الأربعاء، ١١ مارس ٢٠٢٦
الأربعاء، ١١ مارس ٢٠٢٦
facebookinstagramtwitter

عرض بالصفحات

Basmala
سُورَةُ الفُرۡقَانِ
إِذَا رَأَتۡهُم مِّن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظٗا وَزَفِيرٗا  ١٢وَإِذَآ أُلۡقُواْ مِنۡهَا مَكَانٗا ضَيِّقٗا مُّقَرَّنِينَ دَعَوۡاْ هُنَالِكَ ثُبُورٗا  ١٣لَّا تَدۡعُواْ ٱلۡيَوۡمَ ثُبُورٗا وَٰحِدٗا وَٱدۡعُواْ ثُبُورٗا كَثِيرٗا  ١٤قُلۡ أَذَٰلِكَ خَيۡرٌ أَمۡ جَنَّةُ ٱلۡخُلۡدِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۚ كَانَتۡ لَهُمۡ جَزَآءٗ وَمَصِيرٗا  ١٥لَّهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَٰلِدِينَۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعۡدٗا مَّسۡـُٔولٗا  ١٦وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمۡ أَضۡلَلۡتُمۡ عِبَادِي هَٰٓؤُلَآءِ أَمۡ هُمۡ ضَلُّواْ ٱلسَّبِيلَ  ١٧قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِن مَّتَّعۡتَهُمۡ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكۡرَ وَكَانُواْ قَوۡمَۢا بُورٗا  ١٨فَقَدۡ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسۡتَطِيعُونَ صَرۡفٗا وَلَا نَصۡرٗاۚ وَمَن يَظۡلِم مِّنكُمۡ نُذِقۡهُ عَذَابٗا كَبِيرٗا  ١٩وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا  ٢٠
تفسير سُورَةُ الفُرۡقَانِ
إِذَا رَأَتۡهُم مِّن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظٗا وَزَفِيرٗا  ١٢
التفسير الميسرإذا رأت النار هؤلاء المكذبين يوم القيامة من مكان بعيد، سمعوا صوت غليانها وزفيرها، من شدة تغيظها منهم.
تفسير السعدي إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ أي: قبل وصولهم ووصولها إليهم، سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا عليهم وَزَفِيرًا تقلق منهم الأفئدة وتتصدع القلوب، ويكاد الواحد منهم يموت خوفا منها وذعرا قد غضبت عليهم لغضب خالقها وقد زاد لهبها لزيادة كفرهم وشرهم.
تفسير ابن كثيروقوله : ( إذا رأتهم ) أي : جهنم ( من مكان بعيد ) يعني : في مقام المحشر . قال السدي : من مسيرة مائة عام ( سمعوا لها تغيظا وزفيرا ) أي : حنقا عليهم ، كما قال تعالى : ( إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور تكاد تميز من الغيظ ) [ الملك : 7 ، 8 ] أي : يكاد ينفصل بعضها من بعض; من شدة غيظها على من كفر بالله .قال ابن أبي حاتم : حدثنا إدريس بن حاتم بن الأخيف الواسطي : أنه سمع محمد بن الحسن الواسطي ، عن أصبغ بن زيد ، عن خالد بن كثير ، عن خالد بن دريك ، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من يقل علي ما لم أقل ، أو ادعى إلى غير والديه ، أو انتمى إلى غير مواليه ، فليتبوأ [ مقعده من النار " . وفي رواية : " فليتبوأ ] بين عيني جهنم مقعدا " قيل : يا رسول الله ، وهل لها من عينين؟ قال : " أما سمعتم الله يقول : ( إذا رأتهم من مكان بعيد ) الآية .ورواه ابن جرير ، عن محمد بن خداش ، عن محمد بن يزيد الواسطي ، به .وقال أيضا : حدثنا أبي ، حدثنا علي بن محمد الطنافسي ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن عيسى بن سليم ، عن أبي وائل قال : خرجنا مع عبد الله - يعني : ابن مسعود - ومعنا الربيع بن خثيم فمروا على حداد ، فقام عبد الله ينظر إلى حديدة في النار ، ونظر الربيع بن خثيم إليها فتمايل ليسقط ، فمر عبد الله على أتون على شاطئ الفرات ، فلما رآه عبد الله والنار تلتهب في جوفه قرأ هذه الآية : ( إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا ) فصعق - يعني : الربيع بن خثيم - فحملوه إلى أهل بيته ورابطه عبد الله إلى الظهر فلم يفق ، رضي الله عنه .وحدثنا أبي : حدثنا عبد الله بن رجاء ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي يحيى ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : إن العبد ليجر إلى النار ، فتشهق إليه شهقة البغلة إلى الشعير ، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف .هكذا رواه ابن أبي حاتم مختصرا ، وقد رواه الإمام أبو جعفر بن جرير :حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، أخبرنا إسرائيل ، عن أبي يحيى ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : إن الرجل ليجر إلى النار ، فتنزوي وتنقبض بعضها إلى بعض ، فيقول لها الرحمن : ما لك؟ قالت : إنه يستجير مني . فيقول : أرسلوا عبدي . وإن الرجل ليجر إلى النار ، فيقول : يا رب ، ما كان هذا الظن بك؟ فيقول : فما كان ظنك؟ فيقول : أن تسعني رحمتك . فيقول : أرسلوا عبدي ، وإن الرجل ليجر إلى النار ، فتشهق إليه النار شهوق البغلة إلى الشعير ، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف . وهذا إسناد صحيح .وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن عبيد بن عمير في قوله : ( سمعوا لها تغيظا وزفيرا ) قال : إن جهنم تزفر زفرة ، لا يبقى ملك ولا نبي إلا خر ترعد فرائصه ، حتى إن إبراهيم عليه السلام ، ليجثو على ركبتيه ويقول : رب ، لا أسألك اليوم إلا نفسي .
تفسير القرطبيإذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا أي من مسيرة خمسمائة عام .سمعوا لها تغيظا وزفيرا قيل : المعنى إذا رأتهم جهنم سمعوا لها صوت التغيظ عليهم . وقيل : المعنى إذا رأتهم خزانها سمعوا لهم تغيظا وزفيرا حرصا على عذابهم . والأول أصح ; لما روي مرفوعا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من كذب علي متعمدا فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا . قيل : يا رسول الله ولها عينان ؟ قال : أما سمعتم الله عز وجل يقول : إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا يخرج عنق من النار له عينان تبصران ولسان ينطق فيقول وكلت بكل من جعل مع الله إلها آخر ، فلهو أبصر بهم من الطير بحب السمسم فيلتقطه في رواية فيخرج عنق من النار فيلتقط الكفار لقط الطائر حب السمسم ذكره رزين في كتابه ، وصححه ابن العربي في قبسه ، وقال : أي تفصلهم عن الخلق في المعرفة كما يفصل الطائر حب السمسم من التربة . وخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق ، يقول : إني وكلت بثلاث بكل جبار عنيد وبكل من دعا مع الله إلها آخر وبالمصورين . وفي الباب عن أبي سعيد قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب صحيح . وقال الكلبي : سمعوا لها تغيظا كتغيظ بني آدم وصوتا كصوت الحمار . وقيل : فيه تقديم وتأخير ، سمعوا لها زفيرا وعلموا لها تغيظا . وقال قطرب : التغيظ لا يسمع ، ولكن يرى ، والمعنى : رأوا لها تغيظا وسمعوا لها زفيرا ; كقول الشاعر :ورأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحاأي وحاملا رمحا . وقيل : سمعوا لها أي فيها ; أي سمعوا فيها تغيظا وزفيرا للمعذبين . كما قال تعالى : لهم فيها زفير وشهيق و ( في واللام ) يتقاربان ; تقول : أفعل هذا في الله ولله .
تفسير الطبري( إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ )، يقول: إذا رأت هذه النار التي اعتدناها لهؤلاء المكذبين أشخاصهم من مكان بعيد, تغيظت عليهم، وذلك أن تغلي وتفور، يقال: فلان تغيظ على فلان, وذلك إذ غضب عليه، فغلى صدره من الغضب عليه، وتبين في كلامه، (وَزَفِيرًا), وهو صوتها.فإن قال قائل: وكيف قيل ( سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا ) والتغيظ: لا يسمع، قيل معنى ذلك: سمعوا لها صوت التغيظ من التلهب والتوقد.حدثني محمود بن خداش, قال: ثنا محمد بن يزيد الواسطي, قال: ثنا أصبع بن زيد الوَرَّاقُ, عن خالد بن كثير, عن فديك, عن رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ يَقُولُ عَليَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْنَ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ مَقْعَدًا " قالوا: يا رسول الله, وهل لها من عين؟ قال: " أَلَمْ تَسْمَعُوا إلى قَوْلِ اللهِ ( إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ) ... الآية.حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر في قوله: ( سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ) قال: أخبرني المنصور بن المعتمر, عن مجاهد, عن عبيد بن عمير, قال: إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك ولا نبي إلا خر ترعد فرائضه حتى إن إبراهيم ليجثو على ركبتيه, فيقول: يا رب لا أسألك اليوم إلا نفسي!.حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي, قال: ثنا عبيد الله بن موسى, قال: أخبرنا إسرائيل, عن أبي يحيى, عن مجاهد, عن ابن عباس, قال: إن الرجل ليجر إلي النار, فتنزوي، وينقبض بعضها إلى بعض, فيقول لها الرحمن: ما لك؟ فتقول: إنه ليستجير مني! فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل ليجر إلى النار, فيقول: يا رب ما كان هذا الظن بك؟ فيقول: ما كان ظنك؟ فيقول: أن تسعني رحمتك، قال: فيقول أرسلوا عبدي. وإن الرجل ليجرُّ إلى النار، فتشهق إليه النار شهوق البغلة إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف.
وَإِذَآ أُلۡقُواْ مِنۡهَا مَكَانٗا ضَيِّقٗا مُّقَرَّنِينَ دَعَوۡاْ هُنَالِكَ ثُبُورٗا  ١٣
التفسير الميسروإذا أُلقوا في مكان شديد الضيق من جهنم- وقد قُرِنت أيديهم بالسلاسل إلى أعناقهم- دَعَوْا على أنفسهم بالهلاك للخلاص منها.
تفسير السعدي وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ أي: وقت عذابهم وهم في وسطها، جمع في مكان بين ضيق المكان وتزاحم السكان وتقرينهم بالسلاسل والأغلال، فإذا وصلوا لذلك المكان النحس وحبسوا في أشر حبس دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا دعوا على أنفسهم بالثبور والخزي والفضيحة وعلموا أنهم ظالمون معتدون، قد عدل فيهم الخالق حيث أنزلهم بأعمالهم هذا المنزل، وليس ذلك الدعاء والاستغاثة بنافعة لهم ولا مغنية من عذاب الله
تفسير ابن كثيروقوله : ( وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا ) قال قتادة ، عن أبي أيوب ، عن عبد الله بن عمرو قال : مثل الزج في الرمح أي : من ضيقه .وقال عبد الله بن وهب : أخبرني نافع بن يزيد ، عن يحيى بن أبي أسيد - يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن قول الله ( وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين ) قال : " والذي نفسي بيده ، إنهم ليستكرهون في النار ، كما يستكره الوتد في الحائط " .وقوله ( مقرنين ) قال أبو صالح : يعني مكتفين : ( دعوا هنالك ثبورا ) أي : بالويل والحسرة والخيبة .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين قال قتادة : ذكر لنا أن عبد الله كان يقول : إن جهنم لتضيق على الكافر كتضييق الزج على الرمح ; ذكره ابن المبارك في رقائقه . وكذا قال ابن عباس ، ذكره الثعلبي والقشيري عنه ، وحكاه الماوردي عن عبد الله بن عمرو . ومعنى مقرنين مكتفين ; قاله أبو صالح . وقيل : مصفدين قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال . وقيل : قرنوا مع الشياطين ; أي قرن كل واحد منهم إلى شيطانه ; قاله يحيى بن سلام . وقد مضى هذا في ( إبراهيم ) وقال عمرو بن كلثوم :فآبوا بالنهاب وبالسبايا وأبنا بالملوك مقرنينادعوا هنالك ثبورا أي هلاكا ، قاله الضحاك . ابن عباس : ويلا . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أول من يقوله إبليس وذلك أنه أول من يكسى حلة من النار فتوضع على حاجبيه ويسحبها من خلفه وذريته من خلفه وهو يقول واثبوراه . وانتصب على المصدر ، أي ثبرنا ثبورا ; قاله الزجاج . وقال غيره : هو مفعول به .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: وإذا ألقي هؤلاء المكذّبون بالساعة من النار مكانا ضيقا, قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال ( دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا )واختلف أهل التأويل في معنى الثبور, فقال بعضهم: هو الويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني علي, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس. في قوله: ( وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ) يقول: ويلا.حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس ( لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا ) يقول: لا تدعوا اليوم ويلا واحدا, وادعوا ويلا كثيرا.وقال آخرون: الثبور الهلاك.* ذكر من قال ذلك:
لَّا تَدۡعُواْ ٱلۡيَوۡمَ ثُبُورٗا وَٰحِدٗا وَٱدۡعُواْ ثُبُورٗا كَثِيرٗا  ١٤
التفسير الميسرفيقال لهم تيئيسًا، لا تَدْعوا اليوم بالهلاك مرة واحدة، بل مرات كثيرة، فلن يزيدكم ذلك إلا غمًّا، فلا خلاص لكم.
تفسير السعدي: لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا أي: لو زاد ما قلتم أضعاف أضعافه ما أفادكم إلا الهم والغم والحزن.
تفسير ابن كثير( لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا ) وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد عن أنس بن مالك; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أول من يكسى حلة من النار إبليس ، فيضعها على حاجبيه ، ويسحبها من خلفه ، وذريته من بعده ، وهو ينادي : يا ثبوراه ، وينادون : يا ثبورهم . حتى يقفوا على النار ، فيقول : يا ثبوراه . ويقولون : يا ثبورهم . فيقال لهم : لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا ، وادعوا ثبورا كثيرا " .لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة ، ورواه ابن أبي حاتم ، عن أحمد بن سنان ، عن عفان ، به : ورواه ابن جرير ، من حديث حماد بن سلمة به .وقال العوفي ، عن ابن عباس في قوله : ( لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا ) أي : لا تدعوا اليوم ويلا واحدا ، وادعوا ويلا كثيرا .وقال الضحاك : الثبور : الهلاك .والأظهر : أن الثبور يجمع الهلاك والويل والخسار والدمار ، كما قال موسى لفرعون : ( وإني لأظنك يافرعون مثبورا ) [ الإسراء : 102 ] أي : هالكا . وقال عبد الله بن الزبعرى :إذ أجاري الشيطان في سنن الغي ي ، ومن مال ميله مثبور
تفسير القرطبيقوله تعالى : لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا فإن هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة . وقال : ثبورا لأنه مصدر يقع للقليل والكثير فلذلك لم يجمع ; وهو كقولك : ضربته ضربا كثيرا ، وقعد قعودا طويلا . ونزلت الآيات في ابن خطل وأصحابه .
تفسير الطبريحُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول, في قوله: ( لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا ) الثبور: الهلاك.قال أبو جعفر: والثبور في كلام العرب: أصله انصراف الرجل عن الشيء, يقال منه: ما ثبرك عن هذا الأمر: أي ما صرفك عنه، وهو في هذا الموضع دعاء هؤلاء القوم بالندم على انصرافهم عن طاعة الله في الدنيا، والإيمان بما جاءهم به نبيّ الله صلى الله عليه وسلم حتى استوجبوا العقوبة منه, كما يقول القائل: وا ندامتاه, وا حسرتاه على ما فرطت في جنب الله: وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول في قوله: ( دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ) أي هلكة, ويقول: هو مصدر من ثبر الرجل: أي أهلك, ويستشهد لقيله في ذلك ببيت ابن الزّبَعْرى:إذ أُجاري الشَّيطَان في سَنَن الغيومن مَال مَيْلَهُ مَثْبُورا (1)وقوله: ( لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ) أيها المشركون ندمًا واحدًا: أي مرة واحدة, ولكن ادعوا ذلك كثيرا. وإنما قيل: ( لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا ) لأن الثبور مصدر؛ والمصادر لا تجمع, وإنما توصف بامتداد وقتها وكثرتها, كما يقال: قعد قعودا طويلا وأكل أكلا كثيرا.حدثنا محمد بن مرزوق, قال: ثنا حجاج, قال: ثنا حماد قال: ثنا عليّ بن زيد, عن أنس بن مالك, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أوَّلُ مَنْ يُكْسَى حُلَّةً مِنَ النَّار إِبْلِيسُ, فَيَضَعُها عَلى حاجبَيْه, ويَسْحَبُها مِنْ خَلْفِهِ, وَذُرَّيَّتُهُ مِنْ خَلْفِهِ, وَهُوَ يَقُولُ: يا ثُبُورَاه، وَهُمْ يُنَادُونَ: يا ثُبُورَهُمْ فيقال: ( لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ) ".------------------------الهوامش:(1) البيت لعبد الله بن الزبعرى شاعر قريش الذي كان يهجو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ثم خرج إليه وأسلم بعد فتح مكة ، وقال حين أسلم شعرًا ، منه هذا البيت من مقطوعة أربعة أبيات أنشدها ابن إسحاق في السيرة (طبعة الحلبي 4 : 61) ومعنى أجاري : أباري وأعارض . والسنن بالتحريك : وسط الطريق . ومثبور : هالك . والشاهد فيه عند المؤلف أن الثبور معناه الهلاك والمثبور : الهالك
قُلۡ أَذَٰلِكَ خَيۡرٌ أَمۡ جَنَّةُ ٱلۡخُلۡدِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۚ كَانَتۡ لَهُمۡ جَزَآءٗ وَمَصِيرٗا  ١٥
التفسير الميسرقل لهم - أيها الرسول -: أهذه النار التي وُصِفتْ لكم خيرٌ أم جنة النعيم الدائم التي وُعِد بها الخائفون من عذاب ربهم، كانت لهم ثوابًا على عملهم، ومآلا يرجعون إليه في الآخرة؟
تفسير السعديأي: قل لهم -مبينا لسفاهة رأيهم واختيارهم الضار على النافع-: أَذَلِكَ الذي وصفت لكم من العذاب خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ التي زادها تقوى الله فمن قام بالتقوى فالله قد وعده إياها، كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً على تقواهم وَمَصِيرًا موئلا يرجعون إليها، ويستقرون فيها ويخلدون دائما أبدا.
تفسير ابن كثيريقول تعالى : يا محمد ، هذا الذي وصفناه من حال أولئك الأشقياء ، الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم ، فتتلقاهم بوجه عبوس وبغيظ وزفير ، ويلقون في أماكنها الضيقة مقرنين ، لا يستطيعون حراكا ، ولا انتصارا ولا فكاكا مما هم فيه - : أهذا خير أم جنة الخلد التي وعدها الله المتقين من عباده ، التي أعدها لهم ، وجعلها لهم جزاء على ما أطاعوه في الدنيا ، وجعل مآلهم إليها .
تفسير القرطبيقوله تعالى : أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون إن قيل : كيف قال : ( أذلك خير ) ولا خير في النار ; فالجواب أن سيبويه حكى عن العرب : الشقاء أحب إليك أم السعادة ، وقد علم أن السعادة أحب إليه . وقيل : ليس هو من باب أفعل منك ، وإنما هو كقولك : عنده خير . قال النحاس : وهذا قول حسن ; كما قال حسان بن ثابت :فشركما لخيركما الفداءقيل : إنما قال ذلك لأن الجنة والنار قد دخلتا في باب المنازل ; فقال ذلك لتفاوت ما بين المنزلتين . وقيل : هو مردود على قوله : تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك الآية . وقيل : هو مردود على قوله : أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها . وقيل : إنما قال ذلك على معنى علمكم واعتقادكم أيها الكفار ; وذلك أنهم لما كانوا يعملون عمل أهل النار صاروا كأنهم يقولون : إن في النار خيرا .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المكذّبين بالساعة: أهذه النار التي وصف لكم ربكم صفتها وصفة أهلها خير؟ أم بستان الخلد الذي يدوم نعيمه ولا يبيد, الذي وعد من اتقاه في الدنيا بطاعته فيما أمره ونهاه؟ وقوله: ( كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا ) يقول: كانت جنة الخلد للمتقين جزاء أعمالهم لله في الدنيا بطاعته، وثواب تقواهم إياه، ومصيرا لهم, يقول: ومصيرا للمتقين يصيرون إليها في الآخرة.
لَّهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَٰلِدِينَۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعۡدٗا مَّسۡـُٔولٗا  ١٦
التفسير الميسرلهؤلاء المطيعين في الجنة ما يشتهون من ملاذِّ النعيم، متاعهم فيه دائم، كان دخولهم إياها على ربك - أيها الرسول - وعدًا مسؤولا يسأله عباد الله المتقون، والله لا يخلف وعده.
تفسير السعدي لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ أي: يطلبون وتتعلق بهم أمانيهم ومشيئتهم، من المطاعم والمشارب اللذيذة والملابس الفاخرة والنساء الجميلات والقصور العاليات والجنات والحدائق المرجحنة والفواكه التي تسر ناظريها وآكليها، من حسنها وتنوعها وكثرة أصنافها والأنهار التي تجري في رياض الجنة وبساتينها، حيث شاءوا يصرفونها ويفجرونها أنهارا من ماء غير آسن وأنهارا من لبن لم يتغير طعمه وأنهارا من خمر لذة للشاربين وأنهارا من عسل مصفى وروائح طيبة، ومساكن مزخرفة، وأصوات شجية تأخذ من حسنها بالقلوب ومزاورة الإخوان، والتمتع بلقاء الأحباب، وأعلى من ذلك كله التمتع بالنظر إلى وجه الرب الرحيم وسماع كلامه، والحظوة بقربه والسعادة برضاه والأمن من سخطه واستمرار هذا النعيم ودوامه وزيادته على ممر الأوقات وتعاقب الآنات كَانَ دخولها والوصول إليها عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا يسأله إياها، عباده المتقون بلسان حالهم ولسان مقالهم، فأي الدارين المذكورتين خير وأولى بالإيثار؟ وأي: العاملين عمال دار الشقاء أو عمال دار السعادة أولى بالفضل والعقل والفخر يا أولي الألباب؟لقد وضح الحق واستنار السبيل فلم يبق للمفرط عذر في تركه الدليل، فنرجوك يا من قضيت على أقوام بالشقاء وأقوام بالسعادة أن تجعلنا ممن كتبت لهم الحسنى وزيادة، ونستغيث بك اللهم من حالة الأشقياء ونسألك المعافاة منها.
تفسير ابن كثير( لهم فيها ما يشاءون ) [ أي ] : من الملاذ : من مآكل ومشارب ، وملابس ومساكن ، ومراكب ومناظر ، وغير ذلك ، مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب أحد . وهم في ذلك خالدون أبدا دائما سرمدا بلا انقطاع ولا زوال ، ولا انقضاء ، لا يبغون عنها حولا . وهذا من وعد الله الذي تفضل به عليهم ، وأحسن به إليهم ، ولهذا قال : ( كان على ربك وعدا مسئولا ) أي لا بد أن يقع وأن يكون ، كما حكاه أبو جعفر بن جرير ، عن بعض علماء العربية أن معنى قوله : ( وعدا مسئولا ) أي : وعدا واجبا .وقال ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس ( كان على ربك وعدا مسئولا ) يقول : سلوا الذي واعدتكم - أو قال : واعدناكم - ننجز .وقال محمد بن كعب القرظي في قوله : ( كان على ربك وعدا مسئولا ) : إن الملائكة تسأل لهم ذلك : ( ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ) [ غافر : 8 ] .وقال أبو حازم : إذا كان يوم القيامة قال المؤمنون : ربنا عملنا لك بالذي أمرتنا ، فأنجز لنا ما وعدتنا . فذلك قوله : ( وعدا مسئولا ) .وهذا المقام في هذه السورة من ذكر النار ، ثم التنبيه على حال أهل الجنة ، كما ذكر تعالى في سورة " الصافات " حال أهل الجنة ، وما فيها من النضرة والحبور ، ثم قال : ( أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم إنا جعلناها فتنة للظالمين إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رءوس الشياطين فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون ) [ الصافات : 62 - 70 ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى : لهم فيها ما يشاءون أي من النعيم . خالدين كان على ربك وعدا مسئولا قال الكلبي : وعد الله المؤمنين الجنة جزاء على أعمالهم ، فسألوه ذلك الوعد فقالوا : ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك . وهو معنى قول ابن عباس . وقيل : إن الملائكة تسأل لهم الجنة ; دليله قوله تعالى : ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم الآية . وهذا قول محمد بن كعب القرظي . وقيل : معنى وعدا مسئولا أي واجبا وإن لم يكن يسأل كالدين ; حكي عن العرب : لأعطينك ألفا . وقيل : وعدا مسئولا يعني أنه واجب لك فتسأله . وقال زيد بن أسلم : سألوا الله الجنة في الدنيا ورغبوا إليه بالدعاء ، فأجابهم في الآخرة إلى ما سألوا وأعطاهم ما طلبوا . وهذا يرجع إلى القول الأول .
تفسير الطبريوقوله: ( لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ ) يقول: لهؤلاء المتقين في جنة الخلد التي وعدهموها الله ما يشاءون مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، ( خَالِدِينَ ) فيها, يقول: لابثين فيها ماكثين أبدا, لا يزولون عنها ولا يزول عنهم نعيمها. وقوله: ( كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولا ) وذلك أن المؤمنين سألوا ربهم ذلك في الدنيا حين قالوا: وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ يقول الله تبارك وتعالى: وكان إعطاء الله المؤمنين جنة الخلد التي وصف صفتها في الآخرة وعدا وعدهم الله على طاعتهم إياه في الدنيا، ومسألتهم إياه ذلك.وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس ( كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولا ) قال: فسألوا الذي وعدهم وتنجزوه.حدثني يونس. قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولا ) قال: سألوه إياها في الدنيا, طلبوا ذلك فأعطاهم وعدهم إذ سألوه أن يعطيهم، فأعطاهم, فكان ذلك وعدا مسئولا كما وقَّت أرزاق العباد في الأرض قبل أن يخلقهم فجعلها أقواتا للسائلين, وقَّت ذلك على مسألتهم، وقرأ وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ .وقد كان بعض أهل العربية يوجه معنى قوله: ( وَعْدًا مَسْئُولا ) إلى أنه معنيّ به وعدا واجبا, وذلك أن المسئول واجب, وإن لم يُسأل كالدين, ويقول ذلك نظير قول العرب: لأعطينك ألفا وعدا مسئولا بمعنى واجب لك، فتسأله.
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمۡ أَضۡلَلۡتُمۡ عِبَادِي هَٰٓؤُلَآءِ أَمۡ هُمۡ ضَلُّواْ ٱلسَّبِيلَ  ١٧
التفسير الميسرويوم القيامة يحشر الله المشركين وما كانوا يعبدونه من دونه، فيقول لهؤلاء المعبودين: أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء عن طريق الحق، وأمرتموهم بعبادتكم، أم هم ضلوا السبيل، فعبدوكم مِن تلقاء أنفسهم؟
تفسير السعدييخبر تعالى عن حالة المشركين وشركائهم يوم القيامة وتبريهم منهم، وبطلان سعيهم فقال: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ أي: المكذبين المشركين وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ الله مخاطبا للمعبودين على وجه التقريع لمن عبدهم: أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ هل أمرتموهم بعبادتكم وزينتم لهم ذلك أم ذلك من تلقاء أنفسهم؟
تفسير ابن كثيريقول تعالى مخبرا عما يقع يوم القيامة من تقريع الكفار في عبادتهم من عبدوا من دون الله ، من الملائكة وغيرهم ، فقال : ( ويوم نحشرهم وما يعبدون من دون الله ) . قال مجاهد : عيسى ، والعزير ، والملائكة . ( فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل ) أي : فيقول الرب تبارك وتعالى [ للمعبودين ] أأنتم دعوتم هؤلاء إلى عبادتكم من دوني ، أم هم عبدوكم من تلقاء أنفسهم ، من غير دعوة منكم لهم؟ كما قال الله تعالى : ( وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب . ما قلت لهم ) إلى آخر الآية; [ المائدة : 116 - 117 ]
تفسير القرطبيقوله تعالى : ويوم يحشرهم قرأ ابن محيصن وحميد وابن كثير وحفص ويعقوب وأبو عمرو في رواية الدوري : يحشرهم بالياء . واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ; لقوله في أول الكلام : كان على ربك وفي آخره أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء . الباقون بالنون على التعظيم . وما يعبدون من دون الله من الملائكة والإنس والجن والمسيح وعزير ; قاله مجاهد وابن جريج . الضحاك وعكرمة : الأصنام . فيقول قراءة العامة بالياء وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم . وقرأ ابن عامر وأبو حيوة بالنون على التعظيم . أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل وهذا استفهام توبيخ للكفار .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: ويوم نحشر هؤلاء المكذّبين بالساعة، العابدين الأوثان، وما يعبدون من دون الله من الملائكة والإنس والجنّ.كما حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) فيقول: ( أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ ) قال: عيسى وعُزير والملائكة.حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, نحوه.واختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأه أبو جعفر القارئ وعبد الله بن كثير: ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ ) بالياء جميعا, بمعنى: ويوم يحشرهم ربك, ويحشر ما يعبدون من دون فيقول. وقرأته عامة قرّاء الكوفيين (نَحْشُرُهُمْ) بالنون, فنقول. وكذلك قرأه نافع.وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.وقوله: ( فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ ) يقول: فيقول الله للذين كان هؤلاء المشركون يعبدونهم من دون الله: أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء: يقول: أنتم أزلتموهم عن طريق الهدى، ودعوتموهم إلى الغيّ والضلالة حتى تاهوا وهلكوا, أم هم ضلوا السبيل، يقول: أم عبادي هم الذين ضلوا سبيل الرشد والحقّ وسلكوا العطب.
قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِن مَّتَّعۡتَهُمۡ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكۡرَ وَكَانُواْ قَوۡمَۢا بُورٗا  ١٨
التفسير الميسرقال المعبودون من دون الله: تنزيهًا لك- يا ربنا- عَمَّا فعل هؤلاء، فما يصحُّ أن نَتَّخِذ سواك أولياء نواليهم، ولكن متعتَ هؤلاء المشركين وآباءهم بالمال والعافية في الدنيا، حتى نسوا ذكرك فأشركوا بك، وكانوا قومًا هلكى غلب عليهم الشقاء والخِذْلان.
تفسير السعدي قَالُوا سُبْحَانَكَ نزهوا الله عن شرك المشركين به وبرؤوا أنفسهم من ذلك، مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أي: لا يليق بنا ولا يحسن منا أن نتخذ من دونك من أولياء نتولاهم ونعبدهم وندعوهم، فإذا كنا محتاجين ومفتقرين إلى عبادتك متبرئين من عبادة غيرك، فكيف نأمر أحدا بعبادتنا؟ هذا لا يكون أو، سبحانك عن أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وهذا كقول المسيح عيسى بن مريم عليه السلام: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ الآية.وقال تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ فلما نزهوا أنفسهم أن يدعوا لعبادة غير الله أو يكونوا أضلوهم ذكروا السبب الموجب لإضلال المشركين فقالوا: وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ في لذات الدنيا وشهواتها ومطالبها النفسية، حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ اشتغالا في لذات الدنيا وإكبابا على شهواتها، فحافظوا على دنياهم وضيعوا دينهم وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا أي: بائرين لا خير فيهم ولا يصلحون لصالح لا يصلحون إلا للهلاك والبوار، فذكروا المانع من اتباعهم الهدى وهو التمتع في الدنيا الذي صرفهم عن الهدى، وعدم المقتضي للهدى وهو أنهم لا خير فيهم، فإذا عدم المقتضي ووجد المانع فلا تشاء من شر وهلاك، إلا وجدته فيهم
تفسير ابن كثيرولهذا قال تعالى مخبرا عما يجيب به المعبودون يوم القيامة : ( قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ) قرأ الأكثرون بفتح " النون " من قوله : ( نتخذ من دونك من أولياء ) أي : ليس للخلائق كلهم أن يعبدوا أحدا سواك ، لا نحن ولا هم ، فنحن ما دعوناهم إلى ذلك ، بل هم قالوا ذلك من تلقاء أنفسهم من غير أمرنا ولا رضانا ونحن برآء منهم ومن عبادتهم ، كما قال تعالى : ( ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ) [ سبأ : 40 - 41 ] . وقرأ آخرون : " ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء " أي : ما ينبغي لأحد أن يعبدنا ، فإنا عبيد لك ، فقراء إليك . وهي قريبة المعنى من الأولى .( ولكن متعتهم وآباءهم ) أي : طال عليهم العمر حتى نسوا الذكر ، أي : نسوا ما أنزلته إليهم على ألسنة رسلك ، من الدعوة إلى عبادتك وحدك لا شريك لك .( وكانوا قوما بورا ) قال ابن عباس : أي هلكى . وقال الحسن البصري ، ومالك عن الزهري : أي لا خير فيهم . وقال ابن الزبعرى حين أسلم :يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور إذ أجاري الشيطان في سنن الغي ، ومن مال ميله مثبور
تفسير القرطبيقالوا سبحانك أي قال المعبودون من دون الله سبحانك ; أي تنزيها لك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء فإن قيل : فإن كانت الأصنام التي تعبد تحشر فكيف تنطق وهي جماد ؟ قيل له : ينطقها الله تعالى يوم القيامة كما ينطق الأيدي والأرجل . وقرأ الحسن وأبو جعفر : " أن نتخذ " بضم النون وفتح الخاء على الفعل المجهول . وقد تكلم في هذه القراءة النحويون ; فقال أبو عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر : لا يجوز " نتخذ " وقال أبو عمرو : لو كانت " نتخذ " لحذفت " من " الثانية ، فقلت : أن نتخذ من دونك أولياء . كذلك قال أبو عبيدة ، لا يجوز " نتخذ " لأن الله تعالى ذكر " من " مرتين ، ولو كان كما قرأ لقال : أن نتخذ من دونك أولياء . وقيل : إن " من " الثانية صلة . قال النحاس : ومثل أبي عمرو على جلالته ومحله يستحسن ما قال ; لأنه جاء ببينة . وشرح ما قال أنه يقال : ما اتخذت رجلا وليا ; فيجوز أن يقع هذا للواحد بعينه ; ثم يقال : ما اتخذت من رجل وليا فيكون نفيا عاما ، وقولك ( وليا ) تابع لما قبله فلا يجوز أن تدخل فيه " من " لأنه لا فائدة في ذلك . ولكن متعتهم وآباءهم أي في الدنيا بالصحة والغنى وطول العمر بعد موت الرسل صلوات الله عليهم . حتى نسوا الذكر أي تركوا ذكرك فأشركوا بك بطرا وجهلا فعبدونا من غير أن أمرناهم بذلك .وفي " الذكر " قولان : أحدهما : القرآن المنزل على الرسل ; تركوا العمل به ; قاله ابن زيد . الثاني : الشكر على الإحسان إليهم والإنعام عليهم . إنهم كانوا قوما بورا ، أي هلكى ; قاله ابن عباس . مأخوذ من البوار وهو الهلاك . وقال أبو الدرداء رضي الله عنه وقد أشرف على أهل حمص : يا أهل حمص ! هلم إلى أخ ، لكم ناصح ، فلما اجتمعوا حوله قال : ما لكم لا تستحون ! تبنون ما لا تسكنون ، وتجمعون ما لا تأكلون ، وتأملون ما لا تدركون ، إن من كان قبلكم بنوا مشيدا وجمعوا عبيدا ، وأملوا بعيدا ، فأصبح جمعهم بورا ، وآمالهم غرورا ، ومساكنهم قبورا . فقوله : بورا أي هلكى . وفي خبر آخر : فأصبحت منازلهم بورا ; أي خالية لا شيء فيها . وقال الحسن : بورا لا خير فيهم . مأخوذ من بوار الأرض ، وهو تعطيلها من الزرع فلا يكون فيها خير . وقال شهر بن حوشب : البوار : الفساد والكساد ; مأخوذ من قولهم : بارت السلعة : إذا كسدت كساد الفاسد ; ومنه الحديث : " نعوذ بالله من بوار الأيم " . وهو اسم مصدر كالزور يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث . قال ابن الزبعرى :يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور إذ أباري الشيطان في سنن الغي ومن مال ميله مثبوروقال بعضهم : الواحد بائر والجمع بور . كما يقال : عائذ وعوذ ، وهائد وهود . وقيل : بورا عميا عن الحق .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: قالت الملائكة الذين كان هؤلاء المشركون يعبدونهم من دون الله وعيسى: تنزيها لك يا ربنا، وتبرئة مما أضاف إليك هؤلاء المشركون, ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء نواليهم, أنت ولينا من دونهم, ولكن متعتهم بالمال يا ربنا في الدنيا والصحة، حتى نسوا الذكر وكانوا قوما هَلْكى، قد غلب عليهم الشقاء والخذلان.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا ) يقول: قوم قد ذهبت أعمالهم وهم في الدنيا, ولم تكن لهم أعمال صالحة.حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا ) يقول: هلكى.حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا ) يقول: هلكى.حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر عن الحسن ( وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا ) قال: هم الذين لا خير فيهم، حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا ) قال: يقول: ليس من الخير في شيء. البور: الذي ليس فيه من الخير شيء.واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ ) فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار ( نَتَّخِذَ ) بفتح النون سوى الحسن ويزيد بن القعقاع, فإنهما قرآه: (أنَّ نُتَّخَذَ) بضم النون. فذهب الذين فتحوها إلى المعنى الذي بَيَّنَّاه في تأويله من أن الملائكة وعيسى، ومن عُبِد من دون الله من المؤمنين، هم الذين تبرّءوا أن يكون كان لهم وليّ غير الله تعالى ذكره. وأما الذين قرءوا ذلك بضمّ النون, فإنهم وجهوا معنى الكلام إلى أن المعبودين في الدنيا إنما تبرّءوا إلى الله أن يكون كان لهم أن يعبدوا من دون الله جلّ ثناؤه, كما أخبر الله عن عيسى، أنه قال إذا قيل: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ....* مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْقال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه بفتح النون, لعلل ثلاث: إحداهن إجماع من القرّاء عليها. والثانية: أن الله جلّ ثناؤه ذكر نظير هذه القصة في سورة سبأ, فقال: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ ، فأخبر عن الملائكة أنهم إذا سُئلوا عن عبادة من عبدهم تبرّءوا إلى الله من ولايتهم, فقالوا لربهم: أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ فذلك يوضح عن صحة قراءة من قرأ ذلك ( مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ ) بمعنى: ما كان ينبغي لنا أن نتخذهم من دونك أولياء. والثالثة: أن العرب لا تدخل " مِن " هذه التي تدخل في الجحد إلا في الأسماء, ولا تدخلها في الأخبار, لا يقولون: ما رأيت أخاك من رجل, وإنما يقولون: ما رأيت من أحد, وما عندي من رجل، وقد دخلت ها هنا في الأولياء، وهي في موضع الخبر, ولو لم تكن فيها " من " كان وجها حسنا. وأما البور: فمصدر واحد وجمع للبائر, يقال: أصبحت منازلهم بورا: أي خالية لا شيء فيها, ومنه قولهم: بارت السوق وبار الطعام إذا خلا من الطلاب والمشتري، فلم يكن له طالب, فصار كالشيء الهالك; ومنه قول ابن الزبعْرى:يَا رَسُولَ المَلِيكِ إنَّ لسانِيرَاتقٌ ما فَتَقْتُ إذْ أنا بُورُ (2)وقد قيل: إن بور: مصدر, كالعدل والزور والقطع, لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، وإنما أريد بالبور في هذا الموضع أن أعمال هؤلاء الكفار كانت باطلة؛ لأنها لم تكن لله كما ذكرنا عن ابن عباس.القول في تأويل قوله تعالى : فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًايقول تعالى ذكره مخبرا عما هو قائل للمشركين عند تبرّي من كانوا يعبدونه في الدنيا من دون الله منهم: قد كذّبوكم أيها الكافرون من زعمتم أنهم أضلوكم، ودعوكم إلى عبادتهم بما تقولون، يعني بقولكم, يقول: كذّبوكم بكذبكم.وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ ) يقول الله للذين كانوا يعبدون عيسى وعُزيرا والملائكة, يكذّبون المشركين.حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ ) قال: عيسى وعُزيرا والملائكة, يكذّبون المشركين بقولهم.وكان ابن زيد يقول في تأويل ذلك: ما حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله ( فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا ) قال: كذّبوكم بما تقولون بما جاء من عند الله جاءت به الأنبياء والمؤمنون آمنوا به، وكذب هؤلاء فوجه ابن زيد تأويل قوله: ( فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ) إلى: فقد كذّبوكم أيها المؤمنون المكذّبون بما جاءهم به محمد من عند الله، بما تقولون من الحقّ, وهو أن يكون خبرا عن الذين كذّبوا الكافرين في زعمهم أنهم دعوهم إلى الضلالة، وأمروهم بها على ما قاله مجاهد من القول الذي ذكرناه عنه أشبه وأولى; لأنه في سياق الخبر عنهم، والقراءة في ذلك عندنا( فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ ) بالتاء على التأويل الذي ذكرناه, لإجماع الحجة من قرّاء الأمصار عليه. وقد حُكي عن بعضهم أنه قرأه (فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا يَقُولُونَ) بالياء, بمعنى: فقد كذبوكم بقولهم.وقوله جلّ ثناؤه ( فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا ) يقول: فما يستطيع هؤلاء الكفار صرف عذاب الله حين نزل بهم عن أنفسهم, ولا نصرها من الله حين عذّبها وعاقبها.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا ) قال: المشركون لا يستطيعونه.حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا ) قال: المشركون. قال ابن جُرَيج: لا يستطيعون صرف العذاب عنهم, ولا نصر أنفسهم.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( فَمَا يَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا ) قال: لا يستطيعون يصرفون عنهم العذاب الذي نزل بهم حين كذّبوا, ولا أن ينتصروا قال: وينادي مناد يوم القيامة حين يجتمع الخلائق: ما لكم لا تناصرون، قال: من عبد من دون الله لا ينصر اليوم من عبده, وقال العابدون من دون الله: لا ينصره اليوم إلهه الذي يعبد من دون الله, فقال الله تبارك وتعالى: بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ وقرأ قول الله جلّ ثناؤه فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ .ورُوي عن ابن مسعود في ذلك ما حدثنا به أحمد بن يونس, قال: ثنا القاسم, قال: ثنا حجاج, عن هارون, قال: هي في حرف عبد الله بن مسعود (فَمَا يَسْتَطِيعُونَ لكَ صَرْفًا) فإن تكن هذه الرواية عنه صحيحة صحّ التأويل الذي تأوّله ابن زيد في قوله: ( فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ ) ويصير قوله ( فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ) خبرا عن المشركين أنهم كذّبوا المؤمنين, ويكون تأويل قوله حينئذ (فَمَا يَسْتَطِيعُونَ لكَ صَرْفًا) فما يستطيع يا محمد هؤلاء الكفار لك صرفا عن الحق الذي هداك الله له, ولا نصر أنفسهم, مما بهم من البلاء الذي هم فيه, بتكذيبهم إياك.------------------------الهوامش:(2) البيت لعبد الله بن الزبعرى قاله حين أسلم عند فتح مكة . وهو في أول المقطوعة قبل البيت الذي مضى شرحه قبل هذا . وراتق : مصلح لما أفسدت ، وأصل الرتق السد للثوب الممزق بإصلاح ما تقطع منه . وفتقت : أي أفسدت من الدين ، فكل إثم فتق وتمزيق ، وكل ثوبة رتق وإصلاح . وبور : هالك . يقال : رجل بور وبائر ، وقوم بور ، وأصل البور : مصدر بار يبور بورًا ، ثم وصف به فلزم الإفراد لأن المصادر لا تجمع . وقال المؤلف : إنه مصدر واحد (غير مجموع) ، وجمع للبائر ، قال يقال: أصبحت منازلهم بورًا ، أي خالية
فَقَدۡ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسۡتَطِيعُونَ صَرۡفٗا وَلَا نَصۡرٗاۚ وَمَن يَظۡلِم مِّنكُمۡ نُذِقۡهُ عَذَابٗا كَبِيرٗا  ١٩
التفسير الميسرفيقال للمشركين: لقد كذَّبكم هؤلاء الذين عبدتموهم في ادِّعائكم عليهم، فها أنتم أولاء لا تستطيعون دَفْعًا للعذاب عن أنفسكم، ولا نصرًا لها، ومَن يشرك بالله فيظلم نفسه ويعبد غير الله، ويمت على ذلك، يعذبه الله عذابًا شديدًا.
تفسير السعديفلما تبرؤوا منهم قال الله توبيخا وتقريعا للعابدين فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ إنهم أمروكم بعبادتهم ورضوا فعلكم، وأنهم شفعاء لكم عند ربكم، كذبوكم في ذلك الزعم وصاروا من أكبر أعدائكم فحق عليكم العذاب، فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا للعذاب عنكم بفعلكم أو بفداء أو غير ذلك، وَلَا نَصْرًا لعجزكم وعدم ناصركم. هذا حكم الضالين المقلدين الجاهلين كما رأيت أسوأ حكم، وأشر مصير.وأما المعاند منهم الذي عرف الحق وصدف عنه فقال في حقه: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ بترك الحق ظلما وعنادا نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا لا يقادر قدره ولا يبلغ أمره.
تفسير ابن كثيرقال الله تعالى : ( فقد كذبوكم بما تقولون ) أي : فقد كذبكم الذين عبدتم فيما زعمتم أنهم لكم أولياء ، وأنكم اتخذتموهم قربانا يقربونكم إليه زلفى ، كما قال تعالى : ( ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ) [ الأحقاف : 5 - 6 ] .وقوله : ( فما يستطيعون صرفا ولا نصرا ) أي : لا يقدرون على صرف العذاب عنهم ولا الانتصار لأنفسهم ، ( ومن يظلم منكم ) أي : يشرك بالله ، ( نذقه عذابا كبيرا ) .
تفسير القرطبيقوله تعالى : فقد كذبوكم بما تقولون أي يقول الله تعالى عند تبري المعبودين : فقد كذبوكم بما تقولون أي في قولكم إنهم آلهة . فما يستطيعون يعني الآلهة ، صرف العذاب عنكم ولا نصركم . وقيل : فما يستطيع هؤلاء الكفار لما كذبهم المعبودون صرفا للعذاب ولا نصرا من الله . وقال ابن زيد : المعنى فقد كذبكم أيها المؤمنون هؤلاء الكفار بما جاء به محمد ; وعلى هذا فمعنى بما تقولون بما تقولون من الحق . وقال أبو عبيد : المعنى ; فيما تقولون فما يستطيعون لكم صرفا عن الحق الذي هداكم الله إليه ، ولا نصرا لأنفسهم مما ينزل بهم من العذاب بتكذيبهم إياكم . وقراءة العامة بما تقولون بالتاء على الخطاب . وقد بينا معناه . وحكى الفراء أنه يقرأ فقد كذبوكم مخففا ، بما يقولون . وكذا قرأ مجاهد والبزي بالياء ، ويكون معنى يقولون : بقولهم . وقرأ أبو حيوة : بما يقولون بياء فما تستطيعون بتاء على الخطاب لمتخذي الشركاء . ومن قرأ بالياء فالمعنى : فما يستطيع الشركاء . ومن يظلم منكم قال ابن عباس : من يشرك منكم ثم مات عليه . نذقه أي في الآخرة . عذابا كبيرا أي شديدا ، كقوله تعالى : ولتعلن علوا كبيرا أي شديدا .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره للمؤمنين به: ( وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ ) أيها المؤمنون- يعني بقوله: ( وَمَنْ يَظْلِمْ ) ومن يشرك بالله فيظلم نفسه، فذلك نذقه عذابا كبيرا كالذي ذكرنا أنَّا نذيقه الذين كذّبوا بالساعة.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا القاسم, قال: ثني الحسين, قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جُرَيج, في قوله: ( وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ ) قال: يشرك ( نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا ).حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الحسن, في قوله: ( وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ ) قال: هو الشرك:
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا  ٢٠
التفسير الميسروما أرسلنا قبلك - أيها الرسول - أحدًا مِن رسلنا إلا كانوا بشرًا، يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق. وجعلنا بعضكم- أيها الناس- لبعض ابتلاء واختبارًا بالهدى والضلال، والغنى والفقر، والصحة والمرض، هل تصبرون، فتقوموا بما أوجبه الله عليكم، وتشكروا له، فيثيبكم مولاكم، أو لا تصبرون فتستحقوا العقوبة؟ وكان ربك - أيها الرسول - بصيرًا بمن يجزع أو يصبر، وبمن يكفر أو يشكر.
تفسير السعديثم قال تعالى جوابا لقول المكذبين: مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ في الْأَسْوَاقِ فما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما جعلناهم ملائكة، فلك فيهم أسوة، وأما الغنى والفقر فهو فتنة وحكمة من الله تعالى كما قال: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً الرسول فتنة للمرسل إليهم واختبار للمطيعين من العاصين والرسل فتناهم بدعوة الخلق، والغنى فتنة للفقير والفقير فتنة للغني، وهكذا سائر أصناف الخلق في هذه الدار دار الفتن والابتلاء والاختبار.والقصد من تلك الفتنة أَتَصْبِرُونَ فتقومون بما هو وظيفتكم اللازمة الراتبة فيثيبكم مولاكم أم لا تصبرون فتستحقون المعاقبة؟ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا يعلم أحوالكم، ويصطفي من يعلمه يصلح لرسالته ويختصه بتفضيله ويعلم أعمالكم فيجازيكم عليها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
تفسير ابن كثيريقول تعالى مخبرا عن جميع من بعثه من الرسل المتقدمين : إنهم كانوا يأكلون الطعام ، ويحتاجون إلى التغذي به ( ويمشون في الأسواق ) أي : للتكسب والتجارة ، وليس ذلك بمناف لحالهم ومنصبهم; فإن الله جعل لهم من السمات الحسنة ، والصفات الجميلة ، والأقوال الفاضلة ، والأعمال الكاملة ، والخوارق الباهرة ، والأدلة [ القاهرة ] ، ما يستدل به كل ذي لب سليم ، وبصيرة مستقيمة ، على صدق ما جاءوا به من الله عز وجل . ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ) [ يوسف : 109 ] ( وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين ) [ الأنبياء : 8 ] .وقوله : ( وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون ) أي : اختبرنا بعضكم ببعض ، وبلونا بعضكم ببعض ، لنعلم من يطيع ممن يعصي; ولهذا قال : ( أتصبرون وكان ربك بصيرا ) أي : بمن يستحق أن يوحى إليه ، كما قال تعالى : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) [ الأنعام : 124 ] ، ومن يستحق أن يهديه الله لما أرسلهم به ، ومن لا يستحق ذلك .وقال محمد بن إسحاق في قوله : ( وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون ) قال : يقول الله : لو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا يخالفون ، لفعلت ، ولكني قد أردت أن أبتلي العباد بهم ، وأبتليهم بهم .وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله : إني مبتليك ، ومبتل بك " . وفي المسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة " ، وفي الصحيح أنه - عليه أفضل الصلاة والسلام - خير بين أن يكون نبيا ملكا أو عبدا رسولا فاختار أن يكون عبدا رسولا .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا .فيه تسع مسائل :الأولى : قوله تعالى : وما أرسلنا قبلك من المرسلين نزلت جوابا للمشركين حيث قالوا : ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق . وقال ابن عباس : لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة وقالوا : ما لهذا الرسول يأكل الطعام الآية حزن النبي صلى الله عليه وسلم لذلك فنزلت تعزية له ; فقال جبريل عليه السلام : السلام عليك يا رسول الله ! الله ربك يقرئك السلام ويقول لك : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق أي يبتغون المعايش في الدنيا .الثانية : قوله تعالى : إلا إنهم ليأكلون الطعام إذا دخلت اللام لم يكن في ( إن ) إلا الكسر ، ولو لم تكن اللام ما جاز أيضا إلا الكسر ; لأنها مستأنفة . هذا قول جميع النحويين . قال النحاس : إلا إن علي بن سليمان حكى لنا عن محمد بن يزيد قال : يجوز في ( إن ) هذه الفتح وإن كان بعدها اللام ; وأحسبه وهما منه . قال أبو إسحاق الزجاج : وفي الكلام حذف ; والمعنى : وما أرسلنا قبلك رسلا إلا إنهم ليأكلون الطعام ، ثم حذف " رسلا " لأن في قوله : من المرسلين ما يدل عليه . فالموصوف محذوف عند الزجاج . ولا يجوز عنده حذف الموصول وتبقية الصلة كما قال الفراء . قال الفراء : والمحذوف " من " والمعنى : إلا من إنهم ليأكلون الطعام . وشبهه بقوله : وما منا إلا له مقام معلوم ، وقوله وإن منكم إلا واردها أي ما منكم إلا من هو واردها . وهذا قول الكسائي أيضا . وتقول العرب : ما بعثت إليك من الناس إلا من إنه ليطيعك . فقولك : إنه ليطيعك صلة " من " . قال الزجاج : هذا خطأ ; لأن " من " موصولة فلا يجوز حذفها . وقال أهل المعاني : المعنى : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا قيل إنهم ليأكلون ، دليله قوله تعالى : ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك . وقال ابن الأنباري : كسرت " إنهم " بعد إلا للاستئناف بإضمار واو . أي إلا وإنهم . وذهبت فرقة إلى أن قوله : ليأكلون الطعام كناية عن الحدث .قلت : وهذا بليغ في معناه ، ومثله ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام . ويمشون في الأسواق قرأ الجمهور يمشون بفتح الياء وسكون الميم وتخفيف الشين . وقرأ علي وابن عوف وابن مسعود بضم الياء وفتح الميم وشد الشين المفتوحة ، بمعنى يدعون إلى المشي ويحملون عليه . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي بضم الياء وفتح الميم وضم الشين المشددة ، وهي بمعنى يمشون ; قال الشاعر :ومشى بأعطان المباءة وابتغى قلائص منها صعبة وركوبوقال كعب بن زهير :منه تظل سباع الجو ضامزة ولا تمشي بواديه الأراجيلبمعنى تمشي .الثالثة : هذه الآية أصل في تناول الأسباب وطلب المعاش بالتجارة والصناعة وغير ذلك . وقد مضى هذا المعنى في غير موضع ، لكنا نذكر هنا من ذلك ما يكفي فنقول : قال لي بعض مشايخ هذا الزمان في كلام جريء : إن الأنبياء عليهم السلام إنما بعثوا ليسنوا الأسباب للضعفاء ; فقلت مجيبا له : هذا قول لا يصدر إلا من الجهال والأغبياء والرعاع السفهاء ، أو من طاعن في الكتاب والسنة العلياء ; وقد أخبر الله تعالى في كتابه عن أصفيائه ورسله وأنبيائه بالأسباب والاحتراف فقال وقوله الحق : وعلمناه صنعة لبوس لكم . وقال : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق قال العلماء : أي يتجرون ويحترفون . وقال عليه الصلاة والسلام : جعل رزقي تحت ظل رمحي وقال تعالى : فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا وكان الصحابة رضي الله عنهم يتجرون ويحترفون وفي أموالهم يعملون ، ومن خالفهم من الكفار يقاتلون ; أتراهم ضعفاء ! بل هم كانوا والله الأقوياء ، وبهم الخلف الصالح اقتدى ، وطريقهم فيه الهدى والاهتداء . قال : إنما تناولوها لأنهم أئمة الاقتداء ، فتناولوها مباشرة في حق الضعفاء ، فأما في حق أنفسهم فلا ; وبيان ذلك أصحاب الصفة .قلت : لو كان ذلك لوجب عليهم وعلى الرسول معهم البيان ; كما ثبت في القرآن وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم وقال : إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى الآية . وهذا من البينات والهدى . وأما أصحاب الصفة فإنهم كانوا ضيف الإسلام عند ضيق الحال ، فكان عليه السلام إذا أتته صدقة خصهم بها ، وإذا أتته هدية أكلها معهم ، وكانوا مع هذا يحتطبون ويسوقون الماء إلى أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم . كذا وصفهم البخاري وغيره . ثم لما افتتح الله عليهم البلاد ومهد لهم المهاد تأمروا . وبالأسباب أمروا . ثم إن هذا القول يدل على ضعف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ; لأنهم أيدوا بالملائكة وثبتوا بهم ، فلو كانوا أقوياء ما احتاجوا إلى تأييد الملائكة ، وتأييدهم إذ ذلك سبب من أسباب النصر ; نعوذ بالله من قول وإطلاق يئول إلى هذا ، بل القول بالأسباب والوسائط سنة الله وسنة رسوله ، وهو الحق المبين ، والطريق المستقيم الذي انعقد عليه إجماع المسلمين ; وإلا كان يكون قوله الحق : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل - الآية - مقصورا على الضعفاء ، وجميع الخطابات كذلك . وفي التنزيل حيث خاطب موسى الكليم اضرب بعصاك البحر وقد كان قادرا على فلق البحر دون ضرب عصا . وكذلك مريم عليها السلام وهزي إليك بجذع النخلة وقد كان قادرا على سقوط الرطب دون هز ولا تعب ; ومع هذا كله فلا ننكر أن يكون رجل يلطف به ويعان ، أو تجاب دعوته ، أو يكرم بكرامة في خاصة نفسه أو لأجل غيره ، ولا تهد لذلك القواعد الكلية والأمور الجملية . هيهات هيهات ! لا يقال : فقد قال الله تعالى : وفي السماء رزقكم وما توعدون فإنا نقول : صدق الله العظيم ، وصدق رسوله الكريم ، وإن الرزق هنا المطر بإجماع أهل التأويل ; بدليل قوله : وينزل لكم من السماء رزقا وقال : ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد ولم يشاهد ينزل من السماء على الخلق أطباق الخبز ولا جفان اللحم ، بل الأسباب أصل في وجود ذلك ، ومعنى قوله عليه السلام : اطلبوا الرزق في خبايا الأرض أي بالحرث والحفر والغرس . وقد يسمى الشيء بما يئول إليه ، وسمي المطر رزقا لأنه عنه يكون الرزق ، وذلك مشهور في كلام العرب . وقال عليه السلام : لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يسأل أحدا أعطاه أو منعه وهذا فيما خرج من غير تعب من الحشيش والحطب . ولو قدر رجل بالجبال منقطعا عن الناس لما كان له بد من الخروج إلى ما تخرجه الآكام وظهور الأعلام حتى يتناول من ذلك ما يعيش به ; وهو معنى قوله عليه السلام : لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا فغدوها ورواحها سبب ; فالعجب العجب ممن يدعي التجريد والتوكل على التحقيق ، ويقعد على ثنيات الطريق ، ويدع الطريق المستقيم ، والمنهج الواضح القويم . ثبت في البخاري عن ابن عباس قال : كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون نحن المتوكلون ، فإذا قدموا سألوا الناس ; فأنزل الله تعالى وتزودوا . ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم أنهم خرجوا إلى أسفارهم بغير زاد ، وكانوا المتوكلين حقا . والتوكل اعتماد القلب على الرب في أن يلم شعثه ويجمع عليه أربه ; ثم يتناول الأسباب بمجرد الأمر . وهذا هو الحق . سأل رجل الإمام أحمد بن حنبل فقال : إني أريد الحج على قدم التوكل . فقال : اخرج وحدك ; فقال : لا ، إلا مع الناس . فقال له : أنت إذن متكل على أجربتهم . وقد أتينا على هذا في كتاب ( قمع الحرص بالزهد والقناعة ورد ذل السؤال بالكسب والصناعة ) .الرابعة : خرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها . وخرج البزار عن سلمان الفارسي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فإنها معركة الشيطان وبها ينصب رايته . أخرجه أبو بكر البرقاني مسندا عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ - من رواية عاصم - عن أبي عثمان النهدي عن سلمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فبها باض الشيطان وفرخ . ففي هذه الأحاديث ما يدل على كراهة دخول الأسواق لا سيما في هذه الأزمان التي يخالط فيها الرجال النسوان . وهكذا قال علماؤنا لما كثر الباطل في الأسواق وظهرت فيها المناكر : كره دخولها لأرباب الفضل والمقتدى بهم في الدين تنزيها لهم عن البقاع التي يعصى الله فيها . فحق على من ابتلاه الله بالسوق أن يخطر بباله أنه قد دخل محل الشيطان ومحل جنوده ، وإنه إن أقام هناك هلك ، ومن كانت هذه حاله اقتصر منه على قدر ضرورته ، وتحرز من سوء عاقبته وبليته .الخامسة : تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم السوق بالمعركة تشبيه حسن ; وذلك أن المعركة موضع القتال ، سمي بذلك لتعارك الأبطال فيه ، ومصارعة بعضهم بعضا . فشبه السوق وفعل الشيطان بها ونيله منهم مما يحملهم من المكر والخديعة ، والتساهل في البيوع الفاسدة والكذب والأيمان الكاذبة ، واختلاط الأصوات وغير ذلك - بمعركة الحرب ومن يصرع فيها .السادسة : قال ابن العربي : أما أكل الطعام فضرورة الخلق لا عار ولا درك فيه ، وأما الأسواق فسمعت مشيخة أهل العلم يقولون : لا يدخل إلا سوق الكتب والسلاح ، وعندي أنه يدخل كل سوق للحاجة إليه ولا يأكل فيها ; لأن ذلك إسقاط للمروءة وهدم للحشمة ; ومن الأحاديث الموضوعة ( الأكل في السوق دناءة ) .قلت : ما ذكرته مشيخة أهل العلم فنعما هو ; فإن ذلك خال عن النظر إلى النسوان ومخالطتهن ; إذ ليس ذلك من حاجتهن . وأما غيرهما من الأسواق ، فمشحونة منهن ، وقلة الحياء قد غلبت عليهن ، حتى ترى المرأة في القيساريات وغيرهن قاعدة متبرجة بزينتها ، وهذا من المنكر الفاشي في زماننا هذا . نعوذ بالله من سخطه .السابعة : خرج أبو داود الطيالسي في مسنده حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير عن سالم عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال : ( من دخل سوقا من هذه الأسواق فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة وبنى له قصرا في الجنة ) خرجه الترمذي أيضا وزاد بعد ( ومحا عنه ألف ألف سيئة ) : ( ورفع له ألف ألف درجة وبنى له بيتا في الجنة ) . وقال : هذا حديث غريب . قال : ابن العربي : وهذا إذا لم يقصد في تلك البقعة سواه ليعمرها بالطاعة إذ عمرت بالمعصية ، وليحليها بالذكر إذ عطلت بالغفلة ، وليعلم الجهلة ويذكر الناسين .الثامنة : قوله تعالى : وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون أي إن الدنيا دار بلاء وامتحان ، فأراد سبحانه أن يجعل بعض العبيد فتنة لبعض على العموم في جميع الناس مؤمن وكافر ، فالصحيح فتنة للمريض ، والغني فتنة للفقير ، والفقير الصابر فتنة للغني . ومعنى هذا أن كل واحد مختبر بصاحبه ، فالغني ممتحن بالفقير ، عليه أن يواسيه ولا يسخر منه . والفقير ممتحن بالغني ، عليه ألا يحسده ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه ، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق ; كما قال الضحاك في معنى أتصبرون : أي على الحق . وأصحاب البلايا يقولون : لم لم نعاف ؟ والأعمى يقول : لم لم أجعل كالبصير ؟ وهكذا صاحب كل آفة . والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس من الكفار في عصره . وكذلك العلماء وحكام العدل . ألا ترى إلى قولهم لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم . فالفتنة أن يحسد المبتلى المعافى ، ويحقر المعافى المبتلى . والصبر : أن يحبس كلاهما نفسه ، هذا عن البطر ، وذاك عن الضجر . أتصبرون محذوف الجواب ، يعني : أم لا تصبرون . فيقتضي جوابا كما قال المزني ، وقد أخرجته الفاقة فرأى خصيا في مراكب ومناكب ، فخطر بباله شيء فسمع من يقرأ الآية : أتصبرون فقال : بلى ربنا ! نصبر ونحتسب . وقد تلا ابن القاسم صاحب مالك هذه الآية حين رأى أشهب بن عبد العزيز في مملكته عابرا عليه ، ثم أجاب نفسه بقوله : سنصبر . وعن أبي الدرداء أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ويل للعالم من الجاهل وويل للجاهل من العالم ، وويل للمالك من المملوك وويل للمملوك من المالك ، وويل للشديد من الضعيف وويل للضعيف من الشديد ، وويل للسلطان من الرعية وويل للرعية من السلطان ، وبعضهم لبعض فتنة وهو قوله : وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون أسنده الثعلبي تغمده الله برحمته . وقال مقاتل : نزلت في أبي جهل بن هشام والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل ، وعقبة بن أبي معيط وعتبة بن ربيعة والنضر بن الحارث حين رأوا أبا ذر وعبد الله بن مسعود ، وعمارا وبلالا وصهيبا وعامر بن فهيرة ، وسالما مولى أبي حذيفة ومهجعا مولى عمر بن الخطاب وجبرا مولى الحضرمي ، وذويهم ; فقالوا على سبيل الاستهزاء : أنسلم فنكون مثل هؤلاء ؟ فأنزل الله تعالى يخاطب هؤلاء المؤمنين : أتصبرون على ما ترون من هذه الحال الشديدة والفقر ; فالتوقيف ب أتصبرون خاص للمؤمنين المحقين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم . كأنه جعل إمهال الكفار والتوسعة عليهم فتنة للمؤمنين ، أي اختبارا لهم . ولما صبر المسلمون أنزل الله فيهم : إني جزيتهم اليوم بما صبروا . التاسعة : قوله تعالى : وكان ربك بصيرا أي بكل امرئ وبمن يصبر أو يجزع ، ومن يؤمن ومن لا يؤمن ، وبمن أدى ما عليه من الحق ومن لا يؤدي . وقيل : أتصبرون أي اصبروا . مثل فهل أنتم منتهون أي انتهوا ، فهو أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالصبر .
تفسير الطبريوهذا احتجاج من الله تعالى ذكره لنبيه على مشركي قومه الذين قالوا: مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ وجواب لهم عنه يقول لهم جلّ ثناؤه: وما أنكر يا محمد هؤلاء القائلون: ما لهذا الرسول يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق, من أكلك الطعام، ومشيك في الأسواق, وأنت لله رسول، فقد علموا أنا ما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، كالذي تأكل أنت وتمشي, فليس لهم عليك بما قالوا من ذلك حجة.فإن قال قائل: فإن (من) ليست في التلاوة, فكيف قلت: معنى الكلام: إلا من إنهم ليأكلون الطعام؟ قيل: قلنا في ذلك: معناه: أن الهاء والميم في قوله: إنهم, كناية أسماء لم تذكر, ولا بد لها من أن تعود على من كُني عنه بها, وإنما ترك ذكر " من " وإظهاره في الكلام اكتفاء بدلالة قوله: ( مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) عليه, كما اكتفي في قوله: وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ من إظهار " من ", ولا شكّ أن معنى ذلك: وما منا إلا من له مقام معلوم, كما قيل وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا ومعناه: وإن منكم إلا من هو واردها، فقوله: ( إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ ) صلة لمن المتروك, كما يقال في الكلام: ما أرسلت إليك من الناس إلا من إنه ليبلغك الرسالة, فإنه ليبلغك الرسالة، صلة لمن.وقوله: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً) يقول تعالى ذكره: وامتحنا أيها الناس بعضكم ببعض, جعلنا هذا نبيا وخصصناه بالرسالة, وهذا ملِكا وخصصناه بالدنيا, وهذا فقيرًا وحرمناه الدنيا لنختبر الفقير بصبره على ما حرم مما أعطيه الغنيّ, والملك بصبره على ما أعطيه الرسول من الكرامة, وكيف رضي كل إنسان منهم بما أعطى، وقسم له, وطاعته ربه مع ما حرم مما أعطى غيره. يقول فمن أجل ذلك لم أعط محمدا الدنيا, وجعلته يطلب المعاش في الأسواق, ولأبتليكم أيها الناس, وأختبر طاعتكم ربكم وإجابتكم رسوله إلى ما دعاكم إليه, بغير عرض من الدنيا ترجونه من محمد أن يعطيكم على اتباعكم إياه، لأني لو أعطيته الدنيا, لسارع كثير منكم إلى اتباعه طمعا في دنياه أن يَنال منها.وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, عن أبي رجاء, قال: ثني عبد القدوس, عن الحسن, في قوله: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً) ... الآية, يقول هذا الأعمى: لو شاء الله لجعلني بصيرا مثل فلان, ويقول هذا الفقير: لو شاء الله لجعلني غنيا مثل فلان, ويقول هذا السقيم: لوشاء الله لجعلني صحيحا مثل فلان.حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, في قوله: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ) قال: يمسك عن هذا، ويوسع على هذا, فيقول: لم يعطني مثل ما أعطى فلانا, ويبتلى بالوجع كذلك, فيقول: لم يجعلني ربي صحيحا مثل فلان في أشباه ذلك من البلاء, ليعلم من يصبر ممن يجزع.حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: ثني ابن إسحاق, قال: ثني محمد بن أبي محمد, فيما يرى الطبري, عن عكرمة, أو عن سعيد, عن ابن عباس, قال: وأنزل عليه في ذلك من قولهم: ( مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ ) ... الآية: ( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ) : أي جعلت بعضكم لبعض بلاء لتصبروا على ما تسمعون منهم, وترون من خلافهم, وتتبعوا الهدى بغير أن أعطيهم عليه الدنيا، ولو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي، فلا يخالفون لفعلت, ولكني قد أردت أن أبتلي العباد بكم وأبتليكم بهم.وقوله: (وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) يقول: وربك يا محمد بصير بمن يجزع ومن يصبر على ما امتحن به من المحن.كما حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج (وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) إن ربك لبصير بمن يجزع، ومن يصبر.
من نحن

موقع الحياة بالإسلام هو موقع إسلامي، يقدم لكم العديد من المواضيع الاسلامية على منهاج الكتاب و السنة، كما يتضمن بعض قراءات القران الكريم بالرسم العثماني بأصوات اشهر القراء حول العالم

عرض المزيد
إشارات

التين , سُورَةُ هُودٍ , سُورَةُ الجُمُعَةِ , الكوثر , معيض الحارثي , القارئ سيلمان الشبيبي , القارئ عبدالرحمن الشحات , محمد عبدالحكيم سعيد العبدالله , قراءة يعقوب الحضرمي بروايتي رويس وروح , المصحف المعلم , قالون عن نافع من طريق أبي نشيط , خلف عن حمزة ,

عرض المزيد