وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡۚ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٣٢التفسير الميسروزوِّجوا- أيها المؤمنون- مَن لا زوج له من الأحرار والحرائر والصالحين مِن عبيدكم وجواريكم، إن يكن الراغب في الزواج للعفة فقيرًا يغنه الله من واسع رزقه. والله واسع كثير الخير عظيم الفضل، عليم بأحوال عباده.
تفسير السعدييأمر تعالى الأولياء والأسياد، بإنكاح من تحت ولايتهم من الأيامى وهم: من لا أزواج لهم، من رجال، ونساء ثيب، وأبكار، فيجب على القريب وولي اليتيم، أن يزوج من يحتاج للزواج، ممن تجب نفقته عليه، وإذا كانوا مأمورين بإنكاح من تحت أيديهم، كان أمرهم بالنكاح بأنفسهم من باب أولى. وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ يحتمل أن المراد بالصالحين، صلاح الدين، وأن الصالح من العبيد والإماء -وهو الذي لا يكون فاجرا زانيا- مأمور سيده بإنكاحه، جزاء له على صلاحه، وترغيبا له فيه، ولأن الفاسد بالزنا، منهي عن تزوجه، فيكون مؤيدا للمذكور في أول السورة، أن نكاح الزاني والزانية محرم حتى يتوب، ويكون التخصيص بالصلاح في العبيد والإماء دون الأحرار، لكثرة وجود ذلك في العبيد عادة، ويحتمل أن المراد بالصالحين الصالحون للتزوج المحتاجون إليه من العبيد والإماء، يؤيد هذا المعنى، أن السيد غير مأمور بتزويج مملوكه، قبل حاجته إلى الزواج. ولا يبعد إرادة المعنيين كليهما، والله أعلم.وقوله: إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ أي: الأزواج والمتزوجين يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فلا يمنعكم ما تتوهمون، من أنه إذا تزوج، افتقر بسبب كثرة العائلة ونحوه، وفيه حث على التزوج، ووعد للمتزوج بالغنى بعد الفقر. وَاللَّهُ وَاسِعٌ كثير الخير عظيم الفضل عَلِيمٌ بمن يستحق فضله الديني والدنيوي أو أحدهما، ممن لا يستحق، فيعطي كلا ما علمه واقتضاه حكمه.
تفسير ابن كثيراشتملت هذه الآيات الكريمات المبينة على جمل من الأحكام المحكمة ، والأوامر المبرمة ، فقوله تعالى : ( وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ) : هذا أمر بالتزويج . وقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبه ، على كل من قدر عليه . واحتجوا بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم : " يا معشر الشباب ، من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر ، وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " . أخرجاه من حديث ابن مسعود .وجاء في السنن - من غير وجه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " تزوجوا ، توالدوا ، تناسلوا ، فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة " وفي رواية : " حتى بالسقط " .الأيامى : جمع أيم ، ويقال ذلك للمرأة التي لا زوج لها ، وللرجل الذي لا زوجة له . وسواء كان قد تزوج ثم فارق ، أو لم يتزوج واحد منهما ، حكاه الجوهري عن أهل اللغة ، يقال : رجل أيم وامرأة أيم أيضا .وقوله تعالى : ( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم ) ، قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : رغبهم الله في التزويج ، وأمر به الأحرار والعبيد ، ووعدهم عليه الغنى ، فقال : ( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمود بن خالد الأزرق ، حدثنا عمر بن عبد الواحد ، عن سعيد - يعني : ابن عبد العزيز - قال : بلغني أن أبا بكر الصديق ، رضي الله عنه ، قال : أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ، ينجز [ لكم ] ما وعدكم من الغنى ، قال : ( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) .وعن ابن مسعود : التمسوا الغنى في النكاح ، يقول الله تعالى : ( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) رواه ابن جرير ، وذكر البغوي عن عمر بنحوه .وعن الليث ، عن محمد بن عجلان ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة حق على الله عونهم : الناكح يريد العفاف ، والمكاتب يريد الأداء ، والغازي في سبيل الله " . رواه الإمام أحمد ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجهوقد زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل الذي لم يجد إلا إزاره ، ولم يقدر على خاتم من حديد ، ومع هذا فزوجه بتلك المرأة ، وجعل صداقها عليه أن يعلمها ما يحفظه من القرآن .والمعهود من كرم الله تعالى ولطفه أن يرزقه [ وإياها ] ما فيه كفاية له ولها . فأما ما يورده كثير من الناس على أنه حديث : " تزوجوا فقراء يغنكم الله " ، فلا أصل له ، ولم أره بإسناد قوي ولا ضعيف إلى الآن ، وفي القرآن غنية عنه ، وكذا هذا الحديث الذي أوردناه . ولله الحمد .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليمفيه سبع مسائل :الأولى : هذه المخاطبة تدخل في باب الستر والصلاح ؛ أي زوجوا من لا زوج له منكم فإنه طريق التعفف ؛ والخطاب للأولياء . وقيل للأزواج . والصحيح الأول ؛ إذ لو أراد الأزواج لقال وانكحوا بغير همز ، وكانت الألف للوصل . وفي هذا دليل على أن المرأة ليس لها أن تنكح نفسها بغير ولي ؛ وهو قول أكثر العلماء . وقالأبو حنيفة : إذا زوجت الثيب أو البكر نفسها بغير ولي كفء لها جاز . وقد مضى هذا في ( البقرة ) مستوفى .الثانية : اختلف العلماء في هذا الأمر على ثلاثة أقوال ؛ فقال علماؤنا : يختلف الحكم في ذلك باختلاف حال المؤمن من خوف العنت ، ومن عدم صبره ، ومن قوته على الصبر وزوال خشية العنت عنه . وإذا خاف الهلاك في الدين أو الدنيا أو فيهما فالنكاح حتم . وإن لم يخش شيئا وكانت الحال مطلقة فقال الشافعي : النكاح مباح . وقال مالك ، وأبو حنيفة : هو مستحب . تعلق الشافعي بأنه قضاء لذة فكان مباحا كالأكل والشرب . وتعلق علماؤنا بالحديث الصحيح : من رغب عن سنتي فليس مني .الثالثة : قوله تعالى : الأيامى منكم أي الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء ؛ واحدهم أيم . قال أبو عمرو : أيامى مقلوب أيايم . واتفق أهل اللغة على أن الأيم في الأصل هي المرأة التي لا زوج لها ، بكرا كانت أو ثيبا ؛ حكى ذلك أبو عمرو ، والكسائي ، وغيرهما . تقول العرب : تأيمت المرأة إذا أقامت لا تتزوج . وفي حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنا وامرأة سفعاء الخدين تأيمت على ولدها الصغار حتى يبلغوا أو يغنيهم الله من فضله كهاتين في الجنة .وقال الشاعر :فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي وإن كنت أفتى منكم أتأيمويقال : أيم بين الأيمة . وقد آمت هي ، وإمت أنا . قال الشاعر :لقد إمت حتى لامني كل صاحب رجاء بسلمى أن تئيم كما إمتقال أبو عبيد : يقال رجل أيم وامرأة أيم ؛ وأكثر ما يكون ذلك في النساء ، وهو كالمستعار في الرجال . وقال أمية بن أبي الصلت :لله در بني علي أيم منهم وناكحوقال قوم : هذه الآية ناسخة لحكم قوله تعالى : والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين . وقد بيناه في أول السورة والحمد لله .الرابعة : المقصود من قوله تعالى : وأنكحوا الأيامى منكم الحرائر والأحرار ؛ ثم بين حكم المماليك فقال : والصالحين من عبادكم وإمائكم . وقرأ الحسن ( والصالحين من عبيدكم ) ، وعبيد اسم للجمع . قال الفراء : ويجوز ( وإماءكم ) بالنصب ، يرده على الصالحين يعني الذكور والإناث ؛ والصلاح الإيمان . وقيل : المعنى ينبغي أن تكون الرغبة في تزويج الإماء والعبيد إذا كانوا صالحين فيجوز تزويجهم ، ولكن لا ترغيب فيه ولا استحباب ؛ كما قال فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا . ثم قد تجوز الكتابة وإن لم يعلم أن في العبد خيرا ، ولكن الخطاب ورد في الترغيب والاستحباب ، وإنما يستحب كتابة من فيه خير .الخامسة : أكثر العلماء على أن للسيد أن يكره عبده وأمته على النكاح ؛ وهو قول مالك ، وأبي حنيفة ، وغيرهما . قال مالك : ولا يجوز ذلك إذا كان ضررا . وروي نحوه عن الشافعي ، ثم قال : ليس للسيد أن يكره العبد على النكاح . وقال النخعي : كانوا يكرهون المماليك على النكاح ويغلقون عليهم الأبواب . تمسك أصحاب الشافعي فقالوا : العبد مكلف فلا يجبر على النكاح ؛ لأن التكليف يدل على أن العبد كامل من جهة الآدمية ، وإنما تتعلق به المملوكية فيما كان حظا للسيد من ملك الرقبة والمنفعة ، بخلاف الأمة فإنه له حق المملوكية في بضعها ليستوفيه ؛ فأما بضع العبد فلا حق له فيه ، ولأجل ذلك لا تباح السيدة لعبدها . هذه عمدة أهل خراسان والعراق ، وعمدتهم أيضا الطلاق ، فإنه يملكه العبد بتملك عقده . ولعلمائنا النكتة العظمى في أن مالكية العبد استغرقتها مالكية السيد ؛ ولذلك لا يتزوج إلا بإذنه بإجماع . والنكاح وبابه إنما هو من المصالح ، ومصلحة العبد موكولة إلى السيد ، هو يراها ويقيمها للعبد .السادسة : قوله تعالى : إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله رجع الكلام إلى الأحرار ؛ أي لا تمتنعوا عن التزويج بسبب فقر الرجل والمرأة ؛ إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله . وهذا وعد بالغنى للمتزوجين طلب رضا الله واعتصاما من معاصيه . وقال ابن مسعود : التمسوا الغنى في النكاح ؛ وتلا هذه الآية . وقال عمر - رضي الله عنه - : عجبي ممن لا يطلب الغنى في النكاح ، وقد قال الله تعالى : إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله . وروي هذا المعنى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أيضا . ومن حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ثلاثة كلهم حق على الله عونه المجاهد في سبيل الله ، والناكح يريد العفاف ، والمكاتب يريد الأداء . أخرجه ابن ماجه في سننه . فإن قيل : فقد نجد الناكح لا يستغني ؛ قلنا : لا يلزم أن يكون هذا على الدوام ، بل لو كان في لحظة واحدة لصدق الوعد . وقد قيل : يغنيه ؛ أي يغني النفس . وفي الصحيح ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس . وقد قيل : ليس وعد لا يقع فيه خلف ، بل المعنى أن المال غاد ورائح ، فارجوا الغنى . وقيل : المعنى يغنهم الله من فضله إن شاء ؛ كقوله تعالى : فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ، وقال تعالى : يبسط الرزق لمن يشاء . وقيل : المعنى إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله بالحلال ليتعففوا عن الزنا .السابعة : هذه الآية دليل على تزويج الفقير ، ولا يقول كيف أتزوج وليس لي مال ؛ فإن رزقه على الله . وقد زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - المرأة التي أتته تهب له نفسها لمن ليس له إلا إزار واحد ، وليس لها بعد ذلك فسخ النكاح بالإعسار ؛ لأنها دخلت عليه ؛ وإنما يكون ذلك إذا دخلت على اليسار فخرج معسرا ، أو طرأ الإعسار بعد ذلك لأن الجوع لا صبر عليه ؛ قاله علماؤنا . وقال النقاش : هذه الآية حجة على من قال : إن القاضي يفرق بين الزوجين إذا كان الزوج فقيرا لا يقدر على النفقة ؛ لأن الله تعالى قال : يغنهم الله ولم يقل يفرق . وهذا انتزاع ضعيف ، وليس هذه الآية حكما فيمن عجز عن النفقة ، وإنما هي وعد بالإغناء لمن تزوج فقيرا . فأما من تزوج موسرا وأعسر بالنفقة فإنه يفرق بينهما ؛ قال الله تعالى : وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته . ونفحات الله تعالى مأمولة في كل حال موعود بها .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: وزوّجوا أيها المؤمنون من لا زوج له، من أحرار رجالكم ونسائكم، ومن أهل الصلاح من عبيدكم ومماليككم. والأيامى: جمع أيمُ، وإنما جمع الأيم أيامى؛ لأنها فعيلة في المعنى، فجُمعت كذلك كما جمعت اليتيمة: يتامى; ومنه قول جميل:أُحبُّ الأيامَى إذْ بُثَيْنَةُ أيِّمٌوأحْبَبْتُ لمَّا أنْ غَنِيتِ الغَوَانِيا (1)ولو جمعت أيائم كان صوابا، والأيم يوصف به الذكر والأنثى، يقال: رجل أيم، وامرأة أيم وأيِّمة: إذا لم يكن لها زوج; ومنه قول الشاعر:فإنْ تَنْكِحي أَنْكِحْ وَإنْ تَتأَيَّمِيوإنْ كُنْتُ أفْتَى مِنْكُمُ أتَأيَّمُ (2)( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ ) يقول: إن يكن هؤلاء الذين تُنْكِحونهم من أيامى رجالكم ونسائكم وعبيدكم وإمائكم أهل فاقة وفقر، فإن الله يغنيهم من فضله، فلا يمنعنكم فقرهم من إنكاحهم.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ) قال: أمر الله سبحانه بالنكاح، ورغَّبهم فيه، وأمرهم أن يزوّجوا أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى، فقال: ( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ).حدثنا أبو كريب، قال: ثنا حسن أبو الحسن، وكان إسماعيل بن صبيح مولى هذا، قال: سمعت القاسم بن الوليد، عن عبد الله بن مسعود، قال: التمسوا الغنى في النكاح، يقول الله: ( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ).حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ ) قال: أيامى النساء: اللاتي ليس لهنّ أزواج.وقوله: ( وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) يقول جلّ ثناؤه: والله واسع الفضل جواد بعطاياه، فزوّجوا إماءكم، فإن الله واسع يوسع عليهم من فضله، إن كانوا فقراء. عليم: يقول: هو ذو علم بالفقير منهم والغنيّ، لا يخفى عليه حال خلقه في شيء وتدبيرهم.------------------------الهوامش:(1) البيت لجميل العذري صاحب بثينة ، كما قال المؤلف ، وكما في (اللسان: غنا) . قال: والغانية : التي غنيت بالزوج، وقال جميل : " أحب الأيامى ... " البيت وغنيت المرأة بزوجها غنيانًا . أي : استغنت . والأيامى : جمع أيم ، وهي في الأصل : التي لا زوج لها بكرًا كانت أو ثيبًا ، مطلقة كانت أو متوفى عنها (اللسان) . وفي التنزيل العزيز : وأنكحوا الأيامى منكم) : دخل فيه الذكر والأنثى ، والبكر والثيب . واستشهد به المؤلف على أن الأيم التي ليس لها زوج(2) البيت أنشده صاحب (اللسان) في أيم ، قال: وتأيم الرجل زمانا ، وتأيمت المرأة : إذا مكثا أيامًا وزمانًا لا يتزوجان ، وأنشد ابن بري :فإِنْ تَنْكِحِي أَنْكِحْ وَإِنْ تَتأَيَّمِي(يَدَ الدَّهْرِ مَا لَمْ تَنْكِحِي) أتأيموفي رواية الشطر خلاف بين ما أنشده المؤلف وما أنشده ، ابن بري . والشاهد فيه عند المؤلف ، كما قدمناه في الشاهد الذي قبله وهو أن الأيم من الرجال أو النساء : من لا زوج له أو لها . والفعل منه آم يئيم ، وتأيم يتأيم .
وَلۡيَسۡتَعۡفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغۡنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱلَّذِينَ يَبۡتَغُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَكَاتِبُوهُمۡ إِنۡ عَلِمۡتُمۡ فِيهِمۡ خَيۡرٗاۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ ءَاتَىٰكُمۡۚ وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمۡ عَلَى ٱلۡبِغَآءِ إِنۡ أَرَدۡنَ تَحَصُّنٗا لِّتَبۡتَغُواْ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَن يُكۡرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعۡدِ إِكۡرَٰهِهِنَّ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٣التفسير الميسروالذين لا يستطيعون الزواج لفقرهم أو غيره فليطلبوا العفة عمَّا حَرَّمَ الله حتى يغنيهم الله من فضله، وييسر لهم الزواج. والذين يريدون أن يتحرروا من العبيد والإماء بمكاتبة أسيادهم على بعض المال يؤدونه إليهم، فعلى مالكيهم أن يكاتبوهم على ذلك إن علموا فيهم خيرًا: مِن رشد وقدرة على الكسب وصلاح في الدين، وعليهم أن يعطوهم شيئًا من المال أو أن يحطوا عنهم مما كُوتبوا عليه. ولا يجوز لكم إكراه جواريكم على الزنى طلبًا للمال، وكيف يقع منكم ذلك وهن يُرِدْن العفة وأنتم تأبونها؟ وفي هذا غاية التشنيع لفعلهم القبيح. ومن يكرههنَّ على الزنى فإن الله تعالى من بعد إكراههن غفور لهن رحيم بهن، والإثم على مَن أكْرههن.
تفسير السعدي وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هذا حكم العاجز عن النكاح، أمره الله أن يستعفف، أن يكف عن المحرم، ويفعل الأسباب التي تكفه عنه، من صرف دواعي قلبه بالأفكار التي تخطر بإيقاعه فيه، ويفعل أيضا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " وقوله: الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا أي: لا يقدرون نكاحا، إما لفقرهم أو فقر أوليائهم وأسيادهم، أو امتناعهم من تزويجهم [وليس لهم] من قدرة على إجبارهم على ذلك، وهذا التقدير، أحسن من تقدير من قدر " لا يجدون مهر نكاح " وجعلوا المضاف إليه نائبا مناب المضاف، فإن في ذلك محذورين: أحدهما: الحذف في الكلام، والأصل عدم الحذف.والثاني كون المعنى قاصرا على من له حالان، حالة غنى بماله، وحالة عدم، فيخرج العبيد والإماء ومن إنكاحه على وليه، كما ذكرنا. حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وعد للمستعفف أن الله سيغنيه وييسر له أمره، وأمر له بانتظار الفرج، لئلا يشق عليه ما هو فيه.وقوله وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا أي: من ابتغى وطلب منكم الكتابة، وأن يشتري نفسه، من عبيد وإماء، فأجيبوه إلى ما طلب، وكاتبوه، إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ أي: في الطالبين للكتابة خَيْرًا أي: قدرة على التكسب، وصلاحا في دينه، لأن في الكتابة تحصيل المصلحتين، مصلحة العتق والحرية، ومصلحة العوض الذي يبذله في فداء نفسه. وربما جد واجتهد، وأدرك لسيده في مدة الكتابة من المال ما لا يحصل في رقه، فلا يكون ضرر على السيد في كتابته، مع حصول عظيم المنفعة للعبد، فلذلك أمر الله بالكتابة على هذا الوجه أمر إيجاب، كما هو الظاهر، أو أمر استحباب على القول الآخر، وأمر بمعاونتهم على كتابتهم، لكونهم محتاجين لذلك، بسبب أنهم لا مال لهم، فقال: وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ يدخل في ذلك أمر سيده الذي كاتبه، أن يعطيه من كتابته أو يسقط عنه منها، وأمر الناس بمعونتهم.ولهذا جعل الله للمكاتبين قسطا من الزكاة، ورغب في إعطائه بقوله: مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ أي: فكما أن المال مال الله، وإنما الذي بأيديكم عطية من الله لكم ومحض منه، فأحسنوا لعباد الله، كما أحسن الله إليكم.ومفهوم الآية الكريمة، أن العبد إذا لم يطلب الكتابة، لا يؤمر سيده أن يبتدئ بكتابته، وأنه إذا لم يعلم منه خيرا، بأن علم منه عكسه، إما أنه يعلم أنه لا كسب له، فيكون بسبب ذلك كلا على الناس، ضائعا، وإما أن يخاف إذا أعتق، وصار في حرية نفسه، أن يتمكن من الفساد، فهذا لا يؤمر بكتابته، بل ينهى عن ذلك لما فيه من المحذور المذكور.ثم قال تعالى: وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ أي: إماءكم عَلَى الْبِغَاءِ أي: أن تكون زانية إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لأنه لا يتصور إكراهها إلا بهذه الحال، وأما إذا لم ترد تحصنا فإنها تكون بغيا، يجب على سيدها منعها من ذلك، وإنما هذا نهى لما كانوا يستعملونه في الجاهلية، من كون السيد يجبر أمته على البغاء، ليأخذ منها أجرة ذلك، ولهذا قال: لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فلا يليق بكم أن تكون إماؤكم خيرا منكم، وأعف عن الزنا، وأنتم تفعلون بهن ذلك، لأجل عرض الحياة، متاع قليل يعرض ثم يزول.فكسبكم النزاهة، والنظافة، والمروءة -بقطع النظر عن ثواب الآخرة وعقابها- أفضل من كسبكم العرض القليل، الذي يكسبكم الرذالة والخسة.ثم دعا من جرى منه الإكراه إلى التوبة، فقال: وَمَنْ يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ فليتب إلى الله، وليقلع عما صدر منه مما يغضبه، فإذا فعل ذلك، غفر الله ذنوبه، ورحمه كما رحم نفسه بفكاكها من العذاب، وكما رحم أمته بعدم إكراهها على ما يضرها.
تفسير ابن كثيروقوله تعالى : ( وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ) . هذا أمر من الله تعالى لمن لا يجد تزويجا [ بالتعفف ] عن الحرام ، كما قال - عليه الصلاة والسلام - : " يا معشر الشباب ، من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر ، وأحصن للفرج . ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " .وهذه الآية مطلقة ، والتي في سورة النساء أخص منها ، وهي قوله تعالى : ( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ) ، إلى أن قال : ( ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم ) [ النساء : 25 ] أي صبركم عن تزويج الإماء خير; لأن الولد يجيء رقيقا ، ( والله غفور رحيم ) .قال عكرمة في قوله : ( وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا ) قال : هو الرجل يرى المرأة فكأنه يشتهي ، فإن كانت له امرأة فليذهب إليها وليقض حاجته منها ، وإن لم يكن له امرأة فلينظر في ملكوت السماوات [ والأرض ] حتى يغنيه الله .وقوله : ( والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ) هذا أمر من الله تعالى للسادة إذا طلب منهم عبيدهم الكتابة أن يكاتبوا ، بشرط أن يكون للعبد حيلة وكسب يؤدي إلى سيده المال الذي شارطه على أدائه . وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن هذا الأمر أمر إرشاد واستحباب ، لا أمر تحتم وإيجاب ، بل السيد مخير ، إذا طلب منه عبده الكتابة إن شاء كاتبه ، وإن شاء لم يكاتبه .وقال الثوري ، عن جابر ، عن الشعبي : إن شاء كاتبه وإن شاء لم يكاتبه .وقال ابن وهب ، عن إسماعيل بن عياش ، عن رجل ، عن عطاء بن أبي رباح : إن يشأ يكاتبه وإن لم يشأ لم يكاتبه ، وكذا قال مقاتل بن حيان ، والحسن البصري .وذهب آخرون إلى أنه يجب على السيد إذا طلب منه عبده ذلك ، أن يجيبه إلى ما طلب; أخذا بظاهر هذا الأمر :قال البخاري : وقال روح ، عن ابن جريج قلت لعطاء : [ أواجب علي إذا علمت له مالا أن أكاتبه؟ قال : ما أراه إلا واجبا . وقال عمرو بن دينار : قلت لعطاء ] ، أتأثره عن أحد؟ قال : لا . ثم أخبرني أن موسى بن أنس أخبره ، أن سيرين سأل أنسا المكاتبة - وكان كثير المال ، فأبى . فانطلق إلى عمر بن الخطاب فقال : كاتبه . فأبى ، فضربه بالدرة ، ويتلو عمر ، رضي الله عنه : ( فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ) ، فكاتبههكذا ذكره البخاري تعليقا . ورواه عبد الرزاق : أخبرنا ابن جريج قال : قلت لعطاء : أواجب علي إذا علمت له مالا أن أكاتبه؟ قال : ما أراه إلا واجبا . وقال عمرو بن دينار ، قال : قلت لعطاء : أتأثره عن أحد؟ قال : لاوقال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك : أن سيرين أراد أن يكاتبه ، فتلكأ عليه ، فقال له عمر : لتكاتبنه . إسناد صحيح .وقال سعيد بن منصور : حدثنا هشيم بن جويبر ، عن الضحاك قال : هي عزمة .وهذا هو القول القديم من قولي الشافعي ، رحمه الله ، وذهب في الجديد إلى أنه لا يجب; لقوله عليه الصلاة والسلام : لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه " .وقال ابن وهب : قال مالك : الأمر عندنا أن ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك ، ولم أسمع أحدا من الأئمة أكره أحدا على أن يكاتب عبده . قال مالك : وإنما ذلك أمر من الله ، وإذن منه للناس ، وليس بواجب .وكذا قال الثوري ، وأبو حنيفة ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وغيرهم . واختار ابن جرير قول الوجوب لظاهر الآية .وقوله : ( إن علمتم فيهم خيرا ) ، قال بعضهم : أمانة . وقال بعضهم : صدقا . [ وقال بعضهم : مالا ] وقال بعضهم : حيلة وكسبا .وروى أبو داود في كتاب المراسيل ، عن يحيى بن أبي كثير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ) قال : " إن علمتم فيهم حرفة ، ولا ترسلوهم كلا على الناس " .وقوله : ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) اختلف المفسرون فيه ، فقال قائلون : معناه اطرحوا لهم من الكتابة بعضها ، ثم قال بعضهم : مقدار الربع . وقيل : الثلث . وقيل : النصف . وقيل : جزء من الكتابة من غير واحد .وقال آخرون : بل المراد من قوله : ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) هو النصيب الذي فرض الله لهم من أموال الزكوات . وهذا قول الحسن ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وأبيه ، ومقاتل بن حيان . واختاره ابن جرير .وقال إبراهيم النخعي في قوله : ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) قال : حث الناس عليه مولاه وغيره . وكذلك قال بريدة بن الحصيب الأسلمي ، وقتادة .وقال ابن عباس : أمر الله المؤمنين أن يعينوا في الرقاب . وقد تقدم في الحديث ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ثلاثة حق على الله عونهم " : فذكر منهم المكاتب يريد الأداء ، والقول الأول أشهر .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا وكيع ، عن ابن شبيب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن عمر; أنه كاتب عبدا له ، يكنى أبا أمية ، فجاء بنجمه حين حل ، فقال : يا أبا أمية ، اذهب فاستعن به في مكاتبتك . قال : يا أمير المؤمنين ، لو تركته حتى يكون من آخر نجم؟ قال : أخاف ألا أدرك ذلك . ثم قرأ : ( فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) قال عكرمة : كان أول نجم أدي في الإسلام .وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا هارون بن المغيرة ، عن عنبسة ، عن سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير قال : كان ابن عمر إذا كاتب مكاتبه لم يضع عنه شيئا من أول نجومه ، مخافة أن يعجز فترجع إليه صدقته . ولكنه إذا كان في آخر مكاتبته ، وضع عنه ما أحب .وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) قال : يعني : ضعوا عنهم من مكاتبتهم . وكذلك قال مجاهد ، وعطاء ، والقاسم بن أبي بزة ، وعبد الكريم بن مالك الجزري ، والسدي .وقال محمد بن سيرين في قوله : ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) : كان يعجبهم أن يدع الرجل لمكاتبه طائفة من مكاتبته .وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا الفضل بن شاذان المقرئ ، أخبرنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا هشام بن يوسف ، عن ابن جريج ، أخبرني عطاء بن السائب : أن عبد الله بن جندب أخبره ، عن علي ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ربع الكتابة " .وهذا حديث غريب ، ورفعه منكر ، والأشبه أنه موقوف على علي ، رضي الله عنه ، كما رواه عنه أبو عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله .وقوله : ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ) الآية : كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة ، أرسلها تزني ، وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت . فلما جاء الإسلام ، نهى الله المسلمين عن ذلك .وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة - فيما ذكره غير واحد من المفسرين ، من السلف والخلف - في شأن عبد الله بن أبي بن سلول [ المنافق ] فإنه كان له إماء ، فكان يكرههن على البغاء طلبا لخراجهن ، ورغبة في أولادهن ، ورئاسة منه فيما يزعم [ قبحه الله ولعنه ][ ذكر الآثار الواردة في ذلك ]قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار ، رحمه الله ، في مسنده : حدثنا أحمد بن داود الواسطي ، حدثنا أبو عمرو اللخمي - يعني : محمد بن الحجاج - حدثنا محمد بن إسحاق ، عن الزهري قال : كانت جارية لعبد الله بن أبي بن سلول ، يقال لها : معاذة ، يكرهها على الزنى ، فلما جاء الإسلام نزلت : ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ) إلى قوله : ( فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم )وقال الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر في هذه الآية : ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ) قال : نزلت في أمة لعبد الله بن أبي بن سلول يقال لها : مسيكة ، كان يكرهها على الفجور - وكانت لا بأس بها - فتأبى . فأنزل الله ، عز وجل ، هذه الآية إلى قوله ( ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ) .وروى النسائي ، من حديث ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن جابر نحوهوقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا علي بن سعيد ، حدثنا الأعمش ، حدثني أبو سفيان ، عن جابر قال : كان لعبد الله بن أبي بن سلول جارية يقال لها : مسيكة ، وكان يكرهها على البغاء ، فأنزل الله : ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ) ، إلى قوله : ( ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ) .صرح الأعمش بالسماع من أبي سفيان طلحة بن نافع ، فدل على بطلان قول من قال : " لم يسمع منه ، إنما هو صحيفة " حكاه البزار .قال أبو داود الطيالسي ، عن سليمان بن معاذ ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس; أن جارية لعبد الله بن أبي كانت تزني في الجاهلية ، فولدت أولادا من الزنى ، فقال لها : ما لك لا تزنين؟ قالت لا والله لا أزني . فضربها ، فأنزل الله عز وجل : ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا )وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن الزهري : أن رجلا من قريش أسر يوم بدر ، وكان عند عبد الله بن أبي أسيرا ، وكانت لعبد الله بن أبي جارية يقال لها : معاذة ، وكان القرشي الأسير يريدها على نفسها ، وكانت مسلمة . وكانت تمتنع منه لإسلامها ، وكان عبد الله بن أبي يكرهها على ذلك ويضربها ، رجاء أن تحمل للقرشي ، فيطلب فداء ولده ، فقال تبارك وتعالى : ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا )وقال السدي : أنزلت هذه الآية الكريمة في عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين ، وكانت له جارية تدعى معاذة ، وكان إذا نزل به ضيف أرسلها إليه ليواقعها ، إرادة الثواب منه والكرامة له . فأقبلت الجارية إلى أبي بكر ، رضي الله عنه فشكت إليه ذلك ، فذكره أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأمره بقبضها . فصاح عبد الله بن أبي : من يعذرني من محمد ، يغلبنا على مملوكتنا؟ فأنزل الله فيهم هذا .وقال مقاتل بن حيان : بلغنا - والله أعلم - أن هذه الآية نزلت في رجلين كانا يكرهان أمتين لهما ، إحداهما اسمها مسيكة ، وكانت للأنصاري ، وكانت أميمة أم مسيكة لعبد الله بن أبي ، وكانت معاذة وأروى بتلك المنزلة ، فأتت مسيكة وأمها النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكرتا ذلك له ، فأنزل الله في ذلك ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ) يعني : الزنى .وقوله : ( إن أردن تحصنا ) هذا خرج مخرج الغالب ، فلا مفهوم له . وقوله : ( لتبتغوا عرض [ الحياة ] الدنيا ) أي : من خراجهن ومهورهن وأولادهن . وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن كسب الحجام ، ومهر البغي وحلوان الكاهن - وفي رواية : " مهر البغي خبيث ، وكسب الحجام خبيث ، وثمن الكلب خبيث "وقوله : ( ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ) [ أي : لهن ، كما تقدم في الحديث عن جابر .وقال ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس : فإن فعلتم فإن الله لهن غفور رحيم ] وإثمهن على من أكرههن : وكذا قال مجاهد ، وعطاء الخراساني ، والأعمش ، وقتادة .وقال أبو عبيد : حدثني إسحاق الأزرق ، عن عوف ، عن الحسن في هذه الآية : ( فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ) قال : لهن والله . لهن والله .وعن الزهري قال : غفور لهن ما أكرهن عليه .وعن زيد بن أسلم قال : غفور رحيم للمكرهات .حكاهن ابن المنذر في تفسيره بأسانيده .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا يحيى بن عبد الله ، حدثني ابن لهيعة ، حدثني عطاء ، عن سعيد بن جبير قال : في قراءة عبد الله بن مسعود : " فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم " وإثمهن على من أكرههن .وفي الحديث المرفوع ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه " .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيمقوله تعالى : وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله .فيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : وليستعفف الذين الخطاب لمن يملك أمر نفسه ، لا لمن زمامه بيد غيره فإنه يقوده إلى ما يراه ؛ كالمحجور - قولا واحدا - والأمة والعبد ؛ على أحد قولي العلماء .الثانية : ( واستعفف ) وزنه استفعل ؛ ومعناه طلب أن يكون عفيفا ؛ فأمر الله تعالى بهذه الآية كل من تعذر عليه النكاح ولا يجده بأي وجه تعذر أن يستعفف . ثم لما كان أغلب الموانع على النكاح عدم المال وعد بالإغناء من فضله ؛ فيرزقه ما يتزوج به ، أو يجد امرأة ترضى باليسير من الصداق ، أو تزول عنه شهوة النساء . وروى النسائي ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ثلاثة كلهم حق على الله - عز وجل - عونهم المجاهد في سبيل الله ، والناكح الذي يريد العفاف ، والمكاتب الذي يريد الأداء .الثالثة : قوله تعالى : لا يجدون نكاحا أي طول نكاح ؛ فحذف المضاف . وقيل : النكاح هاهنا ما تنكح به المرأة من المهر والنفقة ؛ كاللحاف اسم لما يلتحف به . واللباس اسم لما يلبس ؛ فعلى هذا لا حذف في الآية ، قاله جماعة من المفسرين ؛ وحملهم على هذا قوله تعالى : حتى يغنيهم الله من فضله فظنوا أن المأمور بالاستعفاف إنما هو من عدم المال الذي يتزوج به . وفي هذا القول تخصيص المأمورين بالاستعفاف ؛ وذلك ضعيف ، بل الأمر بالاستعفاف متوجه لكل من تعذر عليه النكاح بأي وجه تعذر ، كما قدمناه ، والله تعالى أعلم .الرابعة : من تاقت نفسه إلى النكاح فإن وجد الطول فالمستحب له أن يتزوج ، وإن لم يجد الطول فعليه بالاستعفاف ما أمكن ولو بالصوم فإن الصوم له وجاء ؛ كما جاء في الخبر الصحيح . ومن لم تتق نفسه إلى النكاح فالأولى له التخلي لعبادة الله تعالى . وفي الخبر ( خيركم الخفيف الحاذ الذي لا أهل له ولا ولد ) . وقد تقدم جواز نكاح الإماء عند عدم الطول للحرة في ( النساء ) والحمد لله . ولما لم يجعل الله له من العفة والنكاح درجة دل على أن ما عداهما محرم ولا يدخل فيه ملك اليمين ؛ لأنه بنص آخر مباح وهو قوله تعالى : أو ما ملكت أيمانكم فجاءت فيه زيادة ويبقى على التحريم الاستمناء ردا على أحمد . وكذلك يخرج عنه نكاح المتعة بنسخه وقد تقدم هذا في ( المؤمنون ) .قوله تعالى : والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا .فيه ست عشرة مسألة :الأولى : والذين يبتغون الكتاب الذين في موضع رفع . وعند الخليل وسيبويه في موضع نصب على إضمار فعل ؛ لأن بعده أمرا . ولما جرى ذكر العبيد والإماء فيما سبق وصل به أن العبد إن طلب الكتاب فالمستحب كتابته ؛ فربما يقصد بالكتابة أن يستقل ويكتسب ويتزوج إذا أراد ، فيكون أعف له . قيل : نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزى يقال له صبح - وقيل صبيح - طلب من مولاه أن يكاتبه فأبى ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فكاتبه حويطب على مائة دينار ووهب له منها عشرين دينارا فأداها ، وقتل بحنين في الحرب ؛ ذكره القشيري ، وحكاه النقاش . وقال مكي : هو صبيح القبطي غلام حاطب بن أبي بلتعة . وعلى الجملة فإن الله تعالى أمر المؤمنين كافة أن يكاتب منهم كل من له مملوك وطلب المملوك الكتابة وعلم سيده منه خيرا .الثانية : الكتاب والمكاتبة سواء ؛ مفاعلة مما لا تكون إلا بين اثنين ، لأنها معاقدة بين السيد وعبده ؛ يقال : كاتب يكاتب كتابا ومكاتبة ، كما يقال : قاتل قتالا ومقاتلة . فالكتاب في الآية مصدر كالقتال والجلاد والدفاع . وقيل : الكتاب هاهنا هو الكتاب المعروف الذي يكتب فيه الشيء ؛ وذلك أنهم كانوا إذا كاتبوا العبد كتبوا عليه وعلى أنفسهم بذلك كتابا . فالمعنى يطلبون العتق الذي يكتب به الكتاب فيدفع إليهم .الثالثة : معنى المكاتبة في الشرع : هو أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه منجما عليه ؛ فإذا أداه فهو حر . ولها حالتان : الأولى : أن يطلبها العبد ويجيبه السيد ؛ فهذا مطلق الآية وظاهرها . الثانية : أن يطلبها العبد ويأباها السيد ؛ وفيها قولان : الأول : لعكرمة ، وعطاء ، ومسروق ، وعمرو بن دينار ، والضحاك بن مزاحم ، وجماعة أهل الظاهر أن ذلك واجب على السيد . وقال علماء الأمصار : لا يجب ذلك . وتعلق من أوجبها بمطلق الأمر ، وأفعل بمطلقه على الوجوب حتى يأتي الدليل بغيره . وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ، وابن عباس ، واختاره الطبري . واحتج داود أيضا بأن سيرين أبا محمد بن سيرين سأل أنس بن مالك الكتابة وهو مولاه فأبى أنس ؛ فرفع عمر عليه الدرة ، وتلا : فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ، فكاتبه أنس . قال داود : وما كان عمر ليرفع الدرة على أنس فيما له مباح ألا يفعله . وتمسك الجمهور بأن الإجماع منعقد على أنه لو سأله أن يبيعه من غيره لم يلزمه ذلك ، ولم يجبر عليه وإن ضوعف له في الثمن . وكذلك لو قال له أعتقني أو دبرني أو زوجني لم يلزمه ذلك بإجماع ، فكذلك الكتابة ؛ لأنها معاوضة فلا تصح إلا عن تراض . وقولهم : مطلق الأمر يقتضي الوجوب صحيح ، لكن إذا عري عن قرينة تقتضي صرفه عن الوجوب ، وتعليقه هنا بشرط علم الخير فيه ؛ فعلق الوجوب على أمر باطن وهو علم السيد بالخيرية . وإذا قال العبد : كاتبني ؛ وقال السيد : لم أعلم فيك خيرا ؛ وهو أمر باطن ، فيرجع فيه إليه ويعول عليه . وهذا قوي في بابه .الرابعة : واختلف العلماء في قوله تعالى : خيرا فقال ابن عباس ، وعطاء : المال . مجاهد : المال والأداء . والحسن ، والنخعي : الدين والأمانة . وقال مالك : سمعت بعض أهل العلم يقولون هو القوة على الاكتساب والأداء . وعن الليث نحوه ، وهو قول الشافعي . وقال عبيدة السلماني : إقامة الصلاة والخير . قال الطحاوي : وقول من قال إنه المال لا يصح عندنا ؛ لأن العبد مال لمولاه ، فكيف يكون له مال . والمعنى عندنا : إن علمتم فيهم الدين والصدق ، وعلمتم أنهم يعاملونكم على أنهم متعبدون بالوفاء لكم بما عليهم من الكتابة والصدق في المعاملة فكاتبوهم . وقال أبو عمر : من لم يقل إن الخير هنا المال أنكر أن يقال إن علمتم فيهم مالا ، وإنما يقال : علمت فيه الخير والصلاح والأمانة ؛ ولا يقال : علمت فيه المال ، وإنما يقال علمت عنده المال .قلت : وحديث بريرة يرد قول من قال : إن الخير المال ؛ على ما يأتي .الخامسة : اختلف العلماء في كتابة من لا حرفة له ؛ فكان ابن عمر يكره أن يكاتب عبده إذا لم تكن له حرفة ، ويقول : أتأمرني أن آكل أوساخ الناس ؛ ونحوه عن سلمان الفارسي . وروى حكيم بن حزام فقال : كتب عمر بن الخطاب إلى عمير بن سعد : أما بعد ! فانه من قبلك من المسلمين أن يكاتبوا أرقاءهم على مسألة الناس . وكرهه الأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق . ورخص في ذلك مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي . وروي عن علي - رضي الله عنه - أن ابن التياح مؤذنه قال له : أكاتب وليس لي مال ؟ قال نعم ؛ ثم حض الناس على الصدقة علي ؛ فأعطوني ما فضل عن مكاتبتي ، فأتيت عليا فقال : اجعلها في الرقاب . وقد روي عن مالك كراهة ذلك ، وأن الأمة التي لا حرفة لها يكره مكاتبتها لما يؤدي إليه من فسادها . والحجة في السنة لا فيما خالفها . روى الأئمة عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : دخلت علي بريرة فقالت : إن أهلي كاتبوني على تسع أواق في تسع سنين كل سنة أوقية ، فأعينيني . . . الحديث . فهذا دليل على أن للسيد أن يكاتب عبده وهو لا شيء معه ؛ ألا ترى أن بريرة جاءت عائشة تخبرها بأنها كاتبت أهلها وسألتها أن تعينها ، وذلك كان في أول كتابتها قبل أن تؤدي منها شيئا ؛ كذلك ذكره ابن شهاب ، عن عروة أن عائشة أخبرته أن بريرة جاءت تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئا ؛ أخرجه البخاري ، وأبو داود . وفي هذا دليل على جواز كتابة الأمة ، وهي غير ذات صنعة ولا حرفة ولا مال ، ولم يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - هل لها كسب أو عمل واصب أو مال ، ولو كان هذا واجبا لسأل عنه ليقع حكمه عليه ؛ لأنه بعث مبينا معلما - صلى الله عليه وسلم - . وفي هذا الحديث ما يدل على أن من تأول في قوله تعالى : إن علمتم فيهم خيرا أن المال الخير ، ليس بالتأويل الجيد ، وأن الخير المذكور هو القوة على الاكتساب مع الأمانة . والله أعلم .السادسة : الكتابة تكون بقليل المال وكثيره ، وتكون على أنجم ؛ لحديث بريرة . وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء والحمد لله . فلو كاتبه على ألف درهم ولم يذكر أجلا نجمت عليه بقدر سعايته وإن كره السيد . قال الشافعي : لا بد فيها من أجل ؛ وأقلها ثلاثة أنجم . واختلفوا إذا وقعت على نجم واحد فأكثر أهل العلم يجيزونها على نجم واحد . وقال الشافعي : لا تجوز على نجم واحد ، ولا تجوز حالة البتة ، وإنما ذلك عتق على صفة ؛ كأنه قال : إذا أديت كذا وكذا فأنت حر وليست كتابة . قال ابن العربي : اختلف العلماء والسلف في الكتابة إذا كانت حالة على قولين ، واختلف قول علمائنا كاختلافهم . والصحيح في النظر أن الكتابة مؤجلة ؛ كما ورد بها الأثر في حديث بريرة حين كاتبت أهلها على تسع أواق في كل عام أوقية ، وكما فعلت الصحابة ؛ ولذلك سميت كتابة لأنها تكتب ويشهد عليها ، فقد استوسق الاسم والأثر ، وعضده المعنى ؛ فإن المال إن جعله حالا وكان عند العبد شيء فهو مال مقاطعة وعقد مقاطعة لا عقد كتابة . وقال ابن خويز منداد : إذا كاتبه على مال معجل كان عتقا على مال ، ولم تكن كتابة . وأجاز غيره من أصحابنا الكتابة الحالة وسماها قطاعة ، وهو القياس ؛ لأن الأجل فيها إنما هو فسحة للعبد في التكسب . ألا ترى أنه لو جاء بالمنجم عليه قبل محله لوجب على السيد أن يأخذه ويتعجل للمكاتب عتقه . وتجوز الكتابة الحالة ؛ قاله الكوفيون .قلت : لم يرد عن مالك نص في الكتابة الحالة ؛ والأصحاب يقولون : إنها جائزة ، ويسمونها قطاعة . وأما قول الشافعي إنها لا تجوز على أقل من ثلاثة أنجم فليس بصحيح ؛ لأنه لو كان صحيحا لجاز لغيره أن يقول : لا يجوز على أقل من خمسة نجوم ؛ لأنها أقل النجوم التي كانت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بريرة ، وعلم بها النبي - صلى الله عليه وسلم - وقضى فيها ، فكان بصواب الحجة أولى . روى البخاري عن عائشة أن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها وعليها خمسة أواق نجمت عليها في خمس سنين . . . الحديث . كذا قال الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة : وعليها خمسة أواق نجمت عليها في خمس سنين . وقال أبو أسامة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : جاءت بريرة فقالت : إني كاتبت أهلي على تسع أواق . . . الحديث . وظاهر الروايتين تعارض ، غير أن حديث هشام أولى لاتصاله وانقطاع حديث يونس ؛ لقول البخاري : وقال الليث حدثني يونس ؛ ولأن هشاما أثبت في حديث أبيه وجده من غيره ، والله أعلم .السابعة : المكاتب عبد ما بقي عليه من مال الكتابة شيء ؛ لقوله - عليه السلام - : المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم . أخرج أبو داود ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده . وروي عنه أيضا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أيما عبد كاتب على مائة دينار فأداها إلا عشرة دنانير فهو عبد . وهذا قول مالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة ، وأصحابهم ، والثوري ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وداود ، والطبري . وروي ذلك عن ابن عمر من وجوه ، وعن زيد بن ثابت ، وعائشة ، وأم سلمة ، لم يختلف عنهم في ذلك - رضي الله عنهم - . وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ، وبه قال ابن المسيب ، والقاسم ، وسالم ، وعطاء . قال مالك : وكل من أدركنا ببلدنا يقول ذلك . وفيها قول آخر روي عن علي أنه إذا أدى الشطر فهو غريم ؛ وبه قال النخعي . وروي ذلك عن عمر - رضي الله عنه - ، والإسناد عنه بأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم خير من الإسناد عنه بأن المكاتب إذا أدى الشطر فلا رق عليه ؛ قاله أبو عمر . وعن علي أيضا يعتق منه بقدر ما أدى . وعنه أيضا أن العتاقة تجري فيه بأول نجم يؤديه . وقال ابن مسعود : إذا أدى ثلث الكتابة فهو عتيق غريم ؛ وهذا قول شريح . وعن ابن مسعود : لو كانت الكتابة مائتي دينار وقيمة العبد مائة دينار فأدى العبد المائة التي هي قيمته عتق ؛ وهو قول النخعي أيضا . وقول سابع : إذا أدى الثلاثة الأرباع وبقي الربع فهو غريم ولا يعود عبدا ؛ قاله عطاء بن أبي رباح ، رواه ابن جريج عنه . وحكي عن بعض السلف أنه بنفس عقد الكتابة حر ، وهو غريم بالكتابة ولا يرجع إلى الرق أبدا . وهذا القول يرده حديث بريرة لصحته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وفيه دليل واضح على أن المكاتب عبد ، ولولا ذلك ما بيعت بريرة ، ولو كان فيها شيء من العتق ما أجاز بيع ذلك ؛ إذ من سنته المجمع عليها ألا يباع الحر . وكذلك كتابة سلمان وجويرية ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم لجميعهم بالرق حتى أدوا الكتابة . وهي حجة للجمهور في أن المكاتب عبد ما بقي عليه شيء . وقد ناظر علي بن أبي طالب زيد بن ثابت في المكاتب ؛ فقال لعلي : أكنت راجمه لو زنى ، أو مجيزا شهادته لو شهد ؟ فقال علي لا . فقال زيد : هو عبد ما بقي عليه شيء . وقد روى النسائي ، عن علي ، وابن عباس - رضي الله عنهم - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : المكاتب يعتق منه بقدر ما أدى ويقام عليه الحد بقدر ما أدى ويرث بقدر ما عتق منه . وإسناده صحيح . وهو حجة لما روي عن علي ، ويعتضد بما رواه أبو داود عن نبهان مكاتب أم سلمة قال سمعت أم سلمة تقول : قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه . وأخرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح . إلا أنه يحتمل أن يكون خطابا مع زوجاته أخذا بالاحتياط والورع في حقهن ؛ كما قال لسودة : احتجبي منه مع أنه قد حكم بأخوتها له ، وبقوله لعائشة ، وحفصة : أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه يعني ابن أم مكتوم ، مع أنه قال لفاطمة بنت قيس : اعتدي عند ابن أم مكتوم وقد تقدم هذا المعنى .الثامنة : أجمع على أن المكاتب إذا حل عليه نجم من نجومه أو نجمان أو نجومه كلها فوقف السيد عن مطالبته وتركه بحاله أن الكتابة لا تنفسخ ما داما على ذلك ثابتين .التاسعة : قال مالك : ليس للعبد أن يعجز نفسه إذا كان له مال ظاهر ، وإن لم يظهر له مال فذلك إليه . وقال الأوزاعي : لا يمكن من تعجيز نفسه إذا كان قويا على الأداء . وقال الشافعي : له أن يعجز نفسه ، علم له مال أو قوة على الكتابة أو لم يعلم ؛ فإذا قال : قد عجزت وأبطلت الكتابة فذلك إليه . وقال مالك : إذا عجز المكاتب فكل ما قبضه منه سيده قبل العجز حل له ، كان من كسبه أو من صدقة عليه . وأما ما أعين به على فكاك رقبته فلم يف ذلك بكتابته كان لكل من أعانه الرجوع بما أعطى أو تحلل منه المكاتب . ولو أعانوه صدقة لا على فكاك رقبته فذلك إن عجز حل لسيده ولو تم به فكاكه وبقيت منه فضلة . فإن كان بمعنى الفكاك ردها إليهم بالحصص أو يحللونه منها . هذا كله مذهب مالك فيما ذكر ابن القاسم . وقال أكثر أهل العلم : إن ما قبضه السيد منه من كتابته ، وما فضل بيده بعد عجزه من صدقة أو غيرها فهو لسيده ، يطيب له أخذ ذلك كله . هذا قول الشافعي ، وأبي حنيفة ، وأصحابهما ، وأحمد بن حنبل ، ورواية عن شريح . وقال الثوري : يجعل السيد ما أعطاه في الرقاب ؛ وهو قول مسروق ، والنخعي ، ورواية عن شريح . وقالت طائفة : ما قبض منه السيد فهو له ، وما فضل بيده بعد العجز فهو له دون سيده ؛ وهذا قول بعض من ذهب إلى أن العبد يملك . وقال إسحاق : ما أعطي بحال الكتابة رد على أربابه .العاشرة : حديث بريرة على اختلاف طرقه وألفاظه يتضمن أن بريرة وقع فيها بيع بعد كتابة تقدمت . واختلف الناس في بيع المكاتب بسبب ذلك . وقد ترجم البخاري ( باب بيع المكاتب إذا رضي ) . وإلى جواز بيعه للعتق إذا رضي المكاتب بالبيع ولو لم يكن عاجزا ، ذهب ابن المنذر ، والداودي ، وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبد البر ، وبه قال ابن شهاب ، وأبو الزناد ، وربيعة ؛ غير أنهم قالوا : لأن رضاه بالبيع عجز منه . وقال مالك ، وأبو حنيفة ، وأصحابهما : لا يجوز بيع المكاتب ما دام مكاتبا حتى يعجز ، ولا يجوز بيع كتابته بحال ؛ وهو قول الشافعي بمصر ، وكان بالعراق يقول : بيعه جائز ، وأما بيع كتابته فغير جائزة . وأجاز مالك بيع الكتابة ؛ فإن أداها عتق وإلا كان رقيقا لمشتري الكتابة . ومنع من ذلك أبو حنيفة ؛ لأنه بيع غرر . واختلف قول الشافعي في ذلك بالمنع والإجازة . وقالت طائفة : يجوز بيع المكاتب على أن يمضي في كتابته ؛ فإن أدى عتق وكان ولاؤه للذي ابتاعه ، ولو عجز فهو عبد له . وبه قال النخعي ، وعطاء ، والليث ، وأحمد ، وأبو ثور . وقال الأوزاعي : لا يباع المكاتب إلا للعتق ، ويكره أن يباع قبل عجزه ؛ وهو قول أحمد ، وإسحاق . قال أبو عمر : في حديث بريرة إجازة بيع المكاتب إذا رضي بالبيع ولم يكن عاجزا عن أداء نجم قد حل عليه ؛ بخلاف قول من زعم أن بيع المكاتب غير جائز إلا بالعجز ؛ لأن بريرة لم تذكر أنها عجزت عن أداء نجم ، ولا أخبرت بأن النجم قد حل عليها ، ولا قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - : أعاجزة أنت أم هل حل عليك نجم ؟ ولو لم يجز بيع المكاتب والمكاتبة إلا بالعجز عن أداء ما قد حل لكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد سألها : أعاجزة هي أم لا ، وما كان ليأذن في شرائها إلا بعد علمه - صلى الله عليه وسلم - أنها عاجزة ولو عن أداء نجم واحد قد حل عليها . وفي حديث الزهري أنها لم تكن قضت من كتابتها شيئا . ولا أعلم في هذا الباب حجة أصح من حديث بريرة هذا ، ولم يرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء يعارضه ، ولا في شيء من الأخبار دليل على عجزها . استدل من منع من بيع المكاتب بأمور : منها أن قالوا إن الكتابة المذكورة لم تكن انعقدت ، وأن قولها كاتبت أهلي معناه أنها راوضتهم عليها ، وقدروا مبلغها وأجلها ولم يعقدوها . وظاهر الأحاديث خلاف هذا إذا تؤمل مساقها . وقيل : إن بريرة عجزت عن الأداء فاتفقت هي وأهلها على فسخ الكتابة ، وحينئذ صح البيع ؛ إلا أن هذا إنما يتمشى على قول من يقول : إن تعجيز المكاتب غير مفتقر إلى حكم حاكم إذا اتفق العبد والسيد عليه ؛ لأن الحق لا يعدوهما ، وهو المذهب المعروف . وقال سحنون : لا بد من السلطان ؛ وهذا إنما خاف أن يتواطآ على ترك حق الله تعالى . ويدل على صحة أنها عجزت ما روي أن بريرة جاءت عائشة تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئا ؛ فقالت لها عائشة : ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك فعلت . فظاهر هذا أن جميع كتابتها أو بعضها استحق عليها ؛ لأنه لا يقضى من الحقوق إلا ما وجبت المطالبة به ، والله أعلم . هذه التأويلات أشبه ما لهم وفيها من الدخل ما بيناه . وقال ابن المنذر : ولا أعلم حجة لمن قال ليس له بيع المكاتب إلا أن يقول لعل بريرة عجزت . قال الشافعي : وأظهر معانيه أن لمالك المكاتب بيعه .الحادية عشرة : المكاتب إذا أدى كتابته عتق ولا يحتاج إلى ابتداء عتق من السيد . وكذلك ولده الذين ولدوا في كتابته من أمته ، يعتقون بعتقه ويرقون برقه ؛ لأن ولد الإنسان من أمته بمثابته اعتبارا بالحر وكذلك ولد المكاتبة ، فإن كان لهما ولد قبل الكتابة لم يدخل في الكتابة إلا بشرط .الثانية عشرة : وآتوهم من مال الله الذي آتاكم هذا أمر للسادة بإعانتهم في مال الكتابة ؛ إما بأن يعطوهم شيئا مما في أيديهم - أعني أيدي السادة - أو يحطوا عنهم شيئا من مال الكتابة . قال مالك : يوضع عن المكاتب من آخر كتابته . وقد وضع ابن عمر خمسة آلاف من خمسة وثلاثين ألفا . واستحسن علي - رضي الله عنه - أن يكون ذلك ربع الكتابة . قال الزهراوي : روي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . واستحسن ابن مسعود ، والحسن بن أبي الحسن ثلثها . وقال قتادة : عشرها . ابن جبير : يسقط عنه شيئا ، ولم يحده ؛ وهو قول الشافعي ، واستحسنه الثوري . قال الشافعي : والشيء أقل شيء يقع عليه اسم شيء ، ويجبر عليه السيد ويحكم به الحاكم على الورثة إن مات السيد . ورأى مالك رحمه الله تعالى هذا الأمر على الندب ، ولم ير لقدر الوضعية حدا . احتج الشافعي بمطلق الأمر في قوله [ تعالى ] : وآتوهم ، ورأى أن عطف الواجب على الندب معلوم في القرآن ولسان العرب ؛ كما قال تعالى : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وما كان مثله . قال ابن العربي : وذكره قبله إسماعيل بن إسحاق القاضي ، جعل الشافعي الإيتاء واجبا ، والكتابة غير واجبة ؛ فجعل الأصل غير واجب والفرع واجبا ، وهذا لا نظير له ، فصارت دعوى محضة . فإن قيل : يكون ذلك كالنكاح لا يجب فإذا انعقد وجبت أحكامه ، منها المتعة . قلنا : عندنا لا تجب المتعة فلا معنى لأصحاب الشافعي . وقد كاتب عثمان بن عفان عبده وحلف ألا يحطه . . . ، في حديث طويل .قلت : وقد قال الحسن ، والنخعي ، وبريدة : إنما الخطاب بقوله : وآتوهم للناس أجمعين في أن يتصدقوا على المكاتبين ، وأن يعينوهم في فكاك رقابهم . وقال زيد بن أسلم : إنما الخطاب للولاة بأن يعطوا المكاتبين من مال الصدقة حظهم ؛ وهو الذي تضمنه قوله تعالى : وفي الرقاب . وعلى هذين القولين فليس لسيد المكاتب أن يضع شيئا عن مكاتبه . ودليل هذا أنه لو أراد حط شيء من نجوم الكتابة لقال وضعوا عنهم كذا .الثالثة عشرة : : إذا قلنا : إن المراد بالخطاب السادة فرأى عمر بن الخطاب أن يكون ذلك من أول نجومه مبادرة إلى الخير خوفا ألا يدرك آخرها . ورأى مالك رحمه الله تعالى وغيره أن يكون الوضع من آخر نجم . وعلة ذلك أنه إذا وضع من أول نجم ربما عجز العبد فرجع هو وماله إلى السيد ، فعادت إليه وضيعته وهي شبه الصدقة . وهذا قول عبد الله بن عمر ، وعلي . وقال مجاهد : يترك له من كل نجم . قال ابن العربي : والأقوى عندي أن يكون في آخرها ؛ لأن الإسقاط أبدا إنما يكون في أخريات الديون .الرابعة عشرة : المكاتب إذا بيع للعتق رضا منه بعد الكتابة وقبض بائعه ثمنه لم يجب عليه أن يعطيه من ثمنه شيئا ، سواء باعه لعتق أو لغير عتق ، وليس ذلك كالسيد يؤدي إليه مكاتب كتابته فيؤتيه منها أو يضع عنه من آخرها نجما أو ما شاء ؛ على ما أمر الله به في كتابه ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر موالي بريرة بإعطائها مما قبضوا شيئا ، وإن كانوا قد باعوها للعتق .الخامسة عشرة : اختلفوا في صفة عقد الكتابة ؛ فقال ابن خويز منداد : صفتها أن يقول السيد لعبده : كاتبتك على كذا وكذا من المال ، في كذا وكذا نجما ، إذا أديته فأنت حر . أو يقول له أد إلي ألفا في عشرة أنجم وأنت حر . فيقول العبد : قد قبلت ، ونحو ذلك من الألفاظ ؛ فمتى أداها عتق . وكذلك لو قال العبد كاتبني ، فقال السيد قد فعلت ، أو قد كاتبتك . قال ابن العربي : وهذا لا يلزم ؛ لأن لفظ القرآن لا يقتضيه والحال يشهد له ؛ فإن ذكره فحسن ، وإن تركه فهو معلوم لا يحتاج إليه . ومسائل هذا الباب وفروعه كثيرة ، وقد ذكرنا من أصوله جملة ، فيها لمن اقتصر عليها كفاية ، والله الموفق للهداية .السادسة عشرة : في ميراث المكاتب ؛ واختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال : أن المكاتب إذا هلك وترك مالا أكثر مما بقي عليه من كتابته وله ولد ولدوا في كتابته أو كاتب عليهم ، ورثوا ما بقي من المال بعد قضاء كتابته ؛ لأن حكمهم كحكمه ، وعليهم السعي فيما بقي من كتابته لو لم يخلف مالا ، ولا يعتقون إلا بعتقه ، ولو أدى عنهم ما رجع بذلك عليهم ؛ لأنهم يعتقون عليه ؛ فهم أولى بميراثه لأنهم مساوون له في جميع حاله .والقول الثاني : أنه يؤدي عنه من ماله جميع كتابته ، وجعل كأنه قد مات حرا ، ويرثه جميع ولده وسواء في ذلك من كان حرا قبل موته من ولده ، ومن كاتب عليهم ، أو ولدوا في كتابته لأنهم قد استووا في الحرية كلهم حين تأدت عنهم كتابتهم . روي هذا القول عن علي ، وابن مسعود ، ومن التابعين عن عطاء ، والحسن ، وطاوس ، وإبراهيم ، وبه قال فقهاء الكوفة سفيان الثوري ، وأبو حنيفة ، وأصحابه ، والحسن بن صالح بن حي ، وإليه ذهب إسحاق .والقول الثالث : أن المكاتب إذا مات قبل أن يؤدي جميع كتابته فقد مات عبدا ، وكل ما يخلفه من المال فهو لسيده ، ولا يرثه أحد من أولاده ، لا الأحرار ولا الذين معه في كتابته ؛ لأنه لما مات قبل أن يؤدي جميع كتابته فقد مات عبدا وماله لسيده ، فلا يصح عتقه بعد موته ؛ لأنه محال أن يعتق عبد بعد موته ، وعلى ولده الذين كاتب عليهم أو ولدوا في كتابته أن يسعوا في باقي الكتابة ، ويسقط عنهم منها قدر حصته ، فإن أدوا عتقوا لأنهم كانوا فيها تبعا لأبيهم ، وإن لم يؤدوا ذلك رقوا . هذا قول الشافعي ، وبه قال أحمد بن حنبل ، وهو قول عمر بن الخطاب ، وزيد بن ثابت ، وعمر بن عبد العزيز ، والزهري ، وقتادة .قوله تعالى : ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا روي عن جابر بن عبد الله ، وابن عباس - رضي الله عنهم - أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي ، وكانت له جاريتان إحداهما تسمى معاذة ، والأخرى مسيكة ، وكان يكرههما على الزنا ويضربهما عليه ابتغاء الأجر وكسب الولد ؛ فشكتا ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت الآية فيه وفيمن فعل فعله من المنافقين . ومعاذة هذه أم خولة التي جادلت النبي - صلى الله عليه وسلم - في زوجها . وفي صحيح مسلم ، عن جابر أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها مسيكة وأخرى يقال لها أميمة فكان يكرههما على الزنا ، فشكتا ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله - عز وجل - ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إلى قوله ( غفور رحيم ) .قوله تعالى : إن أردن تحصنا راجع إلى الفتيات ، وذلك أن الفتاة إذا أرادت التحصن فحينئذ يمكن ويتصور أن يكون السيد مكرها ، ويمكن أن ينهى عن الإكراه . وإذا كانت الفتاة لا تريد التحصن فلا يتصور أن يقال للسيد لا تكرهها ؛ لأن الإكراه لا يتصور فيها وهي مريدة للزنا . فهذا أمر في سادة وفتيات حالهم هذه . وإلى هذا المعنى أشار ابن العربي فقال : إنما ذكر الله تعالى إرادة التحصن من المرأة لأن ذلك هو الذي يصور الإكراه ؛ فأما إذا كانت هي راغبة في الزنا لم يتصور إكراه ، فحصلوه . وذهب هذا النظر عن كثير من المفسرين ؛ فقال بعضهم : قوله : إن أردن تحصنا راجع إلى الأيامى ، قال الزجاج ، والحسين بن الفضل : في الكلام تقديم وتأخير ؛ أي وأنكحوا الأيامى والصالحين من عبادكم إن أردن تحصنا . وقال بعضهم : هذا الشرط في قوله : ( إن أردن ) ملغى ، ونحو ذلك مما يضعف والله الموفق .قوله تعالى : لتبتغوا عرض الحياة الدنيا أي الشيء الذي تكسبه الأمة بفرجها والولد يسترق فيباع . وقيل : كان الزاني يفتدي ولده من المزني بها بمائة من الإبل يدفعها إلى سيدها .قوله تعالى : ومن يكرهن أي يقهرهن . فإن الله من بعد إكراههن غفور لهن رحيم بهن . وقرأ ابن مسعود ، وجابر بن عبد الله ، وابن جبير ( لهن غفور ) بزيادة لهن . وقد مضى الكلام في الإكراه في ( النحل ) والحمد لله .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ) ما ينكحون به النساء عن إتيان ما حرّم الله عليهم من الفواحش، حتى يغنيهم الله من سعة فضله، ويوسِّع عليهم من رزقه.وقوله: ( وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) يقول جلّ ثناؤه: والذين يلتمسون المكاتبة منكم من مماليككم ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) ، واختلف أهل العلم في وجه مكاتبة الرجل عبده، الذي قد علم فيه خيرا، وهل قوله: ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) على وجه الفرض، أم هو على وجه الندب؟ فقال بعضهم: فرض على الرجل أن يكاتب عبده الذي قد علم فيه خيرا، إذا سأله العبد ذلك.*ذكر من قال ذلك:حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جُرَيج، قال: قلت لعطاء: أواجب عليّ إذا علمت مالا أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلا واجبا، وقالها عمرو بن دينار، قال: قلت لعطاء: أتأثِره عن أحد؟ قال: لا.حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن بكر، قال: ثنا سعيد، عن قَتَادَة، عن أنس بن مالك أن سيرين أراد أن يكاتبه، فتلكأ عليه، فقال له عمر: لتكاتبنه.حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: لا ينبغي لرجل إذا كان عنده المملوك الصالح، الذي له المال يريد إن يكاتب، ألا يكاتبه.وقال آخرون: ذلك غير واجب على السيد، وإنما قوله: ( فَكَاتِبُوهُمْ ) ندب من الله سادة العبيد إلى كتابة من عُلم فيه منهم خير، لا إيجاب.*ذكر من قال ذلك:حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال مالك بن أنس: الأمر عندنا أن ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك، ولم أسمع بأحد من الأئمة أكره أحدا على أن يكاتب عبده، وقد سمعت بعض أهل العلم إذا سُئل عن ذلك، فقيل له: إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) يتلو هاتين الآيتين وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ قال مالك: فإنما ذلك أمر أذن الله فيه للناس، وليس بواجب على الناس ولا يلزم أحدا. وقال الثوري: إذا أراد العبد من سيده أن يكاتبه، فإن شاء السيد أن يكاتبه كاتبه، ولا يجبر السيد على ذلك.حدثني بذلك عليّ عن زيد، عنه، وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قال: ليس بواجب عليه أن يكاتبه، إنما هذا أمر أذن الله فيه، ودليل.وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: واجب على سيد العبد أن يكاتبه إذا علم فيه خيرا، وسأله العبد الكتابة، وذلك أن ظاهر قوله: ( فَكَاتِبُوهُمْ ) ظاهر أمر، وأمر الله فرض الانتهاء إليه، ما لم يكن دليل من كتاب أو سنة، على أنه ندب، لما قد بيَّنا من العلة في كتابنا المسمى " البيان عن أصول الأحكام ".وأما الخير الذي أمر الله تعالى ذكره عباده بكتابة عبيدهم إذا علموه فيهم، فهو القدرة على الاحتراف والكسب لأداء ما كوتبوا عليه.*ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عبد الكريم الجزري، عن نافع، عن ابن عمر أنه كره أن يكاتب مملوكه إذا لم تكن له حرفة، قال: تطعمني أوساخ الناس.حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) يقول: إن علمتم لهم حيلة، ولا تلقوا مؤنتهم على المسلمين.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا أشهب، قال: سئل مالك بن أنس، عن قوله: ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) فقال: إنه ليقال: الخير القوة على الأداء.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني ابن زيد، عن أبيه قول الله: ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قال: الخير: القوة على ذلك.وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن علمتم فيهم صدقا ووفاء وأداء.*ذكر من قال ذلك:حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلية، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن، في قوله: ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قال: صدقا ووفاء وأداء وأمانة.قال: ثنا ابن عُلية، قال: ثنا عبد الله، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وطاووس، أنهما قالا في قوله: ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قالا مالا وأمانة.حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح: ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قال: أداء وأمانة.حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن المغيرة، قال: كان إبراهيم يقول في هذه الآية ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قال: صدقا ووفاء، أو أحدهما.حدثنا أبو بكر، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، في قوله ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قال: أداء ومالا.حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جُرَيج، قال: قال عمرو بن دينار: أحسبه كل ذلك المال والصلاح.حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا زيد، قال: ثنا سفيان: ( إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) يعني: صدقا ووفاء وأمانة.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قال: إن علمت فيه خيرا لنفسك، يؤدّي إليك ويصدّقك ما حدثك؛ فكاتبه.وقال آخرون بل معنى ذلك: إن علمتم لهم مالا.حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) يقول: إن علمتم لهم مالا.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس ( إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قال: مالا.حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد: ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قال: مالا.حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، مثله.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قال: لهم مالا فكاتبوهم.حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قال: إن علمتم لهم مالا كائنة أخلاقهم وأديانهم ما كانت.حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن زاذان، عن عطاء بن أبي رباح: ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قال: مالا.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن مجاهد، قال: إن علمتم عندهم مالا.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني محمد بن عمرو اليافعي، عن ابن جُرَيج، أن عطاء بن أبي رباح، كان يقول: ما نراه إلا المال، يعني قوله: ( إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قال: ثم تلا كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا .وأولى هذه الأقوال في معنى ذلك عندي قول من قال: معناه فكاتبوهم إن علمتم فيهم قوة على الاحتراف والاكتساب، ووفاء بما أوجب على نفسه وألزمها وصدق لهجة. وذلك أن هذه المعاني هي الأسباب التي بمولى العبد الحاجة إليها إذا كاتب عبده مما يكون في العبد.فأما المال وإن كان من الخير، فإنه لا يكون في العبد وإنما يكون عنده أو له لا فيه، والله إنما أوجب علينا مكاتبة العبد إذا علمنا فيه خيرا، لا إذا علمنا عنده أو له، فلذلك لم نقل: إن الخير في هذا الموضع معنيّ به المال.وقوله: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) يقول تعالى ذكره: وأعطوهم من مال الله الذي أعطاكم.ثم اختلف أهل التأويل في المأمور بإعطائه من مال الله الذي أعطاه، من هو؟ وفي المال، أيّ الأموال هو؟ فقال: بعضهم: الذي أمر الله بإعطاء المكاتب من مال الله: هو مولى العبد المكاتب، ومال الله الذي أمر بإعطائه منه هو مال الكتابة، والقدر الذي أمر أن يعطيه منه الربع.وقال آخرون: بل ما شاء من ذلك المولى.*ذكر من قال ذلك:حدثني عمرو بن عليّ، قال: ثنا عمران بن عيينة، قال: ثنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عليّ في قول الله: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) قال: ربع المكاتبة.حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عليّ، في قوله الله: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) قال: ربع الكتابة يحطها عنه.حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن ليث بن عبد الأعلى، عن أبي عبد الرحمن، عن عليّ رضي الله عنه ، في قول الله: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) قال: الربع من أوّل نجومه.قال: أخبرنا ابن علية، قال عطاء بن السائب: عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عليّ، في قوله: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) قال: الربع من مكاتبته.حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال: ثنا محمد بن عبيد، قال: ثني عبد الملك بن أبي سليمان، عن عبد الملك بن أعين، قال: كاتب أبو عبد الرحمن غلاما في أربعة آلاف درهم، ثم وضع له الربع، ثم قال: لولا أني رأيت عليا، رضوان الله عليه كاتب غلاما له، ثم وضع له الربع ، ما وضعت لك شيئا.حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الرحمن السلمي: أنه كاتب غلاما له على ألف ومئتين، فترك الربع وأشهدني، فقال لي: كان صديقك يفعل هذا، يعني عليا رضوان الله عليه يتأوّل ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ).حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان ،عن عبد الملك، قال: ثني فضالة بن أبي أمية، عن أبيه، قال: كاتبني عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فاستقرض لي من حفصة مئتي درهم. قلت: ألا تجعلها في مكاتبتي؟ قال: إني لا أدري أدرك ذاك أم لا.قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، بلغني أنه كاتبه على مئة أوقية، قال: ثنا سفيان، عن عبد الملك، قال: ذكرت ذلك لعكرمة، فقال: هو قول الله: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ).حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قول الله ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) يقول: ضعوا عنهم من مكاتبتهم.حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي،قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) يقول: ضعوا عنهم مما قاطعتموهم عليه.حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، في قوله: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) قال: مما أخرج الله لكم منهم.حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) قال: آتِهمْ مما في يديك.حدثني الحسين بن عمرو العنقزي، قال: ثني أبي، عن أسباط، عن السديّ، عن أبيه، قال: كاتبتني زينب بنت قيس، بن مخرمة من بني المطلب بن عبد مناف على عشرة آلاف، فتركت لي ألفا وكانت زينب قد صلَّت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلتين جميعا.حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا ابن مسعود الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، مولى أبي أسيد، قال: كاتبني أبو أسيد، على ثنتي عشرة مئة، فجئته بها، فأخذ منها ألفا، وردّ عليّ مئتين.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال: كان ابن عمر إذا كاتب مكاتبه لم يضع عنه شيئا من أوّل نجومه؛ مخافة أن يعجز فترجع إليه صدقته، ولكنه إذا كان في آخر مكاتبته وضع عنه ما أحبّ.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مخرمة، عن أبيه، عن نافع، قال: كاتب عبد الله بن عمر غلامًا له يقال له: شرف، على خمسة وثلاثين ألف درهم، فوضع من آخر كتابته خمسة آلاف ولم يذكر نافع أنه أعطاه شيئا غير الذي وضع له.قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال مالك: سمعت بعض أهل العلم يقول: إن ذلك أن يكاتب الرجل غلامه، ثم يضع عنه من آخر كتابته شيئا مسمى، قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت، وعلى ذلك أهل العلم، وعمل الناس عندنا.حدثني عليّ، قال: ثنا زيد، قال: ثنا سفيان: أحبّ إليّ أن يعطيه الربع، أو أقلّ منه شيئا، وليس بواجب، وأن يفعل ذلك حسن.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن عبد الله بن حبيب أبي عبد الرحمن السلمي، عن عليّ رضي الله عنه ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) قال: هو ربع المكاتبة.وقال آخرون: بل ذلك حضّ من الله أهل الأموال على أن يعطوهم سهمهم، الذي جعله لهم من الصدقات المفروضة لهم في أموالهم، بقوله: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ قال: فالرقاب التي جعل فيها أحد سُهمان الصدقة الثمانية هم المكاتبون، قال: وإياه عنى جلّ ثناؤه بقوله: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) : أي سهمهم من الصدقة.*ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد، قال: ثني يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن ابن زيد، عن أبيه، قوله: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) قال: يحث الله عليه يعطونه.حدثني يعقوب، قال: ثني ابن علية، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) قال: حثّ الناس عليه، مولاه وغيره.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد، عن إبراهيم في قوله: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) قال: يعطي مكاتبه وغيره حثّ الناس عليه.حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم أنه قال في قوله: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) قال: أمر مولاه والناس جميعا أن يعينوه.حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد، قال: ثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) قال: أمر المسلمين أن يعطوهم مما آتاهم الله.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني ابن زيد، عن أبيه ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) قال: ذلك في الزكاة على الولاة، يعطونهم من الزكاة، يقول الله وَفِي الرِّقَابِ .قال: ثني ابن زيد، عن أبيه ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) قال: الفيء والصدقات. وقرأ قول الله: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ، وقرأ حتى بلغ: وَفِي الرِّقَابِ فأمر الله أن يوفوها منه، فليس ذلك من الكتابة، قال: وكان أبي يقول: ما له وللكتابة؟! هو من مال الله الذي فرض له فيه نصيبا.وأولى القولين بالصواب في ذلك عندي القول الثاني، وهو قول من قال: عنى به إيتاءهم سهمهم من الصدقة المفروضة.وإنما قلنا ذلك أولى القولين، لأن قوله: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) أمر من الله تعالى ذكره بإيتاء المكاتبين من ماله الذي آتى أهل الأموال، وأمر الله فرض على عباده الانتهاء إليه، ما لم يخبرهم أن مراده الندب، لما قد بيَّنا في غير موضع من كتابنا، فإذ كان ذلك كذلك ولم يكن أخبرنا في كتابه، ولا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أنه ندب، ففرض واجب. وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الحجة قد قامت أن لا حق لأحد في مال أحد غيره من المسلمين، إلا ما أوجبه الله لأهل سهمان الصدقة في أموال الأغنياء منهم، وكانت الكتابة التي يقتضيها سيد المكاتب من مكاتبه مالا من مال سيد المكاتب، فيفاد أن الحقّ الذي أوجب الله له على المؤمنين أن يؤتوه من أموالهم، هو ما فرض على الأغنياء في أموالهم له من الصدقة المفروضة، إذ كان لا حقّ في أموالهم لأحد سواها.القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌيقول تعالى ذكره: زوّجوا الصالحين من عبادكم وإمائكم ولا تكرهوا إماءكم على البغاء، وهو الزنا( إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا ) يقول: إن أردن تعففا عن الزنا.( لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) يقول: لتلتمسوا بإكراهكم إياهنّ على الزنا عرض الحياة الدنيا وذلك ما تعرض لهم إليه الحاجة من رياشها وزينتها وأموالها، ( وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ ) يقول: ومن يكره فتياته على البغاء، فإن الله من بعد إكراهه إياهنّ على ذلك، لهن ( غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ، ووزر ما كان من ذلك عليهم دونهن.وذُكر أن هذه الآية أنزلت في عبد الله بن أُبي ابن سلول، حين أكره أمته مسيكة على الزنا.*ذكر من قال ذلك:حدثنا الحسن بن الصباح، قال: ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جُرَيج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: جاءت مسيكة لبعض الأنصار فقالت: إن سيدي يكرهني على الزنا، فنزلت في ذلك: ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ).حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن أبي سفيان عن جابر قال: كانت جارية لعبد الله بن أبي ابن سلول، يقال لها مسيكة، فآجرها أو أكرهها " الطبري شكّ" فأتت النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فشكت ذلك إليه، فأنزل الله ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) يعني بهنّ.حدثنا أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن الشعبي، في قوله: ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ) قال: رجل كانت له جارية تفجر، فلما أسلمت نزلت هذه.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: أخبرني أبو الزبير، عن جابر، قال: جاءت جارية لبعض الأنصار، فقالت: إن سيدي أكرهني على البغاء، فأنزل الله في ذلك ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ )قال ابن جُرَيج: وأخبرني عمرو بن دينار، عن عكرمة قال: أمة لعبد الله بن أُبَيّ، أمرها فزنت، فجاءت ببرد، فقال لها: ارجعي فازني، قالت: والله لا أفعل، إن يك هذا خيرا فقد استكثرت منه، وإن يك شرّا فقد آن لي أن أدعه. قال ابن جُرَيج، وقال مجاهد نحو ذلك، وزاد قال: البغاء الزنا، ( وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) قال: للمكرهات على الزنا، وفيها نزلت هذه الآية.حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري أن رجلا من قريش أُسر يوم بدر، وكان عبد الله بن أُبي أسره، وكان لعبد الله جارية يقال: لها معاذة، فكان القرشيّ الأسير يريدها على نفسها، وكانت مسلمة، فكانت تمتنع منه لإسلامها، وكان ابن أُبي يُكرهها على ذلك، ويضربها رجاء أن تحمل للقرشيّ، فيطلب فداء ولده، فقال الله: ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا ) قال الزهري: ( وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) يقول: غفور لهنّ ما أكرهن عليه.حدثنا أبو كريب ، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جُبير، أنه كان يقرأ: فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ لهن غَفُورٌ رَحِيمٌ .حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا ) يقول: ولا تكرهوا إماءكم على الزنا، فإن فعلتم فإن الله سبحانه لهنّ غفور رحيم، وإثمهنّ على من أكرههنّ.حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ) ... إلى آخر الآية، قال: كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنا، يأخذون أجورهن، فقال الله: لا تكرهوهنّ على الزنا من أجل المنالة في الدنيا، ( وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) لهنّ يعني إذا أكرهن.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ) على الزنا، قال: عبد الله بن أُبي ابن سلول أمر أمة له بالزنا، فجاءته بدينار أو ببرد " شكّ أبو عاصم " فأعطته، فقال: ارجعي فازني بآخر، فقالت: والله ما أنا براجعة، فالله غفور رحيم للمكرهات على الزنا ، ففي هذا أنزلت هذه الآية.حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه. إلا أنه قال في حديثه: أمر أمة له بالزنا، فزنت فجاءته ببرد فأعطته، فلم يشك.حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ) يقول: على الزنا( فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) يقول: غفور لهنّ، للمكرهات على الزنا.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال: ابن زيد، في قوله: ( وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) قال: غفور رحيم لهنّ حين أكرهن وقسرن على ذلك.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، قال: كانوا يأمرون ولائدهم يباغين يفعلن ذلك، فيصبن، فيأتينهم بكسبهنّ، فكانت لعبد الله بن أُبي ابن سلول جارية، فكانت تباغي. فكرهت وحلفت أن لا تفعله، فأكرهها أهلها، فانطلقت فباغت ببرد أخضر، فأتتهم به، فأنزل الله تبارك وتعالى: ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ) ... الآية.
وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖ وَمَثَلٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٣٤التفسير الميسرولقد أنزلنا إليكم- أيها الناس- آيات القرآن دلالات واضحات على الحق، ومثلا من أخبار الأمم السابقة المؤمنين منهم والكافرين، وما جرى لهم وعليهم ما يكون مثلا وعبرة لكم، وموعظة يتعظ بها من يتقي الله ويَحْذَرُ عذابه.
تفسير السعديهذا تعظيم وتفخيم لهذه الآيات، التي تلاها على عباده، ليعرفوا قدرها، ويقوموا بحقها فقال: وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ أي: واضحات الدلالة، على كل أمر تحتاجون إليه، من الأصول والفروع، بحيث لا يبقى فيها إشكال ولا شبهة، و أنزلنا إليكم أيضا مثلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ من أخبار الأولين، الصالح منهم والطالح، وصفة أعمالهم، وما جرى لهم وجرى عليهم تعتبرونه مثالا ومعتبرا، لمن فعل مثل أفعالهم أن يجازى مثل ما جوزوا. وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ أي: وأنزلنا إليكم موعظة للمتقين، من الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، يتعظ بها المتقون، فينكفون عما يكره الله إلى ما يحبه الله.
تفسير ابن كثيرولما فصل تعالى هذه الأحكام وبينها قال : ( ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ) يعني : القرآن فيه آيات واضحات مفسرات ، ( ومثلا من الذين خلوا من قبلكم ) أي : خبرا عن الأمم الماضية ، وما حل بهم في مخالفتهم أوامر الله تعالى ، كما قال تعالى : ( فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين ) [ الزخرف : 56 ]( وموعظة ) أي : زاجرا عن ارتكاب المآثم والمحارم ) للمتقين ) أي : لمن اتقى الله وخافه .قال علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، في صفة القرآن : فيه حكم ما بينكم ، وخبر ما قبلكم ، ونبأ ما بعدكم ، وهو الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله .
تفسير القرطبيثم عدد تعالى على المؤمنين نعمه فيما أنزل إليهم من الآيات المنيرات ، وفيها ضرب لهم من أمثال الماضين من الأمم ليقع التحفظ مما وقع أولئك فيه .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: ولقد أنزلنا إليكم أيها الناس دلالات وعلامات مبينات: يقول مفصلات الحقّ من الباطل، وموضحات ذلك.واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة، وبعض الكوفيين والبصريين " مُبَيَّنَاتٍ" بفتح الياء: بمعنى مفصلات، وأن الله فصلهن وبينهنّ لعباده، فهنّ مفصلات مبينات. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: ( مُبَيِّنَاتٍ ) بكسر الياء، بمعنى أن الآيات هن تبين الحقّ والصواب للناس وتهديهم إلى الحقّ.والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان، وقد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، متقاربتا المعنى، وذلك أن الله إذ فصّلها وبيَّنها صارت مبينة بنفسها الحق لمن التمسه من قِبَلها، وإذا بيَّنت ذلك لمن التمسه من قبلها، فيبين الله ذلك فيها، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب، في قراءته الصواب.وقوله: ( وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ) من الأمم، ( وَمَوْعِظَةً) لمن اتقى الله، فخاف عقابه وخشي عذابه.
۞ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٣٥التفسير الميسرالله نور السموات والأرض يدبر الأمر فيهما ويهدي أهلهما، فهو- سبحانه- نور، وحجابه نور، به استنارت السموات والأرض وما فيهما، وكتاب الله وهدايته نور منه سبحانه، فلولا نوره تعالى لتراكمت الظلمات بعضها فوق بعض. مثل نوره الذي يهدي إليه، وهو الإيمان والقرآن في قلب المؤمن كمشكاة، وهي الكُوَّة في الحائط غير النافذة، فيها مصباح، حيث تجمع الكوَّة نور المصباح فلا يتفرق، وذلك المصباح في زجاجة، كأنها -لصفائها- كوكب مضيء كالدُّر، يوقَد المصباح من زيت شجرة مباركة، وهي شجرة الزيتون، لا شرقية فقط، فلا تصيبها الشمس آخر النهار، ولا غربية فقط فلا تصيبها الشمس أول النهار، بل هي متوسطة في مكان من الأرض لا إلى الشرق ولا إلى الغرب، يكاد زيتها -لصفائه- يضيء من نفسه قبل أن تمسه النار، فإذا مَسَّتْه النار أضاء إضاءة بليغة، نور على نور، فهو نور من إشراق الزيت على نور من إشعال النار، فذلك مثل الهدى يضيء في قلب المؤمن. والله يهدي ويوفق لاتباع القرآن مَن يشاء، ويضرب الأمثال للناس؛ ليعقلوا عنه أمثاله وحكمه. والله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء.
تفسير السعدي اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الحسي والمعنوي، وذلك أنه تعالى بذاته نور، وحجابه -الذي لولا لطفه، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه- نور، وبه استنار العرش، والكرسي، والشمس، والقمر، والنور، وبه استنارت الجنة. وكذلك النور المعنوي يرجع إلى الله، فكتابه نور، وشرعه نور، والإيمان والمعرفة في قلوب رسله وعباده المؤمنين نور. فلولا نوره تعالى، لتراكمت الظلمات، ولهذا: كل محل، يفقد نوره فثم الظلمة والحصر، مَثَلُ نُورِهِ الذي يهدي إليه، وهو نور الإيمان والقرآن في قلوب المؤمنين، كَمِشْكَاةٍ أي: كوة فِيهَا مِصْبَاحٌ لأن الكوة تجمع نور المصباح بحيث لا يتفرق ذلك الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ من صفائها وبهائها كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ أي: مضيء إضاءة الدر. يُوقَدُ ذلك المصباح، الذي في تلك الزجاجة الدرية مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ أي: يوقد من زيت الزيتون الذي ناره من أنور ما يكون، لَا شَرْقِيَّةٍ فقط، فلا تصيبها الشمس آخر النهار، وَلَا غَرْبِيَّةٍ فقط، فلا تصيبها الشمس [أول] النهار، وإذا انتفى عنها الأمران، كانت متوسطة من الأرض، كزيتون الشام، تصيبها الشمس أول النهار وآخره، فتحسن وتطيب، ويكون أصفى لزيتها، ولهذا قال: يَكَادُ زَيْتُهَا من صفائه يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ فإذا مسته النار، أضاء إضاءة بليغة نُورٌ عَلَى نُورٍ أي: نور النار، ونور الزيت.ووجه هذا المثل الذي ضربه الله، وتطبيقه على حالة المؤمن، ونور الله في قلبه، أن فطرته التي فطر عليها، بمنزلة الزيت الصافي، ففطرته صافية، مستعدة للتعاليم الإلهية، والعمل المشروع، فإذا وصل إليه العلم والإيمان، اشتعل ذلك النور في قلبه، بمنزلة اشتعال النار في فتيلة ذلك المصباح، وهو صافي القلب من سوء القصد، وسوء الفهم عن الله، إذا وصل إليه الإيمان، أضاء إضاءة عظيمة، لصفائه من الكدورات، وذلك بمنزلة صفاء الزجاجة الدرية، فيجتمع له نور الفطرة، ونور الإيمان، ونور العلم، وصفاء المعرفة، نور على نوره.ولما كان هذا من نور الله تعالى، وليس كل أحد يصلح له ذلك، قال: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ممن يعلم زكاءه وطهارته، وأنه يزكي معه وينمو. وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ليعقلوا عنه ويفهموا، لطفا منه بهم، وإحسانا إليهم، وليتضح الحق من الباطل، فإن الأمثال تقرب المعاني المعقولة من المحسوسة، فيعلمها العباد علما واضحا، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فعلمه محيط بجميع الأشياء، فلتعلموا أن ضربه الأمثال، ضرب من يعلم حقائق الأشياء وتفاصيلها، وأنها مصلحة للعباد، فليكن اشتغالكم بتدبرها وتعقلها، لا بالاعتراض عليها، ولا بمعارضتها، فإنه يعلم وأنتم لا تعلمون.
تفسير ابن كثيرقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( الله نور السماوات والأرض ) يقول : هادي أهل السماوات والأرض .وقال ابن جريج : قال مجاهد وابن عباس في قوله : ( الله نور السماوات والأرض ) يدبر الأمر فيهما ، نجومهما وشمسهما وقمرهما .وقال ابن جرير : حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقي ، حدثنا وهب بن راشد ، عن فرقد ، عن أنس بن مالك قال : إن إلهي يقول : نوري هداي .واختار هذا القول ابن جرير ، رحمه الله .وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب في قول الله تعالى : ( الله نور السماوات والأرض ) قال : هو المؤمن الذي جعل [ الله ] الإيمان والقرآن في صدره ، فضرب الله مثله فقال : ( الله نور السماوات والأرض ) فبدأ بنور نفسه ، ثم ذكر نور المؤمن فقال : مثل نور من آمن به . قال : فكان أبي بن كعب يقرؤها : " مثل نور من آمن به فهو المؤمن جعل الإيمان والقرآن في صدره .وهكذا قال سعيد بن جبير ، وقيس بن سعد ، عن ابن عباس أنه قرأها كذلك : " نور من آمن بالله " .وقرأ بعضهم : " الله نور السماوات والأرض " " .وعن الضحاك : " الله نور السماوات والأرض " .وقال السدي في قوله : ( الله نور السماوات والأرض ) : فبنوره أضاءت السماوات والأرض .وفي الحديث الذي رواه محمد بن إسحاق في السيرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في دعائه يوم آذاه أهل الطائف : " أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، أن يحل بي غضبك أو ينزل بي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك " .وفي الصحيحين ، عن ابن عباس : كان رسول الله صلى الله عليه سلم إذا قام من الليل يقول : " اللهم لك الحمد ، أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد ، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن " الحديث .وعن ابن مسعود ، رضي الله عنه ، قال : إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار ، نور العرش من نور وجهه .وقوله : ( مثل نوره ) في هذا الضمير قولان :أحدهما : أنه عائد إلى الله ، عز وجل ، أي : مثل هداه في قلب المؤمن ، قاله ابن عباس ( كمشكاة ) .والثاني : أن الضمير عائد إلى المؤمن الذي دل عليه سياق الكلام : تقديره : مثل نور المؤمن الذي في قلبه ، كمشكاة . فشبه قلب المؤمن وما هو مفطور عليه من الهدى ، وما يتلقاه من القرآن المطابق لما هو مفطور عليه ، كما قال تعالى : ( أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ) [ هود : 17 ] ، فشبه قلب المؤمن في صفائه في نفسه بالقنديل من الزجاج الشفاف الجوهري ، وما يستهديه من القرآن والشرع بالزيت الجيد الصافي المشرق المعتدل ، الذي لا كدر فيه ولا انحراف .فقوله : ( كمشكاة ) : قال ابن عباس ، ومجاهد ، ومحمد بن كعب ، وغير واحد : هو موضع الفتيلة من القنديل . هذا هو المشهور; ولهذا قال بعده : ( فيها مصباح ) ، وهو الذبالة التي تضيء .وقال العوفي ، عن ابن عباس [ في ] قوله : ( الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ) : وذلك أن اليهود قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم : كيف يخلص نور الله من دون السماء؟ فضرب الله مثل ذلك لنوره ، فقال : ( الله نور السماوات والأرض مثل نوره ) . والمشكاة : كوة في البيت - قال : وهو مثل ضربه الله لطاعته . فسمى الله طاعته نورا ، ثم سماها أنواعا شتى .وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : الكوة بلغة الحبشة . وزاد غيره فقال : المشكاة : الكوة التي لا منفذ لها . وعن مجاهد : المشكاة : الحدائد التي يعلق بها القنديل .والقول الأول أولى ، وهو : أن المشكاة هي موضع الفتيلة من القنديل; ولهذا قال : ( فيها مصباح ) وهو النور الذي في الذبالة .قال أبي بن كعب : المصباح : النور ، وهو القرآن والإيمان الذي في صدره .وقال السدي : هو السراج .( المصباح في زجاجة ) أي : هذا الضوء مشرق في زجاجة صافية .قال أبي بن كعب وغير واحد : وهي نظير قلب المؤمن . ( الزجاجة كأنها كوكب دري ) : قرأ بعضهم بضم الدال من غير همزة ، من الدر ، أي : كأنها كوكب من در .وقرأ آخرون : " دريء " و " دريء " بكسر الدال وضمها مع الهمز ، من الدرء وهو الدفع; وذلك أن النجم إذا رمي به يكون أشد استنارة من سائر الأحوال ، والعرب تسمي ما لا يعرف من الكواكب دراري .قال أبي بن كعب : كوكب مضيء . وقال قتادة : مضيء مبين ضخم . ( يوقد من شجرة مباركة ) أي : يستمد من زيت زيتون شجرة مباركة ) زيتونة ) بدل أو عطف بيان ( لا شرقية ولا غربية ) أي : ليست في شرقي بقعتها فلا تصل إليها الشمس من أول النهار ، ولا في غربيها فيتقلص عنها الفيء قبل الغروب ، بل هي في مكان وسط ، تفرعه الشمس من أول النهار إلى آخره ، فيجيء زيتها معتدلا صافيا مشرقا .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عمار قال : حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد ، أخبرنا عمرو بن أبي قيس ، عن سماك بن حرب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : ( زيتونة لا شرقية ولا غربية ) قال : شجرة بالصحراء ، لا يظلها جبل ولا شجر ولا كهف ، ولا يواريها شيء ، وهو أجود لزيتها .وقال يحيى بن سعيد القطان ، عن عمران بن حدير ، عن عكرمة ، في قوله : ( لا شرقية ولا غربية ) قال : هي بصحراء ، وذلك أصفى لزينتها .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا عمر بن فروخ ، عن حبيب بن الزبير ، عن عكرمة - وسأله رجل عن : ( زيتونة لا شرقية ولا غربية ) قال تلك [ زيتونة ] بأرض فلاة ، إذا أشرقت الشمس أشرقت عليها ، وإذا غربت غربت عليها فذاك أصفى ما يكون من الزيت .وقال مجاهد في قوله : ( [ زيتونة ] لا شرقية ولا غربية ) قال : ليست بشرقية ، لا تصيبها الشمس إذا غربت ، ولا غربية لا تصيبها الشمس إذا طلعت ، [ ولكنها شرقية وغربية ، تصيبها إذا طلعت ] وإذا غربت .وقال سعيد بن جبير في قوله ( زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ) قال : هو أجود الزيت . قال : إذا طلعت الشمس أصابتها من صوب المشرق ، فإذا أخذت في الغروب أصابتها الشمس ، فالشمس تصيبها بالغداة والعشي ، فتلك لا تعد شرقية ولا غربية .وقال السدي [ في ] قوله : ( زيتونة لا شرقية ولا غربية ) يقول : ليست بشرقية يحوزها المشرق ، ولا غربية يحوزها المغرب دون المشرق ، ولكنها على رأس جبل ، أو في صحراء ، تصيبها الشمس النهار كله .وقيل : المراد بقوله : ( زيتونة لا شرقية ولا غربية ) أنها في وسط الشجر ، وليست بادية للمشرق ولا للمغرب .وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب ، في قول الله تعالى : ( زيتونة لا شرقية ولا غربية ) قال : فهي خضراء ناعمة ، لا تصيبها الشمس على أي حال كانت ، لا إذا طلعت ولا إذا غربت . قال : فكذلك هذا المؤمن ، قد أجير من أن يصيبه شيء من الفتن ، وقد ابتلي بها فيثبته الله فيها ، فهو بين أربع خلال : إن قال صدق ، وإن حكم عدل ، وإن ابتلي صبر ، وإن أعطي شكر ، فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا مسدد قال : حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير في قوله : ( زيتونة لا شرقية ولا غربية ) قال : هي وسط الشجر ، لا تصيبها الشمس شرقا ولا غربا .وقال عطية العوفي : ( لا شرقية ولا غربية ) قال : هي شجرة في موضع من الشجر ، يرى ظل ثمرها في ورقها ، وهذه من الشجر لا تطلع عليها الشمس ولا تغرب .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عمار ، حدثنا عبد الرحمن الدشتكي ، حدثنا عمرو بن أبي قيس ، عن عطاء ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، في قوله تعالى : ( لا شرقية ولا غربية ) ليست شرقية ليس فيها غرب ، ولا غربية ليس فيها شرق ، ولكنها شرقية غربية .وقال محمد بن كعب القرظي : ( لا شرقية ولا غربية ) قال : هي القبلية .وقال زيد بن أسلم : ( لا شرقية ولا غربية ) قال : الشام .وقال الحسن البصري : لو كانت هذه الشجرة في الأرض لكانت شرقية أو غربية ، ولكنه مثل ضربه الله لنوره .وقال الضحاك ، عن ابن عباس : ( توقد من شجرة مباركة ) قال : رجل صالح ( زيتونة لا شرقية ولا غربية ) قال : لا يهودي ولا نصراني .وأولى هذه الأقوال القول الأول ، وهو أنها في مستوى من الأرض ، في مكان فسيح بارز ظاهر ضاح للشمس ، تفرعه من أول النهار إلى آخره ، ليكون ذلك أصفى لزينتها وألطف ، كما قال غير واحد ممن تقدم; ولهذا قال : ( يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ) قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : يعني : لضوء إشراق الزيت .وقوله : ( نور على نور ) قال العوفي ، عن ابن عباس : يعني بذلك إيمان العبد وعمله .وقال مجاهد ، والسدي : يعني نور النار ونور الزيت .وقال أبي بن كعب : ( نور على نور ) فهو يتقلب في خمسة من النور ، فكلامه نور ، وعمله نور ، ومدخله نور ، ومخرجه نور ، ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة .وقال شمر بن عطية : جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال : حدثني عن قول الله : ( يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ) قال : يكاد محمد يبين للناس ، وإن لم يتكلم ، أنه نبي ، كما يكاد ذلك الزيت أن يضيء .وقال السدي في قوله : ( نور على نور ) قال : نور النار ونور الزيت ، حين اجتمعا أضاءا ، ولا يضيء واحد بغير صاحبه [ كذلك نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا ، فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه ]وقوله : ( يهدي الله لنوره من يشاء ) أي : يرشد الله إلى هدايته من يختاره ، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد :حدثنا معاوية بن عمرو ، حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري ، حدثنا الأوزاعي ، حدثني ربيعة بن يزيد ، عن عبد الله [ بن ] الديلمي ، عن عبد الله بن عمرو ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله خلق خلقه في ظلمة ، ثم ألقى عليهم من نوره يومئذ ، فمن أصاب يومئذ من نوره اهتدى ، ومن أخطأه ضل . فلذلك أقول : جف القلم على علم الله عز وجل "طريق أخرى عنه : قال البزار : حدثنا أيوب بن سويد ، عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله خلق خلقه في ظلمة ، فألقى عليهم نورا من نوره ، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ، ومن أخطأه ضل . [ ورواه البزار ، عن عبد الله بن عمرو من طريق آخر ، بلفظه وحروفه ] .وقوله تعالى : ( ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم ) لما ذكر تعالى هذا مثلا لنور هداه في قلب المؤمن ، ختم الآية بقوله : ( ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم ) أي : هو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الإضلال .قال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر : حدثنا أبو معاوية - يعني شيبان - ، عن ليث ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " القلوب أربعة : قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر ، وقلب أغلف مربوط على غلافه ، وقلب منكوس ، وقلب مصفح : فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن ، سراجه فيه نوره . وأما القلب الأغلف فقلب الكافر . وأما القلب المنكوس فقلب [ المنافق ] عرف ثم أنكر . وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق ، ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب ، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم ، فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه " . إسناده جيد ولم يخرجوه .
تفسير القرطبيقوله تعالى : الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليمالنور في كلام العرب : الأضواء المدركة بالبصر . واستعمل مجازا فيما صح من المعاني ولاح ؛ فيقال منه : كلام له نور . ومنه : الكتاب المنير ، ومنه قول الشاعر :نسب كأن عليه من شمس الضحا نورا ومن فلق الصباح عموداوالناس يقولون : فلان نور البلد ، وشمس العصر وقمره . وقال [ النابغة الذبياني ] :فإنك شمس والملوك كواكب [ إذا طلعت لم يبد منهن كوكب ]وقال آخر :هلا خصصت من البلاد بمقصد قمر القبائل خالد بن يزيدوقال آخر :إذا سار عبد الله من مرو ليلة فقد سار منها نورها وجمالهافيجوز أن يقال : لله تعالى نور ، من جهة المدح لأنه أوجد الأشياء ونور جميع الأشياء منه ابتداؤها وعنه صدورها ، وهو سبحانه ليس من الأضواء المدركة جل وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا . وقد قال هشام الجوالقي ، وطائفة من المجسمة : هو نور لا كالأنوار ، وجسم لا كالأجسام . وهذا كله محال على الله تعالى عقلا ونقلا على ما يعرف في موضعه من علم الكلام . ثم إن قولهم متناقض ؛ فإن قولهم جسم أو نور حكم عليه بحقيقة ذلك ، وقولهم لا كالأنوار ولا كالأجسام نفي لما أثبتوه من الجسمية والنور ؛ وذلك متناقض ، وتحقيقه في علم الكلام . والذي أوقعهم في ذلك ظواهر اتبعوها منها هذه الآية ، وقوله - عليه السلام - إذا قام من الليل يتهجد اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض . وقال : عليه السلام - وقد سئل : هل رأيت ربك ؟ فقال : رأيت نورا . إلى غير ذلك من الأحاديث .واختلف العلماء في تأويل هذه الآية ؛ فقيل : المعنى أي به وبقدرته أنارت أضواؤها ، واستقامت أمورها ، وقامت مصنوعاتها . فالكلام على التقريب للذهن ؛ كما يقال : الملك نور أهل البلد ؛ أي به قوام أمرها وصلاح جملتها ؛ لجريان أموره على سنن السداد . فهو في الملك مجاز ، وهو في صفة الله حقيقة محضة ، إذ هو الذي أبدع الموجودات وخلق العقل نورا هاديا ؛ لأن ظهور الموجود به حصل كما حصل بالضوء ظهور المبصرات ، تبارك وتعالى لا رب غيره . قال معناه مجاهد ، والزهري ، وغيرهما . قال ابن عرفة : أي منور السماوات والأرض . وكذا قال الضحاك ، والقرظي . كما يقولون : فلان غياثنا ؛ أي مغيثنا . وفلان زادي ؛ أي مزودي . قال جرير :وأنت لنا نور وغيث وعصمة ونبت لمن يرجو نداك وريقأي ذو ورق . وقال مجاهد : مدبر الأمور في السماوات والأرض . أبي بن كعب ، والحسن ، وأبو العالية : مزين السماوات بالشمس والقمر والنجوم ، ومزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين . وقال ابن عباس ، وأنس : المعنى الله هادي أهل السماوات والأرض . والأول أعم للمعاني وأصح مع التأويل .قوله تعالى : مثل نوره أي صفة دلائله التي يقذفها في قلب المؤمن ؛ والدلائل تسمى نورا . وقد سمى الله تعالى كتابه نورا فقال : وأنزلنا إليكم نورا مبينا وسمى نبيه نورا فقال : قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين . وهذا لأن الكتاب يهدي ويبين ، وكذلك الرسول . ووجه الإضافة إلى الله تعالى أنه مثبت الدلالة ، ومبينها ، وواضعها . وتحتمل الآية معنى آخر ليس فيه مقابلة جزء من المثال بجزء من الممثل به ، بل وقع التشبيه فيه جملة بجملة ، وذلك أن يريد مثل نور الله الذي هو هداه وإتقانه صنعة كل مخلوق وبراهينه الساطعة على الجملة كهذه الجملة من النور الذي تتخذونه أنتم على هذه الصفة ، التي هي أبلغ صفات النور الذي بين أيدي الناس ؛ فمثل نور الله في الوضوح كهذا الذي هو منتهاكم أيها البشر . والمشكاة الكوة في الحائط غير النافذة ؛ قاله ابن جبير ، وجمهور المفسرين ، وهي أجمع للضوء ، والمصباح فيها أكثر إنارة منه في غيرها ، وأصلها الوعاء يجعل فيه الشيء . والمشكاة وعاء من أدم كالدلو يبرد فيها الماء ؛ وهو على وزن مفعلة كالمقراة والمصفاة . قال الشاعر :كأن عينيه مشكاتان في حجر قيضا اقتياضا أطراف المناقيروقيل : المشكاة عمود القنديل الذي فيه الفتيلة . وقال مجاهد : هي القنديل . وقال : ( في زجاجة ) لأنه جسم شفاف ، والمصباح فيه أنور منه في غير الزجاج . والمصباح : الفتيل بناره كأنها كوكب دري أي في الإنارة والضوء . وذلك يحتمل معنيين : إما أن يريد أنها بالمصباح كذلك ، وإما أن يريد أنها في نفسها لصفائها ، وجودة جوهرها كذلك . وهذا التأويل أبلغ في التعاون على النور . قال الضحاك : الكوكب الدري هو الزهرة .قوله تعالى : يوقد من شجرة مباركة أي من زيت شجرة ، فحذف المضاف . والمباركة المنماة ؛ والزيتون من أعظم الثمار نماء ، والرمان كذلك . والمعنى يقتضي ذلك . وقول أبي طالب يرثي مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس :ليت شعري مسافر بن أبي عمرو وليت يقولها المحزونبورك الميت الغريب كما بو رك نبع الرمان والزيتونوقيل : من بركتهما أن أغصانهما تورق من أسفلها إلى أعلاها . وقال ابن عباس : في الزيتونة منافع ، يسرج بالزيت ، وهو إدام ، ودهان ، ودباغ ، ووقود يوقد بحطبه وتفله ، وليس فيه شيء إلا وفيه منفعة ، حتى الرماد يغسل به الإبريسم . وهي أول شجرة نبتت في الدنيا ، وأول شجرة نبتت بعد الطوفان ، وتنبت في منازل الأنبياء والأرض المقدسة ، ودعا لها سبعون نبيا بالبركة ؛ منهم إبراهيم ، ومنهم محمد - صلى الله عليه وسلم - فإنه قال : اللهم بارك في الزيت والزيتون . قاله مرتين .قوله تعالى : لا شرقية ولا غربية اختلف العلماء في قوله تعالى : لا شرقية ولا غربية فقال ابن عباس ، وعكرمة ، وقتادة ، وغيرهم : الشرقية التي تصيبها الشمس إذا شرقت ، ولا تصيبها إذا غربت ؛ لأن لها سترا . والغربية عكسها ؛ أي أنها شجرة في صحراء ومنكشف من الأرض لا يواريها عن الشمس شيء وهو أجود لزيتها ، فليست خالصة للشرق فتسمى شرقية ، ولا للغرب فتسمى غربية ، بل هي شرقية غربية . وقال الطبري ، عن ابن عباس : إنها شجرة في دوحة قد أحاطت بها ؛ فهي غير منكشفة من جهة الشرق ، ولا من جهة الغرب . قال ابن عطية : وهذا قول لا يصح عن ابن عباس ؛ لأن الثمرة التي بهذه الصفة يفسد جناها ، وذلك مشاهد في الوجود . وقال الحسن : ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا ، وإنما هو مثل ضربه الله تعالى لنوره ، ولو كانت في الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية . الثعلبي : وقد أفصح القرآن بأنها من شجر الدنيا ؛ لأنها بدل من الشجرة ، فقال ( زيتونة ) . وقال ابن زيد : إنها من شجر الشأم ؛ فإن شجر الشأم لا شرقي ولا غربي ، وشجر الشأم هو أفضل الشجر ، وهي الأرض المباركة ، و ( شرقية ) نعت ل ( زيتونة ) و لا ليست تحول بين النعت والمنعوت ، ( ولا غربية ) عطف عليه .قوله تعالى : يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار مبالغة في حسنه وصفائه وجودته . نور على نور أي اجتمع في المشكاة ضوء المصباح إلى ضوء الزجاجة وإلى ضوء الزيت فصار لذلك نور على نور . واعتقلت هذه الأنوار في المشكاة فصارت كأنور ما يكون فكذلك براهين الله تعالى واضحة ، وهي برهان بعد برهان ، وتنبيه بعد تنبيه ؛ كإرساله الرسل وإنزاله الكتب ، ومواعظ تتكرر فيها لمن له عقل معتبر . ثم ذكر تعالى هداه لنوره من شاء وأسعد من عباده ، وذكر تفضله للعباد في ضرب الأمثال لتقع لهم العبرة والنظر المؤدي إلى الإيمان . وقرأ عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة ، وأبو عبد الرحمن السلمي ( الله نور ) بفتح النون والواو المشددة . واختلف المتأولون في عود الضمير في نوره على من يعود ؛ فقال كعب الأحبار ، وابن جبير : هو عائد على محمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ أي مثل نور محمد - صلى الله عليه وسلم - . قال ابن الأنباري : الله نور السماوات والأرض وقف حسن ، ثم تبتدئ مثل نوره كمشكاة فيها مصباح على معنى نور محمد - صلى الله عليه وسلم - . وقال أبي بن كعب ، وابن جبير أيضا ، والضحاك : هو عائد على المؤمنين . وفي قراءة أبي ( مثل نور المؤمنين ) . وروي أن في قراءته ( مثل نور المؤمن ) . وروي أن فيها ( مثل نور من آمن به ) . وقال الحسن : هو عائد على القرآن والإيمان . قال مكي : وعلى هذه الأقوال يوقف على قوله : ( والأرض ) . قال ابن عطية : وهذه الأقوال فيها عود الضمير على من لم يجر له ذكر ، وفيها مقابلة جزء من المثال بجزء من الممثل ؛ فعلى من قال : الممثل به محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وهو قول كعب الحبر ؛ فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو المشكاة أو صدره ، والمصباح هو النبوة وما يتصل بها من عمله وهداه ، والزجاجة قلبه ، والشجرة المباركة هي الوحي ، والملائكة رسل الله إليه وسببه المتصل به ، والزيت هو الحجج والبراهين والآيات التي تضمنها الوحي . ومن قال : الممثل به المؤمن ، وهو قول أبي ؛ فالمشكاة صدره ، والمصباح الإيمان والعلم ، والزجاجة قلبه ، وزيتها هو الحجج والحكمة التي تضمنها . قال أبي : فهو على أحسن الحال يمشي في الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات . ومن قال : إن الممثل به هو القرآن والإيمان ؛ فتقدير الكلام : مثل نوره الذي هو الإيمان في صدر المؤمن في قلبه كمشكاة ؛ أي كهذه الجملة . وهذا القول ليس في مقابلة التشبيه كالأولين ؛ لأن المشكاة ليست تقابل الإيمان . وقالت طائفة : الضمير في ( نوره ) عائد على الله تعالى . وهذا قول ابن عباس فيما ذكر الثعلبي ، والماوردي ، والمهدوي ، وقد تقدم معناه . ولا يوقف على هذا القول على الأرض . قال المهدوي : الهاء لله - عز وجل - ؛ والتقدير : الله هادي أهل السماوات والأرض ، مثل هداه في قلوب المؤمنين كمشكاة ؛ وروي ذلك عن ابن عباس . وكذلك قال زيد بن أسلم ، والحسن : إن الهاء لله - عز وجل - . وكان أبي ، وابن مسعود يقرآنها ( مثل نوره في قلب المؤمن كمشكاة ) . قال محمد بن علي الترمذي : فأما غيرهما فلم يقرأها في التنزيل هكذا ، وقد وافقهما في التأويل أن ذلك نوره في قلب المؤمن ، وتصديقه في آية أخرى يقول : أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه . واعتل الأولون بأن قالوا : لا يجوز أن يكون الهاء لله - عز وجل - ؛ لأن الله - عز وجل - لا حد لنوره . وأمال الكسائي فيما روى عنه أبو عمر الدوري الألف من ( مشكاة ) وكسر الكاف التي قبلها . وقرأ نصر بن عاصم ( زجاجة ) بفتح الزاي والزجاجة كذلك ، وهي لغة . وقرأ ابن عامر ، وحفص ، عن عاصم ( دري ) بضم الدال وشد الياء ، ولهذه القراءة وجهان : إما أن ينسب الكوكب إلى الدر لبياضه وصفائه ، وإما أن يكون أصله دريء مهموز ، فعيل من الدرء وهو الدفع ، وخففت الهمزة . ويقال للنجوم العظام التي لا تعرف أسماؤها : الدراري ، بغير همز ؛ فلعلهم خففوا الهمزة ، والأصل من الدرء الذي هو الدفع . وقرأ حمزة ، وأبو بكر ، عن عاصم ( دريء ) بالهمز والمد ، وهو فعيل من الدرء ؛ بمعنى أنها يدفع بعضها بعضا . وقرأ الكسائي ، وأبو عمرو ( دريء ) بكسر الدال والهمز من الدرء والدفع ، مثل السكير والفسيق . قال سيبويه : أي يدفع بعض ضوئه بعضا من لمعانه . قال النحاس : وضعف أبو عبيد قراءة أبي عمرو ، والكسائي ، تضعيفا شديدا ، لأنه تأولها من درأت أي دفعت ؛ أي كوكب يجري من الأفق إلى الأفق . وإذا كان التأويل على ما تأوله لم يكن في الكلام فائدة ، ولا كان لهذا الكوكب مزية على أكثر الكواكب ؛ ألا ترى أنه لا يقال جاءني إنسان من بني آدم . ولا ينبغي أن يتأول لمثل أبي عمرو ، والكسائي مع علمهما وجلالتهما هذا التأويل البعيد ، ولكن التأويل لهما على ما روي عن محمد بن يزيد أن معناهما في ذلك : كوكب مندفع بالنور ؛ كما يقال : اندرأ الحريق إن اندفع . وهذا تأويل صحيح لهذه القراءة . وحكى سعيد بن مسعدة أنه يقال : درأ الكوكب بضوئه إذا امتد ضوءه وعلا . وقال الجوهري في الصحاح : ودرأ علينا فلان يدرأ دروءا أي طلع مفاجأة . ومنه كوكب دريء ، على فعيل ؛ مثل سكير ، وخمير لشدة توقده وتلألئه . وقد درأ الكوكب دروءا . قال أبو عمرو بن العلاء : سألت رجلا من سعد بن بكر من أهل ذات عرق فقلت : هذا الكوكب الضخم ما تسمونه ؟ قال : الدريء ، وكان من أفصح الناس . قال النحاس : فأما قراءة حمزة فأهل اللغة جميعا قالوا : هي لحن لا تجوز ، لأنه ليس في كلام العرب اسم على فعيل . وقد اعترض أبو عبيد في هذا فاحتج لحمزة فقال : ليس هو فعيل وإنما هو فعول ، مثل سبوح ، أبدل من الواو ياء ؛ كما قالوا : عتي . قال أبو جعفر النحاس : وهذا الاعتراض والاحتجاج من أعظم الغلط وأشده ؛ لأن هذا لا يجوز البتة ، ولو جاز ما قال لقيل في سبوح سبيح ، وهذا لا يقوله أحد ، وليس عتي من هذا ، والفرق بينهما واضح بين ؛ لأنه ليس يخلو عتي من إحدى جهتين : إما أن يكون جمع عات فيكون البدل فيه لازما ، لأن الجمع باب تغيير ، والواو لا تكون طرفا في الأسماء وقبلها ضمة ، فلما كان قبل هذه ساكن وقبل الساكن ضمة والساكن ليس بحاجز حصين أبدل من الضمة كسرة فقلبت الواو ياء . وإن كان عتي واحدا كان بالواو أولى ، وجاز قلبها لأنها طرف ، والواو في فعول ليست طرفا فلا يجوز قلبها . قال الجوهري : قال أبو عبيد إن ضممت الدال قلت دري ، يكون منسوبا إلى الدر ، على فعلي ولم تهمزه لأنه ليس في كلام العرب فعيل . ومن همزه من القراء فإنما أراد فعولا مثل سبوح فاستثقل فرد بعضه إلى الكسر . وحكى الأخفش عن بعضهم ( دريء ) من درأته ، وهمزها ، وجعلها على فعيل مفتوحة الأول . قال : وذلك من تلألئه . قال الثعلبي : وقرأ سعيد بن المسيب ، وأبو رجاء ( دريء ) بفتح الدال مهموزا . قال أبو حاتم : هذا خطأ لأنه ليس في الكلام فعيل ؛ فإن صح عنهما فهما حجة . ( يوقد ) قرأ شيبة ، ونافع ، وأيوب ، وسلام ، وابن عامر ، وأهل الشام ، وحفص : يوقد بياء مضمومة وتخفيف القاف وضم الدال . وقرأ الحسن ، والسلمي ، وأبو جعفر ، وأبو عمرو بن العلاء البصري : ( توقد ) مفتوحة الحروف كلها مشددة القاف ، واختارها أبو حاتم ، وأبو عبيد . قال النحاس : وهاتان القراءتان متقاربتان ؛ لأنهما جميعا للمصباح ، وهو أشبه بهذا الوصف ؛ لأنه الذي ينير ويضيء ، وإنما الزجاجة وعاء له . و ( توقد ) فعل ماض من توقد يتوقد ، ويوقد فعل مستقبل من أوقد يوقد . وقرأ نصر بن عاصم ( توقد ) والأصل على قراءته تتوقد حذف إحدى التاءين لأن الأخرى تدل عليها . وقرأ الكوفيون ( توقد ) بالتاء يعنون الزجاجة . فهاتان القراءتان على تأنيث الزجاجة . من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية تقدم القول فيه . يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور على تأنيث النار . وزعم أبو عبيد أنه لا يعرف إلا هذه القراءة . وحكى أبو حاتم أن السدي روى عن أبي مالك ، عن ابن عباس أنه قرأ ( ولو لم يمسسه نار ) بالياء . قال محمد بن يزيد : التذكير على أنه تأنيث غير حقيقي ، وكذا سبيل المؤنث عنده . وقال ابن عمر : المشكاة جوف محمد - صلى الله عليه وسلم - ، والزجاجة قلبه ، والمصباح النور الذي جعله الله تعالى في قلبه يوقد من شجرة مباركة ؛ أي أن أصله من إبراهيم وهو شجرته ؛ فأوقد الله تعالى في قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - النور كما جعله في قلب إبراهيم - عليه السلام - . وقال محمد بن كعب : المشكاة إبراهيم ، والزجاجة إسماعيل ، والمصباح محمد صلوات الله عليهم أجمعين ؛ سماه الله تعالى مصباحا كما سماه سراجا فقال : وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا يوقد من شجرة مباركة وهي آدم - عليه السلام - ، بورك في نسله وكثر منه الأنبياء والأولياء . وقيل : هي إبراهيم - عليه السلام - ، سماه الله تعالى مباركا لأن أكثر الأنبياء كانوا من صلبه . لا شرقية ولا غربية أي لم يكن يهوديا ولا نصرانيا وإنما كان حنيفا مسلما . وإنما قال ذلك لأن اليهود تصلي قبل المغرب والنصارى تصلي قبل المشرق . يكاد زيتها يضيء أي يكاد محاسن محمد - صلى الله عليه وسلم - تظهر للناس قبل أن أوحى الله تعالى إليه . نور على نور نبي من نسل نبي . وقال الضحاك : شبه عبد المطلب بالمشكاة وعبد الله بالزجاجة والنبي - صلى الله عليه وسلم - بالمصباح كان في قلبهما ، فورث النبوة من إبراهيم . ( من شجرة ) أي شجرة التقى والرضوان وعشيرة الهدى والإيمان ، شجرة أصلها نبوة ، وفرعها مروءة ، وأغصانها تنزيل ، وورقها تأويل ، وخدمها جبريل ، وميكائيل . قال القاضي أبو بكر بن العربي : ومن غريب الأمر أن بعض الفقهاء قال إن هذا مثل ضربه الله تعالى لإبراهيم ، ومحمد ولعبد المطلب ، وابنه عبد الله ؛ فالمشكاة هي الكوة بلغة الحبشة ، فشبه عبد المطلب بالمشكاة فيها القنديل وهو الزجاجة ، وشبه عبد الله بالقنديل وهو الزجاجة ؛ ومحمد كالمصباح يعني من أصلابهما ، وكأنه كوكب دري وهو المشتري يوقد من شجرة مباركة يعني إرث النبوة من إبراهيم - عليه السلام - هو الشجرة المباركة ، يعني حنيفية ( لا شرقية ولا غربية ) ، لا يهودية ولا نصرانية . يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار يقول : يكاد إبراهيم يتكلم بالوحي من قبل أن يوحى إليه . نور على نور إبراهيم ثم محمد - صلى الله عليه وسلم - . قال القاضي : وهذا كله عدول عن الظاهر ، وليس يمتنع في التمثيل أن يتوسع المرء فيه .قلت : وكذلك في جميع الأقوال لعدم ارتباطه بالآية ما عدا القول الأول ، وأن هذا مثل ضربه الله تعالى لنوره ، ولا يمكن أن يضرب لنوره المعظم مثلا تنبيها لخلقه إلا ببعض خلقه لأن الخلق لقصورهم لا يفهمون إلا بأنفسهم ومن أنفسهم ، ولولا ذلك ما عرف الله إلا الله وحده ، قاله ابن العربي . قال ابن عباس : هذا مثل نور الله وهداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار ، فإن مسته النار زاد ضوءه ، كذلك قلب المؤمن يكاد يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم ، فإذا جاءه العلم زاده هدى على هدى ونورا على نور ؛ كقول إبراهيم من قبل أن تجيئه المعرفة : هذا ربي ، من قبل أن يخبره أحد أن له ربا ؛ فلما أخبره الله أنه ربه زاد هدى ، فقال له ربه : أسلم قال أسلمت لرب العالمين . ومن قال إن هذا مثل للقرآن في قلب المؤمن قال : كما أن هذا المصباح يستضاء به ولا ينقص فكذلك القرآن يهتدى به ولا ينقص ؛ فالمصباح القرآن والزجاجة قلب المؤمن والمشكاة لسانه وفهمه ، والشجرة المباركة شجرة الوحي . يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار تكاد حجج القرآن تتضح ولو لم يقرأ . نور على نور يعني أن القرآن نور من الله تعالى لخلقه ، مع ما أقام لهم من الدلائل والإعلام قبل نزول القرآن ، فازدادوا بذلك نورا على نور . يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس ثم أخبر أن هذا النور المذكور عزيز وأنه لا يناله إلا من أراد الله هداه فقال : يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس أي يبين الأشباه تقريبا إلى الأفهام . والله بكل شيء عليم أي بالمهدي والضال . وروي عن ابن عباس أن اليهود قالوا : يا محمد ، كيف يخلص نور الله تعالى من دون السماء ؛ فضرب الله تعالى ذلك مثلا لنوره .
تفسير الطبرييعني تعالى ذكره بقوله: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) هادي من في السماوات والأرض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهداه من حيرة الضلالة يعتصمون.واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم فيه نحو الذي قلنا.* ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) يقول: الله سبحانه هادي أهل السماوات والأرض.حدثني سليمان بن عمر بن خلدة الرقي، قال: ثنا وهب بن راشد، عن فرقد، عن أنس بن مالك، قال: إن إلهي يقول: نوري هُداي.وقال آخرون: بل معنى ذلك: الله مدبر السماوات والأرض.* ذكر من قال ذلك:حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال مجاهد وابن عباس في قوله: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) : يدبر الأمر فيهما، نجومهما وشمسهما وقمرهما.وقال آخرون: بل عنى بذلك النور الضياء. وقالوا: معنى ذلك: ضياء السماوات والأرض.* ذكر من قال ذلك:حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب، في قول الله: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) قال: فبدأ بنور نفسه، فذكره، ثم ذكر نور المؤمن.وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك; لأنه عقيب قوله: وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ فكان ذلك بأن يكون خبرًا عن موقع يقع تنزيله من خلقه. ومن مدح ما ابتدأ بذكر مدحه، أولى وأشبه، ما لم يأت ما يدلُّ على انقضاء الخبر عنه من غيره. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: ولقد أنزلنا إليكم أيها الناس آيات مبينات الحقّ من الباطل وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ فهديناكم بها، وبيَّنا لكم معالم دينكم بها، لأني هادي أهل السماوات وأهل الأرض، وترك وصل الكلام باللام، وابتدأ الخبر عن هداية خلقه ابتداء، وفيه المعنى الذي ذكرت، استغناء بدلالة الكلام عليه من ذكره، ثم ابتدأ في الخبر عن مثل هدايته خلقه بالآيات المبينات التي أنزلها إليهم، فقال: ( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ) يقول: مثل ما أنار من الحقّ بهذا التنزيل في بيانه كمشكاة.وقد اختلف أهل التأويل في المعني بالهاء في قوله: ( مَثَلُ نُورِهِ ) علام هي عائدة، ومن ذكر ما هي؟ فقال بعضهم: هي من ذكر المؤمن. وقالوا: معنى الكلام: مثل نور المؤمن الذي في قلبه من الإيمان والقرآن مثل مشكاة.* ذكر من قال ذلك:حدثنا عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب، في قول الله: ( مَثَلُ نُورِهِ ) قال: ذكر نور المؤمن فقال: مثل نوره، يقول مثل نور المؤمن. قال: وكان أُبيّ يقرؤها: كذلك مثل المؤمن، قال: هو المؤمن قد جعل الإيمان والقرآن في صدره.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ ) قال: بدأ بنور نفسه فذكره، ثم قال: ( مَثَلُ نُورِهِ ) يقول: مثل نور من آمن به، قال: وكذلك كان يقرأ أُبيّ، قال: هو عبد جعل الله القرآن والإيمان في صدره.حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير ( مَثَلُ نُورِهِ ) قال: مثل نور المؤمن.حدثني عليّ بن الحسن الأزدي، قال: ثنا يحيى بن اليمان، عن أبي سنان، عن ثابت، عن الضحاك في قوله: ( مَثَلُ نُورِهِ ) قال: نور المؤمن.وقال آخرون: بل عُني بالنور: محمد صلى الله عليه وسلم ، وقالوا: الهاء التي في قوله: ( مَثَلُ نُورِهِ ) عائدة على اسم الله.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن حفص، عن شمر قال: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار، فقال له: حدثني عن قول الله عزّ وجلّ: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) ... الآية؟ فقال كعب: الله نور السماوات والأرض، مثل نوره مثل محمد صلى الله عليه وسلم كمشكاة.حدثني عليّ بن الحسن الأزدي، قال: ثنا يحيى بن اليمان، عن أشعث، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جُبير في قوله: ( مَثَلُ نُورِهِ ) قال: محمد صلى الله عليه وسلم.وقال آخرون: بل عني بذلك: هدي الله وبيانه، وهو القرآن، قالوا: والهاء من ذكر الله. قالوا: ومعنى الكلام: الله هادي أهل السماوات والأرض بآياته المبينات، وهي النور الذي استنار به السماوات والأرض مثل هداه وآياته التي هدى بها خلقه، ووعظهم بها في قلوب المؤمنين كمشكاة.* ذكر من قال ذلك:حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( مَثَلُ نُورِهِ ) مثل هداه في قلب المؤمن.حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: ( مَثَلُ نُورِهِ ) قال: مثل هذا القرآن في القلب كمشكاة.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( مَثَلُ نُورِهِ ) : نور القرآن الذي أنزل على رسوله وعباده، هذا مثل القرآن ( كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ).قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن عياش، قال: قال زيد بن أسلم في قول الله تبارك وتعالى: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ ) ونوره الذي ذكر القرآن، ومثله الذي ضرب له.وقال آخرون: بل معنى ذلك: مثل نور الله، وقالوا: يعني بالنور: الطاعة.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ) : وذلك أن اليهود قالوا لمحمد: كيف يخلص نور الله من دون السماء؟ فضرب الله مثل ذلك لنوره، فقال: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ) قال: وهو مثل ضربه الله لطاعته، فسمى طاعته نورا، ثم سماها أنوارا شتى.وقوله: ( كَمِشْكَاةٍ ) اختلف أهل التأويل في معنى المشكاة والمصباح، وما المراد بذلك، وبالزجاجة، فقال بعضهم: المشكاة كل كوّة لا منفذ لها، وقالوا: هذا مثل ضربه الله لقلب محمد صلى الله عليه وسلم.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن حفص، عن شمر، قال: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار، فقال له: حدثني عن قول الله: ( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ) ، قال: المشكاة وهي الكوّة، ضربها الله مثلا لمحمد صلى الله عليه وسلم ، المشكاة ( فيها مصباح ) المصباح قَلْبِهِ ( فِي زُجَاجَةٍ ) الزُّجَاجَةُ صدره ( الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ) شبه صدر النبي صلى الله عليه وسلم بالكوكب الدريّ، ثم رجع المصباح إلى قلبه فقال: ( يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) لم تمسّها شمس المشرق ولا شمس المغرب، ( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ) يكاد محمد يبين للناس، وإن لم يتكلم أنه نبيّ، كما يكاد ذلك الزيت يضيء ( وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ ).حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله: ( كَمِشْكَاةٍ ) يقول: موضع الفتيلة.حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ( الله نور السماوات والأرض) إِلَى (كَمِشْكَاةٍ ) قال: المشكاة: كوّة البيت.وقال: آخرون عنى بالمشكاة: صدر المؤمن، وبالمصباح: القرآن والإيمان، وبالزجاجة: قلبه.* ذكر من قال ذلك:حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب ( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ) قال: مثل المؤمن، قد جعل الإيمان والقرآن في صدره كمشكاة، قال: المشكاة: صدره ( فِيهَا مِصْبَاحٌ ) قال: والمصباح القرآن والإيمان الذي جعل في صدره ( الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ) قال: والزجاجة: قلبه ( الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ ) قال: فمثله مما استنار فيه القرآن والإيمان كأنه كوكب درّيّ، يقول: مضيء ( يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ ) والشجرة المباركة أصله المباركة الإخلاص لله وحده وعبادته، لا شريك له ( لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) قال: فمثله مثل شجرة التفّ بها الشجر، فهي خضراء ناعمة، لا تصيبها الشمس على أيّ حال كانت، لا إذا طلعت ولا إذا غربت، وكذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يصيبه شيء من الغير، وقد ابتلي بها فثبته الله فيها، فهو بين أربع خلال: إن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق، فهو في سائر الناس كالرجل الحيّ يمشي في قبور الأموات، قال: ( نُورٌ عَلَى نُورٍ ) فهو يتقلَّب في خمسة من النور: فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة في الجنة.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني يحيى بن اليمان، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أُبيّ العالية، عن أبي بن كعب، قال: المشكاة: صدر المؤمن ( فِيهَا مِصْبَاحٌ ) قال: القرآن.قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب، نحو حديث عبد الأعلى، عن عبيد الله.حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ) قال: مثل هداه في قلب المؤمن، كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإذا مسته النار ازداد ضوءا على ضوء، كذلك يكون قلب المؤمن، يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى، ونورا على نور، كما قال إبراهيم صلوات الله عليه قبل أن تجيئه المعرفة: ( قَالَ هَذَا رَبِّي ) حين رأى الكوكب من غير أن يخبره أحد أن له ربا، فلما أخبره الله أنه ربه ازداد هدى على هدى.حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ) وذلك أن اليهود قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: كيف يخلص نور الله من دون السماء؟ فضرب الله مثل ذلك لنوره، فقال: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ) والمشكاة: كوّة (3) البيت فيها مصباح، ( الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ) والمصباح: السراج يكون في الزجاجة، وهو مثل ضربه الله لطاعته، فسمى طاعته نورا وسماها أنواعا شتى.قوله: ( يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ) قال: هي شجرة لا يفيء عليها ظلّ شرق ولا ظلّ غرب، ضاحية، ذلك أصفى للزيت (4) ( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ) قال معمر، وقال الحسن: ليست من شجر الدنيا، ليست شرقية ولا غربية.وقال آخرون: هو مثل للمؤمن، غير أن المصباح وما فيه مثل لفؤاده، والمشكاة مثل لجوفه.* ذكر من قال ذلك:حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال مجاهد وابن عباس جميعا: المصباح وما فيه مثل فؤاد المؤمن وجوفه، المصباح: مثل الفؤاد، والكوّة: مثل الجوف.قال ابن جُرَيج ( كَمِشْكَاةٍ ) : كوة غير نافذة. قال ابن جُرَيج، وقال ابن عباس: قوله: ( نُورٌ عَلَى نُورٍ ) يعني: إيمان المؤمن وعمله.وقال آخرون: بل ذلك مثل للقرآن في قلب المؤمن.* ذكر من قال ذلك:حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: ( الله نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ) قال: ككوّة ( فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ).حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ ) نور القرآن الذي أنزل على رسوله وعباده، فهذا مثل القرآن ( كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ) فقرأ حتى بلغ: ( مُبَارَكَةٍ ) فهذا مثل القرآن يستضاء به في نوره ويعلمونه ويأخذون به، وهو كما هو لا ينقص فهذا مثل ضربه الله لنوره. وفي قوله: ( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ) قال: الضوء: إشراق ذلك الزيت، والمشكاة: التي فيها الفتيلة التي فيها المصباح، والقناديل تلك المصابيح.حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن عياض في قوله: ( كَمِشْكَاةٍ ) قال: الكوّة.حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرة، عن عطية، في قوله: ( كَمِشْكَاةٍ ) قال: قال ابن عمر: المشكاة: الكوّة.وقال: آخرون: المشكاة القنديل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ( كَمِشْكَاةٍ ) قال: القنديل، ثم العمود الذي فيه القنديل.حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( كَمِشْكَاةٍ ) الصفر الذي في جوف القنديل.حدثني إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن رجل، عن مجاهد قال: المشكاة: القنديل.وقال آخرون: المشكاة الحديد الذي يعلق به القنديل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن المفضل، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا داود بن أبي هند، عن مجاهد، قال: المشكاة الحدائد التي يعلق بها القنديل.وأوْلى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: ذلك مثل ضربه الله للقرآن في قلب أهل الإيمان به، فقال: مثل نور الله الذي أنار به لعباده سبيل الرشاد، الذي أنزله إليهم فآمنوا به وصدقوا بما فيه في قلوب المؤمنين مثل مشكاة، وهي عمود القنديل الذي فيه الفتيلة، وذلك هو نظير الكوّة التي تكون في الحيطان التي لا منفذ لها، وإنما جعل ذلك العمود مشكاة؛ لأنه غير نافذ، وهو أجوف مفتوح الأعلى، فهو كالكوّة التي في الحائط التي لا تنفذ، ثم قال: ( فِيهَا مِصْبَاحٌ ) وهو السراج، وجعل السراج وهو المصباح مثلا لما في قلب المؤمن من القرآن والآيات المبينات، ثم قال: ( الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ) يعني: أن السراج الذي في المشكاة: في القنديل، وهو الزجاجة، وذلك مثل للقرآن، يقول: القرآن الذي في قلب المؤمن الذي أنار الله قلبه في صدره، ثم مثل الصدر في خلوصه من الكفر بالله والشكّ فيه، واستنارته بنور القرآن، واستضاءته بآيات ربه المبينات، ومواعظه فيها بالكوكب الدرّيّ، فقال: ( الزُّجَاجَةُ ) وذلك صدر المؤمن الذي فيه قلبه ( كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ).واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( دُرِّيٌّ ) ، فقرأته عامة قراء الحجاز: ( دُرِّيٌّ ) بضم الدال وترك الهمزة، وقرأ بعض قراء البصرة والكوفة: " دِرِّيء " بكسر الدال وهمزة، وقرأ بعض قرّاء الكوفة " دُرِّيء " بضم الدال وهمزة، وكأن الذين ضموا داله وتركوا الهمزة وجهوا معناه إلى ما قاله أهل التفسير الذي ذكرنا عنهم من أن الزجاجة في صفائها وحسنها كالدرّ، وأنها منسوبة إليه لذلك من نعتها وصفتها، ووجه الذين قرءوا ذلك بكسر داله وهمزه إلى أنه فعيل من درِّيء الكوكب: أي دُفع ورجم به الشيطان من قوله: وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ : أي يدفع، والعرب تسمي الكواكب العظام التي لا تعرف أسماءها الدراري بغير همز. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول: هي الدرارئ بالهمز، من يدرأن.وأما الذين قرءوه بضمّ داله وهمزه، فإن كانوا أرادوا به درّوء مثل سبوح وقدوس من درأت، ثم استثقلوا كثرة الضمَّات فيه، فصرفوا بعضها إلى الكسرة، فقالوا دِرِّيء، كما قيل: وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا وهو فعول من عتوت عتوّا، ثم حوّلت بعض ضماتها إلى الكسر، فقيل: عتيًا، فهو مذهب، وإلا فلا أعرف لصحة قراءتهم ذلك كذلك وجها، وذلك أنه لا يُعرف في كلام العرب فعيل، وقد كان بعض أهل العربية يقول: هو لحن.والذي هو أولى القراءات عندي في ذلك بالصواب، قراءة من قرأ ( دُرِّيٌّ ) بضمّ داله، وترك همزه، على النسبة إلى الدرّ، لأن أهل التأويل بتأويل ذلك جاءوا وقد ذكرنا أقوالهم في ذلك قبل، ففي ذلك مكتفى عن الاستشهاد على صحتها بغيره، فتأويل الكلام: الزجاجة: وهي صدر المؤمن، كأنها: يعني كأن الزجاجة وذلك مثل لصدر المؤمن، كوكب: يقول في صفائها وضيائها وحسنها. وإنما يصف صدره بالنقاء من كلّ ريب وشكّ في أسباب الإيمان بالله وبعده من دنس المعاصي، كالكوكب الذي يُشبه الدرّ في الصفاء والضياء والحسن.واختلفوا أيضا في قراءة قوله: " تُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ" فقرأ ذلك بعض المكيين والمدنيين وبعض البصريين: " تَوَقَّدُ مِنْ شَجَرَةٍ" بالتاء وفتحها وتشديد القاف وفتح الدال، وكأنهم وجهوا معنى ذلك إلى توقد المصباح من شجرة مباركة. وقرأه بعض عامة قرّاء المدنيين ( يُوقَدُ ) بالياء وتخفيف القاف ورفع الدال، بمعنى: يوقد المصباح، موقده من شجرة، ثم لم يسمّ فاعله. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة " تُوقَدُ" بضم التاء وتخفيف القاف ورفع الدال، بمعنى: يوقد الزجاجة موقدها من شجرة مباركة (5) لما لم يسمّ فاعله، فقيل: توقد. وقرأه بعض أهل مكة " تَوَقَّدُ" بفتح التاء وتشديد القاف وضم الدال، بمعنى: تتوقد الزجاجة من شجرة، ثم أسقطت إحدى التاءين اكتفاء بالباقية من الذاهبة، وهذه القراءات متقاربات المعاني وإن اختلفت الألفاظ بها، وذلك أن الزجاجة إذا وصفت بالتوقد، أو بأنها تَوَقَّد، فمعلوم معنى ذلك، فإن المراد به تَوَقَّدَ فيها المصباح، أو يوقد فيها المصباح، ولكن وجَّهوا الخبر إلى أن وصفها بذلك أقرب في الكلام منها، وفهم السامعين معناه. والمراد منه، فإذا كان ذلك كذلك، فبأيّ القراءات قرأ القارئ فمصيب، غير أن أعجب القراءات إليّ أن أقرأ بها في ذلك " تَوَقَّدَ" بفتح التاء، وتشديد القاف وفتح الدال، بمعنى وصف المصباح بالتوقد; لأن التوقد والاتقاد لا شكّ أنهما من صفته دون الزجاجة، فمعنى الكلام إذن: كمشكاة فيها مصباح، المصباح من دهن شجرة مباركة، زيتونة، لا شرقية ولا غربية.وقد ذكرنا بعض ما رُوي عن بعضهم من الاختلاف في ذلك فيما قد مضى، ونذكر باقي ما حضرنا مما لم نذكره قبل، فقال بعضهم: إنما قيل لهذه الشجرة: لا شرقية ولا غربية: أي ليست شرقية وحدها حتى لا تصيبها الشمس إذا غربت، وإنما لها نصيبها من الشمس بالغداة ما دامت بالجانب الذي يلي الشرق، ثم لا يكون لها نصيب منها إذا مالت إلى جانب الغرب، ولا هي غربية وحدها، فتصيبها الشمس بالعشيّ إذا مالت إلى جانب الغرب، ولا تصيبها بالغداة، ولكنها شرقية غربية، تطلع عليه الشمس بالغداة، وتغرب عليها، فيصيبها حرّ الشمس بالغداة والعشيّ، قالوا: إذا كانت كذلك، كان أجود لزيتها.* ذكر من قال ذلك:حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، في قوله: ( زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) قال: لا يسترها من الشمس جبل ولا واد، إذا طلعت وإذا غربت.حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا حرمي بن عمارة، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني عمارة، عن عكرِمة، في قوله: ( لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) قال: الشجرة تكون في مكان لا يسترها من الشمس شيء، تطلع عليها، وتغرب عليها.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج؛ قال: قال مجاهد وابن عباس ( لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) قالا هي التي بشقّ الجبل، التي يصيبها شروق الشمس وغروبها، إذا طلعت أصابتها، وإذا غربت أصابتها.وقال آخرون: بل معنى ذلك ليست شرقية ولا غربية.* ذكر من قال ذلك:حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثني محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس ( لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) قال: هي شجرة وسط الشجر، ليست من الشرق ولا من الغرب.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( زيتونة لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) متيامنة الشام، لا شرقي ولا غربي.وقال آخرون: ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا.* ذكر من قال ذلك:حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قول الله: ( لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) قال: والله لو كانت في الأرض لكانت شرقية أو غربية، ولكنما هو مثل ضربه الله لنوره.حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عثمان، يعني ابن الهيثم، قال: ثنا عوف، عن الحسن في قول الله: ( زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) قال: لو كانت في الأرض هذه الزيتونة كانت شرقية أو غربية، ولكن والله ما هي في الأرض، وإنما هو مثل ضربه الله لنوره.حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عوف، عن الحسن في قوله: ( زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) قال: هذا مثل ضربه الله، ولو كانت هذه الشجرة في الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية.وأولى هذه الأقوال بتأويل ذلك، قول من قال: إنها شرقية غربية، وقال: ومعنى الكلام: ليست شرقية تطلع عليها الشمس بالعشيّ دون الغداة، ولكن الشمس تشرق عليها وتغرب، فهي شرقية غربية.وإنما قلنا ذلك أولى بمعنى الكلام؛ لأن الله إنما وصف الزيت الذي يوقد على هذا المصباح بالصفاء والجودة، فإذا كان شجره شرقيا غربيا، كان زيته لا شكّ أجود وأصفى وأضوأ.وقوله: ( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ) يقول تعالى ذكره: يكاد زيت هذه الزيتونة يضيء من صفائه وحسن ضيائه ( وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ) يقول: فكيف إذا مسته النار.وإنما أريد بقوله: ( يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ ) أن هذا القرآن من عند الله، وأنه كلامه، فجعل مثله ومثل كونه من عنده، مثل المصباح الذي يوقد من الشجرة المباركة، التي وصفها جلّ ثناؤه في هذه الآية. وعنى بقوله: ( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ) : أن حجج الله تعالى ذكره على خلقه تكاد من بيانها ووضوحها تضيء لمن فكر فيها ونظر أو أعرض عنها ولها( وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ) يقول: ولو لم يزدها الله بيانا ووضوحا بإنزاله هذا القرآن إليهم؛ منبها لهم على توحيده، فكيف إذا نبههم به وذكَّرهم بآياته، فزادهم به حجة إلى حججه عليهم قبل ذلك، فذلك بيان من الله ونور على البيان، والنور الذي كان قد وضعه لهم ونصبه قبل نزوله.وقوله: ( نُورٌ عَلَى نُورٍ ) يعني: النار على هذا الزيت الذي كاد يضيء ولو لم تمسسه النار.كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( نور على نُورٌ ) قال: النار على الزيت.قال أبو جعفر: وهو عندي كما ذكرت مثل القرآن. ويعني بقوله: ( نُورٌ عَلَى نُورٍ ) هذا القرآن نور من عند الله، أنزله إلى خلقه يستضيئون به، ( عَلَى نُورٍ ) على الحجج والبيان الذي قد نصبه لهم قبل مجيء القرآن إنزاله إياه، مما يدلّ على حقيقة وحدانيته، فذلك بيان من الله، ونور على البيان، والنور الذي كان وضعه لهم ونصبه قبل نزوله.وذكر عن زيد بن أسلم في ذلك ما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن عياش، قال: قال زيد بن أسلم، في قوله: ( نُورٌ عَلَى نُورٍ ) يضيء بعضه بعضا، يعني القرآن.وقوله: ( يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ) يقول تعالى ذكره: يوفق الله لاتباع نوره، وهو هذا القرآن، من يشاء من عباده. وقوله: ( وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ ) يقول: ويمثل الله الأمثال والأشباه للناس، كما مثَّل لهم مثل هذا القرآن في قلب المؤمن بالمصباح في المشكاة، وسائر ما في هذه الآية من الأمثالَ.( وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )يقول والله يضرب الأمثال، وغيرها من الأشياء كلها، ذو علم.------------------------الهوامش:(3) الكوة : بفتح الكاف ، والضم لغة (اللسان) .(4) في الأصل : الزيت ، بدون لام قبلها ، وأظنه ، محرفًا ، عما أثبتناه .(5) لعل هنا سقطا في العبارة ، تقديره : " ثم بنى" كما يفهم من السياق.
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ ٣٦التفسير الميسرهذا النور المضيء في مساجد أَمَرَ الله أن يُرْفع شأنها وبناؤها، ويُذْكر فيها اسمه بتلاوة كتابه والتسبيح والتهليل، وغير ذلك من أنواع الذكر، يُصلِّي فيها لله في الصباح والمساء.
تفسير السعديأي: يتعبد لله فِي بُيُوتٍ عظيمة فاضلة، هي أحب البقاع إليه، وهي المساجد. أَذِنَ اللَّهُ أي: أمر ووصى أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ هذان مجموع أحكام المساجد، فيدخل في رفعها، بناؤها، وكنسها، وتنظيفها من النجاسة والأذى، وصونها من المجانين والصبيان الذين لا يتحرزون عن النجاسة، وعن الكافر، وأن تصان عن اللغو فيها، ورفع الأصوات بغير ذكر الله. وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يدخل في ذلك الصلاة كلها، فرضها، ونفلها، وقراءة القرآن، والتسبيح، والتهليل، وغيره من أنواع الذكر، وتعلم العلم وتعليمه، والمذاكرة فيها، والاعتكاف، وغير ذلك من العبادات التي تفعل في المساجد، ولهذا كانت عمارة المساجد على قسمين: عمارة بنيان، وصيانة لها، وعمارة بذكر اسم الله، من الصلاة وغيرها، وهذا أشرف القسمين، ولهذا شرعت الصلوات الخمس والجمعة في المساجد، وجوبا عند أكثر العلماء، أو استحبابا عند آخرين. ثم مدح تعالى عمارها بالعبادة فقال: يُسَبِّحُ لَهُ إخلاصا بِالْغُدُوِّ أول النهار وَالْآصَالِ آخره خص هذين الوقتين لشرفهما ولتيسر السير فيهما إلى الله وسهولته. ويدخل في ذلك، التسبيح في الصلاة وغيرها، ولهذا شرعت أذكار الصباح والمساء وأورادهما عند الصباح والمساء.
تفسير ابن كثيرلما ضرب الله تعالى [ مثل ] قلب المؤمن ، وما فيه من الهدى والعلم ، بالمصباح في الزجاجة الصافية المتوقد من زيت طيب ، وذلك كالقنديل ، ذكر محلها وهي المساجد ، التي هي أحب البقاع إلى الله تعالى من الأرض ، وهي بيوته التي يعبد فيها ويوحد ، فقال : ( في بيوت أذن الله أن ترفع ) أي : أمر الله تعالى برفعها ، أي : بتطهيرها من الدنس واللغو ، والأفعال والأقوال التي لا تليق فيها ، كما قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في هذه الآية الكريمة : ( في بيوت أذن الله أن ترفع ) ) قال : نهى الله سبحانه عن اللغو فيها . وكذا قال عكرمة ، وأبو صالح ، والضحاك ، ونافع بن جبير ، وأبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة وسفيان بن حسين ، وغيرهم من علماء المفسرين .وقال قتادة : هي هذه المساجد ، أمر الله ، سبحانه ، ببنائها ورفعها ، وأمر بعمارتها وتطهيرها . وقد ذكر لنا أن كعبا كان يقول : إن في التوراة مكتوبا : " ألا إن بيوتي في الأرض المساجد ، وإنه من توضأ فأحسن وضوءه ، ثم زارني في بيتي أكرمته ، وحق على المزور كرامة الزائر " . رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره .وقد وردت أحاديث كثيرة في بناء المساجد ، واحترامها وتوقيرها ، وتطييبها وتبخيرها . وذلك له محل مفرد يذكر فيه ، وقد كتبت في ذلك جزءا على حدة ، ولله الحمد والمنة . ونحن بعون الله تعالى نذكر هاهنا طرفا من ذلك ، إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة وعليه التكلان :فعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله ، بنى الله له مثله في الجنة " . أخرجاه في الصحيحين .وروى ابن ماجه ، عن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من بنى مسجدا يذكر فيه اسم الله ، بنى الله له بيتا في الجنة " .وللنسائي عن عمرو بن عبسة مثله . والأحاديث في هذا كثيرة جدا .وعن عائشة رضي الله عنها ، قالت : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور ، وأن تنظف وتطيب . رواه أحمد وأهل السنن إلا النسائي . ولأحمد وأبي داود ، عن سمرة بن جندب نحوه .وقال البخاري : قال عمر : ابن للناس ما يكنهم ، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس .وروى ابن ماجه عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم " . وفي إسناده ضعف .وروى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أمرت بتشييد المساجد " . قال ابن عباس : لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارىوعن أنس رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد " . رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا الترمذيوعن بريدة أن رجلا أنشد في المسجد ، فقال : من دعا إلى الجمل الأحمر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا وجدت ، إنما بنيت المساجد لما بنيت له " . رواه مسلم .وعن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن البيع والابتياع ، وعن تناشد الأشعار في المساجد . رواه أحمد وأهل السنن ، وقال الترمذي : حسن .وعن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه سلم : قال : " إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد ، فقولوا : لا أربح الله تجارتك . وإذا رأيتم من ينشد ضالة في المسجد ، فقولوا : لا رد الله عليك " . رواه الترمذي ، وقال : حسن غريب .وقد روى ابن ماجه وغيره ، من حديث ابن عمر مرفوعا ، قال : " خصال لا تنبغي في المسجد : لا يتخذ طريقا ، ولا يشهر فيه سلاح ، ولا ينبض فيه بقوس ، ولا ينثر فيه نبل ، ولا يمر فيه بلحم نيء : ولا يضرب فيه حد ، ولا يقتص فيه من أحد ، ولا يتخذ سوقا " .وعن واثلة بن الأسقع ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " جنبوا المساجد صبيانكم ومجانينكم ، وشراءكم وبيعكم ، وخصوماتكم ورفع أصواتكم ، وإقامة حدودكم وسل سيوفكم ، واتخذوا على أبوابها المطاهر ، وجمروها في الجمع " .ورواه ابن ماجه أيضا وفي إسنادهما ضعف .أما أنه " لا يتخذ طريقا " فقد كره بعض العلماء المرور فيه إلا لحاجة إذا وجد مندوحة عنه . وفي الأثر : " إن الملائكة لتتعجب من الرجل يمر بالمسجد لا يصلي فيه " .وأما أنه " لا يشهر فيه بسلاح . ولا ينبض فيه بقوس ، ولا ينثر فيه نبل . فلما يخشى من إصابة بعض الناس به ، لكثرة المصلين فيه; ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر أحد بسهام أن يقبض على نصالها; لئلا يؤذي أحدا ، كما ثبت في الصحيح .وأما النهي عن المرور باللحم النيء فيه ، فلما يخشى من تقاطر الدم منه ، كما نهيت الحائض عن المرور فيه إذا خافت التلويث .وأما أنه " لا يضرب فيه حد ولا يقتص " ، فلما يخشى من إيجاد نجاسة فيه من المضروب أو المقطوع .وأما أنه " لا يتخذ سوقا " ، فلما تقدم من النهي عن البيع والشراء فيه ، فإنه إنما بني لذكر الله والصلاة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام ، لذلك الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد : " إن المساجد لم تبن لهذا ، إنما بنيت لذكر الله والصلاة فيها " . ثم أمر بسجل من ماء ، فأهريق على بوله .وفي الحديث الثاني : " جنبوا مساجدكم صبيانكم " ، وذلك لأنهم يلعبون فيه ولا يناسبهم ، وقد كان عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، إذا رأى صبيانا يلعبون في المسجد ، ضربهم بالمخفقة - وهي الدرة - وكان يعس المسجد بعد العشاء ، فلا يترك فيه أحدا ." ومجانينكم " يعني : لأجل ضعف عقولهم ، وسخر الناس بهم ، فيؤدي إلى اللعب فيها ، ولما يخشى من تقذيرهم المسجد ، ونحو ذلك ." وبيعكم وشراءكم " كما تقدم ." وخصوماتكم " يعني : التحاكم والحكم فيه; ولهذا نص كثير من العلماء على أن الحاكم لا ينتصب لفصل الأقضية في المسجد ، بل يكون في موضع غيره; لما فيه من كثرة الحكومات والتشاجر والعياط الذي لا يناسبه; ولهذا قال بعده : " ورفع أصواتكم " .وقال البخاري : حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا الجعيد بن عبد الرحمن قال : حدثني يزيد بن خصيفة ، عن السائب بن يزيد الكندي قال : كنت قائما في المسجد ، فحصبني رجل ، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب ، فقال : اذهب فأتني بهذين . فجئته بهما ، فقال : من أنتما؟ أو : من أين أنتما؟ قالا من أهل الطائف . قال : لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما : ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم .وقال النسائي : حدثنا سويد بن نصر ، عن عبد الله بن المبارك ، عن شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبيه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال : سمع عمر صوت رجل في المسجد فقال : أتدري أين أنت؟ وهذا أيضا صحيح .وقوله : " وإقامة حدودكم ، وسل سيوفكم " : تقدما .وقوله : " واتخذوا على أبوابها المطاهر " يعني : المراحيض التي يستعان بها على الوضوء وقضاء الحاجة . وقد كانت قريبا من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم آبار يستقون منها ، فيشربون ويتطهرون ، ويتوضئون وغير ذلك .وقوله : " وجمروها في الجمع " يعني : بخروها في أيام الجمع لكثرة اجتماع الناس يومئذ .وقد قال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا عبيد الله ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن عبد الله بن عمر ، عن نافع عن ابن عمر ; أن عمر كان يجمر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كل جمعة . إسناده حسن لا بأس به والله أعلم .وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه ، خمسا وعشرين ضعفا . وذلك أنه إذا توضأ فأحسن وضوءه ثم خرج إلى المسجد ، لا يخرجه إلا الصلاة ، لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة ، وحط عنه بها خطيئة ، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه : اللهم صل عليه ، اللهم ارحمه ، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة "وعند الدارقطني مرفوعا : " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " .وفي السنن : " بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة " .والمستحب لمن دخل المسجد أن يبدأ برجله اليمنى ، وأن يقول كما ثبت في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد قال : أعوذ بالله العظيم ، وبوجهه الكريم ، وسلطانه القديم ، من الشيطان الرجيم " [ قال : أقط؟ قال : نعم ] . قال : فإذا قال ذلك قال الشيطان : حفظ مني سائر اليوم .وروى مسلم بسنده عن أبي حميد - أو : أبي أسيد - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا دخل أحدكم المسجد فليقل : اللهم افتح لي أبواب رحمتك ، وإذا خرج فليقل : اللهم إني أسألك من فضلك " .ورواه النسائي عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم [ مثله ] .وعن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا دخل أحدكم المسجد ، فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل : اللهم افتح لي أبواب رحمتك . وإذا خرج فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل : اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم " .ورواه ابن ماجه ، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما .وقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدثنا ليث بن أبي سليم ، عن عبد الله بن حسن . عن أمه فاطمة بنت حسين ، عن جدتها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم ، ثم قال : " اللهم ، اغفر لي ذنوبي ، وافتح لي أبواب رحمتك " . وإذا خرج صلى على محمد وسلم ثم قال : " اللهم ، اغفر لي ذنوبي ، وافتح لي أبواب فضلك " .ورواه الترمذي وابن ماجه ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن وإسناده ليس بمتصل; لأن فاطمة بنت الحسين الصغرى لم تدرك فاطمة الكبرى .فهذا الذي ذكرناه ، مع ما تركناه من الأحاديث الواردة في ذلك لحال الطول . كله داخل في قوله تعالى : ( في بيوت أذن الله أن ترفع ) .وقوله : ( ويذكر فيها اسمه ) أي : اسم الله ، كقوله : ( يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ) [ الأعراف : 31 ] ، وقوله ( وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين ) [ الأعراف : 29 ] ، وقوله ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ) [ الجن : 18 ] .قال ابن عباس : ( ويذكر فيها اسمه ) يعني : يتلى فيها كتابه .وقوله : ( يسبح له فيها بالغدو والآصال ) أي : في البكرات والعشيات . والآصال : جمع أصيل ، وهو آخر النهار .وقال سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : كل تسبيح في القرآن هو الصلاة .وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يعني بالغدو : صلاة الغداة ، ويعني بالآصال : صلاة العصر ، وهما أول ما افترض الله من الصلاة ، فأحب أن يذكرهما وأن يذكر بهما عباده .وكذا قال الحسن ، والضحاك : ( يسبح له فيها بالغدو والآصال ) يعني : الصلاة .ومن قرأ من القرأة " يسبح له فيها بالغدو والآصال " - بفتح الباء من " يسبح " على أنه مبني لما لم يسم فاعله - وقف على قوله : ( والآصال ) وقفا تاما ، وابتدأ بقوله : ( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ) وكأنه مفسر للفاعل المحذوف ، كما قال الشاعر .ليبك يزيد ، ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائحكأنه قال : من يبكيه؟ قال : هذا يبكيه . وكأنه قيل : من يسبح له فيها؟ قال : رجال .وأما على قراءة من قرأ : ( يسبح ) - بكسر الباء - فجعله فعلا وفاعله : ( رجال ) فلا يحسن الوقف إلا على الفاعل; لأنه تمام الكلام .فقوله : ( رجال ) فيه إشعار بهممهم السامية ، ونياتهم وعزائمهم العالية ، التي بها صاروا عمارا للمساجد ، التي هي بيوت الله في أرضه ، ومواطن عبادته وشكره ، وتوحيده وتنزيهه ، كما قال تعالى : ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) [ الأحزاب : 23 ] .فأما النساء فصلاتهن في بيوتهن أفضل لهن; لما رواه أبو داود ، عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها ، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها " .وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن غيلان ، حدثنا رشدين ، حدثني عمرو ، عن أبي السمح ، عن السائب مولى أم سلمة عن أم سلمة - رضي الله عنها ، - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " خير مساجد النساء [ قعر ] بيوتهن " .وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا هارون ، أخبرني عبد الله بن وهب ، حدثنا داود بن قيس ، عن عبد الله بن سويد الأنصاري ، عن عمته أم حميد - امرأة أبي حميد الساعدي - أنها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إني أحب الصلاة معك قال : " قد علمت أنك تحبين الصلاة معي ، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك ، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك ، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك ، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي " . قال : فأمرت فبني لها مسجد في أقصى بيت من بيوتها وأظلمه ، فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله ، عز وجل . لم يخرجوه .هذا ويجوز لها شهود جماعة الرجال ، بشرط أن لا تؤذي أحدا من الرجال بظهور زينة ولا ريح طيب كما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " .رواه البخاري ومسلم ، ولأحمد وأبي داود : " وبيوتهن خير لهن " وفي رواية : " وليخرجن وهن تفلات " أي : لا ريح لهن .وقد ثبت في صحيح مسلم ، عن زينب - امرأة ابن مسعود - قالت : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا " .وفي الصحيحين عن عائشة ، رضي الله عنها ، أنها قالت : كان نساء المؤمنين يشهدن الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم يرجعن متلفعات بمروطهن ، ما يعرفن من الغلس .وفي الصحيحين أيضا عنها أنها قالت : لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن المساجد ، كما منعت نساء بني إسرائيل .
تفسير القرطبيقوله تعالى : في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاةفيه :الأولى : قوله تعالى : في بيوت أذن الله أن ترفع الباء في بيوت تضم وتكسر ؛ وقد تقدم . واختلف في الفاء من قوله : في فقيل : هي متعلقة ب ( مصباح ) . وقيل : ب ( يسبح له ) ؛ فعلى هذا التأويل يوقف على ( عليم ) . قال ابن الأنباري : سمعت أبا العباس يقول هو حال للمصباح والزجاجة والكوكب ؛ كأنه قال وهي في بيوت . وقال الترمذي الحكيم محمد بن علي : في بيوت منفصل ، كأنه يقول : الله في بيوت أذن الله أن ترفع ؛ وبذلك جاءت الأخبار أنه ( من جلس في المسجد فإنه يجالس ربه ) . وكذا ما جاء في الخبر فيما يحكى عن التوراة ( أن المؤمن إذا مشى إلى المسجد قال الله تبارك اسمه عبدي زارني وعلي قراه ولن أرضى له قرى دون الجنة ) . قال ابن الأنباري : إن جعلت ( في ) متعلقة ب ( يسبح ) أو رافعة للرجال حسن الوقف على قوله : والله بكل شيء عليم . وقال الرماني : هي متعلقة ب ( يوقد ) وعليه فلا يوقف على ( عليم ) . فإن قيل : فما الوجه إذا كان البيوت متعلقة ب ( يوقد ) في توحيد المصباح والمشكاة وجمع البيوت ، ولا يكون مشكاة واحدة إلا في بيت واحد . قيل : هذا من الخطاب المتلون الذي يفتح بالتوحيد ويختم بالجمع ؛ كقوله تعالى : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ونحوه . وقيل : رجع إلى كل واحد من البيوت . وقيل : هو كقوله تعالى : وجعل القمر فيهن نورا وإنما هو في واحدة منها . واختلف الناس في البيوت هنا على خمسة أقوال : الأول - أنها المساجد المخصوصة لله تعالى بالعبادة ، وأنها تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض ؛ قاله ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن . الثاني : هي بيوت بيت المقدس ؛ عن الحسن أيضا . الثالث : بيوت النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ عن مجاهد أيضا . الرابع : هي البيوت كلها ؛ قاله عكرمة . وقوله : يسبح له فيها بالغدو والآصال يقوي أنها المساجد . وقول خامس : أنها المساجد الأربعة التي لم يبنها إلا نبي : الكعبة ، وبيت أريحا ، ومسجد المدينة ، ومسجد قباء ؛ قاله ابن بريدة . وقد تقدم ذلك في ( براءة ) .قلت : الأظهر القول الأول ؛ لما رواه أنس بن مالك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من أحب الله - عز وجل - فليحبني ، ومن أحبني فليحب أصحابي ومن أحب أصحابي ، فليحب القرآن ومن أحب القرآن فليحب المساجد ، فإنها أفنية الله أبنيته ، أذن الله في رفعها ، وبارك فيها ، ميمونة ميمون أهلها ، محفوظة محفوظ أهلها ، هم في صلاتهم والله - عز وجل - في حوائجهم ، هم في مساجدهم والله من ورائهم .الثانية : قوله تعالى : أذن الله أن ترفع ( أذن ) معناه أمر وقضى . وحقيقة الإذن العلم والتمكين دون حظر ؛ فإن اقترن بذلك أمر وإنفاذ كان أقوى . و ( ترفع ) قيل : معناه تبنى وتعلى ؛ قاله مجاهد ، وعكرمة . ومنه قوله تعالى : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وقال : صلى الله عليه وسلم - : من بنى مسجدا من ماله بنى الله له بيتا في الجنة . وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة تحض على بنيان المساجد . وقال الحسن البصري وغيره : معنى ( ترفع ) تعظم ، ويرفع شأنها ، وتطهر من الأنجاس والأقذار ؛ ففي الحديث أن المسجد لينزوي من النجاسة كما ينزوي الجلد من النار . وروى ابن ماجه في سننه عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله : من أخرج أذى من المسجد بنى الله له بيتا في الجنة . وروي عن عائشة قالت : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نتخذ المساجد في الدور وأن تطهر وتطيب .الثالثة : إذا قلنا : إن المراد بنيانها فهل تزين وتنقش ؟ اختلف في ذلك ؛ فكرهه قوم وأباحه آخرون . فروى حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، وقتادة ، عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تقوم الساعة حتى تتباهى الناس في المساجد . أخرجه أبو داود . وفي البخاري - وقال أنس : يتباهون بها ، ثم لا يعمرونها إلا قليلا . وقال ابن عباس : لتزخرفنها كما زخرفت اليهود ، والنصارى . وروى الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول من حديث أبي الدرداء قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا زخرفتم مساجدكم ، وحليتم مصاحفكم فالدبار عليكم . احتج من أباح ذلك بأن فيه تعظيم المساجد ، والله تعالى أمر بتعظيمها في قوله : في بيوت أذن الله أن ترفع يعني تعظم . وروي عن عثمان أنه بنى مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالساج وحسنه . قال أبو حنيفة : لا بأس بنقش المساجد بماء الذهب . وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه نقش مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - وبالغ في عمارته وتزيينه ، وذلك في زمن ولايته قبل خلافته ، ولم ينكر عليه أحد ذلك . وذكر أن الوليد بن عبد الملك أنفق في عمارة مسجد دمشق وفي تزيينه مثل خراج الشأم ثلاث مرات . وروي أن سليمان بن داود عليهما السلام بنى مسجد بيت المقدس وبالغ في تزيينه .الرابعة : ومما تصان عنه المساجد وتنزه عنه الروائح الكريهة ، والأقوال السيئة وغير ذلك على ما نبينه ؛ وذلك من تعظيمها . وقد صح من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في غزوة تبوك : من أكل من هذه الشجرة - يعني الثوم - فلا يأتين المساجد . وفي حديث جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أكل من هذه البقلة الثوم ، وقال مرة : من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا ، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم . وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في خطبته : ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين ولا أراهما إلا خبيثتين ، هذا البصل والثوم ، لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا وجد ريحهما من رجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع ، فمن أكلهما فليمتهما طبخا . خرجه مسلم في صحيحه . قال العلماء : وإذا كانت العلة في إخراجه من المسجد أنه يتأذى به ففي القياس أن كل من تأذى به جيرانه في المسجد بأن يكون ذرب اللسان سفيها عليهم ، أو كان ذا رائحة قبيحة لا تريمه لسوء صناعته ، أو عاهة مؤذية كالجذام وشبهه . وكل ما يتأذى به الناس كان لهم إخراجه ما كانت العلة موجودة حتى تزول . وكذلك يجتنب مجتمع الناس حيث كان لصلاة أو غيرها كمجالس العلم والولائم وما أشبهها ، من أكل الثوم وما في معناه ، مما له رائحة كريهة تؤذي الناس . ولذلك جمع بين البصل والثوم والكراث ، وأخبر أن ذلك مما يتأذى به . قال أبو عمر بن عبد البر : وقد شاهدت شيخنا أبا عمر أحمد بن عبد الملك بن هشام رحمه الله أفتى في رجل شكاه جيرانه واتفقوا عليه أنه يؤذيهم في المسجد بلسانه ويده فشوور فيه ؛ فأفتى بإخراجه من المسجد وإبعاده عنه ، وألا يشاهد معهم الصلاة ؛ إذ لا سبيل مع جنونه واستطالته إلى السلامة منه ، فذاكرته يوما أمره وطالبته بالدليل فيما أفتى به من ذلك وراجعته فيه القول ؛ فاستدل بحديث الثوم ، وقال : هو عندي أكثر أذى من أكل الثوم ، وصاحبه يمنع من شهود الجماعة في المسجد .قلت : وفي الآثار المرسلة ( إن الرجل ليكذب الكذبة فيتباعد عنه الملك من نتن ريحه ) . فعلى هذا يخرج من عرف منه الكذب والتقول بالباطل فإن ذلك يؤذي .الخامسة : أكثر العلماء على أن المساجد كلها سواء ؛ لحديث ابن عمر . وقال بعضهم : إنما خرج النهي على مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أجل جبريل - عليه السلام - ونزوله فيه ؛ ولقوله في حديث جابر : فلا يقربن مسجدنا . والأول أصح ، لأنه ذكر الصفة في الحكم وهي المسجدية ، وذكر الصفة في الحكم تعليل . وقد روى الثعلبي بإسناده عن أنس - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يأتي الله يوم القيامة بمساجد الدنيا كأنها نجائب بيض ، قوائها من العنبر ، وأعناقها من الزعفران ، ورءوسها من المسك وأزمتها من الزبرجد الأخضر ، وقوامها والمؤذنون فيها يقودونها وأئمتها يسوقونها ، وعمارها متعلقون بها فتجوز عرصات القيامة كالبرق الخاطف ، فيقول أهل الموقف هؤلاء ملائكة مقربون وأنبياء مرسلون ، فينادى ما هؤلاء بملائكة ولا أنبياء ، ولكنهم أهل المساجد والمحافظون على الصلوات من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وفي التنزيل : إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله . وهذا عام في كل مسجد . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان إن الله تعالى يقول : إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ) . وقد تقدم .السادسة : وتصان المساجد أيضا عن البيع والشراء وجميع الاشتغال ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - للرجل الذي دعا إلى الجمل الأحمر : لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له . أخرجه مسلم من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صلى قام رجل فقال : من دعا إلى الجمل الأحمر ؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له . وهذا يدل على أن الأصل ألا يعمل في المسجد غير الصلوات والأذكار ، وقراءة القرآن . وكذا جاء مفسرا من حديث أنس قال : بينما نحن في المسجد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد ، فقال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : مه مه ؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا تزرموه دعوه . فتركوه حتى بال ، ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعاه فقال له : إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن . أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قال : فأمر رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه . خرجه مسلم . ومما يدل على هذا من الكتاب قوله الحق : ويذكر فيها اسمه . وقوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاوية بن الحكم السلمي : إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن . أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . الحديث بطوله ، خرجه مسلم في صحيحه ، وحسبك ! وسمع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - صوت رجل في المسجد فقال : ما هذا الصوت ؟ أتدري أين أنت ! وكان خلف بن أيوب جالسا في مسجده فأتاه غلامه يسأله عن شيء فقام وخرج من المسجد وأجابه ؛ فقيل له في ذلك فقال : ما تكلمت في المسجد بكلام الدنيا منذ كذا وكذا ، فكرهت أن أتكلم اليوم .السابعة : روى الترمذي من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن تناشد الأشعار في المسجد ، وعن البيع والشراء فيه ، وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة . قال : وفي الباب عن بريدة ، وجابر ، وأنس حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن . قال محمد بن إسماعيل : رأيت محمدا ، وإسحاق ، وذكر غيرهما يحتجون بحديث عمرو بن شعيب . وقد كره قوم من أهل العلم البيع والشراء في المسجد ؛ وبه يقول أحمد ، وإسحاق . وروي أن عيسى ابن مريم عليهما السلام أتى على قوم يتبايعون في المسجد فجعل رداءه مخراقا ، ثم جعل يسعى عليهم ضربا ويقول : يا أبناء الأفاعي ، اتخذتم مساجد الله أسواقا ! هذا سوق الآخرة .قلت : وقد كره بعض أصحابنا تعليم الصبيان في المساجد ، ورأى أنه من باب البيع . وهذا إذا كان بأجرة ، فلو كان بغير أجرة لمنع أيضا من وجه آخر ، وهو أن الصبيان لا يتحرزون عن الأقذار والوسخ ؛ فيؤدي ذلك إلى عدم تنظيف المساجد ، وقد أمر - صلى الله عليه وسلم - بتنظيفها وتطييبها فقال : جنبوا مساجدكم صبيانكم ، ومجانينكم ، وسل سيوفكم ، وإقامة حدودكم ، ورفع أصواتكم ، وخصوماتكم ، وأجمروها في الجمع ، واجعلوا على أبوابها المطاهر . في إسناده العلاء بن كثير الدمشقي مولى بني أمية ، وهو ضعيف عندهم ؛ ذكره أبو أحمد بن عدي الجرجاني الحافظ . وذكر أبو أحمد أيضا من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : صليت العصر مع عثمان أمير المؤمنين فرأى خياطا في ناحية المسجد فأمر بإخراجه ؛ فقيل له : يا أمير المؤمنين ، إنه يكنس المسجد ، ويغلق الأبواب ، ويرش أحيانا . فقال عثمان : إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( جنبوا صناعكم من مساجدكم ) . هذا حديث غير محفوظ ، في إسناده محمد بن مجيب الثقفي ، وهو ذاهب الحديث .قلت : ما ورد في هذا المعنى وإن كان طريقه لينا فهو صحيح معنى ؛ يدل على صحته ما ذكرناه قبل . قال الترمذي : وقد روي عن بعض أهل العلم من التابعين رخصة في البيع والشراء في المسجد . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غير حديث رخصة في إنشاد الشعر في المسجد .قلت : أما تناشد الأشعار فاختلف في ذلك ، فمن مانع مطلقا ، ومن مجيز مطلقا . والأولى التفصيل ، وهو أن ينظر إلى الشعر فإن كان مما يقتضي الثناء على الله - عز وجل - أو على رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو الذب عنهما كما كان شعر حسان ، أو يتضمن الحض على الخير ، والوعظ ، والزهد في الدنيا والتقلل منها ، فهو حسن في المساجد وغيرها ؛ كقول القائل :طوفي يا نفس كي أقصد فردا صمدا وذريني لست أبغي غير ربي أحدا فهو أنسي وجليسي ودعي الناسفما إن تجدي من دونه ملتحداوما لم يكن كذلك لم يجز ؛ لأن الشعر في الغالب لا يخلو عن الفواحش والكذب والتزين بالباطل ، ولو سلم من ذلك فأقل ما فيه اللغو والهذر ، والمساجد منزهة عن ذلك ؛ لقوله تعالى : في بيوت أذن الله أن ترفع . وقد يجوز إنشاده في المسجد ؛ كقول القائل :كفحل العداب الفرد يضر به الندى تعلى الندى في متنه وتحدراوقول الآخر :إذا سقط السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابافهذا النوع وإن لم يكن فيه حمد ولا ثناء يجوز ؛ لأنه خال عن الفواحش والكذب وسيأتي ذكر الأشعار الجائزة وغيرها بما فيه كفاية في الشعراء إن شاء الله تعالى . وقد روى الدارقطني من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : ذكر الشعراء عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : هو كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح . وفي الباب عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، وأبي هريرة ، وابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . ذكره في السنن .قلت : وأصحاب الشافعي يأثرون هذا الكلام عن الشافعي وأنه لم يتكلم به غيره ؛ وكأنهم لم يقفوا على الأحاديث في ذلك . والله أعلم .الثامنة : وأما رفع الصوت فإن كان مما يقتضي مصلحة للرافع صوته دعي عليه بنقيض قصده ؛ لحديث بريرة المتقدم ، وحديث أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد ، فليقل لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا . وإلى هذا ذهب مالك وجماعة ، حتى كرهوا رفع الصوت في المسجد في العلم وغيره . وأجاز أبو حنيفة ، وأصحابه ، ومحمد بن مسلمة من أصحابنا رفع الصوت في الخصومة والعلم ؛ قالوا : لأنهم لا بد لهم من ذلك . وهذا مخالف لظاهر الحديث ، وقولهم : لا بد لهم من ذلك ممنوع ، بل لهم بد من ذلك لوجهين : أحدهما : بملازمة الوقار والحرمة ، وبإحضار ذلك بالبال والتحرز من نقيضه . والثاني : أنه إذا لم يتمكن من ذلك فليتخذ لذلك موضعا يخصه ، كما فعل عمر حيث بنى رحبة تسمى البطيحاء ، وقال : من أراد أن يلغط أو ينشد شعرا - يعني في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فليخرج إلى هذه الرحبة . وهذا يدل على أن عمر كان يكره إنشاد الشعر في المسجد ، ولذلك بنى البطيحاء خارجه .التاسعة : وأما النوم في المسجد لمن احتاج إلى ذلك من رجل أو امرأة من الغرباء ومن لا بيت له فجائز ؛ لأن في البخاري - وقال أبو قلابة ، عن أنس : قدم رهط من عكل على النبي - صلى الله عليه وسلم - فكانوا في الصفة ، وقال عبد الرحمن بن أبي بكر : كان أصحاب الصفة فقراء . وفي الصحيحين عن ابن عمر أنه كان ينام وهو شاب أعزب لا أهل له في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - . لفظ البخاري : وترجم ( باب نوم المرأة في المسجد ) وأدخل حديث عائشة في قصة السوداء التي اتهمها أهلها بالوشاح ، قالت عائشة : وكان لها خباء في المسجد أو خفش . . . الحديث . ويقال : كان مبيت عطاء بن أبي رباح في المسجد أربعين سنة .العاشرة : روى مسلم ، عن أحمد ، أو عن أبي أسيد قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا دخل أحدكم المسجد ، فليقل : اللهم افتح لي أبواب رحمتك ، وإذا خرج فليقل : اللهم إني أسألك من فضلك . خرجه أبو داود كذلك ؛ إلا أنه زاد بعد قوله : إذا دخل أحدكم المسجد : فليسلم وليصل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ليقل : اللهم افتح لي . . . الحديث . وروى ابن ماجه ، عن فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل المسجد قال : باسم الله والسلام على رسول الله ، اللهم اغفر لي ذنوبي ، وافتح لي أبواب رحمتك ، وإذا خرج قال : باسم الله ، والصلاة على رسول الله ، اللهم اغفر لي ذنوبي ، وافتح لي أبواب رحمتك وفضلك . وروى عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا دخل أحدكم المسجد فليصل على النبي - صلى الله عليه وسلم - وليقل : اللهم افتح لي أبواب رحمتك ، وإذا خرج فليسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وليقل : اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم . وخرج أبو داود ، عن حيوة بن شريح ، قال : لقيت عقبة بن مسلم فقلت له : بلغني أنك حدثت عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا دخل المسجد قال : أعوذ بالله العظيم ، وبوجهه الكريم ، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم ، قال : نعم . قال : فإذا قال ذلك قال الشيطان : حفظ مني سائر اليوم .الحادية عشرة : روى مسلم ، عن أبي قتادة أن رسول الله صلى عليه وسلم قال : إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس ، وعنه قال : دخلت المسجد ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس بين ظهراني الناس ، قال فجلست ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس ؟ فقلت : يا رسول الله ، رأيتك جالسا والناس جلوس . قال : فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين . قال العلماء : فجعل - صلى الله عليه وسلم - للمسجد مزية يتميز بها عن سائر البيوت ، وهو ألا يجلس حتى يركع . وعامة العلماء على أن الأمر بالركوع على الندب والترغيب . وقد ذهب داود ، وأصحابه إلى أن ذلك على الوجوب ؛ وهذا باطل ، ولو كان الأمر على ما قالوه لحرم دخول المسجد على المحدث الحدث الأصغر حتى يتوضأ ، ولا قائل به فيما أعلم ، والله أعلم . فإن قيل : فقد روى إبراهيم ، بن يزيد ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة ، عن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين ، وإذا دخل أحدكم بيته فلا يجلس حتى يركع ركعتين فإن الله جاعل من ركعتيه في بيته خيرا ، وهذا يقتضي التسوية بين المسجد والبيت . قيل : هذه الزيادة في الركوع عند دخول البيت لا أصل لها ؛ قال ذلك البخاري . وإنما يصح في هذا حديث أبي قتادة الذي تقدم لمسلم ، وإبراهيم هذا لا أعلم روى عنه إلا سعد بن عبد الحميد ، ولا أعلم له إلا هذا الحديث الواحد ؛ قاله أبو محمد عبد الحق .الثانية عشرة : روى سعيد بن زبان ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبي هند - رضي الله عنه - قال : حمل تميم - يعني الداري - من الشأم إلى المدينة قناديل ، وزيتا ، ومقطا ، فلما انتهى إلى المدينة وافق ذلك ليلة الجمعة فأمر غلاما يقال له أبو البزاد فقام فنشط المقط ، وعلق القناديل ، وصب فيها الماء ، والزيت ، وجعل فيها الفتيل ؛ فلما غربت الشمس أمر أبا البزاد فأسرجها ، وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد ، فإذا هو بها تزهر ؛ فقال : من فعل هذا ؟ قالوا : تميم الداري يا رسول الله ؛ فقال : نورت الإسلام نور الله عليك في الدنيا والآخرة ، أما إنه لو كانت لي ابنة لزوجتكها . قال نوفل بن الحارث : لي ابنة يا رسول الله تسمى المغيرة بنت نوفل فافعل بها ما أردت ؛ فأنكحه إياها . زبان ( بفتح الزاي والباء وتشديدها بنقطة واحدة من تحتها ) ينفرد بالتسمي به سعيد وحده ، فهو أبو عثمان سعيد بن زبان بن قائد بن زبان بن أبي هند ، وأبو هند هذا مولى ابن بياضة حجام النبي - صلى الله عليه وسلم - . والمقط : جمع المقاط ، وهو الحبل ، فكأنه مقلوب القماط . والله أعلم . وروى ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري قال : أول من أسرج في المساجد تميم الداري . وروي عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من أسرج في مسجد سراجا ، لم تزل الملائكة وحملة العرش يصلون عليه ويستغفرون له ما دام ذلك الضوء فيه ، وإن كنس غبار المسجد نقد الحور العين . قال العلماء : ويستحب أن ينور البيت الذي يقرأ فيه القرآن بتعليق القناديل ونصب الشموع فيه ، ويزاد في شهر رمضان في أنوار المساجد .الثالثة عشرة : قوله تعالى : يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال اختلف العلماء في وصف الله تعالى المسبحين ؛ فقيل : هم المراقبون أمر الله ، الطالبون رضاءه ، الذين لا يشغلهم عن الصلاة وذكر الله شيء من أمور الدنيا . وقال كثير من الصحابة : نزلت هذه الآية في أهل الأسواق الذين إذا سمعوا النداء بالصلاة تركوا كل شغل وبادروا . ورأى سالم بن عبد الله أهل الأسواق وهم مقبلون إلى الصلاة فقال : هؤلاء الذين أراد الله بقوله : لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله . وروي ذلك عن ابن مسعود . وقرأ عبد الله بن عامر ، وعاصم في رواية أبي بكر ، عنه ، والحسن ( يسبح له فيها ) بفتح الباء على ما لم يسم فاعله . وكان نافع ، وابن عمر ، وأبو عمرو ، وحمزة يقرءون ( يسبح ) بكسر الباء ؛ وكذلك روى أبو عمرو ، عن عاصم . فمن قرأ ( يسبح ) بفتح الباء كان على معنيين : أحدهما أن يرتفع رجال بفعل مضمر دل عليه الظاهر ؛ بمعنى يسبحه رجال ؛ فيوقف على هذا على الآصال . وقد ذكر سيبويه مثل هذا .وأنشد :ليبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائحالمعنى : يبكيه ضارع . وعلى هذا تقول : ضرب زيد عمرو ؛ على معنى ضربه عمرو . والوجه الآخر : أن يرتفع رجال بالابتداء ، والخبر في بيوت ؛ أي في بيوت أذن الله أن ترفع رجال . و يسبح له فيها حال من الضمير في ( ترفع ) ؛ كأنه قال : أن ترفع ؛ مسبحا له فيها ، ولا يوقف على الآصال على هذا التقدير . ومن قرأ ( يسبح ) بكسر الباء لم يقف على الآصال ؛ لأن ( يسبح ) فعل للرجال ، والفعل مضطر إلى فاعله ولا إضمار فيه . وقد تقدم القول في ( الغدو والآصال ) في آخر ( الأعراف ) والحمد لله وحده .الرابعة عشرة : يسبح له فيها قيل : معناه يصلي . وقال ابن عباس : كل تسبيح في القرآن صلاة ؛ ويدل عليه قوله : بالغدو والآصال ، أي بالغداة والعشي . وقال أكثر المفسرين : أراد الصلاة المفروضة ؛ فالغدو صلاة الصبح ، والآصال صلاة الظهر ، والعصر والعشائين ؛ لأن اسم الآصال يجمعها .الخامسة عشرة : روى أبو داود ، عن أبي أمامة أن رسول الله صلى عليه وسلم قال : من خرج من بيته متطهرا إلى صلاة مكتوبة ، فأجره كأجر الحاج المحرم ، ومن خرج إلى تسبيح الضحا لا ينصبه إلا إياه ، فأجره كأجر المعتمر ، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين . وخرج عن بريدة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة .وفي صحيح مسلم ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من غدا إلى المسجد أو راح ، أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح . في غير الصحيح من الزيادة كما أن أحدكم لو زار من يحب زيارته لاجتهد في كرامته ؛ ذكره الثعلبي . وخرج مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من تطهر في بيته ، ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ، ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة ، والأخرى ترفع درجة . وعنه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته ، وصلاته في سوقه بضعا وعشرين درجة ، وذلك أن أحدهم إذا توضأ ، فأحسن الوضوء ، ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة ، لا يريد إلا الصلاة فلم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة ، وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه ، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون : اللهم ارحمه ، اللهم اغفر له ، اللهم تب عليه ما لم يؤذ فيه ما لم يحدث فيه . في رواية : ما يحدث ؟ قال : يفسو ، أو يضرط . وقال حكيم بن زريق : قيل لسعيد بن المسيب : أحضور الجنازة أحب إليك أم الجلوس في المسجد ؟ فقال : من صلى على جنازة فله قيراط ، ومن شهد دفنها فله قيراطان ؛ والجلوس في المسجد أحب إلي ، لأن الملائكة تقول : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه ، اللهم تب عليه . وروي عن الحكم بن عمير صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كونوا في الدنيا أضيافا ، واتخذوا المساجد بيوتا ، وعودوا قلوبكم الرقة ، وأكثروا التفكر ، والبكاء ، ولا تختلف بكم الأهواء ، تبنون ما لا تسكنون ، وتجمعون ما لا تأكلون ، وتؤملون ما لا تدركون . وقال أبو الدرداء لابنه : ليكن المسجد بيتك فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن المساجد بيوت المتقين ، ومن كانت المساجد بيته ضمن الله تعالى له الروح ، والراحة ، والجواز على الصراط . وكتب أبو صادق الأزدي إلى شعيب بن الحبحاب : أن عليك بالمساجد فالزمها ؛ فإنه بلغني أنها كانت مجالس الأنبياء . وقال أبو إدريس الخولاني : المساجد مجالس الكرام من الناس . وقال مالك بن دينار : بلغني أن الله تبارك وتعالى يقول : ( إني أهم بعذاب عبادي فأنظر إلى عمار المساجد ، وجلساء القرآن ، وولدان الإسلام فيسكن غضبي ) . وروي عنه - عليه السلام - أنه قال : سيكون في آخر الزمان رجال يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقا حلقا ذكرهم الدنيا وحبها فلا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة . وقال ابن المسيب : من جلس في مسجد فإنما يجالس ربه ، فما حقه أن يقول إلا خيرا . وقد مضى من تعظيم المساجد وحرمتها ما فيه كفاية . وقد جمع بعض العلماء في ذلك خمس عشرة خصلة ، فقال : من حرمة المسجد أن يسلم وقت الدخول إن كان القوم جلوسا ، وإن لم يكن في المسجد أحد قال : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، وأن يركع ركعتين قبل أن يجلس ، وألا يشتري فيه ولا يبيع ، ولا يسل فيه سهما ، ولا سيفا ، ولا يطلب فيه ضالة ، ولا يرفع فيه صوتا بغير ذكر الله تعالى ، ولا يتكلم فيه بأحاديث الدنيا ، ولا يتخطى رقاب الناس ، ولا ينازع في المكان ، ولا يضيق على أحد في الصف ، ولا يمر بين يدي مصل ، ولا يبصق ، ولا يتنخم ، ولا يتمخط فيه ، ولا يفرقع أصابعه ، ولا يعبث بشيء من جسده ، وأن ينزه عن النجاسات ، والصبيان ، والمجانين ، وإقامة الحدود ، وأن يكثر ذكر الله تعالى ولا يغفل عنه . فإذا فعل هذه الخصال فقد أدى حق المسجد ، وكان المسجد حرزا له وحصنا من الشيطان الرجيم . وفي الخبر ( أن مسجدا ارتفع بأهله إلى السماء يشكوهم إلى الله لما يتحدثون فيه من أحاديث الدنيا ) . وروى الدارقطني ، عن عامر الشعبي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قبلا ، فيقال لليلتين ، وأن تتخذ المساجد طرقا ، وأن يظهر موت الفجأة . هذا يرويه عبد الكبير بن المعافى ، عن شريك ، عن العباس بن ذريح ، عن الشعبي ، عن أنس . وغيره يرويه عن الشعبي ، مرسلا ، والله أعلم . وقال أبو حاتم : عبد الكبير بن معافى ثقة كان يعد من الأبدال . وفي البخاري عن أبي موسى ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من مر في شيء من مساجدنا ، أو أسواقنا بنبل فليأخذ على نصالها لا يعقر بكفه مسلما . وخرج مسلم ، عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها . وعن أبي ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها ، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق ، ووجدت في مساوي أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن . وخرج أبو داود ، عن الفرج بن فضالة ، عن أبي سعد الحميري قال : رأيت واثلة بن الأسقع في مسجد دمشق بصق على الحصير ، ثم مسحه برجله ؛ فقيل له : لم فعلت هذا ؟ قال : لأني رأيت رسول الله صلى عليه وسلم يفعله . فرج بن فضالة ضعيف ، وأيضا فلم يكن في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حصر . والصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما بصق على الأرض ودلكه بنعله اليسرى ، ولعل واثلة إنما أراد هذا فحمل الحصير عليه .
تفسير الطبرييعني تعالى ذكره بقوله: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) الله نور السماوات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، في بيوت أذن الله أن ترفع.كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: المشكاة التي فيها الفتيلة التي فيها المصباح، قال: المصابيح في بيوت أذن الله أن ترفع.قال أبو جعفر: قد يحتمل أن تكون " من " في صلة " توقد "، فيكون المعنى: توقد من شجرة مباركة ذلك المصباح في بيوت أذن الله أن ترفع، وعنى بالبيوت المساجد.وقد اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم بالذي قلنا في ذلك.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد، ونصر بن عبد الرحمن الأودي، قالا ثنا حكام، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قول الله: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) قال: المساجد.حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس في قوله: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) وهي المساجد تكرم، ونهى عن اللغو فيها.حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) يعني: كل مسجد يصلي فيه، جامع أو غيره.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) قال: مساجد تبنى.حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) قال: في المساجد.قال: أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: أدركت أصحاب رسول الله وهم يقولون: المساجد بيوت الله، وإنه حقّ على الله أن يكرم من زاره فيها.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن المبارك، عن سالم بن عمر في قوله: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) قال: هي المساجد.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) قال: المساجد.وقال آخرون: عنى بذلك البيوت كلها.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد، ونصر بن عبد الرحمن الأودي، قالا حدثنا حكَّام بن سلم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عكرِمة ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) قال: هي البيوت كلها.إنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك؛ لدلالة قوله: ( يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ) على أنها بيوت بنيت للصلاة، فلذلك قلنا هي المساجد.واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ( أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) فقال بعضهم: معناه: أذن الله أن تبنى.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عصام، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) قال: تبنى.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد مثله.وقال آخرون: معناه: أذن الله أن تعظم.* ذكر من قال ذلك:حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله: ( أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) يقول: أن تعظم لذكره.وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، القول الذي قاله مجاهد، وهو أن معناه: أذن الله أن ترفع بناء، كما قال جلّ ثناؤه: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وذلك أن ذلك هو الأغلب من معنى الرفع في البيوت والأبنية.وقوله: ( وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ) يقول: وأذن لعباده أن يذكروا اسمه فيها. وقد قيل: عني به أنه أذن لهم بتلاوة القرآن فيها.* ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال: ثم قال: ( وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ) يقول: يتلى فيها كتابه. وهذا القول قريب المعنى مما قلناه في ذلك؛ لأن تلاوة كتاب الله من معاني ذكر الله، غير أن الذي قلنا به أظهر معنييه، فلذلك اخترنا القول به.وقول: ( يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ) .اختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( يُسَبِّحُ لَهُ ) فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار ( يُسَبِّحُ لَهُ ) بضم الياء وكسر الباء، بمعنى يصلي له فيها رجال، ويجعل يسبح فعلا للرجال، وخبرا عنهم، وترفع به الرجال، سوى عاصم وابن عامر، فإنهما قرأا ذلك: " يُسَبَّحُ لَهُ" بضمّ الياء وفتح الباء، على ما لم يسمّ فاعله، ثم يرفعان الرجال بخبر ثان مضمر، كأنهما أرادا: يُسَبَّحُ الله في البيوت التي أذن الله أن ترفع، فسبَّح له رجال، فرفعا الرجال بفعل مضمر، والقراءة التي هي أولاهما بالصواب، قراءة من كسر الباء، وجعله خبرا للرجال وفعلا لهم. وإنما كان الاختيار رفع الرجال بمضمر من الفعل لو كان الخبر عن البيوت، لا يتمّ إلا بقوله: ( يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا ) ، فأما والخبر عنها دون ذلك تامّ، فلا وجه لتوجيه قوله: ( يُسَبِّحُ لَهُ ) إلى غيره أي (1) غير الخبر عن الرجال. وعني بقوله: ( يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ) يصلي له في هذه البيوت بالغُدُوات والعشيات رجال.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ بن الحسن الأزدي، قال: ثنا المعافى بن عمران، عن سفيان، عن عمار الدهني (2) عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: كلّ تسبيح في القرآن فهو صلاة.حدثني عليّ، قال ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال: ثم قال: ( يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ) يقول: يصلي له فيها بالغداة والعشيّ، يعني بالغدو: صلاة الغداة، ويعني بالآصال صلاة العصر وهما أوّل ما افترض الله من الصلاة، فأحبّ أن يذكرهما، ويذكر بهما عبادته.حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن ( يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ ) أذن الله أن تبنى، فيصلي فيها بالغدوّ والآصال.حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول في قوله: ( يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ) يعني الصلاة المفروضة.------------------------الهوامش:(1) في الأصل : إلى غير. ولعله تحريف.(2) هو عمار بن معاوية الدهني بضم المهملة ، الكوفي ، وثقه أحمد مات سنة 133 ، ا ه.