وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا ٣التفسير الميسرواتخذ مشركو العرب معبودات من دون الله لا تستطيع خَلْق شيء، والله خلقها وخلقهم، ولا تملك لنفسها دَفْعَ ضر أو جلب نفع، ولا تستطيع إماتة حي أو إحياء ميت، أو بعث أحد من الأموات حيًا من قبره.
تفسير السعديأي: من أعجب العجائب وأدل الدليل على سفههم ونقص عقولهم، بل أدل على ظلمهم وجراءتهم على ربهم أن اتخذوا آلهة بهذه الصفة، في كمال العجز أنها لا تقدر على خلق شيء بل هم مخلوقون، بل بعضهم مما عملته أيديهم. وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ْ أي: لا قليلا ولا كثيرا، لأنه نكرة في سياق النفي. وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا ْ أي: بعثا بعد الموت، فأعظم أحكام العقل بطلان إلهيتها وفسادها وفساد عقل من اتخذها آلهة وشركاء للخالق لسائر المخلوقات من غير مشاركة له في ذلك، الذي بيده النفع والضر والعطاء والمنع الذي يحيي ويميت ويبعث من في القبور ويجمعهم ليوم النشور، وقد جعل لهم دارين دار الشقاء والخزي والنكال لمن اتخذ معه آلهة أخرى، ودار الفوز والسعادة والنعيم المقيم لمن اتخذه وحده معبودا.
تفسير ابن كثيريخبر تعالى عن جهل المشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله ، الخالق لكل شيء ، المالك لأزمة الأمور ، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن . ومع هذا عبدوا معه من الأصنام ما لا يقدر على خلق جناح بعوضة ، بل هم مخلوقون ، ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ، فكيف يملكون لعابديهم؟ ( ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا ) أي : ليس لهم من ذلك شيء ، بل ذلك مرجعه كله إلى الله عز وجل ، الذي هو يحيي ويميت ، وهو الذي يعيد الخلائق يوم القيامة أولهم وآخرهم ، ( ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ) [ لقمان : 28 ] ، ( وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ) [ القمر : 50 ] ، ( فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة ) [ النازعات : 13 ، 14 ] ، ( فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون ) [ الصافات : 19 ] ، ( إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون ) [ يس : 53 ] . فهو الله الذي لا إله غيره ولا رب سواه ، ولا تنبغي العبادة إلا له; لأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن . وهو الذي لا ولد له ولا والد ، ولا عديل ولا نديد ولا وزير ولا نظير ، بل هو الأحد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد .
تفسير القرطبيقوله تعالى : واتخذوا من دونه آلهة ذكر ما صنع المشركون على جهة التعجيب في اتخاذهم الآلهة ، مع ما أظهر من الدلالة على وحدانيته وقدرته . لا يخلقون شيئا يعني الآلهة . وهم يخلقون لما اعتقد المشركون فيها أنها تضر وتنفع ، عبر عنها كما يعبر عما يعقل . ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا أي لا دفع ضر وجلب نفع ، فحذف المضاف . وقيل : لا يقدرون أن يضروا أنفسهم أو ينفعوها بشيء ، ولا لمن يعبدهم ، لأنها جمادات . ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا أي لا يميتون أحدا ، ولا يحيونه . والنشور : الإحياء بعد الموت ، أنشر الله الموتى فنشروا . وقد تقدم ، وقال الأعشى :حتى يقول الناس مما رأوا يا عجبا للميت الناشر
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره مقرعا مشركي العرب بعبادتهم ما دونه من الآلهة, ومعجبا أولي النهى منهم, ومنبههم على موضع خطأ فعلهم وذهابهم عن منهج الحقّ، وركوبهم من سبل الضلالة ما لا يركبه إلا كل مدخول الرأي، مسلوب العقل: واتخذ هؤلاء المشركون بالله من دون الذي له مُلك السماوات والأرض وحده. من غير شريك, الذي خلق كل شيء فقدّره، آلهة : يعني أصناما بأيديهم يعبدونها, لا تخلق شيئا وهي تخلق, ولا تملك لأنفسها نفعا تجرّه إليها، ولا ضرّا تدفعه عنها ممن أرادها بضرّ, ولا تملك إماتة حيّ، ولا إحياء ميت، ولا نشره من بعد مماته, وتركوا عبادة خالق كلّ شيء، وخالق آلهتهم، ومالك الضرّ والنفع، والذي بيده الموت والحياة والنشور. والنشور: مصدر نُشر الميت نشورا, وهو أن يُبعث ويحيا بعد الموت.
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَۖ فَقَدۡ جَآءُو ظُلۡمٗا وَزُورٗا ٤التفسير الميسروقال الكافرون بالله: ما هذا القرآن إلا كذب وبهتان اختلقه محمد، وأعانه على ذلك أناس آخرون، فقد ارتكبوا ظلمًا فظيعًا، وأتوا زورًا شنيعًا؛ فالقرآن ليس مما يمكن لبشر أن يختلقه.
تفسير السعديأي: وقال الكافرون بالله الذي أوجب لهم كفرهم أن قالوا في القرآن والرسول: إن هذا القرآن كذب كذبه محمد وإفك افتراه على الله وأعانه على ذلك قوم آخرون.فرد الله عليهم ذلك بأن هذا مكابرة منهم وإقدام على الظلم والزور، الذي لا يمكن أن يدخل عقل أحد وهم أشد الناس معرفة بحالة الرسول صلى الله عليه وسلم وكمال صدقه وأمانته وبره التام وأنه لا يمكنه، لا هو ولا سائر الخلق أن يأتوا بهذا القرآن الذي هو أجل الكلام وأعلاه وأنه لم يجتمع بأحد يعينه على ذلك فقد جاءوا بهذا القول ظلما وزورا.
تفسير ابن كثيريقول تعالى مخبرا عن سخافة عقول الجهلة من الكفار ، في قولهم عن القرآن : ( إن هذا إلا إفك ) : أي : كذب ، ( افتراه ) يعنون النبي صلى الله عليه وسلم ، ( وأعانه عليه قوم آخرون ) أي : واستعان على جمعه بقوم آخرين . قال الله تعالى : ( فقد جاءوا ظلما وزورا ) أي : فقد افتروا هم قولا باطلا ، هم يعلمون أنه باطل ، ويعرفون كذب أنفسهم فيما يزعمون .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وقال الذين كفروا يعني مشركي قريش . وقال ابن عباس : القائل منهم ذلك النضر بن الحارث ; وكذا كل ما في القرآن فيه ذكر الأساطير . قال محمد بن إسحاق : وكان مؤذيا للنبي صلى الله عليه وسلم . إن هذا يعني القرآن . إلا إفك افتراه أي كذب اختلقه . وأعانه عليه قوم آخرون يعني اليهود ; قاله مجاهد . وقال ابن عباس : المراد بقوله : قوم آخرون أبو فكيهة مولى بني الحضرمي وعداس وجبر ، وكان هؤلاء الثلاثة من أهل الكتاب . وقد مضى في ( النحل ) ذكرهم . فقد جاءوا ظلما وزورا أي بظلم . وقيل : المعنى فقد أتوا ظلما .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء الكافرون بالله، الذين اتخذوا من دونه آلهة: ما هذا القرآن الذي جاءنا به محمد ( إِلا إِفْكٌ ) يعني: إلا كذب وبهتان ( افْتَرَاهُ ) اختلقه وتخرّصه بقوله: ( وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ) ذكر أنهم كانوا يقولون: إنما يعلِّم محمدا هذا الذي يجيئنا به اليهود, فذلك قوله: ( وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ) يقول: وأعان محمدا على هذا الإفك الذي افتراه يهود.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ) قال: يهود.حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.وقوله: ( فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا ) يقول تعالى ذكره: فقد أتى قائلو هذه المقالة, يعني الذين قالوا: ( إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ) ظلما, يعني بالظلم نسبتهم كلام الله وتنزيله إلى أنه إفك افتراه محمد صلى الله عليه وسلم. وقد بيَّنا فيما مضى أن معنى الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، فكان ظلم قائلي هذه المقالة القرآن بقيلهم هذا وصفهم إياه بغير صفته، والزور: أصله تحسين الباطل. فتأويل الكلام: فقد أتى هؤلاء، القوم في قيلهم ( إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ) كذبا محضا.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد، وحدثني القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا ) قال: كذبًا.
وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٱكۡتَتَبَهَا فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا ٥التفسير الميسروقالوا عن القرآن: هو أحاديث الأولين المسطرة في كتبهم، استنسخها محمد، فهي تُقْرَأ عليه صباحًا ومساء.
تفسير السعديومن جملة أقاويلهم فيه أن قالوا: هذا الذي جاء به محمد أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا ْ أي: هذا قصص الأولين وأساطيرهم التي تتلقاها الأفواه وينقلها كل أحد استنسخها محمد فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ْ وهذا القول منهم فيه عدة عظائم:منها: رميهم الرسول الذي هو أبر الناس وأصدقهم بالكذب والجرأة العظيمة.ومنها: إخبارهم عن هذا القرآن الذي هو أصدق الكلام وأعظمه وأجله - بأنه كذب وافتراء.ومنها: أن في ضمن ذلك أنهم قادرون أن يأتوا بمثله وأن يضاهي المخلوق الناقص من كل وجه للخالق الكامل من كل وجه بصفة من صفاته، وهي الكلام.ومنها: أن الرسول قد علمت حالته وهم أشد الناس علما بها، أنه لا يكتب ولا يجتمع بمن يكتب له وقد زعموا ذلك.
تفسير ابن كثير( وقالوا أساطير الأولين اكتتبها ) يعنون : كتب الأوائل استنسخها ، ( فهي تملى عليه ) أي : تقرأ عليه ) بكرة وأصيلا ) أي : في أول النهار وآخره .وهذا الكلام - لسخافته وكذبه وبهته منهم - كل أحد يعلم بطلانه ، فإنه قد علم بالتواتر وبالضرورة : أن محمدا رسول الله لم يكن يعاني شيئا من الكتابة ، لا في أول عمره ولا في آخره ، وقد نشأ بين أظهرهم من أول مولده إلى أن بعثه الله نحوا من أربعين سنة ، وهم يعرفون مدخله ومخرجه ، وصدقه ، وبره وأمانته ونزاهته من الكذب والفجور وسائر الأخلاق الرذيلة ، حتى إنهم لم يكونوا يسمونه في صغره إلى أن بعث إلا الأمين ، لما يعلمون من صدقه وبره . فلما أكرمه الله بما أكرمه به ، نصبوا له العداوة ، ورموه بهذه الأقوال التي يعلم كل عاقل براءته منها ، وحاروا ماذا يقذفونه به ، فتارة من إفكهم يقولون : ساحر ، وتارة يقولون : شاعر ، وتارة يقولون : مجنون ، وتارة يقولون : كذاب ، قال الله تعالى : ( انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ) [ الإسراء : 48 ] .
تفسير القرطبيوقالوا أساطير الأولين قال الزجاج : واحد الأساطير أسطورة ; مثل أحدوثة وأحاديث . وقال غيره : أساطير جمع أسطار ; مثل أقوال وأقاويل . اكتتبها يعني محمدا . فهي تملى عليه بكرة وأصيلا أي تلقى عليه وتقرأ حتى تحفظ . و تملى أصله تملل ; فأبدلت اللام الأخيرة ياء من التضعيف : كقولهم : تقضى البازي ; وشبهه .
تفسير الطبريذكر أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث, وأنه المعني بقوله: ( وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ ).* ذكر من قال ذلك:حدثنا أبو كريب, قال: ثنا يونس بن بكير, قال: ثنا محمد بن إسحاق, قال: ثنا شيخ من أهل مصر, قدم منذ بضع وأربعين سنة, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: كان النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصيّ من شياطين قريش, وكان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينصب له العداوة, وكان قد قدم الحيرة, تعلَّم بها أحاديث ملوك فارس، وأحاديث رستم وأسفنديار, فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس مجلسا، فذكّر بالله وحدّث قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم، من نقمة الله خلفه في مجلسه إذا قام, ثم يقول: أنا والله يا معشر قُريش أحسن حديثا منه. فهلموا فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وأسفنديار, ثم يقول: ما محمد أحسن حديثا مني، قال: فأنزل الله تبارك وتعالى في النضر ثماني آيات من القرآن, قوله: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ وكل ما ذُكِر فيه الأساطير في القرآن.حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قال: ثني محمد بن أبي محمد, عن سعيد أو عكرمة, عن ابن عباس نحوه, إلا أنه جعل قوله: " فأنزل الله في النضر ثماني آيات ", عن ابن إسحاق, عن الكلبي, عن أبي صالح, عن ابن عباس.حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج ( أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ ) أشعارهم وكهانتهم، وقالها النضر بن الحارث.فتأويل الكلام: وقال هؤلاء المشركون بالله، الذين قالوا لهذا القرآن إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ محمد صلى الله عليه وسلم: هذا الذي جاءنا به محمد أساطير الأوّلين, يعنون أحاديثهم التي كانوا يسطرونها في كتبهم, اكتتبها محمد صلى الله عليه وسلم من يهود، ( فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ ) يعنون بقوله: ( فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ ) فهذه الأساطير تقرأ عليه, من قولهم: أمليت عليك الكتاب وأمللت ( بُكْرَةً وَأَصِيلا ) يقول: وتملى عليه غدوة وعشيا.
قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٦التفسير الميسرقل - أيها الرسول - لهؤلاء الكفار: إن الذي أنزل القرآن هو الله الذي أحاط علمه بما في السموات والأرض، إنه كان غفورًا لمن تاب من الذنوب والمعاصي، رحيمًا بهم حيث لم يعاجلهم بالعقوبة.
تفسير السعديفلذلك رد عليهم ذلك بقوله: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ْ أي: أنزله من أحاط علمه بما في السماوات وما في الأرض، من الغيب والشهادة والجهر والسر كقوله: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ْووجه إقامة الحجة عليهم أن الذي أنزله، هو المحيط علمه بكل شيء، فيستحيل ويمتنع أن يقول مخلوق ويتقول عليه هذا القرآن، ويقول: هو من عند الله وما هو من عنده ويستحل دماء من خالفه وأموالهم، ويزعم أن الله قال له ذلك، والله يعلم كل شيء ومع ذلك فهو يؤيده وينصره على أعدائه، ويمكنه من رقابهم وبلادهم فلا يمكن أحدا أن ينكر هذا القرآن، إلا بعد إنكار علم الله، وهذا لا تقول به طائفة من بني آدم سوى الفلاسفة الدهرية.وأيضا فإن ذكر علمه تعالى العام ينبههم: ويحضهم على تدبر القرآن، وأنهم لو تدبروا لرأوا فيه من علمه وأحكامه ما يدل دلالة قاطعة على أنه لا يكون إلا من عالم الغيب والشهادة، ومع إنكارهم للتوحيد والرسالة من لطف الله بهم، أنه لم يدعهم وظلمهم بل دعاهم إلى التوبة والإنابة إليه ووعدهم بالمغفرة والرحمة، إن هم تابوا ورجعوا فقال: إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا ْ أي: وصفه المغفرة لأهل الجرائم والذنوب، إذا فعلوا أسباب المغفرة وهي الرجوع عن معاصيه والتوبة منها. رَحِيمًا ْ بهم حيث لم يعاجلهم بالعقوبة وقد فعلوا مقتضاها، وحيث قبل توبتهم بعد المعاصي وحيث محا ما سلف من سيئاتهم وحيث قبل حسناتهم وحيث أعاد الراجع إليه بعد شروده والمقبل عليه بعد إعراضه إلى حالة المطيعين المنيبين إليه.
تفسير ابن كثيروقال تعالى في جواب ما عاندوا هاهنا وافتروا : ( قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض ) أي : أنزل القرآن المشتمل على أخبار الأولين والآخرين إخبارا حقا صدقا مطابقا للواقع في الخارج ، ماضيا ومستقبلا ( أنزله الذي يعلم السر ) أي : الله الذي يعلم غيب السماوات والأرض ، ويعلم السرائر كعلمه بالظواهر .وقوله : ( إنه كان غفورا رحيما ) : دعاء لهم إلى التوبة والإنابة ، وإخبار بأن رحمته واسعة ، وأن حلمه عظيم ، وأن من تاب إليه تاب عليه . فهؤلاء مع كذبهم وافترائهم وفجورهم وبهتهم وكفرهم وعنادهم ، وقولهم عن الرسول والقرآن ما قالوا ، يدعوهم إلى التوبة والإقلاع عما هم فيه إلى الإسلام والهدى ، كما قال تعالى : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ) [ المائدة : 73 - 74 ] ، وقال تعالى : ( إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق ) [ البروج : 10 ] . قال الحسن البصري : انظروا إلى هذا الكرم والجود ، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والرحمة [ سبحانه وتعالى ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى : قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض أي قل يا محمد أنزل هذا القرآن الذي يعلم السر ، فهو عالم الغيب ، فلا يحتاج إلى معلم . وذكر السر دون الجهر ; لأنه من علم السر فهو في الجهر أعلم . ولو كان القرآن مأخوذا من أهل الكتاب وغيرهم لما زاد عليها ، وقد جاء بفنون تخرج عنها ، فليس مأخوذا منها . وأيضا ولو كان مأخوذا من هؤلاء لتمكن المشركون منه أيضا كما تمكن محمد صلى الله عليه وسلم ; فهلا عارضوه ؟ فبطل اعتراضهم من كل وجه . إنه كان غفورا رحيما يريد غفورا لأوليائه رحيما بهم .
تفسير الطبريوقوله: ( قُلْ أَنزلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المكذّبين بآيات الله من مشركي قومك: ما الأمر كما تقولون من أن هذا القرآن أساطير الأولين، وأن محمد صلى الله عليه وسلم افتراه وأعانه عليه قوم آخرون, بل هو الحقّ, أنزله الربّ الذي يعلم سرّ من في السماوات ومن في الأرض, ولا يخفى عليه شيء, ومحصي ذلك على خلقه, ومجازيهم بما عزمت عليه قلوبهم، وأضمروه في نفوسهم ( إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ) يقول: إنه لم يزل يصفح عن خلقه ويرحمهم, فيتفضل عليهم بعفوه, يقول: فلأن ذلك من عادته في خلقه, يمهلكم أيها القائلون ما قلتم من الإفك، والفاعلون ما فعلتم من الكفر.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج ( قُلْ أَنزلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) قال: ما يسرّ أهل الأرض وأهل السماء.
وَقَالُواْ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشِي فِي ٱلۡأَسۡوَاقِ لَوۡلَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَلَكٞ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا ٧التفسير الميسروقال المشركون: ما لهذا الذي يزعم أنه رسول الله (يعنون محمدًا صلى الله عليه وسلم) يأكل الطعام مثلنا، ويمشي في الأسواق لطلب الرزق؟ فهلا أرسل الله معه مَلَكًا يشهد على صدقه، أو يهبط عليه من السماء كنز من مال، أو تكون له حديقة عظيمة يأكل من ثمرها، وقال هؤلاء الظالمون المكذبون: ما تتبعون أيها المؤمنون إلا رجلا به سحر غلب على عقله.
تفسير السعديهذا من مقالة المكذبين للرسول الذين قدحوا بها في رسالته، وهو أنهم اعترضوا بأنه هلا كان ملكا أو مليكا، أو يساعده ملك فقالوا: مَالِ هَذَا الرَّسُولِ أي: ما لهذا الذي ادعى الرسالة؟ تهكما منهم واستهزاء. يَأْكُلُ الطَّعَامَ وهذا من خصائص البشر فهلا كان ملكا لا يأكل الطعام، ولا يحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر، وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ للبيع والشراء وهذا -بزعمهم- لا يليق بمن يكون رسولا، مع أن الله قال: وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ أي: هلا أنزل معه ملك يساعده ويعاونه، فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا وبزعمهم أنه غير كاف للرسالة ولا بطوقه وقدرته القيام بها.
تفسير ابن كثيريخبر تعالى عن تعنت الكفار وعنادهم وتكذيبهم للحق بلا حجة ولا دليل منهم ، وإنما تعللوا بقولهم : ( مال هذا الرسول يأكل الطعام ) ، يعنون : كما نأكله ، ويحتاج إليه كما نحتاج إليه ، ( ويمشي في الأسواق ) أي : يتردد فيها وإليها طلبا للتكسب والتجارة ، ( لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ) يقولون : هلا أنزل إليه ملك من عند الله ، فيكون له شاهدا على صدق ما يدعيه! وهذا كما قال فرعون : ( فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين ) [ الزخرف : 53 ] . وكذلك قال هؤلاء على السواء ، تشابهت قلوبهم; ولهذا قال :
تفسير القرطبيقوله تعالى : وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراقوله تعالى : وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواقفيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : وقالوا ذكر شيئا آخر من مطاعنهم . والضمير في ( قالوا ) لقريش ; وذلك أنهم كان لهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلس مشهور ، وقد تقدم في ( سبحان ) ذكره ابن إسحاق في السيرة وغيره . مضمنه أن سادتهم - عتبة بن ربيعة وغيره - اجتمعوا معه فقالوا : يا محمد ! إن كنت تحب الرياسة وليناك علينا ، وإن كنت تحب المال جمعنا لك من أموالنا ; فلما أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك رجعوا في باب الاحتجاج معه فقالوا : ما بالك وأنت رسول الله تأكل الطعام ، وتقف بالأسواق ! فعيروه بأكل الطعام ; لأنهم أرادوا أن يكون الرسول ملكا ، وعيروه بالمشي في الأسواق حين رأوا الأكاسرة والقياصرة والملوك الجبابرة يترفعون عن الأسواق ، وكان عليه السلام يخالطهم في أسواقهم ، ويأمرهم وينهاهم ; فقالوا : هذا يطلب أن يتملك علينا ، فما له يخالف سيرة الملوك ; فأجابهم الله بقوله ، وأنزل على نبيه : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق فلا تغتم ولا تحزن ، فإنها شكاة ظاهر عنك عارها .الثانية : دخول الأسواق مباح للتجارة وطلب المعاش . وكان عليه السلام يدخلها لحاجته ، ولتذكرة الخلق بأمر الله ودعوته ، ويعرض نفسه فيها على القبائل ، لعل الله أن يرجع بهم إلى الحق . وفي البخاري في صفته عليه السلام : ( ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ) وقد تقدم في ( الأعراف ) وذكر السوق مذكور في غير ما حديث ، ذكره أهل الصحيح . وتجارة الصحابة فيها معروفة ، وخاصة المهاجرين ; كما قال أبو هريرة : وإن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق ; خرجه البخاري . وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان في هذه السورة إن شاء الله .قوله تعالى : لولا أنزل إليه ملك أي هلا . فيكون معه نذيرا جواب الاستفهام .
تفسير الطبريذُكر أن هاتين الآيتين نزلتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان مشركو قومه قالوا له ليلة اجتماع أشرافهم بظهر الكعبة, وعرضوا عليه أشياء, وسألوه الآيات.فكان فيما كلموه به حينئذ, فيما حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قال: ثني محمد بن أبي محمد, مولى زيد بن ثابت, عن سعيد بن جُبير, أو عكرمة مولى ابن عباس, عن ابن عباس أن قالوا له: فإن لم تفعل لنا هذا- يعني ما سألوه من تسيير جبالهم عنهم, وإحياء آبائهم, والمجيء بالله والملائكة قبيلا وما ذكره الله في سورة بني إسرائيل، فخذ لنفسك, سل ربك يبعث معك ملَكا يصدّقك بما تقول، ويراجعنا عنك, وسله فيجعل لك قصورا وجنانا، وكنوزا من ذهب وفضة, تغنيك عما نراك تبتغي, فإنك تقوم بالأسواق، وتلتمس المعاش كما نلتمسه, حتى نعلم فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنا بفاعل، فأنزل الله في قولهم: أن خذ لنفسك ما سألوه، أن يأخذ لها، أن يجعل له جنانا وقصورا وكنوزا, أو يبعث معه ملَكا يصدّقه بما يقول، ويردّ عنه من خاصمه.( وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ لَوْلا أُنزلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنز أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا ).فتأويل الكلام: وقال المشركون ما لهذا الرسول يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم, الذي يزعم أن الله بعثه إلينا يأكل الطعام كما نأكل، ويمشي في أسواقنا كما نمشي ( لَوْلا أُنزلَ إِلَيْهِ ) يقول: هلا أنزل إليه ملَك إن كان صادقا من السماء, فيكون معه منذرا للناس, مصدّقا له على ما يقول, أو يلقى إليه كنز من فضة أو ذهب، فلا يحتاج معه إلى التصرّف في طلب المعاش .
أَوۡ يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٞ يَأۡكُلُ مِنۡهَاۚ وَقَالَ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا ٨التفسير الميسروقال المشركون: ما لهذا الذي يزعم أنه رسول الله (يعنون محمدًا صلى الله عليه وسلم) يأكل الطعام مثلنا، ويمشي في الأسواق لطلب الرزق؟ فهلا أرسل الله معه مَلَكًا يشهد على صدقه، أو يهبط عليه من السماء كنز من مال، أو تكون له حديقة عظيمة يأكل من ثمرها، وقال هؤلاء الظالمون المكذبون: ما تتبعون أيها المؤمنون إلا رجلا به سحر غلب على عقله.
تفسير السعدي أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أي: مال مجموع من غير تعب، أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا فيستغني بذلك عن مشيه في الأسواق لطلب الرزق. وَقَالَ الظَّالِمُونَ حملهم على القول ظلمهم لا اشتباه منهم، إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا هذا وقد علموا كمال عقله وحسن حديثه، وسلامته من جميع المطاعن.
تفسير ابن كثير( أو يلقى إليه كنز ) أي : علم كنز [ يكون ] ينفق منه ، ( أو تكون له جنة يأكل منها ) أي : تسير معه حيث سار . وهذا كله سهل يسير على الله ، ولكن له الحكمة في ترك ذلك ، وله الحجة البالغة ( وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ) .
تفسير القرطبيأو يلقى إليه كنز في موضع رفع ; والمعنى : أو هلا يلقى إليه كنز أو هلا تكون له جنة يأكل منها يأكل بالياء قرأ المدنيون وأبو عمرو وعاصم . وقرأ سائر الكوفيين بالنون ، والقراءتان حسنتان تؤديان عن معنى ، وإن كانت القراءة بالياء أبين ; لأنه قد تقدم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وحده فأن يعود الضمير عليه أبين ; ذكره النحاس . وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا تقدم في " سبحان " والقائل عبد الله بن الزبعرى فيما ذكره الماوردي .
تفسير الطبري( أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ ) يقول: أو يكون له بستان ( يَأْكُلُ مِنْهَا ).واختلف القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين ( يَأْكُلُ ) بالياء, بمعنى: يأكل منها الرسول. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين ( نَأْكُلُ مِنْهَا ) بالنون, بمعنى: نأكل من الجنة.وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه بالياء، وذلك للخبر الذي ذكرنا قبل بأن مسألة من سأل من المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يسأل ربه هذه الخلال لنفسه لا لهم. فإذ كانت مسألتهم إياه ذلك كذلك, فغير جائز أن يقولوا له: سل لنفسك ذلك لنأكل نحن.وبعدُ, فإن في قوله تعالى ذكره: تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ دليلا بيِّنا على أنهم إنما قالوا له: اطلب ذلك لنفسك, لتأكل أنت منه, لا نحن.وقوله: ( وَقَالَ الظَّالِمُونَ ) يقول: وقال المشركون للمؤمنين بالله ورسوله: ( إِنْ تَتَّبِعُونَ ) أيها القوم باتباعكم محمدا( إِلا رَجُلا ) به سحر.
ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَٰلَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا ٩التفسير الميسرانظر - أيها الرسول - كيف قال المكذبون في حقك تلك الأقوال العجيبة التي تشبه -لغرابتها- الأمثال؛ ليتوصلوا إلى تكذيبك؟ فبَعُدوا بذلك عن الحق، فلا يجدون سبيلا إليه؛ ليصححوا ما قالوه فيك من الكذب والافتراء.
تفسير السعدي انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ وهي: أنه هلا كان ملكا وزالت عنه خصائص البشر؟ أو معه ملك لأنه غير قادر على ما قال، أو أنزل عليه كنز، أو جعلت له جنة تغنيه عن المشي في الأسواق أو أنه كان مسحورا. فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا قالوا أقوالا متناقضة كلها جهل وضلال وسفه، ليس في شيء منها هداية بل ولا في شيء منها أدنى شبهة تقدح في الرسالة، فبمجرد النظر إليها وتصورها يجزم العاقل ببطلانها ويكفيه عن ردها، ولهذا أمر تعالى بالنظر إليها وتدبرها والنظر: هل توجب التوقف عن الجزم للرسول بالرسالة والصدق؟ ولهذا أخبر أنه قادر على أن يعطيك خيرا كثيرا في الدنيا
تفسير ابن كثيرقال الله تعالى : ( انظر كيف ضربوا لك الأمثال ) أي : جاءوا بما يقذفونك به ويكذبون به عليك ، من قولهم " ساحر ، مسحور ، مجنون ، كذاب ، شاعر " وكلها أقوال باطلة ، كل أحد ممن له أدنى فهم وعقل يعرف كذبهم وافتراءهم في ذلك; ولهذا قال : ( فضلوا ) أي : عن طريق الهدى ، ( فلا يستطيعون سبيلا ) وذلك لأن كل من خرج عن الحق فإنه ضال حيثما توجه; لأن الحق واحد ومنهج متحد ، يصدق بعضه بعضا .
تفسير القرطبيانظر كيف ضربوا لك الأمثال أي ضربوا لك هذه الأمثال ليتوصلوا إلى تكذيبك . فضلوا عن سبيل الحق وعن بلوغ ما أرادوا . فلا يستطيعون سبيلا إلى تصحيح ما قالوه فيك .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: انظر يا محمد إلى هؤلاء المشركين الذين شبهوا لك الأشباه بقولهم لك: هو مسحور, فضلوا بذلك عن قصد السبيل، وأخطؤوا طريق الهدى والرشاد، فلا يستطيعون يقول: فلا يجدون سبيلا إلى الحقّ, إلا فيما بعثتك به, ومن الوجه الذي ضلوا عنه.وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قال: ثني محمد بن أبى محمد, عن سعيد بن جُبير, أو عكرمة, عن ابن عباس ( انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا ) أي التمسوا الهدى في غير ما بعثتك به إليهم فضلوا, فلن يستطيعوا أن يصيبوا الهدى في غيره.وقال آخرون في ذلك ما حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا ) قال: مخرجا يخرجهم من الأمثال التي ضربوا لك.وقوله: ( تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ) يقول تعالى ذكره: تقدس الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك.واختلف أهل التأويل في المعني ب: " ذلك " التي في قوله: ( جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ ) فقال بعضهم: معنى ذلك: خيرا مما قال هؤلاء المشركون لك يا محمد: هلا أوتيته وأنت لله رسول، ثم بين تعالى ذكره عن الذي لو شاء جعل له من خير مما قالوا, فقال: ( جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ).* ذكر من قال ذلك.
تَبَارَكَ ٱلَّذِيٓ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيۡرٗا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَيَجۡعَل لَّكَ قُصُورَۢا ١٠التفسير الميسرعَظُمَتْ بركات الله، وكَثُرَتْ خيراته، الذي إن شاء جعل لك - أيها الرسول - خيرًا مما تمنَّوه لك، فجعل لك في الدنيا حدائق كثيرة تتخللها الأنهار، وجعل لك فيها قصورًا عظيمة.
تفسير السعدي تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ أي: خيرا مما قالوا، ثم فسره بقوله: جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا مرتفعة مزخرفة، فقدرته ومشيئته لا تقصر عن ذلك ولكنه تعالى -لما كانت الدنيا عنده في غاية البعد والحقارة- أعطى منها أولياءه ورسله ما اقتضته حكمته منها، واقتراح أعدائهم بأنهم هلا رزقوا منها رزقا كثيرا جدا ظلم وجراءة.
تفسير ابن كثيرثم قال تعالى مخبرا نبيه أنه لو شاء لآتاه خيرا مما يقولون في الدنيا وأفضل وأحسن ، فقال [ تعالى ] ( تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا ) .قال مجاهد : يعني : في الدنيا ، قال : وقريش يسمون كل بيت من حجارة قصرا ، سواء كان كبيرا أو صغيرا .وقال سفيان الثوري ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن خيثمة ; قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك ، ولا يعطى أحد من بعدك ، ولا ينقص ذلك مما لك عند الله؟ فقال : اجمعوها لي في الآخرة ، فأنزل الله عز وجل في ذلك : ( تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا ) .
تفسير القرطبيقوله تعالى : تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات شرط ومجازاة ، ولم يدغم جعل لك لأن الكلمتين منفصلتان ، ويجوز الإدغام لاجتماع المثلين . ويجعل لك في موضع جزم عطفا على موضع ( جعل ) . ويجوز أن يكون في موضع رفع ، مقطوعا من الأول . وكذلك قرأ أهل الشام . ويروى عن عاصم أيضا : ويجعل لك بالرفع ; أي وسيجعل لك في الآخرة قصورا . قال مجاهد : كانت قريش ترى البيت من حجارة ، قصرا ، كائنا ما كان . والقصر في اللغة الحبس ، وسمي القصر قصرا لأن من فيه مقصور عن أن يوصل إليه . وقيل : العرب تسمي بيوت الطين القصر . وما يتخذ من الصوف والشعر : البيت . حكاه القشيري . وروى سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن خيثمة قال : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : إن شئت أن نعطيك خزائن الدنيا ومفاتيحها ولم يعط ذلك من قبلك ولا يعطاه أحد بعدك ، وليس ذلك بناقصك في الآخرة شيئا ; وإن شئت جمعنا لك ذلك في الآخرة ، فقال : يجمع ذلك لي في الآخرة . فأنزل الله عز وجل : تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا . ويروى أن هذه الآية أنزلها رضوان خازن الجنان إلى النبي صلى الله عليه وسلم ; وفي الخبر : إن رضوان لما نزل سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ; ثم قال : يا محمد ! رب العزة يقرئك السلام ، وهذا سفط - فإذا سفط من نور يتلألأ - يقول لك ربك : هذه مفاتيح خزائن الدنيا ، مع أنه لا ينقص ما لك في الآخرة مثل جناح بعوضة ; فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير له ; فضرب جبريل بيده الأرض يشير أن تواضع ; فقال : يا رضوان لا حاجة لي فيها الفقر أحب إلي وأن أكون عبدا صابرا شكورا . فقال رضوان : أصبت ! الله لك . وذكر الحديث .
تفسير الطبريحدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ ) خيرا مما قالوا.حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ ) قال: مما قالوا وتمنوا لك, فيجعل لك مكان ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار.وقال آخرون: عني بذلك المشي في الأسواق، والتماس المعاش.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد, فيما يرى الطبري, عن سعيد بن جُبير, أو عكرمة, عن ابن عباس قال: ثم قال: ( تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ ) من أن تمشي في الأسواق، وتلتمس المعاش كما يلتمسه الناس,( جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ).قال أبو جعفر: والقول الذي ذكرناه عن مجاهد في ذلك أشبه بتأويل الآية, لأن المشركين إنما استعظموا أن لا تكون له جنة يأكل منها، وأن لا يلقى إليه كنز واستنكروا أن يمشي في الأسواق، وهو لله رسول، فالذي هو أولى بوعد الله إياه أن يكون وعدا بما هو خير مما كان عند المشركين عظيما, لا مما كان منكرا عندهم، وعني بقوله: ( جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ) بساتين تجري في أصول أشجارها الأنهار.كما حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ) قال: حوائط.وقوله: ( وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ) يعني بالقصور: البيوت المبنية.وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو, قال: قال أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ) قال: بيوتا مبنية مشيدة, كان ذلك في الدنيا، قال: كانت قريش ترى البيت من الحجارة قصرا كائنا ما كان.حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ) مشيدة في الدنيا, كل هذا قالته قريش. وكانت قريش ترى البيت من حجارة ما كان صغيرا (1) قصرا.حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن حبيب قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن نعطيك من خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك، ولا يعطى من بعدك، ولا ينقص ذلك مما لك عند الله تعالى، فقال: " اجمعوها لي في الآخرة "، فأنزل الله في ذلك ( تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ).------------------------الهوامش:(1) الظاهر أنه سقط من قلم الناسخ " أو كبيرًا" كما يفيده ما قبله . والذي في ابن كثير " صغيرًا كان أو كبيرًا "
بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيرًا ١١التفسير الميسروما كذبوك؛ لأنك تأكل الطعام، وتمشي في الأسواق، بل كذَّبوا بيوم القيامة وما فيه من جزاء، وأعتدنا لمن كذب بالساعة نارًا حارة تُسَعَّر بهم.
تفسير السعديولما كانت تلك الأقوال التي قالوها معلومة الفساد أخبر تعالى أنها لم تصدر منهم لطلب الحق، ولا لاتباع البرهان وإنما صدرت منهم تعنتا وظلما وتكذيبا بالحق، فقالوا ما بقلوبهم من ذلك ولهذا قال: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ والمكذب المتعنت الذي ليس له قصد في اتباع الحق، لا سبيل إلى هدايته ولا حيلة في مجادلته وإنما له حيلة واحدة وهي نزول العذاب به، فلهذا قال: وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا أي: نارا عظيمة قد اشتد سعيرها، وتغيظت على أهلها واشتد زفيرها.
تفسير ابن كثيروقوله : ( بل كذبوا بالساعة ) أي : إنما يقول هؤلاء هكذا تكذيبا وعنادا ، لا أنهم يطلبون ذلك تبصرا واسترشادا ، بل تكذيبهم بيوم القيامة يحملهم على قول ما يقولونه من هذه الأقوال ، ( وأعتدنا ) أي : وأرصدنا ( لمن كذب بالساعة سعيرا ) أي : عذابا أليما حارا لا يطاق في نار جهنم .وقال الثوري ، عن سلمة بن كهيل ، عن سعيد بن جبير : " السعير " : واد من قيح جهنم .
تفسير القرطبيقوله تعالى : بل كذبوا بالساعة يريد يوم القيامة . وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا يريد جهنم تتلظى عليهم .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: ما كذب هؤلاء المشركون بالله، وأنكروا ما جئتهم به يا محمد من الحق من أجل أنك تأكل الطعام، وتمشي في الأسواق, ولكن من أجل أنهم لا يوقنون بالمعاد، ولا يصدقون بالثواب والعقاب تكذيبا منهم بالقيامة، وبعث الله الأموات أحياء لحشر القيامة ,( وَأَعْتَدْنَا ) يقول: وأعددنا لمن كذب ببعث الله الأموات أحياء بعد فنائهم لقيام الساعة, نارا تسعر عليهم وتتقد.