إِنِّي وَجَدتُّ ٱمۡرَأَةٗ تَمۡلِكُهُمۡ وَأُوتِيَتۡ مِن كُلِّ شَيۡءٖ وَلَهَا عَرۡشٌ عَظِيمٞ ٢٣التفسير الميسرإني وجدت امرأةً تحكم أهل "سبأ"، وأوتيت من كل شيء من أسباب الدنيا، ولها سرير عظيم القدر، تجلس عليه لإدارة ملكها.
تفسير السعديثم فسر هذا النبأ فقال: إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ أي: تملك قبيلة سبأ وهي امرأة وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يؤتاه الملوك من الأموال والسلاح والجنود والحصون والقلاع ونحو ذلك. وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ أي: كرسي ملكها الذي تجلس عليه عرش هائل، وعظم العروش تدل على عظمة المملكة وقوة السلطان وكثرة رجال الشورى.
تفسير ابن كثيرثم قال : ( إني وجدت امرأة تملكهم ) ، قال الحسن البصري : وهي بلقيس بنت شراحيل ملكة سبأ .وقال قتادة : كانت أمها جنية ، وكان مؤخر قدميها مثل حافر الدابة ، من بيت مملكة .وقال زهير بن محمد : وهي بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن الريان ، وأمها فارعة الجنية .وقال ابن جريج : بلقيس بنت ذي شرخ ، وأمها يلتقة .وقال ابن أبى حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا مسدد ، حدثنا سفيان - يعني ابن عيينة - عن عطاء بن السائب ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : كان مع صاحبة سليمان ألف قيل ، تحت كل قيل مائة ألف [ مقاتل ] .وقال الأعمش ، عن مجاهد : كان تحت يدي ملكة سبأ اثنا عشر ألف قيل ، تحت كل قيل : مائة ألف مقاتل .وقال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن قتادة في قوله : ( إني وجدت امرأة تملكهم ) : كانت من بيت مملكة ، وكان أولو مشورتها ثلاثمائة واثني عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف رجل . وكانت بأرض يقال لها مأرب ، على ثلاثة أميال من صنعاء .وهذا القول هو أقرب ، على أنه كثير على مملكة اليمن ، والله أعلم .وقوله : ( وأوتيت من كل شيء ) أي : من متاع الدنيا ما يحتاج إليه الملك المتمكن ، ( ولها عرش عظيم ) يعني : سرير تجلس عليه عظيم هائل مزخرف بالذهب ، وأنواع الجواهر واللآلئ .قال زهير بن محمد : كان من ذهب صفحتاه ، مرمول بالياقوت والزبرجد . [ طوله ثمانون ذراعا ، وعرضه أربعون ذراعا .وقال محمد بن إسحاق : كان من ذهب مفصص بالياقوت والزبرجد ] واللؤلؤ ، وكان إنما يخدمها النساء ، لها ستمائة امرأة تلي الخدمة .قال علماء التاريخ : وكان هذا السرير في قصر عظيم مشيد رفيع البناء محكم ، كان فيه ثلاثمائة وستون طاقة من شرقه ومثلها من غربه ، قد وضع بناؤه على أن تدخل الشمس كل يوم من طاقة ، وتغرب من مقابلتها ، فيسجدون لها صباحا ومساء ;
تفسير القرطبيقوله تعالى : إني وجدت امرأة تملكهم لما قال الهدهد : وجئتك من سبإ بنبإ يقين قال سليمان : وما ذلك الخبر ؟ قال : إني وجدت امرأة تملكهم يعني بلقيس بنت شراحيل تملك أهل سبإ . ويقال : كيف خفي على سليمان مكانها وكانت المسافة بين محطه وبين بلدها قريبة ، وهي من مسيرة ثلاث بين صنعاء ومأرب ؟ والجواب أن الله تعالى أخفى ذلك عنه لمصلحة ، كما أخفى على يعقوب مكان يوسف . ويروى أن أحد أبويها كان من الجن . قال ابن العربي : وهذا أمر تنكره الملحدة ، ويقولون : الجن لا يأكلون ولا يلدون ; كذبوا لعنهم الله أجمعين ; ذلك صحيح ونكاحهم جائز عقلا فإن صح نقلا فبها ونعمت .قلت : خرج أبو داود من حديث عبد الله بن مسعود أنه قال : قدم وفد من الجن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا محمد انه أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو جمجمة فإن الله جاعل لنا فيها رزقا . وفي صحيح مسلم : فقال : لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم الجن وفي البخاري من حديث أبي هريرة قال فقلت : ما بال العظم والروثة ؟ فقال : هما من طعام الجن وإنه أتاني وفد جن نصيبين ونعم الجن فسألوني الزاد فدعوت الله تعالى ألا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعاما وهذا كله نص في أنهم يطعمون . وأما نكاحهم فقد تقدمت الإشارة إليه في ( سبحان ) عند قوله : وشاركهم في الأموال والأولاد . وروى وهيب بن جرير بن حازم عن الخليل بن أحمد عن عثمان بن حاضر قال : كانت أم بلقيس من الجن يقال لها بلعمة بنت شيصان . وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى .روى البخاري من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن أهل فارس قد ملكوا بنت كسرى قال : لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة قال القاضي أبو بكر بن العربي : هذا نص في أن المرأة لا تكون خليفة ولا خلاف فيه ; ونقل عن محمد بن جرير الطبري أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية ، ولم يصح ذلك عنه ، ولعله نقل عنه كما نقل عن أبي حنيفة أنها إنما تقضي فيما تشهد فيه وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق ; ولا بأن يكتب لها مسطور بأن فلانة مقدمة على الحكم ، وإنما سبيل ذلك التحكيم والاستنابة في القضية الواحدة ، وهذا هو الظن بأبي حنيفة وابن جرير . وقد روي عن عمر أنه قدم امرأة على حسبة السوق . ولم يصح فلا تلتفتوا إليه ، فإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث . وقد تناظر في هذه المسألة القاضي أبو بكر بن الطيب المالكي الأشعري مع أبي الفرج بن طرار شيخ الشافعية ، فقال أبو الفرج : الدليل على أن المرأة يجوز أن تحكم أن الغرض من الأحكام تنفيذ القاضي لها ، وسماع البينة عليها ، والفصل بين الخصوم فيها ، وذلك ممكن من المرأة كإمكانه من الرجل . فاعترض عليه القاضي أبو بكر ونقض كلامه بالإمامة الكبرى ; فإن الغرض منه حفظ الثغور ، وتدبير الأمور وحماية البيضة ، وقبض الخراج ورده على مستحقه ، وذلك لا يتأتى من المرأة كتأتيه من الرجل . قال ابن العربي : وليس كلام الشيخين في هذه المسألة بشيء ; فإن المرأة لا يتأتى منها أن تبرز إلى المجلس ، ولا تخالط الرجال ، ولا تفاوضهم مفاوضة النظير للنظير ; لأنها إن كانت فتاة حرم النظر إليها وكلامها ، وإن كانت برزة لم يجمعها والرجال مجلس واحد تزدحم فيه معهم ، وتكون مناظرة لهم ; ولن يفلح قط من تصور هذا ولا من اعتقده .قوله تعالى : وأوتيت من كل شيء مبالغة ; أي مما تحتاجه المملكة . وقيل : المعنى : أوتيت من كل شيء في زمانها شيئا . فحذف المفعول ; لأن الكلام دل عليه . ولها عرش عظيم أي سرير ; ووصفه بالعظم في الهيئة ورتبة السلطان . قيل : كان من ذهب تجلس عليه . وقيل : العرش هنا الملك ; والأول أصح ; لقوله تعالى : أيكم يأتيني بعرشها . الزمخشري : فإن قلت كيف سوى الهدهد بين عرش بلقيس وعرش الله في الوصف بالعظيم ؟ قلت : بين الوصفين بون عظيم ; لأن وصف عرشها بالعظيم تعظيم له بالإضافة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك ، ووصف عرش الله بالعظيم تعظيم له بالنسبة إلى ما خلق من السماوات والأرض . قال ابن عباس : كان طول عرشها ثمانين ذراعا ، وعرضه أربعين ذراعا ، وارتفاعه في السماء ثلاثين ذراعا ، مكلل بالدر والياقوت الأحمر ، والزبرجد الأخضر . قتادة : وقوائمه لؤلؤ وجوهر ، وكان مسترا بالديباج والحرير ، عليه سبعة مغاليق . مقاتل : كان ثمانين ذراعا في ثمانين ذراعا ، وارتفاعه من الأرض ثمانون ذراعا ، وهو مكلل بالجواهر . ابن إسحاق : وكان يخدمها النساء ، وكان معها لخدمتها ستمائة امرأة . قال ابن عطية : واللازم من الآية أنها امرأة ملكت على مدائن اليمن ، ذات ملك عظيم ، وسرير عظيم ، وكانت كافرة من قوم كفار .
تفسير الطبرييقول تعالى مخبرا عن قيل الهدهد لسليمان مخبرا بعذره في مغيبه عنه: (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ ) يعني تملك سبأ, وإنما صار هذا الخبر للهدهد عذرا وحجة عند سليمان, درأ به عنه ما كان أُوعد به؛ لأن سليمان كان لا يرى أن في الأرض أحدا له مملكة معه, وكان مع ذلك صلى الله عليه وسلم رجلا حبِّب إليه الجهاد والغزو, فلما دله الهدهد على ملك بموضع من الأرض هو لغيره, وقوم كفرة يعبدون غير الله, له في جهادهم وغزوهم الأجر الجزيل, والثواب العظيم في الآجل, وضمّ مملكة لغيره إلى ملكه, حقَّت للهدهد المعذرة, وصحّت له الحجة في مغيبه عن سليمان.وقوله: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) يقول: وأوتيت من كلّ شيء يؤتاه الملك في عاجل الدنيا مما يكون عندهم من العتاد والآلة.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي عُبيدة الباجي, عن الحسن, قوله: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) يعني: من كل أمر الدنيا.وقوله (وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ) يقول: ولها كرسي عظيم. وعني بالعظيم في هذا الموضع: العظيم في قدره, وعظم خطره, لا عظمه في الكبر والسعة.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس, قوله: (وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ) قال: سرير كريم, قال: حَسن الصنعة, وعرشها: سرير من ذهب قوائمه من جوهر ولؤلؤ.قال: ثني حجاج, عن أبي عبيدة الباجي, عن الحسن قوله: (وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ) يعني سرير عظيم.
وَجَدتُّهَا وَقَوۡمَهَا يَسۡجُدُونَ لِلشَّمۡسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمۡ لَا يَهۡتَدُونَ ٢٤التفسير الميسروجدتُها هي وقومها يعبدون الشمس معرضين عن عبادة الله، وحسَّن لهم الشيطان أعمالهم السيئة التي كانوا يعملونها، فصرفهم عن الإيمان بالله وتوحيده، فهم لا يهتدون إلى الله وتوحيده وعبادته وحده.
تفسير السعديوَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: هم مشركون يعبدون الشمس. وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فرأوا ما عليه هو الحق، فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ لأن الذي يرى أن الذي عليه حق لا مطمع في هدايته حتى تتغير عقيدته.
تفسير ابن كثيرولهذا قال : ( وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل ) أي : عن طريق الحق ، ( فهم لا يهتدون ) .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله قيل : كانت هذه الأمة ممن يعبد الشمس ; لأنهم كانوا زنادقة فيما يروى . وقيل : كانوا مجوسا يعبدون الأنوار . وروي عن نافع أن الوقف على " عرش " . قال المهدوي : ف " عظيم " على هذا متعلق بما بعده ، وكان ينبغي على هذا أن يكون " عظيم أن وجدتها " أي وجودي إياها كافرة . وقال ابن الأنباري : ولها عرش عظيم وقف حسن ، ولا يجوز أن يقف على " عرش " ويبتدئ ( عظيم وجدتها ) إلا على من فتح ; لأن " عظيما " نعت ل " عرش " فلو كان متعلقا ب " وجدتها " لقلت : عظيمة وجدتها ; وهذا محال من كل وجه . وقد حدثني أبو بكر محمد بن الحسين بن شهريار ، قال : حدثنا أبو عبد الله الحسين بن الأسود العجلي ، عن بعض أهل العلم أنه قال : الوقف على " عرش " والابتداء " عظيم " على معنى : عظيم عبادتهم الشمس والقمر . قال : وقد سمعت من يؤيد هذا المذهب ، ويحتج بأن عرشها أحقر وأدق شأنا من أن يصفه الله بالعظيم . قال ابن الأنباري : والاختيار عندي ما ذكرته أولا ; لأنه ليس على إضمار عبادة الشمس والقمر دليل . وغير منكر أن يصف الهدهد عرشها بالعظيم إذا رآه متناهي الطول والعرض ; وجريه على إعراب " عرش " دليل على أنه نعته . وزين لهم الشيطان أعمالهم أي ما هم فيه من الكفر فصدهم عن السبيل أي عن طريق التوحيد . وبين بهذا أن ما ليس بسبيل التوحيد فليس بسبيل ينتفع به على التحقيق . فهم لا يهتدون إلى الله وتوحيده .
تفسير الطبريوقوله: (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) يقول: وجدت هذه المرأة ملكة سبأ, وقومها من سبأ, يسجدون للشمس فيعبدونها من دون الله. وقوله: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ) يقول: وحسَّن لهم إبليس عبادتهم الشمس, وسجودهم لها من دون الله, وحبَّب ذلك إليهم (فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ) يقول: فمنعهم بتزيينه ذلك لهم أن يتبعوا الطريق المستقيم, وهو دين الله الذي بعث به أنبياءه, ومعناه: فصدّهم عن سبيل الحقّ(فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ ) يقول: فهم لما قد زين لهم الشيطان ما زين من السجود للشمس من دون الله والكفر به لا يهتدون لسبيل الحقّ ولا يسلكونه, ولكنهم في ضلالهم الذي هم فيه يتردّدون.
أَلَّاۤ يَسۡجُدُواْۤ لِلَّهِ ٱلَّذِي يُخۡرِجُ ٱلۡخَبۡءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُخۡفُونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ ٢٥التفسير الميسرحسَّن لهم الشيطان ذلك؛ لئلا يسجدوا لله الذي يُخرج المخبوء المستور في السموات والأرض من المطر والنبات وغير ذلك، ويعلم ما تُسرُّون وما تظهرون. الله الذي لا معبود يستحق العبادة سواه، رب العرش العظيم.
تفسير السعديثم قال: أَلا أي: هلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أي: يعلم الخفي الخبيء في أقطار السماوات وأنحاء الأرض، من صغار المخلوقات وبذور النباتات وخفايا الصدور، ويخرج خبء الأرض والسماء بإنزال المطر وإنبات النباتات، ويخرج خبء الأرض عند النفخ في الصور وإخراج الأموات من الأرض ليجازيهم بأعمالهم وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ .
تفسير ابن كثيروقوله : ( ألا يسجدوا لله ) [ معناه : ( وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ألا يسجدوا لله ) ] أي : لا يعرفون سبيل الحق التي هي إخلاص السجود لله وحده دون ما خلق من شيء من الكواكب وغيرها ، كما قال تعالى : ( ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون ) [ فصلت : 37 ] .وقرأ بعض القراء : " ألا يا اسجدوا لله " جعلها " ألا " الاستفتاحية ، و " يا " للنداء ، وحذف المنادى ، تقديره عنده : " ألا يا قوم ، اسجدوا لله " .وقوله : ( الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ) : قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يعلم كل خبيئة في السماء والأرض . وكذا قال عكرمة ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، وغير واحد .وقال سعيد بن المسيب : الخبء : الماء . وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : خبء السموات والأرض : ما جعل فيها من الأرزاق : المطر من السماء ، والنبات من الأرض .وهذا مناسب من كلام الهدهد ، الذي جعل الله فيه من الخاصية ما ذكره ابن عباس وغيره ، من أنه يرى الماء يجري في تخوم الأرض ودواخلها .وقوله : ( ويعلم ما تخفون وما تعلنون ) أي : يعلم ما يخفيه العباد ، وما يعلنونه من الأقوال والأفعال . وهذا كقوله تعالى : ( سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ) [ الرعد : 10 ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ألا يسجدوا لله قرأ أبو عمرو ونافع وعاصم وحمزة : ألا يسجدوا لله بتشديد " ألا " قال ابن الأنباري : فهم لا يهتدون غير تام لمن شدد " ألا " لأن المعنى : وزين لهم الشيطان ألا يسجدوا . قال النحاس : هي ( أن ) دخلت عليها ( لا ) و ( أن ) في موضع نصب ; قال الأخفش : ب " زين " أي وزين لهم لئلا يسجدوا لله . وقال الكسائي : ب " فصدهم " أي فصدهم ألا يسجدوا . وهو في الوجهين مفعول له . وقال اليزيدي وعلي بن سليمان : ( أن ) بدل من " أعمالهم " في موضع نصب . وقال أبو عمرو : و ( أن ) في موضع خفض على البدل من السبيل وقيل : العامل فيها لا يهتدون أي فهم لا يهتدون أن يسجدوا لله ; أي لا يعلمون أن ذلك واجب عليهم . وعلى هذا القول ( لا ) زائدة ; كقوله : ما منعك ألا تسجد أي ما منعك أن تسجد . وعلى هذه القراءة فليس بموضع سجدة ; لأن ذلك خبر عنهم بترك السجود ، إما بالتزيين أو بالصد أو بمنع الاهتداء . وقرأ الزهري والكسائي وغيرهما : ( ألا يسجدوا لله ) بمعنى ألا يا هؤلاء اسجدوا ; لأن ( يا ) ينادى بها الأسماء دون الأفعال . وأنشد سيبويه :يا لعنة الله والأقوام كلهم والصالحين على سمعان من جارقال سيبويه : ( يا ) لغير اللعنة ، لأنه لو كان للعنة لنصبها ، لأنه كان يصير منادى مضافا ، ولكن تقديره يا هؤلاء لعنة الله والأقوام على سمعان . وحكى بعضهم سماعا عن العرب : ألا يا ارحموا ألا يا اصدقوا . يريدون ألا يا قوم ارحموا اصدقوا ، فعلى هذه القراءة ( اسجدوا ) في موضع جزم بالأمر والوقف على ( ألا يا ) ثم تبتدئ فتقول : ( اسجدوا ) . قال الكسائي : ما كنت أسمع الأشياخ يقرءونها إلا بالتخفيف على نية الأمر . وفي قراءة عبد الله : ( ألا هل تسجدون لله ) بالتاء والنون . وفي قراءة أبي ( ألا تسجدون لله ) فهاتان القراءتان حجة لمن خفف . الزجاج : وقراءة التخفيف تقتضي وجوب السجود دون التشديد . واختار أبو حاتم وأبو عبيدة قراءة التشديد . وقال : التخفيف وجه حسن إلا أن فيه انقطاع الخبر من أمر سبأ ، ثم رجع بعد إلى ذكرهم ، والقراءة بالتشديد خبر يتبع بعضه بعضا لا انقطاع في وسطه . ونحوه قال النحاس . قال : قراءة التخفيف بعيدة ; لأن الكلام يكون معترضا ، وقراءة التشديد يكون الكلام بها متسقا ، وأيضا فإن السواد على غير هذه القراءة ، لأنه قد حذف منه ألفان ، وإنما يختصر مثل هذا بحذف ألف واحدة نحو يا عيسى ابن مريم . ابن الأنباري : وسقطت ألف ( اسجدوا ) كما تسقط مع هؤلاء إذا ظهر ، ولما سقطت ألف ( يا ) واتصلت بها ألف ( اسجدوا ) سقطت ، فعد سقوطها دلالة على الاختصار وإيثارا لما يخف وتقل ألفاظه . وقال الجوهري في آخر كتابه : قال بعضهم : إن ( يا ) في هذا الموضع إنما هو للتنبيه كأنه قال : ألا اسجدوا لله ، فلما أدخل عليه ( يا ) للتنبيه سقطت الألف التي في ( اسجدوا ) لأنها ألف وصل ، وذهبت الألف التي في ( يا ) لاجتماع الساكنين ; لأنها والسين ساكنتان . قال ذو الرمة :ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى ولا زال منهلا بجرعائك القطروقال الجرجاني : هو كلام معترض من الهدهد أو سليمان أو من الله . أي ألا ليسجدوا ; كقوله تعالى : قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله قيل : إنه أمر أي ليغفروا . وتنتظم على هذا كتابة المصحف ; أي ليس هاهنا نداء . قال ابن عطية : قيل هو من كلام الهدهد إلى قوله ( العظيم ) وهو قول ابن زيد وابن إسحاق ; ويعترض بأنه غير مخاطب فكيف يتكلم في معنى شرع . ويحتمل أن يكون من قول سليمان لما أخبره الهدهد عن القوم . ويحتمل أن يكون من قول الله تعالى فهو اعتراض بين الكلامين وهو الثابت مع التأمل ، وقراءة التشديد في ( ألا ) تعطي أن الكلام للهدهد ، وقراءة التخفيف تمنعه ، والتخفيف يقتضي الأمر بالسجود لله عز وجل للأمر ، على ما بيناه . وقال الزمخشري : فإن قلت أسجدة التلاوة واجبة في القراءتين جميعا أم في إحداهما ؟ قلت هي واجبة فيهما جميعا ; لأن مواضع السجدة إما أمر بها ، أو مدح لمن أتى بها ، أو ذم لمن تركها ، وإحدى القراءتين أمر بالسجود والأخرى ذم للتارك .قلت : وقد أخبر الله عن الكفار بأنهم لا يسجدون كما في ( الانشقاق ) وسجد النبي صلى الله عليه وسلم فيها ، كما ثبت في البخاري وغيره فكذلك ( النمل ) . والله أعلم . الزمخشري : وما ذكره الزجاج من وجوب السجدة مع التخفيف دون التشديد فغير مرجوع إليه . الذي يخرج الخبء خبء السماء قطرها ، وخبء الأرض كنوزها ونباتها . وقال قتادة : الخبء السر . النحاس : وهذا أولى . أي ما غاب في السماوات والأرض ، ويدل عليه ما يخفون وما يعلنون . وقرأ عكرمة ومالك بن دينار : ( الخب ) بفتح الباء من غير همز . قال المهدوي : وهو التخفيف القياسي ; وذكر من يترك الهمز في الوقف . وقال النحاس : وحكى أبو حاتم أن عكرمة قرأ : ( الذي يخرج الخبا ) بألف غير مهموزة ، وزعم أن هذا لا يجوز في العربية ، واعتل بأنه إن خفف الهمزة ألقى حركتها على الباء فقال : ( الخب في السماوات والأرض ) وأنه إن حول الهمزة قال : ( الخبي ) بإسكان الباء وبعدها ياء . قال النحاس : وسمعت علي بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول : كان أبو حاتم دون أصحابه في النحو ولم يلحق بهم إلا أنه إذا خرج من بلده لم يلق أعلم منه . وحكى سيبويه عن العرب أنها تبدل من الهمزة ألفا إذا كان قبلها ساكن وكانت مفتوحة ، وتبدل منها واوا إذا كان قبلها ساكن وكانت مضمومة ، وتبدل منها ياء إذا كان قبلها ساكن وكانت مكسورة ; فتقول : هذا الوثو وعجبت من الوثي ورأيت الوثا ; وهذا من وثئت يده ; وكذلك هذا الخبو وعجبت من الخبي ، ورأيت الخبا ; وإنما فعل هذا لأن الهمزة خفيفة فأبدل منها هذه الحروف .وحكى سيبويه عن قوم من بني تميم وبني أسد أنهم يقولون : هذا الخبؤ ; يضمون الساكن إذا كانت الهمزة مضمومة ، ويثبتون الهمزة ويكسرون الساكن إذا كانت الهمزة مكسورة ، ويفتحون الساكن إذا كانت الهمزة مفتوحة . وحكى سيبويه أيضا أنهم يكسرون وإن كانت الهمزة مضمومة ، إلا أن هذا عن بني تميم ; فيقولون : الرديء ; وزعم أنهم لم يضموا الدال لأنهم كرهوا ضمة قبلها كسرة ; لأنه ليس في الكلام ( فعل ) . وهذه كلها لغات داخلة على اللغة التي قرأ بها الجماعة ; وفي قراءة عبد الله ( الذي يخرج الخبا من السماوات ) و ( من ) و ( في ) يتعاقبان ; تقول العرب : لأستخرجن العلم فيكم يريد : منكم ; قاله الفراء . ويعلم ما يخفون وما يعلنون قراءة العامة فيهما بياء الغائب ، وهذه القراءة تعطي أن الآية من كلام الهدهد ، وأن الله تعالى خصه من المعرفة بتوحيده ووجوب السجود له ، وإنكار سجودهم للشمس ، وإضافته للشيطان ، وتزيينه لهم ، ما خص به غيره من الطيور وسائر الحيوان ; من المعارف اللطيفة التي لا تكاد العقول الراجحة تهتدي لها . وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر وحفص والكسائي : ( تخفون ) و ( تعلنون ) بالتاء على الخطاب ; وهذه القراءة تعطي أن الآية من خطاب الله عز وجل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم
تفسير الطبرياختلف القرّاء في قراءة قوله (أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ ) فقرأ بعض المكيين وبعض المدنيين والكوفيين " ألا " بالتخفيف, بمعنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا, فأضمروا " هؤلاء " اكتفاء بدلالة " يا " عليها. وذكر بعضهم سماعا من العرب: ألا يا ارحمنا, ألا يا تصدّق علينا; واستشهد أيضا ببيت الأخطل:ألا يا اسْلَمي يا هِنْدَ هنْدَ بَنِي بَدرٍوَإنْ كان حَيَّانا عِدًا آخِرَ الدَّهْر (1)فعلى هذه القراءة اسجدوا في هذا الموضع جزم, ولا موضع لقوله " ألا " في الإعراب. وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والكوفة والبصرة (أَلا يَسْجُدُوا ) بتشديد ألا بمعنى: وزيَّن لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا لله " ألا " في موضع نصب لما ذكرت من معناه أنه لئلا(ويسجدوا) في موضع نصب بأن.والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار قد قرأ بكلّ واحدة منهما علماء من القراء مع صحة معنييهما.واختلف أهل العربية في وجه دخول " يا " في قراءة من قرأه على وجه الأمر, فقال بعض نحوييِّ البصرة: من قرأ ذلك كذلك, فكأنه جعله أمرا, كأنه قال لهم: اسجدوا, وزاد " يا " بينهما التي تكون للتنبيه, ثم أذهب ألف الوصل التي في اسجدوا, وأذهبت الألف التي في " يا "؛ لأنها ساكنة لقيت السين, فصار ألا يسجدوا. وقال بعض نحويي الكوفة: هذه " يا " التي تدخل للنداء يكتفى بها من الاسم, ويكتفى بالاسم منها, فتقول: يا أقبل, وزيد أقبل, وما سقط من السواكن فعلى هذا.ويعني بقوله: (يُخْرِجُ الْخَبْءَ ) يخرج المخبوء في السموات والأرض من غيث في السماء, ونبات في الأرض ونحو ذلك.وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل, وإن اختلفت عبارتهم عنه.*ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد, قال: ثنا ابن المبارك, عن ابن جُرَيج, قراءة عن مجاهد: (يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ ) قال: الغيث.حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: (يُخْرِجُ الْخَبْءَ ) قال: الغيث.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: (الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) قال: خبء السماء والأرض ما جعل الله فيها من الأرزاق, والمطر من السماء, والنبات من الأرض, كانتا رتقا لا تمطر هذه، ولا تنبت هذه, ففتق السماء, وأنزل منها المطر, وأخرج النبات.حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا عيسى بن يونس, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن حكيم بن جابر, في قوله: (أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) ويعلم كل خفية في السموات والأرض.حدثني محمد بن عمارة, قال: ثنا عبيد الله بن موسى, قال: أخبرنا أسامة بن زيد, عن معاذ بن عبد الله, قال: رأيت ابن عباس على بغلة يسأل تبعا ابن امرأة كعب: هل سألت كعبا عن البذر تنبت الأرضُ العامَ لم يصب العام الآخر؟ قال: سمعت كعبا يقول: البذر ينزل من السماء ويخرج من الأرض, قال: صدقت.قال أبو جعفر: إنما هو تبيع, ولكن هكذا قال محمد: وقيل: يخرج الخبء في السموات والأرض, لأن العرب تضع " من " مكان " في" و " في" مكان " من " في الاستخراج (وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ) يقول: ويعلم السرّ من أمور خلقه, هؤلاء الذين زين لهم الشيطان أعمالهم والعلانية منها, وذلك على قراءة من قرأ ألا بالتشديد. وأما على قراءة من قرأ بالتخفيف فإن معناه: ويعلم ما يسره خلقه الذين أمرهم بالسجود بقوله: " ألا يا هؤلاء اسجدوا ". وقد ذكر أن ذلك في قراءة أُبيّ: " ألا تَسْجُدُوا لِلهِ الَّذِي يَعْلَمُ سرَّكُمْ وما تُعْلِنُون ".------------------------الهوامش:(1) البيت: نسبه في (اللسان: عدا) إلى الأخطل التغلبي الشاعر الأموي. قال: وقد جاء في الشعر العدى: بمعنى الأعداء. وقال ابن الأعرابي في قول الأخطل: "ألا يا اسلمي.." البيت: العدى: التباعد. وقوم عدى: إذا كانوا متباعدين لا أرحام بينهم ولا حلف. وقوم عدى: إذا كانوا حربًا. وقد روى البيت بالكسر والضم، مثل سوى وسوى. الأصمعي: يقال: هؤلاء قوم عدى مقصور، يكون للأعداء وللغرباء. ولا يقال: قوم عدى (بضم العين) إلا أن تدخل الهاء، فتقول: عداة، في وزن قضاة. قال أبو زيد: طالت عدواءهم، أي تباعدهم وتفرقهم. وشاهد المؤلف في هذا البيت: أن حرف النداء يا، داخل على منادي محذوف. تقديره: ألا يا هذه اسلمي. وهو نظير قول الله عز وجل: "ألا يا اسجدوا" تقديره: ألا يا هؤلاء اسجدوا. فأضمر هؤلاء، اكتفاء بدلالة "يا" عليها.
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ۩ ٢٦التفسير الميسرحسَّن لهم الشيطان ذلك؛ لئلا يسجدوا لله الذي يُخرج المخبوء المستور في السموات والأرض من المطر والنبات وغير ذلك، ويعلم ما تُسرُّون وما تظهرون. الله الذي لا معبود يستحق العبادة سواه، رب العرش العظيم.
تفسير السعدياللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ أي: لا تنبغي العبادة والإنابة والذل والحب إلا له لأنه المألوه لما له من الصفات الكاملة والنعم الموجبة لذلك. رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الذي هو سقف المخلوقات ووسع الأرض والسماوات، فهذا الملك عظيم السلطان كبير الشأن هو الذي يذل له ويخضع ويسجد له ويركع، فسلم الهدهد حين ألقى إليه هذا النبأ العظيم وتعجب سليمان كيف خفي عليه.
تفسير ابن كثيروقوله : ( الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم ) أي : هو المدعو الله ، وهو الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم ، الذي ليس في المخلوقات أعظم منه .ولما كان الهدهد داعيا إلى الخير ، وعبادة الله وحده والسجود له ، نهي عن قتله ، كما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قتل أربع من الدواب : النملة والنحلة والهدهد والصرد . وإسناده صحيح .
تفسير القرطبيالله لا إله إلا هو رب العرش العظيم قرأ ابن محيصن ( العظيم ) : رفعا نعتا لله . الباقون بالخفض نعتا للعرش . وخص بالذكر لأنه أعظم المخلوقات وما عداه في ضمنه وقبضته .
تفسير الطبريوقوله: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ ) يقول تعالى ذكره: الله الذي لا تصلح العبادة إلا له, لا إله إلا هو, لا معبود سواه تصلح له العبادة, فأخلصوا له العبادة, وأفردوه بالطاعة, ولا تشركوا به شيئا(رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) يعني بذلك: مالك العرش العظيم الذي كل عرش, وإن عظم, فدونه, لا يُشبهه عرش ملكة سبأ ولا غيره.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد; في قوله: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ إلى قوله (لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) هذا كله كلام الهدهد.حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق بنحوه.
۞ قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٢٧التفسير الميسرقال سليمان للهدهد: سنتأمل فيما جئتنا به من الخبر أصدقت في ذلك أم كنت من الكاذبين فيه؟ اذهب بكتابي هذا إلى أهل "سبأ" فأعطهم إياه، ثم تنحَّ عنهم قريبًا منهم بحيث تسمع كلامهم، فتأمل ما يتردد بينهم من الكلام.
تفسير السعديوقال مثبتا لكمال عقله ورزانته سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ
تفسير ابن كثيريخبر تعالى عن قيل سليمان ، عليه السلام ، للهدهد حين أخبره عن أهل سبأ وملكتهم : ( قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين ) أي : أصدقت في إخبارك هذا ، ( أم كنت من الكاذبين ) في مقالتك ، فتتخلص من الوعيد الذي أوعدتك ؟ .
تفسير القرطبيقوله تعالى : سننظر من النظر الذي هو التأمل والتصفح . أصدقت أم كنت من الكاذبين في مقالتك . و ( كنت ) بمعنى أنت . وقال : سننظر أصدقت ولم يقل سننظر في أمرك ; لأن الهدهد لما صرح بفخر العلم في قوله : أحطت بما لم تحط به صرح له سليمان بقوله : سننظر أصدقت أم كذبت ، فكان ذلك كفاء لما قاله .قوله تعالى : أصدقت أم كنت من الكاذبين دليل على أن الإمام يجب عليه أن يقبل عذر رعيته ، ويدرأ العقوبة عنهم في ظاهر أحوالهم بباطن أعذارهم ; لأن سليمان لم يعاقب الهدهد حين اعتذر إليه . وإنما صار صدق الهدهد عذرا لأنه أخبر بما يقتضي الجهاد ، وكان سليمان عليه السلام حبب إليه الجهاد . وفي الصحيح : ليس أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل . وقد قبل عمر عذر النعمان بن عدي ولم يعاقبه . ولكن للإمام أن يمتحن ذلك إذا تعلق به حكم من أحكام الشريعة . كما فعل سليمان ; فإنه لما قال الهدهد : إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم لم يستفزه الطمع ، ولا استجره حب الزيادة في الملك إلى أن يعرض له حتى قال : وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله فغاظه حينئذ ما سمع ، وطلب الانتهاء إلى ما أخبر ، وتحصيل علم ما غاب عنه من ذلك ، فقال : سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين ونحو منه ما رواه الصحيح عن المسور بن مخرمة ، حين استشار عمر الناس في إملاص المرأة وهي التي يضرب بطنها فتلقي جنينها ; فقال المغيرة بن شعبة : شهدت النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغرة عبد أو أمة . قال فقال عمر : ايتني بمن يشهد معك ; قال : فشهد له محمد بن مسلمة وفي رواية فقال : لا تبرح حتى تأتي بالمخرج من ذلك ; فخرجت فوجدت محمد بن مسلمة فجئت به فشهد . ونحوه حديث أبي موسى في الاستئذان وغيره .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: ( قَالَ ) سليمان للهدهد: ( سَنَنظُرُ ) فيما اعتذرت به من العذر, واحتججت به من الحجة لغيبتك عنا, وفيما جئتنا به من الخير ( أَصَدَقْتَ ) في ذلك كله (أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ) فيه
ٱذۡهَب بِّكِتَٰبِي هَٰذَا فَأَلۡقِهۡ إِلَيۡهِمۡ ثُمَّ تَوَلَّ عَنۡهُمۡ فَٱنظُرۡ مَاذَا يَرۡجِعُونَ ٢٨التفسير الميسرقال سليمان للهدهد: سنتأمل فيما جئتنا به من الخبر أصدقت في ذلك أم كنت من الكاذبين فيه؟ اذهب بكتابي هذا إلى أهل "سبأ" فأعطهم إياه، ثم تنحَّ عنهم قريبًا منهم بحيث تسمع كلامهم، فتأمل ما يتردد بينهم من الكلام.
تفسير السعدياذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا وسيأتي نصه فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ أي استأخر غير بعيد فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ إليك وما يتراجعون به
تفسير ابن كثير( اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون ) : وذلك أن سليمان ، عليه السلام ، كتب كتابا إلى بلقيس وقومها . وأعطاه لذلك الهدهد فحمله ، قيل : في جناحه كما هي عادة الطير ، وقيل : بمنقاره . وذهب إلى بلادهم فجاء إلى قصر بلقيس ، إلى الخلوة التي كانت تختلي فيها بنفسها ، فألقاه إليها من كوة هنالك بين يديها ، ثم تولى ناحية أدبا ورياسة ، فتحيرت مما رأت ، وهالها ذلك ، ثم عمدت إلى الكتاب فأخذته ، ففتحت ختمه وقرأته ، فإذا فيه : ( إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين )
تفسير القرطبيقوله تعالى : اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم . قال الزجاج : فيها خمسة أوجه ( فألقه إليهم ) بإثبات الياء في اللفظ . وبحذف الياء وإثبات الكسرة دالة عليها ( فألقه إليهم ) . وبضم الهاء وإثبات الواو على الأصل ( فألقه وإليهم ) . وبحذف الواو وإثبات الضمة ( فألقه إليهم ) . واللغة الخامسة قرأ بها حمزة بإسكان الهاء فألقه إليهم . قال النحاس : وهذا عند النحويين لا يجوز إلا على حيلة بعيدة تكون : يقدر الوقف ; وسمعت علي بن سليمان يقول : لا تلتفت إلى هذه العلة ، ولو جاز أن يصل وهو ينوي الوقف لجاز أن يحذف الإعراب من الأسماء . وقال : ( إليهم ) على لفظ الجمع ولم يقل ( إليها ) ; لأنه قال : وجدتها وقومها يسجدون للشمس فكأنه قال : فألقه إلى الذين هذا دينهم ; اهتماما منه بأمر الدين ، واشتغالا به عن غيره ، وبني الخطاب في ( الكتاب ) على لفظ الجمع لذلك . وروي في قصص هذه الآية أن الهدهد وصل فألفى دون هذه الملكة حجب جدران ; فعمد إلى كوة كانت بلقيس صنعتها لتدخل منها الشمس عند طلوعها لمعنى عبادتها إياها ، فدخل منها ورمى الكتاب على بلقيس وهي - فيما يروى - نائمة ; فلما انتبهت وجدته فراعها ، وظنت أنه قد دخل عليها أحد ، ثم قامت فوجدت حالها كما عهدت ، فنظرت إلى الكوة تهمما بأمر الشمس ، فرأت الهدهد فعلمت . وقال وهب وابن زيد : كانت لها كوة مستقبلة مطلع الشمس ، فإذا طلعت سجدت ، فسدها الهدهد بجناحه ، فارتفعت الشمس ولم تعلم ، فلما استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى الصحيفة إليها ، فلما رأت الخاتم ارتعدت وخضعت ، لأن ملك سليمان عليه السلام كان في خاتمه ; فقرأته فجمعت الملأ من قومها فخاطبتهم بما يأتي بعد . وقال مقاتل : حمل الهدهد الكتاب بمنقاره ، وطار حتى وقف على رأس المرأة وحولها الجنود والعساكر ، فرفرف ساعة والناس ينظرون إليه ، فرفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها .في هذه الآية دليل على إرسال الكتب إلى المشركين وتبليغهم الدعوة ، ودعائهم إلى الإسلام . وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وإلى كل جبار ; كما تقدم في ( آل عمران ) .قوله تعالى : ثم تول عنهم أمره بالتولي حسن أدب ليتنحى حسب ما يتأدب به مع الملوك . بمعنى : وكن قريبا حتى ترى مراجعتهم ; قاله وهب بن منبه . وقال ابن زيد : أمره بالتولي بمعنى الرجوع إليه ; أي ألقه وارجع فانظر ماذا يرجعون في معنى التقديم على قوله : ثم تول واتساق رتبة الكلام أظهر ; أي ألقه ثم تول ، وفي خلال ذلك ( فانظر ) أي انتظر . وقيل : فاعلم ; كقوله : يوم ينظر المرء ما قدمت يداه أي اعلم ماذا يرجعون - أي يجيبون - وماذا يردون من القول . وقيل : فانظر ماذا يرجعون يتراجعون بينهم من الكلام .
تفسير الطبريفاختلف أهل التأويل في تأويل ذلك; فقال بعضهم: معناه: اذهب بكتابي هذا, فألقه إليهم, فانظر ماذا يَرْجِعونَ, ثم تول عنهم منصرفا إليّ, فقال: هو من المؤخَّر الذي معناه التقديم.*ذكر من قال ذلك:حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: فأجابه سليمان, يعني أجاب الهدهد لما فرغ: ( سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ) وانظر ماذا يرجعون, ثم تول عنهم منصرفا إلي. وقال: وكانت لها كوّة مستقبلة الشمس, ساعة تطلع الشمس تطلع فيها فتسجد لها, فجاء الهدهد حتى وقع فيها فسدها, واستبطأت الشمس, فقامت تنظر, فرمى بالصحيفة إليها من تحت جناحه, وطار حتى قامت تنظر الشمس.قال أبو جعفر: فهذا القول من قول ابن زيد يدلّ على أن الهدهد تولى إلى سليمان راجعا بعد إلقائه الكتاب, وأن نظره إلى المرأة ما الذي ترجع وتفعل كان قبل إلقائه كتاب سليمان إليها.وقال آخرون: بل معنى ذلك: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم, ثم تولّ عنهم, فكن قريبا منهم, وانظر ماذا يرجعون; قالوا: وفعل الهدهد, وسمع مراجعة المرأة أهل مملكتها, وقولها لهم: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وما بعد ذلك من مراجعة بعضهم بعضا.*ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه, قوله: (فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ ) أي كن قريبا(فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ )وهذا القول أشبه بتأويل الآية؛ لأن مراجعة المرأة قومها, كانت بعد أن ألقي إليها الكتاب, ولم يكن الهدهد لينصرف وقد أمر بأن ينظر إلى مراجعة القوم بينهم ما يتراجعونه قبل أن يفعل ما أمره به سليمان.
قَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ إِنِّيٓ أُلۡقِيَ إِلَيَّ كِتَٰبٞ كَرِيمٌ ٢٩التفسير الميسرذهب الهدهد وألقى الكتاب إلى الملكة فقرأته، فجمعت أشراف قومها، وسمعها تقول لهم: إني وصل إليَّ كتاب جليل المقدار من شخص عظيم الشأن.
تفسير السعديفذهب به فألقاه عليها فقالت لقومها إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ أي جليل المقدار من أكبر ملوك الأرض
تفسير ابن كثيرفجمعت عند ذلك أمراءها ووزراءها وكبراء دولتها ومملكتها ، ثم قالت لهم : ( يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم ) تعني بكرمه : ما رأته من عجيب أمره ، كون طائر أتى به فألقاه إليها ، ثم تولى عنها أدبا . وهذا أمر لا يقدر عليه أحد من الملوك ، ولا سبيل لهم إلى ذلك ، ثم قرأته عليهم .
تفسير القرطبيقوله تعالى : قالت ياأيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريمفيه خمس مسائل :قالت يا أيها الملأ في الكلام حذف ; والمعنى : فذهب فألقاه إليهم فسمعها وهي تقول : يا أيها الملأ ثم وصفت الكتاب بالكريم إما لأنه من عند عظيم في نفسها ونفوسهم فعظمته إجلالا لسليمان عليه السلام ; وهذا قول ابن زيد . وإما أنها أشارت إلى أنه مطبوع عليه بالخاتم ، فكرامة الكتاب ختمه ; وروي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل : لأنه بدأ فيه ب بسم الله الرحمن الرحيم وقد قال صلى الله عليه وسلم : كل كلام لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أجذم . وقيل : لأنه بدأ فيه بنفسه ، ولا يفعل ذلك إلا الجلة . وفي حديث ابن عمر أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان يبايعه . من عبد الله لعبد الملك بن مروان أمير المؤمنين ; إني أقر لك بالسمع والطاعة ما استطعت ، وإن بني قد أقروا لك بذلك . وقيل : توهمت أنه كتاب جاء من السماء إذ كان الموصل طيرا . وقيل : ( كريم ) : حسن ; كقوله : ومقام كريم أي مجلس حسن . وقيل : وصفته بذلك ; لما تضمن من لين القول والموعظة في الدعاء إلى عبادة الله عز وجل ، وحسن الاستعطاف والاستلطاف من غير أن يتضمن سبا ولا لعنا ، ولا ما يغير النفس ، ومن غير كلام نازل ولا مستغلق ; على عادة الرسل في الدعاء إلى الله عز وجل ; ألا ترى إلى قول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وقوله لموسى وهارون : فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى . وكلها وجوه حسان وهذا أحسنها . وقد روي أنه لم يكتب ( بسم الله الرحمن الرحيم ) أحد قبل سليمان . وفي قراءة عبد الله ( وإنه من سليمان ) بزيادة واو .الثانية : الوصف بالكريم في الكتاب غاية الوصف ; ألا ترى قوله تعالى : إنه لقرآن كريم وأهل الزمان يصفون الكتاب بالخطير وبالأثير وبالمبرور ; فإن كان لملك قالوا : العزيز . وأسقطوا الكريم غفلة ، وهو أفضلها خصلة . فأما الوصف بالعزيز فقد وصف به القرآن في قوله تعالى : وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فهذه عزته وليست لأحد إلا له ، فاجتنبوها في كتبكم ، واجعلوا بدلها العالي ; توفية لحق الولاية ، وحياطة للديانة ; قاله القاضي أبو بكر بن العربي .الثالثة : كان رسم المتقدمين إذا كتبوا أن يبدءوا بأنفسهم : من فلان إلى فلان ، وبذلك جاءت الآثار . وروىالربيع عن أنس قال : ما كان أحد أعظم حرمة من النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان أصحابه إذا كتبوا بدءوا بأنفسهم . وقال ابن سيرين قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن أهل فارس إذا كتبوا بدءوا بعظمائهم فلا يبدأ الرجل إلا بنفسه قال أبو الليث في كتاب ( البستان ) له : ولو بدأ بالمكتوب إليه لجاز ; لأن الأمة قد اجتمعت عليه وفعلوه لمصلحة رأوا في ذلك ، أو نسخ ما كان من قبل ; فالأحسن في زماننا هذا أن يبدأ بالمكتوب إليه ، ثم بنفسه ; لأن البداية بنفسه تعد منه استخفافا بالمكتوب إليه وتكبرا عليه ; إلا أن يكتب إلى عبد من عبيده ، أو غلام من غلمانه .الرابعة : وإذا ورد على إنسان كتاب بالتحية أو نحوها ينبغي أن يرد الجواب ; لأن الكتاب من الغائب كالسلام من الحاضر . وروي عن ابن عباس أنه كان يرى رد الكتاب واجبا كما يرى رد السلام . والله أعلم .الخامسة : اتفقوا على كتب ( بسم الله الرحمن الرحيم ) في أول الكتب والرسائل ، وعلى ختمها ; لأنه أبعد من الريبة ، وعلى هذا جرى الرسم ، وبه جاء الأثر عن عمر بن الخطاب أنه قال : أيما كتاب لم يكن مختوما فهو أغلف . وفي الحديث : كرم الكتاب ختمه . وقال بعض الأدباء ; هو ابن المقفع : من كتب إلى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخف به ; لأن الختم ختم . وقال أنس : لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى العجم فقيل له : إنهم لا يقبلون إلا كتابا عليه ختم ; فاصطنع خاتما ونقش على فصه لا إله إلا الله محمد رسول الله . وكأني أنظر إلى وبيصه وبياضه في كفه .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: فذهب الهدهد بكتاب سليمان إليها, فألقاه إليها فلما قرأته قالت لقومها: (يَاأَيُّهَا الْمَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ).وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه, قال: كتب -يعني سليمان بن داود- مع الهدهد: بسم الله الرحمن الرحيم من سليمان بن داود, إلى بلقيس بنت ذي سرح وقومها, أما بعد, فلا تعلو عليّ، وأتوني مسلمين, قال: فأخذ الهدهد الكتاب برجله, فانطلق به حتى أتاها, وكانت لها كوّة في بيتها إذا طلعت الشمس نظرت إليها, فسجدت لها, فأتى الهدهد الكوّة فسدّها بجناحيه حتى ارتفعت الشمس ولم تعلم, ثم ألقى الكتاب من الكوّة, فوقع عليها في مكانها الذي هي فيه, فأخذته.حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قتادة, قال: بلغني أنها امرأة يقال لها بلقيس, أحسبه قال: ابنة شراحيل, أحد أبويها من الجنّ, مؤخر أحد قدميها كحافر الدابة, وكانت في بيت مملكة, وكان أولو مشورتها ثلاث مائة واثني عشر كلّ رجل منهم على عشرة آلاف, وكانت بأرض يقال لها مأرب, من صنعاء على ثلاثة أيام; فلما جاء الهدهد بخبرها إلى سليمان بن داود, كتب الكتاب وبعث به مع الهدهد, فجاء الهدهد وقد غَلقت الأبواب, وكانت تغلِّق أبوابها وتضع مفاتيحها تحت رأسها, فجاء
إِنَّهُۥ مِن سُلَيۡمَٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٣٠التفسير الميسرثم بيَّنت ما فيه فقالت: إنه من سليمان، وإنه مفتتح بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" ألا تتكبروا ولا تتعاظموا عما دعوتكم إليه، وأقْبِلوا إليَّ منقادين لله بالوحدانية والطاعة مسلمين له.
تفسير السعديثم بينت مضمونه فقالت إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير ابن كثير( إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين ) . فعرفوا أنه من نبي الله سليمان ، وأنه لا قبل لهم به ، وهذا الكتاب في غاية البلاغة والوجازة والفصاحة ، فإنه حصل المعنى بأيسر عبارة وأحسنها ، قال العلماء : ولم يكتب أحد ( بسم الله الرحمن الرحيم ) قبل سليمان ، عليه السلام .وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثا في تفسيره ، حيث قال : حدثنا أبي ، حدثنا هارون بن الفضل أبو يعلى الحناط ، حدثنا أبو يوسف ، عن سلمة بن صالح ، [ عن عبد الكريم ] أبي أمية ، عن ابن بريدة ، عن أبيه قال : كنت أمشي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " إني أعلم آية لم تنزل على نبي قبلي بعد سليمان بن داود " قال : قلت : يا رسول الله ، أي آية ؟ قال : " سأعلمكها قبل أن أخرج من المسجد " . قال : فانتهى إلى الباب ، فأخرج إحدى قدميه ، فقلت : نسي ، ثم التفت إلي وقال ( إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ) .هذا حديث غريب ، وإسناده ضعيف .وقال ميمون بن مهران : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكتب : باسمك اللهم ، حتى نزلت هذه الآية ، فكتب : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) .
تفسير القرطبيالسادسة : قوله تعالى : إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ( وإنه ) بالكسر فيهما أي وإن الكلام ، أو إن مبتدأ الكلام بسم الله الرحمن الرحيم . وأجاز الفراء ( أنه من سليمان وأنه ) بفتحهما جميعا على أن يكونا في موضع رفع بدل من ( الكتاب ) ; بمعنى ألقي إلي أنه من سليمان . وأجاز أن يكونا في موضع نصب على حذف الخافض ; أي لأنه من سليمان ولأنه ; كأنها عللت كرمه بكونه من سليمان وتصديره بسم الله . وقرأ الأشهب العقيلي ومحمد بن السميقع : ( ألا تغلوا ) بالغين المعجمة ، وروي عن وهب بن منبه ; من غلا يغلو : إذا تجاوز وتكبر . وهي راجعة إلى معنى قراءة الجماعة .
تفسير الطبريالهدهد فدخل من كوّة, فألقى الصحيفة عليها, فقرأتها, فإذا فيها: ( إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) وكذلك كانت تكتب الأنبياء لا تطنب, إنما تكتب جملا.قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: لم يزد سليمان على ما قصّ الله في كتابه إنه وإنه.حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ فمضى الهدهد بالكتاب, حتى إذا حاذى الملكة وهي على عرشها ألقى إليها الكتاب.وقوله: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ) والملأ أشراف قومها، يقول تعالى ذكره: قالت ملكة سبأ لأشراف قومها: (يَاأَيُّهَا الْمَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ).واختلف أهل العلم في سبب وصفها الكتاب بالكريم, فقال بعضهم: وصفته بذلك لأنه كان مختوما.وقال آخرون: وصفته بذلك لأنه كان من ملك فوصفته بالكرم لكرم صاحبه. وممن قال ذلك ابن زيد.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: (إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ) قال: هو كتاب سليمان حيث كتب إليها.وقوله (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) كُسِرت إنَّ الأولى والثانية على الردّ على " إني" من قوله: (إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ). ومعنى الكلام: قالت: يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب, وإنه من سليمان.
أَلَّا تَعۡلُواْ عَلَيَّ وَأۡتُونِي مُسۡلِمِينَ ٣١التفسير الميسرثم بيَّنت ما فيه فقالت: إنه من سليمان، وإنه مفتتح بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" ألا تتكبروا ولا تتعاظموا عما دعوتكم إليه، وأقْبِلوا إليَّ منقادين لله بالوحدانية والطاعة مسلمين له.
تفسير السعديأَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أي: لا تكونوا فوقي بل اخضعوا تحت سلطاني، وانقادوا لأوامري وأقبلوا إلي مسلمين.وهذا في غاية الوجازة مع البيان التام فإنه تضمن نهيهم عن العلو عليه، والبقاء على حالهم التي هم عليها والانقياد لأمره والدخول تحت طاعته، ومجيئهم إليه ودعوتهم إلى الإسلام، وفيه استحباب ابتداء الكتب بالبسملة كاملة وتقديم الاسم في أول عنوان الكتاب.
تفسير ابن كثيروقوله : ( ألا تعلوا علي ) : يقول قتادة : لا تجيروا علي ( وأتوني مسلمين ) .وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : لا تمتنعوا ولا تتكبروا علي .( وأتوني مسلمين ) : قال ابن عباس : موحدين . وقال غيره : مخلصين . وقال سفيان بن عيينة : طائعين .
تفسير القرطبيوأتوني مسلمين " أي منقادين طائعين مؤمنين .
تفسير الطبريوقوله (أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) يقول: ألقي إليّ كتاب كريم ألا تعلوا عليّ.ففي " أنْ" وجهان من العربية: إن جعلت بدلا من الكتاب كانت رفعا بما رفع به الكتاب بدلا منه; وإن جعل معنى الكلام: إني ألقي إليّ كتاب كريم ألا تعلوا علي كانت نصبا بتعلق الكتاب بها.وعنى بقوله: (أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ ) ألا تتكبروا ولا تتعاظموا عما دعوتكم إليه.كما حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: (أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ ) ألا تمتنعوا من الذي دعوتكم إليه إن امتنعتم جاهدتكم، فقلت لابن زيد: (أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ ) ألا تتكبروا علي؟ قال: نعم; قال: وقال ابن زيد: (أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) ذلك في كتاب سليمان إليها. وقوله: (وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) يقول: وأقبلوا إليّ مذعنين لله بالوحدانية والطاعة.
قَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ أَفۡتُونِي فِيٓ أَمۡرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمۡرًا حَتَّىٰ تَشۡهَدُونِ ٣٢التفسير الميسرقالت: يا أيها الأشراف أشيروا عليَّ في هذا الأمر، ما كنت لأفصل في أمر إلا بمحضركم ومشورتكم.
تفسير السعديفمن حزمها وعقلها أن جمعت كبار دولتها ورجال مملكتها وقالت: يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي .أي: أخبروني ماذا نجيبه به؟ وهل ندخل تحت طاعته وننقاد؟ أم ماذا نفعل؟ مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ أي: ما كنت مستبدة بأمر دون رأيكم ومشورتكم.
تفسير ابن كثيرلما قرأت عليهم كتاب سليمان استشارتهم في أمرها ، وما قد نزل بها ; ولهذا قالت : ( يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون ) أي : حتى تحضرون وتشيرون .
تفسير القرطبيقوله تعالى : قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري الملأ أشراف القوم وقد مضى في سورة ( البقرة ) القول فيه . قال ابن عباس : كان معها ألف قيل . وقيل : اثنا عشر ألف قيل مع كل قيل مائة ألف . والقيل الملك دون الملك الأعظم . فأخذت في حسن الأدب مع قومها ، ومشاورتهم في أمرها ، وأعلمتهم أن ذلك مطرد عندها في كل أمر يعرض ، ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون فكيف في هذه النازلة الكبرى . فراجعها الملأ بما يقر عينها ، من إعلامهم إياها بالقوة والبأس ، ثم سلموا الأمر إلى نظرها ; وهذه محاورة حسنة من الجميع . قال قتادة : ذكر لنا أنه كان لها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا هم أهل مشورتها ، كل رجل منهم على عشرة آلاف .الثانية : في هذه الآية دليل على صحة المشاورة . وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : وشاورهم في الأمر في ( آل عمران ) إما استعانة بالآراء ، وإما مداراة للأولياء . وقد مدح الله تعالى الفضلاء بقوله : وأمرهم شورى بينهم . والمشاورة من الأمر القديم وخاصة في الحرب ; فهذه بلقيس امرأة جاهلية كانت تعبد الشمس : قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون لتختبر عزمهم على مقاومة عدوهم ، وحزمهم فيما يقيم أمرهم ، وإمضائهم على الطاعة لها ، بعلمها بأنهم إن لم يبذلوا أنفسهم وأموالهم ودماءهم دونها لم يكن لها طاقة بمقاومة عدوها ، وإن لم يجتمع أمرهم وحزمهم وجدهم كان ذلك عونا لعدوهم عليهم ، وإن لم تختبر ما عندهم ، وتعلم قدر عزمهم لم تكن على بصيرة من أمرهم ، وربما كان في استبدادها برأيها وهن في طاعتها ، ودخيلة في تقدير أمرهم ، وكان في مشاورتهم وأخذ رأيهم عون على ما تريده من قوة شوكتهم ، وشدة مدافعتهم ; ألا ترى إلى قولهم في جوابهم : نحن أولو قوة وأولو بأس شديد قال ابن عباس : كان من قوة أحدهم أنه يركض فرسه حتى إذا احتد ضم فخذيه فحبسه بقوته .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: قالت ملكة سبأ لأشراف قومها: ( يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ) تقول: أشيروا عليّ في أمري الذي قد حضرني من أمر صاحب هذا الكتاب الذي ألقي إليّ, فجعلت المشورة فتيا.وقوله: (مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ ) تقول: ما كنت قاضية أمرا في ذلك حتى تشهدون, فأشاوركم فيه.كما حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: دعت قومها تشاورهم (يَاأَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ ) يقول في الكلام: ما كنت لأقطع أمرا دونك ولا كنت لأقضي أمرا, فلذلك قالت: (مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا ) بمعنى: قاضية.
قَالُواْ نَحۡنُ أُوْلُواْ قُوَّةٖ وَأُوْلُواْ بَأۡسٖ شَدِيدٖ وَٱلۡأَمۡرُ إِلَيۡكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأۡمُرِينَ ٣٣التفسير الميسرقالوا مجيبين لها: نحن أصحاب قوة في العدد والعُدَّة وأصحاب النجدة والشجاعة في شدة الحرب، والأمر موكول إليكِ، وأنتِ صاحبة الرأي، فتأملي ماذا تأمريننا به؟ فنحن سامعون لأمرك مطيعون لك.
تفسير السعديقَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ أي: إن رددت عليه قوله ولم تدخلي في طاعته فإنا أقوياء على القتال، فكأنهم مالوا إلى هذا الرأي الذي لو تم لكان فيه دمارهم، ولكنهم أيضا لم يستقروا عليه بل قالوا: وَالأَمْرُ إِلَيْكِ أي: الرأي ما رأيت لعلمهم بعقلها وحزمها ونصحها لهم فَانْظُرِي نظر فكر وتدبر مَاذَا تَأْمُرِينَ .
تفسير ابن كثير( قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد ) أي : منوا إليها بعددهم وعددهم وقوتهم ، ثم فوضوا إليها بعد ذلك الأمر فقالوا : ( والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين ) أي : نحن ليس لنا عاقة [ ولا بنا بأس ، إن شئت أن تقصديه وتحاربيه ، فما لنا عاقة ] عنه . وبعد هذا فالأمر إليك ، مري فينا برأيك نمتثله ونطيعه .قال الحسن البصري ، رحمه الله : فوضوا أمرهم إلى علجة تضطرب ثدياها ، فلما قالوا لها ما قالوا ، كانت هي أحزم رأيا منهم ، وأعلم بأمر سليمان ، وأنه لا قبل لها بجنوده وجيوشه ، وما سخر له من الجن والإنس والطير ، وقد شاهدت من قضية الكتاب مع الهدهد أمرا عجيبا بديعا ، فقالت لهم : إني أخشى أن نحاربه ونمتنع عليه ، فيقصدنا بجنوده ، ويهلكنا بمن معه ، ويخلص إلي وإليكم الهلاك والدمار دون غيرنا ; ولهذا قالت :
تفسير القرطبيقَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍوأولو بأس شديد " قال ابن عباس : كان من قوة أحدهم أنه يركض فرسه حتى إذا احتد ضم فخذيه فحبسه بقوته .وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَفانظري ماذا تأمرين " سلموا الأمر إلى نظرها مع ما أظهروا لها من القوة والبأس والشدة ; فلما فعلوا ذلك أخبرت عند ذلك بفعل الملوك بالقرى التي يتغلبون عليها .وفي هذا الكلام خوف على قومها , وحيطة واستعظام لأمر سليمان عليه السلام ." وكذلك يفعلون " قيل : هو من قول بلقيس تأكيدا للمعنى الذي أرادته .وقال ابن عباس : هو من قول الله عز وجل معرفا لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته بذلك ومخبرا به .وقال وهب : لما قرأت عليهم الكتاب لم تعرف اسم الله , فقالت : ما هذا ؟ ! فقال بعض القوم : ما نظن هذا إلا عفريتا عظيما من الجن يقتدر به هذا الملك على ما يريده ; فسكتوه .وقال الآخر : أراهم ثلاثة من العفاريت ; فسكتوه ; فقال شاب قد علم : يا سيدة الملوك ! إن سليمان ملك قد أعطاه ملك السماء ملكا عظيما فهو لا يتكلم بكلمة إلا بدأ فيها بتسمية إلهه , والله اسم مليك السماء , والرحمن الرحيم نعوته ; فعندها قالت : " أفتوني في أمري " فقالوا : " نحن أولو قوة " في القتال " وأولو بأس شديد " قوة في الحرب واللقاء " والأمر إليك " ردوا أمرهم إليها لما جربوا على رأيها من البركة " فانظري ماذا تأمرين "
تفسير الطبريوقوله: (قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ) يقول تعالى ذكره: قال الملأ من قوم ملكة سبأ, إذ شاورتهم في أمرها وأمر سليمان: نحن ذوو القوّة على القتال, والبأس الشديد في الحرب, والأمر أيتها الملكة إليك في القتال وفي تركه, فانظري من الرأي ما ترين, فَمُرينا نأتمر لأمرك.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: (قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ) عرضوا لها القتال, يقاتلون لها, والأمر إليك بعد هذا,(فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ).حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن مجاهد, قال: كان مع ملكة سبأ اثنا عشر ألف قيول (2) مع كل قيول مئة ألف.حدثنا عمرو بن عليّ, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا سفيان, عن عطاء بن السائب, عن مجاهد, عن ابن عباس قال: كان مع بلقيس مائة ألف قيل, مع كل قيل مائة ألف.قال: ثنا وكيع, قال: ثنا الأعمش, قال: سمعت مجاهدا يقول: كانت تحت يد ملكة سبأ اثنا عشر ألف قيول، والقيول بلسانهم: الملك تحت يد كلّ ملك مائة ألف مقاتل.------------------------الهوامش:(2) القَيْل بفتح فسكون: الملك الصغير في اليمن، وجمعه: أقيال وقيول. وأما القيول، ولعله بفتح القاف، للملك الواحد، فلم أجده بالمعاجم، ولعله لفظ عام عند اليمن.
قَالَتۡ إِنَّ ٱلۡمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرۡيَةً أَفۡسَدُوهَا وَجَعَلُوٓاْ أَعِزَّةَ أَهۡلِهَآ أَذِلَّةٗۚ وَكَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ ٣٤التفسير الميسرقالت محذرةً لهم من مواجهة سليمان بالعداوة، ومبيِّنة لهم سوء مغبَّة القتال: إن الملوك إذا دخلوا بجيوشهم قريةً عنوةً وقهرًا خرَّبوها وصيَّروا أعزَّة أهلها أذلة، وقتلوا وأسروا، وهذه عادتهم المستمرة الثابتة لحمل الناس على أن يهابوهم. وإني مرسلة إلى سليمان وقومه بهديَّة مشتملة على نفائس الأموال أصانعه بها، ومنتظرة ما يرجع به الرسل.
تفسير السعديفقالت لهم -مقنعة لهم عن رأيهم ومبينة سوء مغبة القتال- إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا قتلا وأسرا ونهبا لأموالها، وتخريبا لديارها، وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً أي: جعلوا الرؤساء السادة أشراف الناس من الأذلين، أي: فهذا رأي غير سديد، وأيضا فلست بمطيعة له قبل الاختبار وإرسال من يكشف عن أحواله ويتدبرها، وحينئذ نكون على بصيرة من أمرنا.
تفسير ابن كثير( إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ) .قال ابن عباس : أي إذا دخلوا بلدا عنوة أفسدوه ، أي : خربوه ، ( وجعلوا أعزة أهلها أذلة ) أي : وقصدوا من فيها من الولاة والجنود ، فأهانوهم غاية الهوان ، إما بالقتل أو بالأسر .قال ابن عباس : قالت بلقيس : ( إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة ) ، قال الرب ، عز وجل ( وكذلك يفعلون )
تفسير القرطبيقوله تعالى : والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين سلموا الأمر إلى نظرها مع ما أظهروا لها من القوة والبأس والشدة ; فلما فعلوا ذلك أخبرت عند ذلك بفعل الملوك بالقرى التي يتغلبون عليها . وفي هذا الكلام خوف على قومها ، وحيطة واستعظام لأمر سليمان عليه السلام . وكذلك يفعلون قيل : هو من قول بلقيس تأكيدا للمعنى الذي أرادته . وقال ابن عباس : هو من قول الله عز وجل معرفا لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته بذلك ومخبرا به . وقال وهب : لما قرأت عليهم الكتاب لم تعرف اسم الله ، فقالت : ما هذا ؟ ! فقال بعض القوم : ما نظن هذا إلا عفريتا عظيما من الجن يقتدر به هذا الملك على ما يريده ; فسكتوه . وقال الآخر : أراهم ثلاثة من العفاريت ; فسكتوه ; فقال شاب قد علم : يا سيدة الملوك ! إن سليمان ملك قد أعطاه ملك السماء ملكا عظيما فهو لا يتكلم بكلمة إلا بدأ فيها بتسمية إلهه ، و ( الله ) اسم مليك السماء ، و ( الرحمن الرحيم ) نعوته ; فعندها قالت : أفتوني في أمري فقالوا : نحن أولو قوة في القتال وأولو بأس شديد قوة في الحرب واللقاء والأمر إليك ردوا أمرهم إليها لما جربوا على رأيها من البركة فانظري ماذا تأمرين ف قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة أهانوا شرفاءها لتستقيم لهم الأمور ، فصدق الله قولها . وكذلك يفعلون قال ابن الأنباري : وجعلوا أعزة أهلها أذلة هذا وقف تام ; فقال الله عز وجل تحقيقا لقولها : وكذلك يفعلون وشبيه به في سورة ( الأعراف ) قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم تم الكلام ، فقال فرعون : فماذا تأمرون . وقال ابن شجرة . هو قول بلقيس ، فالوقف وكذلك يفعلون أي وكذلك يفعل سليمان إذا دخل بلادنا .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: قالت صاحبة سبأ للملأ من قومها, إذ عرضوا عليها أنفسهم لقتال سليمان, إن أمرتهم بذلك: (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً ) عنوة وغلبة ( أفْسَدُوها ) يقول: خرّبوها(وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ) وذلك باستعبادهم الأحرار, واسترقاقهم إياهم; وتناهى الخبر منها عن الملوك في هذا الموضع فقال الله: (وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) يقول تعالى ذكره: وكما قالت صاحبة سبأ تفعل الملوك, إذا دخلوا قرية عنوة.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا أبو بكر, في قوله: (وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ) قال أبو بكر: هذا عنوة.حدثنا أبو هشام الرفاعي, قال: ثنا أبو بكر, قال: ثنا الأعمش, عن مسلم, عن ابن عباس, في قوله: (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا ) قال: إذا دخلوها عنوة خرّبوها.حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال ابن عباس: (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ) قال ابن عباس: يقول الله: (وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ).
وَإِنِّي مُرۡسِلَةٌ إِلَيۡهِم بِهَدِيَّةٖ فَنَاظِرَةُۢ بِمَ يَرۡجِعُ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٣٥التفسير الميسرقالت محذرةً لهم من مواجهة سليمان بالعداوة، ومبيِّنة لهم سوء مغبَّة القتال: إن الملوك إذا دخلوا بجيوشهم قريةً عنوةً وقهرًا خرَّبوها وصيَّروا أعزَّة أهلها أذلة، وقتلوا وأسروا، وهذه عادتهم المستمرة الثابتة لحمل الناس على أن يهابوهم. وإني مرسلة إلى سليمان وقومه بهديَّة مشتملة على نفائس الأموال أصانعه بها، ومنتظرة ما يرجع به الرسل.
تفسير السعديفقالت: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ منه. هل يستمر على رأيه وقوله؟ أم تخدعه الهدية وتتبدل فكرته وكيف أحواله وجنوده؟ فأرسلت له هدية مع رسل من عقلاء قومها وذوي الرأي: منهم
تفسير ابن كثيرثم عدلت إلى المهادنة والمصالحة والمسالمة والمخادعة والمصانعة ، فقالت : ( وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون ) أي : سأبعث إليه بهدية تليق به وأنظر ماذا يكون جوابه بعد ذلك ، فلعله يقبل ذلك ويكف عنا ، أو يضرب علينا خراجا نحمله إليه في كل عام ، ونلتزم له بذلك ويترك قتالنا ومحاربتنا . قال قتادة : رحمها الله ورضي عنها ، ما كان أعقلها في إسلامها وفي شركها!! علمت أن الهدية تقع موقعا من الناس .وقال ابن عباس وغير واحد : قالت لقومها : إن قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه ، وإن لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون .فيه ست مسائل :الأولى : قوله تعالى : وإني مرسلة إليهم بهدية هذا من حسن نظرها وتدبيرها ; أي إني أجرب هذا الرجل بهدية ، وأعطيه فيها نفائس من الأموال ، وأغرب عليه بأمور المملكة : فإن كان ملكا دنياويا أرضاه المال وعملنا معه بحسب ذلك ، وإن كان نبيا لم يرضه المال ولازمنا في أمر الدين ، فينبغي لنا أن نؤمن به ونتبعه على دينه ، فبعثت إليه بهدية عظيمة أكثر الناس في تفصيلها ، فقال سعيد بن جبير عن ابن عباس : أرسلت إليه بلبنة من ذهب ، فرأت الرسل الحيطان من ذهب فصغر عندهم ما جاءوا به . وقال مجاهد : أرسلت إليه بمائتي غلام ومائتي جارية . وروي عن ابن عباس : باثنتي عشرة وصيفة مذكرين قد ألبستهم زي الغلمان ، واثني عشر غلاما مؤنثين قد ألبستهم زي النساء ، وعلى يد الوصائف أطباق مسك وعنبر ، وباثنتي عشرة نجيبة تحمل لبن الذهب ، وبخرزتين إحداهما غير مثقوبة ، والأخرى مثقوبة ثقبا معوجا ، وبقدح لا شيء فيه ، وبعصا كان يتوارثها ملوك حمير ، وأنفذت الهدية مع جماعة من قومها . وقيل : كان الرسول واحدا ولكن كان في صحبته أتباع وخدم . وقيل : أرسلت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو ، وضمت إليه رجالا ذوي رأي وعقل ، والهدية مائة وصيف ومائة وصيفة ، وقد خولف بينهم في اللباس ، وقالت للغلمان : إذا كلمكم سليمان فكلموه بكلام فيه تأنيث يشبه كلام النساء ، وقالت للجواري : كلمنه بكلام فيه غلظ يشبه كلام الرجال ; فيقال : إن الهدهد جاء وأخبر سليمان بذلك كله .وقيل : إن الله أخبر سليمان بذلك ، فأمر سليمان عليه السلام أن يبسط من موضعه إلى تسع فراسخ بلبنات الذهب والفضة ، ثم قال : أي الدواب رأيتم أحسن في البر والبحر ؟ قالوا : يا نبي الله رأينا في بحر كذا دواب منقطة مختلفة ألوانها ، لها أجنحة وأعراف ونواصي ; فأمر بها فجاءت فشدت على يمين الميدان وعلى يساره ، وعلى لبنات الذهب والفضة ، وألقوا لها علوفاتها ; ثم قال : للجن علي بأولادكم ; فأقامهم - أحسن ما يكون من الشباب - عن يمين الميدان ويساره . ثم قعد سليمان عليه السلام على كرسيه في مجلسه ، ووضع له أربعة آلاف كرسي من ذهب عن يمينه ومثلها عن يساره ، وأجلس عليها الأنبياء والعلماء ، وأمر الشياطين والجن والإنس أن يصطفوا صفوفا فراسخ ، وأمر السباع والوحوش والهوام والطير فاصطفوا فراسخ عن يمينه وشماله ، فلما دنا القوم من الميدان ونظروا إلى ملك سليمان ، ورأوا الدواب التي لم تر أعينهم أحسن منها تروث على لبنات الذهب والفضة ، تقاصرت إليهم أنفسهم ، ورموا ما معهم من الهدايا . وفي بعض الروايات : إن سليمان لما أمرهم بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر موضع بساط من الأرض غير مفروش ، فلما مروا به خافوا أن يتهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان ، فلما رأوا الشياطين رأوا منظرا هائلا فظيعا ففزعوا وخافوا ، فقالت لهم الشياطين : جوزوا لا بأس عليكم ; فكانوا يمرون على كردوس كردوس من الجن والإنس والبهائم والطير والسباع والوحوش حتى وقفوا بين يدي سليمان ، فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق ، وكانت قالت لرسولها : إن نظر إليك نظر مغضب فاعلم أنه ملك فلا يهولنك منظره فأنا أعز منه ، وإن رأيت الرجل بشا لطيفا فاعلم أنه نبي مرسل فتفهم قوله ورد الجواب ، فأخبر الهدهد سليمان بذلك على ما تقدم . وكانت عمدت إلى حقة من ذهب فجعلت فيها درة يتيمة غير مثقوبة ، وخرزة معوجة الثقب ، وكتبت كتابا مع رسولها تقول فيه : إن كنت نبيا فميز بين الوصفاء والوصائف ، وأخبر بما في الحقة ، وعرفني رأس العصا من أسفلها ، واثقب الدرة ثقبا مستويا ، وأدخل خيط الخرزة ، واملأ القدح ماء من ندى ليس من الأرض ولا من السماء ; فلما وصل الرسول ووقف بين يدي سليمان أعطاه كتاب الملكة فنظر فيه ، وقال : أين الحقة ؟ فأتى بها فحركها ; فأخبره جبريل بما فيها ، ثم أخبرهم سليمان . فقال له الرسول : صدقت ; فاثقب الدرة ، وأدخل الخيط في الخرزة ; فسأل سليمان الجن والإنس عن ثقبها فعجزوا ; فقال للشياطين : ما الرأي فيها ؟ فقالوا : ترسل إلى الأرضة ، فجاءت الأرضة فأخذت شعرة في فيها حتى خرجت من الجانب الآخر ; فقال لها سليمان : ما حاجتك ؟ قالت : تصير رزقي في الشجرة ; فقال لها : لك ذلك . ثم قال سليمان : من لهذه الخرزة يسلكها الخيط ؟ فقالت دودة بيضاء : أنا لها يا نبي الله ; فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر ; فقال لها سليمان : ما حاجتك ؟ قالت تجعل رزقي في الفواكه ; قال : ذلك لك . ثم ميز بين الغلمان والجواري . قال السدي : أمرهم بالوضوء ، فجعل الرجل يحدر الماء على اليد والرجل حدرا ، وجعل الجواري يصببن من اليد اليسرى على اليد اليمنى ، ومن اليمنى على اليسرى ، فميز بينهم بهذا . وقيل : كانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ، ثم تحمله على الأخرى ، ثم تضرب به على الوجه ; والغلام كان يأخذ الماء من الآنية يضرب به في الوجه ، والجارية تصب على بطن ساعدها ، والغلام على ظهر الساعد ، والجارية تصب الماء صبا ، والغلام يحدر على يديه ; فميز بينهم بهذا . وروى يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير قال : أرسلت بلقيس بمائتي وصيفة ووصيف ، وقالت : إن كان نبيا فسيعلم الذكور من الإناث ، فأمرهم فتوضئوا ; فمن توضأ منهم فبدأ بمرفقه قبل كفه قال هو من الإناث ، ومن بدأ بكفه قبل مرفقه قال هو من الذكور ; ثم أرسل العصا إلى الهواء فقال : أي الرأسين سبق إلى الأرض فهو أصلها ، وأمر بالخيل فأجريت حتى عرقت وملأ القدح من عرقها ، ثم رد سليمان الهدية ; فروي أنه لما صرف الهدية إليها وأخبرها رسولها بما شاهد ; قالت لقومها : هذا أمر من السماء .الثانية : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها ولا يقبل الصدقة ، وكذلك كان سليمان عليه السلام وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين . وإنما جعلت بلقيس قبول الهدية أو ردها علامة على ما في نفسها ; على ما ذكرناه من كون سليمان ملكا أو نبيا ; لأنه قال لها في كتابه : ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين وهذا لا تقبل فيه فدية ، ولا يؤخذ عنه هدية ، وليس هذا من الباب الذي تقرر في الشريعة عن قبول الهدية بسبيل ، وإنما هي رشوة وبيع الحق بالباطل ، وهي الرشوة التي لا تحل . وأما الهدية المطلقة للتحبب والتواصل فإنها جائزة من كل أحد وعلى كل حال ، وهذا ما لم يكن من مشرك .الثالثة : فإن كانت من مشرك ففي الحديث نهيت عن زبد المشركين يعني رفدهم وعطاياهم . وروي عنه عليه السلام أنه قبلها كما في حديث مالك عن ثور بن زيد الدبلي وغيره ، فقال جماعة من العلماء بالنسخ فيهما ، وقال آخرون : ليس فيها ناسخ ولا منسوخ ، والمعنى فيها : أنه كان لا يقبل هدية من يطمع بالظهور عليه وأخذ بلده ودخوله في الإسلام ، وبهذه الصفة كانت حالة سليمان عليه السلام ، فعن مثل هذا نهى أن تقبل هديته حملا على الكف عنه ; وهذا أحسن تأويل للعلماء في هذا ; فإنه جمع بين الأحاديث . وقيل غير هذا .الرابعة : الهدية مندوب إليها ، وهي مما تورث المودة وتذهب العداوة ; روى مالك عن عطاء بن عبد الله الخراساني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تصافحوا يذهب الغل وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء . وروى معاوية بن الحكم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : تهادوا فإنه يضعف الود ويذهب بغوائل الصدر . وقال الدارقطني : تفرد به ابن بجير عن أبيه عن مالك ، ولم يكن بالرضي ، ولا يصح عن مالك ولا عن الزهري . وعن ابن شهاب قال : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : تهادوا بينكم فإن الهدية تذهب السخيمة قال ابن وهب : سألت يونس عن السخيمة ما هي فقال : الغل . وهذا الحديث وصله الوقاصي عثمان عن الزهري وهو ضعيف . وعلى الجملة : فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ، وفيه الأسوة الحسنة . ومن فضل الهدية مع اتباع السنة أنها تزيل حزازات النفوس ، وتكسب المهدي والمهدى إليه رنة في اللقاء والجلوس . ولقد أحسن من قال :هدايا الناس بعضهم لبعض تولد في قلوبهم الوصالا وتزرع في الضمير هوى ووداوتكسبهم إذا حضروا جمالاآخر :إن الهدايا لها حظ إذا وردت أحظى من الابن عند الوالد الحدبالخامسة : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : جلساؤكم شركاؤكم في الهدية واختلف في معناه ; فقيل : هو محمول على ظاهره . وقيل : يشاركهم على وجه الكرم والمروءة ، فإن لم يفعل فلا يجبر عليه . وقال أبو يوسف : ذلك في الفواكه ونحوها . وقال بعضهم : هم شركاؤه في السرور لا في الهدية . والخبر محمول في أمثال أصحاب الصفة والخوانق والرباطات ; أما إذا كان فقيها من الفقهاء اختص بها فلا شركة فيها لأصحابه ، فإن أشركهم فذلك كرم وجود منه .السادسة : قوله تعالى : فناظرة أي منتظرة بم يرجع المرسلون قال قتادة : يرحمها الله إن كانت لعاقلة في إسلامها وشركها ; قد علمت أن الهدية تقع موقعا من الناس . وسقطت الألف في ( بم ) للفرق بين ( ما ) الخبرية . وقد يجوز إثباتها ; قال [ حسان بن المنذر ] :على ما قام يشتمني لئيم كخنزير تمرغ في رماد
تفسير الطبريذكر أنها قالت: إني مرسلة إلى سليمان, لتختبره بذلك وتعرفه به, أملك هو, أم نبيّ؟ وقالت: إن يكن نبيا لم يقبل الهدية, ولم يرضه منا, إلا أن نتبعه على دينه, وإن يكن ملكا قبل الهدية وانصرف.*ذكر الرواية عمن قال ذلك:حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قالت: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) قال: وبعثت إليه بوصائف ووصفَاء, وألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ذكر من أنثى, فقالت: إن زيل بينهم حتى يعرف الذكر من الأنثى, ثم ردّ الهدية فإنه نبيّ, وينبغي لنا أن نترك ملكنا, ونتبع دينه, ونلحق به.حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ) قال: بجوار لباسهم لباس الغلمان, وغلمان لباسهم لباس الجواري.حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قولها: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ) قال: مائتي غلام ومائتي جارية. قال ابن جُرَيج: قال مجاهد: قوله: ( بِهَديَّةٍ ) قال: جوار ألبستهن لباس الغلمان, وغلمان ألبستهم لباس الجواري.قال ابن جُرَيج: قال: قالت: فإن خلص الجواري من الغلمان, وردّ الهدية فإنه نبيّ, وينبغي لنا أن نتبعه.قال ابن جُرَيج, قال مجاهد: فخلص سليمان بعضهم من بعض, ولم يقبل هديتها.قال: ثنا الحسين, قال: ثنا سفيان, عن معمر, عن ثابت البُنَانيّ, قال: أهدت له صفائح الذهب في أوعية الديباج، فلما بلغ ذلك سليمان أمر الجنّ فموّهوا له الآجرّ بالذهب, ثم أمر به فألقي في الطرق، فلما جاءوا فرأوه ملقى ما يُلتفت إليه, صغر في أعينهم ما جاءوا به.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا ... الآية, وقالت: إن هذا الرجل إن كان إنما همته الدنيا فسنرضيه, وإن كان إنما يريد الدين فلن يقبلَ غيره (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ).حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه, قال: كانت بلقيس امرأة لبيبة أديبة في بيت ملك, لم تملك إلا لبقايا من مضى من أهلها, إنه قد سيست وساست حتى أحكمها ذلك, وكان دينها ودين قومها فيما ذكر الزنديقية; فلما قرأت الكتاب سمعت كتابا ليس من كتب الملوك التي كانت قبلها, فبعثت إلى المقَاولة من أهل اليمن, فقالت لهم: يَا أَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ إلى قوله (بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) ثم قالت: إنه قد جاءني كتاب لم يأتني مثله من ملك من الملوك قبله, فإن يكن الرجل نبيا مرسلا فلا طاقة لنا به ولا قوّة, وإن يكن الرجل ملكا يكاثر, فليس بأعز منا, ولا أعدّ. فهيَّأت هدايا مما يُهدَى للملوك, مما يُفتنون به, فقالت: إن يكن ملكا فسيقبل الهدية ويرغب في المال, وإن يكن نبيا &; 19-457 &; فليس له في الدنيا حاجة, وليس إياها يريد, إنما يريد أن ندخل معه في دينه ونتبعه على أمره, أو كما قالت.حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ) بعثت بوصائف ووصفاء, لباسهم لباس واحد, فقالت: إن زيَّل بينهم حتى يعرف الذكر من الأنثى, ثم رد الهدية فهو نبي, وينبغي لنا أن نتبعه, وندخل في دينه; فزيل سليمان بين الغلمان والجواري, وردّ الهدية, فقال (أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ ).حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: كان في الهدايا التي بعثت بها وصائف ووصفاء يختلفون في ثيابهم, ليميز الغلمان من الجواري, قال: فدعا بماء, فجعل الجواري يتوضأن من المرفق إلى أسفل, وجعل الغلمان يتوضئون من المرفق إلى فوق. قال: وكان أبي يحدثنا هذا الحديث.حدثنا عبد الأعلى, قال: ثنا مروان بن معاوية, قال: ثنا إسماعيل, عن أبي صالح: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ) قال: أرسلت بلبنة من ذهب, وقالت: إن كان يريد الدنيا علمته, وإن كان يريد الآخرة علمته.وقوله: (فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) تقول: فأنظر بأيّ شيء من خبره وفعله في هديتي التي أرسلها إليه ترجع رسلي, أبقبول وانصراف عنا, أم بردّ الهدية والثبات على مطالبتنا باتباعه على دينه؟ وأسقطت الألف من " ما " في قوله ( بِمَ ) وأصله: بما, لأن العرب إذا كانت " ما " بمعنى: أي, ثم وصلوها بحرف خافض أسقطوا ألفها تفريقا بين الاستفهام وغيره, كما قال جلّ ثناؤه عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ و قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ , وربما أثبتوا فيها الألف, كما قال الشاعر:عَلامَا قامَ يَشْتُمِني لَئِيمٌكَخِنزيرٍ تَمَرَّغَ فِي تُرَاب (3)وقالت: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ ) وإنما أرسلت إلى سليمان وحده على النحو الذي بينا في قوله: عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ ،------------------------الهوامش:(3) البيت لحسان بن ثابت وهو من شواهد كتاب المغني لابن هشام: "ما" وفي قافيته روايتان أخريان: (في دمان، في رماد). قال ابن هشام: ويجب حذف ألف "ما" الاستفهامية إذا جرت، وإبقاء الفتحة دليلا عليها، نحو: فيم، وإلام، وعلام، وبم، وعلة حذف الألف: الفرق بين الاستفهام والخبر، فلهذا حذفت في نحو (فيم أنت من ذكراها)، (فناظرة بم يرجع المرسلون)، (لم تقولون ما لا تفعلون) وأما قراءة عكرمة وعيسى: (عما يتساءلون) فنادر، وأما قول حسان "على ما قام" البيت، فضرورة، والدمان كالرماد: وزنًا ومعنًى. ويروى: في رماد، فلذلك رجحته على تفسير ابن الشجري له بالسرجين ومثله قول الآخر:إنا قتلنا بقتلانا سراتكمأهل اللواء ففيما يكثر القيلوهذا يتضمن معنى قول المؤلف في هذا الشاهد.