مَا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ ٤٣التفسير الميسرما تتقدم أي أمة من هذه الأمم المكذبة الوقت المحدد لهلاكها، ولا تتأخر عنه.
تفسير السعديكل أمة في وقت مسمى، وأجل محدود، لا تتقدم عنه ولا تتأخر
تفسير ابن كثير( ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ) يعني : بل يؤخذون حسب ما قدر لهم تعالى في كتابه المحفوظ وعلمه قبل كونهم ، أمة بعد أمة ، وقرنا بعد قرن ، وجيلا بعد جيل ، وخلفا بعد سلف .
تفسير القرطبيما تسبق من أمة أجلها من صلة ؛ أي ما تسبق أمة الوقت المؤقت لها ولا تتأخره ؛ مثل قوله تعالى : فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون .
تفسير الطبريوقوله: ( مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا ) يقول: ما يتقدم هلاك أمة من تلك الأمم التي أنشأناها بعد ثمود قبل الأجل الذي أجلنا لهلاكها، ولا يستأخر هلاكها عن الأجل الذي أجلنا لهلاكها ، والوقت الذي وقتنا لفنائها، ولكنها تهلك لمجيئه. وهذا وعيد من الله لمشركي قوم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وإعلام منه لهم أن تأخيره في آجالهم ، مع كفرهم به وتكذيبهم رسوله، ليبلغوا الأجل الذي أجل لهم ، فيحلّ بهم نقمته، كسنته فيمن قبلهم من الأمم السالفة.
ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا تَتۡرَاۖ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةٗ رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُۖ فَأَتۡبَعۡنَا بَعۡضَهُم بَعۡضٗا وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَۚ فَبُعۡدٗا لِّقَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ ٤٤التفسير الميسرثم أرسلنا رسلنا إلى تلك الأمم يتبع بعضهم بعضًا، كلما دعا رسول أمته كذبوه، فأتبعنا بعضهم بعضًا بالهلاك والدمار، ولم يَبْقَ إلا أخبار هلاكهم، وجعلناها أحاديث لمن بعدهم، يتخذونها عبرة، فهلاكًا وسُحْقًا لقوم لا يصدقون الرسل ولا يطيعونهم.
تفسير السعدي، وأرسلنا إليهم رسلا متتابعة، لعلهم يؤمنون وينيبون، فلم يزل الكفر والتكذيب دأب الأمم العصاة، والكفرة البغاة، كلما جاء أمة رسولها كذبوه، مع أن كل رسول يأتي من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، بل مجرد دعوة الرسل وشرعهم، يدل على حقيه ما جاءوا به، فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا بالهلاك، فلم يبق منهم باقية، وتعطلت مساكنهم من بعدهم وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ يتحدث بهم من بعدهم، ويكونون عبرة للمتقين، ونكالا للمكذبين، وخزيا عليهم مقرونا بعذابهم. فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ما أشقاهم" وتعسا لهم، ما أخسر صفقتهم".
تفسير ابن كثير( ثم أرسلنا رسلنا تترى ) : قال ابن عباس : يعني يتبع بعضهم بعضا . وهذه كقوله تعالى : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة ) [ النحل : 36 ] ، وقوله : ( كل ما جاء أمة رسولها كذبوه ) يعني : جمهورهم وأكثرهم ، كقوله تعالى : ( يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ) [ يس : 30 ] .وقوله : ( فأتبعنا بعضهم بعضا ) أي : أهلكناهم ، كقوله : ( وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح ) [ الإسراء : 17 ] .( وجعلناهم أحاديث ) أي : أخبارا وأحاديث للناس ، كقوله : ( فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق ) [ الآية ] [ سبأ : 19 ] [ ( فبعدا لقوم لا يؤمنون ) ] .
تفسير القرطبيومعنى تترى تتواتر ، ويتبع بعضهم بعضا ترغيبا وترهيبا . قال الأصمعي : واترت كتبي عليه أتبعت بعضها بعضا ؛ إلا أن بين كل واحد وبين الآخر مهلة . وقال غيره : المواترة التتابع بغير مهلة . وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ( تترى ) بالتنوين على أنه مصدر أدخل فيه التنوين على فتح الراء ؛ كقولك : حمدا وشكرا ؛ فالوقف على هذا على الألف المعوضة من التنوين . ويجوز أن يكون ملحقا بجعفر ، فيكون مثل أرطى وعلقى ؛ كما قال :يستن في علقى وفي مكورفإذا وقف على هذا الوجه جازت الإمالة ، على أن ينوي الوقف على الألف الملحقة . وقرأ ورش بين اللفظتين ؛ مثل سكرى وغضبى ، وهو اسم جمع ؛ مثل شتى وأسرى . وأصله وترى من المواترة والتواتر ، فقلبت الواو تاء ؛ مثل التقوى ، والتكلان ، وتجاه ، ونحوها . وقيل : هو الوتر وهو الفرد ؛ فالمعنى أرسلناهم فردا فردا . النحاس : وعلى هذا يجوز ( تترا ) بكسر التاء الأولى ، وموضعها نصب على المصدر ؛ لأن معنى ثم أرسلنا واترنا . ويجوز أن يكون في موضع الحال أي متواترين . فأتبعنا بعضهم بعضا أي بالهلاك . وجعلناهم أحاديث جمع أحدوثة وهي ما يتحدث به ؛ كأعاجيب جمع أعجوبة ، وهي ما يتعجب منه . قال الأخفش : إنما يقال هذا في الشر جعلناهم أحاديث ولا يقال في الخير ؛ كما يقال : صار فلان حديثا أي عبرة ومثلا ؛ كما قال في آية أخرى : فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق . قلت : وقد يقال فلان حديث حسن ، إذا كان مقيدا بذكر ذلك ؛ ومنه قول ابن دريد :وإنما المرء حديث بعده فكن حديثا حسنا لمن وعى
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: ( ثُمَّ أَرْسَلْنَا ) إلى الأمم التي أنشأنا بعد ثمود ( رُسُلَنَا تَتْرَى ) يعني: يتبع بعضها بعضا، وبعضها في أثر بعض، وهي من المواترة، وهي اسم لجمع مثل شيء، لا يقال: جاءني فلان تترى، كما لا يقال: جاءني فلان مواترة، وهي تنوّن ولا تنوّن، وفيها الياء، فمن لم ينوّنها( فَعْلَى ) من وترت ومن قال: " تترا " يوهم أن الياء أصلية ، كما قيل: مِعْزًى بالياء، ومَعْزًا ، وبهمى بهما ، ونحو ذلك، فأجْرِيت أحيانًا وتُرِك إجراؤها أحيانا، فمن جعلها( فعلى ) وقف عليها أشار إلى الكسر، ومن جعلها ألف إعراب لم يشر؛ لأن ألف الإعراب لا تكسر، لا يقال: رأيت زيدًا، فيشار فيه إلى الكسر.وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى ) يقول: يَتْبُع بعضها بعضا.حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ( ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى ) يقول: بعضها على أثر بعض.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ( تَتْرَى ) قال: اتباع بعضها بعضا.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: ( ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى ) قال: يتبع بعضها بعضا.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى ) قال: بعضهم على أثر بعض، يتبع بعضهم بعضا.واختلفت قرّاء الأمصار في قراءة ذلك، فقرأ ذلك بعض قرّاء أهل مكة ، وبعض أهل المدينة ، وبعض أهل البصرة ( تَتْرًا ) بالتنوين. وكان بعض أهل مكة، وبعض أهل المدينة، وعامة قرّاء الكوفة يقرءونه: ( تَتْرَى ) بإرسال الياء على مثال ( فَعْلَى )، والقول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان في كلام العرب ، بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أني مع ذلك أختار القراءة بغير تنوين؛ لأنه أفصح &; 19-35 &; اللغتين وأشهرهما.وقوله: ( كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ ) يقول: كلما جاء أمة من تلك الأمم ، التي أنشأناها بعد ثمود ، رسولُها الذي نرسله إليهم، كذّبوه فيما جاءهم به من الحق من عندنا. وقوله: ( فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا ) يقول: فأتبعنا بعض تلك الأمم بعضا بالهلاك ، فأهلكنا بعضهم في إثر بعض. وقوله: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ) للناس ، ومثلا يتحدّث بهم في الناس، والأحاديث في هذا الموضع جمع أحدوثة، لأن المعنى ما وصفت من أنهم جعلوا للناس مثلا يتحدث بهم، وقد يجوز أن يكون جمع حديث، وإنما قيل: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ) لأنهم جعلوا حديثا ، ومثلا يتمثَّل بهم في الشرِّ، ولا يقال في الخير: جعلته حديثا ، ولا أُحْدوثة. وقوله: ( فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ) يقول: فأبعد الله قوما لا يؤمنون بالله، ولا يصدّقون برسوله.
ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَٰرُونَ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٤٥التفسير الميسرثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا التسع وهي: العصا واليد والجراد والقُمَّل والضفادع والدم والطوفان والسنون ونقص من الثمرات، حجةً بيِّنة تقهر القلوب فتنقاد لها قلوب المؤمنين، وتقوم الحجة على المعاندين، أرسلناهما إلى فرعون حاكم "مصر" وأشراف قومه، فاستكبروا عن الإيمان بموسى وأخيه، وكانوا قومًا متطاولين على الناس قاهرين لهم بالظلم.
تفسير السعديتفسير الآيتين 45 و46 :مر عليَّ منذ زمان طويل كلام لبعض العلماء لا يحضرني الآن اسمه، وهو أنه بعد بعث موسى ونزول التوراة، رفع الله العذاب عن الأمم، أي: عذاب الاستئصال، وشرع للمكذبين المعاندين الجهاد، ولم أدر من أين أخذه، فلما تدبرت هذه الآيات، مع الآيات التي في سورة القصص، تبين لي وجهه، أما هذه الآيات، فلأن الله ذكر الأمم المهلكة المتتابعة على الهلاك، ثم أخبر أنه أرسل موسى بعدهم، وأنزل عليه التوراة فيها الهداية للناس، ولا يرد على هذا، إهلاك فرعون، فإنه قبل نزول التوراة، وأما الآيات التي في سورة القصص، فهي صريحة جدا، فإنه لما ذكر هلاك فرعون قال: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فهذا صريح أنه آتاه الكتاب بعد هلاك الأمم الباغية، وأخبر أنه أنزله بصائر للناس وهدى ورحمة، ولعل من هذا، ما ذكر الله في سورة " يونس " من قولة: ثم بعثنا من بعده أي: من بعد نوح رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين* ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون الآيات والله أعلم.فقوله: ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى بن عمران، كليم الرحمن وَأَخَاهُ هَارُونَ حين سأل ربه أن يشركه في أمره فأجاب سؤله. بِآيَاتِنَا الدالة على صدقهما وصحة ما جاءا به وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ أي: حجة بينة، من قوتها، أن تقهر القلوب، وتتسلط عليها لقوتها فتنقاد لها قلوب المؤمنين، وتقوم الحجة البينة على المعاندين، وهذا كقوله وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ولهذا رئيس المعاندين عرف الحق وعاند فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ أي: بتلك الآيات البينات فَقَالَ له فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا ف قال موسى قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا وقال تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا وقال هنا: ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ* إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ك " هامان " وغيره من رؤسائهم، فَاسْتَكْبَرُوا أي: تكبروا عن الإيمان بالله، واستكبروا على أنبيائه، وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ أي: وصفهم العلو، والقهر، والفساد في الأرض، فلهذا صدر منهم الاستكبار، ذلك غير مستكثر منهم.
تفسير ابن كثيريخبر تعالى أنه بعث رسوله موسى وأخاه هارون إلى فرعون وملئه بالآيات والحجج الدامغات والبراهين القاطعات.
تفسير القرطبي
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: ثم أرسلنا بعد الرسل الذين وصف صفتهم قبل هذه الآية، موسى وأخاه هارون إلى فرعون وأشراف قومه من القبط ( بِآيَاتِنَا ) يقول: بحججنا.
إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمًا عَالِينَ ٤٦التفسير الميسرثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا التسع وهي: العصا واليد والجراد والقُمَّل والضفادع والدم والطوفان والسنون ونقص من الثمرات، حجةً بيِّنة تقهر القلوب فتنقاد لها قلوب المؤمنين، وتقوم الحجة على المعاندين، أرسلناهما إلى فرعون حاكم "مصر" وأشراف قومه، فاستكبروا عن الإيمان بموسى وأخيه، وكانوا قومًا متطاولين على الناس قاهرين لهم بالظلم.
تفسير السعديتفسير الآيتين 45 و46 :مر عليَّ منذ زمان طويل كلام لبعض العلماء لا يحضرني الآن اسمه، وهو أنه بعد بعث موسى ونزول التوراة، رفع الله العذاب عن الأمم، أي: عذاب الاستئصال، وشرع للمكذبين المعاندين الجهاد، ولم أدر من أين أخذه، فلما تدبرت هذه الآيات، مع الآيات التي في سورة القصص، تبين لي وجهه، أما هذه الآيات، فلأن الله ذكر الأمم المهلكة المتتابعة على الهلاك، ثم أخبر أنه أرسل موسى بعدهم، وأنزل عليه التوراة فيها الهداية للناس، ولا يرد على هذا، إهلاك فرعون، فإنه قبل نزول التوراة، وأما الآيات التي في سورة القصص، فهي صريحة جدا، فإنه لما ذكر هلاك فرعون قال: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فهذا صريح أنه آتاه الكتاب بعد هلاك الأمم الباغية، وأخبر أنه أنزله بصائر للناس وهدى ورحمة، ولعل من هذا، ما ذكر الله في سورة " يونس " من قولة: ثم بعثنا من بعده أي: من بعد نوح رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين* ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون الآيات والله أعلم.فقوله: ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى بن عمران، كليم الرحمن وَأَخَاهُ هَارُونَ حين سأل ربه أن يشركه في أمره فأجاب سؤله. بِآيَاتِنَا الدالة على صدقهما وصحة ما جاءا به وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ أي: حجة بينة، من قوتها، أن تقهر القلوب، وتتسلط عليها لقوتها فتنقاد لها قلوب المؤمنين، وتقوم الحجة البينة على المعاندين، وهذا كقوله وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ولهذا رئيس المعاندين عرف الحق وعاند فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ أي: بتلك الآيات البينات فَقَالَ له فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا ف قال موسى قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا وقال تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا وقال هنا: ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ* إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ك " هامان " وغيره من رؤسائهم، فَاسْتَكْبَرُوا أي: تكبروا عن الإيمان بالله، واستكبروا على أنبيائه، وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ أي: وصفهم العلو، والقهر، والفساد في الأرض، فلهذا صدر منهم الاستكبار، ذلك غير مستكثر منهم.
تفسير ابن كثيروأن فرعون وقومه استكبروا عن اتباعهما والانقياد لأمرهما.
تفسير القرطبيمتكبرين قاهرين لغيرهم بالظلم ; كما قال تعالى : " إن فرعون علا في الأرض " [ القصص : 4 ]
تفسير الطبري( فَاسْتَكْبَرُوا ) عن اتباعها، والإيمان بما جاءهم به من عند الله ( وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ ) يقول: وكانوا قوما عالين على أهل ناحيتهم ، ومن في بلادهم من بنى إسرائيل وغيرهم بالظلم، قاهرين لهم.وكان ابن زيد يقول في ذلك ما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وقوله: ( وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ ) قال: عَلَوا على رُسُلهم ، وعصَوا ربهم، ذلك علوّهم، وقرأ: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ الآية.
فَقَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لِبَشَرَيۡنِ مِثۡلِنَا وَقَوۡمُهُمَا لَنَا عَٰبِدُونَ ٤٧التفسير الميسرفقالوا: أنصدِّق فَرْدَيْن مثلنا، وقومهما من بني إسرائيل تحت إمرتنا مطيعون متذللون لنا؟
تفسير السعدي فَقَالُوا كبرا وتيها، وتحذيرا لضعفاء العقول، وتمويها: أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا كما قاله من قبلهم سواء بسواء، تشابهت قلوبهم في الكفر، فتشابهت أقوالهم وأفعالهم، وجحدوا منة الله عليهما بالرسالة. وَقَوْمُهُمَا أي: بنو إسرائيل لَنَا عَابِدُونَ أي: معبدون بالأعمال والأشغال الشاقة، كما قال تعالى: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ فكيف نكون تابعين بعد أن كنا متبوعين؟" وكيف يكون هؤلاء رؤساء علينا؟" ونظير قولهم، قول قوم نوح: أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ من المعلوم أن هذا لا يصلح لدفع الحق، وأنه تكذيب ومعاندة.
تفسير ابن كثيرلكونهما بشرين كما أنكرت الأمم الماضية بعثة الرسل من البشر تشابهت قلوبهم.
تفسير القرطبي
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: فقال فرعون وملؤه: ( أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا ) فنتبعهما ( وَقَوْمُهُمَا ) من بني إسرائيل ( لَنَا عَابِدُونَ ) يعنون : أنهم لهم مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم، والعرب تسمي كل من دان لملك : عابدا له. ومن ذلك قيل لأهل الحيرة: العباد؛ لأنهم كانوا أهل طاعة لملوك العجم.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: قال فرعون: ( أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا ) . .. الآية، نذهب نرفعهم فوقنا ونكون تحتهم، ونحن اليوم فوقهم وهم تحتنا، كيف نصنع ذلك، وذلك حين أتوهم بالرسالة، وقرأ: وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ قال: العلوّ في الأرض.
فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡلَكِينَ ٤٨التفسير الميسرفكذبوهما فيما جاءا به، فكانوا من المهلكين بالغرق في البحر.
تفسير السعديولهذا قال: فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ في الغرق في البحر، وبنو إسرائيل ينظرون.
تفسير ابن كثيرفأهلك الله فرعون وملئه وأغرقهم في يوم واحد أجمعين.
تفسير القرطبيأي بالغرق في البحر .
تفسير الطبريوقوله: ( فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ ) يقول: فكذّب فرعون وملؤه موسى وهارون، فكانوا ممن أهلَكَهم الله كما أهلك من قبلهم من الأمم بتكذيبها رسلها.
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ لَعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٤٩التفسير الميسرولقد آتينا موسى التوراة؛ ليهتدي بها قومه إلى الحق.
تفسير السعدي وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى بعدما أهلك الله فرعون، وخلص الشعب الإسرائيلي مع موسى، وتمكن حينئذ من إقامة أمر الله فيهم، وإظهار شعائره، وعده الله أن ينزل عليه التوراة أربعين ليلة، فذهب لميقات ربه، قال الله تعالى وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ ولهذا قال هنا: لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ أي: بمعرفة تفاصيل الأمر والنهي، والثواب والعقاب، ويعرفون ربهم بأسمائه وصفاته.
تفسير ابن كثيروأنزل على موسى الكتاب وهو التوراة فيها أحكامه وأوامره ونواهيه ، وذلك بعد ما قصم الله فرعون والقبط ، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر; وبعد أن أنزل الله التوراة لم يهلك أمة بعامة ، بل أمر المؤمنين بقتال الكافرين ، كما قال تعالى : ( ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون ) [ القصص : 43 ] .ثم قال تعالى :
تفسير القرطبييعني التوراة ; وخص موسى بالذكر لأن التوراة أنزلت عليه في الطور , وهارون خليفة في قومه .ولو قال " ولقد آتيناهما " جاز ; كما قال : " ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان " [ الأنبياء : 48 ] .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: ولقد آتينا موسى التوراة ليهتدي بها قومه من بني إسرائيل، ويعملوا بما فيها.
وَجَعَلۡنَا ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةٗ وَءَاوَيۡنَٰهُمَآ إِلَىٰ رَبۡوَةٖ ذَاتِ قَرَارٖ وَمَعِينٖ ٥٠التفسير الميسروجعلنا عيسى بن مريم وأمه علامة دالة على قدرتنا؛ إذ خلقناه من غير أب، وجعلنا لهما مأوى في مكان مرتفع من الأرض، مستوٍ للاستقرار عليه، فيه خصوبة وماء جار ظاهر للعيون.
تفسير السعديأي: وامتننا على عيسى ابن مريم، وجعلناه وأمه من آيات الله العجيبة، حيث حملته وولدته من غير أب، وتكلم في المهد صبيا، وأجرى الله على يديه من الآيات ما أجرى، وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ أي: مكان مرتفع، وهذا -والله أعلم- وقت وضعها، ذَاتِ قَرَارٍ أي: مستقر وراحة وَمَعِينٍ أي: ماء جار، بدليل قوله: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ أي: تحت المكان الذي أنت فيه، لارتفاعه، سَرِيًّا أي: نهرا وهو المعين وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا* فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا
تفسير ابن كثيريقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله عيسى ابن مريم ، عليهما السلام ، أنه جعلهما آية للناس : أي حجة قاطعة على قدرته على ما يشاء ، فإنه خلق آدم من غير أب ولا أم ، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى ، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر ، وخلق بقية الناس من ذكر وأنثى .وقوله : ( وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ) قال الضحاك ، عن ابن عباس : الربوة : المكان المرتفع من الأرض ، وهو أحسن ما يكون فيه النبات . وكذا قال مجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وقتادة .قال ابن عباس : وقوله : ( ذات قرار ) يقول : ذات خصب ) ومعين ) يعني : ماء ظاهرا .وقال مجاهد : ربوة مستوية .وقال سعيد بن جبير : ( ذات قرار ومعين ) : استوى الماء فيها . وقال مجاهد ، وقتادة : ( ومعين ) : الماء الجاري .ثم اختلف المفسرون في مكان هذه الربوة في أي أرض [ الله ] هي ؟ فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ليس الربى إلا بمصر . والماء حين يرسل يكون الربى عليها القرى ، ولولا الربى غرقت القرى .وروي عن وهب بن منبه نحو هذا ، وهو بعيد جدا .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ ، حدثنا سفيان ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى : ( وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ) ، قال : هي دمشق .قال : وروي عن عبد الله بن سلام ، والحسن ، وزيد بن أسلم ، وخالد بن معدان نحو ذلك .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( ذات قرار ومعين ) قال : أنهار دمشق . وقال ليث بن أبي سليم ، عن مجاهد : ( وآويناهما إلى ربوة [ ذات قرار ومعين ] ) ، قال : عيسى ابن مريم وأمه ، حين أويا إلى غوطة دمشق وما حولها .وقال عبد الرزاق ، عن بشر بن رافع ، عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة ، قال : سمعت أبا هريرة يقول : في قوله : ( إلى ربوة ذات قرار ومعين ) قال : هي الرملة من فلسطين .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي ، حدثنا رواد بن الجراح ، حدثنا عباد بن عباد الخواص أبو عتبة ، حدثنا السيباني ، عن ابن وعلة ، عن كريب السحولي ، عن مرة البهزي قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لرجل : " إنك ميت بالربوة " فمات بالرملة . وهذا حديث غريب جدا .وأقرب الأقوال في ذلك ما رواه العوفي ، عن ابن عباس في قوله : ( وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ) ، قال : المعين الماء الجاري ، وهو النهر الذي قال الله تعالى : ( قد جعل ربك تحتك سريا ) [ مريم : 24 ] .وكذا قال الضحاك ، وقتادة : ( إلى ربوة ذات قرار ومعين ) : هو بيت المقدس . فهذا والله أعلم هو الأظهر; لأنه المذكور في الآية الأخرى . والقرآن يفسر بعضه بعضا . وهو أولى ما يفسر به ، ثم الأحاديث الصحيحة ، ثم الآثار .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعينقوله تعالى : وجعلنا ابن مريم وأمه آية تقدم في ( الأنبياء ) القول فيه . وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين الربوة المكان المرتفع من الأرض ؛ وقد تقدم في ( البقرة ) . والمراد بها هاهنا في قول أبي هريرة فلسطين . وعنه أيضا الرملة ؛ وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وقال ابن عباس ، وابن المسيب ، وابن سلام : دمشق . وقال كعب ، وقتادة : بيت المقدس . قال كعب : وهي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا . قال :فكنت هميدا تحت رمس بربوة تعاورني ريح جنوب وشمألوقال ابن زيد : مصر . وروى سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير وآويناهما إلى ربوة قال : النشز من الأرض . ذات قرار أي مستوية يستقر عليها . وقيل : ذات ثمار ، ولأجل الثمار يستقر فيها الساكنون . ( ومعين ) ماء جار ظاهر للعيون . يقال : معين ومعن ؛ كما يقال : رغيف ورغف ؛ قاله علي بن سليمان . وقال الزجاج : هو الماء الجاري في العيون ؛ فالميم على هذا زائدة كزيادتها في مبيع ، وكذلك الميم زائدة في قول من قال إنه الماء الذي يرى بالعين . وقيل : إنه فعيل بمعنى مفعول . قال علي بن سليمان : يقال معن الماء إذا جرى فهو معين ومعيون . ابن الأعرابي : معن الماء يمعن معونا إذا جرى وسهل ، وأمعن أيضا وأمعنته ، ومياه معنان .
تفسير الطبري( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ) يقول: وجعلنا ابن مريم وأمه حجة لنا على من كان بينهم، وعلى قدرتنا على إنشاء الأجسام من غير أصل، كما أنشأنا خلق عيسى من غير أب.كما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرازق، قال: أخبرنا مَعْمر، عن قَتادة، في قوله: ( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ) قال: ولدته من غير أب هو له، ولذلك وحدت الآية، وقد ذكر مريم وابنها.وقوله ( وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ) يقول: وضممناهما وصيرناهما إلى ربوة، يقال: أوى فلان إلى موضع كذا، فهو يأوي إليه، إذا صار إليه; وعلى مثال أفعلته فهو يُؤْويه. وقوله ( إِلَى رَبْوَةٍ ) يعني: إلى مكان مرتفع من الأرض على ما حوله، ولذلك قيل للرجل ، يكون في رفعة من قومه ، وعزّ وشرف وعدد: هو في ربوة من قومه، وفيها لغتان: ضمّ الراء وكسرها إذا أريد بها الاسم، وإذا أريد بها الفعلة من المصدر قيل : رَبَا رَبْوة.واختلف أهل التأويل في المكان الذي وصفه الله بهذه الصفة ، وآوَى إليه مريم وابنها، فقال بعضهم: هو الرَّمْلة من فلسطين.*ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا صفوان بن عيسى، قال: ثنا بشر بن رافع، قال: ثني ابن عمّ لأبي هريرة، يقال له : أبو عبد الله، قال: قال لنا أبو هريرة: الزموا هذه الرملة من فلسطين، فإنها الربوة التي قال الله: ( وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ).حدثني عصام بن رَوّاد بن الجراح، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عباد أبو عتبة الخوّاص، قال: ثنا يحيى بن أبي عمرو الشيباني، عن ابن وَعْلة، عن كريب قال: ما أدري ما حدثنا مُرَّة البَهزيّ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر أن الربوة : هي الرملة.حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن بشر بن رافع، عن أبي عبد الله ابن عمّ أبي هريرة، قال: سمعت أبا هريرة يقول في قول الله: ( إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ) قال: هي الرملة من فلسطين.حدثنا ابن بشار، قال: ثنا صفوان، قال: ثنا بشر بن رافع، قال: ثني أبو عبد الله ابن عمّ أبي هريرة، قال: قال لنا أبو هريرة: الزموا هذه الرملة التي بفلسطين، فإنها الربوة التي قال الله: ( وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ).وقال آخرون: هي دمشق.*ذكر من قال ذلك:حدثنا أحمد بن الوليد القرشي، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال في هذه الآية: ( وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ) قال: زعموا أنها دمشق.حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: بلغني، عن ابن المسيب أنه قال : دمشق.حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، مثله.حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهمي، قال: ثنا ابن بكير، قال: ثنا الليث بن سعد، قال: ثني عبد الله بن لهيعة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في قوله: ( وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ) قال: إلى ربوة من رُبا مصر قال: وليس الرُّبَا إلا في مصر، والماء حين يُرسَل تكون الربا عليها القرى، لولا الربَا لغرقت تلك القرى.وقال آخرون: هي بيت المقدس.*ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: هو بيت المقدس.قال ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: كان كعب يقول: بيت المقدس أقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلا.حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن كعب، مثله.وأولى هذه الأقوال بتأويل ذلك: أنها مكان مرتفع ذو استواء ، وماء ظاهر، وليس كذلك صفة الرملة؛ لأن الرملة لا ماء بها مَعِين، والله تعالى ذِكْره وصف هذه الربوة بأنها ذات قرار ومَعِين.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ) قال: الربوة: المستوية.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( إِلَى رَبْوَةٍ ) قال: مستوية.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.وقوله: ( ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ) يقول تعالى ذكره: من صفة الربوة التي آوينا إليها مريم وابنها عيسى، أنها أرض منبسطة وساحة ، وذات ماء ظاهر ، لغير الباطن، جار.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن &; 19-39 &; أبيه، عن ابن عباس: ( وَمَعِينٍ ) قال: المعين: الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا .حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، في قوله: ( ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ) قال: المعين: الماء.حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: معين، قال: ماء.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصَّلْت، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد، في قوله: ( ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ) قال: المكان المستوي، والمَعِين: الماء الظاهر.حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَمَعِينٍ ) : هو الماء الظاهر.وقال آخرون: عنى بالقرار الثمار.*ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ( ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ) هي ذات ثمار، وهي بيت المقدس.حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله قتادة في معنى: ( ذَاتِ قَرَارٍ ) وإن لم يكن أراد بقوله: إنها إنما وصفت بأنها ذات قرار لما فيها من الثمار، ومن أجل ذلك ، يستقرّ فيها ساكنوها، فلا وجه له نعرفه. وأما( مَعِينٍ ) فإنه مفعول من عِنْته فأنا أعينه، وهو مُعين، وقد يجوز أن يكون فعيلا من مَعَن يمعن فهو معين من الماعون، ومنه قول عَبيد بن الأبرص:وَاهيَةٌ أوْ مَعِينٌ مُمْعِنٌأوْ هَضْبَةٌ دُونَها لُهُوبُ (1)------------------------الهوامش :(1) البيت لعبيد بن الأبرص من قصيدته البائية المطولة ( اللسان : معن) واستشهد به المؤلف ، عند قوله تعالى: وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين . وقال في اللسان : قال الفراء : ذات قرار : أرض منبسطة . ومعين الماء : الظاهر الجاري . قال : ولك أن تجعل المعين مفعولا من العيون ، ( واختاره المؤلف ) ، ولك أن تجعله فعيلا من الماعون ، يكون أصله المعن . والمعين: الماء السائل ، وقيل الجاري على وجه الأرض ، وقيل العذب الغزير، وكل ذلك من السهولة. والمعن: الماء الظاهر . واللهوب : جمع لهب ( بكسر اللام) الفرجة والهواء بين الجبلين . وفي المحكم : مهراة ما بين كل جبلين . وقيل : هو الصدع في الجبل ، عن اللحياني . وقيل : هو الشعب الصغير في الجبل . وقيل : وجه من الجبل كالحائط لا يستطاع ارتقاؤه . ا ه .
يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٥١التفسير الميسريا أيها الرسل كلوا من طيب الرزق الحلال، واعملوا الأعمال الصالحة، إني بما تعملون عليم، لا يخفى عليَّ شيء من أعمالكم. والخطاب في الآية عام للرسل- عليهم السلام- وأتباعهم، وفي الآية دليل على أن أكل الحلال عون على العمل الصالح، وأن عاقبة الحرام وخيمة، ومنها رد الدعاء.
تفسير السعديهذا أمر منه تعالى لرسله بأكل الطيبات، التي هي الرزق الطيب الحلال، وشكر الله، بالعمل الصالح، الذي به يصلح القلب والبدن، والدنيا والآخرة. ويخبرهم أنه بما يعملون عليم، فكل عمل عملوه، وكل سعي اكتسبوه، فإن الله يعلمه، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء وأفضله، فدل هذا على أن الرسل كلهم، متفقون على إباحة الطيبات من المآكل، وتحريم الخبائث منها، وأنهم متفقون على كل عمل صالح وإن تنوعت بعض أجناس المأمورات، واختلفت بها الشرائع، فإنها كلها عمل صالح، ولكن تتفاوت بتفاوت الأزمنة.ولهذا، الأعمال الصالحة، التي هي صلاح في جميع الأزمنة، قد اتفقت عليها الأنبياء والشرائع، كالأمر بتوحيد الله، وإخلاص الدين له، ومحبته، وخوفه، ورجائه، والبر، والصدق، والوفاء بالعهد، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإحسان إلى الضعفاء والمساكين واليتامى، والحنو والإحسان إلى الخلق، ونحو ذلك من الأعمال الصالحة، ولهذا كان أهل العلم، والكتب السابقة، والعقل، حين بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، يستدلون على نبوته بأجناس ما يأمر به، وينهى عنه، كما جرى لهرقل وغيره، فإنه إذا أمر بما أمر به الأنبياء، الذين من قبله، ونهى عما نهوا عنه، دل على أنه من جنسهم، بخلاف الكذاب، فلا بد أن يأمر بالشر، وينهى عن الخير.
تفسير ابن كثيرأمر تعالى عباده المرسلين ، عليهم الصلاة والسلام أجمعين ، بالأكل من الحلال ، والقيام بالصالح من الأعمال ، فدل هذا على أن الحلال عون على العمل الصالح ، فقام الأنبياء ، عليهم السلام ، بهذا أتم القيام . وجمعوا بين كل خير ، قولا وعملا ودلالة ونصحا ، فجزاهم الله عن العباد خيرا .قال الحسن البصري في قوله : ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ) قال : أما والله ما أمروا بأصفركم ولا أحمركم ، ولا حلوكم ولا حامضكم ، ولكن قال : انتهوا إلى الحلال منه .وقال سعيد بن جبير ، والضحاك : ( كلوا من الطيبات ) يعني : الحلال .وقال أبو إسحاق السبيعي ، عن أبي ميسرة بن شرحبيل : كان عيسى ابن مريم يأكل من غزل أمه .وفي الصحيح : " ما من نبي إلا رعى الغنم " . قالوا : وأنت يا رسول الله؟ قال : " نعم ، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة " .وفي الصحيح : أن داود ، عليه السلام ، كان يأكل من كسب يده .وفي الصحيحين : " إن أحب الصيام إلى الله صيام داود ، وأحب القيام إلى الله قيام داود ، كان ينام نصف الليل ، ويقوم ثلثه وينام سدسه ، وكان يصوم يوما ويفطر يوما ، ولا يفر إذا لاقى " .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع ، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم ، عن ضمرة بن حبيب ، أن أم عبد الله ، أخت شداد بن أوس بعثت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقدح لبن عند فطره وهو صائم ، وذلك في أول النهار وشدة الحر ، فرد إليها رسولها : أنى كانت لك الشاة؟ فقالت : اشتريتها من مالي ، فشرب منه ، فلما كان الغد أتته أم عبد الله أخت شداد فقالت : يا رسول الله ، بعثت إليك بلبن مرثية لك من طول النهار وشدة الحر ، فرددت إلي الرسول فيه؟ . فقال لها : " بذلك أمرت الرسل ، ألا تأكل إلا طيبا ، ولا تعمل إلا صالحا " .وقد ثبت في صحيح مسلم ، وجامع الترمذي ، ومسند الإمام أحمد واللفظ له من حديث فضيل بن مرزوق ، عن عدي بن ثابت ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أيها الناس ، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال : ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم ) . وقال : ( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ) [ البقرة : 172 ] . ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، يمد يديه إلى السماء : يا رب ، يا رب ، فأنى يستجاب لذلك " .وقال الترمذي : حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث فضيل بن مرزوق .
تفسير القرطبيقوله تعالى : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليمفيه ثلاث مسائل :الأولى : روى الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم - ثم ذكر - الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب لذلك .الثانية : قال بعض العلماء : والخطاب في هذه الآية للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأنه أقامه مقام الرسل ؛ كما قال : الذين قال لهم الناس يعني نعيم بن مسعود . وقال الزجاج : هذه مخاطبة للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، ودل الجمع على أن الرسل كلهم كذا أمروا ؛ أي كلوا من الحلال . وقال الطبري : الخطاب لعيسى - عليه السلام - ؛ روي أنه كان يأكل من غزل أمه . والمشهور عنه أنه كان يأكل من بقل البرية . ووجه خطابه لعيسى ما ذكرناه من تقديره لمحمد - صلى الله عليه وسلم - تشريفا له . وقيل : إن هذه المقالة خوطب بها كل نبي ؛ لأن هذه طريقتهم التي ينبغي لهم الكون عليها . فيكون المعنى : وقلنا يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ؛ كما تقول لتاجر : يا تجار ينبغي أن تجتنبوا الربا ؛ فأنت تخاطبه بالمعنى . وقد اقترن بذلك أن هذه المقالة تصلح لجميع صنفه ، فلم يخاطبوا قط مجتمعين صلوات الله عليهم أجمعين ، وإنما خوطب كل واحد في عصره . قال الفراء : هو كما تقول للرجل الواحد : كفوا عنا أذاكم .الثالثة : سوى الله تعالى بين النبيين والمؤمنين في الخطاب بوجوب أكل الحلال وتجنب الحرام ، ثم شمل الكل في الوعيد الذي تضمنه قوله تعالى : إني بما تعملون عليم صلى الله على رسله وأنبيائه . وإذا كان هذا معهم فما ظن كل الناس بأنفسهم . وقد مضى القول في الطيبات والرزق في غير موضع ، والحمد لله . وفي قوله - عليه السلام - : يمد يديه دليل على مشروعية مد اليدين عند الدعاء إلى السماء ؛ وقد مضى الخلاف في هذا والكلام فيه والحمد لله . وقوله - عليه السلام - : فأنى يستجاب لذلك على جهة الاستبعاد ؛ أي أنه ليس أهلا لإجابة دعائه لكن يجوز أن يستجيب الله له تفضلا ولطفا وكرما .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: وقلنا لعيسى: يا أيها الرسل كلوا من الحلال الذي طيبه الله لكم دون الحرام، ( وَاعْمَلُوا صَالِحًا ) تقول في الكلام للرجل الواحد: أيها القوم كفوا عنَّا أذاكم، وكما قال: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ ، وهو رجل واحد.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:حدثني ابن عبد الأعلى بن واصل، قال: ثني عبيد بن إسحاق الضبيّ العطار، عن حفص بن عمر الفزاريّ، عن أبي إسحاق السبيعيّ، عن عمرو بن شرحبيل: ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ) قال: كان عيسى ابن مريم يأكل من غزل أمه.وقوله: ( إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) يقول: إني بأعمالكم ذو علم، لا يخفى عليّ منها شيء، وأنا مجازيكم بجميعها، وموفِّيكم أجوركم وثوابكم عليها، فخذوا في صالحات الأعمال واجتهدوا.
وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ ٥٢التفسير الميسروإنَّ دينكم- يا معشر الأنبياء- دين واحد وهو الإسلام، وأنا ربكم فاتقوني بامتثال أوامري واجتناب زواجري.
تفسير السعديولهذا قال تعالى للرسل: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أمَّةً أي: جماعتكم -يا معشر الرسل- جماعة وَاحِدَةً متفقة على دين واحد، وربكم واحد. فَاتَّقُونِ بامتثال أوامري، واجتناب زواجري. وقد أمر الله المؤمنين بما أمر به المرسلين، لأنهم بهم يقتدون، وخلفهم يسلكون، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ فالواجب من كل المنتسبين إلى الأنبياء وغيرهم، أن يمتثلوا هذا، ويعملوا به
تفسير ابن كثيروقوله : ( وإن هذه أمتكم أمة واحدة ) أي : دينكم يا معشر الأنبياء دين واحد ، وملة واحدة ، وهو الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له; ولهذا قال : ( وأنا ربكم فاتقون ) ، وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة " الأنبياء " ، وأن قوله : ( أمة واحدة ) منصوب على الحال .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقونفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : وإن هذه أمتكم أمة واحدة المعنى : هذا الذي تقدم ذكره هو دينكم وملتكم فالتزموه . والأمة هنا الدين ؛ وقد تقدم محامله ؛ ومنه قوله تعالى : إنا وجدنا آباءنا على أمة أي على دين . وقال النابغة :حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وهل يأثمن ذو أمة وهو طائعالثانية : قرئ ( وإن هذه ) بكسر ( إن ) على القطع ، وبفتحها وتشديد النون . قال الخليل : هي في موضع نصب لما زال الخافض ؛ أي أنا عالم بأن هذا دينكم الذي أمرتكم أن تؤمنوا به . وقال الفراء : ( أن ) متعلقة بفعل مضمر تقديره : واعلموا أن هذه أمتكم . وهي عند سيبويه متعلقة بقوله : فاتقون ؛ والتقدير فاتقون لأن أمتكم واحدة . وهذا كقوله تعالى : وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ؛ أي لأن المساجد لله فلا تدعوا معه غيره . وكقوله : لإيلاف قريش ؛ أي فليعبدوا رب هذا البيت لإيلاف قريش .الثالثة : وهذه الآية تقوي أن قوله تعالى : يا أيها الرسل إنما هو مخاطبة لجميعهم ، وأنه بتقدير حضورهم . وإذا قدرت يا أيها الرسل مخاطبة لمحمد - صلى الله عليه وسلم - فلق اتصال هذه الآية واتصال قوله : فتقطعوا . أما أن قوله : وأنا ربكم فاتقون وإن كان قيل للأنبياء فأممهم داخلون فيه بالمعنى ؛ فيحسن بعد ذلك اتصال .
تفسير الطبرياختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ) ، فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة ( وأنَّ ) بالفتح، بمعنى: إني بما تعملون عليم، وأن هذه أمتكم أمة واحدة، فعلى هذا التأويل (أن) في موضع خفض، عطف بها على (ما) من قوله: بِمَا تَعْمَلُونَ ، وقد يحتمل أن تكون في موضع نصب إذا قرئ ذلك كذلك. ويكون معنى الكلام حينئذ: واعلموا أن هذه، ويكون نصبها بفعل مضمر. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين بالكسر: ( وَإِنْ ) هذه على الاستئناف، والكسر في ذلك عندي على الابتداء هو الصواب؛ لأن الخبر من الله عن قيله لعيسى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ مبتدأ، فقوله: ( وَإِنَّ هَذِهِ ) مردود عليه عطفا به عليه، فكان معنى الكلام: وقلنا لعيسى: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات، وقلنا: وإن هذه أمتكم أمة واحدة. وقيل: إن الأمة الذي في هذا الموضع: الدِّين والملة.*ذكر من قال ذلك:حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، في قوله: ( وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ) قال: الملة والدين.وقوله: ( وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ )يقول: وأنا مولاكم فاتقون بطاعتي تأمنوا عقابي ، ونصبت أمة واحدة على الحال. وذُكر عن بعضهم أنه قرأ ذلك رفعا. وكان بعض نحويِّي البصرة يقول: رَفْع ذلك إذا رفع على الخبر، ويجعل أمتكم نصبا على البدل من هذه. وأما نحويو الكوفة فيأبون ذلك إلا في ضرورة شعر، وقالوا: لا يقال: مررت بهذا غلامكم; لأن هذا لا تتبعه إلا الألف واللام والأجناس، لأن " هذا " إشارة إلى عدد، فالحاجة في ذلك إلى تبيين المراد من المشار إليه أيّ الأجناس هو، وقالوا: وإذا قيل: هذه أمتكم أمة واحدة، والأمة غائبة ، وهذه حاضرة، قالوا: فغير جائز أن يبين عن الحاضر بالغائب، قالوا: فلذلك لم يجز: إن هذا زيد قائم، من أجل أن هذا محتاج إلى الجنس لا إلى المعرفة.
فَتَقَطَّعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ زُبُرٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٥٣التفسير الميسرفتفرَّق الأتباع في الدين إلى أحزاب وشيع، جعلوا دينهم أديانًا بعدما أُمروا بالاجتماع، كل حزب معجب برأيه زاعم أنه على الحق وغيره على الباطل. وفي هذا تحذير من التحزب والتفرق في الدين.
تفسير السعدي، ولكن أبى الظالمون المفترقون إلا عصيانا، ولهذا قال: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا أي: تقطع المنتسبون إلى اتباع الأنبياء أَمْرُهُمْ أي: دينهم بَيْنَهُمْ زُبُرًا أي: قطعا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ أي: بما عندهم من العلم والدين فَرِحُونَ يزعمون أنهم المحقون، وغيرهم على غير الحق، مع أن المحق منهم، من كان على طريق الرسل، من أكل الطيبات، والعمل الصالح، وما عداهم فإنهم مبطلون.
تفسير ابن كثيروقوله : ( فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا ) أي : الأمم الذين بعث إليهم الأنبياء ، ( كل حزب بما لديهم فرحون ) أي : يفرحون بما هم فيه من الضلال; لأنهم يحسبون أنهم مهتدون;
تفسير القرطبيفتقطعوا أي افترقوا ، يعني الأمم ، أي جعلوا دينهم أديانا بعد ما أمروا بالاجتماع . ثم ذكر تعالى أن كلا منهم معجب برأيه وضلالته وهذا غاية الضلال .الرابعة : هذه الآية تنظر إلى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة ، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة وهي الجماعة الحديث . خرجه أبو داود ، ورواه الترمذي وزاد : قالوا ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي خرجه من حديث عبد الله بن عمرو . وهذا يبين أن الافتراق المحذر منه في الآية والحديث إنما هو في أصول الدين وقواعده ، لأنه قد أطلق عليها مللا ، وأخبر أن التمسك بشيء من تلك الملل موجب لدخول النار . ومثل هذا لا يقال في الفروع ، فإنه لا يوجب تعديد الملل ولا عذاب النار ؛ قال الله تعالى : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا .قوله تعالى : زبرا يعني كتبا وضعوها وضلالات ألفوها ؛ قاله ابن زيد . وقيل : إنهم فرقوا الكتب فاتبعت فرقة الصحف ، وفرقة التوراة ، وفرقة الزبور ، وفرقة الإنجيل ، ثم حرف الكل وبدل ؛ قاله قتادة . وقيل : أخذ كل فريق منهم كتابا آمن به وكفر بما سواه . و زبرا بضم الباء قراءة نافع ، جمع زبور . والأعمش ، وأبو عمرو بخلاف عنه زبرا بفتح الباء ، أي قطعا كقطع الحديد ؛ كقوله تعالى : آتوني زبر الحديد . كل حزب أي فريق وملة . بما لديهم أي عندهم من الدين . فرحون أي معجبون به .
تفسير الطبرياختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( زُبُرًا ) فقرأته عامة قرّاء المدينة والعراق: ( زُبُرًا ) بمعنى جمع الزبور. فتأويل الكلام على قراءة هؤلاء: فتفرّق القوم الذين أمرهم الله من أمة الرسول عيسى بالاجتماع على الدين الواحد والملة الواحدة، دينهم الذي أمرهم الله بلزومه ( زُبُرًا ) كتبا، فدان كل فريق منهم بكتاب غير الكتاب الذين دان به الفريق الآخر، كاليهود الذين زعموا أنهم دانوا بحكم التوراة ، وكذّبوا بحكم الإنجيل والقرآن، وكالنصارى الذين دانوا بالإنجيل بزعمهم ، وكذبوا بحكم الفرقان.* ذكر من تأول ذلك كذلك:حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( زُبُرًا ) قال: كتبا.حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( بَيْنَهُمْ زُبُرًا ) قال: كتب الله فرقوها قطعا.* - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: ( فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا ) قال مجاهد: كتبهم فرقوها قطعا.وقال آخرون من أهل هذه القراءة: إنما معنى الكلام: فتفرقوا دينهم بينهم كتبا أحدثوها يحتجون فيها لمذهبهم.*ذكر من قال ذلك:حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) قال: هذا ما اختلفوا فيه من الأديان والكتب، كلّ معجبون برأيهم، ليس أهل هواء إلا وهم معجبون برأيهم وهواهم وصاحبهم الذي اخترق ذلك لهم. وقرأ ذلك عامة قرّاء الشام ( فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبَرًا ) بضم الزاي وفتح الباء، بمعنى: فتفرّقوا أمرهم بينهم قِطَعا كزُبَر الحديد، وذلك القطع منها واحدتها زبرة، من قول الله: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ فصار بعضهم يهودا ، ويعضهم نصارى.والقراءة التي نختار في ذلك قراءة من قرأه بضم الزاي والباء؛ لإجماع أهل التأويل في تأويل ذلك على أنه مراد به الكتب، فذلك يبين عن صحة ما اخترنا في ذلك؛ لأن الزبُر هي الكتب، يقال منه: زبرت الكتاب: إذ كتبته.فتأويل الكلام: فتفرّق الذين أمرهم الله بلزوم دينه من الأمم دينهم بينهم كتبًا كما بيَّنا قبل.وقوله: ( كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) يقول: كل فريق من تلك الأمم ، بما اختاروه لأنفسهم من الدين والكتب ، فرحون معجبون به، لا يرون أن الحقّ سواه.كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني &; 19-43 &; الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) : قطعة وهؤلاء هم أهل الكتاب.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: ( كُلُّ حِزْبٍ ) قطعة أهل الكتاب.
فَذَرۡهُمۡ فِي غَمۡرَتِهِمۡ حَتَّىٰ حِينٍ ٥٤التفسير الميسرفاتركهم - أيها الرسول - في ضلالتهم وجهلهم بالحق إلى أن ينزل العذاب بهم.
تفسير السعدي فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ أي: في وسط جهلهم بالحق، ودعواهم أنهم هم المحقون. حَتَّى حِينٍ أي: إلى أن ينزل العذاب بهم، فإنهم لا ينفع فيهم وعظ، ولا يفيدهم زجر، وكيف يفيد من يزعم أنه على الحق، ويطمع في دعوة غيره إلى ما هو عليه؟.
تفسير ابن كثيرولهذا قال متهددا لهم ومتواعدا : ( فذرهم في غمرتهم ) أي : في غيهم وضلالهم ) حتى حين ) أي : إلى حين حينهم وهلاكهم ، كما قال تعالى : ( فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ) [ الطارق : 17 ] ، وقال تعالى : ( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون ) [ الحجر : 3 ] .
تفسير القرطبيوهذه الآية مثال لقريش خاطب محمدا - صلى الله عليه وسلم - في شأنهم متصلا بقوله : فذرهم في غمرتهم أي فذر هؤلاء الذين هم بمنزلة من تقدم ، ولا يضيق صدرك بتأخير العذاب عنهم ؛ فلكل شيء وقت . والغمرة في اللغة ما يغمرك ويعلوك ؛ وأصله الستر ؛ ومنه الغمر الحقد لأنه يغطي القلب . والغمر الماء الكثير لأنه يغطي الأرض . وغمر الرداء الذي يشمل الناس بالعطاء ؛ قال :غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا غلقت لضحكته رقاب المالالمراد هنا الحيرة والغفلة والضلالة . ودخل فلان في غمار الناس ، أي في زحمتهم . قوله تعالى : حتى حين قال مجاهد : حتى الموت ، فهو تهديد لا توقيت ؛ كما يقال : سيأتي لك يوم .
تفسير الطبريقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فدع يا محمد هؤلاء الذين تقطَّعوا أمرهم بينهم زبرا، ( فِي غَمْرَتِهِمْ ) في ضلالتهم وغيهم ( حَتَّى حِينٍ ) ، يعني : إلى أجل سيأتيهم عند مجيئه عذابي.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: ( فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ) قال: في ضلالهم.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ) قال: الغَمْرة: الغَمْر.
أَيَحۡسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٖ وَبَنِينَ ٥٥التفسير الميسرأيظن هؤلاء الكفار أن ما نمدُّهم به من أموال وأولاد في الدنيا هو تعجيلُ خيرٍ لهم يستحقونه؟ إنما نعجل لهم الخير فتنة لهم واستدراجًا، ولكنهم لا يُحِسُّون بذلك.
تفسير السعديتفسير الآيتين 55 و56 : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ أي: أيظنون أن زيادتنا إياهم بالأموال والأولاد، دليل على أنهم من أهل الخير والسعادة، وأن لهم خير الدنيا والآخرة؟ وهذا مقدم لهم، ليس الأمر كذلك. بَل لَا يَشْعُرُونَ أنما نملي لهم ونمهلهم ونمدهم بالنعم، ليزدادوا إثما، وليتوفر عقابهم في الآخرة، وليغتبطوا بما أوتوا حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً
تفسير ابن كثيروقوله : ( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ) يعني : أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد لكرامتهم علينا ومعزتهم عندنا؟! كلا ليس الأمر كما يزعمون في قولهم : ( نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين ) [ سبأ : 35 ] ، لقد أخطئوا في ذلك وخاب رجاؤهم ، بل إنما نفعل بهم ذلك استدراجا وإنظارا وإملاء ; ولهذا قال : ( بل لا يشعرون ) ، كما قال تعالى : ( فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ) [ التوبة : 55 ] ، وقال تعالى : ( إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ) [ آل عمران : 178 ] ، وقال تعالى : ( فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين ) [ القلم : 44 ، 45 ] ، وقال : ( ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا ) [ المدثر : 11 16 ] وقال تعالى : ( وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون ) [ سبأ : 37 ] والآيات في هذا كثيرة .قال قتادة في قوله : ( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ) قال : مكر والله بالقوم في أموالهم وأولادهم ، يا ابن آدم ، فلا تعتبر الناس بأموالهم وأولادهم ، ولكن اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح .وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد [ بن عبيد ، حدثنا أبان بن إسحاق ، عن الصباح بن محمد ، عن مرة الهمداني ، حدثنا عبد الله ] بن مسعود رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله قسم بينكم أخلاقكم ، كما قسم بينكم أرزاقكم ، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب ، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه ، والذي نفسي بيده ، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه قالوا : وما بوائقه يا نبي الله؟ قال : غشمه وظلمه ولا يكسب عبد مالا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه ، ولا يتصدق به فيقبل منه ، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار ، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ، ولكن يمحو السيئ بالحسن ، إن الخبيث لا يمحو الخبيث " .
تفسير القرطبيقوله تعالى : أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنينقوله تعالى : أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ( ما ) بمعنى الذي ؛ أي أيحسبون يا محمد أن الذي نعطيهم في الدنيا من المال والأولاد هو ثواب لهم ، إنما هو استدراج وإملاء ،
تفسير الطبريوقوله: ( أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ) يقول تعالى ذكره: أيحسب هؤلاء الأحزاب الذين فرقوا دينهم زبرا، أن الذي نعطيهم في عاجل الدنيا من مال وبنين ( نُسَارِعُ لَهُمْ ) يقول: نسابق لهم في خيرات الآخرة، ونبادر لهم فيها. و " ما " من قوله: ( أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ ) نصب؛ لأنها بمعنى الذي ( بَل لا يَشْعُرُونَ ) يقول تعالى ذِكْره تكذيبا لهم: ما ذلك كذلك، بل لا يعلمون أن إمدادي إياهم بما أمدّهم به من ذلك إنما هو إملاء واستدراج لهم.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ ) قال: نعطيهم.
نُسَارِعُ لَهُمۡ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ بَل لَّا يَشۡعُرُونَ ٥٦التفسير الميسرأيظن هؤلاء الكفار أن ما نمدُّهم به من أموال وأولاد في الدنيا هو تعجيلُ خيرٍ لهم يستحقونه؟ إنما نعجل لهم الخير فتنة لهم واستدراجًا، ولكنهم لا يُحِسُّون بذلك.
تفسير السعديتفسير الآيتين 55 و56 : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ أي: أيظنون أن زيادتنا إياهم بالأموال والأولاد، دليل على أنهم من أهل الخير والسعادة، وأن لهم خير الدنيا والآخرة؟ وهذا مقدم لهم، ليس الأمر كذلك. بَل لَا يَشْعُرُونَ أنما نملي لهم ونمهلهم ونمدهم بالنعم، ليزدادوا إثما، وليتوفر عقابهم في الآخرة، وليغتبطوا بما أوتوا حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً
تفسير ابن كثيروقوله : ( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ) يعني : أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد لكرامتهم علينا ومعزتهم عندنا؟! كلا ليس الأمر كما يزعمون في قولهم : ( نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين ) [ سبأ : 35 ] ، لقد أخطئوا في ذلك وخاب رجاؤهم ، بل إنما نفعل بهم ذلك استدراجا وإنظارا وإملاء ; ولهذا قال : ( بل لا يشعرون ) ، كما قال تعالى : ( فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ) [ التوبة : 55 ] ، وقال تعالى : ( إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ) [ آل عمران : 178 ] ، وقال تعالى : ( فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين ) [ القلم : 44 ، 45 ] ، وقال : ( ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا ) [ المدثر : 11 16 ] وقال تعالى : ( وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون ) [ سبأ : 37 ] والآيات في هذا كثيرة .قال قتادة في قوله : ( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ) قال : مكر والله بالقوم في أموالهم وأولادهم ، يا ابن آدم ، فلا تعتبر الناس بأموالهم وأولادهم ، ولكن اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح .وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد [ بن عبيد ، حدثنا أبان بن إسحاق ، عن الصباح بن محمد ، عن مرة الهمداني ، حدثنا عبد الله ] بن مسعود رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله قسم بينكم أخلاقكم ، كما قسم بينكم أرزاقكم ، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب ، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه ، والذي نفسي بيده ، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه قالوا : وما بوائقه يا نبي الله؟ قال : غشمه وظلمه ولا يكسب عبد مالا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه ، ولا يتصدق به فيقبل منه ، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار ، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ، ولكن يمحو السيئ بالحسن ، إن الخبيث لا يمحو الخبيث " .
تفسير القرطبينسارع لهم في الخيرات قال ابن الأنباري : وهذا خطأ ؛ لأن ( أن ) كافية من اسم أن وخبرها ولا يجوز أن يؤتى بعد ( أن ) بمفعول ثان . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ، وعبد الرحمن بن أبي بكرة ( يسارع ) بالياء ، على أن يكون فاعله إمدادنا . وهذا يجوز أن يكون على غير حذف ؛ أي يسارع لهم الإمداد . ويجوز أن يكون فيه حذف ، ويكون المعنى يسارع الله لهم . وقرئ ( يسارع لهم في الخيرات ) وفيه ثلاثة أوجه : أحدها على حذف به . ويجوز أن يكون يسارع الإمداد . ويجوز أن يكون لهم اسم ما لم يسم فاعله ؛ ذكره النحاس . قال المهدوي : وقرأ الحر النحوي ( نسرع لهم في الخيرات ) وهو معنى قراءة الجماعة . قال الثعلبي : والصواب قراءة العامة ؛ لقوله : نمدهم . بل لا يشعرون أن ذلك فتنة لهم واستدراج .
تفسير الطبري( نسارع لهم )، قال: نزيدهم في الخير، نملي لهم، قال: هذا لقريش.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.حدثني محمد بن عمر بن عليّ، قال: ثني أشعث بن عبد الله، قال: ثنا شعبة، عن خالد الحذّاء، قال: قلت لعبد الرحمن بن أبي بكرة قول الله: ( نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ) قال: يسارع لهم في الخيرات، وكأن عبد الرحمن بن أبي بكرة وجه بقراءته ذلك، إلى أن تأويله: يسارع لهم إمدادنا إياهم بالمال والبنين في الخيرات.
إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ خَشۡيَةِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ ٥٧التفسير الميسرإنَّ الذين هم من خشية ربهم مشفقون وَجِلون مما خوَّفهم الله تعالى به.
تفسير السعديلما ذكر تعالى الذين جمعوا بين الإساءة والأمن، الذين يزعمون أن عطاء الله إياهم في الدنيا دليل على خيرهم وفضلهم، ذكر الذين جمعوا بين الإحسان والخوف، فقال: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ أي: وجلون، مشفقة قلوبهم كل ذلك من خشية ربهم، خوفا أن يضع عليهم عدله، فلا يبقى لهم حسنة، وسوء ظن بأنفسهم، أن لا يكونوا قد قاموا بحق الله تعالى، وخوفا على إيمانهم من الزوال، ومعرفة منهم بربهم، وما يستحقه من الإجلال والإكرام، وخوفهم وإشفاقهم يوجب لهم الكف عما يوجب الأمر المخوف من الذنوب، والتقصير في الواجبات.
تفسير ابن كثيريقول تعالى : ( إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ) أي : هم مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح ، مشفقون من الله خائفون منه ، وجلون من مكره بهم ، كما قال الحسن البصري : إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة ، وإن المنافق جمع إساءة وأمنا .
تفسير القرطبيقوله تعالى : إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون لما فرغ من ذكر الكفرة وتوعدهم عقب ذلك بذكر المؤمنين المسارعين في الخيرات ووعدهم ، وذكر ذلك بأبلغ صفاتهم . و مشفقون خائفون وجلون مما خوفهم الله تعالى .
تفسير الطبرييعني تعالى ذكره: ( إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ) إن الذين هم من خشيتهم وخوفهم من عذاب الله مشفقون، فهم من خشيتهم من ذلك دائبون في طاعته جادّون في طلب مرضاته.
وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ ٥٨التفسير الميسروالذين هم يصدِّقون بآيات الله في القرآن، ويعملون بها.
تفسير السعدي وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ أي: إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا، ويتفكرون أيضا في الآيات القرآنية ويتدبرونها، فيبين لهم من معاني القرآن وجلالته واتفاقه، وعدم اختلافه وتناقضه، وما يدعو إليه من معرفة الله وخوفه ورجائه، وأحوال الجزاء، فيحدث لهم بذلك من تفاصيل الإيمان، ما لا يعبر عنه اللسان.ويتفكرون أيضا في الآيات الأفقية، كما في قوله: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ إلى آخر الآيات.
تفسير ابن كثير( والذين هم بآيات ربهم يؤمنون ) أي : يؤمنون بآياته الكونية والشرعية ، كقوله تعالى إخبارا عن مريم ، عليها السلام : ( وصدقت بكلمات ربها وكتبه ) [ التحريم : 12 ] ، أي : أيقنت أن ما كان فإنما هو عن قدر الله وقضائه ، وما شرعه الله فهو إن كان أمرا فمما يحبه ويرضاه ، وإن كان نهيا فهو مما يكرهه ويأباه ، وإن كان خيرا فهو حق ،
تفسير القرطبي
تفسير الطبري( وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ) يقول: والذين هم بآيات كتابه وحججه مصدقون.
وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمۡ لَا يُشۡرِكُونَ ٥٩التفسير الميسروالذين هم يخلصون العبادة لله وحده، ولا يشركون به غيره.
تفسير السعدي وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ أي: لا شركا جليا، كاتخاذ غير الله معبودا، يدعوه ويرجوه ولا شركا خفيا، كالرياء ونحوه، بل هم مخلصون لله، في أقوالهم وأعمالهم وسائر أحوالهم.
تفسير ابن كثيركما قال الله تعالى : ( والذين هم بربهم لا يشركون ) أي : لا يعبدون معه غيره ، بل يوحدونه ويعلمون أنه لا إله إلا الله أحدا صمدا ، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ، وأنه لا نظير له ولا كفء له .
تفسير القرطبي
تفسير الطبري( وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ ) يقول: والذين يخلصون لربهم عبادتهم، فلا يجعلون له فيها لغيره شركا لوثَن ، ولا لصنم، ولا يُراءون بها أحدا من خلقه، ولكنهم يجعلون أعمالهم لوجهه خالصا، وإياه يقصدون بالطاعة والعبادة دون كل شيء سواه.