أَمَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَمَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٦٤التفسير الميسرواسألهم من الذي ينشئ الخلق ثم يفنيه إذا شاء، ثم يعيده، ومَن الذي يرزقكم من السماء بإنزال المطر، ومن الأرض بإنبات الزرع وغيره؟ أمعبود سوى الله يفعل ذلك؟ قل: هاتوا حجتكم إن كنتم صادقين في زعمكم أن لله تعالى شريكًا في ملكه وعبادته.
تفسير السعديأي: من هو الذي يبدأ الخلق وينشئ المخلوقات ويبتدئ خلقها، ثم يعيد الخلق يوم البعث والنشور؟ ومن يرزقكم من السماء والأرض بالمطر والنبات؟. أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ يفعل ذلك ويقدر عليه؟ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ أي: حجتكم ودليلكم على ما قلتم إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وإلا فبتقدير أنكم تقولون: إن الأصنام لها مشاركة له في شيء من ذلك فذلك مجرد دعوى صدقوها بالبرهان، وإلا فاعرفوا أنكم مبطلون لا حجة لكم، فارجعوا إلى الأدلة اليقينية والبراهين القطعية الدالة على أن الله هو المتفرد بجميع التصرفات وأنه المستحق أن تصرف له جميع أنواع العبادات.
تفسير ابن كثيرأي : هو الذي بقدرته وسلطانه يبدأ الخلق ثم يعيده ، كما قال تعالى في الآية الأخرى : ( إن بطش ربك لشديد إنه هو يبدئ ويعيد ) [ البروج : 12 ، 13 ] ، وقال ( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ) [ الروم : 27 ] .( ومن يرزقكم من السماء والأرض ) أي : بما ينزل من مطر السماء ، وينبت من بركات الأرض ، كما قال : ( والسماء ذات الرجع . والأرض ذات الصدع ) [ الطارق : 11 ، 12 ] ، وقال ( يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ) [ الحديد : 4 ] ، فهو ، تبارك وتعالى ، ينزل من السماء ماء مباركا فيسكنه في الأرض ، ثم يخرج به [ منها ] أنواع الزروع والثمار والأزاهير ، وغير ذلك من ألوان شتى ، ( كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى ) [ طه : 54 ] ; ولهذا قال : ( أإله مع الله ) أي : فعل هذا . وعلى القول الآخر : يعبد ؟ ( قل هاتوا برهانكم ) على صحة ما تدعونه من عبادة آلهة أخرى ، ( إن كنتم صادقين ) في ذلك ، وقد علم أنه لا حجة لهم ولا برهان ، كما قال [ الله ] : ( ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون ) [ المؤمنون : 117 ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى : أم من يبدأ الخلق ثم يعيده كانوا يقرون أنه الخالق الرازق فألزمهم الإعادة ; أي إذا قدر على الابتداء فمن ضرورته القدرة على الإعادة ، وهو أهون عليه . أإله مع الله يخلق ويرزق ويبدئ ويعيد قل هاتوا برهانكم أي حجتكم أن لي شريكا ، أو حجتكم في أنه صنع أحد شيئا من هذه الأشياء غير الله إن كنتم صادقين .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: أم ما تشركون أيها القوم خير, أم الذي يبدأ الخلق ثم يعيده, فينشئه من غير أصل, ويبتدعه ثم يفنيه إذا شاء, ثم يعيده إذا أراد كهيئته قبل أن يفنيه, والذي يرزقكم من السماء والأرض فينزل من هذه الغيث, وينبت من هذه النبات لأقواتكم, وأقوات أنعامكم (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ) سوى الله يفعل ذلك؟ وإن زعموا أن إلها غير الله يفعل ذلك أو شيئا منه ف ( قُلْ ) لهم يا محمد ( هاتوا برهانكم ) أي حجتكم على أن شيئا سوى الله يفعل ذلك (إن كنتم صادقين ) في دعواكم. و من التي في " أمَّن " و " ما " مبتدأ في قوله: أما يشركون, والآيات بعدها إلى قوله: (وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ ) بمعنى " الذي ", لا بمعنى الاستفهام, وذلك أن الاستفهام لا يدخل على الاستفهام.
قُل لَّا يَعۡلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَيۡبَ إِلَّا ٱللَّهُۚ وَمَا يَشۡعُرُونَ أَيَّانَ يُبۡعَثُونَ ٦٥التفسير الميسرقل -أيها الرسول- لهم: لا يعلم أحد في السموات ولا في الأرض ما استأثر الله بعلمه من المغيَّبات، ولا يدرون متى هم مبعوثون مِن قبورهم عند قيام الساعة؟ بل تكامل علمهم في الآخرة، فأيقنوا بالدار الآخرة، وما فيها مِن أهوال حين عاينوها، وقد كانوا في الدنيا في شك منها، بل عميت عنها بصائرهم.
تفسير السعدييخبر تعالى أنه المنفرد بعلم غيب السماوات والأرض كقوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ وكقوله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ إلى آخر السورة.فهذه الغيوب ونحوها اختص الله بعلمها فلم يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وإذا كان هو المنفرد بعلم ذلك المحيط علمه بالسرائر والبواطن والخفايا فهو الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ثم أخبر تعالى عن ضعف علم المكذبين بالآخرة منتقلا من شيء إلى ما هو أبلغ منه فقال: وَمَا يَشْعُرُونَ أي: وما يدرون أَيَّانَ يُبْعَثُونَ أي: متى البعث والنشور والقيام من القبور أي: فلذلك لم يستعدوا.
تفسير ابن كثيرقول تعالى آمرا رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول معلما لجميع الخلق : أنه لا يعلم أحد من أهل السموات والأرض الغيب . وقوله : ( إلا الله ) استثناء منقطع ، أي : لا يعلم أحد ذلك إلا الله عز وجل ، فإنه المنفرد بذلك وحده ، لا شريك له ، كما قال : ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) الآية [ الأنعام : 59 ] ، وقال : ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ) [ لقمان : 34 ] ، والآيات في هذا كثيرة .وقوله : ( وما يشعرون أيان يبعثون ) أي : وما يشعر الخلائق الساكنون في السموات والأرض بوقت الساعة ، كما قال : ( ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة ) [ الأعراف : 187 ] ، أي : ثقل علمها على أهل السموات والأرض .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا علي بن الجعد ، حدثنا أبو جعفر الرازي ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : من زعم أنه يعلم - يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية ; لأن الله تعالى يقول : ( لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ) .وقال قتادة : إنما جعل الله هذه النجوم لثلاث خصلات : جعلها زينة للسماء ، وجعلها يهتدى بها ، وجعلها رجوما [ للشياطين ] ، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قال برأيه ، وأخطأ حظه ، وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به . وإن ناسا جهلة بأمر الله ، قد أحدثوا من هذه النجوم كهانة : من أعرس بنجم كذا وكذا ، كان كذا وكذا . ومن سافر بنجم كذا وكذا ، كان كذا وكذا . ومن ولد بنجم كذا وكذا ، كان كذا وكذا . ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود ، والقصير والطويل ، والحسن والدميم ، وما علم هذا النجم وهذه الدابة وهذا الطير بشيء من الغيب! وقضى الله : أنه لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ، وما يشعرون أيان يبعثون .رواه ابن أبي حاتم عنه بحروفه ، وهو كلام جليل متين صحيح .
تفسير القرطبيقوله تعالى : قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون .قوله تعالى : قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وعن بعضهم : أخفى غيبه على الخلق ، ولم يطلع عليه أحد لئلا يأمن أحد من عبيده مكره . وقيل : نزلت في المشركين حين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن قيام الساعة . و ( من ) في موضع رفع ; والمعنى : قل لا يعلم أحد الغيب إلا الله ; فإنه بدل من ( من ) قاله الزجاج . الفراء : وإنما رفع ما بعد ( إلا ) لأن ما قبلها جحد ، كقوله : ما ذهب أحد إلا أبوك ; والمعنى واحد . قال الزجاج : ومن نصب نصب على الاستثناء ; يعني في الكلام . قال النحاس : وسمعته يحتج بهذه الآية على من صدق منجما ; وقال : أخاف أن يكفر بهذه الآية .قلت : وقد مضى هذا في ( الأنعام ) مستوفى وقالت عائشة : من زعم أن محمدا يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية ; والله تعالى يقول : قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله خرجه مسلم . وروي أنه دخل على الحجاج منجم فاعتقله الحجاج ، ثم أخذ حصيات فعدهن ، ثم قال : كم في يدي من حصاة ؟ فحسب المنجم ثم قال : كذا ; فأصاب . ثم اعتقله فأخذ حصيات لم يعدهن فقال : كم في يدي ؟ فحسب فأخطأ ثم حسب فأخطأ ; ثم قال : أيها الأمير أظنك لا تعرف عددها ; قال : لا . قال : فإني لا أصيب . قال : فما الفرق ؟ قال : إن ذلك أحصيته فخرج عن حد الغيب ، وهذا لم تحصه فهو غيب و لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وقد مضى هذا في ( آل عمران ) والحمد لله .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( قُلْ ) يا محمد لسائليك من المشركين عن الساعة متى هي قائمة (لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ ) الذي قد استأثر الله بعلمه, وحجب عنه خلقه غيره والساعة من ذلك (وَمَا يَشْعُرُونَ ) يقول: وما يدري من في السماوات والأرض من خلقه متى هم مبعوثون من قبورهم لقيام الساعة.وقد حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, قال: أخبرنا داود بن أبي هند, عن الشعبيّ, عن مسروق, قال: قالت عائشة: من زعم أنه يخبر الناس بما يكون في غد, فقد أعظم على الله الفرية, والله يقول: (لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ ).واختلف أهل العربية في وجه رفع الله, فقال بعض البصريين: هو كما تقول: إلا قليل منهم. وفي حرف ابن مسعود: قليلا بدلا من الأوّل, لأنك نفيته عنه وجعلته للآخر.وقال بعض الكوفيين: إن شئت أن تتوهم في " ومن " المجهول, فتكون معطوفة على: قل لا يعلم أحد الغيب إلا الله. قال: ويجوز أن تكون " من " معرفة, ونزل ما بعد " إلا " عليه, فيكون عطفا ولا يكون بدلا لأن الأوّل منفي, والثاني مثبت, فيكون في النسق كما تقول: قام زيد إلا عمرو, فيكون الثاني عطفا على الأوّل, والتأويل جحد, ولا يكون أن يكون الخبر جحدًا, أو الجحد خبرا. قال: وكذلك مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ وقليلا من نصب, فعلى الاستثناء في عبادتكم إياه, ومن رفع فعلى العطف, ولا يكون بدلا.
بَلِ ٱدَّٰرَكَ عِلۡمُهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّنۡهَاۖ بَلۡ هُم مِّنۡهَا عَمُونَ ٦٦التفسير الميسرقل -أيها الرسول- لهم: لا يعلم أحد في السموات ولا في الأرض ما استأثر الله بعلمه من المغيَّبات، ولا يدرون متى هم مبعوثون مِن قبورهم عند قيام الساعة؟ بل تكامل علمهم في الآخرة، فأيقنوا بالدار الآخرة، وما فيها مِن أهوال حين عاينوها، وقد كانوا في الدنيا في شك منها، بل عميت عنها بصائرهم.
تفسير السعدي بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ أي: بل ضعف، وقل ولم يكن يقينا، ولا علما واصلا إلى القلب وهذا أقل وأدنى درجة للعلم ضعفه ووهاؤه، بل ليس عندهم علم قوي ولا ضعيف وإنما هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا أي: من الآخرة، والشك زال به العلم لأن العلم بجميع مراتبه لا يجامع الشك، بَلْ هُمْ مِنْهَا أي: من الآخرة عَمُونَ قد عميت عنها بصائرهم، ولم يكن في قلوبهم من وقوعها ولا احتمال بل أنكروها واستبعدوها.
تفسير ابن كثيروقوله : ( بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها ) أي : انتهى علمهم وعجز عن معرفة وقتها .وقرأ آخرون : " بل أدرك علمهم " ، أي : تساوى علمهم في ذلك ، كما في الصحيح لمسلم : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لجبريل - وقد سأله عن وقت الساعة - ما المسؤول عنها بأعلم من السائل أي : تساوى في العجز عن درك ذلك علم المسؤول والسائل .قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( بل ادارك علمهم في الآخرة ) أي : غاب .وقال قتادة : ( بل ادارك علمهم في الآخرة ) يعني : يجهلهم ربهم ، يقول : لم ينفذ لهم إلى الآخرة علم ، هذا قول .وقال ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس : " بل أدرك علمهم في الآخرة " حين لم ينفع العلم ، وبه قال عطاء الخراساني ، والسدي : أن علمهم إنما يدرك ويكمل يوم القيامة حيث لا ينفعهم ذلك ، كما قال تعالى : ( أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين ) [ مريم : 38 ] .وقال سفيان ، عن عمرو بن عبيد ، عن الحسن أنه كان يقرأ : " بل أدرك علمهم " قال : اضمحل علمهم في الدنيا ، حين عاينوا الآخرة .وقوله : ( بل هم في شك منها ) عائد على الجنس ، والمراد الكافرون ، كما قال تعالى : ( وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا ) [ الكهف : 48 ] أي : الكافرون منكم . وهكذا قال هاهنا : ( بل هم في شك منها ) أي : شاكون في وجودها ووقوعها ، ( بل هم منها عمون ) أي : في عماية وجهل كبير في أمرها وشأنها .
تفسير القرطبيقوله تعالى : بل ادارك علمهم في الآخرة هذه قراءة أكثر الناس منهم عاصم وشيبة ونافع ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي . وقرأ أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو وحميد : ( بل أدرك ) من الإدراك . وقرأ عطاء بن يسار وأخوه سليمان بن يسار والأعمش : ( بل ادرك ) غير مهموز مشددا . وقرأ ابن محيصن : ( بل أدارك ) على الاستفهام . وقرأ ابن عباس : ( بلى ) بإثبات الياء ( أدارك ) بهمزة قطع والدال مشددة وألف بعدها ; قال النحاس : وإسناده إسناد صحيح ، هو من حديث شعبة يرفعه إلى ابن عباس . وزعم هارون القارئ أن قراءة أبي ( بل تدارك علمهم ) وحكى الثعلبي أنها في حرف أبي ( أم تدارك ) والعرب تضع ( بل ) موضع ( أم ) و ( أم ) موضع ( بل ) إذا كان في أول الكلام استفهام ; كقول الشاعر :فوالله لا أدري أسلمي تقولت أم القول أم كل إلي حبيبأي : بل كل .قال النحاس : القراءة الأولى والأخيرة معناهما واحد ، لأن أصل ( ادارك ) : تدارك ; أدغمت الدال في التاء وجيء بألف الوصل ; وفي معناه قولان :أحدهما : أن المعنى : بل تكامل علمهم في الآخرة ; لأنهم رأوا كل ما وعدوا به معاينة فتكامل علمهم به .والقول الآخر : أن المعنى : بل تتابع علمهم اليوم في الآخرة ; فقالوا تكون وقالوا لا تكون . القراءة الثانية فيها أيضا قولان :أحدهما : أن معناه كمل في الآخرة ; وهو مثل الأول ; قال مجاهد : معناه يدرك علمهم في الآخرة ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم ; لأنهم كانوا في الدنيا مكذبين .والقول الآخر : أنه على معنى الإنكار ; وهو مذهب أبي إسحاق ; واستدل على صحة هذا القول بأن بعده بل هم منها عمون أي لم يدرك علمهم علم الآخرة . وقيل : بل ضل وغاب علمهم في الآخرة فليس لهم فيها علم . والقراءة الثالثة : ( بل ادرك ) فهي بمعنى : بل ادارك . وقد يجيء ( افتعل وتفاعل ) بمعنى ; ولذلك صحح ( ازدوجوا ) حين كان بمعنى ( تزاوجوا ) . القراءة الرابعة ليس فيها إلا قول واحد يكون فيه معنى الإنكار ; كما تقول : أأنا قاتلتك ؟ ! فيكون المعنى لم يدرك ; وعليه ترجع قراءة ابن عباس ; قال ابن عباس : بل ادارك علمهم في الآخرة أي لم يدرك . قال الفراء : وهو قول حسن كأنه وجهه إلى الاستهزاء بالمكذبين بالبعث ، كقولك لرجل تكذبه : بلى لعمري قد أدركت السلف فأنت تروي ما لا أروي . وأنت تكذبه . وقراءة سابعة : ( بل ادرك ) بفتح اللام ; عدل إلى الفتحة لخفتها . وقد حكي نحو ذلك عن قطرب في ( قم الليل ) فإنه عدل إلى الفتح . وكذلك و ( بع الثوب ) ونحوه . وذكر الزمخشري في الكتاب : وقرئ ( بل أأدرك ) بهمزتين ( بل أدرك ) بألف بينهما ( بلى أأدرك ) ( أم تدارك ) ( أم أدرك ) فهذه ثنتا عشرة قراءة ، ثم أخذ يعلل وجوه القراءات وقال : فإن قلت فما وجه قراءة ( بل أدرك ) على الاستفهام ؟ قلت : هو استفهام على وجه الإنكار لإدراك علمهم ، وكذلك من قرأ : ( أم أدرك ) و ( أم تدارك ) لأنها ( أم ) التي بمعنى ( بل والهمزة ) وأما من قرأ : ( بلى أأدرك ) على الاستفهام فمعناه : بلى يشعرون متى يبعثون ، ثم أنكر علمهم بكونها ، وإذا أنكر علمهم بكونها لم يتحصل لهم شعور وقت كونها ; لأن العلم بوقت الكائن تابع للعلم بكون الكائن . في الآخرة في شأن الآخرة ومعناها . بل هم في شك منها أي في الدنيا . بل هم منها عمون أي بقلوبهم واحدهم عمو . وقيل : عم ، وأصله عميون حذفت الياء لالتقاء الساكنين ولم يجز تحريكها لثقل الحركة فيها .
تفسير الطبريوقوله: (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ ) اختلفت القراء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة سوى أبي جعفر وعامة قرّاء أهل الكوفة : (بَلِ ادَّارَكَ ) بكسر اللام من " بل " وتشديد الدال من " ادراك ", بمعنى: بل تدارك علمهم أي تتابع علمهم بالآخرة هل هي كائنة أم لا ثم أدغمت التاء في الدال كما قيل: اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ وقد بينا ذلك فيما مضى بما فيه الكفاية من إعادته.وقرأته عامة قرّاء أهل مكة: " بَلْ أدْرَك عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ" بسكون الدال وفتح الألف, بمعنى هل أدرك علمهم علم الآخرة. وكان أبو عمرو بن العلاء يُنكر فيما ذكر عنه قراءة من قرأ: " بَلْ أدْرَكَ" ويقول: إن " بل " إيجاب والاستفهام في هذا الموضع إنكار. ومعنى الكلام: إذا قرئ كذلك " بَلْ أَدْرَكَ" لم يكن ذلك لم يدرك علمهم في الآخرة, وبالاستفهام قرأ ذلك ابن محيصن على الوجه الذي ذكرت أن أبا عمرو أنكره.وبنحو الذي ذكرت عن المكيين أنهم قرءوه، ذُكر عن مجاهد أنه قرأه, غير أنه كان يقرأ في موضع بل: أم.حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا عبد الله بن موسى, قال: ثنا عثمان بن الأسود, عن مجاهد, أنه قرأ " أمْ أدْرَكَ عِلْمُهُمْ" وكان ابن عباس فيما ذُكر عنه يقرأ بإثبات ياء في بل, ثم يبتدئ " أدّراك " بفتح ألفها على وجه الاستفهام وتشديد الدال.حدثنا حميد بن مسعدة, قال: ثنا بشر بن المفضل, قال: ثنا شعبة, عن أبي حمزة, عن ابن عباس في هذه الآية: " بَلى أدَّرَاكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ": أي لم يدرك.حدثنا محمد بن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن أبي حمزة, قال: سمعت ابن عباس يقرأ " بَلى أدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ" إنما هو استفهام أنه لم يدرك. وكأن ابن عباس وجه ذلك إلى أن مخرجه مخرج الاستهزاء بالمكذّبين بالبعث.والصواب من القراءات عندنا في ذلك، القراءتان اللتان ذكرت إحداهما عن قرأة أهل مكة والبصرة, وهي " بَلْ أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ" بسكون لام بل، وفتح ألف أدرك، وتخفيف دالها, والأخرى منهما عن قرأة الكوفة, وهي (بَلِ ادَّارَكَ ) بكسر اللام وتشديد الدال من ادّارك؛ لأنهما القراءتان المعروفتان في قرّاء الأمصار, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب عندنا. فأما القراءة التي ذُكرت عن ابن عباس, فإنها وإن كانت صحيحة المعنى والإعراب, فخلاف لما عليه مصاحف المسلمين, وذلك أن في بلى زيادة ياء في قراءاته ليست في المصاحف, وهي مع ذلك قراءة لا نعلمها قرأ بها أحد من قرّاء الأمصار. وأما القراءة التي ذكرت عن ابن محيصن, فإن الذي قال فيها أبو عمرو قول صحيح؛ لأن العرب تحقق ببل ما بعدها لا تنفيه، والاستفهام في هذا الموضع إنكار لا إثبات, وذلك أن الله قد أخبر عن المشركين أنهم من الساعة في شكّ, فقال: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ ).واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم: معناه: بل أدرك علمهم في الآخرة فأيقنوها إذ عاينوها حين لم ينفعهم يقينهم بها, إذ كانوا بها في الدنيا مكذّبين.*ذكر من قال ذلك:حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال عطاء الخراساني, عن ابن عباس: " بَلْ أدْرَكَ عِلْمُهُمْ" قال: بصرهم في الآخرة حين لم ينفعهم العلم والبصر.وقال آخرون: بل معناه: بل غاب علمهم في الآخرة.*ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: " بَلْ أدْرَكَ عِلْمُهُمْ في الآخرة " يقول: غاب علمهم.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( بَلْ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ في الآخِرَةِ ) قال: يقول: ضلّ علمهم في الآخرة فليس لهم فيها علم,(هُمْ مِنْهَا عَمُونَ ).وقال آخرون: معنى ذلك: لم يبلغ لهم فيها علم.*ذكر من قال ذلك:حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد, قال: ثني أبي, عن جدي, قال: ثنا الحسين, عن قَتادة في قوله: (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ ) قال: كان يقرؤها: " بَلْ أدْرَكَ علْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ" قال: لم يبلغ لهم فيها علم, ولا يصل إليها منهم رغبة.وقال آخرون: معنى ذلك: بل أدْرَكَ: أم أدرك.*ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " بَلْ أدْرَكَ علْمُهُمْ" قال: أم أدرك.حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عثمان, عن مجاهد: " بَلْ أدْرَكَ علْمُهُمْ" قال: أم أدرك علمهم، من أين يدرك علمهم؟حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين, قال: ثنا حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, بنحوه.قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب على قراءة من قرأ " بَلْ أدْرَكَ" القول الذي ذكرناه عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس, وهو أن معناه: إذا قرئ كذلك (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) بل أدرك علمهم نفس وقت ذلك في الآخرة حين يبعثون, فلا ينفعهم علمهم به حينئذ, فأما في الدنيا فإنهم منها في شكّ, بل هم منها عمون.وإنما قلت: هذا القول أولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب، على القراءة التي ذُكِرَت؛ لأن ذلك أظهر معانيه. وإذ كان ذلك معناه، كان في الكلام محذوف قد استغني بدلالة ما ظهر منه عنه، وذلك أن معنى الكلام: وما يشعرون أيان يُبْعثون, بل يشعرون ذلك في الآخرة, فالكلام إذا كان ذلك معناه, وما يشعرون أيان يبعثون, بل أدرك علمهم بذلك في الآخرة, بل هم في الدنيا في شك منها. وأما على قراءة من قرأه (بَلِ ادَّارَكَ ) بكسر اللام وتشديد الدال, فالقول الذي ذكرنا عن مجاهد, وهو أن يكون معنى بل: أم, والعرب تضع أم موضع بل, وموضع بل: أم, إذا كان في أول الكلام استفهام كما قال الشاعر:فَوَاللهِ ما أَدْرِي أَسَلْمَى تَغَوَّلَتأمِ النَّوْمُ أَمْ كُلٌّ إليَّ حَبِيبُ (1)يعني بذلك بل كلّ إلي حبيب, فيكون تأويل الكلام: وما يشعرون أيان يبعثون, بل تدارك علمهم في الآخرة: يعني تتابع علمهم في الآخرة: أي بعلم الآخرة: أي لم يتتابع بذلك ولم يعلموه, بل غاب علمهم عنه, وضل فلم يبلغوه ولم يدركوه.وقوله: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا ) يقول: بل هؤلاء المشركون الذين يسألونك عن الساعة في شك من قيامها، لا يوقنون بها ولا يصدّقون بأنهم مبعوثون من بعد الموت (بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ ) يقول: بل هم من العلم بقيامها عمون.------------------------الهوامش:(1) تغولت: تراءت لي في النوم في صور مختلفة. والشاهد في البيت: أن "أم" الأولى متصلة، لأنها معادلة للهمزة، يقول: لا أدري أهو طيف سلمى عرض لي وتراءى، أم هو النوم يخلط على صور الأشياء، وهي أضغاث الأحلام. وأما (أم) الثانية فإنها للإضراب: بمعنى (بل) يقول: بل كل ذلك حبيب إلى نفسي. يريد ما يتراءى له من طيف الخيال. وما يراه في النوم من الأحلام. والبيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة 236 من مصورة الجامعة). وفي (اللسان: درك). فأما من قرأ: "بل أدارك"، فإن الفراء قال: معناه لغة: تدارك، أي تتابع علمهم في الآخرة؛ يريد بعلم الآخرة: تكون أو لا تكون: ولذلك قال: (بل هم في شك منها بل هم منها عمون) قال: وهي في قراءة أبي: (أم تدارك)؛ والعرب تجعل (بل) مكان (أم)، و (أم) مكان (بل) إذا كان في أول الكلام استفهام، مثل قول الشاعر: "فوالله ما أدري.." البيت. معنى (أم): (بل). وقال أبو معاذ النحوي: ومن قرأ: "بل أدرك"، ومن قرأ: "بل أدارك" فمعناهما واحد. يقول: هم علماء في الآخرة، كقول الله تعالى: (أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا) ونحو ذلك، قال السدي في تفسيره: اجتمع علمهم في الآخرة، ومعناها عنده: أي علموا في الآخرة أن الذي كانوا يوعدون به حق. وقال الأزهري: والقول في تفسير أدرك وأدارك ومعنى الآية: ما قال السدي وذهب إليه أبو معاذ وأبو سعيد. والذي قاله الفراء في معنى تدارك أي تتابع علمهم في الآخرة، أنها تكون أو لا تكون ليس بالبين، إنما المعنى: أنه تتابع علمهم في الآخرة، وتوطأ حين حقت القيامة، وخسروا، وبان لهم صدق ما وعدوا، حين لا ينفعهم ذلك العلم ا ه.
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبٗا وَءَابَآؤُنَآ أَئِنَّا لَمُخۡرَجُونَ ٦٧التفسير الميسروقال الذين جحدوا وحدانية الله: أنحن وآباؤنا مبعوثون أحياء كهيئتنا من بعد مماتنا بعد أن صرنا ترابًا؟
تفسير السعدي وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ أي: هذا بعيد غير ممكن قاسوا قدرة كامل القدرة بقدرهم الضعيفة.
تفسير ابن كثيريقول تعالى مخبرا عن منكري البعث من المشركين : أنهم استبعدوا إعادة الأجساد بعد صيرورتها عظاما ورفاتا وترابا ،
تفسير القرطبيقوله تعالى : وقال الذين كفروا أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين .قوله تعالى : وقال الذين كفروا يعني مشركي مكة . أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون هكذا يقرأ نافع هنا وفي سورة : ( العنكبوت ) . وقرأ أبو عمرو باستفهامين إلا أنه خفف الهمزة . وقرأ عاصم وحمزة أيضا باستفهامين إلا أنهما حققا الهمزتين ، وكل ما ذكرناه في السورتين جميعا واحد . وقرأ الكسائي وابن عامر ورويس ويعقوب : ( أئذا ) بمهزتين ( إننا ) بنونين على الخبر في هذه السورة ; وفي سورة : ( العنكبوت ) باستفهامين ; قال أبو جعفر النحاس : القراءة ( إذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون ) موافقة للخط حسنة ، وقد عارض فيها أبو حاتم فقال - وهذا معنى كلامه - : ( إذا ) ليس باستفهام و ( آينا ) استفهام وفيه ( إن ) فكيف يجوز أن يعمل ما في حيز الاستفهام فيما قبله ؟ ! وكيف يجوز أن يعمل ما بعد ( إن ) فيما قبلها ؟ ! وكيف يجوز : غدا إن زيدا خارج ؟ ! فإذا كان فيه استفهام كان أبعد ، وهذا إذا سئل عنه كان مشكلا لما ذكره . وقال أبو جعفر : وسمعت محمد بن الوليد يقول : سألنا أبا العباس عن آية من القرآن صعبة مشكلة ، وهي قول الله تعالى : وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد فقال : إن عمل في ( إذا ) : ( ينبئكم ) كان محالا ; لأنه لا ينبئهم ذلك الوقت ، وإن عمل فيه ما بعد ( إن ) كان المعنى صحيحا وكان ( خطأ ) في العربية أن يعمل ما قبل ( إن ) فيما بعدها ; وهذا سؤال بين رأيت أن يذكر في السورة التي هو فيها ; فأما أبو عبيد فمال إلى قراءة نافع ورد على من جمع بين استفهامين ، واستدل بقوله تعالى : أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم وبقوله تعالى : أفإن مت فهم الخالدون وهذا الرد على أبي عمرو وعاصم وحمزة وطلحة والأعرج لا يلزم منه شيء ، ولا يشبه ما جاء به من الآية شيئا ; والفرق بينهما أن الشرط وجوابه بمنزلة شيء واحد ; ومعنى : أفإن مت فهم الخالدون أفإن مت خلدوا . ونظير هذا : أزيد منطلق ، ولا يقال : أزيد أمنطلق ; لأنها بمنزلة شيء واحد وليس كذلك الآية ; لأن الثاني جملة قائمة بنفسها فيصلح فيها الاستفهام ، والأول كلام يصلح فيه الاستفهام ; فأما من حذف الاستفهام من الثاني وأثبته في الأول فقرأ : أئذا كنا ترابا وآباؤنا إننا فحذفه من الثاني ; لأن في الكلام دليلا عليه بمعنى الإنكار .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: قال الذين كفروا بالله: أئنا لمخرجون من قبورنا أحياء, كهيئتنا من بعد مماتنا بعد أن كنا فيها ترابا قد بلينا؟.
لَقَدۡ وُعِدۡنَا هَٰذَا نَحۡنُ وَءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٦٨التفسير الميسرلقد وُعدنا هذا البعث نحن وآباؤنا مِن قبل، فلم نر لذلك حقيقة ولم نؤمن به، ما هذا الوعد إلا مما سطَّره الأولون من الأكاذيب في كتبهم وافتروه.
تفسير السعدي لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا أي: البعث نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ أي: فلم يجئنا ولا رأينا منه شيئا. إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي: قصصهم وأخبارهم التي تقطع بها الأوقات وليس لها أصل ولا صدق فيها.فانتقل في الإخبار عن أحوال المكذبين بالإخبار أنهم لا يدرون متى وقت الآخرة ثم الإخبار بضعف علمهم فيها ثم الإخبار بأنه شك ثم الإخبار بأنه عمى ثم الإخبار بإنكارهم لذلك واستبعادهم وقوعه. أي: وبسبب هذه الأحوال ترحل خوف الآخرة من قلوبهم فأقدموا على معاصي الله وسهل عليهم تكذيب الحق والتصديق بالباطل واستحلوا الشهوات على القيام بالعبادات فخسروا دنياهم وأخراهم.
تفسير ابن كثيرثم قال : ( لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل ) أي : ما زلنا نسمع بهذا نحن وآباؤنا ، ولا نرى له حقيقة ولا وقوعا .وقولهم : ( إن هذا إلا أساطير الأولين ) : يعنون : ما هذا الوعد بإعادة الأبدان ، ( إلا أساطير الأولين ) أي : أخذه قوم عمن قبلهم ، من قبلهم يتلقاه بعض عن بعض ، وليس له حقيقة .
تفسير القرطبيقوله تعالى : لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين تقدم في سورة ( المؤمنون ) وكانت الأنبياء يقربون أمر البعث في التحذير ; وكل ما هو آت فقريب .
تفسير الطبري(لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ ) يقول: لقد وَعَدنا هذا من قبل محمد واعدون، وعدوا ذلك آباءنا, فلم نر لذلك حقيقة, ولم نتبين له صحة (إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ ) يقول: قالوا: ما هذا الوعد إلا ما سطَّر الأوّلون من الأكاذيب في كتبهم, فأثبتوه فيها وتحدّثوا به من غير أن يكون له صحة.
قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٦٩التفسير الميسرقل -أيها الرسول- لهؤلاء المكذبين: سيروا في الأرض، فانظروا إلى ديار مَن كان قبلكم من المجرمين، كيف كان عاقبة المكذبين للرسل؟ أهلكهم الله بتكذيبهم، والله فاعل بكم مثلهم إن لم تؤمنوا.
تفسير السعديثم نبههم على صدق ما أخبرت به الرسل فقال: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ فلا تجدون مجرما قد استمر على إجرامه، إلا وعاقبته شر عاقبة وقد أحل الله به من الشر والعقوبة ما يليق بحاله.
تفسير ابن كثيرقال الله تعالى مجيبا لهم عما ظنوه من الكفر وعدم المعاد : ( قل ) - يا محمد - لهؤلاء : ( سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ) أي : المكذبين بالرسل وما جاءوهم به من أمر المعاد وغيره ، كيف حلت بهم نقم الله وعذابه ونكاله ، ونجى الله من بينهم رسله الكرام ومن اتبعهم من المؤمنين ، فدل ذلك على صدق ما جاءت به الرسل وصحته .
تفسير القرطبيقوله تعالى : قل سيروا في الأرض أي قل لهؤلاء الكفار : سيروا في بلاد الشام والحجاز واليمن . فانظروا أي بقلوبكم وبصائركم كيف كان عاقبة المجرمين المكذبين لرسلهم .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( قُل ) يا محمد لهؤلاء المكذّبين ما جئتهم به من الأنباء من عند ربك: (سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا ) إلى ديار من كان قبلكم من المكذّبين رسل الله ومساكنهم كيف هي, ألم يخرّبها الله, ويهلك أهلها بتكذيبهم رسلهم, وردّهم عليهم نصائحهم فخلت منهم الديار وتعفَّت منهم الرسوم والآثار, فإن ذلك كان عاقبة إجرامهم, وذلك سنة ربكم في كلّ من سلك سبيلهم في تكذيب رسل ربهم, والله فاعل ذلك بكم إن أنتم لم تبادروا الإنابة من كفركم وتكذيبكم رسول ربكم.
وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُن فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ ٧٠التفسير الميسرولا تحزن على إعراض المشركين عنك وتكذيبهم لك، ولا يَضِقْ صدرك مِن مكرهم بك، فإن الله ناصرك عليهم.
تفسير السعديأي: لا تحزن يا محمد على هؤلاء المكذبين وعدم إيمانهم، فإنك لو علمت ما فيهم من الشر وأنهم لا يصلحون للخير، لم تأس ولم تحزن، ولا يضق صدرك ولا تقلق نفسك بمكرهم فإن مكرهم سيعود عاقبته عليهم، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ
تفسير ابن كثيرثم قال تعالى مسليا لنبيه ، صلوات الله وسلامه عليه : ( ولا تحزن عليهم ) أي : المكذبين بما جئت به ، ولا تأسف عليهم وتذهب نفسك عليهم حسرات ، ( ولا تك في ضيق مما يمكرون ) أي : في كيدك ورد ما جئت به ، فإن الله مؤيدك وناصرك ، ومظهر دينك على من خالفه وعانده في المشارق والمغارب .
تفسير القرطبيولا تحزن عليهم أي على كفار مكة إن لم يؤمنوا ولا تكن في ضيق في حرج ، وقرئ : ( في ضيق ) بالكسر وقد مضى في آخر ( النحل ) .
تفسير الطبريوقوله: (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولا تحزن على إدبار هؤلاء المشركين عنك وتكذيبهم لك (وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ) يقول: ولا يضق صدرك من مكرهم بك, فإن الله ناصرك عليهم, ومهلكهم قتلا بالسيف.
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٧١التفسير الميسرويقول مشركو قومك -أيها الرسول-: متى يكون هذا الوعد بالعذاب الذي تَعِدُنا به أنت وأتباعك إن كنتم صادقين فيما تعدوننا به؟
تفسير السعديويقول المكذبون بالمعاد وبالحق الذي جاء به الرسول مستعجلين للعذاب: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وهذا من سفاهة رأيهم وجهلهم فإن وقوعه ووقته قد أجله الله بأجله وقدره بقدر، فلا يدل عدم استعجاله على بعض مطلوبهم.
تفسير ابن كثيريقول تعالى مخبرا عن المشركين ، في سؤالهم عن يوم القيامة واستبعادهم وقوع ذلك : ( ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) قال الله مجيبا لهم :
تفسير القرطبيويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين أي وقت يجيئنا العذاب بتكذيبنا إن كنتم صادقين .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: ويقول مشركو قومك يا محمد, المكذبوك فيما أتيتهم به من عند ربك: ( مَتَى ) يكون (هَذَا الْوَعْدُ ) الذي تعدُناه من العذاب, الذي هو بنا فيما تقول حالّ، (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) فيما تعدوننا به (قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ ) يقول جلّ جلاله: قل لهم يا محمد: عسى أن يكون اقترب لكم ودنا(بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ) من عذاب الله.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ, قال: ثنا عبد الله, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس قوله: (قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ ) يقول: اقترب لكم.
قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعۡضُ ٱلَّذِي تَسۡتَعۡجِلُونَ ٧٢التفسير الميسرقل لهم -أيها الرسول-: عسى أن يكون قد اقترب لكم بعض الذي تستعجلون من عذاب الله.
تفسير السعديولكن -مع هذا- قال تعالى محذرا لهم وقوع ما استعجلوه: قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ أي: قرب منكم وأوشك أن يقع بكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ من العذاب.
تفسير ابن كثير( قل ) يا محمد ( عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون ) . [ قال ابن عباس أن يكون قرب - أو : أن يقرب - لكم بعض الذي تستعجلون ] . وهكذا قال مجاهد ، والضحاك ، وعطاء الخراساني ، وقتادة ، والسدي .وهذا هو المراد بقوله تعالى : ( ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا ) [ الإسراء : 51 ] ، وقال تعالى ( يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ) [ العنكبوت : 54 ] .وإنما دخلت " اللام " في قوله : ( ردف لكم ) ; لأنه ضمن معنى " عجل لكم " كما قال مجاهد في رواية عنه : ( عسى أن يكون ردف لكم ) : عجل لكم .
تفسير القرطبيقل عسى أن يكون ردف لكم أي اقترب لكم ودنا منكم بعض الذي تستعجلون أي من العذاب ; قاله ابن عباس . وهو من : ردفه : إذا تبعه وجاء في أثره ; وتكون اللام أدخلت لأن المعنى : اقترب لكم ودنا لكم . أو تكون متعلقة بالمصدر . وقيل : معناه ( معكم ) . وقال ابن شجرة : تبعكم ; ومنه ردف المرأة ; لأنه تبع لها من خلفها ; ومنه قول أبي ذؤيب :.عاد السواد بياضا في مفارقه لا مرحبا ببياض الشيب إذ ردفاقال الجوهري : و ( أردفه أمر ) لغة في : ردفه ، مثل : تبعه وأتبعه ، بمعنى ; قال خزيمة بن مالك بن نهد :إذا الجوزاء أردفت الثريا ظننت بآل فاطمة الظنونايعني فاطمة بنت يذكر بن عنزة أحد القارظين . وقال الفراء : ردف لكم دنا لكم . ولهذا قال : ( لكم ) . وقيل : ردفه وردف له ، بمعنى فتزاد اللام للتوكيد ; عن الفراء أيضا . كما تقول : نقدته ونقدت له ، وكلته ووزنته ، وكلت له ووزنت له ; ونحو ذلك بعض الذي تستعجلون من العذاب فكان ذلك يوم بدر . وقيل : عذاب القبر .
تفسير الطبريحدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ) يقول: اقترب لكم بعض الذي تستعجلون.حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: (عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ ) قال: ردف: أعجل لكم.حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد قوله: (قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ) قال: أزِف.حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (رَدِفَ لَكُمْ ) اقترب لكم.واختلف أهل العربية في وجه دخول اللام في قوله: (رَدِفَ لَكُمْ ) وكلام العرب المعروف: ردفه أمرٌ, وأردفه, كما يقال: تبعه وأتبعه, فقال بعض نحويي البصرة: أدخل اللام في ذلك فأضاف بها الفعل كما يقال: لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ و لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ .وقال بعض نحويي الكوفة: أدخل اللام في ذلك للمعنى؛ لأن معناه: دنا لهم, كما قال الشاعر:فَقُلْتُ لَها الحَاجَاتُ يَطْرَحْنَ بالفَتى (2)فأدخل الباء في يطرحن, وإنما يقال طرحته, لأن معنى الطرح: الرمي, فأدخل الباء للمعنى, إذ كان معنى ذلك يرمين بالفتى, وهذا القول الثاني هو أولاهما عندي بالصواب, وقد مضى البيان عن نظائره في غير موضع من الكتاب، بما أغنى عن تكراره &; 19-493 &; في هذا الموضع.وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ( تَسْتَعْجِلُونَ ) قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: (رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ) قال: من العذاب.------------------------الهوامش :(2) هذا صدر بيت من شواهد الفراء في (معاني القرآن ص 236 من مصورة جامعة القاهرة) وعجزه: * وهم تعناني معنى ركائبه *وهو في (اللسان: عنا) وفي روايته "تعناه" في موضع تعناني. قال: وعانى الشيء: قاساه. يقال: عاناه وتعناه، وتعنى هو. وقال: "فقلت.." إلخ والبيت شاهد على أن الباء في بالفتى زائدة مثلها في قوله تعالى (ردف لكم)
وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَشۡكُرُونَ ٧٣التفسير الميسروإنَّ ربك لذو فضل على الناس؛ بتركه معاجلتهم بالعقوبة على معصيتهم إياه وكفرهم به، ولكن أكثرهم لا يشكرون له على ذلك، فيؤمنوا به ويخلصوا له العبادة.
تفسير السعديينبه عباده على سعة جوده وكثرة أفضاله ويحثهم على شكرها، ومع هذا فأكثر الناس قد أعرضوا عن الشكر واشتغلوا بالنعم عن المنعم.
تفسير ابن كثيرأي في إسباغه نعمه عليهم مع ظلمهم لأنفسهم وهم مع ذلك لا يشكرونه على ذلك إلا القليل منهم.
تفسير القرطبيوإن ربك لذو فضل على الناس في تأخير العقوبة وإدرار الرزق ولكن أكثرهم لا يشكرون فضله ونعمه .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: (وَإِنَّ رَبَّكَ ) يا محمد (لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ) بتركه معاجلتهم بالعقوبة على معصيتهم إياه, وكفرهم به, وذو إحسان إليهم في ذلك وفي غيره من نعمه عندهم (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ) لا يشكرونه على ذلك من إحسانه وفضله عليهم, فيخلصوا له العبادة, ولكنهم يشركون معه في العبادة ما يضرّهم ولا ينفعهم ومن لا فضل له عندهم ولا إحسان.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعۡلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمۡ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٧٤التفسير الميسروإن ربك لَيعلم ما تخفيه صدور خلقه وما يظهرونه.
تفسير السعدي وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ أي: تنطوي عليه صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ فليحذروا من عالم السرائر والظواهر وليراقبوه.
تفسير ابن كثير( وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون ) أي : يعلم السرائر والضمائر ، كما يعلم الظواهر ، ( سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ) [ الرعد : 10 ] ، ( يعلم السر وأخفى ) [ طه : 7 ] ، ( ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون ) [ هود : 5 ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم أي تخفي صدورهم . وقرأ ابن محيصن وحميد ( ما تكن ) من كننت الشيء إذا سترته ، هنا وفي ( القصص ) تقديره : ما تكن صدورهم عليه ; وكأن الضمير الذي في ( الصدور ) كالجسم السائر . ومن قرأ : ( تكن ) فهو المعروف ; يقال : أكننت الشيء : إذا أخفيته في نفسك .
تفسير الطبريوقوله: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ) يقول: وإن ربك ليعلم ضمائر صدور خلقه, ومكنون أنفسهم, وخفيّ أسرارهم, وعلانية أمورهم الظاهرة, لا يخفى عليه شيء من ذلك, وهو محصيها عليهم حتى يجازي جميعهم بالإحسان إحسانا وبالإساءة جزاءها.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:حدثنا القاسم, قال: ثني الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ ) قال: السر.
وَمَا مِنۡ غَآئِبَةٖ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ ٧٥التفسير الميسروما مِن شيء غائب عن أبصار الخلق في السماء والأرض إلا في كتاب واضح عند الله. قد أحاط ذلك الكتاب بجميع ما كان وما يكون.
تفسير السعدي وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أي: خفية وسر من أسرار العالم العلوي والسفلي إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ قد أحاط ذلك الكتاب بجميع ما كان ويكون إلى أن تقوم الساعة، فكل حادث يحدث جلي أو خفي إلا وهو مطابق لما كتب في اللوح المحفوظ.
تفسير ابن كثيرثم أخبر تعالى بأنه عالم غيب السموات والأرض ، وأنه عالم الغيب والشهادة - وهو ما غاب عن العباد وما شاهدوه - فقال : ( وما من غائبة في السماء والأرض ) قال ابن عباس : يعني : وما من شيء ، ( في السماء والأرض إلا في كتاب مبين ) وهذا كقوله تعالى : ( ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير ) [ الحج : 70 ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين قال الحسن : الغائبة هنا القيامة . وقيل : ما غاب عنهم من عذاب السماء والأرض ; حكاه النقاش . وقال ابن شجرة : الغائبة هنا جميع ما أخفى الله تعالى عن خلقه وغيبه عنهم ، وهذا عام . وإنما دخلت الهاء في ( غائبة ) إشارة إلى الجمع ; أي : ما من خصلة غائبة عن الخلق إلا والله عالم بها قد أثبتها في أم الكتاب عنده ، فكيف يخفى عليه ما يسر هؤلاء وما يعلنونه . وقيل : أي كل شيء هو مثبت في أم الكتاب يخرجه للأجل المؤجل له ; فالذي يستعجلونه من العذاب له أجل مضروب لا يتأخر عنه ولا يتقدم عليه . والكتاب : اللوح المحفوظ أثبت الله فيه ما أراد ليعلم بذلك من يشاء من ملائكته .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: (وَمَا مِنْ ) مكتوم سرّ وخفيّ أمر يغيب عن أبصار الناظرين (فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِلا فِي كِتَابٍ ) وهو أمّ الكتاب الذي أثبت ربنا فيه كلّ ما هو كائن من لدن ابتدأ خلق خلقه إلى يوم القيامة. ويعني بقوله: ( مُبِين ) أنه يبين لمن نظر إليه, وقرأ ما فيه مما أثبت فيه ربنا جلّ ثناؤه.وبنحو الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) يقول: ما من شيء في السماء والأرض، سرّ ولا علانية إلا يعلمه.
إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَكۡثَرَ ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٧٦التفسير الميسرإن هذا القرآن يقصُّ على بني إسرائيل الحق في أكثر الأشياء التي اختلفوا فيها.
تفسير السعديوهذا خبر عن هيمنة القرآن على الكتب السابقة وتفصيله وتوضيحه، لما كان فيها قد وقع فيه اشتباه واختلاف عند بني إسرائيل فقصه هذا القرآن قصا زال به الإشكال وبين به الصواب من المسائل المختلف فيها. وإذا كان بهذه المثابة من الجلالة والوضوح وإزالة كل خلاف وفصل كل مشكل كان أعظم نعم الله على العباد ولكن ما كل أحد يقابل النعمة بالشكر. ولهذا بين أن نفعه ونوره وهداه مختص بالمؤمنين
تفسير ابن كثيريقول تعالى مخبرا عن كتابه العزيز ، وما اشتمل عليه من الهدى والبينات والفرقان : إنه يقص على بني إسرائيل - وهم حملة التوراة والإنجيل - ( أكثر الذي هم فيه يختلفون ) ، كاختلافهم في عيسى وتباينهم فيه ، فاليهود افتروا ، والنصارى غلوا ، فجاء [ إليهم ] القرآن بالقول الوسط الحق العدل : أنه عبد من عباد الله وأنبيائه ورسله الكرام ، عليه [ أفضل ] الصلاة والسلام ، كما قال تعالى : ( ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ) [ مريم : 34 ] .
تفسير القرطبيإن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون وذلك أنهم اختلفوا في كثير من الأشياء حتى لعن بعضهم بعضا فنزلت . والمعنى : إن هذا القرآن يبين لهم ما اختلفوا فيه لو أخذوا به ، وذلك ما حرفوه من التوراة والإنجيل ، وما سقط من كتبهم من الأحكام .
تفسير الطبريوقوله: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ )يقول تعالى ذكره: إن هذا القرآن الذي أنزلته إليك يا محمد يقصّ على بني إسرائيل الحقّ، في أكثر الأشياء التي اختلفوا فيها, وذلك كالذي اختلفوا فيه من أمر عيسى, فقالت اليهود فيه ما قالت, وقالت النصارى فيه ما قالت, وتبرأ لاختلافهم فيه هؤلاء من هؤلاء, وهؤلاء من هؤلاء, وغير ذلك من الأمور التي اختلفوا فيها, فقال جلّ ثناؤه لهم: إن هذا القرآن يقصّ عليكم الحق فيما اختلفتم فيه فاتبعوه, وأقرّوا لما فيه, فإنه يقص عليكم بالحقّ, ويهديكم إلى سبيل الرشاد.