الأربعاء، ٢١ يناير ٢٠٢٦
الأربعاء، ٢١ يناير ٢٠٢٦
facebookinstagramtwitter

عرض بالصفحات

Basmala
سُورَةُ البَقَرَةِ
كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ  ٢١٦يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالٖ فِيهِۖ قُلۡ قِتَالٞ فِيهِ كَبِيرٞۚ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفۡرُۢ بِهِۦ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَإِخۡرَاجُ أَهۡلِهِۦ مِنۡهُ أَكۡبَرُ عِندَ ٱللَّهِۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ  ٢١٧إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ يَرۡجُونَ رَحۡمَتَ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ  ٢١٨۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَآ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَاۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلِ ٱلۡعَفۡوَۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ  ٢١٩
تفسير سُورَةُ البَقَرَةِ
كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ  ٢١٦
التفسير الميسرفرض الله عليكم -أيها المؤمنون- قتال الكفار، والقتال مكروه لكم من جهة الطبع؛ لمشقته وكثرة مخاطره، وقد تكرهون شيئًا وهو في حقيقته خير لكم، وقد تحبون شيئًا لما فيه من الراحة أو اللذة العاجلة، وهو شر لكم. والله تعالى يعلم ما هو خير لكم، وأنتم لا تعلمون ذلك. فبادروا إلى الجهاد في سبيله.
تفسير السعديهذه الآية, فيها فرض القتال في سبيل الله, بعد ما كان المؤمنون مأمورين بتركه, لضعفهم, وعدم احتمالهم لذلك، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة, وكثر المسلمون, وقووا أمرهم الله تعالى بالقتال، وأخبر أنه مكروه للنفوس, لما فيه من التعب والمشقة, وحصول أنواع المخاوف والتعرض للمتالف، ومع هذا, فهو خير محض, لما فيه من الثواب العظيم, والتحرز من العقاب الأليم, والنصر على الأعداء والظفر بالغنائم, وغير ذلك, مما هو مرب, على ما فيه من الكراهة وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وذلك مثل القعود عن الجهاد لطلب الراحة, فإنه شر, لأنه يعقب الخذلان, وتسلط الأعداء على الإسلام وأهله, وحصول الذل والهوان, وفوات الأجر العظيم وحصول العقاب. وهذه الآيات عامة مطردة, في أن أفعال الخير التي تكرهها النفوس لما فيها من المشقة أنها خير بلا شك، وأن أفعال الشر التي تحب النفوس لما تتوهمه فيها من الراحة واللذة فهي شر بلا شك. وأما أحوال الدنيا, فليس الأمر مطردا, ولكن الغالب على العبد المؤمن, أنه إذا أحب أمرا من الأمور, فقيض الله [له] من الأسباب ما يصرفه عنه أنه خير له, فالأوفق له في ذلك, أن يشكر الله, ويجعل الخير في الواقع, لأنه يعلم أن الله تعالى أرحم بالعبد من نفسه, وأقدر على مصلحة عبده منه, وأعلم بمصلحته منه كما قال [تعالى:] وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ فاللائق بكم أن تتمشوا مع أقداره, سواء سرتكم أو ساءتكم. ولما كان الأمر بالقتال, لو لم يقيد, لشمل الأشهر الحرم وغيرها,
تفسير ابن كثيرهذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين : أن يكفوا شر الأعداء عن حوزة الإسلام .وقال الزهري : الجهاد واجب على كل أحد ، غزا أو قعد ; فالقاعد عليه إذا استعين أن يعين ، وإذا استغيث أن يغيث ، وإذا استنفر أن ينفر ، وإن لم يحتج إليه قعد .قلت : ولهذا ثبت في الصحيح " من مات ولم يغز ، ولم يحدث نفسه بغزو مات ميتة جاهلية " . وقال عليه السلام يوم الفتح : " لا هجرة ، ولكن جهاد ونية ، إذا استنفرتم فانفروا " .وقوله : ( وهو كره لكم ) أي : شديد عليكم ومشقة . وهو كذلك ، فإنه إما أن يقتل أو يجرح مع مشقة السفر ومجالدة الأعداء .ثم قال تعالى : ( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ) أي : لأن القتال يعقبه النصر والظفر على الأعداء ، والاستيلاء على بلادهم ، وأموالهم ، وذراريهم ، وأولادهم .( وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ) وهذا عام في الأمور كلها ، قد يحب المرء شيئا ، وليس له فيه خيرة ولا مصلحة . ومن ذلك القعود عن القتال ، قد يعقبه استيلاء العدو على البلاد والحكم .ثم قال تعالى : ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) أي : هو أعلم بعواقب الأمور منكم ، وأخبر بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم ; فاستجيبوا له ، وانقادوا لأمره ، لعلكم ترشدون .
تفسير القرطبيقوله تعالى : كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمونفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : " كتب " معناه فرض ، وقد تقدم مثله . وقرأ قوم " كتب عليكم القتل " ، وقال الشاعر ( هو عمر بن أبي ربيعة ) :كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيولهذا هو فرض الجهاد ، بين سبحانه أن هذا مما امتحنوا به وجعل وصلة إلى الجنة . والمراد بالقتال قتال الأعداء من الكفار ، وهذا كان معلوما لهم بقرائن الأحوال ، ولم يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم في القتال مدة إقامته بمكة ، فلما هاجر أذن له في قتال من يقاتله من المشركين فقال تعالى : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ثم أذن له في قتال المشركين عامة . واختلفوا من المراد بهذه الآية ، فقيل : أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، فكان القتال مع النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين عليهم ، فلما استقر الشرع صار على الكفاية ، قاله عطاء والأوزاعي . قال ابن جريج : قلت لعطاء : أواجب الغزو على الناس في هذه الآية ؟ فقال : لا ، إنما كتب على أولئك . وقال الجمهور من الأمة : أول فرضه إنما كان على الكفاية دون تعيين ، غير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا استنفرهم تعين عليهم النفير لوجوب طاعته . وقال سعيد بن المسيب : إن الجهاد فرض على كل مسلم في عينه أبدا ، حكاه الماوردي . قال ابن عطية : والذي استمر عليه الإجماع أن الجهاد على كل أمة محمد صلى الله عليه وسلم فرض كفاية ، فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين ، إلا أن ينزل العدو بساحة الإسلام فهو حينئذ فرض عين ، وسيأتي هذا مبينا في سورة " براءة " إن شاء الله تعالى . وذكر المهدوي وغيره عن الثوري أنه قال : الجهاد تطوع . قال ابن عطية : وهذه العبارة عندي إنما هي على سؤال سائل وقد قيم بالجهاد ، فقيل له : ذلك تطوع .الثانية : قوله تعالى : وهو كره لكم ابتداء وخبر ، وهو كره في الطباع . قال ابن عرفة : الكره ، المشقة والكره - بالفتح - ما أكرهت عليه ، هذا هو الاختيار ، ويجوز الضم في معنى الفتح فيكونان لغتين ، يقال : كرهت الشيء كرها وكرها وكراهة وكراهية ، وأكرهته عليه إكراها . وإنما كان الجهاد كرها لأن فيه إخراج المال ومفارقة الوطن والأهل ، والتعرض بالجسد للشجاج والجراح وقطع الأطراف وذهاب النفس ، فكانت كراهيتهم لذلك ، لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى . وقال عكرمة في هذه الآية : إنهم كرهوه ثم أحبوه وقالوا : سمعنا وأطعنا ، وهذا لأن امتثال الأمر يتضمن مشقة ، لكن إذا عرف الثواب هان في جنبه مقاساة المشقات .قلت : ومثاله في الدنيا إزالة ما يؤلم الإنسان ويخاف منه كقطع عضو وقلع ضرس وفصد وحجامة ابتغاء العافية ودوام الصحة ، ولا نعيم أفضل من الحياة الدائمة في دار الخلد والكرامة في مقعد صدق .الثالثة : قوله تعالى : وعسى أن تكرهوا شيئا قيل : " عسى " : بمعنى قد ، قاله الأصم . وقيل : هي واجبة . و " عسى " من الله واجبة في جميع القرآن إلا قوله تعالى :عسى ربه إن طلقكن أن يبدله . وقال أبو عبيدة : " عسى " من الله إيجاب ، والمعنى عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة وهو خير لكم في أنكم تغلبون وتظفرون وتغنمون وتؤجرون ، ومن مات مات شهيدا ، وعسى أن تحبوا الدعة وترك القتال وهو شر لكم في أنكم تغلبون وتذلون ويذهب أمركم .قلت : وهذا صحيح لا غبار عليه ، كما اتفق في بلاد الأندلس ، تركوا الجهاد وجبنوا عن القتال وأكثروا من الفرار ، فاستولى العدو على البلاد ، وأي بلاد ؟ ! وأسر وقتل وسبى واسترق ، فإنا لله وإنا إليه راجعون! ذلك بما قدمت أيدينا وكسبته! وقال الحسن في معنى الآية : لا تكرهوا الملمات الواقعة ، فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك ، ولرب أمر تحبه فيه عطبك ، وأنشد أبو سعيد الضرير :رب أمر تتقيه جر أمرا ترتضيهخفي المحبوب منه وبدا المكروه فيه
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله عز ذكره : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُقال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه بقوله : " كتب عليكم القتال "، فُرض عليكم القتال، يعني قتال المشركين= وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ .* * *واختلف أهل العلم في الذين عُنوا بفرض القتال.فقال بعضهم: عني بذلك أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصةً دون غيرهم.* ذكر من قال ذلك:4072 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: سألت عطاء قلت له: " كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ" ، أواجبٌ الغزوُ على الناس من أجلها ؟ قال: لا! كُتب على أولئك حينئذ.4073 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا خالد، عن حسين بن قيس، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: " كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ"، قال نسختها وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [سورة البقرة: 285]* * *قال أبو جعفر: وهذا قول لا معنى له، لأن نسخَ الأحكام من قبل الله جل وعزّ، لا من قبل العباد، وقوله: وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ، خبر من الله عن عباده المؤمنين وأنهم قالوه لا نسخٌ منه.4074 - حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثنا معاوية بن عمرو، قال: حدثنا أبو إسحاق الفزاري، قال: سألت الأوزاعي عن قول الله عز وجل: " كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ، أواجبٌ الغزو على الناس كلهم ؟ قال: لا أعلمه، ولكن لا ينبغي للأئمة والعامة تركه، فأما الرجل في خاصة نفسه فلا. (1)* * *وقال آخرون: هو على كل واحد حتى يقوم به من في قيامه الكفاية، فيسقطُ فرض ذلك حينئذ عن باقي المسلمين، كالصلاة على الجنائز وغسلهم الموتى ودفنهم، وعلى هذا عامة علماء المسلمين .* * *قال أبو جعفر: وذلك هو الصواب عندنا لإجماع الحجة على ذلك، ولقول الله عز وجل: فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [سورة النساء: 95]، فأخبر جل ثناؤه أنّ الفضل للمجاهدين، وأن لهم وللقاعدين الحسنى، ولو كان القاعدون مضيِّعين فرضًا لكان لهم السُّوأى لا الحسنى.* * *وقال آخرون: هو فرضٌ واجبٌ على المسلمين إلى قيام الساعة.* ذكر من قال ذلك:4075- حدثنا حُبَيش بن مبشر قال: حدثنا روح بن عبادة، عن ابن جريج، عن داود بن أبي عاصم، قال: قلت لسعيد بن المسيب: قد أعلم أن الغزو واجبٌ على الناس! فسكت، وقد أعلم أنْ لو أنكر ما قلت لبيَّن لي. (2)* * *وقد بينا فيما مضى معنى قوله: " كتب " بما فيه الكفاية. (3)* * *القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْقال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وهو ذو كره لكم، فترك ذكر " ذو " اكتفاء بدلالة قوله: " كره لكم "، عليه، كما قال: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [سورة يوسف: 82]وبنحو الذي قلنا في ذلك روي عن عطاء في تأويله.* ذكر من قال ذلك:4076 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء في قوله: " وهو كره لكم " قال: كُرّه إليكم حينئذ.* * *" والكره " بالضم: هو ما حمل الرجلُ نفسه عليه من غير إكراه أحد إياه عليه،" والكَرْهُ" بفتح " الكاف "، هو ما حمله غيره، فأدخله عليه كرهًا. وممن حكي عنه هذا القول معاذ بن مسلم.4077 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، عن معاذ بن مسلم، قال: الكُرْه المشقة، والكَرْه الإجبار.* * *وقد كان بعض أهل العربية يقول: " الكُره والكَره " لغتان بمعنى واحد، مثل: " الغُسْل والغَسْل " و " الضُّعف والضَّعف "، و " الرُّهبْ والرَّهبْ". وقال بعضهم: " الكره " بضم " الكاف " اسم و " الكره " بفتحها مصدر.* * *القول في تأويل قوله تعالى : وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْقال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولا تكرهوا القتالَ، فإنكم لعلكم أن تكرهوه وهو خيرٌ لكم، ولا تحبوا تركَ الجهاد، فلعلكم أن تحبوه وهو شر لكم، كما:-4078 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم "، وذلك لأن المسلمين كانوا يكرهون القتال، فقال: " عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم " يقول: إن لكم في القتال الغنيمةَ والظهور والشهادة، ولكم في القعود أن لا تظهروا على المشركين، ولا تُستْشهدوا، ولا تصيبوا شيئًا.4079 - حدثني محمد بن إبراهيم السلمي، قال: حدثني يحيى بن محمد بن مجاهد، قال: أخبرني عبيد الله بن أبي هاشم الجعفي، قال: أخبرني عامر بن واثلة قال: قال ابن عباس: كنت رِدْفَ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ابن عباس ارضَ عن الله بما قدَّرَ، وإن كان خلافَ هواك، فإنه مثبَتٌ في كتاب الله. قلت: يا رسول الله، فأين؟ وقد قرأت القرآن ! قال: في قوله: " وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون " (4)* * *القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: والله يعلم ما هو خيرٌ لكم، مما هو شر لكم، فلا تكرهوا ما كتبتُ عليكم من جهاد عدوكم، وقتال من أمرتكم بقتاله، فإني أعلم أنّ قتالكم إياهم، هو خيرٌ لكم في عاجلكم ومعادكم، وترككم قتالهم شر لكم، وأنتم لا تعلمون من ذلك ما أعلم، يحضّهم جل ذكره بذلك على جهاد أعدائه، ويرغِّبهم في قتال من كفر به.-----------------(1) الأثر : 4074 - محمد بن إسحاق بن جعفر الصاغاني نزل بغداد وكان وجه مشايخ بغداد وكان أحد الحفاظ الأثبات المتقنين مات سنة 270 ، وروى عنه الطبري في المذيل (انظر المنتخب من ذيل المذيل : 104) ومعاوية بن عمرو بن المهلب الأزدي روى عنه البخاري ، توفي ببغداد سنة 215 . وكلاهما مترجم في التهذيب .(2) الأثر : 4075 - حبيش بن مبشر بن أحمد الطوسي الفقيه ، كان ثقة من عقلاء البغداديين مات سنة 258 ، مترجم في التهذيب وتاريخ بغداد . وكان في المطبوعة : "حسين بن ميسر" وليس في الرواة من يعرف بذلك .(3) انظر ما سلف 3 : 357 ، 364 ، 365 .(4) الحديث : 4079 - هذا إسناد مظلم والمتن منكر! لم أجد ترجمة"يحيى بن محمد بن مجاهد" ولا"عبيد الله بن أبي هاشم" ولا أدري ما هما . ولفظ الحديث لم أجده ، ولا نقله أحد +من ينقل عن الطبري .
يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالٖ فِيهِۖ قُلۡ قِتَالٞ فِيهِ كَبِيرٞۚ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفۡرُۢ بِهِۦ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَإِخۡرَاجُ أَهۡلِهِۦ مِنۡهُ أَكۡبَرُ عِندَ ٱللَّهِۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ  ٢١٧
التفسير الميسريسألك المشركون -أيها الرسول- عن الشهر الحرام: هل يحل فيه القتال؟ قل لهم: القتال في الشهر الحرام عظيم عند الله استحلاله وسفك الدماء فيه، ومَنْعكم الناس من دخول الإسلام بالتعذيب والتخويف، وجحودكم بالله وبرسوله وبدينه، ومَنْع المسلمين من دخول المسجد الحرام، وإخراج النبي والمهاجرين منه وهم أهله وأولياؤه، ذلك أكبر ذنبًا، وأعظم جرمًا عند الله من القتال في الشهر الحرام. والشرك الذي أنتم فيه أكبر وأشد من القتل في الشهر الحرام. وهؤلاء الكفار لم يرتدعوا عن جرائمهم، بل هم مستمرون عليها، ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن الإسلام إلى الكفر إن استطاعوا تحقيق ذلك. ومن أطاعهم منكم -أيها المسلمون- وارتدَّ عن دينه فمات على الكفر، فقد ذهب عمله في الدنيا والآخرة، وصار من الملازمين لنار جهنم لا يخرج منها أبدًا.
تفسير السعديالجمهور على أن تحريم القتال في الأشهر الحرم, منسوخ بالأمر بقتال المشركين حيثما وجدوا، وقال بعض المفسرين: إنه لم ينسخ, لأن المطلق محمول على المقيد، وهذه الآية مقيدة لعموم الأمر بالقتال مطلقا؛ ولأن من جملة مزية الأشهر الحرم، بل أكبر مزاياها, تحريم القتال فيها, وهذا إنما هو في قتال الابتداء، وأما قتال الدفع فإنه يجوز في الأشهر الحرم, كما يجوز في البلد الحرام. ولما كانت هذه الآية نازلة بسبب ما حصل, لسرية عبد الله بن جحش, وقتلهم عمرو بن الحضرمي, وأخذهم أموالهم, وكان ذلك - على ما قيل - في شهر رجب، عيرهم المشركون بالقتال بالأشهر الحرم, وكانوا في تعييرهم ظالمين, إذ فيهم من القبائح ما بعضه أعظم مما عيروا به المسلمين, قال تعالى في بيان ما فيهم: وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: صد المشركين من يريد الإيمان بالله وبرسوله, وفتنتهم من آمن به, وسعيهم في ردهم عن دينهم, وكفرهم الحاصل في الشهر الحرام, والبلد الحرام, الذي هو بمجرده, كاف في الشر، فكيف وقد كان في شهر حرام وبلد حرام؟! وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ أي: أهل المسجد الحرام, وهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه, لأنهم أحق به من المشركين, وهم عماره على الحقيقة, فأخرجوهم مِنْهُ ولم يمكنوهم من الوصول إليه, مع أن هذا البيت سواء العاكف فيه والباد، فهذه الأمور كل واحد منها أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ في الشهر الحرام, فكيف وقد اجتمعت فيهم؟! فعلم أنهم فسقة ظلمة, في تعييرهم المؤمنين. ثم أخبر تعالى أنهم لن يزالوا يقاتلون المؤمنين، وليس غرضهم في أموالهم وقتلهم, وإنما غرضهم أن يرجعوهم عن دينهم, ويكونوا كفارا بعد إيمانهم حتى يكونوا من أصحاب السعير، فهم باذلون قدرتهم في ذلك, ساعون بما أمكنهم, ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون وهذا الوصف عام لكل الكفار, لا يزالون يقاتلون غيرهم, حتى يردوهم عن دينهم، وخصوصا, أهل الكتاب, من اليهود والنصارى, الذين بذلوا الجمعيات, ونشروا الدعاة, وبثوا الأطباء, وبنوا المدارس, لجذب الأمم إلى دينهم, وتدخيلهم عليهم, كل ما يمكنهم من الشبه, التي تشككهم في دينهم. ولكن المرجو من الله تعالى, الذي مَنّ على المؤمنين بالإسلام, واختار لهم دينه القيم, وأكمل لهم دينه، أن يتم عليهم نعمته بالقيام به أتم القيام, وأن يخذل كل من أراد أن يطفئ نوره, ويجعل كيدهم في نحورهم, وينصر دينه, ويعلي كلمته. وتكون هذه الآية صادقة على هؤلاء الموجودين من الكفار, كما صدقت على من قبلهم: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ثم أخبر تعالى أن من ارتد عن الإسلام, بأن اختار عليه الكفر واستمر على ذلك حتى مات كافرا، فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لعدم وجود شرطها وهو الإسلام، وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ودلت الآية بمفهومها, أن من ارتد ثم عاد إلى الإسلام, أنه يرجع إليه عمله الذي قبل ردته، وكذلك من تاب من المعاصي, فإنها تعود إليه أعماله المتقدمة.
تفسير ابن كثيرقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، حدثني الحضرمي ، عن أبي السوار ، عن جندب بن عبد الله ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رهطا ، وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح [ أو عبيدة بن الحارث ] فلما ذهب ينطلق ، بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجلس ، فبعث عليهم مكانه عبد الله بن جحش ، وكتب له كتابا ، وأمره ألا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا ، وقال : لا تكرهن أحدا على السير معك من أصحابك . فلما قرأ الكتاب استرجع ، وقال : سمعا وطاعة لله ولرسوله . فخبرهم الخبر ، وقرأ عليهم الكتاب ، فرجع رجلان ، وبقي بقيتهم ، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه ، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى . فقال المشركون للمسلمين : قتلتم في الشهر الحرام ! فأنزل الله : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ) الآية .وقال السدي ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس وعن مرة ، عن ابن مسعود : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ) وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية ، وكانوا سبعة نفر ، عليهم عبد الله بن جحش الأسدي ، وفيهم عمار بن ياسر ، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ، وسعد بن أبي وقاص ، وعتبة بن غزوان السلمي حليف لبني نوفل وسهيل بن بيضاء ، وعامر بن فهيرة ، وواقد بن عبد الله اليربوعي ، حليف لعمر بن الخطاب . وكتب لابن جحش كتابا ، وأمره ألا يقرأه حتى ينزل بطن ملل فلما نزل بطن ملل فتح الكتاب ، فإذا فيه : أن سر حتى تنزل بطن نخلة . فقال لأصحابه : من كان يريد الموت فليمض وليوص ، فإنني موص وماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم . فسار ، فتخلف عنه سعد بن أبي وقاص ، وعتبة ، وأضلا راحلة لهما فأتيا بحران يطلبانها ، وسار ابن جحش إلى بطن نخلة ، فإذا هو بالحكم بن كيسان ، والمغيرة بن عثمان ، وعمرو بن الحضرمي ، وعبد الله بن المغيرة . وانفلت [ ابن ] المغيرة ، [ فأسروا الحكم بن كيسان والمغيرة ] وقتل عمرو ، قتله واقد بن عبد الله . فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين وما أصابوا المال ، أراد أهل مكة أن يفادوا الأسيرين ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " حتى ننظر ما فعل صاحبانا " فلما رجع سعد وصاحبه ، فادى بالأسيرين ، ففجر عليه المشركون وقالوا : إن محمدا يزعم أنه يتبع طاعة الله ، وهو أول من استحل الشهر الحرام ، وقتل صاحبنا في رجب . فقال المسلمون : إنما قتلناه في جمادى وقيل : في أول رجب ، وآخر ليلة من جمادى وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب . فأنزل الله يعير أهل مكة : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ) لا يحل ، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام ، حين كفرتم بالله ، وصددتم عنه محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وإخراج أهل المسجد الحرام منه ، حين أخرجوا محمدا صلى الله عليه وسلم أكبر من القتل عند الله .وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ) وذلك أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وردوه عن المسجد [ الحرام ] في شهر حرام ، ففتح الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل . فعاب المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال في شهر حرام . فقال الله : ( وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر ) من القتال فيه . وأن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث سرية فلقوا عمرو بن الحضرمي ، وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى ، وأول ليلة من رجب . وأن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى ، وكانت أول رجب ولم يشعروا ، فقتله رجل منهم وأخذوا ما كان معه . وأن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك . فقال الله : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ) وغير ذلك أكبر منه : صد عن سبيل الله ، وكفر به والمسجد الحرام ، وإخراج أهله منه ، إخراج أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصاب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، والشرك أشد منه .وهكذا روى أبو سعد البقال ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أنها أنزلت في سرية عبد الله بن جحش ، وقتل عمرو بن الحضرمي .وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن السائب الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس قال : نزل فيما كان من مصاب عمرو بن الحضرمي : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ) إلى آخر الآية .وقال عبد الملك بن هشام راوي السيرة ، عن زياد بن عبد الله البكائي ، عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني ، رحمه الله ، في كتاب السيرة له ، أنه قال : وبعث يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي في رجب ، مقفله من بدر الأولى ، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين ، ليس فيهم من الأنصار أحد ، وكتب له كتابا ، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه ، فيمضي لما أمره به ، ولا يستكره من أصحابه أحدا . وكان أصحاب عبد الله بن جحش من المهاجرين . ثم من بني عبد شمس بن عبد مناف : أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف ، ومن حلفائهم : عبد الله بن جحش ، وهو أمير القوم ، وعكاشة بن محصن بن حرثان ، أحد بني أسد بن خزيمة ، حليف لهم . ومن بني نوفل بن عبد مناف : عتبة بن غزوان بن جابر ، حليف لهم . ومن بني زهرة بن كلاب : سعد بن أبي وقاص . ومن بني عدي بن كعب : عامر بن ربيعة ، حليف لهم من عنز بن وائل ، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع ، أحد بني تميم ، حليف لهم . وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث ، حليف لهم . ومن بني الحارث بن فهر : سهيل بن بيضاء .فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب فنظر فيه فإذا فيه : " إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة ، بين مكة والطائف ، ترصد بها قريشا ، وتعلم لنا من أخبارهم " . فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال : سمعا وطاعة . ثم قال لأصحابه : قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمضي إلى نخلة ، أرصد بها قريشا ، حتى آتيه منهم بخبر ، وقد نهاني أن أستكره أحدا منكم . فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق ، ومن كره ذلك فليرجع ، فأما أنا فماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد .فسلك على الحجاز ، حتى إذا كان بمعدن ، فوق الفرع ، يقال له : بحران أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما ، كانا يعتقبانه ، فتخلفا عليه في طلبه ، ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة ، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة قريش ، فيها : عمرو بن الحضرمي ، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ، وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان ، والحكم بن كيسان ، مولى هشام بن المغيرة .فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبا منهم ، فأشرف لهم عكاشة بن محصن ، وكان قد حلق رأسه ، فلما رأوه أمنوا وقالوا : عمار ، لا بأس عليكم منهم . وتشاور القوم فيهم ، وذلك في آخر يوم من رجب ، فقال القوم : والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم ، فليمتنعن منكم به ، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام . فتردد القوم ، وهابوا الإقدام عليهم ، ثم شجعوا أنفسهم عليهم ، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم ، وأخذ ما معهم . فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله ، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان ، وأفلت القوم نوفل بن عبد الله فأعجزهم . وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين ، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة .قال ابن إسحاق : وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش : أن عبد الله قال لأصحابه : إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنمنا الخمس ، وذلك قبل أن يفرض الله الخمس من المغانم ، فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس العير ، وقسم سائرها بين أصحابه .قال ابن إسحاق : فلما قدموا على رسول الله قال : " ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام " . فوقف العير والأسيرين ، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا ، فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقط في أيدي القوم ، وظنوا أنهم قد هلكوا ، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا . وقالت قريش : قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام ، وسفكوا فيه الدم ، وأخذوا فيه الأموال ، وأسروا فيه الرجال . فقال من يرد عليهم من المسلمين ممن كان بمكة : إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان .وقالت يهود تفاءل بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم : عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله : عمرو : عمرت الحرب ، والحضرمي : حضرت الحرب ، وواقد بن عبد الله : وقدت الحرب . فجعل الله عليهم ذلك لا لهم .فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ) أي : إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به ، وعن المسجد الحرام ، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم ، ( والفتنة أكبر من القتل ) أي : قد كانوا يفتنون المسلم في دينه ، حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه فذلك أكبر عند الله من القتل :( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) أي : ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه ، غير تائبين ولا نازعين .قال ابن إسحاق : فلما نزل القرآن بهذا من الأمر ، وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسيرين ، وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله ، والحكم بن كيسان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان فإنا نخشاكم عليهما ، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم . فقدم سعد وعتبة ، فأفداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم .فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه ، وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا . وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة ، فمات بها كافرا .
تفسير القرطبييسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدونفيه احدى عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : " يسألونك " تقدم القول فيه . وروى جرير بن عبد الحميد ومحمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : ( ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة كلهن في القرآن : يسألونك عن المحيض ، يسألونك عن الشهر الحرام ، يسألونك عن اليتامى ، ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم ) . قال ابن عبد البر : ليس في الحديث من الثلاث عشرة مسألة إلا ثلاث . وروى أبو اليسار عن جندب بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رهطا وبعث عليهم أبا عبيدة بن الحارث أو عبيدة بن الحارث ، فلما ذهب لينطلق بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبعث عبد الله بن جحش ، وكتب له كتابا وأمره ألا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا ، وقال : ولا تكرهن أصحابك على المسير ، فلما بلغ المكان قرأ الكتاب فاسترجع وقال : سمعا وطاعة لله ولرسوله ، قال : فرجع رجلان ومضى بقيتهم ، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه ، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب ، فقال المشركون : قتلتم في الشهر الحرام ، فأنزل الله تعالى : يسألونك عن الشهر الحرام الآية . وروي أن سبب نزولها أن رجلين من بني كلاب لقيا عمرو بن أمية الضمري وهو لا يعلم أنهما كانا عند النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في أول يوم من رجب فقتلهما ، فقالت قريش : قتلهما في الشهر الحرام ، فنزلت الآية . والقول بأن نزولها في قصة عبد الله بن جحش أكثر وأشهر ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه مع تسعة رهط ، وقيل ثمانية ، في جمادى الآخرة قبل بدر بشهرين ، وقيل في رجب . قال أبو عمر - في كتاب الدرر له - : ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من طلب كرز بن جابر - وتعرف تلك الخرجة ببدر الأولى - أقام بالمدينة بقية جمادى الآخرة ورجب ، وبعث في رجب عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي ومعه ثمانية رجال من المهاجرين ، وهم أبو حذيفة بن عتبة ، وعكاشة بن محصن ، وعتبة بن غزوان ، وسهيل بن بيضاء الفهري ، وسعد بن أبي وقاص ، وعامر بن ربيعة ، وواقد بن عبد الله التميمي ، وخالد بن بكير الليثي . وكتب لعبد الله بن جحش كتابا ، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به ولا يستكره أحدا من أصحابه ، وكان أميرهم ، ففعل عبد الله بن جحش ما أمره به ، فلما فتح الكتاب وقرأه وجد فيه : ( إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا ، وتعلم لنا من أخبارهم ) . فلما قرأ الكتاب قال : سمعا وطاعة ، ثم أخبر أصحابه بذلك ، وبأنه لا يستكره أحدا منهم ، وأنه ناهض لوجهه بمن أطاعه ، وأنه إن لم يطعه أحد مضى وحده ، فمن أحب الشهادة فلينهض ، ومن كره الموت فليرجع . فقالوا : كلنا نرغب فيما ترغب فيه ، وما منا أحد إلا وهو سامع مطيع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونهضوا معه ، فسلك على الحجاز ، وشرد لسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان جمل كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه ، ونفذ عبد الله بن جحش مع سائرهم لوجهه حتى نزل بنخلة ، فمرت بهم عير لقريش تحمل زبيبا وتجارة فيها عمرو بن الحضرمي - واسم الحضرمي عبد الله بن عباد من الصدف ، والصدف بطن من حضرموت - وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ، وأخوه نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميان ، والحكم بن كيسان مولى بني المغيرة ، فتشاور المسلمون وقالوا : نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام ، فإن نحن قاتلناهم هتكنا حرمة الشهر الحرام : وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم ، ثم اتفقوا على لقائهم ، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي فقتله ، وأسروا عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان ، وأفلت نوفل بن عبد الله ، ثم قدموا بالعير والأسيرين ، وقال لهم عبد الله بن جحش : اعزلوا مما غنمنا الخمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلوا ، فكان أول خمس في الإسلام ، ثم نزل القرآن : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه فأقر الله ورسوله فعل عبد الله بن جحش ورضيه وسنه للأمة إلى يوم القيامة ، وهي أول غنيمة غنمت في الإسلام ، وأول أمير ، وعمرو بن الحضرمي أول قتيل . وأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام ، فسقط في أيدي القوم ، فأنزل الله عز وجل : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه إلى قوله : هم فيها خالدون . وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الفداء في الأسيرين ، فأما عثمان بن عبد الله فمات بمكة كافرا ، وأما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استشهد ببئر معونة ، ورجع سعد وعتبة إلى المدينة سالمين . وقيل : إن انطلاق سعد بن أبي وقاص وعتبة في طلب بعيرهما كان عن إذن من عبد الله بن جحش ، وإن عمرو بن الحضرمي وأصحابه لما رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هابوهم ، فقال عبد الله بن جحش : إن القوم قد فزعوا منكم ، فاحلقوا رأس رجل منكم فليتعرض لهم ، فإذا رأوه محلوقا أمنوا وقالوا : قوم عمار لا بأس عليكم ، وتشاوروا في قتالهم ، الحديث . وتفاءلت اليهود وقالوا : واقد وقدت الحرب ، وعمرو عمرت الحرب ، والحضرمي حضرت الحرب . وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم ، فقال : لا نفديهما حتى يقدم سعد وعتبة ، وإن لم يقدما قتلناهما بهما ، فلما قدما فاداهما ، فأما الحكم فأسلم وأقام بالمدينة حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا ، وأما عثمان فرجع إلى مكة فمات بها كافرا ، وأما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق على المسلمين فوقع في الخندق مع فرسه فتحطما جميعا فقتله الله تعالى ، وطلب المشركون جيفته بالثمن ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية فهذا سبب نزول قوله تعالى : يسألونك عن الشهر الحرام . وذكر ابن إسحاق أن قتل عمرو بن الحضرمي كان في آخر يوم من رجب ، على ما تقدم . وذكر الطبري عن السدي وغيره أن ذلك كان في آخر يوم من جمادى الآخرة ، والأول أشهر ، على أن ابن عباس قد ورد عنه أن ذلك كان في أول ليلة من رجب ، والمسلمون يظنونها من جمادى . قال ابن عطية : وذكر الصاحب بن عباد في رسالته المعروفة بالأسدية أن عبد الله بن جحش سمي أمير المؤمنين في ذلك الوقت لكونه مؤمرا على جماعة من المؤمنين .الثانية واختلف العلماء في نسخ هذه الآية ، فالجمهور على نسخها ، وأن قتال المشركين في الأشهر الحرم مباح . واختلفوا في ناسخها ، فقال الزهري : نسخها " وقاتلوا المشركين كافة " . وقيل نسخها غزو النبي صلى الله عليه وسلم ثقيفا في الشهر الحرام ، وإغزاؤه أبا عامر إلى أوطاس في الشهر الحرام . وقيل : نسخها بيعة الرضوان على القتال في ذي القعدة ، وهذا ضعيف ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه قتل عثمان بمكة وأنهم عازمون على حربه بايع حينئذ المسلمين على دفعهم لا على الابتداء بقتالهم . وذكر البيهقي عن عروة بن الزبير من غير حديث محمد بن إسحاق في أثر قصة الحضرمي : فأنزل الله عز وجل : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه الآية ، قال : فحدثهم الله في كتابه أن القتال في الشهر الحرام حرام كما كان ، وأن الذي يستحلون من المؤمنين هو أكبر من ذلك من صدهم عن سبيل الله حين يسجنونهم ويعذبونهم ويحبسونهم أن يهاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكفرهم بالله وصدهم المسلمين عن المسجد الحرام في الحج والعمرة والصلاة فيه ، وإخراجهم أهل المسجد الحرام وهم سكانه من المسلمين ، وفتنتهم إياهم عن الدين ، فبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم عقل ابن الحضرمي وحرم الشهر الحرام كما كان يحرمه ، حتى أنزل الله عز وجل : " براءة من الله ورسوله " . وكان عطاء يقول : الآية محكمة ، ولا يجوز القتال في الأشهر الحرم ، ويحلف على ذلك ؛ لأن الآيات التي وردت بعدها عامة في الأزمنة ، وهذا خاص والعام لا ينسخ الخاص باتفاق . وروى أبو الزبير عن جابر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقاتل في الشهر الحرام إلا أن يغزى .الثالثة : قوله تعالى : " قتال فيه " " قتال " بدل عند سيبويه بدل اشتمال ؛ لأن السؤال اشتمل على الشهر وعلى القتال ، أي يسألك الكفار تعجبا من هتك حرمة الشهر ، فسؤالهم عن الشهر إنما كان لأجل القتال فيه . قال الزجاج : المعنى يسألونك عن القتال في الشهر الحرام . وقال القتبي : يسألونك عن القتال في الشهر الحرام هل يجوز ؟ فأبدل قتالا من الشهر ، وأنشد سيبويه [ للشاعر عبدة بن الطيب ] :فما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدماوقرأ عكرمة : " يسألونك عن الشهر الحرام قتل فيه قل قتل " بغير ألف فيهما . وقيل : المعنى يسألونك عن الشهر الحرام وعن قتال فيه ، وهكذا قرأ ابن مسعود ، فيكون مخفوضا بعن على التكرير ، قاله الكسائي . وقال الفراء : هو مخفوض على نية عن . وقال أبو عبيدة : هو مخفوض على الجوار . قال النحاس : لا يجوز أن يعرب الشيء على الجوار في كتاب الله ولا في شيء من الكلام ، وإنما الجوار غلط ، وإنما وقع في شيء شاذ ، وهو قولهم : هذا جحر ضب خرب ، والدليل على أنه غلط قول العرب في التثنية : هذان : جحرا ضب خربان ، وإنما هذا بمنزلة الإقواء ، ولا يجوز أن يحمل شيء من كتاب الله على هذا ، ولا يكون إلا بأفصح اللغات وأصحها . قال ابن عطية : وقال أبو عبيدة : هو خفض على الجوار ، وقوله هذا خط . قال النحاس : ولا يجوز إضمار " عن " ، والقول فيه أنه بدل . وقرأ الأعرج : " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه " بالرفع . قال النحاس : وهو غامض في العربية ، والمعنى فيه يسألونك عن الشهر الحرام أجائز قتال فيه ؟ فقوله : " يسألونك " يدل على الاستفهام ، كما قال امرؤ القيس :أصاح ترى برقا أريك وميضه كلمع اليدين في حبي مكللوالمعنى : أترى برقا ، فحذف ألف الاستفهام ؛ لأن الألف التي في " أصاح " تدل عليها وإن كانت حرف نداء ، كما قال الشاعر :تروح من الحي أم تبتكروالمعنى : أتروح ، فحذف الألف لأن " أم " تدل عليها .الرابعة : قوله تعالى : قل قتال فيه كبير ابتداء وخبر ، أي مستنكر ؛ لأن تحريم القتال في الشهر الحرام كان ثابتا يومئذ إذ كان الابتداء من المسلمين . والشهر في الآية اسم جنس ، وكانت العرب قد جعل الله لها الشهر الحرام قواما تعتدل عنده ، فكانت لا تسفك دما ، ولا تغير في الأشهر الحرم ، وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، ثلاثة سرد وواحد فرد . وسيأتي لهذا مزيد بيان في " المائدة " إن شاء الله تعالى .الخامسة : قوله تعالى : وصد عن سبيل الله ابتداء " وكفر به " عطف على " صد " " والمسجد الحرام " عطف على " سبيل الله " " وإخراج أهله منه " عطف على " صد " ، وخبر الابتداء " أكبر عند الله " أي أعظم إثما من القتال في الشهر الحرام ، قاله المبرد وغيره . وهو الصحيح ، لطول منع الناس عن الكعبة أن يطاف بها . " وكفر به " أي بالله ، وقيل : " وكفر به " أي بالحج والمسجد الحرام . " وإخراج أهله منه أكبر " أي أعظم عقوبة عند الله من القتال في الشهر الحرام . وقال الفراء : " صد " عطف على " كبير " . " والمسجد " عطف على الهاء في به ، فيكون الكلام نسقا متصلا غير منقطع . قال ابن عطية : وذلك خطأ ؛ لأن المعنى يسوق إلى أن قوله : " وكفر به " أي بالله عطف أيضا على " كبير " ، ويجيء من ذلك أن إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر عند الله ، وهذا بين فساده . ومعنى الآية على قول الجمهور : إنكم يا كفار قريش تستعظمون علينا القتال في الشهر الحرام ، وما تفعلون أنتم من الصد عن سبيل الله لمن أراد الإسلام ، ومن كفركم بالله وإخراجكم أهل المسجد منه ، كما فعلتم برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكبر جرما عند الله . وقال عبد الله بن جحش رضي الله عنه :تعدون قتلا في الحرام عظيمة وأعظم منه لو يرى الرشد راشدصدودكم عما يقول محمد وكفر به والله راء وشاهدوإخراجكم من مسجد الله أهله لئلا يرى لله في البيت ساجدفإنا وإن غيرتمونا بقتله وأرجف بالإسلام باغ وحاسدسقينا من ابن الحضرمي رماحنا بنخلة لما أوقد الحرب واقددما وابن عبد الله عثمان بيننا ينازعه غل من القد عاندوقال الزهري ومجاهد وغيرهما : قوله تعالى : قل قتال فيه كبير منسوخ بقوله : وقاتلوا المشركين كافة وبقوله : فاقتلوا المشركين . وقال عطاء : لم ينسخ ، ولا ينبغي القتال في الأشهر الحرم ، وقد تقدم .السادسة : قوله تعالى : والفتنة أكبر من القتل قال مجاهد وغيره : الفتنة هنا الكفر ، أي كفركم أكبر من قتلنا أولئك . وقال الجمهور : معنى الفتنة هنا فتنتهم المسلمين عن دينهم حتى يهلكوا ، أي أن ذلك أشد اجتراما من قتلكم في الشهر الحرام .السابعة : قوله تعالى : " ولا يزالون " ابتداء خبر من الله تعالى ، وتحذير منه للمؤمنين من شر الكفرة . قالمجاهد : يعني كفار قريش . " يردوكم " نصب بحتى ؛ لأنها غاية مجردة .الثامنة : قوله تعالى : " ومن يرتدد " أي يرجع عن الإسلام إلى الكفر . " فأولئك حبطت " أي بطلت وفسدت ، ومنه الحبط وهو فساد يلحق المواشي في بطونها من كثرة أكلها الكلأ فتنتفخ أجوافها ، وربما تموت من ذلك ، فالآية تهديد للمسلمين ليثبتوا على دين الإسلام .التاسعة : واختلف العلماء في المرتد هل يستتاب أم لا ؟ وهل يحبط عمله بنفس الردة أم لا ، إلا على الموافاة على الكفر ؟ وهل يورث أم لا ؟ فهذه ثلاث مسائل :الأولى : قالت طائفة : يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل ، وقال بعضهم : ساعة واحدة . وقال آخرون : يستتاب شهرا . وقال آخرون : يستتاب ثلاثا ، على ما روي عن عمر وعثمان ، وهو قول مالك رواه عنه ابن القاسم . وقال الحسن : يستتاب مائة مرة ، وقد روي عنه أنه يقتل دون استتابة ، وبه قال الشافعي في أحد قوليه ، وهو أحد قولي طاوس وعبيد بن عمير . وذكر سحنون أن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون كان يقول : يقتل المرتد ولا يستتاب ، واحتج بحديث معاذ وأبي موسى ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث أبا موسى إلى اليمن أتبعه معاذ بن جبل فلما قدم عليه قال : انزل ، وألقى إليه وسادة ، وإذا رجل عنده موثق قال : ما هذا ؟ قال : هذا كان يهوديا فأسلم ثم راجع دينه دين السوء فتهود . قال : لا أجلس حتى يقتل ، قضاء الله ورسوله ، فقال : اجلس . قال : نعم لا أجلس حتى يقتل ، قضاء الله ورسوله - ثلاث مرات - فأمر به فقتل ، خرجه مسلم وغيره . وذكر أبو يوسف عن أبي حنيفة أن المرتد يعرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلا قتل مكانه ، إلا أن يطلب أن يؤجل ، فإن طلب ذلك أجل ثلاثة أيام ، والمشهور عنه وعن أصحابه أن المرتد لا يقتل حتى يستتاب . والزنديق عندهم والمرتد سواء . وقال مالك : وتقتل الزنادقة ولا يستتابون . وقد مضى هذا أول " البقرة " . واختلفوا فيمن خرج من كفر إلى كفر ، فقال مالك وجمهور الفقهاء : لا يتعرض له ؛ لأنه انتقل إلى ما لو كان عليه في الابتداء لأقر عليه . وحكى ابن عبد الحكم عن الشافعي أنه يقتل ، لقوله عليه السلام : من بدل دينه فاقتلوه ولم يخص مسلما من كافر . وقال مالك : معنى الحديث من خرج من الإسلام إلى الكفر ، وأما من خرج من كفر إلى كفر فلم يعن بهذا الحديث ، وهو قول جماعة من الفقهاء . والمشهور عن الشافعي ما ذكره المزني والربيع أن المبدل لدينه من أهل الذمة يلحقه الإمام بأرض الحرب ويخرجه من بلده ويستحل ماله مع أموال الحربيين إن غلب على الدار ؛ لأنه إنما جعل له الذمة على الدين الذي كان عليه في حين عقد العهد . واختلفوا في المرتدة ، فقال مالك والأوزاعي والشافعي والليث بن سعد : تقتل كما يقتل المرتد سواء ، وحجتهم ظاهر الحديث : من بدل دينه فاقتلوه . و " من " يصلح للذكر والأنثى . وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه : لا تقتل المرتدة ، وهو قول ابن شبرمة ، وإليه ذهب ابن علية ، وهو قول عطاء والحسن . واحتجوا بأن ابن عباس روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من بدل دينه فاقتلوه ثم إن ابن عباس لم يقتل المرتدة ، ومن روى حديثا كان أعلم بتأويله ، وروي عن علي مثله . ونهى صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان . واحتج الأولون بقوله عليه السلام : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان . . . فعم كل من كفر بعد إيمانه ، وهو أصح .العاشرة : قال الشافعي : إن من ارتد ثم عاد إلى الإسلام لم يحبط عمله ولا حجه الذي فرغ منه ، بل إن مات على الردة فحينئذ تحبط أعماله . وقال مالك : تحبط بنفس الردة ، ويظهر الخلاف في المسلم إذا حج ثم ارتد ثم أسلم ، فقال مالك : يلزمه الحج ؛ لأن الأول قد حبط بالردة . وقال الشافعي : لا إعادة عليه ؛ لأن عمله باق . واستظهر علماؤنا بقوله تعالى : لئن أشركت ليحبطن عملك . قالوا : وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته ؛ لأنه عليه السلام يستحيل منه الردة شرعا . وقال أصحاب الشافعي : بل هو خطاب النبي صلى الله عليه وسلم على طريق التغليظ على الأمة ، وبيان أن النبي صلى الله عليه وسلم على شرف منزلته لو أشرك لحبط عمله ، فكيف أنتم! لكنه لا يشرك لفضل مرتبته ، كما قال : يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ، وذلك لشرف منزلتهن ، وإلا فلا يتصور إتيانه منهن صيانة لزوجهن المكرم المعظم ؛ ابن العربي . وقال علماؤنا : إنما ذكر الله الموافاة شرطا هاهنا لأنه علق عليها الخلود في النار جزاء ، فمن وافى على الكفر خلده الله في النار بهذه الآية ، ومن أشرك حبط عمله بالآية الأخرى ، فهما آيتان مفيدتان لمعنيين ، وحكمين متغايرين . وما خوطب به عليه السلام فهو لأمته حتى يثبت اختصاصه ، وما ورد في أزواجه فإنما قيل ذلك فيهن ليبين أنه لو تصور لكان هتكان : أحدهما لحرمة الدين ، والثاني لحرمة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكل هتك حرمة عقاب ، وينزل ذلك منزلة من عصى في الشهر الحرام أو في البلد الحرام أو في المسجد الحرام ، يضاعف عليه العذاب بعدد ما هتك من الحرمات . والله أعلم .الحادية عشرة : وهي اختلاف العلماء في ميراث المرتد ، فقال علي بن أبي طالب والحسن والشعبي والحكم والليث وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه : ميراث المرتد لورثته من المسلمين . وقال مالك وربيعة وابن أبي ليلى والشافعي وأبو ثور : ميراثه في بيت المال . وقال ابن شبرمة وأبو يوسف ومحمد والأوزاعي في إحدى الروايتين : ما اكتسبه المرتد بعد الردة فهو لورثته المسلمين . وقال أبو حنيفة : ما اكتسبه المرتد في حال الردة فهو فيء ، وما كان مكتسبا في حالة الإسلام ثم ارتد يرثه ورثته المسلمون ، وأما ابن شبرمة وأبو يوسف ومحمد فلا يفصلون بين الأمرين ، ومطلق قوله عليه السلام : لا وراثة بين أهل ملتين يدل على بطلان قولهم . وأجمعوا على أن ورثته من الكفار لا يرثونه ، سوى عمر بن عبد العزيز فإنه قال : يرثونه .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِقال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يسألك يا محمد أصحابُك عن الشهر الحرام = وذلك رَجبٌ = عن قتالٍ فيه.وخفضُ" القتال " على معنى تكرير " عن " عليه، وكذلك كانت قراءةُ عبد الله بن مسعود فيما ذكر لنا. وقد:-4080 - حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه "، قال: يقول: يسألونك عن قتال فيه، قال: وكذلك كان يقرؤها: " عن قتال فيه ".* * *= قال أبو جعفر: " قل " يا محمد: " قتالٌ فيه "- يعني في الشهر الحرام " كبيرٌ"، أي عظيمٌ عند الله استحلاله وسفك الدماء فيه.ومعنى قوله: " قتال فيه "، قل القتال فيه كبير. وإنما قال: " قل قتالٌ فيه كبيرٌ"، لأن العرب كانت لا تقرعُ فيه الأسنَّة، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه فيه فلا يَهيجه تعظيما له، وتسميه مضر " الأصمَّ" (5) لسكون أصوات السلاح وقعقعته فيه. وقد:-4081 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، قال: حدثنا شعيب بن الليث، قال: حدثنا الليث، قال: حدثنا الزبير، عن جابر قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام إلا أن يُغْزَى، أو يَغزو حتى إذا حضر ذلك أقامَ حتىّ ينسلخ.* * *وقوله جل ثناؤه: " وصَدٌّ عن سبيل الله ". ومعنى " الصدّ" عن الشيء، المنع منه، والدفع عنه، ومنه قيل: " صدّ فلان بوجهه عن فلان "، إذا أعرض عنه فمنعه من النظر إليه.* * *وقوله: " وكفرٌ به "، يعني: وكفر بالله، و " الباء " في" به " عائدة على اسم الله الذي في" سبيل الله ". وتأويل الكلام: وصدٌّ عن سبيل الله، وكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراج أهل المسجد الحرام- وهم أهله وولاته- أكبرُ عند الله من القتال في الشهر الحرام.ف " الصدُّ عن سييل الله " مرفوع بقوله: " أكبر عند الله ". وقوله: " وإخراج أهله منه " عطف على " الصد ". ثم ابتدأ الخبر عن الفتنة فقال: " والفتنة أكبر من القتل "، يعني: الشرك أعظم وأكبرُ من القتل، (6) يعني: مِنْ قَتل ابن الحضرميّ الذي استنكرتم قتله في الشهر الحرام.* * *قال أبو جعفر: وقد كان بعض أهل العربية يزعم أن قوله: " والمسجد الحرام " معطوف على " القتال " وأن معناه: يسألونك عن الشهر الحرام، عن قتال فيه، وعن المسجد الحرام، فقال الله جل ثناؤه: " وإخراجُ أهله منه أكبر عند الله " من القتال في الشهر الحرام. (7)وهذا القول، مع خروجه من أقوال أهل العلم، قولٌ لا وجهَ له. لأن القوم لم يكونوا في شك من عظيم ما أتى المشركون إلى المسلمين في إخراجهم إياهم من منازلهم بمكة، فيحتاجوا إلى أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إخراج المشركين إياهم من منازلهم، وهل ذلك كان لهم ؟ بل لم يدَّع ذلك عليهم أحدٌ من المسلمين، ولا أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك.وإذ كان ذلك كذلك، فلم يكن القوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عَمَّا ارتابوا بحكمه (8) كارتيابهم في أمر قتل ابن الحضرمي، إذ ادَّعوا أن قاتله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله في الشهر الحرام، فسألوا عن أمره، لارتيابهم في حكمه. فأما إخراجُ المشركين أهلَ الإسلام من المسجد الحرام، فلم يكن فيهم أحدٌ شاكًّا أنه كان ظلمًا منهم لهم فيسألوا عنه.ولا خلاف بين أهل التأويل جميعًا أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبب قتل ابن الحضرمي وقاتله.* ذكر الرواية عمن قال ذلك:4082 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، قال: حدثني الزهري، ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش في رجب مَقْفَلَه من بدر الأولى، وبعثَ معه بثمانية رهط من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب له كتابًا، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره، ولا يستكره من أصحابه أحدًا.= وكان أصحابُ عبد الله بن جحش من المهاجرين من بني عبد شمس أبو حذيفة [بن عتبة] بن ربيعة- (9) ومن بني أمية- بن عبد شمس، ثم من حلفائهم: عبد الله بن جحش بن رئاب، وهو أمير القوم، وعكاشة بن محصن بن حُرثان أحد بني أسد بن خزيمة- ومن بني نوفل بن عبد مناف عتبة بن غزوان حليف لهم - ومن بني زهرة بن كلاب: سعد بن أبي وقاص- ومن بني عدي بن كعب عامر بن ربيعة حليف لهم، وواقد بن عبد الله بن مناة بن عرين (10) بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة، وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث حليف لهم- ومن بني الحارث بن فهر: سهيل بن بيضاء.= فلما سار عبدُ الله بن جحش يومين فتح الكتاب ونظر فيه، فإذا فيه: " إذا نظرت إلى كتابي هذا، (11) فسرْ حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصَّد بها قريشًا، وتعلَّمْ لنا من أخبارهم ". فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال: " سمعا وطاعة "، ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمضي إلى نخلة فأرصد بها قريشًا حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدًا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماضٍ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضى ومضى معه أصحابه، فلم يتخلَّف عنه[منهم] أحد، وسلك على الحجاز، حتى إذا كان بمَعْدِن فوق الفُرع يقال له بُحْران، (12) أضلّ سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما كانا عليه يعتقبانه، (13) فتخلَّفا عليه في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرت به عيرٌ لقريش تحمل زبيبًا وأدَمًا وتجارةً من تجارة قريش (14) فيها منهم عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميان، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة فلما رآهم القوم هابوهم، وقد نزلوا قريبًا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وقد كان حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا وقالوا: عُمّار‍! فلا بأس علينا منهم. (15) وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من جمادى، (16) فقال القوم: والله لئن تركتم القومَ هذه الليلة ليدخُلُنَّ الحرم فليمتنعُنَّ به منكم، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام! فتردّد القوم فهابوا الإقدام عليهم، ثم شجُعوا عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم. فرمى واقدُ بن عبد الله التميمي عمرَو بن الحضرميّ بسهم فقتله، واستأسرَ عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل بن عبد الله فأعجزهم.=وقدم عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش أنّ عبد الله بن جحش قال لأصحابه: إنّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنمتم الخمُس.وذلك قبل أن يُفرضُ الخمس من الغنائم، فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خُمس العير، وقسم سائرها على أصحابه فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام! فوقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئًا فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، سُقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنَّفهم المسلمون فيما صنعوا، وقالوا لهم: صنعتم ما لم تؤمروا به وقاتلتم في الشهر الحرام ولم تؤمروا بقتال! وقالت قريش: قد استحلّ محمد وأصحابه الشهر الحرام، فسفكوا فيه الدمَ، وأخذوا فيه الأموال وأسروا. [فيه الرجال] (17) فقال من يردُّ ذلك عليهم من المسلمين ممن كان بمكة إنما أصابوا ما أصابوا في جمادى! (18) وقالت يهود -تتفاءل بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم-: عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله!" عمرو "، عمرت الحرب! و " الحضرميّ"، حَضَرت الحربُ!" وواقد بن عبد الله "، وقدت الحرب! فجعل الله عليهم ذلك وبهم.= فلما أكثر الناسُ في ذلك أنزل الله جل وعز على رسوله: " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه "،أي: عن قتالٍ فيه " قل قتال فيه كبيرٌ" إلى قوله: " والفتنة أكبر من القتل "، أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام، فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجُكم عنه إذ أنتم أهله وولاته، أكبرُ عند الله من قتل من قتلتم منهم،" والفتنة أكبر من القتل "، أي: قد كانوا يفتنون المسلم عن دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، وذلك أكبر عند الله من القتل= وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ، أي: هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه غير تائبين ولا نازعين. فلما نزل القرآن بهذا من الأمر، وفرَّج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشَّفَق، (19) قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العيرَ والأسيرين. (20)4083 - حدثني موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط عن السدي: " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبيرٌ"، وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية - وكانوا سبعةَ نفر - وأمَّر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان السلمي حليف لبني نوفل، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعي، حليفٌ لعمر بن الخطاب. وكتب مع ابن جحش كتابًا وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل [ بطن ] مَلَل، (21) فلما نزل ببطن ملل فتحَ الكتاب، فإذا فيه: أنْ سِرْ حتى تنزل بطن نخلة، (22) فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمضِ وليوص، فإني موصٍ وماضٍ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسار وتخلّف عنه سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان، أضلا راحلةً لهما، فأتيا بُحران يطلبانها، (23) وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هم بالحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة، والمغيرة بن عثمان، وعمرو بن الحضرمي، فاقتتلوا، فأسَرُوا الحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة، وانفلت المغيرة، وقُتل عمرو بن الحضرميّ، قتله واقد بن عبد الله. فكانت أوّل غنيمةٍ غنمها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.= فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين وما غنموا من الأموال، أراد أهل مكة أن يفادوا بالأسيرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حتى ننظر ما فعل صاحبانا ! فلما رجع سعد وصاحبه فادَى بالأسيرين، ففجَر عليه المشركون وقالوا: محمد يزعم أنه يتَّبع طاعة الله، وهو أول من استحلَّ الشهر الحرام، وقتل صاحبنا في رجب ! فقال المسلمون : إنما قتلناه في جُمادى ! - وقيل : في أول ليلة من رجب، وآخر ليلة من جمادى - وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل رَجب. فأنزل الله جل وعز يعيِّر أهل مكة : " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتالٌ فيه كبير " لا يحل، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام، حين كفرتم بالله، وصددتم عنه محمدًا وأصحابه، وإخراجُ أهل المسجد الحرام منه، حين أخرجوا محمدًا، أكبر من القتل عند الله، والفتنة - هي الشرك - أعظم عند الله من القتل في الشهر الحرام، فذلك قوله: " وصد عن سبيل الله وكفرٌ به والمسجد الحرامِ وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل " . (24)4084 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال، حدثنا المعتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه: أنه حدثه رجل، عن أبي السوار، يحدثه عن جندب بن عبد الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه بعث رَهطًا، فبعثَ عليهم أبا عبيدة . فلما أخذ لينطلق، بكى صَبابةً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبعث رجلا مكانه يقال له عبد الله بن جحش، وكتب له كتابًا، وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ كذا وكذا : " ولا تكرهنَّ أحدًا من أصحابك على السير معك " . فلما قرأ الكتاب استرجعَ وقال: سمعًا وطاعة لأمر الله ورسوله ! فخبَّرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب ، فرجع رجلان ومضَى بقيتهم. فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا ذلك اليوم : أمن رَجب أو من جمادى؟ فقال المشركون للمسلمين: فعلتم كذا وكذا في الشهر الحرام ! فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فحدّثوه الحديث، فأنزل الله عز وجل : " يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ وصدٌّ عن سبيل الله وكفرٌ به والمسجد الحرام وإخراجُ أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبرُ من القتل "- والفتنة هي الشرك. وقال بعضُ الذين - أظنه قال -: كانوا في السرية: والله ما قتله إلا واحد ! فقال: إن يكن خيرًا فقد وَلِيت ! وإن يكن ذنبًا فقد عملت ! (25)4085 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه "، قال: إن رجلا من بني تميم أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في سرية، فمرّ بابن الحضرميّ يحمل خمرًا من الطائف إلى مكة، فرماه بسهم فقتله. وكان بين قريش ومحمد عَقْدٌ، فقتله في آخر يوم من جُمادى الآخرة وأول يوم من رجب، فقالت قريش: في الشهر الحرام! ولنا عهد! فأنزل الله جل وعز: " قتالٌ فيه كبير وصدٌّ عن سبيل الله وكُفر به " وصد عن المسجد الحرام " وإخراجُ أهله منه أكبر عند الله " من قتل ابن الحضرميّ، والفتنة كفرٌ بالله، وعبادة الأوثان أكبر من هذا كله.4086 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري وعُثمان الجزريّ، وعن مقسم مولى ابن عباس قال: لقي واقد بنُ عبد الله عمرَو بنَ الحضرميّ في أول ليلة من رجب، وهو يرى أنه من جمادى، فقتله، وهو أول قتيل من المشركين. فعيَّر المشركون المسلمين فقالوا : أتقتلون في الشهر الحرام ! فأنزل الله : " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتالٌ فيه كبير وصدٌّ عن سبيل الله وكفرٌ به والمسجد الحرام " = يقول: وصد عن سبيل الله وكفرٌ بالله =" والمسجد الحرام " = وصد عن المسجد الحرام =" وإخراج أهله منه أكبر عند الله "، من قتل عمرو بن الحضرميّ =" والفتنة " ، يقول: الشرك الذي أنتم فيه أكبر من ذلك أيضا = قال الزهري وكان النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا يحرِّم القتالَ في الشهر الحرام، ثم أحِلّ [ له ] بعدُ. (26)4087 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله : " يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبير "، وذلك أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وردُّوه عن المسجد الحرام في شهر حرام، ففتح الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل. فعاب المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم القتالَ في شهر حرام، فقال الله جل وعز: " وصدٌّ عن سبيل الله وكفرٌ به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله " من القتل فيه = وأنّ محمدًا بعث سرية، فلقوا عمرو بن الحضرمي وهو مقبل من الطائف آخرَ ليلة من جمادى، وأول ليلة من رجب = وأن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يظنون أنّ تلك الليلة من جمادى، وكانت أول رجب ولم يشعروا، فقتله رجلٌ منهم واحدٌ = وأنّ المشركين أرسلوا يُعيرونه بذلك فقال الله جل وعز: " يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبير " وغير ذلك أكبر منه،" صد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه " إخراجُ أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصاب محمدٌ، والشرك بالله أشدُّ.4088 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن حصين، عن أبي مالك: قال لما نزلت: " يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبير " إلى قوله: " والفتنة أكبرُ من القتل "، استكبروه. فقال: والفتنة = الشرك الذي أنتم عليه مقيمون = أكبر مما استكبرتم.4089 - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن حصين، عن أبي مالك الغفاري قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش في جيش، فلقي ناسًا من المشركين ببطن نخلة، والمسلمون يحسَبون أنه آخر يوم من جمادى وهو أول يوم من رجب، فقتل المسلمون ابنَ الحضرميّ، فقال المشركون: ألستم تزعمون أنكم تحرِّمون الشهرَ الحرام والبلدَ الحرام ، وقد قتلتم في الشهر الحرام! فأنزل الله: " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتالٌ فيه " إلى قوله " أكبر عند الله " من الذي استكبرتم من قتل ابن الحضرمي، و " الفتنة " - التي أنتم عليها مقيمون، يعني الشركَ -" أكبر من القتل ".4090 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة قال: وكان يسميها (27) - يقول: لقي واقدُ بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي ببطن نخلةَ فقتله.4091 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قلت لعطاء قوله: " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه "، فيمن نزلت؟ قال: لا أدري = قال ابن جريج: وقال عكرمة ومجاهد: في عمرو بن الحضرمي. قال ابن جريج، وأخبرنا ابن أبي حسين، عن الزهري ذلك أيضًا.4092 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال مجاهد: " قل قتالٌ فيه كبيرٌ وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام "، - قال: يقول: صدٌ عن المسجد الحرام " وإخراج أهله منه " - فكل هذا أكبر من قتل ابن الحضرمي -" والفتنة أكبر من القتل " - كفرٌ بالله وعبادة الأوثان، أكبرُ من هذا كله.4093 - حدثت عن الحسين بن الفرج، قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال أخبرنا عبيد بن سليمان الباهلي، قال سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتالٌ فيه كبير " ، كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قتلوا ابن الحضرمي في الشهر الحرام، فعيّر المشركون المسلمين بذلك، فقال الله: قتال في الشهر الحرام كبير، وأكبر من ذلك صد عن سبيل الله وكفرٌ به، وإخراجُ أهل المسجد الحرام من المسجد الحرام.قال أبو جعفر: وهذان الخبران اللذان ذكرناهما عن مجاهد والضحاك، ينبئان عن صحة ما قلنا في رفع " الصد " و " الكفر به " ، (28) وأن رافعه " أكبر عند الله " . وهما يؤكدان صحّة ما روينا في ذلك عن ابن عباس، ويدلان على خطأ من زعم أنه مرفوعٌ على العطف على " الكبير " ، وقولِ من زعم أن معناه: وكبيرٌ صدٌّ عن سبيل الله، وزعم أن قوله: " وإخراجُ أهله منه أكبر عند الله "، خبر منقطع عما قبله مبتدأ.* * *4094 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسمعيل بن سالم، عن الشعبي في قوله: " والفتنة أكبر من القتل "، قال: يعني به الكفر.4095 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " وإخراجُ أهله منه أكبر عند الله " من ذلك. ثم عيَّر المشركين بأعمالهم أعمال السوء فقال: " والفتنة أكبر من القتل "، أي الشرك بالله أكبر من القتل.* * *وبمثل الذي قلنا من التأويل في ذلك روي عن ابن عباس:4096 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبى قال، حدثني عمي قال، ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: لما قتل أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرَو بن الحضرمي في آخر ليلة من جُمادى وأول ليلة من رجب، أرسل المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيِّرونه بذلك، فقال: " يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ"، وغيرُ ذلك أكبر منه: " صدٌّ عن سبيل الله وكفرٌ به والمسجد الحرام وإخراجُ أهله منه أكبر " من الذي أصابَ محمدٌ صلى الله عليه وسلم.* * *قال أبو جعفر : وأما أهل العربية فإنهم اختلفوا في الذي ارتفع به قوله: " وصدٌّ عن سبيل الله " .فقال بعض نحويي الكوفيين: في رفعه وجهان: أحدهما ، أن يكون " الصدُّ" مردودًا على " الكبير "، يريد: قل القتالُ فيه كبيرٌ وصدٌّ عن سبيل الله وكفرٌ به . وإن شئت جعلت " الصد "" كبيرًا " ، يريد به: قل القتالُ فيه كبير، وكبيرٌ الصدُّ عن سبيل الله والكفر به . (29)* * *قال أبو جعفر : قال فأخطأ -يعني الفراء- في كلا تأويليه. وذلك أنه إذا رفع " الصد " عطفًا به على " كبير " ، يصير تأويل الكلام: قل القتالُ في الشهر الحرام كبيرٌ وصدٌّ عن سبيل الله، وكفرٌ بالله. وذلك من التأويل خلافُ ما عليه أهل الإسلام جميعًا . لأنه لم يدَّع أحد أن الله تبارك وتعالى جعل القتال في الأشهر الحرم كفرًا بالله، بل ذلك غير جائز أن يُتَوَهَّم على عاقل يعقل ما يقولُ أن يقوله. وكيف يجوز أن يقوله ذو فطرة صحيحة، والله جل ثناؤه يقول في أثر ذلك: " وإخراجُ أهله منه أكبرُ عند الله " ؟! فلو كان الكلام على ما رآه جائزًا في تأويله هذا، لوجب أن يكون إخراج أهل المسجد الحرام من المسجد الحرام، كان أعظمَ عند الله من الكفر به، وذلك أنه يقول في أثره: " وإخراجُ أهله منه أكبر عند الله ". وفي قيام الحجة بأن لا شيء أعظمُ عند الله من الكفر به، ما يُبين عن خطأ هذا القول.وأما إذا رفع " الصد " ، بمعنى ما زعم أنه الوجه الآخر - وذلك رفعه بمعنى: وكبير صدٌّ عن سبيل الله، ثم قيل: " وإخراجُ أهله منه أكبرُ عند الله " - صار المعنى إلى أن إخراجَ أهل المسجد الحرام من المسجد الحرام، أعظمُ عند الله من الكفر بالله والصدِّ عن سبيله، وعن المسجد الحرام. ومتأوِّل ذلك كذلك، داخل من الخطأ في مثل الذي دخل فيه القائلُ القولَ الأوّل: (30) من تصييره بعض خلال الكفر أعظمَ عند الله من الكفر بعينه. وذلك مما لا يُخيل على أحدٍ خطؤه وفسادُه (31) .* * *وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول القولَ الأول في رفع " الصد " ، ويزعم أنه معطوف به على " الكبير " ، ويجعل قوله: " وإخراج أهله " مرفوعًا على الابتداء، وقد بينا فسادَ ذلك وخطأ تأويله.* * *قال أبو جعفر: ثم اختلف أهل التأويل في قوله: " يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ"، هل هو منسوخٌ أم ثابت الحكم؟فقال بعضهم: هو منسوخ بقوله الله جل وعز: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [ سورة التوبة: 36 ] ، وبقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [ سورة التوبة: 5 ]* ذكر من قال ذلك:4097 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال عطاء بن ميسرة: أحلَّ القتالَ في الشهر الحرام في" براءة " قوله: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [ سورة التوبة: 36 ] : يقول: فيهن وفي غيرهن. (32)4098 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم، فيما بلغنا، يحرّم القتال في الشهر الحرام، ثم أحِلَّ بعد. (33) وقال آخرون: بل ذلك حكم ثابتٌ = لا يحلّ القتال لأحد في الأشهر الحرم بهذه الآية، لأن الله جعل القتال فيه كبيرًا.* ذكر من قال ذلك:4099 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن قال، حدثني حجاجُ، عن ابن جريج، (34) قال: قلت لعطاء: " يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ" ، قلت: ما لهم! وإذ ذاك لا يحل لهم أن يغزوا أهل الشرك في الشهر الحرام، ثم غزوهم بعد فيه؟ فحلف لي عطاء بالله: ما يحل للناس أن يغزوا في الشهر الحرام، ولا أن يقاتلوا فيه، وما يستحب. قال: ولا يدعون إلى الإسلام قبل أن يقاتَلوا، ولا إلى الجزية، تركوا ذلك.* * *قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ما قاله عطاء بن ميسرة: من أن النهي عن قتال المشركين في الأشهر الحرُم منسوخ بقول الله جل ثناؤه: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [ سورة التوبة: 36 ] .وإنما قلنا ذلك ناسخٌ لقوله: " يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ" ، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه غزَا هوازن بحُنين وثقيفًا بالطائف، وأرسل أبا عامر إلى أوْطاس لحرب من بها من المشركين، في الأشهر الحرُم، وذلك في شوال وبعض ذي القعدة، وهو من الأشهر الحرم. فكان معلومًا بذلك أنه لو كان القتالُ فيهن حرامًا وفيه معصية، كان أبعد الناس من فعله صلى الله عليه وسلم.وأخرى، أن جميعَ أهل العلم بِسِيَر رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تتدافع أنّ بيعة الرضوان على قتال قريش كانت في ذي القعدة، وأنه صلى الله عليه وسلم إنما دعا أصحابه إليها يومئذ ، لأنه بلغه أن عثمان بن عفان قتله المشركون إذ أرسله إليهم بما أرسله به من الرسالة، فبايع صلى الله عليه وسلم على أن يناجز القومَ الحربَ ويحاربَهم، حتى رجع عثمان بالرسالة، جرى بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش الصلح، فكفَّ عن حربهم حينئذ وقتالهم. وكان ذلك في ذي القعدة، وهو من الأشهر الحرُم.فإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ صحةُ ما قلنا في قوله: " يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ" ، وأنه منسوخ.فإذا ظنّ ظانّ أن النهي عن القتال في الأشهر الحرُم كان بعد استحلال النبي صلى الله عليه وسلم إياهن لما وصفنا من حروبه. فقد ظنّ جهلا . وذلك أن هذه الآية - أعني قوله: " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه " - في أمر عبد الله بن جحش وأصحابه، وما كان من أمرهم وأمر القتيل الذي قتلوه، فأنزل الله في أمره هذه الآية في آخر جمادى الآخرة من السنة الثانية من مَقْدَم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ وهجرته إليها، وكانت وقعةُ حُنين والطائف في شوال من سنة ثمان من مقدمه المدينة وهجرته إليها، وبينهما من المدة ما لا يخفى على أحد.* * *القول في تأويل قوله تعالى : وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواقال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره : ولا يزال مشركو قريش يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن قدروا على ذلك، كما:-4100 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني الزهري ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير: " ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردُّوكم عن دينكم إن استطاعوا "، أي: هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غيرُ تائبين ولا نازعين = يعني: على أن يفتنوا المسلمين عن دينهم حتى يردُّوهم إلى الكفر، كما كانوا يفعلون بمن قدروا عليه منهم قبل الهجرة. (35)4101 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردُّوكم عن دينكم إن استطاعوا " ، قال: كفار قريش.* * *القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه: " ومن يرتدد منكم عن دينه "، من يرجع منكم عن دينه، كما قال جل ثناؤه: فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا [ سورة الكهف: 64 ] يعني بقوله: " فارتدَّا " ، رجعا. ومن ذلك قيل: " استردّ فلان حقه من فلان "، إذا استرجعه منه. (36)وإنما أظهر التضعيف في قوله: " يرتدد " لأن لام الفعل ساكنة بالجزم، وإذا سكِّنت فالقياس ترك التضعيف، وقد تضعَّف وتدغم وهي ساكنة ، بناء على التثنية والجمع.* * *وقوله: " فيمت وهو كافر "، يقول: من يرجع عن دينه دين الإسلام،" فيمت وهو كافر "، فيمت قبل أن يتوب من كفره، فهم الذين حبَطت أعمالهم.* * *يعني بقوله: " حبطت أعمالهم "، بطلت وذهبت. وبُطولها: ذهابُ ثوابها، وبطول الأجر عليها والجزاء في دار الدنيا والآخرة.* * *وقوله: " وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون "، يعني: الذين ارتدُّوا عن دينهم فماتوا على كفرهم، هم أهل النار المخلَّدون فيها. (37)* * *وإنما جعلهم " أهلها " لأنهم لا يخرجون منها، فهم سكانها المقيمون فيها، كما يقال: " هؤلاء أهل محلة كذا "، يعني: سكانها المقيمون فيها.* * *ويعني بقوله: " هم فيها خالدون "، هم فيها لابثون لَبْثًا، من غير أمَدٍ ولا نهاية. (38)* * *---------------الهوامش :(5) يعني شهر رجب ، وهو رجب الأصم .(6) انظر معنى"الفتنة" فيما سلف 3 : 565 ، 566 ثم 570ن 571 وفهرس اللغة في الأجزاء السالفة .(7) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1 : 141 .(8) في المطبوعة : "وإذا كان ذلك كذلك ، ولم يكن القوم سألوا رسول الله . . . " والصواب ما أثبت ، وإلا اختل الكلام اختلالا شديدًا .(9) الزيادة بين القوسين من سيرة ابن هشام ونص ابن هشام : "أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس -ومن حلفائهم : عبد الله بن جحش" بإسقاط : "ومن بني أمية" فتركت ما في الطبري على حاله لأنه صحيح المعنى أيضًا .(10) في المطبوعة : " . . . عبد الله بن مناة بن عويم" وأثبت ما في نص ابن هشام وهو الموافق لما أجمعت عليه كتب السير والأنساب .(11) في المطبوعة : "إذا نظرت إلى كتابي . . . " وأثبت ما في هشام وتاريخ الطبري وهو الصواب .(12) في المطبوعة : "نجران" وهو خطأ صرف .(13) "يتعقبانه" : أي يركبه هذا عقبة وهذا عقبة ، أي هذا نوبة وهذا نوبة .(14) العير : القافلة من الإبل والحمير والبغال تخرج للميرة فيمتار عليها . والأدم جمع أديم : وهو الجلد المدبوغ .(15) عمار : معتمرون . والاعتمار والعمرة زيارة البيت الحرام وأداء حقه ، في أي شهر كان . وهو غير الحج يقال عنه"اعتمر" ولم يسمع"عمر" ولكن جاء"عمار" جمع"عامر" على هذا الثلاثي المتروك .(16) هكذا في المطبوعة : "آخر يوم من جمادى" وفي نص ابن هشام وتاريخ الطبري"آخر يوم من رجب" وهو أصح النصين ، ولم أغيرها ، لأنه سيأتي بعد ما يدل على أن الرواية هنا هكذا .(17) الزيادة بين القوسين من نص ابن هشام ، وتاريخ الطبري .(18) انظر ص : 303 التعليق : 5 ونص ابن هشام والطبري"في شعبان" .(19) الشفق (لفتح الشين والفاء) والإشقاق : الخوف والحذر .(20) الأثر : 4082 - هو نص ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق 2 : 252- 254 ورواه الطبري في تاريخه 2 : 262- 263 .(21) الزيادة بين القوسين من رواية الطبري في تاريخه .(22) في تاريخه : "بطن نخل" في هذا الموضع منه ، وفيما يليه"بطن نخلة" .(23) في المطبوعة : "نجران" وهو خطأ مضى مثله ص : 303 والصواب من التاريخ .(24) الأثر : 4083 - رواه الطبري في تاريخه 2 : 263- 264 .(25) الأثر : 4084 رواه الطبري في تاريخه 2 : 264- 265- وسيأتي تمامه برقم : 4102 .(26) الحديث : 4086 - هذا حديث مرسل ، مروي بإسنادين عن اثنين من التابعين ، هما : الزهري ومقسم مولى ابن عباس .فرواه معمر عن الزهري ورواه عن عثمان الجزري عن مقسم . وهو ثابت في تفسير عبد الرزاق ، ص : 26 . وزدنا منه [الواو] في قوله : "وعن مقسم" ، وكلمة [له] في آخر الحديث في قوله" ثم أحل [له] بعد" .وعثمان الجزري : هو"عثمان بن ساج" ترجم له ابن أبي حاتم 3/1/153 ، وهو غير"عثمان ابن عمرو بن ساج" الذي ترجم له ابن أبي حاتم 3/1/162 . وقد خلط بينهما الحافظ المزي في التهذيب ، وتعقبه الحافظ ابن حجر . وانظر ما كتبنا في ذلك ، في شرح المسند : 2562 .مقسم -بكسر الميم وسكون القاف وفتح السين- : هو ابن بجرة ، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل . وإنما قيل له"مولى ابن عباس" للزومه له . وهو تابعي ثقة .(27) هكذا في المطبوعة ، وأظن الصواب : "وكان يسميهما" .(28) في المطبوعة"في رفع الصد به" والصواب ما أثبت .(29) هو قول الفراء ، كما سيأتي بعد في النص ، وانظر معاني القرآن 1 : 141 . وقد رد الطبري كلام الفراء ردًا حكيما ، وأظهر الفساد الذي ينطوي عليه قول من يقول في القرآن ، وهو لا يحكم النظر في أحكام الله ، فيظن كل جائز في العربية والنحو ، جائزا أن يحمل عليه كتاب الله . وردود الطبري تعلم المرء كيف يتخلق بأخلاق أهل العلم والإيمان ، من الأناة والتوقف والصبر والورع ، أن تزل قدم في هوة من الضلال والجهالة وسوء الرأي .(30) في المطبوعة : "داخل من الخطأ مثل . . . " سقطت"في" من ناسخ فيما أرجح .(31) أخال الشيء يخيل : اشتبه . يقال : "هذا الأمر لا يخيل على أحد" ، أي : لا يشكل على أحد . و"شيء مخيل" ، أي مشكل .(32) الأثر : 4097 -"عطاء بن ميسرة" هو عطاء بن أبي مسلم الخراساني يقال اسم أبيه"عبد الله" ، ويقال"ميسرة" . مات سنة 135 ، وانظر الاختلاف فيه ، والإشكال في أمره وأمر عطاء بن أبي رباح في التهذيب في ترجمته .(33) الأثر : 4098 - هو بعض الأثر السالف : 4086 . وانظر التعليق عليه .(34) في المطبوعة : " . . . عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال قلت لعطاء . . . " ، فقوله : "عن مجاهد" خطأ وزيادة مفسدة ، فحذفتها . وانظر الأثر السالف رقم : 4901 .(35) الأثر : 4100 - هو بعض الأثر السالف : 4082 . والكلام من أول قوله : "يعني : على أن يفتنوا . . . " ليس في سيرة ابن هشام ، ولا في تاريخ الطبري . فإما أن يكون من كلام الطبري ، أو من كلام ابن حميد ، أو بعض رواة الأثر .(36) انظر ما سلف 3 : 163 ، وفهارس اللغة فيما سلف ، ردد"(37) انظر معنى"أصحاب النار" فيما سلف 2 : 286 .(38) انظر معنى"خالد" فيما سلف 2 : 286- 287 ، وفهارس اللغة .
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ يَرۡجُونَ رَحۡمَتَ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ  ٢١٨
التفسير الميسرإن الذين صَدَّقوا بالله ورسوله وعملوا بشرعه والذين تركوا ديارهم، وجاهدوا في سبيل الله، أولئك يطمعون في فضل الله وثوابه. والله غفور لذنوب عباده المؤمنين، رحيم بهم رحمة واسعة.
تفسير السعديهذه الأعمال الثلاثة, هي عنوان السعادة وقطب رحى العبودية, وبها يعرف ما مع الإنسان, من الربح والخسران، فأما الإيمان, فلا تسأل عن فضيلته, وكيف تسأل عن شيء هو الفاصل بين أهل السعادة وأهل الشقاوة, وأهل الجنة من أهل النار؟ وهو الذي إذا كان مع العبد, قبلت أعمال الخير منه, وإذا عدم منه لم يقبل له صرف ولا عدل, ولا فرض, ولا نفل. وأما الهجرة: فهي مفارقة المحبوب المألوف, لرضا الله تعالى، فيترك المهاجر وطنه وأمواله, وأهله, وخلانه, تقربا إلى الله ونصرة لدينه. وأما الجهاد: فهو بذل الجهد في مقارعة الأعداء, والسعي التام في نصرة دين الله, وقمع دين الشيطان، وهو ذروة الأعمال الصالحة, وجزاؤه, أفضل الجزاء، وهو السبب الأكبر, لتوسيع دائرة الإسلام وخذلان عباد الأصنام, وأمن المسلمين على أنفسهم وأموالهم وأولادهم. فمن قام بهذه الأعمال الثلاثة على لأوائها ومشقتها كان لغيرها أشد قياما به وتكميلا. فحقيق بهؤلاء أن يكونوا هم الراجون رحمة الله, لأنهم أتوا بالسبب الموجب للرحمة، وفي هذا دليل على أن الرجاء لا يكون إلا بعد القيام بأسباب السعادة، وأما الرجاء المقارن للكسل, وعدم القيام بالأسباب, فهذا عجز وتمن وغرور، وهو دال على ضعف همة صاحبه, ونقص عقله, بمنزلة من يرجو وجود ولد بلا نكاح, ووجود الغلة بلا بذر, وسقي, ونحو ذلك. وفي قوله: أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ إشارة إلى أن العبد ولو أتى من الأعمال بما أتى به لا ينبغي له أن يعتمد عليها, ويعول عليها, بل يرجو رحمة ربه, ويرجو قبول أعماله ومغفرة ذنوبه, وستر عيوبه. ولهذا قال: وَاللَّهُ غَفُورٌ أي: لمن تاب توبة نصوحا رَحِيمٌ وسعت رحمته كل شيء, وعم جوده وإحسانه كل حي. وفي هذا دليل على أن من قام بهذه الأعمال المذكورة, حصل له مغفرة الله, إذ الحسنات يذهبن السيئات وحصلت له رحمة الله. وإذا حصلت له المغفرة, اندفعت عنه عقوبات الدنيا والآخرة، التي هي آثار الذنوب, التي قد غفرت واضمحلت آثارها، وإذا حصلت له الرحمة, حصل على كل خير في الدنيا والآخرة؛ بل أعمالهم المذكورة من رحمة الله بهم, فلولا توفيقه إياهم, لم يريدوها, ولولا إقدارهم عليها, لم يقدروا عليها, ولولا إحسانه لم يتمها ويقبلها منهم، فله الفضل أولا وآخرا, وهو الذي منّ بالسبب والمسبب.
تفسير ابن كثيرقال ابن إسحاق : فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن ، طمعوا في الأجر ، فقالوا : يا رسول الله ، أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين [ المهاجرين ] ؟ فأنزل الله عز وجل :( إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم ) فوضعهم الله من ذلك على أعظم الرجاء .قال ابن إسحاق : والحديث في هذا عن الزهري ، ويزيد بن رومان ، عن عروة .وقد روى يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير قريبا من هذا السياق . وروى موسى بن عقبة عن الزهري نفسه ، نحو ذلك .وروى شعيب بن أبي حمزة ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير نحوا من هذا أيضا ، وفيه : فكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المسلمين والمشركين ، فركب وفد من كفار قريش حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقالوا : أيحل القتال في الشهر الحرام ؟ فأنزل الله : ( يسألونك عن الشهر الحرام [ قتال فيه ] ) الآية . وقد استقصى ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب " دلائل النبوة " .ثم قال ابن هشام عن زياد ، عن ابن إسحاق : وقد ذكر عن بعض آل عبد الله [ بن جحش ] أن الله قسم الفيء حين أحله ، فجعل أربعة أخماس لمن أفاءه ، وخمسا إلى الله ورسوله . فوقع على ما كان عبد الله بن جحش صنع في تلك العير .قال ابن هشام : وهي أول غنيمة غنمها المسلمون . وعمرو بن الحضرمي أول من قتل المسلمون ، وعثمان بن عبد الله ، والحكم بن كيسان أول من أسر المسلمون .قال ابن إسحاق : فقال أبو بكر الصديق ، رضي الله عنه ، في غزوة عبد الله بن جحش ، ويقال : بل عبد الله بن جحش قالها ، حين قالت قريش : قد أحل محمد وأصحابه الشهر الحرام ، فسفكوا فيه الدم ، وأخذوا فيه المال ، وأسروا فيه الرجال . قال ابن هشام : هي لعبد الله بن جحش :تعدون قتلا في الحرام عظيمة وأعظم منه لو يرى الرشد راشد صدودكم عما يقول محمدوكفر به والله راء وشاهد وإخراجكم من مسجد الله أهلهلئلا يرى لله في البيت ساجد فإنا وإن عيرتمونا بقتلهوأرجف بالإسلام باغ وحاسد سقينا من ابن الحضرمي رماحنابنخلة لما أوقد الحرب واقد دما وابن عبد الله عثمان بينناينازعه غل من القد عاند
تفسير القرطبيقوله تعالى : إن الذين آمنوا والذين هاجروا الآية . قال جندب بن عبد الله وعروة بن الزبير وغيرهما : لما قتل واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي في الشهر الحرام توقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أخذ خمسه الذي وفق في فرضه له عبد الله بن جحش وفي الأسيرين ، فعنف المسلمون عبد الله بن جحش وأصحابه حتى شق ذلك عليهم ، فتلافاهم الله عز وجل بهذه الآية في الشهر الحرام وفرج عنهم ، وأخبر أن لهم ثواب من هاجر وغزا ، فالإشارة إليهم في قوله : " إن الذين آمنوا " ثم هي باقية في كل من فعل ما ذكره الله عز وجل . وقيل : إن لم يكونوا أصابوا وزرا فليس لهم أجر ، فأنزل الله : إن الذين آمنوا والذين هاجروا إلى آخر الآية .والهجرة معناها الانتقال من موضع إلى موضع ، وقصد ترك الأول إيثارا للثاني . والهجر ضد الوصل . وقد هجره هجرا وهجرانا ، والاسم الهجرة . والمهاجرة من أرض إلى أرض ترك الأولى للثانية . والتهاجر التقاطع . ومن قال : المهاجرة الانتقال من البادية إلى الحاضرة فقد أوهم ، بسبب أن ذلك كان الأغلب في العرب ، وليس أهل مكة مهاجرين على قوله . وجاهد مفاعلة من جهد إذا استخرج الجهد ، مجاهدة وجهادا . والاجتهاد والتجاهد : بذل الوسع والمجهود . والجهاد ( بالفتح ) : الأرض الصلبة . و " يرجون " معناه يطمعون ويستقربون . وإنما قال " يرجون " وقد مدحهم لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ ، لأمرين : أحدهما : لا يدري بما يختم له . والثاني : لئلا يتكل على عمله ، والرجاء ينعم ، والرجاء أبدا معه خوف ولابد ، كما أن الخوف معه رجاء . والرجاء من الأمل ممدود ، يقال : رجوت فلانا رجوا ورجاء ورجاوة ، يقال : ما أتيتك إلا رجاوة الخير . وترجيته وارتجيته ورجيته وكله بمعنى رجوته ، قال بشر يخاطب بنته :فرجي الخير وانتظري إيابي إذا ما القارظ العنزي آباوما لي في فلان رجية ، أي ما أرجو . وقد يكون الرجو والرجاء بمعنى الخوف ، قال الله تعالى : ما لكم لا ترجون لله وقارا ؛ أي لا تخافون عظمة الله ، قال أبو ذؤيب :إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عواملأي لم يخف ولم يبال . والرجا - مقصور - : ناحية البئر وحافتاها ، وكل ناحية رجا . والعوام من الناس يخطئون في قولهم : يا عظيم الرجا ، فيقصرون ولا يمدون
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ذكره: إنّ الذين صَدَّقوا بالله وبرسوله وبما جاء به = وبقوله: " والذين هاجروا " الذين هجروا مُساكنة المشركين في أمصارهم ومجاورتهم في ديارهم، فتحولوا عنهم، وعن جوارهم وبلادهم، (39) إلى غيرها هجرة... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... (40) لما انتقل عنه إلى ما انتقل إليه. وأصل المهاجرة: " المفاعلة " من هجرة الرجل الرجلَ للشحناء تكون بينهما، ثم تستعمل في كل من هجر شيئًا لأمر كرهه منه. وإنما سمي المهاجرون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم " مهاجرين " ، لما وصفنا من هجرتهم دورَهم ومنازلهم كراهةً منهم النزولَ بين أظهر المشركين وفي سلطانهم، بحيث لا يأمنون فتنتهم على أنفسهم في ديارهم - إلى الموضع الذي يأمنون ذلك.* * *وأما قوله: " وجاهدوا " فإنه يعني: وقاتلوا وحاربوا.* * *وأصل " المجاهدة "" المفاعلة " من قول الرجل: " قد جَهَد فلان فلانًا على كذا " -إذا كرَبَه وشقّ عليه-" يجهده جهدًا ". فإذا كان الفعل من اثنين، كل واحد منهما يكابد من صَاحبه شدة ومشقة، قيل: " فلانٌ يجاهد فلانًا " - يعني: أن كل واحد منهما يفعل بصاحبه ما يجهده ويشق عليه -" فهو يُجاهده مجاهدة وجهادًا " .* * *وأما " سبيل الله "، فطريقه ودينه. (41)* * *فمعنى قوله إذًا : " والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله "، والذين تحوَّلوا من سلطان أهل الشرك هجرةً لهم، وخوفَ فتنتهم على أديانهم، وحاربوهم في دين الله ليدخلوهم فيه وفيما يرضي الله =" أولئك يرجون رَحمة الله "، أي: يطمعون أن يرحمهم الله فيدخلهم جنته بفضل رحمته إياهم.=" والله غفور "، أي ساتر ذنوبَ عباده بعفوه عنها، متفضل عليهم بالرحمة. (42)* * *وهذه الآية أيضًا ذُكر أنها نزلت في عبد الله بن جحش وأصحابه.* ذكر من قال ذلك:4102 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، أنه حدثه رجل، عن أبي السَّوار، يحدثه عن جندب بن عبد الله قال: لما كان من أمر عبد الله بن جحش وأصحابه وأمر ابن الحضرمي ما كان ، قال بعض المسلمين: إن لم يكونوا أصابوا في سفرهم -أظنه قال: - وِزْرًا، فليس لهم فيه أجرٌ. فأنزل الله: " إنّ الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم ". (43)4103 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قال، حدثني الزهري ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قال: أنزل الله عز وجل القرآنَ بما أنزلَ من الأمر، وفرَّج الله عن المسلمين في أمر عبد الله بن جحش وأصحابه - يعني: في قتلهم ابن الحضرمي - فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن، طمعوا في الأجر، فقالوا: يا رسول الله، أنطمعُ أن تكون لنا غزوة نُعْطى فيها أجرَ المجاهدين؟ فأنزل الله عز وجل فيهم: " إنّ الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفورٌ رحيمٌ". فوضعهم الله من ذلك على أعظم الرجاء. (44)4104 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: أثنى الله على أصحاب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أحسنَ الثناء فقال: " إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفورٌ رحيم "، هؤلاء خيارُ هذه الأمة. ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون، وأنه من رجَا طلب، ومن خاف هرب.4105 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.------------------------الهوامش :(39) كان الكلام في المطبوعة متصلا بما بعده في موضع هذه النقط ، ولكنه لا يستقيم ولا يطرد . ففصلت بين الكلامين . وظني أن سياق الكلام وتمامه : "فتحوَّلوا عنهم وعن جوارهم وبلادهم إلى غيرها هجرة ، لما كرهوا من كفرهم وشركهم ، وإيثارًا لجوار المؤمنين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم" ، وسياق الكلام يدل على ذلك .(40) مكان هذه النقط خرم لا شك فيه ، كأن ناسخًا أسقط سطرًا أو سطرين ، وكان صدر الكلام فيما أتوهم . "هجر المكان يهجره هجرًا وهجرانًا وهجرة : كرهه فخرج منه ، تاركًا لما انتقل عنه إلى ما انتقل إليه" - أو كلامًا هذا معناه .(41) انظر معنى"سبيل الله" فيما سلف ، 2 : 497/ 3 : 564 ، 583 .(42) انظر معنى"غفور" فيما سلف من مراجعه في فهارس اللغة (غفر) .(43) الأثر : 4102 - هو من تمام الأثر السالف رقم : 4084 ، وهو بتمامه في الدر المنثور 1 : 250(44) الأثر : 3103 - سيرة ابن هشام 2 : 255 ، وهو تمام الأثر السالف : 4082 . وكان في المطبوعة هنا : "فوفقهم الله من ذلك . . . " ، والصواب ما أثبت من ابن هشام .
۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَآ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَاۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلِ ٱلۡعَفۡوَۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ  ٢١٩
التفسير الميسريسألك المسلمون -أيها النبي- عن حكم تعاطي الخمر شربًا وبيعًا وشراءً، والخمر كل مسكر خامر العقل وغطاه مشروبًا كان أو مأكولا ويسألونك عن حكم القمار -وهو أَخْذُ المال أو إعطاؤه بالمقامرة وهي المغالبات التي فيها عوض من الطرفين-، قل لهم: في ذلك أضرار ومفاسد كثيرة في الدين والدنيا، والعقول والأموال، وفيهما منافع للناس من جهة كسب الأموال وغيرها، وإثمهما أكبر من نفعهما؛ إذ يصدَّان عن ذكر الله وعن الصلاة، ويوقعان العداوة والبغضاء بين الناس، ويتلفان المال. وكان هذا تمهيدًا لتحريمهما. ويسألونك عن القَدْر الذي ينفقونه من أموالهم تبرعًا وصدقة، قل لهم: أنفقوا القَدْر الذي يزيد على حاجتكم. مثل ذلك البيان الواضح يبيِّن الله لكم الآيات وأحكام الشريعة؛ لكي تتفكروا فيما ينفعكم في الدنيا والآخرة. ويسألونك -أيها النبي- عن اليتامى كيف يتصرفون معهم في معاشهم وأموالهم؟ قل لهم: إصلاحكم لهم خير، فافعلوا الأنفع لهم دائمًا، وإن تخالطوهم في سائر شؤون المعاش فهم إخوانكم في الدين. وعلى الأخ أن يرعى مصلحة أخيه. والله يعلم المضيع لأموال اليتامى من الحريص على إصلاحها. ولو شاء الله لضيَّق وشقَّ عليكم بتحريم المخالطة. إن الله عزيز في ملكه، حكيم في خلقه وتدبيره وتشريعه.
تفسير السعديأي: يسألك - يا أيها الرسول - المؤمنون عن أحكام الخمر والميسر, وقد كانا مستعملين في الجاهلية وأول الإسلام, فكأنه وقع فيهما إشكال، فلهذا سألوا عن حكمهما، فأمر الله تعالى نبيه, أن يبين لهم منافعهما ومضارهما, ليكون ذلك مقدمة لتحريمهما, وتحتيم تركهما. فأخبر أن إثمهما ومضارهما, وما يصدر منهما من ذهاب العقل والمال, والصد عن ذكر الله, وعن الصلاة, والعداوة, والبغضاء - أكبر مما يظنونه من نفعهما, من كسب المال بالتجارة بالخمر, وتحصيله بالقمار والطرب للنفوس, عند تعاطيهما، وكان هذا البيان زاجرا للنفوس عنهما, لأن العاقل يرجح ما ترجحت مصلحته, ويجتنب ما ترجحت مضرته، ولكن لما كانوا قد ألفوهما, وصعب التحتيم بتركهما أول وهلة, قدم هذه الآية, مقدمة للتحريم, الذي ذكره في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إلى قوله: مُنْتَهُونَ وهذا من لطفه ورحمته وحكمته، ولهذا لما نزلت, قال عمر رضي الله عنه: انتهينا انتهينا. فأما الخمر: فهو كل مسكر خامر العقل وغطاه, من أي نوع كان، وأما الميسر: فهو كل المغالبات التي يكون فيها عوض من الطرفين, من النرد, والشطرنج, وكل مغالبة قولية أو فعلية, بعوض سوى مسابقة الخيل, والإبل, والسهام, فإنها مباحة, لكونها معينة على الجهاد, فلهذا رخص فيها الشارع. وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وهذا سؤال عن مقدار ما ينفقونه من أموالهم، فيسر الله لهم الأمر, وأمرهم أن ينفقوا العفو, وهو المتيسر من أموالهم, الذي لا تتعلق به حاجتهم وضرورتهم، وهذا يرجع إلى كل أحد بحسبه, من غني وفقير ومتوسط, كل له قدرة على إنفاق ما عفا من ماله, ولو شق تمرة. ولهذا أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم, أن يأخذ العفو من أخلاق الناس وصدقاتهم, ولا يكلفهم ما يشق عليهم. ذلك بأن الله تعالى لم يأمرنا بما أمرنا به حاجة منه لنا, أو تكليفا لنا [بما يشق] بل أمرنا بما فيه سعادتنا, وما يسهل علينا, وما به النفع لنا ولإخواننا فيستحق على ذلك أتم الحمد. ولما بيّن تعالى هذا البيان الشافي, وأطلع العباد على أسرار شرعه قال: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ أي: الدالات على الحق, المحصلات للعلم النافع والفرقان، لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أي: لكي تستعملوا أفكاركم في أسرار شرعه, وتعرفوا أن أوامره, فيها مصالح الدنيا والآخرة، وأيضا لكي تتفكروا في الدنيا وسرعة انقضائها, فترفضوها وفي الآخرة وبقائها, وأنها دار الجزاء فتعمروها.
تفسير ابن كثيرقال الإمام أحمد : حدثنا خلف بن الوليد ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة ، عن عمر أنه قال : لما نزل تحريم الخمر قال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا . فنزلت هذه الآية التي في البقرة : ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير [ ومنافع للناس ] ) فدعي عمر فقرئت عليه ، فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا . فنزلت الآية التي في النساء : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) [ النساء : 43 ] ، فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة نادى : ألا يقربن الصلاة سكران . فدعي عمر فقرئت عليه ، فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا . فنزلت الآية التي في المائدة . فدعي عمر ، فقرئت عليه ، فلما بلغ : ( فهل أنتم منتهون ) [ المائدة : 91 ] ؟ قال عمر : انتهينا ، انتهينا .وهكذا رواه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي من طرق ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق . وكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة ، واسمه عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي ، عن عمر . وليس له عنه سواه ، لكن قال أبو زرعة : لم يسمع منه . والله أعلم . وقال علي بن المديني : هذا الإسناد صالح وصححه الترمذي . وزاد ابن أبي حاتم بعد قوله : انتهينا : إنها تذهب المال وتذهب العقل . وسيأتي هذا الحديث أيضا مع ما رواه أحمد من طريق أبي هريرة أيضا عند قوله في سورة المائدة : ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) [ المائدة : 90 ] الآيات .فقوله : ( يسألونك عن الخمر والميسر ) أما الخمر فكما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب : إنه كل ما خامر العقل . كما سيأتي بيانه في سورة المائدة ، وكذا الميسر ، وهو القمار .وقوله : ( قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ) أما إثمهما فهو في الدين ، وأما المنافع فدنيوية ، من حيث إن فيها نفع البدن ، وتهضيم الطعام ، وإخراج الفضلات ، وتشحيذ بعض الأذهان ، ولذة الشدة المطربة التي فيها ، كما قال حسان بن ثابت في جاهليته :ونشربها فتتركنا ملوكا وأسدا لا ينهنهها اللقاءوكذا بيعها والانتفاع بثمنها . وما كان يقمشه بعضهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله . ولكن هذه المصالح لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة ، لتعلقها بالعقل والدين ، ولهذا قال : ( وإثمهما أكبر من نفعهما ) ; ولهذا كانت هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر على البتات ، ولم تكن مصرحة بل معرضة ; ولهذا قال عمر ، رضي الله عنه ، لما قرئت عليه : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ، حتى نزل التصريح بتحريمها في سورة المائدة : ( ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ) [ المائدة : 90 ، 91 ] وسيأتي الكلام على ذلك في سورة المائدة إن شاء الله ، وبه الثقة .قال ابن عمر ، والشعبي ، ومجاهد ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هذه أول آية نزلت في الخمر : ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير [ ومنافع للناس ] ) ثم نزلت الآية التي في سورة النساء ، ثم التي في المائدة ، فحرمت الخمر .وقوله : ( ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ) قرئ بالنصب وبالرفع وكلاهما حسن متجه قريب .قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا أبان ، حدثنا يحيى أنه بلغه : أن معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا : يا رسول الله ، إن لنا أرقاء وأهلين [ فما ننفق ] من أموالنا . فأنزل الله : ( ويسألونك ماذا ينفقون ) .وقال الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس : ( ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ) قال : ما يفضل عن أهلك .وكذا روي عن ابن عمر ، ومجاهد ، وعطاء ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، ومحمد بن كعب ، والحسن ، وقتادة ، والقاسم ، وسالم ، وعطاء الخراساني ، والربيع بن أنس ، وغير واحد : أنهم قالوا في قوله : ( قل العفو ) يعني الفضل .وعن طاوس : اليسير من كل شيء ، وعن الربيع أيضا : أفضل مالك ، وأطيبه .والكل يرجع إلى الفضل .وقال عبد بن حميد في تفسيره : حدثنا هوذة بن خليفة ، عن عوف ، عن الحسن : ( ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ) قال : ذلك ألا تجهد مالك ثم تقعد تسأل الناس .ويدل على ذلك ما رواه ابن جرير : حدثنا علي بن مسلم ، حدثنا أبو عاصم ، عن ابن عجلان ، عن المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رجل : يا رسول الله ، عندي دينار ؟ قال : " أنفقه على نفسك " . قال : عندي آخر ؟ قال : " أنفقه على أهلك " . قال : عندي آخر ؟ قال : " أنفقه على ولدك " . قال : عندي آخر ؟ قال : " فأنت أبصر " .وقد رواه مسلم في صحيحه . وأخرج مسلم أيضا عن جابر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل : " ابدأ بنفسك فتصدق عليها ، فإن فضل شيء فلأهلك ، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك ، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا " .وعنده عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول " .وفي الحديث أيضا : " ابن آدم ، إنك إن تبذل الفضل خير لك ، وإن تمسكه شر لك ، ولا تلام على كفاف " .ثم قد قيل : إنها منسوخة بآية الزكاة ، كما رواه علي بن أبي طلحة ، والعوفي عن ابن عباس ، وقاله عطاء الخراساني والسدي ، وقيل : مبينة بآية الزكاة ، قاله مجاهد وغيره ، وهو أوجه .
تفسير القرطبيقوله تعالى : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرونقوله تعالى : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما فيه تسع مسائل : الأولى : قوله تعالى : يسألونك السائلون هم المؤمنون ، كما تقدم . والخمر مأخوذة من خمر إذا ستر ، ومنه خمار المرأة . وكل شيء غطى شيئا فقد خمره ، ومنه خمروا آنيتكم فالخمر تخمر العقل ، أي تغطيه وتستره ، ومن ذلك الشجر الملتف يقال له : الخمر ( بفتح الميم ) لأنه يغطي ما تحته ويستره ، يقال منه : أخمرت الأرض كثر خمرها ، قال الشاعر :ألا يا زيد والضحاك سيرا فقد جاوزتما خمر الطريقأي سيرا مدلين فقد جاوزتما الوهدة التي يستتر بها الذئب وغيره . وقال العجاج يصف جيشا يمشي برايات وجيوش غير مستخف :في لامع العقبان لا يمشي الخمر يوجه الأرض ويستاق الشجرومنه قولهم : دخل في غمار الناس وخمارهم ، أي هو في مكان خاف . فلما كانت الخمر تستر العقل وتغطيه سميت بذلك وقيل : إنما سميت الخمر خمرا لأنها تركت حتى أدركت ، كما يقال : قد اختمر العجين ، أي بلغ إدراكه . وخمر الرأي ، أي ترك حتى يتبين فيه الوجه . وقيل : إنما سميت الخمر خمرا لأنها تخالط العقل ، من المخامرة وهي المخالطة ، ومنه قولهم : دخلت في خمار الناس ، أي اختلطت بهم . فالمعاني الثلاثة متقاربة ، فالخمر تركت وخمرت حتى أدركت ، ثم خالطت العقل ، ثم خمرته ، والأصل الستر .والخمر : ماء العنب الذي غلى أو طبخ ، وما خامر العقل من غيره فهو في حكمه ؛ لأن إجماع العلماء أن القمار كله حرام . وإنما ذكر الميسر من بينه فجعل كله قياسا على الميسر ، والميسر إنما كان قمارا في الجزر خاصة ، فكذلك كل ما كان كالخمر فهو بمنزلتها .الثانية : والجمهور من الأمة على أن ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فمحرم قليله وكثيره ، والحد في ذلك واجب . وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وجماعة من فقهاء الكوفة : ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فهو حلال ، وإذا سكر منه أحد دون أن يتعمد الوصول إلى حد السكر فلا حد عليه ، وهذا ضعيف يرده النظر والخبر ، على ما يأتي بيانه في " المائدة والنحل " إن شاء الله تعالى .الثالثة : قال بعض المفسرين : إن الله تعالى لم يدع شيئا من الكرامة والبر إلا أعطاه هذه الأمة ، ومن كرامته وإحسانه أنه لم يوجب عليهم الشرائع دفعة واحدة ، ولكن أوجب عليهم مرة بعد مرة ، فكذلك تحريم الخمر . وهذه الآية أول ما نزل في أمر الخمر ، ثم بعده : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ثم قوله : إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ثم قوله : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه على ما يأتي بيانه في " المائدة " .الرابعة : قوله تعالى : والميسر الميسر : قمار العرب بالأزلام . قال ابن عباس : ( كان الرجل في الجاهلية يخاطر الرجل على أهله وماله فأيهما قمر صاحبه ذهب بماله وأهله ) فنزلت الآية . وقال مجاهد ومحمد بن سيرين والحسن وابن المسيب وعطاء وقتادة ومعاوية بن صالح وطاوس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس أيضا : ( كل شيء فيه قمار من نرد وشطرنج فهو الميسر ، حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب ، إلا ما أبيح من الرهان في الخيل والقرعة في إفراز الحقوق ) ، على ما يأتي . وقال مالك : الميسر ميسران : ميسر اللهو ، وميسر القمار ، فمن ميسر اللهو النرد والشطرنج والملاهي كلها . وميسر القمار : ما يتخاطر الناس عليه . قال علي بن أبي طالب : الشطرنج ميسر العجم . وكل ما قومر به فهو ميسر عند مالك وغيره من العلماء . وسيأتي في " يونس " زيادة بيان لهذا الباب إن شاء الله تعالى .والميسر مأخوذ من اليسر ، وهو وجوب الشيء لصاحبه ، يقال : يسر لي كذا إذا وجب فهو ييسر يسرا وميسرا . والياسر : اللاعب بالقداح ، وقد يسر ييسر ، قال الشاعر :فأعنهم وايسر بما يسروا به وإذا هم نزلوا بضنك فانزلوقال الأزهري : الميسر : الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه ، سمي ميسرا لأنه يجزأ أجزاء ، فكأنه موضع التجزئة ، وكل شيء جزأته فقد يسرته . والياسر : الجازر ؛ لأنه يجزئ لحم الجزور . قال : وهذا الأصل في الياسر ، ثم يقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور : ياسرون ؛ لأنهم جازرون إذ كانوا سببا لذلك . وفي الصحاح : ويسر القوم الجزور أي اجتزروها واقتسموا أعضاءها . قال سحيم بن وثيل اليربوعي :أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدمكان قد وقع عليه سباء فضرب عليه بالسهام . ويقال : يسر القوم إذا قامروا . ورجل يسر وياسر بمعنى . والجمع أيسار ، قال النابغة :أني أتمم أيساري وأمنحهم مثنى الأيادي وأكسو الجفنة الأدماوقال طرفة :وهم أيسار لقمان إذا أغلت الشتوة أبداء الجزروكان من تطوع بنحرها ممدوحا عندهم ، قال الشاعر :وناجية نحرت لقوم صدق وما ناديت أيسار الجزاءالخامسة : روى مالك في الموطأ عن داود بن حصين أنه سمع سعيد بن المسيب يقول : كان من ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين ، وهذا محمول عند مالك وجمهور أصحابه في الجنس الواحد ، حيوانه بلحمه ، وهو عنده من باب المزابنة والغرر والقمار ؛ لأنه لا يدرى هل في الحيوان مثل اللحم الذي أعطى أو أقل أو أكثر ، وبيع اللحم باللحم لا يجوز متفاضلا ، فكان بيع الحيوان باللحم كبيع اللحم المغيب في جلده إذا كانا من جنس واحد ، والجنس الواحد عنده الإبل والبقر والغنم والظباء والوعول وسائر الوحوش ، وذوات الأربع المأكولات ، كلها عنده جنس واحد ، لا يجوز بيع شيء من حيوان هذا الصنف والجنس كله بشيء واحد من لحمه بوجه من الوجوه ؛ لأنه عنده من باب المزابنة ، كبيع الزبيب بالعنب والزيتون بالزيت والشيرج بالسمسم ، ونحو ذلك . والطير عنده كله جنس واحد ، وكذلك الحيتان من سمك وغيره . وروي عنه أن الجراد وحده صنف . وقال الشافعي وأصحابه والليث بن سعد : لا يجوز بيع اللحم بالحيوان على حال من الأحوال من جنس واحد كان أم من جنسين مختلفين ، على عموم الحديث . وروي عن ابن عباس ( أن جزورا نحرت على عهد أبي بكر الصديق فقسمت على عشرة أجزاء ، فقال رجل : أعطوني جزءا منها بشاة ، فقال أبو بكر : لا يصلح هذا ) . قال الشافعي : ولست أعلم لأبي بكر في ذلك مخالفا من الصحابة . قال أبو عمر : قد روي عن ابن عباس ( أنه أجاز بيع الشاة باللحم ، وليس بالقوي ) . وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كره أن يباع حي بميت ، يعني الشاة المذبوحة بالقائمة . قال سفيان : ونحن لا نرى به بأسا . قال المزني : إن لم يصح الحديث في بيع الحيوان باللحم فالقياس أنه جائز ، وإن صح بطل القياس واتبع الأثر . قال أبو عمر : وللكوفيين في أنه جائز بيع اللحم بالحيوان حجج كثيرة من جهة القياس والاعتبار ، إلا أنه إذا صح الأثر بطل القياس والنظر . وروى مالك عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان باللحم . قال أبو عمر : ولا أعلمه يتصل عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه ثابت ، وأحسن أسانيده مرسل سعيد بن المسيب على ما ذكره مالك في موطئه ، وإليه ذهب الشافعي ، وأصله أنه لا يقبل المراسيل إلا أنه زعم أنه افتقد مراسيل سعيد فوجدها أو أكثرها صحاحا . فكره بيع أنواع الحيوان بأنواع اللحوم على ظاهر الحديث وعمومه ؛ لأنه لم يأت أثر يخصه ولا إجماع . ولا يجوز عنده أن يخص النص بالقياس . والحيوان عنده اسم لكل ما يعيش في البر والماء وإن اختلفت أجناسه ، كالطعام الذي هو اسم لكل مأكول أو مشروب ، فاعلم .السادسة : قوله تعالى : قل فيهما يعني الخمر والميسر إثم كبير إثم الخمر ما يصدر عن الشارب من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش والزور ، وزوال العقل الذي يعرف به ما يجب لخالقه ، وتعطيل الصلوات والتعوق عن ذكر الله ، إلى غير ذلك . روى النسائي عن عثمان رضي الله عنه قال : اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث ، إنه كان رجل ممن كان قبلكم تعبد فعلقته امرأة غوية ، فأرسلت إليه جاريتها فقالت له : إنا ندعوك للشهادة ، فانطلق مع جاريتها فطفقت كلما دخل بابا أغلقته دونه ، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر ، فقالت : إني والله ما دعوتك للشهادة ، ولكن دعوتك لتقع علي ، أو تشرب من هذه الخمر كأسا ، أو تقتل هذا الغلام . قال : فاسقيني من هذه الخمر كأسا ، فسقته كأسا . قال : زيدوني ، فلم يرم حتى وقع عليها ، وقتل النفس ، فاجتنبوا الخمر ، فإنها والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر ، إلا ليوشك أن يخرج أحدهما صاحبه ، وذكره أبو عمر في الاستيعاب . وروي أن الأعشى لما توجه إلى المدينة ليسلم فلقيه بعض المشركين في الطريق فقالوا له : أين تذهب ؟ فأخبرهم بأنه يريد محمدا صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : لا تصل إليه ، فإنه يأمرك بالصلاة ، فقال : إن خدمة الرب واجبة . فقالوا : إنه يأمرك بإعطاء المال إلى الفقراء . فقال : اصطناع المعروف واجب . فقيل له : إنه ينهى عن الزنى . فقال : هو فحش وقبيح في العقل ، وقد صرت شيخا فلا أحتاج إليه . فقيل له : إنه ينهى عن شرب الخمر . فقال : أما هذا فإني لا أصبر عليه! فرجع ، وقال : أشرب الخمر سنة ثم أرجع إليه ، فلم يصل إلى منزله حتى سقط عن البعير فانكسرت عنقه فمات . وكان قيس بن عاصم المنقري شرابا لها في الجاهلية ثم حرمها على نفسه ، وكان سبب ذلك أنه غمز عكنة ابنته وهو سكران ، وسب أبويه ، ورأى القمر فتكلم بشيء ، وأعطى الخمار كثيرا من ماله ، فلما أفاق أخبر بذلك فحرمها على نفسه ، وفيها يقول :رأيت الخمر صالحة وفيها خصال تفسد الرجل الحليمافلا والله أشربها صحيحا ولا أشفى بها أبدا سقيماولا أعطي بها ثمنا حياتي ولا أدعو لها أبدا نديمافإن الخمر تفضح شاربيها وتجنيهم بها الأمر العظيماقال أبو عمر : وروى ابن الأعرابي عن المفضل الضبي أن هذه الأبيات لأبي محجن الثقفي قالها في تركه الخمر ، وهو القائل رضي الله عنه :إذا مت فادفني إلى جنب كرمة تروي عظامي بعد موتي عروقهاولا تدفنني بالفلاة فإنني أخاف إذا ما مت أن لا أذوقهاوجلده عمر الحد عليها مرارا ، ونفاه إلى جزيرة في البحر ، فلحق بسعد فكتب إليه عمر أن يحبسه ، فحبسه ، وكان أحد الشجعان البهم ، فلما كان من أمره في حرب القادسية ما هو معروف حل قيوده وقال : لا نجلدك على الخمر أبدا . قال أبو محجن : وأنا والله لا أشربها أبدا ، فلم يشربها بعد ذلك . وفي رواية : قد كنت أشربها إذ يقام علي الحد وأطهر منها ، وأما إذا بهرجتني فوالله لا أشربها أبدا . وذكر الهيثم بن عدي أنه أخبره من رأى قبر أبي محجن بأذربيجان ، أو قال : في نواحي جرجان ، وقد نبتت عليه ثلاث أصول كرم وقد طالت وأثمرت ، وهي معروشة على قبره ، ومكتوب على القبر " هذا قبر أبي محجن " قال : فجعلت أتعجب وأذكر قوله :إذا مت فادفني إلى جنب كرمةثم إن الشارب يصير ضحكة للعقلاء ، فيلعب ببوله وعذرته ، وربما يمسح وجهه ، حتى رئي بعضهم يمسح وجهه ببوله ويقول : اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ورئي بعضهم والكلب يلحس وجهه وهو يقول له : أكرمك الله . وأما القمار فيورث العداوة والبغضاء ؛ لأنه أكل مال الغير بالباطل .السابعة : قوله تعالى : ومنافع للناس أما في الخمر فربح التجارة ، فإنهم كانوا يجلبونها من الشام برخص فيبيعونها في الحجاز بربح ، وكانوا لا يرون المماسكة فيها ، فيشتري طالب الخمر الخمر بالثمن الغالي . هذا أصح ما قيل في منفعتها ، وقد قيل في منافعها : إنها تهضم الطعام ، وتقوي الضعف ، وتعين على الباه ، وتسخي البخيل ، وتشجع الجبان ، وتصفي اللون ، إلى غير ذلك من اللذة بها . وقد قال حسان بن ثابت رضي الله عنه :ونشربها فتتركنا ملوكا وأسدا ما ينهنهنا اللقاءإلى غير ذلك من أفراحها . وقال آخر :فإذا شربت فإنني رب الخورنق والسديروإذا صحوت فإنني رب الشويهة والبعيرومنفعة الميسر مصير الشيء إلى الإنسان في القمار بغير كد ولا تعب ، فكانوا يشترون الجزور ويضربون بسهامهم ، فمن خرج سهمه أخذ نصيبه من اللحم ولا يكون عليه من الثمن شيء ، ومن بقي سهمه آخرا كان عليه ثمن الجزور كله ولا يكون له من اللحم شيء . وقيل : منفعته التوسعة على المحاويج ، فإن من قمر منهم كان لا يأكل من الجزور وكان يفرقه في المحتاجين .وسهام الميسر أحد عشر سهما ، منها سبعة لها حظوظ وفيها فروض على عدد الحظوظ ، وهي : " الفذ " وفيه علامة واحدة له نصيب وعليه نصيب إن خاب . الثاني : " التوأم " وفيه علامتان وله وعليه نصيبان . الثالث : " الرقيب " وفيه ثلاث علامات على ما ذكرنا . الرابع : " الحلس " وله أربع . الخامس : " النافز " والنافس أيضا وله خمس . السادس : " المسبل " وله ست . السابع : " المعلى " وله سبع . فذلك ثمانية وعشرون فرضا ، وأنصباء الجزور كذلك في قول الأصمعي . وبقي من السهام أربعة ، وهي الأغفال لا فروض لها ولا أنصباء ، وهي : " المصدر " و " المضعف " و " المنيح " و " السفيح " . وقيل : الباقية الأغفال الثلاثة : " السفيح " و " المنيح " و " الوغد " تزاد هذه الثلاثة لتكثر السهام على الذي يجيلها فلا يجد إلى الميل مع أحد سبيلا . ويسمى المجيل المفيض والضارب والضريب والجمع الضرباء . وقيل : يجعل خلفه رقيب لئلا يحابي أحدا ، ثم يجثو الضريب على ركبتيه ، ويلتحف بثوب ويخرج رأسه ويدخل يده في الربابة فيخرج . وكانت عادة العرب أن تضرب الجزور بهذه السهام في الشتوة وضيق الوقت وكلب البرد على الفقراء ، يشترى الجزور ويضمن الأيسار ثمنها ويرضى صاحبها من حقه ، وكانوا يفتخرون بذلك ويذمون من لم يفعل ذلك منهم ، ويسمونه " البرم " قال متمم بن نويرة :ولا برما تهدي النساء لعرسه إذا القشع من برد الشتاء تقعقعاثم تنحر وتقسم على عشرة أقسام . قال ابن عطية : وأخطأ الأصمعي في قسمة الجزور ، فذكر أنها على قدر حظوظ السهام ثمانية وعشرون قسما ، وليس كذلك ، ثم يضرب على العشرة فمن فاز سهمه بأن يخرج من الربابة متقدما أخذ أنصباءه وأعطاها الفقراء . والربابة ( بكسر الراء ) : شبيهة بالكنانة تجمع فيها سهام الميسر ، وربما سموا جميع السهام ربابة ، قال أبو ذؤيب يصف الحمار وأتنه :وكأنهن ربابة وكأنه يسر يفيض على القداح ويصدعوالربابة أيضا : العهد والميثاق ، قال الشاعر ( علقمة بن عبدة ) :وكنت امرأ أفضت إليك ربابتي وقبلك ربتني فضعت ربوبوفي أحيان ربما تقامروا لأنفسهم ثم يغرم الثمن من لم يفز سهمه ، كما تقدم . ويعيش بهذه السيرة فقراء الحي ، ومنه قول الأعشى :المطعمو الضيف إذا ما شتوا والجاعلو القوت على الياسرومنه قول الآخر :بأيديهم مقرومة ومغالق يعود بأرزاق العفاة منيحهاو " المنيح " في هذا البيت المستمنح ؛ لأنهم كانوا يستعيرون السهم الذي قد املس وكثر فوزه ، فذلك المنيح الممدوح . وأما المنيح الذي هو أحد الأغفال فذلك إنما يوصف بالكر ، وإياه أراد الأخطل بقوله :ولقد عطفن على فزارة عطفة كر المنيح وجلن ثم مجالاوفي الصحاح : " والمنيح سهم من سهام الميسر مما لا نصيب له إلا أن يمنح صاحبه شيئا " . ومن الميسر قول لبيد :إذا يسروا لم يورث اليسر بينهم فواحش ينعى ذكرها بالمصايففهذا كله نفع الميسر ، إلا أنه أكل المال بالباطل .الثامنة : قوله تعالى : وإثمهما أكبر من نفعهما أعلم الله جل وعز أن الإثم أكبر من النفع ، وأعود بالضرر في الآخرة ، فالإثم الكبير بعد التحريم ، والمنافع قبل التحريم . وقرأ حمزة والكسائي " كثير " بالثاء المثلثة ، وحجتهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الخمر ولعن معها عشرة : بائعها ومبتاعها والمشتراة له وعاصرها والمعصورة له وساقيها وشاربها وحاملها والمحمولة له وآكل ثمنها . وأيضا فجمع المنافع يحسن معه جمع الآثام . و " كثير " بالثاء المثلثة يعطي ذلك . وقرأ باقي القراء وجمهور الناس كبير بالباء الموحدة ، وحجتهم أن الذنب في القمار وشرب الخمر من الكبائر ، فوصفه بالكبير أليق . وأيضا فاتفاقهم على أكبر حجة ل كبير بالباء بواحدة . وأجمعوا على رفض " أكثر " بالثاء المثلثة ، إلا في مصحف عبد الله بن مسعود فإن فيه " قل فيهما إثم كثير " " وإثمهما أكثر " بالثاء مثلثة في الحرفين .التاسعة : قال قوم من أهل النظر : حرمت الخمر بهذه الآية ؛ لأن الله تعالى قد قال : قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم ، فأخبر في هذه الآية أن فيها إثما فهو حرام . قال ابن عطية : ليس هذا النظر بجيد ؛ لأن الإثم الذي فيها هو الحرام ، لا هي بعينها على ما يقتضيه هذا النظر .قلت : وقال بعضهم : في هذه الآية ما دل على تحريم الخمر لأنه سماه إثما ، وقد حرم الإثم في آية أخرى ، وهو قوله عز وجل : قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم وقال بعضهم : الإثم أراد به الخمر ، بدليل قول الشاعر :شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم يذهب بالعقولقلت : وهذا أيضا ليس بجيد ؛ لأن الله تعالى لم يسم الخمر إثما في هذه الآية ، وإنما قال : قل فيهما إثم كبير ولم يقل : قل هما إثم كبير . وأما آية " الأعراف " وبيت الشعر فيأتي الكلام فيهما هناك مبينا ، إن شاء الله تعالى . وقد قال قتادة : إنما في هذه الآية ذم الخمر ، فأما التحريم فيعلم بآية أخرى وهي آية " المائدة " وعلى هذا أكثر المفسرين .قوله تعالى : ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون فيه ثلاث مسائل : الأولى : قوله تعالى : قل العفو قراءة الجمهور بالنصب . وقرأ أبو عمرو وحده بالرفع . واختلف فيه عن ابن كثير . وبالرفع قراءة الحسن وقتادة وابن أبي إسحاق . قال النحاس وغيره : إن جعلت " ذا " بمعنى الذي كان الاختيار الرفع ، على معنى : الذي ينفقون هو العفو ، وجاز النصب . وإن جعلت " ما " و " ذا " شيئا واحدا كان الاختيار النصب ، على معنى : قل ينفقون العفو ، وجاز الرفع . وحكى النحويون : ماذا تعلمت : أنحوا أم شعرا ؟ بالنصب والرفع ، على أنهما جيدان حسنان ، إلا أن التفسير في الآية على النصب .الثانية : قال العلماء : لما كان السؤال في الآية المتقدمة في قوله تعالى : ويسألونك ماذا ينفقون سؤالا عن النفقة إلى من تصرف ، كما بيناه ودل عليه الجواب ، والجواب خرج على وفق السؤال ، كان السؤال الثاني في هذه الآية عن قدر الإنفاق ، وهو في شأن عمرو بن الجموح - كما تقدم - فإنه لما نزل قل ما أنفقتم من خير فللوالدين ، قال : كم أنفق ؟ فنزل : قل العفو والعفو : ما سهل وتيسر وفضل ، ولم يشق على القلب إخراجه ، ومنه قول الشاعر :خذي العفو مني تستديمي مودتي ولا تنطقي في سورتي حين أغضبفالمعنى : أنفقوا ما فضل عن حوائجكم ، ولم تؤذوا فيه أنفسكم فتكونوا عالة ، هذا أولى ما قيل في تأويل الآية ، وهو معنى قول الحسن وقتادة وعطاء والسدي والقرظي محمد بن كعب وابن أبي ليلى وغيرهم ، قالوا : ( العفو ما فضل عن العيال ) ، ونحوه عن ابن عباس وقال مجاهد : صدقة عن ظهر غنى ، وكذا قال عليه السلام : خير الصدقة ما أنفقت عن غنى وفي حديث آخر : خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى . وقال قيس بن سعد : هذه الزكاة المفروضة . وقال جمهور العلماء : بل هي نفقات التطوع . وقيل : هي منسوخة . وقال الكلبي : كان الرجل بعد نزول هذه الآية إذا كان له مال من ذهب أو فضة أو زرع أو ضرع نظر إلى ما يكفيه وعياله لنفقة سنة أمسكه وتصدق بسائره ، وإن كان ممن يعمل بيده أمسك ما يكفيه وعياله يوما وتصدق بالباقي ، حتى نزلت آية الزكاة المفروضة فنسخت هذه الآية وكل صدقة أمروا بها . وقال قوم : هي محكمة ، وفي المال حق سوى الزكاة . والظاهر يدل على القول الأول .الثالثة : قوله تعالى : كذلك يبين الله لكم الآيات قال المفضل بن سلمة : أي في أمر النفقة . لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة فتحبسون من أموالكم ما يصلحكم في معاش الدنيا وتنفقون الباقي فيما ينفعكم في العقبى . وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، أي كذلك يبين الله لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون في الدنيا وزوالها وفنائها فتزهدون فيها ، وفي إقبال الآخرة وبقائها فترغبون فيها .
تفسير الطبرييسألونك عن الخمر والميسرالقول في تأويل قوله تعالى : يسألونك عن الخمر والميسر يعني بذلك جل ثناؤه : يسألك أصحابك يا محمد عن الخمر وشربها . والخمر : كل شراب خامر العقل فستره وغطى عليه , وهو من قول القائل : خمرت الإناء إذا غطيته , وخمر الرجل : إذا دخل في الخمر , ويقال , هو في خمار الناس وغمارهم , يراد به : دخل في عرض الناس , ويقال للضبع خامري أم عامر , أي استتري . وما خامر العقل من داء وسكر فخالطه وغمره فهو خمر , ومن ذلك أيضا خمار المرأة وذلك لأنها تستر به رأسها فتغطيه , ومنه يقال : هو يمشي لك الخمر , أي مستخفيا . كما قال العجاج : في لامع العقبان لا يأتي الخمر يوجه الأرض ويستاق الشجر ويعني بقوله : لا يأتي الخمر : لا يأتي مستخفيا ولا مسارقة ولكن ظاهرا برايات وجيوش ; والعقبان جمع عقاب , وهي الرايات . وأما " الميسر " فإنها " المفعل " من قول القائل : يسر لي هذا الأمر : إذا وجب لي فهو ييسر لي يسرا وميسرا , والياسر : الواجب , بقداح وجب ذلك أو مباحه أو غير ذلك , ثم قيل للمقامر : ياسر , ويسر كما قال الشاعر : فبت كأنني يسر غبين يقلب بعدما اختلع القداحا وكما قال النابغة : أو ياسر ذهب القداح بوفره أسف تأكله الصديق مخلع يعني بالياسر : المقامر , وقيل للقمار : ميسر , وكان مجاهد يقول نحو ما قلنا في ذلك . 3275 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله : يسألونك عن الخمر والميسر قال : القمار , وإنما سمي الميسر لقولهم أيسروا واجزروا , كقولك ضع كذا وكذا . 3276 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال ثنا سفيان , عن ليث , عن مجاهد , قال : كل القمار من الميسر , حتى لعب الصبيان بالجوز . 3277 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن عبد الملك بن عمير , عن أبي الأحوص , قال : قال عبد الله : إياكم وهذم الكعاب الموسومة التي تزجرون بها زجرا فإنهن من الميسر . 3278 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن عبد الملك بن عمير , عن أبي الأحوص , مثله . * - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن نافع , قال : ثنا شعبة , عن يزيد بن أبي زياد , عن أبي الأحوص , عن عبد الله أنه قال : إياكم وهذه الكعاب التي تزجرون بها زجرا , فإنها من الميسر . 3279 - حدثني علي بن سعيد الكندي , قال : ثنا علي بن مسهر , عن عاصم , عن محمد بن سيرين , قال : القمار : ميسر . * - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو عامر , قال : ثنا سفيان , عن عاصم الأحول , عن محمد بن سيرين , قال : كل شيء له خطر , أو في خطر - أبو عامر شك - فهو من الميسر . * - حدثنا الوليد بن شجاع أبو همام , قال : ثنا علي بن مسهر , عن عاصم , عن محمد بن سيرين , قال : كل قمار ميسر حتى اللعب بالنرد على القيام والصياح والريشة يجعلها الرجل في رأسه . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن عاصم , عن ابن سيرين , قال : كل لعب فيه قمار من شرب أو صياح أو قيام فهو من الميسر . 3280 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا خالد بن الحارث , قال : ثنا الأشعث , عن الحسن , أنه قال : الميسر : القمار . 3281 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا المعتمر , عن ليث , عن طاوس وعطاء قالا : كل قمار فهو من الميسر , حتى لعب الصبيان بالكعاب والجوز . 3282 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عمرو , عن عطاء , عن سعيد , قال : الميسر : القمار . 3283 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عبد الملك بن عمير , عن أبي الأحوص , عن عبيد الله قال : إياكم وهاتين الكعبتين يزجر بهما زجرا فإنهما من الميسر . 3284 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن ابن عروبة , عن قتادة قال : أما قوله والميسر , فهو القمار كله . 3285 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم , عن عبيد الله بن عمر أنه سمع عمر بن عبيد الله يقول للقاسم بن محمد : النرد : ميسر , أرأيت الشطرنج ميسر هو ؟ فقال القاسم : كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة , فهو ميسر . 3286 - حدثني علي بن داود , قال : قال ثنا أبو صالح , قال : ثنى معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قال : الميسر : القمار , كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله , فأيهما قمر صاحبه ذهب بأهله وماله . 3287 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : الميسر القمار . * - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة , قال : الميسر القمار . 3288 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن الليث , عن مجاهد وسعيد بن جبير , قالا : الميسر : القمار كله , حتى الجوز الذي يلعب به الصبيان . 3289 - حدثت عن الحسين , قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد , قال : سمعت عبيد بن سليمان يحدث عن الضحاك قوله : الميسر : قال : القمار . * - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : الميسر القمار . 3290 - حدثنا المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا أبو بدر شجاع بن الوليد , قال : ثنا موسى بن عقبة , عن نافع أن ابن عمر كان يقول : القمار من الميسر . 3291 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد , قال : الميسر قداح العرب , وكعاب فارس , قال : وقال ابن جريج , وزعم عطاء بن ميسرة أن الميسر : القمار كله . 3292 - حدثنا ابن البرقي , قال : ثنا عمرو بن أبي سلمة , عن سعيد بن عبد العزيز , قال : قال مكحول : الميسر : القمار . * - حدثنا الحسن بن محمد الذارع , قال : ثنا الفضل بن سليمان وشجاع بن الوليد , عن موسى بن عقبة , عن نافع , عن ابن عمر , قال : الميسر : القمار .قل فيهما إثم كبيروأما قوله : قل فيهما إثم كبير فإنه يعني بذلك جل ثناؤه : قل يا محمد لهم فيهما , يعني في الخمر والميسر إثم كبير . فالإثم الكبير الذي فيهما ما ذكر عن السدي فيما : 3293 - حدثني به موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي : أما قوله : فيهما إثم كبير فإثم الخمر أن الرجل يشرب فيسكر فيؤذي الناس . وإثم الميسر أن يقامر الرجل فيمنع الحق ويظلم . 3294 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : قل فيهما إثم كبير قال : هذا أول ما عيبت به الخمر . 3295 - حدثني علي بن داود , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس قوله : قل فيهما إثم كبير يعني ما ينقص من الدين عند من يشربها . والذي هو أولى بتأويل الآية , الإثم الكبير الذي ذكر الله جل ثناؤه أنه في الخمر والميسر , في الخمر ما قاله السدي زوال عقل شارب الخمر إذا سكر من شربه إياها حتى يعزب عنه معرفة ربه , وذلك أعظم الآثام , وذلك معنى قول ابن عباس إن شاء الله . وأما في الميسر فما فيه من الشغل به عن ذكر الله , وعن الصلاة , ووقوع العداوة والبغضاء بين المتياسرين بسببه , كما وصف ذلك به ربنا جل ثناؤه بقوله : إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة 5 91ومنافع للناسوأما قوله : ومنافع للناس فإن منافع الخمر كانت أثمانها قبل تحريمها , وما يصلون إليه بشربها من اللذة , كما قال الأعشى في صفتها . لنا من ضحاها خبث نفس وكأبة وذكرى هموم ما تفك أذاتها وعند العشاء طيب نفس ولذة ومال كثير عدة نشواتها وكما قال حسان : فنشربها فتتركنا ملوكا وأسدا ما ينهنهنا اللقاء وأما منافع الميسر فما مصيبون فيه من أنصباء الجزور , وذلك أنهم كانوا يياسرون على الجزور , وإذا أفلج الرجل منهم صاحبه نحره , ثم أقتسموا أعشارا على عدد القداح , وفي ذلك يقول أعشى بني ثعلبة . وجزور أيسار دعوت إلى الندى ونياط مقفرة أخاف ضلالها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 3296 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال : المنافع ههنا ما يصيبون من الجزور . 3297 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط عن السدي : أما منافعهما فإن منفعة الخمر في لذته وثمنه , ومنفعة الميسر فيما يصاب من القمار . 3298 - حدثنا أبو هشام الرفاعي , قال : ثنا ابن أبي زائدة , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس قال : منافعهما قبل أن يحرما . 3299 - حدثنا علي بن داود , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس : ومنافع للناس قال : يقول فيما يصيبون من لذتها وفرحها إذا شربوها . واختلف القراء في قراءة ذلك , فقرأه معظم أهل المدينة وبعض الكوفيين والبصريين قل فيهما إثم كبير بالباء , بمعنى : قل في شرب هذه والقمار هذا كبير من الآثام . وقرأه آخرون من أهل المصرين , البصرة والكوفة : " قل فيهما إثم كبير " بمعنى الكثرة من الآثام , وكأنهم رأوا أن الإثم بمعنى الآثام , وإن كان في اللفظ واحدا فوصفوه بمعناه من الكثرة . وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأه بالباء قل فيهما إثم كبير لإجماع جميعهم على قوله : وإثمهما أكبر من نفعهما وقراءته بالباء ; وفي ذلك دلالة بينة على أن الذي وصف به الإثم الأول من ذلك هو العظم والكبر , لا الكثرة في العدد . ولو كان الذي وصف به من ذلك الكثرة , لقيل وإثمهما أكثر من نفعهما .وإثمهما أكبر من نفعهماالقول في تأويل قوله تعالى : وإثمهما أكبر من نفعهما يعني بذلك عز ذكره : والإثم بشرب هذه والقمار هذا , أعظم وأكبر مضرة عليهم من النفع الذي يتناولون بهما . وإنما كان ذلك كذلك , لأنهم كانوا إذا سكروا وثب بعضهم على بعض وقاتل بعضهم بعضا , وإذا ياسروا وقع بينهم فيه بسببه الشر , فأداهم ذلك إلى ما يأثمون به . ونزلت هذه الآية في الخمر قبل أن يصرح بتحريمها , فأضاف الإثم جل ثناؤه إليهما , وإنما الإثم بأسبابهما , إذ كان عن سببهما يحدث . وقد قال عدد من أهل التأويل : معنى ذلك وإثمهما بعد تحريمهما أكبر من نفعهما قبل تحريمهما . ذكر من قال ذلك : 3300 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : وإثمهما أكبر من نفعهما قال : منافعهما قبل التحريم , وإثمهما بعدما حرما . 3301 - حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه عن الربيع : ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ينزل المنافع قبل التحريم , والإثم بعد ما حرم . 3302 - حدثت عن الحسين , قال : سمعت أبا معاذ , قال : أخبرني عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وإثمهما أكبر من نفعهما يقول : إثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما قبل التحريم . 3303 - حدثني علي بن داود , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس قوله : وإثمهما أكبر من نفعهما يقوله : ما يذهب من الدين والإثم فيه أكبر مما يصيبون في فرحها إذا شربوها . وإنما اخترنا ما قلنا في ذلك من التأويل لتواتر الأخبار وتظاهرها بأن هذه نزلت قبل تحريم الخمر والميسر , فكان معلوما بذلك أن الإثم الذي ذكر الله في هذه الآية فأضافه إليهما إنما عنى به الإثم الذي يحدث عن أسبابهما على ما وصفنا , لا الإثم بعد التحريم . ذكر الأخبار الدالة على ما قلنا من أن هذه الآية نزلت قبل تحريم الخمر : 3304 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا قيس , عن سالم , عن سعيد بن جبير , قال : لما نزلت : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيها إثم كبير ومنافع للناس فكرهها قوم لقوله : فيها إثم كبير وشربها قوم لقوله : ومنافع للناس حتى نزلت : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون 4 43 قال : فكانوا يدعونها في حين الصلاة ويشربونها في غير حين الصلاة , حتى نزلت : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه 5 90 فقال عمر : ضيعة لك ! اليوم قرنت بالميسر . 3305 - حدثني محمد بن معمر , قال : ثنا أبو عامر , قال : ثنا محمد بن أبي حميد , عن أبي توبة المصري , قال : سمعت عبد الله بن عمر يقول : أنزل الله عز وجل في الخمر ثلاثا , فكان أول ما أنزل : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير الآية , فقالوا : يا رسول الله ننتفع بها ونشربها , كما قال الله جل وعز في كتابه . ثم نزلت هذه الآية : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى 4 43 الآية , قالوا : يا رسول الله لا نشربها عند قرب الصلاة قال : ثم نزلت : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه 5 90 الآية , قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حرمت الخمر " . 3306 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا الحسين , عن يزيد النحوي , عن عكرمة والحسن قالا : قال الله : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون 4 43 و يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما فنسختها الآية التي في المائدة , فقال : يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر 5 90 الآية . 3307 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا عوف , عن أبي القموص زيد بن علي , قال : أنزل الله عز وجل في الخمر ثلاث مرات ; فأول ما أنزل قال الله : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما قال : فشربها من المسلمين من شاء الله منهم على ذلك , حتى شرب رجلان , فدخلا في الصلاة , فجعلا يهجران كلاما لا يدري عوف ما هو , فأنزل الله عز وجل فيهما : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون فشربها من شربها منهم , وجعلوا يتقونها عند الصلاة , حتى شربها - فيما زعم أبو القميص - رجل , فجعل ينوح على قتلى بدر : تحيي بالسلامة أم عمرو وهل لك بعد رهطك من سلام ذريني أصطبح بكرا فإني رأيت الموت نقب عن هشام وود بنو المغيرة لو فدوه بألف من رجال أو سوام كأي بالطوي طوي بدر من الشيزى يكلل بالسنام كأي بالطوي طوي بدر من الفتيان والحلل الكرام قال : فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم , فجاء فزعا يجر رداءه من الفزع حتى انتهى إليه , فلما عاينه الرجل , فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا كان بيده ليضربه , قال : أعوذ بالله من غضب الله ورسوله , والله لا أطعمها أبدا ! فأنزل الله تحريمها : يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس . . إلى قوله : فهل أنتم منتهون 5 90 : 91 فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : انتهينا انتهينا . 3308 - حدثنا سفيان بن وكيع , قال : ثنا إسحاق الأزرق , عن زكريا عن سماك , عن الشعبي , قال : نزلت في الخمر أربع آيات : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس فتركوها , ثم نزلت : تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا 16 67 فشربوها . ثم نزلت الآيتان في المائدة إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام إلى قوله : فهل أنتم منتهون 5 90 : 91 3309 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : نزلت هذه الآية : يسألونك عن الخمر والميسر الآية , فلم يزالوا بذلك يشربونها , حتى صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما , فدعا ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم علي بن أبي طالب , فقرأ : قل يا أيها الكافرون ولم يفهمها , فأنزل الله عز وجل يشدد في الخمر : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون 4 43 فكانت لهم حلالا , يشربون من صلاة الفجر حتى يرتفع النهار أو ينتصف , فيقومون إلى صلاة الظهر وهم مصحون , ثم لا يشربونها حتى يصلوا العتمة وهي العشاء , ثم يشربونها حتى ينتصف الليل وينامون , ثم يقومون إلى صلاة الفجر وقد صحوا . فلم يزالوا بذلك يشربونها , حتى صنع سعد بن أبي وقاص طعاما فدعا ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم رجل من الأنصار , فشوى لهم رأس بعير ثم دعاهم عليه , فلما أكلوا وشربوا من الخمر سكروا وأخذوا في الحديث , فتكلم سعد بشيء , فغضب الأنصاري , فرفع لحي البعير فكسر أنف سعد , فأنزل الله نسخ الخمر وتحريمها وقال : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام إلى قوله : فهل أنتم منتهون 5 90 : 91 3310 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة , وعن رجل عن مجاهد في قوله : يسألونك عن الخمر والميسر قال : لما نزلت هذه الآية شربها بعض الناس وتركها بعض , حتى نزل تحريمها في سورة المائدة . 3311 - حدثنا محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : قل فيهما إثم كبير قال : هذا أول ما عيبت به الخمر . 3312 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس فذمهما الله ولم يحرمهما لما أراد أن يبلغ بهما من المدة والأجل , ثم أنزل الله في سورة النساء أشد منها : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون 4 43 فكانوا يشربونها , حتى إذا حضرت الصلاة سكتوا عنها , فكان السكر عليهم حراما . ثم أنزل الله جل وعز في سورة المائدة بعد غزوة الأحزاب : يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر إلى : لعلكم تفلحون 5 90 : 91 فجاء تحريمها في هذه الآية قليلها وكثيرها , ما أسكر منها وما لم يسكر , وليس للعرب يومئذ عيش أعجب إليهم منها . 3313 - وحدثت عن عمار بن الحسن , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع قوله : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما قال : لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن ربكم يقدم في تحريم الخمر " , قال : ثم نزلت : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون 4 43 قال النبي : وإن ربكم يقدم في تحريم الخمر " , قال : ثم نزلت : يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه 5 90 فحرمت الخمر عند ذلك . 3314 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : يسألونك عن الخمر والميسر الآية كلها , قال : نسخت ثلاثة في سورة المائدة , وبالحد الذي حد النبي صلى الله عليه وسلم , وضرب النبي صلى الله عليه وسلم , قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يضربهم بذلك حدا , ولكنه كان يعمل في ذلك برأيه , ولم يكن حدا مسمى وهو حد . وقرأ : إنما الخمر والميسر 5 90 الآية .ويسألونك ماذا ينفقون قل العفوالقول في تأويل قوله تعالى : ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو يعني جل ذكره بذلك : ويسألك يا محمد أصحابك : أي شيء ينفقون من أموالهم فيتصدقون به , فقل لهم يا محمد أنفقوا منها العفو . واختلف أهل التأويل في معنى : العفو في هذا الموضع , فقال بعضهم . معناه : الفضل . ذكر من قال ذلك : 3315 - حدثنا عمرو بن علي الباهلي , قال : ثنا وكيع ح , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن ابن أبي ليلى , عن الحكم , عن مقسم , عن ابن عباس قال : العفو : ما فضل عن هلك . 3316 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : قل العفو : أي الفضل . * - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال , أخبرنا معمر , عن قتادة , قال : هو الفضل . 3317 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عبد الملك , عن عطاء في قوله : العفو , قال : الفضل . 3318 - حدثنا موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : العفو , يقول : الفضل . 3319 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو قال : كان القوم يعملون في كل يوم بما فيه , فإن فضل ذلك اليوم فضل عن العيال قدموه ولا يتركون عيالهم جوعا , ويتصدقون به على الناس . 3320 - حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا يونس , عن الحسن في قوله : ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو قال : هو الفضل فضل المال . وقال آخرون : معنى ذلك ما كان عفوا لا يبين على من أنفقه أو تصدق به . ذكر من قال ذلك : 3321 - حدثني علي بن داود , قال : ثنا عبد الله بن صالح قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي , عن ابن عباس : ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو يقول : ما لا يتبين في أموالكم . 3322 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن جريج , عن طاوس في قول الله جل وعز : ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو قال : اليسير من كل شيء . وقال آخرون : معنى ذلك : الوسط من النفقة ما لم يكن إسرافا ولا إقتارا . ذكر من قال ذلك : 3323 - حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع , قال : ثنا بشر بن المفضل , عن عوف , عن الحسن في قوله : ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو يقول : لا تجهد مالك حتى ينفد للناس . 3324 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قال : سألت عطاء , عن قوله : يسألونك ماذا ينفقون قل العفو قال : العفو في النفقة أن لا تجهد مالك حتى ينفد , فتسأل الناس 3325 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا حجاج عن ابن جريج , قال : سألت عطاء , عن قوله يسألونك ماذا ينفقون قل العفو قال : العفو : ما لم يسرفوا , ولم يقتروا في الحق , قال : وقال مجاهد : العفو صدقة عن ظهر غنى . * - حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا يحيى بن سعيد , قال : ثنا عوف , عن الحسن في قوله : ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو قال : هو أن لا تجهد مالك . وقال آخرون : معنى ذلك قل العفو خذ منهم ما أتوك به من شيء قليلا أو كثيرا . ذكر من قال ذلك : 3326 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو يقول : ما أتوك به من شيء قليل أو كثير , فاقبله منهم . وقال آخرون : معنى ذلك ما طاب من أموالكم . ذكر من قال ذلك : 3327 - حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع قوله : يسألونك ماذا ينفقون قل العفو قال : يقول الطيب منه , يقول : أفضل مالك وأطيبه . 3328 - حدثت عن عمار بن الحسن قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن قتادة , قال : كان يقول : العفو : الفضل . يقول أفضل مالك . وقال آخرون : معنى ذلك الصدقة المفروضة . ذكر من قال ذلك : 3329 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن قيس بن سعد , أو عيسى عن قيس , عن مجاهد - شك أبو عاصم - قول الله جل وعز : قل العفو قال : الصدقة المفروضة . وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال : معنى العفو : الفضل من مال الرجل عن نفسه وأهله في مئونتهم وما لا بد لهم منه . وذلك هو الفضل الذي تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإذن في الصدقة , وصدقته في وجه البر . ذكر بعض الأخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك : 3330 - حدثنا علي بن مسلم , قال : ثنا أبو عاصم , عن ابن عجلان , عن المقبري , عن أبي هريرة , قال : قال رجل يا رسول الله عندي دينار ! قال : " أنفقه على نفسك ؟ " قال : عندي آخر ! قال : " أنفقه على أهلك ! " قال : عندي آخر ! قال : " أنفقه على ولدك ! " قال : عندي آخر ! قال : " فأنت أبصر " . 3331 - حدثني محمد بن معمر البحراني , قال : ثنا روح بن عبادة , قال : ثنا ابن جريج , قال أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا كان أحدكم فقيرا فليبدأ بنفسه , فإن كان لا فضل فليبدأ مع نفسه بمن يعول , ثم إن وجد فضلا بعد ذلك فليتصدق على غيرهم " . 3332 - حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا يزيد بن هارون , قال : ثنا محمد بن إسحاق , عن عاصم , عن عمر بن قتادة , عن محمود بن لبيد عن جابر بن عبد الله , قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل ببيضة من ذهب أصابها في بعض المعادن , فقال : يا رسول الله , خذ هذه مني صدقة , فوالله ما أصبحت أملك غيرها ! فأعرض عنه , فأتاه من ركنه الأيمن , فقال له مثل ذلك , فأعرض عنه . ثم قال له مثل ذلك فأعرض عنه . ثم قال له مثل ذلك , فقال : " هاتها ! " مغضبا , فأخذها فحذفه بها حذفة لو أصابه شجه أو عقره , ثم قال : " يجيء أحدكم بماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس ! إنما الصدقة عن ظهر غنى " . 3333 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن إبراهيم المخرمي , قال : سمعت أبا الأحوص يحدث عن عبد الله , عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ارضخ من الفضل , وابدأ بمن تعول , ولا تلام على كفاف " . وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول باستقصاء ذكرها الكتاب . فإذا كان الذي أذن صلى الله عليه وسلم لأمته الصدقة من أموالهم بالفضل عن حاجة المتصدق الفضل من ذلك , هو العفو من مال الرجل ; إذ كان العفو في كلام العرب في المال وفي كل شيء هو الزيادة والكثرة , ومن ذلك قوله جل ثناؤه : حتى عفوا 7 95 بمعنى : زادوا على ما كانوا عليه من العدد وكثروا , ومنه قول الشاعر : ولكنا يعض السيف منا بأسوق عافيات الشحم كوم يعني به كثيرات الشحوم . ومن ذلك قيل للرجل : خذ ما عفا لك من فلان , يراد به : ما فضل فصفا لك عن جهده بما لم تجهده . كان بينا أن الذي أذن الله به في قوله قل العفو لعباده من النفقة , فأذنهم بإنفاقه إذا أرادوا إنفاقه هو الذي بين لأمته رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " خير الصدقة ما أنفقت عن غنى " وأذنهم به . فإن قال لنا قائل : وما تنكر أن يكون ذلك العفو هو الصدقة المفروضة ؟ قيل : أنكرت ذلك لقيام الحجة على أن من حلت في ماله الزكاة المفروضة , فهلك جميع ماله إلا قدر الذي لزم ماله لأهل سهمان الصدقة , أن عليه أن يسلمه إليهم , إذا كان هلاك ماله بعد تفريطه في أداء الواجب كان لهم [ في ] ماله إليهم , وذلك لا شك أنه جهده إذا سلمه إليهم لا عفوه , وفي تسمية الله جل ثناؤه ما علم عباده وجه إنفاقهم من أموالهم عفوا , ما يبطل أن يكون مستحقا اسم جهد في حالة , وإذا كان ذلك كذلك فبين فساد قول من زعم أن معنى العفو هو ما أخرجه رب المال إلى إمامه , فأعطاه كائنا ما كان من قليل ماله وكثيره , وقول من زعم أنه الصدقة المفروضة . وكذلك أيضا لا وجه لقول من يقول : إن معناه ما لم يتبين في أموالكم , لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له أبو لبابة : إن من توبتي أن أنخلع إلى الله ورسوله من مالي صدقة , قال النبي صلى الله عليه وسلم : " يكفيك من ذلك الثلث " وكذلك روي عن كعب بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له نحوا من ذلك . والثلث لا شك أنه بين فقده من مال ذي المال , ولكنه عندي كما قال جل ثناؤه : والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما 25 67 وكما قال جل ثناؤه لمحمد صلى الله عليه وسلم : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا 17 29 وذلك هو ما حده صلى الله عليه وسلم فيما دون ذلك على قدر المال واحتماله . ثم اختلف أهل العلم في هذه الآية : هل هي منسوخة , أم ثابتة الحكم على العباد ؟ فقال بعضهم : هي منسوخة نسختها الزكاة المفروضة . ذكر من قال ذلك : 3334 - حدثني علي بن داود , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس قوله : يسألونك ماذا ينفقون قل العفو قال : كان هذا قبل أن تفرض الصدقة . 3335 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : يسألونك ماذا ينفقون قل العفو قال : لم تفرض فيه فريضة معلومة , ثم قال : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين 7 199 ثم نزلت الفرائض بعد ذلك مسماة . 3336 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قوله : يسألونك ماذا ينفقون قل العفو هذه نسختها الزكاة . وقال آخرون : بل مثبتة الحكم غير منسوخه . ذكر من قال ذلك : 3337 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم . قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن قيس بن سعد - أو عيسى , عن قيس . عن مجاهد ; شك أبو عاصم , قال - قال : العفو : الصدقة المفروضة . والصواب من القول في ذلك ما قاله ابن عباس على ما رواه عنه عطية من أن قوله : قل العفو ليس بإيجاب فرض فرض من الله حقا في ماله . ولكنه إعلام منه ما يرضيه من النفقة مما يسخطه جوابا معه لمن سأل نبيه محمدا عما فيه له رضا , فهو أدب من الله لجميع خلقه على ما أدبهم به في الصدقة غير المفروضات ثابت الحكم غير ناسخ لحكم كان قبله بخلافه , ولا منسوخ بحكم حدث بعده , فلا ينبغي لذي ورع ودين أن يتجاوز في صدقات التطوع وهباته وعطايا النفل وصدقته ما أدبهم به نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله : " إذا كان عند أحدكم فضل فليبدأ بنفسه , ثم بأهله , ثم بولده " ثم يسلك حينئذ في الفضل مسالكه التي ترضي الله ويحبها . وذلك هو القوام بين الإسراف والإقتار الذي ذكره الله عز وجل في كتابه إن شاء الله تعالى . ويقال لمن زعم أن ذلك منسوخ : ما الدلالة على نسخه ؟ وقد أجمع الجميع لا خلاف بينهم على أن للرجل أن ينفق من ماله صدقة وهبة ووصية الثلث . فما الذي دل على أن ذلك منسوخ ؟ فإن زعم أنه يعني بقوله : إنه منسوخ أن إخراج العفو من المال غير لازم فرضا , وأن فرض ذلك ساقط بوجود الزكاة في المال ; قيل له : وما الدليل على أن إخراج العفو كان فرضا , فأسقطه فرض الزكاة ؟ ولا دلالة في الآية على أن ذلك كان فرضا , إذ لم يكن أمر من الله عز ذكره , بل فيها الدلالة على أنها جواب ما سأل عنه القوم على وجه التعرف لما فيه لله الرضا من الصدقات , ولا سبيل لمدعي ذلك إلى دلالة توجب صحة ما ادعى . وأما القراء فإنهم اختلفوا في قراءة العفو , فقرأته عامة قراء الحجاز وقراء الحرمين ومعظم قراء الكوفيين : قل العفو نصبا , وقرأه بعض قراء البصريين : " قل العفو " رفعا . فمن قرأه نصبا جعل " ماذا " حرفا واحدا , ونصبه بقوله : ينفقون على ما قد بينت قبل , ثم نصب العفو على ذلك ; فيكون معنى الكلام حينئذ : ويسألونك أي شيء ينفقون ؟ ومن قرأ رفعا جعل " ما " من صلة " ذا " ورفعوا العفو ; فيكون معنى الكلام حينئذ : ما الذي ينفقون , قل الذي ينفقون العفو . ولو نصب العفو , ثم جعل " ماذا " حرفين بمعنى يسألونك ماذا ينفقون ؟ قل ينفقون العفو , ورفع الذين جعلوا " ماذا " حرفا واحدا بمعنى . ما ينفقون ؟ قل الذي ينفقون ; خبرا كان صوابا صحيحا في العربية . وبأي القراءتين قرئ ذلك عندي صواب لتقارب معنييهما مع استفاضة القراءة بكل واحدة منهما . غير أن أعجب القراءتين إلي وإن كان الأمر كذلك قراءة من قرأه بالنصب , لأن من قرأ به من القراء أكثر وهو أعرف وأشهر .كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرونالقول في تأويل قوله تعالى : كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون يعني بقول عز ذكره : كذلك يبين الله لكم الآيات هكذا يبين أي ما بينت لكم أعلامي وحججي , وهي آياته في هذه السورة , وعرفتكم فيها ما فيه خلاصكم من عقابي , وبينت لكم حدودي وفرائضي , ونبهتكم فيها على الأدلة على وحدانيتي , ثم على حجج رسولي إليكم , فأرشدتكم إلى ظهور الهدى , فكذلك أبين لكم في سائر كتابي الذي أنزلته على نبيي محمد صلى الله عليه وسلم آياتي وحججي , وأوضحها لكم لتتفكروا في وعدي ووعيدي وثوابي وعقابي , فتختاروا طاعتي التي تنالون بها ثوابي في الدار الآخرة , والفوز بنعيم الأبد على القليل من اللذات , واليسير من الشهوات , بركوب معصيتي في الدنيا الفانية التي من ركبها , كان معاده إلي , ومصيره إلى ما لا قبل له به من عقابي وعذابي . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 3338 - حدثنا علي بن داود , قال ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي , عن ابن عباس كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة قال : يعني في زوال الدنيا وفنائها , وإقبال الآخرة وبقائها . 3339 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة يقول : لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة فتعرفون فضل الآخرة على الدنيا . 3340 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج , عن ابن جريج قال : قوله : كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة قال : أما الدنيا فتعلمون أنها دار بلاء ثم فناء , والآخرة دار جزاء ثم بقاء , فتتفكرون , فتعملون للباقية منهما . قال : وسمعت أبا عاصم يذكر نحو هذا أيضا . 3341 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة وإنه من تفكر فيهما عرف فضل إحداهما على الأخرى وعرف أن الدنيا دار بلاء ثم دار فناء , وأن الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء , فكونوا ممن يصرم حاجة الدنيا لحاجة الآخرة .
من نحن

موقع الحياة بالإسلام هو موقع إسلامي، يقدم لكم العديد من المواضيع الاسلامية على منهاج الكتاب و السنة، كما يتضمن بعض قراءات القران الكريم بالرسم العثماني بأصوات اشهر القراء حول العالم

عرض المزيد
إشارات

التين , سُورَةُ هُودٍ , سُورَةُ الجُمُعَةِ , الكوثر , معيض الحارثي , القارئ سيلمان الشبيبي , القارئ عبدالرحمن الشحات , محمد عبدالحكيم سعيد العبدالله , قراءة يعقوب الحضرمي بروايتي رويس وروح , المصحف المعلم , قالون عن نافع من طريق أبي نشيط , خلف عن حمزة ,

عرض المزيد