .حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، في قوله ( وآتيناه أهله ومثلهم معهم ) قال: قيل له: إن شئت أحييناهم لك، وإن شئت كانوا لك في الآخرة وتعطى مثلهم في الدنيا، فاختار أن يكونوا في الآخرة ومثلهم في الدنيا.حدثنا بشر ، قال: ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ) قال الحسن وقتادة: أحيا الله أهله بأعيانهم ، وزاده إليهم مثلهم.وقال آخرون: بل آتاه المثل من نسل ماله الذي ردّه عليه وأهله ، فأما الأهل والمال فإنه ردّهما عليه.*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن رجل ، عن الحسن ( وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ) قال: من نسلهم.وقوله ( رَحْمَةَ ) نصبت بمعنى: فعلنا بهم ذلك رحمة منا له.وقوله ( وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) يقول: وتذكرة للعابدين ربهم فعلنا ذلك به ليعتبروا به ، ويعلموا أن الله قد يبتلي أولياءه ومن أحبّ من عباده في الدنيا بضروب من البلاء في نفسه وأهله وماله ، من غير هوان به عليه ، ولكن اختبارا منه له ليبلغ بصبره عليه واحتسابه إياه وحسن يقينه منزلته التي أعدها له تبارك وتعالى من الكرامة عنده ،وقد: حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال: ثني حجاج ، عن أبي معشر ، عن محمد بن كعب القرظي ، في قوله رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ وقوله رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ ) قال: أيما مؤمن أصابه بلاء فذكر ما أصاب أيوب فليقل: قد أصاب من هو خير منا نبيا من الأنبياء.-------------------الهوامش :(8) هذا يناسب الاستشهاد على عدم ردهم بأعيانهم . فلعله مؤخر من تقديم .
وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِدۡرِيسَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰبِرِينَ  ٨٥
التفسير الميسرواذكر إسماعيل وإدريس وذا الكفل، كل هؤلاء من الصابرين على طاعة الله سبحانه وتعالى، وعن معاصيه، وعلى أقداره، فاستحقوا الذكر بالثناء الجميل.
تفسير السعديتفسير الآيتين 85 و 86 :أي: واذكر عبادنا المصطفين، وأنبياءنا المرسلين بأحسن الذكر، وأثن عليهم أبلغ الثناء، إسماعيل بن إبراهيم، وإدريس، وذا الكفل، نبيين من أنبياء بني إسرائيل كُلٌّ من هؤلاء المذكورين مِنَ الصَّابِرِينَ والصبر: هو حبس النفس ومنعها، مما تميل بطبعها إليه، وهذا يشمل أنواع الصبر الثلاثة: الصبر على طاعة الله والصبر عن معصية الله، والصبر على أقدار الله المؤلمة، فلا يستحق العبد اسم الصبر التام، حتى يوفي هذه الثلاثة حقها. فهؤلاء الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، قد وصفهم الله بالصبر، فدل أنهم وفوها حقها، وقاموا بها كما ينبغي، ووصفهم أيضا بالصلاح، وهو يشمل صلاح القلب، بمعرفة الله ومحبته، والإنابة إليه كل وقت، وصلاح اللسان، بأن يكون رطبا من ذكر الله، وصلاح الجوارح، باشتغالها بطاعة الله وكفها عن المعاصي. فبصبرهم وصلاحهم، أدخلهم الله برحمته، وجعلهم مع إخوانهم من المرسلين، وأثابهم الثواب العاجل والآجل، ولو لم يكن من ثوابهم، إلا أن الله تعالى نوه بذكرهم في العالمين، وجعل لهم لسان صدق في الآخرين، لكفى بذلك شرفا وفضلا.
تفسير ابن كثيرأما إسماعيل فالمراد به ابن إبراهيم الخليل ، عليهما السلام ، وقد تقدم ذكره في سورة مريم ، وكذلك إدريس ، عليه السلام وأما ذو الكفل فالظاهر من السياق أنه ما قرن مع الأنبياء إلا وهو نبي . وقال آخرون : إنما كان رجلا صالحا ، وكان ملكا عادلا وحكما مقسطا ، وتوقف ابن جرير في ذلك ، فالله أعلم .وقال ابن جريج ، عن مجاهد في قوله : ( وذا الكفل ) قال : رجل صالح غير نبي ، تكفل لنبي قومه أن يكفيه أمر قومه ويقيمهم له ويقضي بينهم بالعدل ، ففعل ذلك ، فسمي : ذا الكفل . وكذا روى ابن أبي نجيح ، عن مجاهد أيضا .وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا عفان ، حدثنا وهيب ، حدثنا داود ، عن مجاهد قال : لما كبر اليسع قال : لو أني استخلفت رجلا على الناس يعمل عليهم في حياتي ، حتى أنظر كيف يعمل؟ فجمع الناس ، فقال : من يتقبل مني بثلاث : أستخلفه يصوم النهار ، ويقوم الليل ، ولا يغضب . قال : فقام رجل تزدريه العين ، فقال : أنا . فقال : أنت تصوم النهار ، وتقوم الليل ، ولا تغضب؟ قال : نعم ، قال : فردهم ذلك اليوم ، وقال مثلها في اليوم الآخر ، فسكت الناس ، وقام ذلك الرجل وقال : أنا . فاستخلفه ، قال : وجعل إبليس يقول للشياطين : عليكم بفلان . فأعياهم ذلك ، قال : دعوني وإياه ، فأتاه في صورة شيخ كبير فقير ، فأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة - وكان لا ينام الليل والنهار إلا تلك النومة - فدق الباب ، فقال : من هذا؟ قال : شيخ كبير مظلوم . قال : فقام ففتح الباب ، فجعل يقص عليه ، فقال : إن بيني وبين قومي خصومة ، وإنهم ظلموني ، وفعلوا بي وفعلوا . وجعل يطول عليه حتى حضر الرواح وذهبت القائلة ، فقال : إذا رحت فأتني آخذ لك بحقك . فانطلق ، وراح . فكان في مجلسه ، فجعل ينظر هل يرى الشيخ؟ فلم يره ، فقام يتبعه ، فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس ، وينتظره ولا يراه ، فلما رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه ، أتاه فدق الباب ، فقال : من هذا؟ قال الشيخ الكبير المظلوم . ففتح له فقال : ألم أقل لك إذا قعدت فأتني؟ قال : إنهم أخبث قوم ، إذا عرفوا أنك قاعد قالوا : نحن نعطيك حقك . وإذا قمت جحدوني . قال : فانطلق ، فإذا رحت فأتني . قال : ففاتته القائلة ، فراح فجعل ينتظره ولا يراه ، وشق عليه النعاس ، فقال لبعض أهله : لا تدعن أحدا يقرب هذا الباب حتى أنام ، فإني قد شق علي النوم . فلما كان تلك الساعة أتاه فقال له الرجل : وراءك وراءك؟ فقال : إني قد أتيته أمس ، فذكرت له أمري ، فقال : لا والله لقد أمرنا ألا ندع أحدا يقربه . فلما أعياه نظر فرأى كوة في البيت ، فتسور منها ، فإذا هو في البيت ، وإذا هو يدق الباب من داخل ، قال : فاستيقظ الرجل فقال : يا فلان ، ألم آمرك؟ فقال أما من قبلي والله فلم تؤت ، فانظر من أين أتيت؟ قال : فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه ، وإذا الرجل معه في البيت ، فعرفه ، فقال : أعدو الله؟ قال : نعم ، أعييتني في كل شيء ، ففعلت ما ترى لأغضبك . فسماه الله ذا الكفل ; لأنه تكفل بأمر فوفى به .وهكذا رواه ابن أبي حاتم ، من حديث زهير بن إسحاق ، عن داود ، عن مجاهد ، بمثله .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن مسلم ، قال : قال ابن عباس : كان قاض في بني إسرائيل ، فحضره الموت ، فقال : من يقوم مقامي على ألا يغضب؟ قال : فقال رجل : أنا . فسمي ذا الكفل . قال : فكان ليله جميعا يصلي ، ثم يصبح صائما فيقضي بين الناس - قال : وله ساعة يقيلها - قال : فكان كذلك ، فأتاه الشيطان عند نومته ، فقال له أصحابه : ما لك؟ قال : إنسان مسكين ، له على رجل حق ، وقد غلبني عليه . قالوا : كما أنت حتى يستيقظ - قال : وهو فوق نائم قال : فجعل يصيح عمدا حتى يوقظه ، قال : فسمع ، فقال : ما لك؟ قال : إنسان مسكين ، له على رجل حق . قال : اذهب فقل له يعطيك . قال : قد أبى . قال : اذهب أنت إليه . قال : فذهب ، ثم جاء من الغد ، فقال : ما لك؟ قال : ذهبت إليه فلم يرفع بكلامك رأسا . قال : اذهب إليه فقل له يعطيك حقك ، قال : فذهب ، ثم جاء من الغد حين قال ، قال : فقال له أصحابه : اخرج ، فعل الله بك ، تجيء كل يوم حين ينام ، لا تدعه ينام؟ . فجعل يصيح : من أجل أني إنسان مسكين ، لو كنت غنيا؟ قال : فسمع أيضا ، فقال : ما لك؟ قال : ذهبت إليه فضربني . قال : امش حتى أجيء معك . قال : فهو ممسك بيده ، فلما رآه ذهب معه نثر يده منه ففر .وهكذا روي عن عبد الله بن الحارث ، ومحمد بن قيس ، وابن حجيرة الأكبر ، وغيرهم من السلف ، نحو من هذه القصة ، والله أعلم .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو الجماهر ، أخبرنا سعيد بن بشير ، حدثنا قتادة ، عن أبي كنانة بن الأخنس قال : سمعت الأشعري وهو يقول على هذا المنبر : ما كان ذو الكفل بنبي ، ولكن كان - يعني : في بني إسرائيل - رجل صالح يصلي كل يوم مائة صلاة ، فتكفل له ذو الكفل من بعده ، فكان يصلي كل يوم مائة صلاة ، فسمي ذا الكفل .وقد رواه ابن جرير من حديث عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة قال : " قال أبو موسى الأشعري . . . " فذكره منقطعا ، والله أعلم .وقد روى الإمام أحمد حديثا غريبا فقال :حدثنا أسباط بن محمد ، حدثنا الأعمش ، عن عبد الله بن عبد الله ، عن سعد مولى طلحة ، عن ابن عمر قال : سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين - حتى عد سبع مرات - ولكن قد سمعته أكثر من ذلك ، قال : " كان الكفل من بني إسرائيل ، لا يتورع من ذنب عمله ، فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا ، على أن يطأها ، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته ، أرعدت وبكت ، فقال : ما يبكيك؟ أكرهتك؟ قالت : لا ولكن هذا عمل لم أعمله قط ، وإنما حملني عليه الحاجة . قال : فتفعلين هذا ولم تفعليه قط؟ فنزل فقال : اذهبي فالدنانير لك . ثم قال : " والله لا يعصي الله الكفل أبدا . فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه : قد غفر الله للكفل " .هكذا وقع في هذه الرواية " الكفل " ، من غير إضافة ، فالله أعلم . وهذا الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة ، وإسناده غريب ، وعلى كل تقدير فلفظ الحديث إن كان " الكفل " ، ولم يقل : " ذو الكفل " ، فلعله رجل آخر ، والله أعلم .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإسماعيل وإدريس وهو أخنوخ وقد تقدم وذا الكفل أي واذكرهم . وخرج الترمذي الحكيم في ( نوادر الأصول ) وغيره من حديث ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كان في بني إسرائيل رجل يقال له ذو الكفل لا يتورع من ذنب عمله ، فاتبع امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته ارتعدت وبكت ، فقال ما يبكيك ، قالت : من هذا العمل والله ما عملته قط ، قال : أأكرهتك قالت : لا ولكن حملني عليه الحاجة ، قال : اذهبي فهو لك ، والله لا أعصي الله بعدها أبدا ، ثم مات من ليلته فوجدوا مكتوبا على باب داره إن الله قد غفر لذي الكفل وخرجه أبو عيسى الترمذي أيضا ولفظه . ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يحدث حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين - حتى عد سبع مرات - ولكني سمعته أكثر من ذلك ؛ سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : كان ذو الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله فأتته امرأة ، فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها ، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته ارتعدت وبكت ، فقال : ما يبكيك أأكرهتك ، قالت : لا ولكنه عمل ما عملته قط وما حملني عليه إلا الحاجة ، فقال : تفعلين أنت هذا وما فعلته اذهبي فهي لك ، وقال والله لا أعصي الله بعدها أبدا ، فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه إن الله قد غفر لذي الكفل قال : حديث حسن . وقيل إن اليسع لما كبر قال : لو استخلفت رجلا على الناس أنظر كيف يعمل . فقال : من يتكفل لي بثلاث : بصيام النهار وقيام الليل وألا يغضب وهو يقضي ؟ فقال رجل من ذرية العيص : أنا ؛ فرده ثم قال مثلها من الغد ؛ فقال الرجل : أنا ؛ فاستخلفه فوفى فأثنى الله عليه فسمي ذا الكفل ؛ لأنه تكفل بأمر ؛ قاله أبو موسى ومجاهد وقتادة . وقال عمرو بن عبد الرحمن بن الحارث وقال أبو موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن ذا الكفل لم يكن نبيا ، ولكنه كان عبدا صالحا فتكفل بعمل رجل صالح عند موته ، وكان يصلي لله كل يوم مائة صلاة فأحسن الله الثناء عليه . و قال كعب : كان في بني إسرائيل ملك كافر فمر ببلاده رجل صالح فقال : والله إن خرجت من هذه البلاد حتى أعرض على هذا الملك الإسلام . فعرض عليه فقال : ما جزائي ؟ قال : الجنة - ووصفها له - قال : من يتكفل لي بذلك ؟ قال : أنا ؛ فأسلم الملك وتخلى عن المملكة وأقبل على طاعة ربه حتى مات ، فدفن فأصبحوا فوجدوا يده خارجة من القبر وفيها رقعة خضراء مكتوب فيها بنور أبيض : إن الله قد غفر لي وأدخلني الجنة ووفى عن كفالة فلان ؛ فأسرع الناس إلى ذلك الرجل بأن يأخذ عليهم الأيمان ، ويتكفل لهم بما تكفل به للملك ، ففعل ذلك فآمنوا كلهم فسمي ذا الكفل . وقيل : كان رجلا عفيفا يتكفل بشأن كل إنسان وقع في بلاء أو تهمة أو مطالبة فينجيه الله على يديه . وقيل : سمي ذا الكفل لأن الله تعالى تكفل له في سعيه وعمله بضعف عمل غيره من الأنبياء الذين كانوا في زمانه . والجمهور على أنه ليس بنبي . وقال الحسن : هو نبي قبل إلياس . وقيل : هو زكريا بكفالة مريم . كل من الصابرين أي على أمر الله والقيام بطاعته واجتناب معاصيه .
تفسير الطبرييعني تعالى ذكره بإسماعيل: إسماعيل بن إبراهيم صادق الوعد ، وبإدريس: أخنوخ ، وبذي الكفل: رجلا تكفل من بعض الناس ، إما من نبيّ وإما من ملك من صالحي الملوك بعمل من الأعمال ، فقام به من بعده ، فأثنى الله عليه حسن وفائه بما تكفل به ، وجعله من المعدودين في عباده ، مع من حمد صبره على طاعة الله، وبالذي قلنا في أمره جاءت الأخبار عن سلف العلماء.*ذكر الرواية بذلك عنهم: حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن عبد الله بن الحارث: أن نبيا من الأنبياء ، قال: من تكفل لي أن يصوم النهار ويقوم الليل ، ولا يغضب ، فقام شاب فقال: أنا ، فقال : اجلس: ثم عاد فقال: من تكفل لي أن يقوم الليل ويصوم النهار ، ولا يغضب؟ فقام ذلك الشاب فقال: أنا، فقال: اجلس، ثم عاد فقال: من تكفل لي أن يقوم الليل ، ويصوم النهار ، ولا يغضب؟ فقام ذلك الشاب فقال: أنا ، فقال: تقوم الليل، وتصوم النهار ، ولا تغضب فمات ذلك النبيّ ، فجلس ذلك الشاب مكانه يقضي بين الناس ، فكان لا يغضب، فجاءه الشيطان في صورة إنسان ليُغضبه وهو صائم يريد أن يقيل ، فضرب الباب ضربا شديدا ، فقال: من هذا؟ فقال: رجل له حاجة، فأرسل معه رجلا فقال: لا أرضى بهذا الرجل، فأرسل معه آخر ، فقال: لا أرضى بهذا، فخرج إليه فأخذ بيده ، فانطلق معه ، حتى إذا كان في السوق خلاه وذهب ، فسمي ذا الكفل.حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا عفان بن مسلم ، قال : ثنا وهيب ، قال : ثنا داود ، عن مجاهد ، قال: لما كبر اليسع قال: لو أني استخلفت على الناس رجلا يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل، قال: فجمع الناس ، فقال: من يتقبل لي بثلاث أستخلفه: يصوم النهار ، ويقوم الليل ، ولا يغضب ، قال: فقام رجل تزدريه العين ، فقال: أنا، فقال: أنت تصوم النهار ، وتقوم الليل ولا تغضب؟ قال: نعم، قال: فردّهم ذلك اليوم ، وقال مثلها اليوم الآخر ، فسكت الناس وقام ذلك الرجل ، فقال: أنا، فاستخلفه، قال: فجعل إبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان، فأعياهم ، فقال: دعوني وإياه، فأتاه في صورة شيخ كبير فقير ، فأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة ، وكان لا ينام الليل والنهار إلا تلك النومة ، فدقّ الباب ، فقال: من هذا؟ قال: شيخ كبير مظلوم، قال: فقام ففتح الباب ، فجعل يقص عليه ، فقال: إن بيني وبين قومي خصومة ، وإنهم ظلموني وفعلوا بي وفعلوا، فجعل يطوّل عليه ، حتى حضر الرواح ، وذهبت القائلة ، وقال: إذا رحت فأتني آخذ لك بحقك، فانطلق وراح ، فكان في مجلسه ، فجعل ينظر هل يرى الشيخ ، فلم يره ، فجعل يبتغيه فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس وينتظره فلا يراه، فلما رجع إلى القائلة ، فأخذ مضجعه ، أتاه فدقّ الباب ، فقال: من هذا؟ قال: الشيخ الكبير المظلوم، ففتح له ، فقال: ألم أقل لك إذا قعدت فأتني، فقال: إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد ، قالوا نحن نعطيك حقك ، وإذا قمت جحدوني، قال: فانطلق فإذا رحت فأتني، قال: ففاتته القائلة ، فراح فجعل ينظر فلا يراه ، فشقّ عليه النعاس ، فقال لبعض أهله: لا تدعن أحدا يقرب هذا الباب حتى أنام ، فإني قد شقّ عليّ النوم، فلما كان تلك الساعة جاء ، فقال له الرجل وراءك ، فقال: إني قد أتيته أمس فذكرت له أمري ، قال: والله لقد أمرنا أن لا ندع أحدا يقربه، فلما أعياه نظر فرأى كوّة في البيت ، فتسوّر منها ، فإذا هو في البيت ، وإذا هو يدقّ الباب ، قال: واستيقظ الرجل فقال: يا فلان ، ألم آمرك؟ قال: أما من قِبلي والله فلم تؤت ، فانظر من أين أتيت، قال: فقام إلى الباب ، فإذا هو مغلق كما أغلقه ، وإذا هو معه في البيت ، فعرفه فقال: أعدوّ الله؟ قال: نعم أعييتني في كل شيء ، ففعلت ما ترى لأغضبك، فسماه ذا الكفل ، لأنه تكفل بأمر فوفى به.حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال: ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، في قوله ( وَذَا الْكِفْلِ ) قال رجل صالح غير نبيّ ، تكفل لنبيّ قومه أن يكفيه أمر قومه ، ويقيمه لهم ، ويقضي بينهم بالعدل ، ففعل ذلك ، فسمي ذا الكفل.حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى، وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد بنحوه ، إلا أنه قال: ويقضي بينهم بالحق.حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال: ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن أبي معشر ، عن محمد بن قيس قال: كان في بني إسرائيل ملك صالح ، فكبر ، فجمع قومه فقال: أيكم يكفل لي بملكي هذا ، على أن يصوم النهار، ويقوم الليل ، ويحكم بين بني إسرائيل بما أنزل الله ، ولا يغضب؟ قال: فلم يقم أحد إلا فتى شاب ، فازدراه لحداثة سنه فقال: أيكم يكفل لي بملكي هذا على أن يصوم النهار، ويقوم الليل ، ولا يغضب ، ويحكم بين بني إسرائيل بما أنزل الله؟ فلم يقم إلا ذلك الفتى، قال: فازدراه ، فلما كانت الثالثة قال مثل ذلك ، فلم يقم إلا ذلك الفتى ، فقال: تعال، فخلى بينه وبين ملكه، فقام الفتى ليلة، فلما أصبح جعل يحكم بين بني إسرائيل، فلما انتصف النهار دخل ليقيل ، فأتاه الشيطان في صورة رجل من بني آدم ، فجذب ثوبه ، فقال: أتنام والخصوم ببابك؟ قال: إذا كان العشية فأتني، قال: فانتظره بالعشيّ فلم يأته، فلما انتصف النهار دخل ليقيل ، جذب ثوبه ، وقال: أتنام والخصوم على بابك؟ قال: قلت لك: ائتني العشيّ فلم تأتني ، ائتني بالعشي، فلما كان بالعشيّ انتظره فلم يأت، فلما دخل ليقيل جذب ثوبه ، فقال: أتنام والخصوم ببابك؟ قال: أخبرني من أنت ، لو كنت من الإنس سمعت ما قلت، قال: هو الشيطان ، جئت لأفتنك فعصمك الله مني، فقضى بين بني إسرائيل بما أنزل الله زمانا طويلا وهو ذو الكفل ، سمي ذا الكفل لأنه تكفل بالملك.حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن أبي موسى الأشعري ، قال وهو يخطب الناس: إن ذا الكفل لم يكن نبيا ولكن كان عبدا صالحا ، تكفل بعمل رجل صالح عند موته ، كان يصلي لله كل يوم مائة صلاة ، فأحسن الله عليه الثناء في كفالته إياه.حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا الحكم ، قال : ثنا عمرو ، قال: أما ذو الكفل فإنه كان على بني إسرائيل ملك، فلما حضره الموت ، قال: من يكفل لي أن يكفيني بني إسرائيل، ولا يغضب ، ويصلي كل يوم مائة صلاة، فقال ذو الكفل: أنا، فجعل ذو الكفل يقضي بين الناس ، فإذا فرغ صلى مائة صلاة، فكاده الشيطان ، فأمهله حتى إذا قضى بين الناس ، وفرغ من صلاته وأخذ مضجعه فنام ، أتى الشيطان بابه فجعل يدقه ، فخرج إليه ، فقال: ظُلمت وصُنع بي، فأعطاه خاتمه وقال: اذهب فأتني بصاحبك، وانتظره ، فأبطأ عليه الآخر ، حتى إذا عرف أنه قد نام وأخذ مضجعه ، أتى الباب أيضا كي يغضبه ، فجعل يدقه ، وخدش وجه نفسه فسالت الدماء ، فخرج إليه فقال: ما لك؟ فقال: لم يتبعني ، وضُربت وفعل، فأخذه ذو الكفل ، وأنكر أمره ، فقال: أخبرني من أنت؟ وأخذه أخذا شديدا ، قال: فأخبره من هو.حدثنا الحسن ، قال: أخبرنا عبد الرزاق ، قال: أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله ( وَذَا الْكِفْلِ ) قال: قال أبو موسى الأشعري: لم يكن ذو الكفل نبيا ، ولكنه كفل بصلاة رجل كان يصلي كل يوم مائة صلاة ، فوفى ، فكفل بصلاته ، فلذلك سمي ذا الكفل، ونصب إسماعيل وإدريس وذا الكفل ، عطفا على أيوب ، ثم استؤنف بقوله ( كُلّ ) فقال ( كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ ) ومعنى الكلام: كلهم من أهل الصبر فيما نابهم في الله.
وَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ فِي رَحۡمَتِنَآۖ إِنَّهُم مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ  ٨٦
التفسير الميسروأدخلناهم في رحمتنا، إنهم ممن صلح باطنه وظاهره، فأطاع الله وعمل بما أمره به.
تفسير السعديتفسير الآيتين 85 و 86 :أي: واذكر عبادنا المصطفين، وأنبياءنا المرسلين بأحسن الذكر، وأثن عليهم أبلغ الثناء، إسماعيل بن إبراهيم، وإدريس، وذا الكفل، نبيين من أنبياء بني إسرائيل كُلٌّ من هؤلاء المذكورين مِنَ الصَّابِرِينَ والصبر: هو حبس النفس ومنعها، مما تميل بطبعها إليه، وهذا يشمل أنواع الصبر الثلاثة: الصبر على طاعة الله والصبر عن معصية الله، والصبر على أقدار الله المؤلمة، فلا يستحق العبد اسم الصبر التام، حتى يوفي هذه الثلاثة حقها. فهؤلاء الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، قد وصفهم الله بالصبر، فدل أنهم وفوها حقها، وقاموا بها كما ينبغي، ووصفهم أيضا بالصلاح، وهو يشمل صلاح القلب، بمعرفة الله ومحبته، والإنابة إليه كل وقت، وصلاح اللسان، بأن يكون رطبا من ذكر الله، وصلاح الجوارح، باشتغالها بطاعة الله وكفها عن المعاصي. فبصبرهم وصلاحهم، أدخلهم الله برحمته، وجعلهم مع إخوانهم من المرسلين، وأثابهم الثواب العاجل والآجل، ولو لم يكن من ثوابهم، إلا أن الله تعالى نوه بذكرهم في العالمين، وجعل لهم لسان صدق في الآخرين، لكفى بذلك شرفا وفضلا.
تفسير ابن كثيرأما إسماعيل فالمراد به ابن إبراهيم الخليل ، عليهما السلام ، وقد تقدم ذكره في سورة مريم ، وكذلك إدريس ، عليه السلام وأما ذو الكفل فالظاهر من السياق أنه ما قرن مع الأنبياء إلا وهو نبي . وقال آخرون : إنما كان رجلا صالحا ، وكان ملكا عادلا وحكما مقسطا ، وتوقف ابن جرير في ذلك ، فالله أعلم .وقال ابن جريج ، عن مجاهد في قوله : ( وذا الكفل ) قال : رجل صالح غير نبي ، تكفل لنبي قومه أن يكفيه أمر قومه ويقيمهم له ويقضي بينهم بالعدل ، ففعل ذلك ، فسمي : ذا الكفل . وكذا روى ابن أبي نجيح ، عن مجاهد أيضا .وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا عفان ، حدثنا وهيب ، حدثنا داود ، عن مجاهد قال : لما كبر اليسع قال : لو أني استخلفت رجلا على الناس يعمل عليهم في حياتي ، حتى أنظر كيف يعمل؟ فجمع الناس ، فقال : من يتقبل مني بثلاث : أستخلفه يصوم النهار ، ويقوم الليل ، ولا يغضب . قال : فقام رجل تزدريه العين ، فقال : أنا . فقال : أنت تصوم النهار ، وتقوم الليل ، ولا تغضب؟ قال : نعم ، قال : فردهم ذلك اليوم ، وقال مثلها في اليوم الآخر ، فسكت الناس ، وقام ذلك الرجل وقال : أنا . فاستخلفه ، قال : وجعل إبليس يقول للشياطين : عليكم بفلان . فأعياهم ذلك ، قال : دعوني وإياه ، فأتاه في صورة شيخ كبير فقير ، فأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة - وكان لا ينام الليل والنهار إلا تلك النومة - فدق الباب ، فقال : من هذا؟ قال : شيخ كبير مظلوم . قال : فقام ففتح الباب ، فجعل يقص عليه ، فقال : إن بيني وبين قومي خصومة ، وإنهم ظلموني ، وفعلوا بي وفعلوا . وجعل يطول عليه حتى حضر الرواح وذهبت القائلة ، فقال : إذا رحت فأتني آخذ لك بحقك . فانطلق ، وراح . فكان في مجلسه ، فجعل ينظر هل يرى الشيخ؟ فلم يره ، فقام يتبعه ، فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس ، وينتظره ولا يراه ، فلما رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه ، أتاه فدق الباب ، فقال : من هذا؟ قال الشيخ الكبير المظلوم . ففتح له فقال : ألم أقل لك إذا قعدت فأتني؟ قال : إنهم أخبث قوم ، إذا عرفوا أنك قاعد قالوا : نحن نعطيك حقك . وإذا قمت جحدوني . قال : فانطلق ، فإذا رحت فأتني . قال : ففاتته القائلة ، فراح فجعل ينتظره ولا يراه ، وشق عليه النعاس ، فقال لبعض أهله : لا تدعن أحدا يقرب هذا الباب حتى أنام ، فإني قد شق علي النوم . فلما كان تلك الساعة أتاه فقال له الرجل : وراءك وراءك؟ فقال : إني قد أتيته أمس ، فذكرت له أمري ، فقال : لا والله لقد أمرنا ألا ندع أحدا يقربه . فلما أعياه نظر فرأى كوة في البيت ، فتسور منها ، فإذا هو في البيت ، وإذا هو يدق الباب من داخل ، قال : فاستيقظ الرجل فقال : يا فلان ، ألم آمرك؟ فقال أما من قبلي والله فلم تؤت ، فانظر من أين أتيت؟ قال : فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه ، وإذا الرجل معه في البيت ، فعرفه ، فقال : أعدو الله؟ قال : نعم ، أعييتني في كل شيء ، ففعلت ما ترى لأغضبك . فسماه الله ذا الكفل ; لأنه تكفل بأمر فوفى به .وهكذا رواه ابن أبي حاتم ، من حديث زهير بن إسحاق ، عن داود ، عن مجاهد ، بمثله .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن مسلم ، قال : قال ابن عباس : كان قاض في بني إسرائيل ، فحضره الموت ، فقال : من يقوم مقامي على ألا يغضب؟ قال : فقال رجل : أنا . فسمي ذا الكفل . قال : فكان ليله جميعا يصلي ، ثم يصبح صائما فيقضي بين الناس - قال : وله ساعة يقيلها - قال : فكان كذلك ، فأتاه الشيطان عند نومته ، فقال له أصحابه : ما لك؟ قال : إنسان مسكين ، له على رجل حق ، وقد غلبني عليه . قالوا : كما أنت حتى يستيقظ - قال : وهو فوق نائم قال : فجعل يصيح عمدا حتى يوقظه ، قال : فسمع ، فقال : ما لك؟ قال : إنسان مسكين ، له على رجل حق . قال : اذهب فقل له يعطيك . قال : قد أبى . قال : اذهب أنت إليه . قال : فذهب ، ثم جاء من الغد ، فقال : ما لك؟ قال : ذهبت إليه فلم يرفع بكلامك رأسا . قال : اذهب إليه فقل له يعطيك حقك ، قال : فذهب ، ثم جاء من الغد حين قال ، قال : فقال له أصحابه : اخرج ، فعل الله بك ، تجيء كل يوم حين ينام ، لا تدعه ينام؟ . فجعل يصيح : من أجل أني إنسان مسكين ، لو كنت غنيا؟ قال : فسمع أيضا ، فقال : ما لك؟ قال : ذهبت إليه فضربني . قال : امش حتى أجيء معك . قال : فهو ممسك بيده ، فلما رآه ذهب معه نثر يده منه ففر .وهكذا روي عن عبد الله بن الحارث ، ومحمد بن قيس ، وابن حجيرة الأكبر ، وغيرهم من السلف ، نحو من هذه القصة ، والله أعلم .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو الجماهر ، أخبرنا سعيد بن بشير ، حدثنا قتادة ، عن أبي كنانة بن الأخنس قال : سمعت الأشعري وهو يقول على هذا المنبر : ما كان ذو الكفل بنبي ، ولكن كان - يعني : في بني إسرائيل - رجل صالح يصلي كل يوم مائة صلاة ، فتكفل له ذو الكفل من بعده ، فكان يصلي كل يوم مائة صلاة ، فسمي ذا الكفل .وقد رواه ابن جرير من حديث عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة قال : " قال أبو موسى الأشعري . . . " فذكره منقطعا ، والله أعلم .وقد روى الإمام أحمد حديثا غريبا فقال :حدثنا أسباط بن محمد ، حدثنا الأعمش ، عن عبد الله بن عبد الله ، عن سعد مولى طلحة ، عن ابن عمر قال : سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين - حتى عد سبع مرات - ولكن قد سمعته أكثر من ذلك ، قال : " كان الكفل من بني إسرائيل ، لا يتورع من ذنب عمله ، فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا ، على أن يطأها ، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته ، أرعدت وبكت ، فقال : ما يبكيك؟ أكرهتك؟ قالت : لا ولكن هذا عمل لم أعمله قط ، وإنما حملني عليه الحاجة . قال : فتفعلين هذا ولم تفعليه قط؟ فنزل فقال : اذهبي فالدنانير لك . ثم قال : " والله لا يعصي الله الكفل أبدا . فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه : قد غفر الله للكفل " .هكذا وقع في هذه الرواية " الكفل " ، من غير إضافة ، فالله أعلم . وهذا الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة ، وإسناده غريب ، وعلى كل تقدير فلفظ الحديث إن كان " الكفل " ، ولم يقل : " ذو الكفل " ، فلعله رجل آخر ، والله أعلم .
تفسير القرطبيوأدخلناهم في رحمتنا أي في الجنة إنهم من الصالحين .
تفسير الطبريوقوله ( وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ ) يقول تعالى ذكره: وأدخلنا إسماعيل وإدريس وذا الكفل ، والهاء والميم عائدتان عليهم (في رحمتنا إنهم من الصالحين ) يقول: إنهم ممن صلح ، فأطاع الله ، وعمل بما أمره...
وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ  ٨٧
التفسير الميسرواذكر قصة صاحب الحوت، وهو يونس بن مَتَّى عليه السلام، أرسله الله إلى قومه فدعاهم فلم يؤمنوا، فتوعَّدهم بالعذاب فلم ينيبوا، ولم يصبر عليهم كما أمره الله، وخرج مِن بينهم غاضبًا عليهم، ضائقًا صدره بعصيانهم، وظن أن الله لن يضيِّق عليه ويؤاخذه بهذه المخالفة، فابتلاه الله بشدة الضيق والحبس، والتقمه الحوت في البحر، فنادى ربه في ظلمات الليل والبحر وبطن الحوت تائبًا معترفًا بظلمه؛ لتركه الصبر على قومه، قائلا: لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين.
تفسير السعديأي: واذكر عبدنا ورسولنا ذا النون وهو: يونس، أي: صاحب النون، وهي الحوت، بالذكر الجميل، والثناء الحسن، فإن الله تعالى أرسله إلى قومه، فدعاهم، فلم يؤمنوا فوعدهم بنزول العذاب بأمد سماه لهم.[فجاءهم العذاب] ورأوه عيانا، فعجوا إلى الله، وضجوا وتابوا، فرفع الله عنهم العذاب كما قال تعالى: فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ وقال: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ وهذه الأمة العظيمة، الذين آمنوا بدعوة يونس، من أكبر فضائله. ولكنه عليه الصلاة والسلام، ذهب مغاضبا، وأبق عن ربه لذنب من الذنوب، التي لم يذكرها الله لنا في كتابه، ولا حاجة لنا إلى تعيينها [لقوله: إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ وَهُوَ مُلِيمٌ أي: فاعل ما يلام عليه] والظاهر أن عجلته ومغاضبته لقومه وخروجه من بين أظهرهم قبل أن يأمره الله بذلك، ظن أن الله لا يقدر عليه، أي: يضيق عليه في بطن الحوت أو ظن أنه سيفوت الله تعالى، ولا مانع من عروض هذا الظن للكمل من الخلق على وجه لا يستقر، ولا يستمر عليه، فركب في السفينة مع أناس، فاقترعوا، من يلقون منهم في البحر؟ لما خافوا الغرق إن بقوا كلهم، فأصابت القرعة يونس، فالتقمه الحوت، وذهب به إلى ظلمات البحار، فنادى في تلك الظلمات: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فأقر لله تعالى بكمال الألوهية، ونزهه عن كل نقص، وعيب وآفة، واعترف بظلم نفسه وجنايته.
تفسير ابن كثيرهذه القصة مذكورة هاهنا وفي سورة " الصافات " وفي سورة " ن " وذلك أن يونس بن متى ، عليه السلام ، بعثه الله إلى أهل قرية " نينوى " ، وهي قرية من أرض الموصل ، فدعاهم إلى الله ، فأبوا عليه وتمادوا على كفرهم ، فخرج من بين أظهرهم مغاضبا لهم ، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث . فلما تحققوا منه ذلك ، وعلموا أن النبي لا يكذب ، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم ، وفرقوا بين الأمهات وأولادها ، ثم تضرعوا إلى الله عز وجل ، وجأروا إليه ، ورغت الإبل وفصلانها ، وخارت البقر وأولادها ، وثغت الغنم وحملانها ، فرفع الله عنهم العذاب ، قال الله تعالى : ( فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ) [ يونس : 98 ] .وأما يونس ، عليه السلام ، فإنه ذهب فركب مع قوم في سفينة فلججت بهم ، وخافوا أن يغرقوا . فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم يتخففون منه ، فوقعت القرعة على يونس ، فأبوا أن يلقوه ، ثم أعادوا القرعة فوقعت عليه أيضا ، فأبوا ، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضا ، قال الله تعالى : ( فساهم فكان من المدحضين ) [ الصافات : 141 ] ، أي : وقعت عليه القرعة ، فقام يونس ، عليه السلام ، وتجرد من ثيابه ، ثم ألقى نفسه في البحر ، وقد أرسل الله ، سبحانه وتعالى ، من البحر الأخضر - فيما قاله ابن مسعود - حوتا يشق البحار ، حتى جاء فالتقم يونس حين ألقى نفسه من السفينة ، فأوحى الله إلى ذلك الحوت ألا تأكل له لحما ، ولا تهشم له عظما; فإن يونس ليس لك رزقا ، وإنما بطنك له يكون سجنا .وقوله : ( وذا النون ) يعني : الحوت ، صحت الإضافة إليه بهذه النسبة .وقوله : ( إذ ذهب مغاضبا ) : قال الضحاك : لقومه ، ( فظن أن لن نقدر عليه ) [ أي : نضيق عليه في بطن الحوت . يروى نحو هذا عن ابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك ، وغيرهم ، واختاره ابن جرير ، واستشهد عليه بقوله تعالى : ( ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا ) [ الطلاق : 7 ] .وقال عطية العوفي : ( فظن أن لن نقدر عليه ) ، أي : نقضي عليه ، كأنه جعل ذلك بمعنى التقدير ، فإن العرب تقول : قدر وقدر بمعنى واحد ، وقال الشاعر :فلا عائد ذاك الزمان الذي مضى تباركت ما تقدر يكن ، فلك الأمرومنه قوله تعالى : ( فالتقى الماء على أمر قد قدر ) [ القمر : 12 ] ، أي : قدر .وقوله : ( فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) قال ابن مسعود : ظلمة بطن الحوت ، وظلمة البحر ، وظلمة الليل . وكذا روي عن ابن عباس ، وعمرو بن ميمون ، وسعيد بن جبير ، ومحمد بن كعب ، والضحاك ، والحسن ، وقتادة .وقال سالم بن أبي الجعد : ظلمة حوت في بطن حوت في ظلمة البحر .قال ابن مسعود ، وابن عباس وغيرهما : وذلك أنه ذهب به الحوت في البحار يشقها ، حتى انتهى به إلى قرار البحر ، فسمع يونس تسبيح الحصى في قراره ، فعند ذلك وهنالك قال : ( لا إله إلا أنت سبحانك )وقال عوف : لما صار يونس في بطن الحوت ، ظن أنه قد مات ، ثم حرك رجليه فلما تحركت سجد مكانه ، ثم نادى : يا رب ، اتخذت لك مسجدا في موضع ما اتخذه أحد .وقال سعيد بن أبي الحسن البصري : مكث في بطن الحوت أربعين يوما . رواهما ابن جبير .وقال محمد بن إسحاق بن يسار ، عمن حدثه ، عن عبد الله بن رافع - مولى أم سلمة - سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت ، أوحى الله إلى الحوت أن خذه ، ولا تخدش لحما ولا تكسر عظما ، فلما انتهى به إلى أسفل البحر ، سمع يونس حسا ، فقال في نفسه : ما هذا؟ فأوحى الله إليه ، وهو في بطن الحوت : إن هذا تسبيح دواب البحر . قال : فسبح وهو في بطن الحوت ، فسمع الملائكة تسبيحه فقالوا : يا ربنا ، إنا نسمع صوتا ضعيفا [ بأرض غريبة ] قال : ذلك عبدي يونس ، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر . قالوا : العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟ . قال : نعم " . قال : " فشفعوا له عند ذلك ، فأمر الحوت فقذفه في الساحل ، كما قال الله عز وجل : ( وهو سقيم ) [ الصافات : 145 ] .ورواه ابن جرير ، ورواه البزار في مسنده ، من طريق محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن رافع ، عن أبي هريرة ، فذكره بنحوه ، ثم قال : لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد ، وروى ابن عبد الحق من حديث شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة ، عن علي مرفوعا : لا ينبغي لعبد أن يقول : " أنا خير من يونس بن متى " ; سبح لله في الظلمات .وقد روي هذا الحديث بدون هذه الزيادة ، من حديث ابن عباس ، وابن مسعود ، وعبد الله بن جعفر ، وسيأتي أسانيدها في سورة " ن " .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب ، حدثنا عمي : حدثني أبو صخر : أن يزيد الرقاشي حدثه قال : سمعت أنس بن مالك - ولا أعلم إلا أن أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - أن يونس النبي ، عليه السلام ، حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت ، قال : " اللهم ، لا إله إلا أنت ، سبحانك ، إني كنت من الظالمين " . فأقبلت هذه الدعوة تحف بالعرش ، فقالت الملائكة : يا رب ، صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة؟ فقال : أما تعرفون ذاك ؟ قالوا : لا يا رب ، ومن هو؟ قال : عبدي يونس . قالوا : عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ، ودعوة مجابة؟ . [ قال : نعم ] . قالوا : يا رب ، أولا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه من البلاء؟ قال : بلى . فأمر الحوت فطرحه في العراء .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ذا النون أي واذكر ذا النون وهو لقب ليونس بن متى لابتلاع النون إياه . والنون الحوت . وفي حديث عثمان - رضي الله عنه - أنه رأى صبيا مليحا فقال : دسموا نونته كي لا تصيبه العين . روى ثعلب عن ابن الأعرابي : النونة النقبة التي تكون في ذقن الصبي الصغير ، ومعنى دسموا سودوا . إذ ذهب مغاضبا قال الحسن والشعبي وسعيد بن جبير : مغاضبا لربه - عز وجل - . واختاره الطبري والقتبي واستحسنه المهدوي ، وروي عن ابن مسعود . وقال النحاس : وربما أنكر هذا من لا يعرف اللغة وهو قول صحيح . والمعنى : مغاضبا من أجل ربه ، كما تقول : غضبت لك أي من أجلك . والمؤمن يغضب لله - عز وجل - إذا عصي .وأكثر أهل اللغة يذهب إلى أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة : اشترطي لهم الولاء من هذا . وبالغ القتبي في نصرة هذا القول . وفي الخبر في وصف يونس : إنه كان ضيق الصدر فلما حمل أعباء النبوة تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل الثقيل ، فمضى على وجهه مضي الآبق الناد . وهذه المغاضبة كانت صغيرة . ولم يغضب على الله ولكن غضب لله إذ رفع العذاب عنهم . وقال ابن مسعود : أبق من ربه أي من أمر ربه حتى أمره بالعود إليهم بعد رفع العذاب عنهم . فإنه كان يتوعد قومه بنزول العذاب في وقت معلوم ، وخرج من عندهم في ذلك الوقت ، فأظلهم العذاب فتضرعوا فرفع عنهم ولم يعلميونس بتوبتهم ؛ فلذلك ذهب مغاضبا وكان من حقه ألا يذهب إلا بإذن محدد . وقال الحسن : أمره الله تعالى بالمسير إلى قومه فسأل أن ينظر ليتأهب ، فأعجله الله حتى سأل أن يأخذ نعلا ليلبسها فلم ينظر ، وقيل له : الأمر أعجل من ذلك - وكان في خلقه ضيق - فخرج مغاضبا لربه ، فهذا قول وقول النحاس أحسن ما قيل في تأويله . أي خرج مغاضبا من أجل ربه ، أي غضب على قومه من أجل كفرهم بربه . وقيل : إنه غاضب قومه حين طال عليه أمرهم وتعنتهم فذهب فارا بنفسه ، ولم يصبر على أذاهم وقد كان الله أمره بملازمتهم والدعاء ، فكان ذنبه خروجه من بينهم من غير إذن من الله . روي عن ابن عباس والضحاك ، وأن يونس كان شابا ولم يحمل أثقال النبوة ؛ ولهذا قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ولا تكن كصاحب الحوت . وعن الضحاك أيضا خرج مغاضبا لقومه ؛ لأن قومه لما لم يقبلوا منه وهو رسول من الله - عز وجل - كفروا بهذا فوجب أن يغاضبهم ، وعلى كل أحد أن يغاضب من عصى الله - عز وجل - . وقالت فرقة منهم الأخفش : إنما خرج مغاضبا للملك الذي كان على قومه . قال ابن عباس : أراد شعيا النبي ، والملك الذي كان في وقته اسمه حزقيا أن يبعثوا يونس إلى ملك نينوى ، وكان غزا بني إسرائيل وسبى الكثير منهم ليكلمه حتى يرسل معه بني إسرائيل ، وكان الأنبياء في ذلك الزمان يوحى إليهم ، والأمر والسياسة إلى ملك قد اختاروه ، فيعمل على وحي ذلك النبي ، وكان أوحى الله لشعيا : أن قل لحزقيا الملك أن يختار نبيا قويا أمينا من بني إسرائيل فيبعثه إلى أهل نينوى فيأمرهم بالتخلية عن بني إسرائيل فإني ملق في قلوب ملوكهم وجبابرتهم التخلية عنهم . فقال يونس لشعيا : هل أمرك الله بإخراجي ؟ قال : لا . قال : فهل سماني لك ؟ قال : لا . قال فهاهنا أنبياء أمناء أقوياء . فألحوا عليه فخرج مغاضبا للنبي والملك وقومه ، فأتى بحر الروم وكان من قصته ما كان ؛ فابتلي ببطن الحوت لتركه أمر شعيا ؛ ولهذا قال الله تعالى : فالتقمه الحوت وهو مليم والمليم من فعل ما يلام عليه . وكان ما فعله إما صغيرة أو ترك الأولى . وقيل : خرج ولم يكن نبيا في ذلك الوقت ولكن أمره ملك من ملوك بني إسرائيل أن يأتي نينوى ؛ ليدعو أهلها بأمر شعيا فأنف أن يكون ذهابه إليهم بأمر أحد غير الله ، فخرج مغاضبا للملك ؛ فلما نجا من بطن الحوت بعثه الله إلى قومه فدعاهم وآمنوا به . وقال القشيري : والأظهر أن هذه المغاضبة كانت بعد إرسال الله تعالى إياه ، وبعد رفع العذاب عن القوم بعد ما أظلهم ؛ فإنه كره رفع العذاب عنهم .قلت : هذا أحسن ما قيل فيه على ما يأتي بيانه في ( والصافات ) إن شاء الله تعالى . وقيل : إنه كان من أخلاق قومه قتل من جربوا عليه الكذب فخشي أن يقتل فغضب ، وخرج فارا على وجهه حتى ركب في سفينة فسكنت ولم تجر . فقال أهلها : أفيكم آبق ؟ فقال : أنا هو . وكان من قصته ما كان ، وابتلي ببطن الحوت تمحيصا من الصغيرة كما قال في أهل أحد : حتى إذا فشلتم إلى قوله : وليمحص الله الذين آمنوا فمعاصي الأنبياء مغفورة ، ولكن قد يجري تمحيص ويتضمن ذلك زجرا عن المعاودة . وقول رابع : إنه لم يغاضب ربه ، ولا قومه ، ولا الملك ، وأنه من قولهم غضب إذا أنف . وفاعل قد يكون من واحد ؛ فالمعنى أنه لما وعد قومه بالعذاب وخرج عنهم تابوا وكشف عنهم العذاب ، فلما رجع وعلم أنهم لم يهلكوا أنف من ذلك فخرج آبقا . وينشد هذا البيت :وأغضب أن تهجى تميم بدارمأي آنف . وهذا فيه نظر ؛ فإنه يقال لصاحب هذا القول : إن تلك المغاضبة وإن كانت من الأنفة ، فالأنفة لا بد أن يخالطها الغضب وذلك الغضب وإن دق على من كان ؟ ! وأنت تقول : لم يغضب على ربه ولا على قومه ! .قوله تعالى : فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات قيل : معناه استنزله إبليس ووقع في ظنه إمكان ألا يقدر الله عليه بمعاقبته . وهذا قول مردود مرغوب عنه ؛ لأنه كفر . روي عن سعيد بن جبير حكاه عنه المهدوي ، والثعلبي عن الحسن . وذكره الثعلبي وقال عطاء وسعيد بن جبير وكثير من العلماء معناه : فظن أن لن نضيق عليه . قال الحسن : هو من قوله تعالى : الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أي يضيق . وقوله ومن قدر عليه رزقه .قلت : وهذا الأشبه بقول سعيد والحسن . وقدر وقدر وقتر وقتر بمعنى ، أي ضيق وهو قول ابن عباس فيما ذكره الماوردي والمهدوي . وقيل : هو من القدر الذي هو القضاء والحكم ؛ أي فظن أن لن نقضي عليه بالعقوبة ؛ قاله قتادة ومجاهد والفراء . مأخوذ من القدر وهو الحكم دون القدرة والاستطاعة . وروي عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب ، أنه قال في قول الله - عز وجل - : فظن أن لن نقدر عليه هو من التقدير ليس من القدرة ، يقال منه : قدر الله لك الخير يقدره قدرا ، بمعنى قدر الله لك الخير . وأنشد ثعلب :فليست عشيات اللوى برواجع لنا أبدا ما أورق السلم النضرولا عائد ذاك الزمان الذي مضى تباركت ما تقدر يقع ولك الشكريعني ما تقدره وتقضي به يقع . وعلى هذين التأويلين العلماء . وقرأ عمر بن عبد العزيز والزهري : ( فظن أن لن نقدر عليه ) بضم النون وتشديد الدال من التقدير . وحكى هذه القراءة الماوردي عن ابن عباس . وقرأ عبيد بن عمير وقتادة والأعرج : ( أن لن يقدر عليه ) بضم الياء مشددا على الفعل المجهول . وقرأ يعقوب وعبد الله بن أبي إسحاق والحسن وابن عباس أيضا ( يقدر عليه ) بياء مضمومة وفتح الدال مخففا على الفعل المجهول . وعن الحسن أيضا ( فظن أن لن يقدر عليه ) . الباقون نقدر بفتح النون وكسر الدال وكله بمعنى التقدير .قلت : وهذان التأويلان تأولهما العلماء في قول الرجل الذي لم يعمل خيرا قط لأهله إذا مات فحرقوه فوالله لئن قدر الله علي الحديث فعلى التأويل الأول يكون تقديره : والله لئن ضيق الله علي وبالغ في محاسبتي وجزائي على ذنوبي ليكونن ذلك ، ثم أمر أن يحرق بإفراط خوفه . وعلى التأويل الثاني : أي لئن كان سبق في قدر الله وقضائه أن يعذب كل ذي جرم على جرمه ليعذبني الله على إجرامي وذنوبي عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين غيري . وحديثه خرجه الأئمة في الموطأ وغيره . والرجل كان مؤمنا موحدا . وقد جاء في بعض طرقه لم يعمل خيرا إلا التوحيد وقد قال حين قال الله تعالى : لم فعلت هذا ؟ قال : من خشيتك يا رب . والخشية لا تكون إلا لمؤمن مصدق ؛ قال الله تعالى : إنما يخشى الله من عباده العلماء . . وقد قيل : إن معنى فظن أن لن نقدر عليه الاستفهام وتقديره : أفظن ، فحذف ألف الاستفهام إيجازا ؛ وهو قول سليمان أبو المعتمر . وحكى القاضي منذر بن سعيد : أن بعضهم قرأ ( أفظن ) بالألف .قوله تعالى : فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : فنادى في الظلمات اختلف العلماء في جمع الظلمات ما المراد به ، فقالت فرقة منهم ابن عباس وقتادة : ظلمة الليل ، وظلمة البحر ، وظلمة الحوت . وذكر ابن أبي الدنيا حدثنا يوسف بن موسى حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال حدثنا عبد الله بن مسعود في بيت المال قال : لما ابتلع الحوت يونس - عليه السلام - أهوى به إلى قرار الأرض ، فسمع يونس تسبيح الحصى فنادى في الظلمات ظلمات ثلاث : ظلمة بطن الحوت ، وظلمة الليل ، وظلمة البحر أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فنبذناه بالعراء وهو سقيم كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش . وقالت فرقة منهم سالم بن أبي الجعد : ظلمة البحر ، وظلمة حوت التقم الحوت الأول . ويصح أن يعبر بالظلمات عن جوف الحوت الأول فقط ؛ كما قال : في غيابة الجب وفي كل جهاته ظلمة فجمعها سائغ . وذكر الماوردي : أنه يحتمل أن يعبر بالظلمات عن ظلمة الخطيئة ، وظلمة الشدة ، وظلمة الوحدة . وروي : أن الله تعالى أوحى إلى الحوت : ( لا تؤذ منه شعرة فإني جعلت بطنك سجنه ولم أجعله طعامك ) وروي : أن يونس - عليه السلام - سجد في جوف الحوت حين سمع تسبيح الحيتان في قعر البحر . وذكر ابن أبي الدنيا حدثنا العباس بن يزيد العبدي حدثنا إسحاق بن إدريس حدثنا جعفر بن سليمان عن عوف عن سعيد بن أبي الحسن قال : لما التقم الحوت يونس - عليه السلام - ظن أنه قد مات فطول رجليه فإذا هو لم يمت فقام إلى عادته يصلي فقال في دعائه : ( واتخذت لك مسجدا حيث لم يتخذه أحد ) . وقال أبو المعالي : قوله - صلى الله عليه وسلم - لا تفضلوني على يونس بن متى المعنى فإني لم أكن وأنا في سدرة المنتهى بأقرب إلى الله منه ، وهو في قعر البحر في بطن الحوت . وهذا يدل على أن الباري سبحانه وتعالى ليس في جهة . وقد تقدم هذا المعنى في ( البقرة ) و ( الأعراف ) . أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين يريد فيما خالف فيه من ترك مداومة قومه والصبر عليهم وقيل : في الخروج من غير أن يؤذن له . ولم يكن ذلك من الله عقوبة ؛ لأن الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا ، وإنما كان ذلك تمحيصا . وقد يؤدب من لا يستحق العقاب كالصبيان ؛ ذكره الماوردي . وقيل : من الظالمين في دعائي على قومي بالعذاب . وقد دعا نوح على قومه فلم يؤاخذ . وقال الواسطي في معناه : نزه ربه عن الظلم وأضاف الظلم إلى نفسه اعترافا واستحقاقا . ومثل هذا قول آدم وحواء : ربنا ظلمنا أنفسنا إذ كانا السبب في وضعهما أنفسهما في غير الموضع الذي أنزلا فيه .الثانية : روى أبو داود عن سعد بن أبي وقاص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : دعاء ذي النون في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع به رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له وقد قيل : إنه اسم الله الأعظم . ورواه سعد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وفي الخبر : في هذه الآية شرط الله لمن دعاه أن يجيبه كما أجابه وينجيه كما أنجاه ، وهو قوله : وكذلك ننجي المؤمنين وليس هاهنا صريح دعاء وإنما هو مضمون قوله : إني كنت من الظالمين فاعترف بالظلم فكان تلويحا .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: واذكر يا محمد ذا النون ، يعني صاحب النون، والنون: الحوت، وإنما عنى بذي النون، يونس بن متى ، وقد ذكرنا قصته في سورة يونس بما أغنى عن ذكره في هذا الموضع ، وقوله ( إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا ) يقول: حين ذهب مغاضبا.واختلف أهل التأويل في معنى ذهابه مغاضبا ، وعمن كان ذهابه ، وعلى من كان غضبه ، فقال بعضهم: كان ذهابه عن قومه وإياهم غاضب.*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد ، قال: ثني أبي ، قال: ثني عمي ، قال: ثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله ( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا ) يقول: غضب على قومه.حُدثت عن الحسين ، قال: سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا ) أما غضبه فكان على قومه.وقال آخرون: ذهب عن قومه مغاضبا لربه ، إذ كشف عنهم العذاب بعدما وعدهموه.*ذكر من قال ذلك: وذكر سبب مغاضبته ربه في قولهم:حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يزيد بن زياد ، عن عبد الله بن أبي سلمة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال: بعثه الله ، يعني يونس إلى أهل قريته ، فردّوا عليه ما جاءهم به وامتنعوا منه، فلما فعلوا ذلك أوحى الله إليه: إني مرسل عليهم العذاب في يوم كذا وكذا ، فاخرج من بين أظهرهم، فأعلم قومه الذي وعده الله من عذابه إياهم ، فقالوا: ارمقوه ، فإن خرج من بين أظهركم فهو والله كائن ما وعدكم، فلما كانت الليلة التي وُعدوا بالعذاب في صبحها أدلج ورآه القوم ، فخرجوا من القرية إلى براز من أرضهم ، وفرّقوا بين كل دابة وولدها ، ثم عجوا إلى الله ، فاستقالوه ، فأقالهم ، وتنظّر يونس الخبر عن القرية وأهلها ، حتى مر به مار ، فقال: ما فعل أهل القرية؟ فقال: فعلوا أن نبيهم خرج من بين أظهرهم ، عرفوا أنه صدقهم ما وعدهم من العذاب ، فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض ، ثم فرقوا بين كل ذات ولد وولدها ، وعجُّوا إلى الله وتابوا إليه، فقبل منهم ، وأخَّر عنهم العذاب، قال: فقال يونس عند ذلك وغضب: والله لا أرجع إليهم كذّابا أبدا ، وعدتهم العذاب في يوم ثم رُدّ عنهم، ومضى على وجهه مغاضبا.حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا عوف ، عن سعيد بن أبي الحسن ، قال: بلغني أن يونس لما أصاب الذنب ، انطلق مغاضبا لربه ، واستزله الشيطان ،حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن مجالد بن سعيد ، عن الشعبي ، في قوله ( إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا ) قال: مغاضبا لربه.حدثنا الحارث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا سفيان ، عن إسماعيل بن عبد الملك ، عن سعيد بن جبير، فذكر نحو حديث ابن حميد ، عن سلمة ، وزاد فيه: قال: فخرج يونس ينظر العذاب ، فلم ير شيئا ، قال: جرّبوا عليّ كذبا، فذهب مغاضبا لربه حتى أتى البحر.حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثنا محمد بن إسحاق ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن وهب بن منبه اليماني ، قال: سمعته يقول: إن يونس بن متى كان عبدا صالحا ، وكان في خلقه ضيق، فلما حملت عليه أثقال النبوّة ، ولها أثقال لا يحملها إلا قليل ، تفسخ تحتها تفسخ الربع (9) تحت الحمل ، فقذفها بين يديه ، وخرج هاربا منها ، يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ : أي لا تلق أمري كما ألقاه، وهذا القول ، أعني قول من قال: ذهب عن قومه مغاضبا لربه ، أشبه بتأويل الآية ، وذلك لدلالة قوله ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) على ذلك، على أن الذين وجهوا تأويل ذلك إلى أنه ذهب مغاضبا لقومه ، إنما زعموا أنهم فعلوا ذلك استنكارا منهم أن يغاضب نبيّ من الأنبياء ربه، واستعظاما له، وهم بقيلهم أنه ذهب مغاضبا لقومه قد دخلوا في أمر أعظم ما أنكروا ، وذلك أن الذين قالوا: ذهب مغاضبا لربه اختلفوا في سبب ذهابه كذلك ، فقال بعضهم: إنما فعل ما فعل من ذلك كراهة أن يكون بين قوم قد جربوا عليه الخلف فيما وعدهم ، واستحيا منهم ، ولم يعلم السبب الذي دفع به عنهم البلاء، وقال بعض من قال هذا القول: كان من أخلاق قومه الذين فارقهم قتل من جرّبوا عليه الكذب ، عسى أن يقتلوه من أجل أنه وعدهم العذاب ، فلم ينزل بهم ما وعدهم من ذلك ، وقد ذكرنا الرواية بذلك في سوره يونس ، فكرهنا إعادته في هذا الموضع.وقال آخرون: بل إنما غاضب ربه من أجل أنه أمر بالمصير إلى قوم لينذرهم بأسه ، ويدعوهم إليه ، فسأل ربه أن ينظره، ليتأهب للشخوص إليهم ، فقيل له: الأمر أسرع من ذلك ، ولم ينظر حتى شاء أن ينظر إلى أن يأخذ نعلا ليلبسها ، فقيل له نحو القول الأول ، وكان رجلا في خلقه ضيق ، فقال: أعجلني ربي أن آخذ نعلا فذهب مغاضبا.*وممن ذُكر هذا القول عنه: الحسن البصري، حدثني بذلك الحارث ، قال : ثنا الحسن بن موسى ، عن أبي هلال ، عن شهر بن حوشب ، عنه.قال أبو جعفر: وليس في واحد من هذين القولين من وصف نبيّ الله يونس صلوات الله عليه شيء إلا وهو دون ما وصفه بما وصفه الذين قالوا: ذهب مغاضبا لقومه ، لأن ذهابه عن قومه مغاضبا لهم ، وقد أمره الله تعالى بالمقام بين أظهرهم ، ليبلغهم رسالته ، ويحذّرهم بأسه ، وعقوبته على تركهم الإيمان به ، والعمل بطاعتك لا شك أن فيه ما فيه ، ولولا أنه قد كان صلى الله عليه وسلم أتى ما قاله الذين وصفوه بإتيان الخطيئة ، لم يكن الله تعالى ذكره ليعاقبه العقوبة التي ذكرها في كتابه ، ويصفه بالصفة التي وصفه بها ، فيقول لنبيه صلى الله عليه وسلم وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ وَيَقُولُ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ .وقوله ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) اختلف أهل التأويل في تأويله ، فقال بعضهم: معناه: فظنّ أن لن نعاقبه بالتضييق عليه من قولهم قدرت على فلان: إذا ضيقت عليه ، كما قال الله جلّ ثناؤه وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ .*ذكر من قال ذلك: حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال: ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) يقول: ظنّ أن لن يأخذه العذاب الذي أصابه.حدثني محمد بن سعد ، قال: ثني أبي ، قال: ثني عمي ، قال: ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) يقول: ظنّ أن لن نقضي عليه عقوبة ولا بلاء فيما صنع بقومه في غضبه إذ غضب عليهم ، وفراره وعقوبته أخذ النون إياه.حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، أنه قال في هذه الآية ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) قال: فظنّ أن لن نعاقبه بذنبه.حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، قال : ثنا زيد بن حباب ، قال: ثني شعبة ، عن مجاهد ، ولم يذكر فيه الحكم.حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) قال: يقول: ظنّ أن لن نعاقبه.حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة والكلبي ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) قالا ظنّ أن لن نقضي عليه العقوبة.حُدثت عن الحسين ، قال: سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ ) يقول: ظنّ أن الله لن يقضي عليه عقوبة ولا بلاء في غضبه الذي غضب على قومه ، وفراقه إياهم.حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن ابن عباس ، في قوله ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) قال: البلاء الذي أصابه.وقال آخرون: بل معنى ذلك: فظن أنه يعجز ربه فلا يقدر عليه.*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا عوف ، عن سعيد بن أبي الحسن ، قال: بلغني أن يونس لما أصاب الذنب ، انطلق مغاضبا لربه ، واستزلَّه الشيطان ، حتى ظن أن لن نقدر عليه ، قال: وكان له سلف وعبادة وتسبيح ، فأبى الله أن يدعه للشيطان ، فأخذه فقذفه في بطن الحوت ، فمكث في بطن الحوت أربعين من بين ليلة ويوم ، فأمسك الله نفسه فلم يقتله هناك ، فتاب إلى ربه في بطن الحوت ، وراجع نفسه ، قال: فقال ( سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) قال: فاستخرجه الله من بطن الحوت برحمته ، بما كان سلف من العبادة والتسبيح ، فجعله من الصالحين ، قال عوف: وبلغني أنه قال في دعائه: وبنيت لك مسجدا في مكان لم يبنه أحد قبلي.حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا هوذة ، قال : ثنا عوف ، عن الحسن ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) وكان له سلف من عبادة وتسبيح ، فتداركه الله بها فلم يدعه للشيطان.حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن الحارث ، عن إياس بن معاوية المدني ، أنه كان إذا ذكر عنده يونس ، وقوله ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) يقول إياس: فلِم فرّ؟وقال آخرون: بل ذلك بمعنى الاستفهام ، وإنما تأويله: أفظنّ أن لن نقدر عليه؟ذكر من قال ذلك: حدثني يونس ، قال: أخبرنا ابن وهب ، قال: قال ابن زيد ، في قوله ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) قال: هذا استفهام ، وفي قوله فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ قال: استفهام أيضا.قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب ، قول من قال: عَنَى به: فظنّ يونس أن لن نحبسه ونضيق عليه ، عقوبة له على مغاضبته ربه.وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الكلمة ، لأنه لا يجوز أن ينسب إلى الكفر وقد اختاره لنبوته ، ووصفه بأن ظنّ أن ربه يعجز عما أراد به ولا يقدر عليه ، ووصف له بأنه جهل قدرة الله ، وذلك وصف له بالكفر ، وغير جائز لأحد وصفه بذلك، وأما ما قاله ابن زيد ، فإنه قول لو كان في الكلام دليل على أنه استفهام حسن ، ولكنه لا دلالة فيه على أن ذلك كذلك، والعرب لا تحذف من الكلام شيئا لهم إليه حاجة إلا وقد أبقت دليلا على أنه مراد في الكلام ، فإذا لم يكن في قوله ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) دلالة على أن المراد به الاستفهام كما قال ابن زيد ، كان معلوما أنه ليس به وإذا فسد هذان الوجهان ، صح الثالث وهو ما قلنا.وقوله ( فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ) اختلف أهل التأويل في المعنيّ بهذه الظلمات ، فقال بعضهم: عني بها ظلمة الليل ، وظلمة البحر ، وظلمة بطن الحوت.*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال: ثني حجاج ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ( فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ) قال: ظلمة بطن الحوت ، وظلمة البحر ، وظلمة الليل ، وكذلك قال أيضا ابن جريج.حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يزيد بن زياد ، عن عبد الله بن أبي سلمة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال: نادى في الظلمات: ظلمة الليل ، وظلمة البحر ، وظلمة بطن الحوت ( لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) .حدثني محمد بن إبراهيم السلمي ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال: أخبرنا محمد بن رفاعة ، قال: سمعت محمد بن كعب يقول في هذه الآية ( فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ) قال: ظلمة الليل ، وظلمة البحر ، وظلمة بطن الحوت.حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله ( فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ) قال: ظلمة الليل ، وظلمة البحر ، وظلمة بطن الحوت.حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ) قال: ظلمة بطن الحوت ، وظلمة البحر ، وظلمة الليل.وقال آخرون: إنما عنى بذلك أنه نادى في ظلمة جوف حوت في جوف حوت آخر في البحر ، قالوا: فذلك هو الظلمات.*ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن سالم بن أبي الجعد ( فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ) قال: أوحى الله إلى الحوت أن لا تضرّ له لحما ولا عظما ، ثم ابتلع الحوت حوت آخر ، قال ( فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ) قال: ظلمة الحوت ، ثم حوت ، ثم ظلمة البحر.قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن يونس أنه ناداه في الظلمات ( أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) ولا شك أنه قد عنى بإحدى الظلمات: بطن الحوت ، وبالأخرى: ظلمة البحر ، وفي الثالثة اختلاف ، وجائز أن تكون تلك الثالثة : ظلمة الليل ، وجائز أن تكون كون الحوت في جوف حوت آخر ، ولا دليل يدلّ على أيّ ذلك من أيّ ، فلا قول في ذلك أولى بالحقّ من التسليم لظاهر التنزيل.وقوله ( لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ ) يقول: نادى يونس بهذا القول معترفا بذنبه تائبا من خطيئته ( إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) في معصيتي إياك .كما حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يزيد بن زياد ، عن عبد الله بن أبي سلمة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال ( فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) معترفا بذنبه ، تائبا من خطيئته.حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال: ثني حجاج ، قال ، أبو معشر: قال محمد بن قيس: قوله ( لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ ) ما صنعتُ من شيء فلم أعبد غيرك ، (إني كنت من الظالمين ) حين عصيتك.حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا جعفر بن سليمان ، عن عوف الأعرابي ، قال: لما صار يونس في بطن الحوت ظن أنه قد مات ، ثم حرّك رجله ، فلما تحركت سجد مكانه ، ثم نادى: يا ربّ اتخذت لك مسجدا في موضع ما اتخذه أحد.حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال: ثني ابن إسحاق عمن حدثه ، عن عبد الله بن رافع ، مولى أم سلمة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم ، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَمَّا أَرَادَ اللهُ حَبْسَ يُونُسَ فِي بَطْنِ الحُوتِ ، أَوْحَى اللهُ إِلَى الحُوتِ: أَنْ خُذْهُ وَلا تَخْدِشْ لَهُ لَحْما وَلا تَكْسِرْ عَظْما، فَأَخَذهُ ، ثُمّ هَوَى بِهِ إلى مسْكَنِهِ مِنَ البَحْرِ ، فَلَمَّا انْتَهَى بِهِ إلى أَسْفَلِ البَحْرِ ، سَمِعَ يُونُسُ حِسًّا ، فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: مَا هَذَا؟ قالَ: فَأَوْحَى اللهُ إِليْهِ وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: إِنَّ هَذَا تَسْبِيحُ دَوَابِّ البَحْرِ ، قَالَ: فَسَبَّحَ وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ ، فَسَمِعَتِ المَلائِكَةُ تَسْبِيحَهُ ، فَقَالُوا: يَا ربَنّا إِنَّا نَسْمَعُ صَوْتا ضَعِيفا بِأَرْضِ غَرِيبَهٍ؟ قَالَ: ذَاكَ عَبْدِي يُونُسُ ، عَصَانِي فَحَبَسْتُه فِي بَطْنِ الحُوتِ فِي البَحْرِ ، قَالُوا: العَبْد الصَالِحُ الَّذِي كانَ يَصْعَدُ إِلَيْكَ مِنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عَمَلٌ صَالِحٌ؟ قَالَ: نَعَم ْ، قَالَ: فَشَفَعُوا لَهُ عِنْدَ ذَلكَ ، فَأَمَرَ الحُوتَ فَقَذَفَه فِي السَّاحِلِ ، كما قالَ اللهُ تَبَارَك َ وَتَعالى: وَهُوَ سَقِيمٌ".-------------------------------الهوامش :(9) الربع : ولد الناقة أول ما يحمل عليه .
فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡغَمِّۚ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ  ٨٨
التفسير الميسرفاستجبنا له دعاءه، وخلَّصناه مِن غَم هذه الشدة، وكذلك ننجي المصدِّقين العاملين بشرعنا.
تفسير السعدي: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ أي: الشدة التي وقع فيها. وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ وهذا وعد وبشارة، لكل مؤمن وقع في شدة وغم، أن الله تعالى سينجيه منها، ويكشف عنه ويخفف، لإيمانه كما فعل ب " يونس " عليه السلام.
تفسير ابن كثيروقوله : ( فاستجبنا له ونجيناه من الغم ) أي : أخرجناه من بطن الحوت ، وتلك الظلمات ، ( وكذلك ننجي المؤمنين ) أي : إذا كانوا في الشدائد ودعونا منيبين إلينا ، ولا سيما إذا دعوا بهذا الدعاء في حال البلاء ، فقد جاء الترغيب في الدعاء بها عن سيد الأنبياء ، قال الإمام أحمد :حدثنا إسماعيل بن عمر ، حدثنا يونس بن أبي إسحاق الهمداني ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد ، حدثني والدي محمد عن أبيه سعد ، - وهو ابن أبي وقاص - قال : مررت بعثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، في المسجد ، فسلمت عليه ، فملأ عينيه مني ثم لم يردد علي السلام ، فأتيت عمر بن الخطاب فقلت : يا أمير المؤمنين ، هل حدث في الإسلام شيء؟ مرتين ، قال : لا وما ذاك؟ قلت : لا إلا أني مررت بعثمان آنفا في المسجد ، فسلمت عليه ، فملأ عينيه مني ، ثم لم يردد علي السلام . قال : فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه ، فقال : ما منعك ألا تكون رددت على أخيك السلام؟ قال : ما فعلت . قال سعد : قلت : بلى حتى حلف وحلفت ، قال : ثم إن عثمان ذكر فقال : بلى ، وأستغفر الله وأتوب إليه ، إنك مررت بي آنفا وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشى بصري وقلبي غشاوة . قال سعد : فأنا أنبئك بها ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لنا [ أول دعوة ] ثم جاء أعرابي فشغله ، حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعته ، فلما أشفقت أن يسبقني إلى منزله ضربت بقدمي الأرض ، فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " من هذا؟ أبو إسحاق ؟ " قال : قلت : نعم ، يا رسول الله . قال : " فمه؟ " قلت : لا والله ، إلا إنك ذكرت لنا أول دعوة ، ثم جاء هذا الأعرابي فشغلك . قال : " نعم ، دعوة ذي النون ، إذ هو في بطن الحوت : ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) ، فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له " .ورواه الترمذي ، والنسائي في " اليوم والليلة " ، من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد ، عن أبيه ، عن سعد ، به .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن كثير بن زيد ، عن المطلب بن حنطب - قال أبو خالد : أحسبه عن مصعب ، يعني : ابن سعد - عن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من دعا بدعاء يونس ، استجيب له " . قال أبو سعيد : يريد به ( وكذلك ننجي المؤمنين ) .وقال ابن جرير : حدثني عمران بن بكار الكلاعي ، حدثنا يحيى بن صالح ، حدثنا أبو يحيى بن عبد الرحمن ، حدثني بشر بن منصور ، عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب قال : سمعت سعد بن مالك - وهو ابن أبي وقاص - يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " اسم الله الذي إذا دعي به أجاب ، وإذا سئل به أعطى ، دعوة يونس بن متى " . قال : قلت : يا رسول الله ، هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال : هي ليونس بن متى خاصة وللمؤمنين عامة ، إذا دعوا بها ، ألم تسمع قول الله عز وجل : ( : فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين ) . فهو شرط من الله لمن دعاه به " .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن أبي سريج ، حدثنا داود بن المحبر بن قحذم المقدسي ، عن كثير بن معبد قال : سألت الحسن ، قلت : يا أبا سعيد ، اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب ، وإذا سئل به أعطى؟ قال : ابن أخي ، أما تقرأ القرآن؟ قول الله : ( وذا النون إذ ذهب مغاضبا ) إلى قوله : ( المؤمنين ) ، ابن أخي ، هذا اسم الله الأعظم ، الذي إذا دعي به أجاب ، وإذا سئل به أعطى .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وكذلك ننجي المؤمنين أي نخلصهم من همهم بما سبق من عملهم . وذلك قوله : فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون وهذا حفظ من الله - عز وجل - لعبده يونس رعى له حق تعبده ، وحفظ زمام ما سلف له من الطاعة . وقال الأستاذ أبو إسحاق : صحب ذو النون الحوت أياما قلائل فإلى يوم القيامة يقال له ذو النون ، فما ظنك بعبد عبده سبعين سنة يبطل هذا عنده ! لا يظن به ذلك . من الغم أي من بطن الحوت .قوله تعالى : وكذلك ننجي المؤمنين قراءة العامة بنونين من أنجى ينجي . وقرأ ابن عامر ( نجي ) بنون واحدة وجيم مشددة وتسكين الياء على الفعل الماضي وإضمار المصدر أي وكذلك نجي النجاء المؤمنين ؛ كما تقول : ضرب زيدا بمعنى ضرب الضرب زيدا وأنشد [ للشاعر جرير ] :ولو ولدت قفيرة جرو كلب لسب بذلك الجرو الكلاباأراد لسب السب بذلك الجرو . وسكنت ياؤه على لغة من يقول بقي ورضي فلا يحرك الياء . وقرأ الحسن ( وذروا ما بقي من الربا ) استثقالا لتحريك ياء قبلها كسرة . وأنشد :خمر الشيب لمتي تخميرا وحدا بي إلى القبور البعيراليت شعري إذا القيامة قامت ودعي بالحساب أين المصيراسكن الياء في دعي استثقالا لتحريكها وقبلها كسرة ، وفاعل حدا الشيب ؛ أي وحدا الشيب البعير ؛ ليت شعري المصير أين هو . هذا تأويل الفراء وأبي عبيد وثعلب في تصويب هذه القراءة . وخطأها أبو حاتم والزجاج وقالوا : هو لحن ؛ لأنه نصب اسم ما لم يسم فاعله ؛ وإنما يقال : نجي المؤمنون . كما يقال : كرم الصالحون . ولا يجوز ضرب زيدا بمعنى ضرب الضرب زيدا ؛ لأنه لا فائدة إذ كان ضرب يدل على الضرب . ولا يجوز أن يحتج بمثل ذلك البيت على كتاب الله تعالى . ولأبي عبيد قول آخر - وقاله القتبي - وهو أنه أدغم النون في الجيم . النحاس : وهذا القول لا يجوز عند أحد من النحويين ؛ لبعد مخرج النون من مخرج الجيم فلا تدغم فيها ، ولا يجوز في من جاء بالحسنة مجاء بالحسنة قال النحاس : ولم أسمع في هذا أحسن من شيء سمعته من علي بن سليمان . قال : الأصل ننجي فحذف إحدى النونين ؛ لاجتماعهما كما تحذف إحدى التاءين ؛ لاجتماعهما نحو قوله - عز وجل - : ولا تفرقوا والأصل تتفرقوا . وقرأ محمد بن السميقع وأبو العالية ( وكذلك نجى المؤمنين ) أي نجى الله المؤمنين ؛ وهي حسنة .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره ( فَاسْتَجَبْنَا ) ليونس دعاءه إيانا ، إذ دعانا في بطن الحوت ، ونجيناه من الغمّ الذي كان فيه بحبْسناه في بطن الحوت وغمه بخطيئته وذنبه ( وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) ، يقول جلّ ثناؤه: وكما أنجينا يونس من كرب الحبس في بطن الحوت في البحر إذ دعانا ، كذلك ننجي المؤمنين من كربهم إذا استغاثوا بنا ودعونا.وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الأثر.*ذكر من قال ذلك: حدثنا عمران بن بكار الكُلاعيّ ، قال : ثنا يحيى بن عبد الرحمن ، قال : ثنا أبو يحيى بن عبد الرحمن ، قال: ثني بشر بن منصور ، عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب ، قال: سمعت سعد بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اسْمُ اللهِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى ، دَعْوَة يُونُسَ بْنِ مَتَّى ، قال: فقلت: يا رسول الله ، هي ليونس بن متى خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: هِيَ لِيُونُسَ بْنِ مَتَّى خَاصَّةً ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ عَامَّة إِذَا دَعَوْا بِهَا ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ فهو شرط الله لمن دعاه بها.واختلفت القراء في قراءة قوله ( نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) فقرأت ذلك قراء الأمصار ، سوى عاصم ، بنونين الثانية منهما ساكنة ، من أنجيناه ، فنحن ننجيه ، وإنما قرءوا ذلك كذلك وكتابته في المصاحف بنون واحدة ، لأنه لو قرئ بنون واحدة وتشديد الجيم ، بمعنى ما لم يسم فاعله ، كان " المؤمنون " رفعا ، وهم في المصاحف منصوبون ، ولو قرئ بنون واحدة وتخفيف الجيم ، كان الفعل للمؤمنين وكانوا رفعا ، ووجب مع ذلك أن يكون قوله " نجى " مكتوبا بالألف ، لأنه من ذوات الواو ، وهو في المصاحف بالياء.فإن قال قائل: فكيف كتب ذلك بنون واحد ، وقد علمت أن حكم ذلك إذا قرئ( نُنَجِّي ) أن يُكتب بنونين؟ قيل: لأن النون الثانية لما سكنت وكان الساكن غير ظاهر على اللسان حذفت كما فعلوا ذلك ب " إلا " لا فحذفوا النون من " إنْ" لخفائها ، إذ كانت مندغمة في اللام من " لا " ، وقرأ ذلك عاصم (نُجِّي المُؤْمِنِينَ) بنون واحدة ، وتثقيل الجيم ، وتسكين الياء ، فإن يكن عاصم وجه قراءته ذلك إلى قول العرب: ضرب الضرب زيدا ، فكنى عن المصدر الذي هو النجاء ، وجعل الخبر ، أعني خبر ما لم يسمّ فاعله المؤمنين ، كأنه أراد : وكذلك نَجَّى المؤمنين ، فكنى عن النجاء ، فهو وجه ، وإن كان غيره أصواب ، وإلا فإن الذي قرأ من ذلك على ما قرأه لحن ، لأن المؤمنين اسم على القراءة التي قرأها ما لم يسم فاعله ، والعرب ترفع ما كان من الأسماء كذلك ، وإنما حمل عاصما على هذه القراءة أنه وجد المصاحف بنون واحدة وكان في قراءته إياه على ما عليه قراءة القرّاء إلحاق نون أخرى ليست في المصحف ، فظنَّ أن ذلك زيادة ما ليس في المصحف ، ولم يعرف لحذفها وجها يصرفه إليه.قال أبو جعفر: والصواب من القراءة التي لا استجيز غيرها في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار ، من قراءته بنونين وتخفيف الجيم ، لإجماع الحجة من القرّاء عليها وتخطئتها خلافه.
وَزَكَرِيَّآ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ رَبِّ لَا تَذَرۡنِي فَرۡدٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡوَٰرِثِينَ  ٨٩
التفسير الميسرواذكر - أيها الرسول - قصة عبد الله زكريا حين دعا ربه أن يرزقه الذرية لما كَبِرت سنُّه قائلا رب لا تتركني وحيدًا لا عقب لي، هب لي وارثًا يقوم بأمر الدين في الناس من بعدي، وأنت خير الباقين وخير مَن خلفني بخير.
تفسير السعديأي: واذكر عبدنا ورسولنا زكريا، منوها بذكره، ناشرا لمناقبه وفضائله، التي من جملتها، هذه المنقبة العظيمة المتضمنة لنصحه للخلق، ورحمة الله إياه، وأنه نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا أي: قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا* وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا* يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا من هذه الآيات علمنا أن قوله رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا أنه لما تقارب أجله، خاف أن لا يقوم أحد بعده مقامه في الدعوة إلى الله، والنصح لعباد الله، وأن يكون في وقته فردا، ولا يخلف من يشفعه ويعينه، على ما قام به، وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ أي: خير الباقين، وخير من خلفني بخير، وأنت أرحم بعبادك مني، ولكني أريد ما يطمئن به قلبي، وتسكن له نفسي، ويجري في موازيني ثوابه.
تفسير ابن كثيريخبر تعالى عن عبده زكريا ، حين طلب أن يهبه الله ولدا ، يكون من بعده نبيا . وقد تقدمت القصة مبسوطة في أول سورة " مريم " وفي سورة " آل عمران " أيضا ، وهاهنا أخصر منهما; ( إذ نادى ربه ) أي : خفية عن قومه : ( رب لا تذرني فردا ) أي : لا ولد لي ولا وارث يقوم بعدي في الناس ، ( وأنت خير الوارثين ) دعاء وثناء مناسب للمسألة .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وزكريا إذ نادى ربه أي واذكر زكريا . وقد تقدم في ( آل عمران ) ذكره . رب لا تذرني فردا أي منفردا لا ولد لي وقد تقدم . وأنت خير الوارثين أي خير من يبقى بعد كل من يموت ؛ وإنما قال وأنت خير الوارثين لما تقدم من قوله : يرثني أي أعلم أنك ، لا تضيع دينك ، ولكن لا تقطع هذه الفضيلة التي هي القيام بأمر الدين عن عقبي . كما تقدم في ( مريم ) بيانه .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:واذكر يا محمد زكريا حين نادى ربه ( رَبِّ لا تَذَرْنِي ) وحيدا(فَرْدًا ) لا ولد لي ولا عقب ( وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ) يقول: فارزقني وارثا من آل يعقوب يرثني ، ثم ردّ الأمر إلى الله فقال وأنت خير الوارثين .
فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَوَهَبۡنَا لَهُۥ يَحۡيَىٰ وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ  ٩٠
التفسير الميسرفاستجبنا له دعاءه ووهبنا له على الكبر ابنه يحيى، وجعلنا زوجته صالحة في أخلاقها وصالحة للحمل والولادة بعد أن كانت عاقرًا، إنهم كانوا يبادرون إلى كل خير، ويدعوننا راغبين فيما عندنا، خائفين من عقوبتنا، وكانوا لنا خاضعين متواضعين.
تفسير السعدي فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى النبي الكريم، الذي لم يجعل الله له من قبل سميا. وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ بعدما كانت عاقرا، لا يصلح رحمها للولادة فأصلح الله رحمها للحمل، لأجل نبيه زكريا، وهذا من فوائد الجليس، والقرين الصالح، أنه مبارك على قرينه، فصار يحيى مشتركا بين الوالدين.ولما ذكر هؤلاء الأنبياء والمرسلين، كلا على انفراده، أثنى عليهم عموما فقال: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ أي: يبادرون إليها ويفعلونها في أوقاتها الفاضلة، ويكملونها على الوجه اللائق الذي ينبغي ولا يتركون فضيلة يقدرون عليها، إلا انتهزوا الفرصة فيها، وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا أي: يسألوننا الأمور المرغوب فيها، من مصالح الدنيا والآخرة، ويتعوذون بنا من الأمور المرهوب منها، من مضار الدارين، وهم راغبون راهبون لا غافلون، لاهون ولا مدلون، وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ أي: خاضعين متذللين متضرعين، وهذا لكمال معرفتهم بربهم.
تفسير ابن كثيرقال الله تعالى : ( فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه ) أي : امرأته .قال ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير : كانت عاقرا لا تلد ، فولدت .وقال عبد الرحمن بن مهدي ، عن طلحة بن عمرو ، عن عطاء : كان في لسانها طول فأصلحها الله . وفي رواية : كان في خلقها شيء فأصلحها الله . وهكذا قال محمد بن كعب ، والسدي . والأظهر من السياق الأول .وقوله : ( إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ) أي : في عمل القربات وفعل الطاعات ، ( ويدعوننا رغبا ورهبا ) قال الثوري : ( رغبا ) فيما عندنا ، ( ورهبا ) مما عندنا ، ( وكانوا لنا خاشعين ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : أي مصدقين بما أنزل الله . وقال مجاهد : مؤمنين حقا . وقال أبو العالية : خائفين . وقال أبو سنان : الخشوع هو الخوف اللازم للقلب ، لا يفارقه أبدا . وعن مجاهد أيضا ) خاشعين ) أي : متواضعين . وقال الحسن ، وقتادة ، والضحاك : ( خاشعين ) أي : متذللين لله عز وجل . وكل هذه الأقوال متقاربة . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا علي بن محمد الطنافسي ، حدثنا محمد بن فضيل ، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله القرشي ، عن عبد الله بن حكيم قال : خطبنا أبو بكر ، رضي الله عنه ، ثم قال : أما بعد ، فإني أوصيكم بتقوى الله ، وتثنوا عليه بما هو له أهل ، وتخلطوا الرغبة بالرهبة ، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة ، فإن الله عز وجل أثنى على زكريا وأهل بيته ، فقال : ( إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين ) .
تفسير القرطبيقوله تعالى : فاستجبنا له ووهبنا له يحيى أي أجبنا دعاءه : وأصلحنا له زوجه قال قتادة وسعيد بن جبير وأكثر المفسرين : إنها كانت عاقرا فجعلت ولودا . وقال ابن عباس وعطاء : كانت سيئة الخلق ، طويلة اللسان ، فأصلحها الله فجعلها حسنة الخلق .قلت : ويحتمل أن تكون جمعت المعنيين فجعلت حسنة الخلق ولودا . إنهم يعني الأنبياء المسلمين في هذه السورة إنهم كانوا يسارعون في الخيرات وقيل : الكناية راجعة إلى زكريا وامرأته ويحيى .قوله تعالى : ويدعوننا رغبا ورهبا فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : ويدعوننا رغبا ورهبا أي يفزعون إلينا فيدعوننا في حال الرخاء وحال الشدة . وقيل : المعنى يدعون وقت تعبدهم وهم بحال رغبة ورجاء ورهبة وخوف ، لأن الرغبة والرهبة متلازمان . وقيل : الرغب رفع بطون الأكف إلى السماء ، والرهب رفع ظهورها ؛ قاله خصيف ؛ وقال ابن عطية : وتلخيص هذا أن عادة كل داع من البشر أن يستعين بيديه فالرغب من حيث هو طلب يحسن منه أن يوجه باطن الراح نحو المطلوب منه ، إذ هو موضع إعطاء أو بها يتملك ، والرهب من حيث هو دفع مضرة يحسن معه طرح ذلك ، والإشارة إلى ذهابه وتوقيه بنفض اليد ونحوه .الثانية : روى الترمذي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه وقد مضى في ( الأعراف ) الاختلاف في رفع الأيدي ، وذكرنا هذا الحديث وغيره هناك . وعلى القول بالرفع فقد اختلف الناس في صفته وإلى أين ؟ فكان بعضهم يختار أن يبسط كفيه رافعهما حذو صدره وبطونهما إلى وجهه ؛ روي عن ابن عمر وابن عباس . وكان علي يدعو بباطن كفيه ؛ وعن أنس مثله ، وهو ظاهر حديث الترمذي . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها وامسحوا بها وجوهكم . وروي عن ابن عمر وابن الزبير برفعهما إلى وجهه ، واحتجوا بحديث أبي سعيد الخدري ؛ قال : وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرفة فجعل يدعو وجعل ظهر كفيه مما يلي وجهه ، ورفعهما فوق ثدييه وأسفل من منكبيه وقيل : حتى يحاذي بهما وجهه وظهورهما مما يلي وجهه . قال أبو جعفر الطبري والصواب أن يقال : إن كل هذه الآثار المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - متفقة غير مختلفة المعاني ، وجائز أن يكون ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لاختلاف أحوال الدعاء كما قال ابن عباس : إذا أشار أحدكم بإصبع واحد فهو الإخلاص ، وإذا رفع يديه حذو صدره فهو الدعاء ، وإذا رفعهما حتى يجاوز بهما رأسه وظاهرهما مما يلي وجهه فهو الابتهال . قال الطبري وقد روى قتادة عن أنس قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو بظهر كفيه وباطنهما . و رغبا ورهبا منصوبان على المصدر ؛ أي يرغبون رغبا ويرهبون رهبا . أو على المفعول من أجله ؛ أي للرغب والرهب . أو على الحال . وقرأ طلحة بن مصرف ( ويدعونا ) بنون واحدة . وقرأ الأعمش بضم الراء وإسكان الغين والهاء مثل السقم والبخل ، والعدم والضر لغتان وابن وثاب والأعمش أيضا ( رغبا ورهبا ) بالفتح في الراء والتخفيف في الغين والهاء ، وهما لغتان . مثل نهر ونهر وصخر وصخر . ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو . وكانوا لنا خاشعين أي متواضعين خاضعين .
تفسير الطبرييقول الله جلّ ثناؤه: فاستجبنا لزكريا دعاءه ، ووهبنا له يحيى ولدا ووارثا يرثه ، وأصلحنا له زوجه.واختلف أهل التأويل في معنى الصلاح الذي عناه الله جلّ ثناؤه بقوله ( وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ) فقال بعضهم: كانت عقيما فأصلحها بأن جعلها وَلُودا.*ذكر من قال ذلك:حدثنا محمد بن عبيد المحاربي ، قال : ثنا حاتم بن إسماعيل ، عن حميد بن صخر ، عن عمار ، عن سعيد ، في قوله ( وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ) قال: كانت لا تلد.حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال: ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال: قال ابن عباس ، في قوله ( وأصلحنا له زوجه ) قال: وهبنا له ولدها.حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله ( وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ) كانت عاقرا ، فجعلها الله ولودا ، ووهب له منها يحيى.وقال آخرون: كانت سيئة الخلق ، فأصلحها الله له بأن رزقها حُسن الخُلُق.قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أصلح لزكريا زوجه ، كما أخبر تعالى ذكره بأن جعلها ولودا حسنة الخُلُق ، لأن كل ذلك من معاني إصلاحه إياها ، ولم يخصُصِ الله جلّ ثناؤه بذلك بعضا دون بعض في كتابه ، ولا على لسان رسوله ، ولا وضع ، على خصوص ذلك دلالة ، فهو على العموم ما لم يأت ما يجب التسليم له بأن ذلك مراد به بعض دون بعض.وقوله ( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ) يقول الله: إن الذين سميناهم ، يعني زكريا وزوجه ويحيى ، كانوا يسارعون في الخيرات في طاعتنا ، والعمل بما يقرّبهم إلينا، وقوله ( وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ) يقول تعالى ذكره: وكانوا يعبدوننا رغبا ورهبا ، وعنى بالدعاء في هذا الموضع: العبادة ، كما قال وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا ويعنى بقوله ( رَغَبا ) أنهم كانوا يعبدونه رغبة منهم فيما يرجون منه من رحمته وفضله (وَرَهَبا ) يعني رهبة منهم من عذابه وعقابه ، بتركهم عبادته وركوبهم معصيته.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال: ثني حجاج ، عن ابن جريج ( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ) قال: رغبا في رحمة الله ، ورهبا من عذاب الله.حدثني يونس ، قال: أخبرنا ابن وهب ، قال: قال ابن زيد ، في قوله ( وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ) قال: خوفا وطمعا ، قال: وليس ينبغي لأحدهما أن يفارق الآخر.واختلفت القرّاء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قرّاء الأمصار ( رَغَبًا وَرَهَبًا ) بفتح الغين والهاء من الرغَب والرهَب ، واختلف عن الأعمش في ذلك ، فرُويت عنه الموافقة في ذلك للقرّاء ، ورُوي عنه أنه قرأها رُغْبا ورُهْبا بضم الراء في الحرفين وتسكين الغين والهاء.والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قرّاء الأمصار ، وذلك الفتح في الحرفين كليهما.وقوله ( وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ) يقول: وكانوا لنا متواضعين متذللين ، ولا يستكبرون عن عبادتنا ودعائنا.
من نحن

موقع الحياة بالإسلام هو موقع إسلامي، يقدم لكم العديد من المواضيع الاسلامية على منهاج الكتاب و السنة، كما يتضمن بعض قراءات القران الكريم بالرسم العثماني بأصوات اشهر القراء حول العالم

عرض المزيد
إشارات

التين , سُورَةُ هُودٍ , سُورَةُ الجُمُعَةِ , الكوثر , معيض الحارثي , القارئ سيلمان الشبيبي , القارئ عبدالرحمن الشحات , محمد عبدالحكيم سعيد العبدالله , قراءة يعقوب الحضرمي بروايتي رويس وروح , المصحف المعلم , قالون عن نافع من طريق أبي نشيط , خلف عن حمزة ,

عرض المزيد