مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ ٢٠٧التفسير الميسرما أغنى عنهم تمتعهم بطول العمر، وطيب العيش، إذا لم يتوبوا من شركهم؟ فعذاب الله واقع بهم عاجلا أم آجلا.
تفسير السعديمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ من اللذات والشهوات، أي: أي شيء يغني عنهم, ويفيدهم, وقد مضت وبطلت واضمحلت, وأعقبت تبعاتها, وضوعف لهم العذاب عند طول المدة. القصد أن الحذر, من وقوع العذاب, واستحقاقهم له. وأما تعجيله وتأخيره, فلا أهمية تحته, ولا جدوى عنده.
تفسير ابن كثيرثم جاءهم أمر الله ، أي شيء يجدي عنهم ما كانوا فيه من النعم؟! ( كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ) [ النازعات : 46 ] ، وقال تعالى : ( يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر ) [ البقرة : 96 ] ، وقال تعالى : ( وما يغني عنه ماله إذا تردى ) [ الليل : 11 ] ; ولهذا قال : ( ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ) .وفي الحديث الصحيح : " يؤتى بالكافر فيغمس في النار غمسة ، ثم يقال له : هل رأيت خيرا قط ؟ هل رأيت نعيما قط ؟ فيقول : لا [ والله يا رب ] . ويؤتى بأشد الناس بؤسا كان في الدنيا ، فيصبغ في الجنة صبغة ، ثم يقال له : هل رأيت بؤسا قط ؟ فيقول : لا والله يا رب " أي : ما كأن شيئا كان ; ولهذا كان عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه يتمثل بهذا البيت :كأنك لم توتر من الدهر ليلة إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب
تفسير القرطبيثم جاءهم ما كانوا يوعدون من العذاب والهلاك ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون . " ما " الأولى استفهام معناه التقرير ، وهو في موضع نصب ب " أغنى " و ( ما ) الثانية في موضع رفع ، ويجوز أن تكون الثانية نفيا لا موضع لها . وقيل : " ما " الأولى حرف نفي ، و " ما " الثانية في موضع رفع ب " أغنى " والهاء العائدة محذوفة . والتقدير : ما أغنى عنهم الزمان الذي كانوا يمتعونه . وعن الزهري : إن عمر بن عبد العزيز كان إذا أصبح أمسك بلحيته ثم قرأ : أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ثم يبكي ويقول :نهارك يا مغرور سهو وغفلة وليلك نوم والردى لك لازم فلا أنت في الأيقاظ يقظان حازمولا أنت في النوام ناج فسالم تسر بما يفنى وتفرح بالمنىكما سر باللذات في النوم حالم وتسعى إلى ما سوف تكره غبهكذلك في الدنيا تعيش البهائم
تفسير الطبري( مَا أَغْنَى عَنْهُمْ ) يقول: أي شيء أغنى عنهم التأخير الذي أخرنا في آجالهم, والمتاع الذي متعناهم به من الحياة, إذ لم يتوبوا من شركهم, هل زادهم تمتيعنا إياهم ذلك إلا خبالا؟, وهل نفعهم شيئا؟, بل ضرهم بازديادهم من الآثام, واكتسابهم من الإجرام ما لو لم يمتعوا لم يكتسبوه.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ إلى قوله ( مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ) قال: هؤلاء أهل الكفر.
وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ ٢٠٨التفسير الميسروما أهلكنا مِن قرية من القرى في الأمم جميعًا، إلا بعد أن نرسل إليهم رسلا ينذرونهم، تذكرة لهم وتنبيهًا على ما فيه نجاتهم، وما كنا ظالمين فنعذب أمة قبل أن نرسل إليها رسولا.
تفسير السعدييخبر تعالى عن كمال عدله, في إهلاك المكذبين, وأنه ما أوقع بقرية, هلاكا وعذابا, إلا بعد أن يعذر بهم, ويبعث فيهم النذر بالآيات البينات, ويدعونهم إلى الهدى, وينهونهم عن الردى, ويذكرونهم بآيات الله, وينبهونهم على أيامه في نعمه ونقمه.
تفسير ابن كثيرثم قال الله تعالى مخبرا عن عدله في خلقه : أنه ما أهلك أمة من الأمم إلا بعد الإعذار إليهم ، والإنذار لهم وبعثة الرسل إليهم وقيام الحجج عليهم ; ولهذا قال : ( وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون . ذكرى وما كنا ظالمين ) كما قال تعالى : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) [ الإسراء : 15 ] ، وقال تعالى : ( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا [ وما كنا مهلكي القرى إلا ] وأهلها ظالمون ) [ القصص : 59 ] .
تفسير القرطبيوما أهلكنا من قرية ( من ) صلة ، المعنى : وما أهلكنا قرية . إلا لها منذرون أي رسل .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ) من هذه القرى التي وصفت في هذه السور (إِلا لَهَا مُنْذِرُونَ) يقول: إلا بعد إرسالنا إليهم رسلا ينذرونهم بأسنا على كفرهم وسخطنا عليهم.(ذِكْرَى) يقول: إلا لها منذرون ينذرونهم, تذكرة لهم وتنبيها لهم على ما فيه النجاة لهم من عذابنا. ففي الذكرى وجهان من الإعراب: أحدهما النصب على المصدر من الإنذار على ما بيَّنْتُ, والآخر: الرفع على الابتداء (1) كأنه قيل: ذكرى.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.------------------------الهوامش :(1) يجوز أن يكون قوله تعالى (ذكرى) مرفوعًا على الابتداء والخبر محذوف، أي ذكرى لهم. ويجوز أن يكون مرفوعًا على أنه خبر عن مبتدأ، تقديره: "هم" أي المنذرون، ذكرى لهم..
ذِكۡرَىٰ وَمَا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٢٠٩التفسير الميسروما أهلكنا مِن قرية من القرى في الأمم جميعًا، إلا بعد أن نرسل إليهم رسلا ينذرونهم، تذكرة لهم وتنبيهًا على ما فيه نجاتهم، وما كنا ظالمين فنعذب أمة قبل أن نرسل إليها رسولا.
تفسير السعدي( ذِكْرَى ) لهم وإقامة حجة عليهم. ( وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ ) فنهلك القرى, قبل أن ننذرهم, ونأخذهم وهم غافلون عن النذر, كما قال تعالى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ .
تفسير ابن كثيرثم قال الله تعالى مخبرا عن عدله في خلقه : أنه ما أهلك أمة من الأمم إلا بعد الإعذار إليهم ، والإنذار لهم وبعثة الرسل إليهم وقيام الحجج عليهم ; ولهذا قال : ( وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون . ذكرى وما كنا ظالمين ) كما قال تعالى : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) [ الإسراء : 15 ] ، وقال تعالى : ( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا [ وما كنا مهلكي القرى إلا ] وأهلها ظالمون ) [ القصص : 59 ] .
تفسير القرطبي" ذكرى " قال الكسائي : " ذكرى " في موضع نصب على الحال . النحاس : وهذا لا يحصل ، والقول فيه قول الفراء وأبي إسحاق أنها في موضع نصب على المصدر ; قال الفراء : أي يذكرون ذكرى ; وهذا قول صحيح ; لأن معنى إلا لها منذرون إلا لها مذكرون . و ( ذكرى ) لا يتبين فيه الإعراب ; لأن فيها ألفا مقصورة . ويجوز " ذكرى " بالتنوين ، ويجوز أن يكون ( ذكرى ) في موضع رفع على إضمار مبتدأ . قال أبو إسحاق : أي إنذارنا ذكرى . وقال الفراء : أي ذلك ذكرى ، وتلك ذكرى . وقال ابن الأنباري قال بعض المفسرين : ليس في ( الشعراء ) وقف تام إلا قوله إلا لها منذرون وهذا عندنا وقف حسن ; ثم يبتدئ " ذكرى " على معنى هي ذكرى أي يذكرهم ذكرى ، والوقف على " ذكرى " أجود . وما كنا ظالمين في تعذيبهم حيث قدمنا الحجة عليهم وأعذرنا إليهم .
تفسير الطبريحدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلا لَهَا مُنْذِرُونَ * ذِكْرَى) قال: الرسل. قال ابن جُرَيج: و قوله: (ذِكْرَى) قال: الرسل.قوله: (وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ) يقول: وما كنا ظالميهم في تعذيبناهم وإهلاكهم, لأنا إنما أهلكناهم, إذ عتوا علينا, وكفروا نعمتنا, وعبدوا غيرنا بعد الإعذار عليهم والإنذار, ومتابعة الحجج عليهم بأن ذلك لا ينبغي أن يفعلوه, فأبوا إلا التمادي في الغيّ.
وَمَا تَنَزَّلَتۡ بِهِ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢١٠التفسير الميسروما تَنَزَّلَتْ بالقرآن على محمد الشياطين- كما يزعم الكفرة- ولا يصح منهم ذلك، وما يستطيعونه؛ لأنهم عن استماع القرآن من السماء محجوبون مرجومون بالشهب.
تفسير السعديولما بيَّن تعالى كمال القرآن وجلالته, نزهه عن كل صفة نقص, وحماه - وقت نزوله, وبعد نزوله - من شياطين الجن والإنس فقال: ( وَمَا تَنزلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ)
تفسير ابن كثيريقول تعالى مخبرا عن كتابه العزيز ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد : أنه نزل به الروح الأمين المؤيد من الله ، ( وما تنزلت به الشياطين ) . ثم ذكر أنه يمتنع عليهم من ثلاثة أوجه ، أحدها : أنه ما ينبغي لهم ، أي : ليس هو من بغيتهم ولا من طلبتهم ; لأن من سجاياهم الفساد وإضلال العباد ، وهذا فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ونور وهدى وبرهان عظيم ، فبينه وبين الشياطين منافاة عظيمة ; ولهذا قال تعالى :
تفسير القرطبييعني القرآن بل ينزل به الروح الأمين .
تفسير الطبريوقوله: (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ) يقول تعالى ذكره: وما تنزلت بهذا القرآن الشياطين على محمد, ولكنه ينزل به الروح الأمين.
وَمَا يَنۢبَغِي لَهُمۡ وَمَا يَسۡتَطِيعُونَ ٢١١التفسير الميسروما تَنَزَّلَتْ بالقرآن على محمد الشياطين- كما يزعم الكفرة- ولا يصح منهم ذلك، وما يستطيعونه؛ لأنهم عن استماع القرآن من السماء محجوبون مرجومون بالشهب.
تفسير السعديوَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ ) أي: لا يليق بحالهم ولا يناسبهم ( وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ) ذلك.
تفسير ابن كثير( وما ينبغي لهم ) .وقوله : ( وما يستطيعون ) أي : ولو انبغى لهم لما استطاعوا ذلك ، قال الله تعالى : ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ) [ الحشر : 21 ] .
تفسير القرطبيوما ينبغي لهم وما يستطيعون أي برمي الشهب كما مضى في سورة ( الحجر ) بيانه . وقرأ الحسن ومحمد بن السميقع ( وما تنزلت به الشياطون ) قال المهدوي : وهو غير جائز في العربية ومخالف للخط . وقال النحاس : وهذا غلط عند جميع النحويين ; وسمعت علي بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول : هذا غلط عند العلماء ، إنما يكون بدخول شبهة ; لما رأى الحسن في آخره ياء ونونا وهو في موضع رفع اشتبه عليه بالجمع المسلم فغلط ، وفي الحديث : احذروا زلة العالم وقد قرأ هو مع الناس : وإذا خلوا إلى شياطينهم ولو كان هذا بالواو في موضع رفع لوجب حذف النون للإضافة . وقال الثعلبي : قال الفراء : غلط الشيخ - يعني الحسن - فقيل ذلك للنضر بن شميل فقال : إن جاز أن يحتج بقول رؤبة والعجاج وذويهما ، جاز أن يحتج بقول الحسن وصاحبه . مع أنا نعلم أنهما لم يقرآ بذلك إلا وقد سمعا في ذلك شيئا ; وقال المؤرج : إن كان الشيطان من " شاط يشيط " كان لقراءتهما وجه . وقال يونس بن حبيب : سمعت أعرابيا يقول دخلنا بساتين من ورائها بساتون ; فقلت : ما أشبه هذا بقراءة الحسن .
تفسير الطبري(وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ) يقول: وما ينبغي للشياطين أن ينزلوا به عليه, ولا يصلح لهم ذلك.(وَمَا يَسْتَطِيعُونَ) يقول: وما يستطيعون أن يتنزلوا به, لأنهم لا يصلون إلى استماعه في المكان الذي هو به من السماء.
إِنَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّمۡعِ لَمَعۡزُولُونَ ٢١٢التفسير الميسروما تَنَزَّلَتْ بالقرآن على محمد الشياطين- كما يزعم الكفرة- ولا يصح منهم ذلك، وما يستطيعونه؛ لأنهم عن استماع القرآن من السماء محجوبون مرجومون بالشهب.
تفسير السعدي( إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ) قد أبعدوا عنه, وأعدت لهم الرجوم لحفظه, ونزل به جبريل, أقوى الملائكة, الذي لا يقدر شيطان أن يقربه, أو يحوم حول ساحته، وهذا كقوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ .
تفسير ابن كثيرثم بين أنه لو انبغى لهم واستطاعوا حمله وتأديته ، لما وصلوا إلى ذلك ; لأنهم بمعزل عن استماع القرآن حال نزوله ; لأن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا في مدة إنزال القرآن على رسوله ، فلم يخلص أحد من الشياطين إلى استماع حرف واحد منه ، لئلا يشتبه الأمر . وهذا من رحمة الله بعباده ، وحفظه لشرعه ، وتأييده لكتابه ولرسوله ; ولهذا قال : ( إنهم عن السمع لمعزولون ) ، كما قال تعالى مخبرا عن الجن : ( وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا ) [ الجن : 8 - 10 ] .
تفسير القرطبيأي برمي الشهب كما مضى في سورة " الحجر " بيانه .وقرأ الحسن ومحمد بن السميقع : " وما تنزلت به الشياطون " قال المهدوي : وهو غير جائز في العربية ومخالف للخط .وقال النحاس : وهذا غلط عند جميع النحويين ; وسمعت علي بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول : هذا غلط عند العلماء , إنما يكون بدخول شبهة ; لما رأى الحسن في آخره ياء ونونا وهو في موضع رفع اشتبه عليه بالجمع المسلم فغلط , وفي الحديث : " احذروا زلة العالم " وقد قرأ هو مع الناس : " وإذا خلوا إلى شياطينهم " [ البقرة : 14 ] ولو كان هذا بالواو في موضع رفع لوجب حذف النون للإضافة .وقال الثعلبي : قال الفراء : غلط الشيخ - يعني الحسن - فقيل ذلك للنضر بن شميل فقال : إن جاز أن يحتج بقول رؤبة والعجاج وذويهما , جاز أن يحتج بقول الحسن وصاحبه .مع أنا نعلم أنهما لم يقرآ بذلك إلا وقد سمعا في ذلك شيئا ; وقال المؤرخ : إن كان الشيطان من شاط يشيط كان لقراءتهما وجه .وقال يونس بن حبيب : سمعت أعرابيا يقول دخلنا بساتين من ورائها بساتون ; فقلت : ما أشبه هذا بقراءة الحسن .
تفسير الطبري( إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ) يقول: إن الشياطين عن سمع القران من المكان الذي هو به من السماء لمعزولون, فكيف يستطيعون أن يتنزلوا به.وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك, قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ) قال: هذا القرآن. وفي قوله ( إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ) قال: عن سمع السماء.حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني أبو سفيان, عن معمر, عن قتادة, بنحوه, إلا أنه قال: عن سمع القرآن.والقرّاء مجمعة على قراءة (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ) بالتاء ورفع النون, لأنها نون أصلية, واحدهم شيطان, كما واحد البساتين بستان. وذُكر عن الحسن أنه كان يقرأ ذلك: " وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطُونَ" بالواو, وذلك لحن, وينبغي أن يكون ذلك إن كان صحيحا عنه, أن يكون توهم أن ذلك نظير المسلمين والمؤمنين, وذلك بعيد من هذا.
فَلَا تَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُعَذَّبِينَ ٢١٣التفسير الميسرفلا تعبد مع الله معبودًا غيره، فينزل بك من العذاب ما نزل بهؤلاء الذين عبدوا مع الله غيره.
تفسير السعديينهى تعالى رسوله أصلا وأمته أسوة له في ذلك, عن دعاء غير الله, من جميع المخلوقين, وأن ذلك موجب للعذاب الدائم, والعقاب السرمدي, لكونه &; 1-599 &; شركا، و مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ والنهي عن الشيء, أمر بضده، فالنهي عن الشرك, أمر بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له, محبة, وخوفا, ورجاء, وذلا وإنابة إليه في جميع الأوقات.
فَإِنۡ عَصَوۡكَ فَقُلۡ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٢١٦
تفسير السعدي( فَإِنْ عَصَوْكَ ) في أمر من الأمور, فلا تتبرأ منهم, ولا تترك معاملتهم, بخفض الجناح, ولين الجانب، بل تبرأ من عملهم, فعظهم عليه وانصحهم, وابذل قدرتك في ردهم عنه, وتوبتهم منه، وهذا لدفع احتراز وهم من يتوهم, أن قوله ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ ) للمؤمنين, يقتضي الرضاء بجميع ما يصدر منهم, ما داموا مؤمنين, فدفع هذا بهذا والله أعلم.
تفسير ابن كثيروقد وردت أحاديث كثيرة في نزول هذه الآية الكريمة ، فلنذكرها :الحديث الأول :قال الإمام أحمد ، رحمه الله : حدثنا عبد الله بن نمير ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما أنزل الله ، عز وجل : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) ، أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - الصفا فصعد عليه ، ثم نادى : " يا صباحاه " . فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه ، وبين رجل يبعث رسوله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا بني عبد المطلب ، يا بني فهر ، يا بني لؤي ، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل ، تريد أن تغير عليكم ، صدقتموني ؟ " . قالوا : نعم . قال : " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " . فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم ، أما دعوتنا إلا لهذا ؟ وأنزل الله : ( تبت يدا أبي لهب وتب ) [ المسد : 1 ] .ورواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي ، من طرق ، عن الأعمش ، به .الحديث الثاني :قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا هشام ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : لما نزلت : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) ، قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " يا فاطمة ابنة محمد ، يا صفية ابنة عبد المطلب ، يا بني عبد المطلب ، لا أملك لكم من الله شيئا ، سلوني من مالي ما شئتم " . انفرد بإخراجه مسلم .الحديث الثالث :قال أحمد : حدثنا معاوية بن عمرو ، حدثنا زائدة ، حدثنا عبد الملك بن عمير ، عن موسى بن طلحة ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : لما نزلت هذه الآية : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) ، دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ قريشا ] ، فعم وخص ، فقال : " يا معشر قريش ، أنقذوا أنفسكم من النار . يا معشر بني كعب ، أنقذوا أنفسكم من النار . يا معشر بني عبد مناف ، أنقذوا أنفسكم من النار . يا معشر بني هاشم ، أنقذوا أنفسكم من النار . يا معشر بني عبد المطلب ، أنقذوا أنفسكم من النار . [ يا فاطمة بنت محمد ، أنقذي نفسك من النار ] ، فإني - والله - ما أملك لكم من الله شيئا ، إلا أن لكم رحما سأبلها ببلالها " .ورواه مسلم والترمذي ، من حديث عبد الملك بن عمير ، به . وقال الترمذي : غريب من هذا الوجه . ورواه النسائي من حديث موسى بن طلحة مرسلا لم يذكر فيه أبا هريرة . والموصول هو الصحيح . وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة .وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، حدثنا محمد - يعني ابن إسحاق - عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا بني عبد المطلب ، اشتروا أنفسكم من الله . يا صفية عمة رسول الله ، ويا فاطمة بنت رسول الله ، اشتريا أنفسكما من الله ، لا أغني عنكما من الله شيئا ، سلاني من مالي ما شئتما " .تفرد به من هذا الوجه . وتفرد به أيضا ، عن معاوية ، عن زائدة ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه . ورواه أيضا عن حسن ، ثنا ابن لهيعة ، عن الأعرج : سمعت أبا هريرة مرفوعا .وقال أبو يعلى : حدثنا سويد بن سعيد ، حدثنا ضمام بن إسماعيل ، عن موسى بن وردان ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " يا بني قصي ، يا بني هاشم ، يا بني عبد مناف . أنا النذير . والموت المغير . والساعة الموعد " .الحديث الرابع :قال أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا التيمي ، عن أبي عثمان ، عن قبيصة بن مخارق وزهير بن عمرو قالا لما نزلت : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) صعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رضمة من جبل على أعلاها حجر ، فجعل ينادي : " يا بني عبد مناف ، إنما أنا نذير ، إنما مثلي ومثلكم كرجل رأى العدو ، فذهب يربأ أهله ، يخشى أن يسبقوه ، فجعل ينادي ويهتف : يا صباحاه " .ورواه مسلم والنسائي ، من حديث سليمان بن طرخان التيمي ، عن أبي عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي ، عن قبيصة وزهير بن عمرو الهلالي ، به .الحديث الخامس :قال الإمام أحمد : حدثنا أسود بن عامر ، حدثنا شريك عن الأعمش ، عن المنهال ، عن عباد بن عبد الله الأسدي ، عن علي ، رضي الله عنه ، قال : لما نزلت هذه الآية : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - من أهل بيته ، فاجتمع ثلاثون ، فأكلوا وشربوا قال : وقال لهم : " من يضمن عني ديني ومواعيدي ، ويكون معي في الجنة ، ويكون خليفتي في أهلي ؟ " . فقال رجل - لم يسمه شريك - يا رسول الله ، أنت كنت بحرا من يقوم بهذا ؟ قال : ثم قال الآخر ، قال : فعرض ذلك على أهل بيته ، فقال علي : أنا .طريق أخرى بأبسط من هذا السياق : قال أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا أبو عوانة ، عن عثمان بن المغيرة ، عن أبي صادق ، عن ربيعة بن ناجذ ، عن علي ، رضي الله عنه ، قال : جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بني عبد المطلب ، وهم رهط ، كلهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق - قال : وصنع لهم مدا من طعام فأكلوا حتى شبعوا - قال : وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمس . ثم دعا بغمر فشربوا حتى رووا ، وبقي الشراب كأنه لم يمس - أو لم يشرب - وقال : " يا بني عبد المطلب ، إني بعثت إليكم خاصة وإلى الناس عامة ، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم ، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ؟ " . قال : فلم يقم إليه أحد . قال : فقمت إليه - وكنت أصغر القوم - قال : فقال : " اجلس " . ثم قال ثلاث مرات ، كل ذلك أقوم إليه فيقول لي : " اجلس " . حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي .طريق أخرى أغرب وأبسط من هذا السياق بزيادات أخر : قال الحافظ أبو بكر البيهقي في " دلائل النبوة " : أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، حدثنا يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق قال : فحدثني من سمع عبد الله بن الحارث بن نوفل - واستكتمني اسمه - عن ابن عباس ، عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، قال : لما نزلت هذه الآية على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ) ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " عرفت أني إن بادأت بها قومي ، رأيت منهم ما أكره ، فصمت . فجاءني جبريل ، عليه السلام ، فقال : يا محمد ، إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك ربك " . قال علي ، رضي الله عنه : فدعاني فقال : " يا علي ، إن الله قد أمرني [ أن ] أنذر عشيرتي الأقربين ، فعرفت أني إن بادأتهم بذلك رأيت منهم ما أكره ، فصمت عن ذلك ، ثم جاءني جبريل فقال : يا محمد ، إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك . فاصنع لنا يا علي شاة على صاع من طعام ، وأعد لنا عس لبن ، ثم اجمع لي بني عبد المطلب " . ففعلت فاجتمعوا له ، وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون رجلا . فيهم أعمامه : أبو طالب ، وحمزة ، والعباس ، وأبو لهب الكافر الخبيث . فقدمت إليهم تلك الجفنة ، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها حذية فشقها بأسنانه ثم رمى بها في نواحيها ، وقال : " كلوا بسم الله " . فأكل القوم حتى نهلوا عنه ما يرى إلا آثار أصابعهم ، والله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها . ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اسقهم يا علي " . فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعا ، وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله . فلما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكلمهم ، بدره أبو لهب إلى الكلام فقال : لهد ما سحركم صاحبكم . فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فلما كان الغد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا علي ، عد لنا بمثل الذي كنت صنعت بالأمس من الطعام والشراب ; فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم " . ففعلت ، ثم جمعتهم له ، فصنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما صنع بالأمس ، فأكلوا حتى نهلوا عنه ، وايم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها . ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اسقهم يا علي " . فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعا . وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله . فلما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكلمهم بدره أبو لهب بالكلام فقال : لهد ما سحركم صاحبكم . فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فلما كان الغد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا علي ، عد لنا بمثل الذي كنت صنعت لنا بالأمس من الطعام والشراب ; فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم " . ففعلت ، ثم جمعتهم له فصنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ كما صنع ] بالأمس ، فأكلوا حتى نهلوا عنه ، ثم سقيتهم من ذلك القعب حتى نهلوا عنه ، وايم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها ويشرب مثلها ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا بني عبد المطلب ، إني - والله - ما أعلم شابا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به ، إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة " .قال أحمد بن عبد الجبار : بلغني أن ابن إسحاق إنما سمعه من عبد الغفار بن القاسم أبي مريم ، عن المنهال بن عمرو ، عن عبد الله بن الحارث .وقد رواه أبو جعفر بن جرير ، عن ابن حميد ، عن سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عبد الغفار بن القاسم ، عن المنهال بن عمرو ، عن عبد الله بن الحارث ، عن ابن عباس ، عن علي بن أبي طالب ، فذكر مثله ، وزاد بعد قوله : " إني جئتكم بخير الدنيا والآخرة " . " وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه ، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ، وكذا وكذا " ؟ قال : فأحجم القوم عنها جميعا ، وقلت - وإني لأحدثهم سنا ، وأرمصهم عينا ، وأعظمهم بطنا ، وأحمشهم ساقا . أنا يا نبي الله ، أكون وزيرك عليه ، فأخذ يرقبني ثم قال : " إن هذا أخي ، وكذا وكذا ، فاسمعوا له وأطيعوا " . قال : فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع .تفرد بهذا السياق عبد الغفار بن القاسم أبي مريم ، وهو متروك كذاب شيعي ، اتهمه علي بن المديني وغيره بوضع الحديث ، وضعفه الأئمة رحمهم الله .طريق أخرى : قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا الحسين بن عيسى بن ميسرة الحارثي ، حدثنا عبد الله بن عبد القدوس ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن عبد الله بن الحارث قال : قال علي رضي الله عنه : لما نزلت هذه الآية : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) ، قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اصنع لي رجل شاة بصاع من طعام وإناء لبنا " . قال : ففعلت ، ثم قال : " ادع بني هاشم " . قال : فدعوتهم وإنهم يومئذ لأربعون غير رجل - أو : أربعون ورجل - قال : وفيهم عشرة كلهم يأكل الجذعة بإدامها . قال : فلما أتوا بالقصعة أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذروتها ثم قال : " كلوا " ، فأكلوا حتى شبعوا ، وهي على هيئتها لم يرزءوا منها إلا يسيرا ، قال : ثم أتيتهم بالإناء فشربوا حتى رووا . قال : وفضل فضل ، فلما فرغوا أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتكلم ، فبدروه الكلام ، فقالوا : ما رأينا كاليوم في السحر . فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال : " اصنع [ لي ] رجل شاة بصاع من طعام " . فصنعت ، قال : فدعاهم ، فلما أكلوا وشربوا ، قال : فبدروه فقالوا مثل مقالتهم الأولى ، فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال لي : " اصنع [ لي ] رجل شاة بصاع من طعام . فصنعت ، قال : فجمعتهم ، فلما أكلوا وشربوا بدرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكلام فقال : " أيكم يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي ؟ " . قال : فسكتوا وسكت العباس خشية أن يحيط ذلك بماله ، قال : وسكت أنا لسن العباس . ثم قالها مرة أخرى فسكت العباس ، فلما رأيت ذلك قلت : أنا يا رسول الله . [ فقال : " أنت " ] قال : وإني يومئذ لأسوأهم هيئة ، وإني لأعمش العينين ، ضخم البطن ، حمش الساقين .فهذه طرق متعددة لهذا الحديث عن علي ، رضي الله عنه . ومعنى سؤاله ، عليه الصلاة والسلام لأعمامه وأولادهم أن يقضوا عنه دينه ، ويخلفوه في أهله ، يعني إن قتل في سبيل الله ، كأنه خشي إذا قام بأعباء الإنذار أن يقتل ، ولما أنزل الله عز وجل : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) [ المائدة : 67 ] ، فعند ذلك أمن .وكان أولا يحرس حتى نزلت هذه الآية : ( والله يعصمك من الناس ) . ولم يكن في بني هاشم إذ ذاك أشد إيمانا وإيقانا وتصديقا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من علي ، رضي الله عنه ; ولهذا بدرهم إلى التزام ما طلب منهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم كان بعد هذا - والله أعلم - دعاؤه الناس جهرة على الصفا ، وإنذاره لبطون قريش عموما وخصوصا ، حتى سمى من سمى من أعمامه وعماته وبناته ، لينبه بالأدنى على الأعلى ، أي : إنما أنا نذير ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الواحد الدمشقي - غير منسوب - من طريق عمرو بن سمرة ، عن محمد بن سوقة ، عن عبد الواحد الدمشقي قال : رأيت أبا الدرداء ، رضي الله عنه ، يحدث الناس ويفتيهم ، وولده إلى جنبه ، وأهل بيته جلوس في جانب المسجد يتحدثون ، فقيل له : ما بال الناس يرغبون فيما عندك من العلم ، وأهل بيتك جلوس لاهين ؟ فقال : لأني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " أزهد الناس في الدنيا الأنبياء ، وأشدهم عليهم الأقربون " . وذلك فيما أنزل الله ، عز وجل : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) ، ثم قال : " إن أزهد الناس في العالم أهله حتى يفارقهم " . ولهذا قال [ الله تعالى ] : ( وأنذر عشيرتك الأقربين . واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين . فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون ) .
ٱلَّذِي يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ ٢١٨
تفسير الطبري(الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ) يقول: الذي يراك حين تقوم إلى صلاتك.وكان مجاهد يقول في تأويل ذلك ما حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ) قال: أينما كنت.(وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم: معنى ذلك: ويرى تقلبك في صلاتك حين تقوم, ثم تركع, وحين تسجد.* ذكر من قال ذلك:
أَلَمۡ تَرَ أَنَّهُمۡ فِي كُلِّ وَادٖ يَهِيمُونَ ٢٢٥
تفسير السعدي( أَلَمْ تَرَ ) غوايتهم وشدة ضلالهم ( أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ ) من أودية الشعر، ( يَهِيمُونَ ) فتارة في مدح, وتارة في قدح, وتارة في صدق، وتارة في كذب، وتارة يتغزلون, وأخرى يسخرون, ومرة يمرحون, وآونة يحزنون, فلا يستقر لهم قرار, ولا يثبتون على حال من الأحوال.
وَأَنَّهُمۡ يَقُولُونَ مَا لَا يَفۡعَلُونَ ٢٢٦
تفسير السعدي( وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ ) أي: هذا وصف الشعراء, أنهم تخالف أقوالهم أفعالهم، فإذا سمعت الشاعر يتغزل بالغزل الرقيق, قلت: هذا أشد الناس غراما, وقلبه فارغ من ذاك, وإذا سمعته يمدح أو يذم, قلت: هذا صدق, وهو كذب، وتارة يتمدح بأفعال لم يفعلها, وتروك لم يتركها, وكرم لم يحم حول ساحته, وشجاعة يعلو بها على الفرسان, وتراه أجبن من كل جبان، هذا وصفهم.فانظر, هل يطابق حالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم, الراشد البار, الذي يتبعه كل راشد ومهتد, الذي قد استقام على الهدى, وجانب الردى, ولم تتناقض أفعاله ولم تخالف أقواله أفعاله؟ الذي لا يأمر إلا بالخير, ولا ينهى إلا عن الشر، ولا أخبر بشيء إلا صدق, ولا أمر بشيء إلا كان أول الفاعلين له, ولا نهى عن شيء إلا كان أول التاركين له.فهل تناسب حاله, حالة الشعراء, أو يقاربهم؟ أم هو مخالف لهم من جميع الوجوه؟ فصلوات الله وسلامه على هذا الرسول الأكمل, والهمام الأفضل, أبد الآبدين, ودهر الداهرين, الذي ليس بشاعر, ولا ساحر, ولا مجنون, ولا يليق به إلا كل كمال.
تفسير ابن كثيروقوله : ( وأنهم يقولون ما لا يفعلون ) قال العوفي ، عن ابن عباس : كان رجلان على عهد رسول الله ، أحدهما من الأنصار ، والآخر من قوم آخرين ، وإنهما تهاجيا ، فكان مع كل واحد منهما غواة من قومه - وهم السفهاء - فقال الله تعالى : ( والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون ) .. وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : أكثر قولهم يكذبون فيه .وهذا الذي قاله ابن عباس ، رضي الله عنه ، هو الواقع في نفس الأمر ; فإن الشعراء يتبجحون بأقوال وأفعال لم تصدر منهم ولا عنهم ، فيتكثرون بما ليس لهم ; ولهذا اختلف العلماء ، رحمهم الله ، فيما إذا اعترف الشاعر في شعره بما يوجب حدا : هل يقام عليه بهذا الاعتراف أم لا لأنهم يقولون ما لا يفعلون ؟ على قولين . وقد ذكر محمد بن إسحاق ، ومحمد بن سعد في الطبقات ، والزبير بن بكار في كتاب الفكاهة : أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، استعمل النعمان بن عدي بن نضلة على " ميسان " - من أرض البصرة - وكان يقول الشعر ، فقال :ألا هل أتى الحسناء أن حليلها بميسان ، يسقى في زجاج وحنتم إذا شئت غنتني دهاقين قريةورقاصة تجذو على كل منسم فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقنيولا تسقني بالأصغر المتثلم لعل أمير المؤمنين يسوءهتنادمنا بالجوسق المتهدمفلما بلغ [ ذلك ] أمير المؤمنين قال : أي والله ، إنه ليسوءني ذلك ، ومن لقيه فليخبره أني قد عزلته . وكتب إليه : بسم الله الرحمن الرحيم ( حم . تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم . غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير ) [ غافر : 1 - 3 ] أما بعد فقد بلغني قولك :لعل أمير المؤمنين يسوءه تنادمنا بالجوسق المتهدموايم الله ، إنه ليسوءني وقد عزلتك . فلما قدم على عمر بكته بهذا الشعر ، فقال : والله - يا أمير المؤمنين - ما شربتها قط ، وما ذاك الشعر إلا شيء طفح على لساني . فقال عمر : أظن ذلك ، ولكن والله لا تعمل لي على عمل أبدا ، وقد قلت ما قلت .فلم يذكر أنه حده على الشراب ، وقد ضمنه شعره ; لأنهم يقولون ما لا يفعلون ، ولكنه ذمه عمر ، رضي الله عنه ، ولامه على ذلك وعزله به . ولهذا جاء في الحديث : " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا ، يريه خير له من أن يمتلئ شعرا " .والمراد من هذا : أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي أنزل عليه القرآن ليس بكاهن ولا بشاعر ; لأن حاله مناف لحالهم من وجوه ظاهرة ، كما قال تعالى : ( وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين ) [ يس : 69 ] وقال تعالى : ( إنه لقول رسول كريم . وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون . ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون . تنزيل من رب العالمين ) [ الحاقة : 40 - 43 ] ، وهكذا قال هاهنا : ( وإنه لتنزيل رب العالمين . نزل به الروح الأمين . على قلبك لتكون من المنذرين . بلسان عربي مبين ) إلى أن قال : ( وما تنزلت به الشياطين . وما ينبغي لهم وما يستطيعون . إنهم عن السمع لمعزولون ) إلى أن قال : ( هل أنبئكم على من تنزل الشياطين . تنزل على كل أفاك أثيم . يلقون السمع وأكثرهم كاذبون . والشعراء يتبعهم الغاوون . ألم تر أنهم في كل واد يهيمون . وأنهم يقولون ما لا يفعلون ) .
تفسير القرطبيوأنهم يقولون ما لا يفعلون يقول : أكثرهم يكذبون ; أي يدلون بكلامهم على الكرم والخير ولا يفعلونه . وقيل : إنها نزلت في أبي عزة الجمحي حيث قال :ألا أبلغا عني النبي محمدا بأنك حق والمليك حميدولكن إذا ذكرت بدرا وأهله تأوه مني أعظم وجلود