الثلاثاء، ١٠ مارس ٢٠٢٦
الثلاثاء، ١٠ مارس ٢٠٢٦
facebookinstagramtwitter

عرض بالصفحات

Basmala
سُورَةُ البَقَرَةِ
حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ  ٢٣٨فَإِنۡ خِفۡتُمۡ فَرِجَالًا أَوۡ رُكۡبَانٗاۖ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ  ٢٣٩وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا وَصِيَّةٗ لِّأَزۡوَٰجِهِم مَّتَٰعًا إِلَى ٱلۡحَوۡلِ غَيۡرَ إِخۡرَاجٖۚ فَإِنۡ خَرَجۡنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِي مَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعۡرُوفٖۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ  ٢٤٠وَلِلۡمُطَلَّقَٰتِ مَتَٰعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ  ٢٤١كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ  ٢٤٢۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَهُمۡ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحۡيَٰهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ  ٢٤٣وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ  ٢٤٤مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضۡعَافٗا كَثِيرَةٗۚ وَٱللَّهُ يَقۡبِضُ وَيَبۡصُۜطُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ  ٢٤٥
تفسير سُورَةُ البَقَرَةِ
حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ  ٢٣٨
التفسير الميسرحافظوا -أيها المسلمون- على الصلوات الخمس المفروضة بالمداومة على أدائها في أوقاتها بشروطها وأركانها وواجباتها، وحافظوا على الصلاة المتوسطة بينها وهي صلاة العصر، وقوموا في صلاتكم مطيعين لله، خاشعين ذليلين.
تفسير السعدييأمر بالمحافظة على الصلوات عمومًا وعلى الصلاة الوسطى، وهي العصر خصوصًا، والمحافظة عليها أداؤهابوقتها وشروطها وأركانها وخشوعها وجميع ما لها من واجب ومستحب، وبالمحافظة على الصلوات تحصل المحافظة على سائر العبادات، وتفيد النهي عن الفحشاء والمنكر خصوصًا إذا أكملها كما أمر بقوله وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ أي: ذليلين خاشعين، ففيه الأمر بالقيام والقنوت والنهي عن الكلام، والأمر بالخشوع، هذا مع الأمن والطمأنينة.
تفسير ابن كثيريأمر الله تعالى بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها ، وحفظ حدودها وأدائها في أوقاتها ، كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي العمل أفضل ؟ قال : " الصلاة على وقتها " . قلت : ثم أي ؟ قال : " الجهاد في سبيل الله " . قلت : ثم أي ؟ قال : " بر الوالدين " . قال : حدثني بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو استزدته لزادني .وقال الإمام أحمد : حدثنا يونس ، حدثنا ليث ، عن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم ، عن القاسم بن غنام ، عن جدته أم أبيه الدنيا ، عن جدته أم فروة وكانت ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر الأعمال ، فقال : إن أحب الأعمال إلى الله تعجيل الصلاة لأول وقتها " .وهكذا رواه أبو داود ، والترمذي وقال : لا نعرفه إلا من طريق العمري ، وليس بالقوي عند أهل الحديث :وخص تعالى من بينها بمزيد التأكيد الصلاة الوسطى . وقد اختلف السلف والخلف فيها : أي صلاة هي ؟ فقيل : إنها الصبح . حكاه مالك في الموطأ بلاغا عن علي ، وابن عباس [ قال : مالك : وذلك رأيي ] . وقال هشيم ، وابن علية ، وغندر ، وابن أبي عدي ، وعبد الوهاب ، وشريك وغيرهم ، عن عوف الأعرابي ، عن أبي رجاء العطاردي قال : صليت خلف ابن عباس الفجر ، فقنت فيها ، ورفع يديه ، ثم قال : هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين . رواه ابن جرير . ورواه أيضا من حديث عوف ، عن خلاس بن عمرو ، عن ابن عباس ، مثله سواء .وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا عوف ، عن أبي المنهال ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس : أنه صلى الغداة في مسجد البصرة ، فقنت قبل الركوع وقال : هذه الصلاة الوسطى التي ذكرها الله في كتابه فقال : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين )وقال أيضا : حدثنا محمد بن عيسى الدامغاني ، أخبرنا ابن المبارك ، أخبرنا الربيع بن أنس ، عن أبي العالية قال : صليت خلف عبد الله بن قيس بالبصرة صلاة الغداة ، فقلت لرجل من أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إلى جانبي : ما الصلاة الوسطى ؟ قال : هذه الصلاة .وروي من طريق أخرى عن الربيع ، عن أبي العالية : أنه صلى مع أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، صلاة الغداة ، فلما فرغوا قال ، قلت لهم : أيتهن الصلاة الوسطى ؟ قالوا : التي قد صليتها قبل .وقال أيضا : حدثنا ابن بشار ، حدثنا ابن عتمة ، عن سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن جابر بن عبد الله قال : الصلاة الوسطى : صلاة الصبح .وحكاه ابن أبي حاتم ، عن ابن عمر ، وأبي أمامة ، وأنس ، وأبي العالية ، وعبيد بن عمير ، وعطاء ، ومجاهد ، وجابر بن زيد ، وعكرمة ، والربيع بن أنس . ورواه ابن جرير ، عن عبد الله بن شداد بن الهاد أيضا وهو الذي نص عليه الشافعي ، رحمه الله ، محتجا بقوله : ( وقوموا لله قانتين ) والقنوت عنده في صلاة الصبح . [ ونقله الدمياطي عن عمر ، ومعاذ ، وابن عباس ، وابن عمر ، وعائشة على خلاف منهم ، وأبي موسى ، وجابر ، وأنس ، وأبي الشعثاء ، وطاوس ، وعطاء ، وعكرمة ، ومجاهد ] .ومنهم من قال : هي الوسطى باعتبار أنها لا تقصر ، وهي بين صلاتين رباعيتين مقصورتين . وترد المغرب . وقيل : لأنها بين صلاتي ليل جهريتين ، وصلاتي نهار سريتين .وقيل : إنها صلاة الظهر . قال أبو داود الطيالسي في مسنده : حدثنا ابن أبي ذئب ، عن الزبرقان يعني ابن عمرو عن زهرة يعني ابن معبد قال : كنا جلوسا عند زيد بن ثابت ، فأرسلوا إلى أسامة ، فسألوه عن الصلاة الوسطى ، فقال : هي الظهر ، كان النبي صلى الله عليه وسلم ، يصليها بالهجير .وقال [ الإمام ] أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، حدثني عمرو بن أبي حكيم ، سمعت الزبرقان يحدث عن عروة بن الزبير ، عن زيد بن ثابت قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة ، ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب النبي ، صلى الله عليه وسلم ، منها ، فنزلت : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) وقال : " إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين " ، ورواه أبو داود في سننه ، من حديث شعبة ، به .وقال أحمد أيضا : حدثنا يزيد ، حدثنا ابن أبي ذئب عن الزبرقان أن رهطا من قريش مر بهم زيد بن ثابت ، وهم مجتمعون ، فأرسلوا إليه غلامين لهم ; يسألانه عن الصلاة الوسطى ، فقال : هي العصر . فقام إليه رجلان منهم فسألاه ، فقال : هي الظهر . ثم انصرفا إلى أسامة بن زيد فسألاه ، فقال : هي الظهر ; إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الظهر بالهجير ، فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان ، والناس في قائلتهم وفي تجارتهم ، فأنزل الله : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ) قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لينتهين رجال أو لأحرقن بيوتهم " .الزبرقان هو ابن عمرو بن أمية الضمري ، لم يدرك أحدا من الصحابة . والصحيح ما تقدم من روايته ، عن زهرة بن معبد ، وعروة بن الزبير .وقال شعبة وهمام ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، عن ابن عمر ، عن زيد بن ثابت قال : الصلاة الوسطى : صلاة الظهر .وقال أبو داود الطيالسي وغيره ، عن شعبة ، أخبرني عمر بن سليمان ، من ولد عمر بن الخطاب قال : سمعت عبد الرحمن بن أبان بن عثمان ، يحدث عن أبيه ، عن زيد بن ثابت قال : الصلاة الوسطى هي الظهر .ورواه ابن جرير ، عن زكريا بن يحيى بن أبي زائدة ، عن عبد الصمد ، عن شعبة ، عن عمر بن سليمان ، به ، عن زيد بن ثابت ، في حديث رفعه قال : الصلاة الوسطى صلاة الظهر .وممن روي عنه أنها الظهر : ابن عمر ، وأبو سعيد ، وعائشة على اختلاف عنهم . وهو قول عروة بن الزبير ، وعبد الله بن شداد بن الهاد . ورواية عن أبي حنيفة ، رحمهم الله .وقيل : إنها صلاة العصر . قال الترمذي والبغوي ، رحمهما الله : وهو قول أكثر علماء الصحابة وغيرهم ، وقال القاضي الماوردي : وهو قول جمهور التابعين . وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر : هو قول أكثر أهل الأثر . وقال أبو محمد بن عطية في تفسيره : هو قول جمهور الناس . وقال الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي في كتابه المسمى : " كشف المغطى ، في تبيين الصلاة الوسطى " : وقد نصر فيه أنها العصر ، وحكاه عن عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وأبي أيوب ، وعبد الله بن عمرو ، وسمرة بن جندب ، وأبي هريرة ، وأبي سعيد ، وحفصة ، وأم حبيبة ، وأم سلمة . وعن ابن عمر ، وابن عباس ، وعائشة على الصحيح عنهم . وبه قال عبيدة ، وإبراهيم النخعي ، وزر بن حبيش ، وسعيد بن جبير ، وابن سيرين ، والحسن ، وقتادة ، والضحاك ، والكلبي ، ومقاتل ، وعبيد بن أبي مريم ، وغيرهم وهو مذهب أحمد بن حنبل . قال القاضي الماوردي : والشافعي . قال ابن المنذر : وهو الصحيح عن أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد ، واختاره ابن حبيب المالكي ، رحمهم الله .ذكر الدليل على ذلك :قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش عن مسلم ، عن شتير بن شكل عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب : " شغلونا عن الصلاة الوسطى ، صلاة العصر ، ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارا " . ثم صلاها بين العشاءين : المغرب والعشاء .وكذا رواه مسلم ، من حديث أبي معاوية محمد بن حازم الضرير ، والنسائي من طريق عيسى بن يونس ، كلاهما عن الأعمش عن مسلم بن صبيح عن أبي الضحى ، عن شتير بن شكل بن حميد ، عن علي بن أبي طالب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .وقد رواه مسلم أيضا ، من طريق شعبة ، عن الحكم بن عتيبة عن يحيى بن الجزار ، عن علي ، به .وأخرجه الشيخان ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وغير واحد من أصحاب المساند والسنن ، والصحاح من طرق يطول ذكرها ، عن عبيدة السلماني ، عن علي ، به .ورواه الترمذي ، والنسائي من طريق الحسن البصري ، عن علي ، به . قال الترمذي : ولا يعرف سماعه منه .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن زر : قال قلت لعبيدة : سل عليا عن صلاة الوسطى ، فسأله ، فقال : كنا نراها الفجر أو الصبح حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الأحزاب : " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ، ملأ الله قبورهم وأجوافهم أو بيوتهم نارا " ورواه ابن جرير ، عن بندار ، عن ابن مهدي ، به .وحديث يوم الأحزاب ، وشغل المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه عن أداء صلاة العصر يومئذ ، مروي عن جماعة من الصحابة يطول ذكرهم ، وإنما المقصود رواية من نص منهم في روايته أن الصلاة الوسطى : هي صلاة العصر . وقد رواه مسلم أيضا ، من حديث ابن مسعود ، والبراء بن عازب رضي الله عنهما .حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا همام ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " صلاة الوسطى : صلاة العصر " .وحدثنا بهز ، وعفان قالا حدثنا أبان ، حدثنا قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة : أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم قال : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) وسماها لنا أنها هي : صلاة العصر .وحدثنا محمد بن جعفر ، وروح ، قالا : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة بن جندب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " هي العصر " . قال ابن جعفر : سئل عن صلاة الوسطى .ورواه الترمذي ، من حديث سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة . وقال : حسن صحيح : وقد سمع منه .[ حديث آخر ] : وقال ابن جرير : حدثنا أحمد بن منيع ، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء ، عن التيمي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الصلاة الوسطى صلاة العصر " .طريق أخرى ، بل حديث آخر : وقال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا سليمان بن أحمد الجرشي الواسطي ، حدثنا الوليد بن مسلم . قال : أخبرني صدقة بن خالد ، حدثني خالد بن دهقان ، عن خالد بن سبلان ، عن كهيل بن حرملة . قال : سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى ، فقال : اختلفنا فيها كما اختلفتم فيها ، ونحن بفناء بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفينا الرجل الصالح : أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، فقال : أنا أعلم لكم ذلك : فقام فاستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخل عليه ، ثم خرج إلينا فقال : أخبرنا أنها صلاة العصر غريب من هذا الوجه جدا .حديث آخر : قال ابن جرير : حدثنا أحمد بن إسحاق ، حدثنا أبو أحمد ، حدثنا عبد السلام ، عن سالم مولى أبي بصير حدثني إبراهيم بن يزيد الدمشقي قال : كنت جالسا عند عبد العزيز بن مروان فقال : يا فلان ، اذهب إلى فلان فقل له : أي شيء سمعت من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . في الصلاة الوسطى ؟ فقال رجل جالس : أرسلني أبو بكر وعمر وأنا غلام صغير أسأله عن الصلاة الوسطى ، فأخذ إصبعي الصغيرة فقال : هذه الفجر ، وقبض التي تليها ، فقال : هذه الظهر . ثم قبض الإبهام ، فقال : هذه المغرب . ثم قبض التي تليها ، فقال : هذه العشاء . ثم قال : أي أصابعك بقيت ؟ فقلت : الوسطى . فقال : أي الصلاة بقيت ؟ فقلت : العصر . فقال : هي العصر . غريب أيضا .حديث آخر : قال ابن جرير : حدثني محمد بن عوف الطائي ، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش حدثني أبي ، حدثني ضمضم بن زرعة ، عن شريح بن عبيد ، عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الصلاة الوسطى صلاة العصر " . إسناده لا بأس به .حديث آخر : قال أبو حاتم بن حبان في صحيحه : حدثنا أحمد بن يحيى بن زهير ، حدثنا الجراح بن مخلد ، حدثنا عمرو بن عاصم ، حدثنا همام عن قتادة عن مورق العجلي ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صلاة الوسطى صلاة العصر " .وقد روى الترمذي ، من حديث محمد بن طلحة بن مصرف ، عن زبيد اليامي ، عن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صلاة الوسطى صلاة العصر " ثم قال : حسن صحيح .وأخرجه مسلم في صحيحه ، من طريق محمد بن طلحة ، به ولفظه : " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر " الحديث .فهذه نصوص في المسألة لا تحتمل شيئا ، ويؤكد ذلك الأمر بالمحافظة عليها ، وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ، من رواية الزهري ، عن سالم ، عن أبيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله " . وفي الصحيح أيضا ، من حديث الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهاجر عن بريدة بن الحصيب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " بكروا بالصلاة في يوم الغيم ، فإنه من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله " .وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق ، أخبرنا ابن لهيعة ، عن عبد الله بن هبيرة ، عن أبي تميم ، عن أبي بصرة الغفاري قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في واد من أوديتهم ، يقال له : المخمص صلاة العصر ، فقال : " إن هذه الصلاة صلاة العصر عرضت على الذين من قبلكم فضيعوها ، ألا ومن صلاها ضعف له أجره مرتين ، ألا ولا صلاة بعدها حتى تروا الشاهد " .ثم قال : رواه عن يحيى بن إسحاق ، عن الليث ، عن خير بن نعيم ، عن عبد الله بن هبيرة ، به .وهكذا رواه مسلم والنسائي جميعا ، عن قتيبة ، عن الليث . ورواه مسلم أيضا من حديث محمد بن إسحاق ، حدثني يزيد بن أبي حبيب كلاهما عن خير بن نعيم الحضرمي ، عن عبد الله ابن هبيرة السبائي .فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد أيضا : حدثنا إسحاق ، أخبرني مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن القعقاع بن حكيم ، عن أبي يونس مولى عائشة قال : أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا ، قالت : إذا بلغت هذه الآية : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) فآذني . فلما بلغتها آذنتها ، فأملت علي : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين " قالت : سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا رواه مسلم ، عن يحيى بن يحيى ، عن مالك ، به .وقال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا الحجاج ، حدثنا حماد ، عن هشام بن عروة عن أبيه قال : كان في مصحف عائشة : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر " . وهكذا رواه من طريق الحسن البصري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها كذلك . وقد روى الإمام مالك أيضا ، عن زيد بن أسلم عن عمرو بن رافع قال : كنت أكتب مصحفا لحفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : إذا بلغت هذه الآية : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) فآذني فلما بلغتها آذنتها . فأملت علي : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين " .وهكذا رواه محمد بن إسحاق بن يسار فقال : حدثني أبو جعفر محمد بن علي ، ونافع مولى ابن عمر : أن عمر بن نافع قال . . . فذكر مثله ، وزاد : كما حفظتها من النبي صلى الله عليه وسلم .طريق أخرى عن حفصة : قال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن عبد الله بن يزيد الأزدي ، عن سالم بن عبد الله : أن حفصة أمرت إنسانا أن يكتب لها مصحفا ، فقالت : إذا بلغت هذه الآية : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) فآذني . فلما بلغ آذنها فقالت : اكتب : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر " .طريق أخرى : قال ابن جرير : حدثني ابن المثنى عبد الوهاب ، حدثنا عبيد الله ، عن نافع ، أن حفصة أمرت مولى لها أن يكتب لها مصحفا فقالت : إذا بلغت هذه الآية : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى " فلا تكتبها حتى أمليها عليك كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها . فلما بلغها أمرته فكتبها : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين " . قال نافع : فقرأت ذلك المصحف فرأيت فيه " الواو " .وكذا روى ابن جرير ، عن ابن عباس وعبيد بن عمير أنهما قرآ كذلك .وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا عبدة ، حدثنا محمد بن عمرو ، حدثني أبو سلمة ، عن عمرو بن رافع مولى عمر قال : كان في مصحف حفصة : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين " . وتقرير المعارضة أنه عطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى بواو العطف التي تقتضي المغايرة ، فدل ذلك على أنها غيرها وأجيب عن ذلك بوجوه : أحدها أن هذا إن روي على أنه خبر ، فحديث علي أصح وأصرح منه ، وهذا يحتمل أن تكون الواو زائدة ، كما في قوله : ( وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ) [ الأنعام : 55 ] ، ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ) [ الأنعام : 75 ] ، أو تكون لعطف الصفات لا لعطف الذوات ، كقوله : ( ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) [ الأحزاب : 40 ] ، وكقوله : ( سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى ) [ الأعلى 14 ] وأشباه ذلك كثيرة ، وقال الشاعر :إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحموقال أبو دؤاد الإيادي :سلط الموت والمنون عليهم فلهم في صدى المقابر هاموالموت هو المنون ; قال عدي بن زيد العبادي :فقدمت الأديم لراهشيه فألفى قولها كذبا وميناوالكذب : هو المين ، وقد نص سيبويه شيخ النحاة على جواز قول القائل : مررت بأخيك وصاحبك ، ويكون الصاحب هو الأخ نفسه ، والله أعلم .وأما إن روي على أنه قرآن فإنه لم يتواتر ، فلا يثبت بمثل خبر الواحد قرآن ; ولهذا لم يثبته أمير المؤمنين عثمان بن عفان في المصحف الإمام ، ولا قرأ بذلك أحد من القراء الذين تثبت الحجة بقراءتهم ، لا من السبعة ولا غيرهم . ثم قد روي ما يدل على نسخ هذه التلاوة المذكورة في هذا الحديث . قال مسلم : حدثنا إسحاق ابن راهويه ، أخبرنا يحيى بن آدم ، عن فضيل بن مرزوق ، عن شقيق بن عقبة ، عن البراء بن عازب ، قال : نزلت : " حافظوا على الصلوات وصلاة العصر " فقرأناها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله ، ثم نسخها الله ، عز وجل ، فأنزل : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) فقال له زاهر رجل كان مع شقيق : أفهي العصر ؟ قال : قد حدثتك كيف نزلت ، وكيف نسخها الله ، عز وجل .قال مسلم : ورواه الأشجعي ، عن الثوري ، عن الأسود ، عن شقيق .قلت : وشقيق هذا لم يرو له مسلم سوى هذا الحديث الواحد ، والله أعلم . فعلى هذا تكون هذه التلاوة ، وهي تلاوة الجادة ، ناسخة للفظ رواية عائشة وحفصة ، ولمعناها ، إن كانت الواو دالة على المغايرة ، وإلا فللفظها فقط ، والله أعلم .وقيل : إن الصلاة الوسطى هي صلاة المغرب . رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس . وفي إسناده نظر ; فإنه رواه عن أبيه ، عن أبي الجماهر عن سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن أبي الخليل ، عن عمه ، عن ابن عباس قال : صلاة الوسطى : المغرب . وحكى هذا القول ابن جرير عن قبيصة بن ذؤيب وحكي أيضا عن قتادة على اختلاف عنه . ووجه هذا القول بعضهم بأنها : وسطى في العدد بين الرباعية والثنائية ، وبأنها وتر المفروضات ، وبما جاء فيها من الفضيلة ، والله أعلم .وقيل : إنها العشاء الآخرة ، اختاره علي بن أحمد الواحدي في تفسيره المشهور : وقيل : هي واحدة من الخمس ، لا بعينها ، وأبهمت فيهن ، كما أبهمت ليلة القدر في الحول أو الشهر أو العشر . ويحكى هذا القول عن سعيد بن المسيب ، وشريح القاضي ، ونافع مولى ابن عمر ، والربيع بن خثيم ، ونقل أيضا عن زيد بن ثابت ، واختاره إمام الحرمين الجويني في نهايته .وقيل : بل الصلاة الوسطى مجموع الصلوات الخمس ، رواه ابن أبي حاتم عن ابن عمر ، وفي صحته أيضا نظر والعجب أن هذا القول اختاره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري ، إمام ما وراء البحر ، وإنها لإحدى الكبر ، إذ اختاره مع اطلاعه وحفظه ما لم يقم عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا أثر . وقيل : إنها صلاة العشاء وصلاة الفجر ، وقيل : بل هي صلاة الجماعة . وقيل : صلاة الجمعة . وقيل : صلاة الخوف . وقيل : بل صلاة عيد الفطر . وقيل : بل صلاة عيد الأضحى . وقيل : الوتر . وقيل : الضحى . وتوقف فيها آخرون لما تعارضت عندهم الأدلة ، ولم يظهر لهم وجه الترجيح . ولم يقع الإجماع على قول واحد ، بل لم يزل التنازع فيها موجودا من زمن الصحابة وإلى الآن .قال ابن جرير : حدثني محمد بن بشار وابن مثنى ، قالا : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة قال : سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا ، وشبك بين أصابعه .[ وقد حكى فخر الدين الرازي في تفسيره قولا عن جمع من العلماء منهم زيد بن ثابت ، وربيع بن خثيم : أنها لم يرد بيانها ، وإنما أريد إبهامها ، كما أبهمت ليلة القدر في شهر رمضان ، وساعة الإجابة في يوم الجمعة ، والاسم الأعظم في أسماء الله تعالى ، ووقت الموت على المكلف ; ليكون في كل وقت مستعدا ، وكذا أبهمت الليلة التي ينزل فيها من السماء وباء ليحذرها الناس ، ويعطوا الأهبة دائما ، وكذا وقت الساعة استأثر الله بعلمه ; فلا تأتي إلا بغتة ] .وكل هذه الأقوال فيها ضعف بالنسبة إلى التي قبلها ، وإنما المدار ومعترك النزاع في الصبح والعصر . وقد ثبتت السنة بأنها العصر ، فتعين المصير إليها .وقد روى الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في كتاب " فضائل الشافعي " رحمه الله : حدثنا أبي ، سمعت حرملة بن يحيى التجيبي يقول : قال الشافعي : كل ما قلت فكان عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف قولي مما يصح ، فحديث النبي صلى الله عليه وسلم أولى ، ولا تقلدوني . وكذا روى الربيع والزعفراني وأحمد بن حنبل ، عن الشافعي . وقال موسى أبو الوليد بن أبي الجارود ، عن الشافعي : إذا صح الحديث وقلت قولا فأنا راجع عن قولي وقائل بذلك . فهذا من سيادته وأمانته ، وهذا نفس إخوانه من الأئمة ، رحمهم الله ورضي عنهم أجمعين آمين . ومن هاهنا قطع القاضي الماوردي بأن مذهب الشافعي ، رحمه الله ، أن صلاة الوسطى هي صلاة العصر ، وإن كان قد نص في الجديد وغيره أنها الصبح ، لصحة الأحاديث أنها العصر ، وقد وافقه على هذه الطريقة جماعة من محدثي المذهب ، ولله الحمد والمنة . ومن الفقهاء في المذهب من ينكر أن تكون هي العصر مذهبا للشافعي ، وصمموا على أنها الصبح قولا واحدا . قال الماوردي : ومنهم من حكى في المسألة قولين ، ولتقرير المعارضات والجوابات موضع آخر غير هذا ، وقد أفردناه على حدة ، ولله الحمد والمنة .وقوله تعالى : ( وقوموا لله قانتين ) أي : خاشعين ذليلين مستكينين بين يديه ، وهذا الأمر مستلزم ترك الكلام في الصلاة ، لمنافاته إياها ; ولهذا لما امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الرد على ابن مسعود حين سلم عليه ، وهو في الصلاة ، اعتذر إليه بذلك ، وقال . " إن في الصلاة لشغلا " ، وفي صحيح مسلم أنه عليه السلام قال لمعاوية بن الحكم [ السلمي ] حين تكلم في الصلاة : " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هي التسبيح والتكبير وذكر الله " .وقال الإمام أحمد ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن إسماعيل ، حدثني الحارث بن شبيل ، عن أبي عمرو الشيباني ، عن زيد بن أرقم قال : كان الرجل يكلم صاحبه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، في الحاجة في الصلاة ، حتى نزلت هذه الآية : ( وقوموا لله قانتين ) فأمرنا بالسكوت . رواه الجماعة سوى ابن ماجه ، به ، من طرق عن إسماعيل ، به .وقد أشكل هذا الحديث على جماعة من العلماء ، حيث ثبت عندهم أن تحريم الكلام في الصلاة كان بمكة ، قبل الهجرة إلى المدينة وبعد الهجرة إلى أرض الحبشة ، كما دل على ذلك حديث ابن مسعود الذي في الصحيح ، قال : كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن نهاجر إلى الحبشة وهو في الصلاة ، فيرد علينا ، قال : فلما قدمنا سلمت عليه ، فلم يرد علي ، فأخذني ما قرب وما بعد ، فلما سلم قال : " إني لم أرد عليك إلا أني كنت في الصلاة ، وإن الله يحدث من أمره ما يشاء ، وإن مما أحدث ألا تكلموا في الصلاة " .وقد كان ابن مسعود ممن أسلم قديما ، وهاجر إلى الحبشة ، ثم قدم منها إلى مكة مع من قدم ، فهاجر إلى المدينة ، وهذه الآية : ( وقوموا لله قانتين ) مدنية بلا خلاف ، فقال قائلون : إنما أراد زيد بن أرقم بقوله : " كان الرجل يكلم أخاه في حاجته في الصلاة " الإخبار عن جنس الناس ، واستدل على تحريم ذلك بهذه الآية بحسب ما فهمه منها ، والله أعلم .وقال آخرون : إنما أراد أن ذلك قد وقع بالمدينة بعد الهجرة إليها ، ويكون ذلك فقد أبيح مرتين ، وحرم مرتين ، كما اختار ذلك قوم من أصحابنا وغيرهم ، والأول أظهر . والله أيضا أعلم .وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا بشر بن الوليد ، حدثنا إسحاق بن يحيى ، عن المسيب ، عن ابن مسعود قال : كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة ، فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه ، فلم يرد علي ، فوقع في نفسي أنه نزل في شيء ، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته قال : " وعليك السلام ، أيها المسلم ، ورحمة الله ، إن الله ، عز وجل ، يحدث من أمره ما يشاء فإذا كنتم في الصلاة فاقنتوا ولا تكلموا " .
تفسير القرطبيفيه ثمان مسائل : الأولى : ( حافظوا ) خطاب لجميع الأمة ، والآية أمر بالمحافظة على إقامة الصلوات في أوقاتها بجميع شروطها . والمحافظة هي المداومة على الشيء والمواظبة عليه . والوسطى تأنيث الأوسط . ووسط الشيء خيره وأعدله ، ومنه قوله تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا ، وقد تقدم . وقال أعرابي يمدح النبي صلى الله عليه وسلم :يا أوسط الناس طرا في مفاخرهم وأكرم الناس أما برة وأباووسط فلان القوم يسطهم أي صار في وسطهم . وأفرد الصلاة الوسطى بالذكر وقد دخلت قبل في عموم الصلوات تشريفا لها ، كقوله تعالى : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ، وقوله : فيهما فاكهة ونخل ورمان . وقرأ أبو جعفر الواسطي " والصلاة الوسطى " بالنصب على الإغراء ، أي والزموا الصلاة الوسطى : وكذلك قرأ الحلواني . وقرأ قالون عن نافع " الوصطى " بالصاد لمجاورة الطاء لها ؛ لأنهما من حيز واحد ، وهما لغتان كالصراط ونحوه .الثانية : واختلف الناس في تعيين الصلاة الوسطى على عشرة أقوال :( الأول ) أنها الظهر ؛ لأنها وسط النهار على الصحيح من القولين أن النهار أوله من طلوع الفجر كما تقدم ، وإنما بدأنا بالظهر لأنها أول صلاة صليت في الإسلام . وممن قال إنها الوسطى زيد بن ثابت وأبو سعيد الخدري وعبد الله بن عمر وعائشة رضي الله عنهم . ومما يدل على أنها وسطى ما قالته عائشة وحفصة حين أملتا " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر " بالواو . وروي أنها كانت أشق على المسلمين ؛ لأنها كانت تجيء في الهاجرة وهم قد نفهتهم أعمالهم في أموالهم . وروى أبو داود عن زيد قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة ولم تكن تصلى صلاة أشد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ، فنزلت : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقال : إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين . وروى مالك في موطئه وأبو داود الطيالسي في مسنده عن زيد بن ثابت قال : الصلاة الوسطى صلاة الظهر ، زاد الطيالسي : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها بالهجير .( الثاني ) أنها العصر ؛ لأن قبلها صلاتي نهار وبعدها صلاتي ليل . قال النحاس : وأجود من هذا الاحتجاج أن يكون إنما قيل لها وسطى لأنها بين صلاتين إحداهما أول ما فرض والأخرى الثانية مما فرض . وممن قال إنها وسطى علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري ، وهو اختيار أبي حنيفة وأصحابه ، وقاله الشافعي وأكثر أهل الأثر ، وإليه ذهب عبد الملك بن حبيب واختاره ابن العربي في قبسه وابن عطية في تفسيره وقال : وعلى هذا القول الجمهور من الناس وبه أقول واحتجوا بالأحاديث الواردة في هذا الباب خرجها مسلم وغيره ، وأنصها حديث ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الصلاة الوسطى صلاة العصر خرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح . وقد أتينا زيادة على هذا في القبس في شرح موطإ مالك بن أنس .( الثالث ) إنها المغرب ، قاله قبيصة بن أبي ذؤيب في جماعة . والحجة لهم أنها متوسطة في عدد الركعات ليست بأقلها ولا أكثرها ولا تقصر في السفر ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤخرها عن وقتها ولم يعجلها ، وبعدها صلاتا جهر وقبلها صلاتا سر . وروي من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن أفضل الصلوات عند الله صلاة المغرب لم يحطها عن مسافر ولا مقيم فتح الله بها صلاة الليل وختم بها صلاة النهار فمن صلى المغرب وصلى بعدها ركعتين بنى الله له قصرا في الجنة ومن صلى بعدها أربع ركعات غفر الله له ذنوب عشرين سنة - أو قال - أربعين سنة .( الرابع ) صلاة العشاء الآخرة ؛ لأنها بين صلاتين لا تقصران ، وتجيء في وقت نوم ويستحب تأخيرها وذلك شاق فوقع التأكيد في المحافظة عليها .( الخامس ) إنها الصبح ؛ لأن قبلها صلاتي ليل يجهر فيهما وبعدها صلاتي نهار يسر فيهما ، ولأن وقتها يدخل والناس نيام ، والقيام إليها شاق في زمن البرد لشدة البرد وفي زمن الصيف لقصر الليل . وممن قال إنها وسطى علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس ، أخرجه الموطأ بلاغا ، وأخرجه الترمذي عن ابن عمر وابن عباس تعليقا ، وروي عن جابر بن عبد الله ، وهو قول مالك وأصحابه وإليه ميل الشافعي فيما ذكر عنه القشيري . والصحيح عن علي أنها العصر ، وروي عنه ذلك من وجه معروف صحيح وقد استدل من قال إنها الصبح بقوله تعالى : وقوموا لله قانتين يعني فيها ، ولا صلاة مكتوبة فيها قنوت إلا الصبح . قال أبو رجاء : صلى بنا ابن عباس صلاة الغداة بالبصرة فقنت فيها قبل الركوع ورفع يديه فلما فرغ قال : هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا الله تعالى أن نقوم فيها قانتين . وقال أنس : قنت النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح بعد الركوع ، وسيأتي حكم القنوت وما للعلماء فيه في ( آل عمران ) عند قوله تعالى : ليس لك من الأمر شيء .( السادس ) صلاة الجمعة ؛ لأنها خصت بالجمع لها والخطبة فيها وجعلت عيدا ذكره ابن حبيب ومكي وروى مسلم عن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة : لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم .( السابع ) إنها الصبح والعصر معا . قاله الشيخ أبو بكر الأبهري ، واحتج بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار الحديث ، رواه أبو هريرة . وروى جرير بن عبد الله قال : كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال : أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها يعني العصر والفجر : ثم قرأ جرير وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها . وروى عمارة بن رؤيبة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها يعني الفجر والعصر . وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من صلى البردين دخل الجنة كله ثابت في صحيح مسلم وغيره . وسميتا البردين لأنهما يفعلان في وقتي البرد .( الثامن ) إنها العتمة والصبح . قال أبو الدرداء رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه : ( اسمعوا وبلغوا من خلفكم حافظوا على هاتين الصلاتين - يعني في جماعة - العشاء والصبح ، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبوا على مرافقكم وركبكم ) قاله عمر وعثمان . وروى الأئمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا - وقال - إنهما أشد الصلاة على المنافقين وجعل لمصلي الصبح في جماعة قيام ليلة والعتمة نصف ليلة ، ذكره مالك موقوفا على عثمان ورفعه مسلم ، وخرجه أبو داود والترمذي عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من شهد العشاء في جماعة كان له قيام نصف ليلة ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان له كقيام ليلة وهذا خلاف ما رواه مالك ومسلم .( التاسع ) أنها الصلوات الخمس بجملتها ، قاله معاذ بن جبل ؛ لأن قوله تعالى : حافظوا على الصلوات يعم الفرض والنفل ، ثم خص الفرض بالذكر .( العاشر ) إنها غير معينة ، قاله نافع عن ابن عمر ، وقاله الربيع بن خيثم فخبأها الله تعالى في الصلوات كما خبأ ليلة القدر في رمضان ، وكما خبأ ساعة يوم الجمعة وساعات الليل المستجاب فيها الدعاء ليقوموا بالليل في الظلمات لمناجاة عالم الخفيات . ومما يدل على صحة أنها مبهمة غير معينة ما رواه مسلم في صحيحه في آخر الباب عن البراء بن عازب قال : نزلت هذه الآية : " حافظوا على الصلوات وصلاة العصر " فقرأناها ما شاء الله ، ثم نسخها الله فنزلت : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فقال رجل : هي إذا صلاة العصر ؟ قال البراء : قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله تعالى ، والله أعلم . فلزم من هذا أنها بعد أن عينت نسخ تعيينها وأبهمت فارتفع التعيين ، والله أعلم . وهذا اختيار مسلم ؛ لأنه أتى به في آخر الباب وقال به غير واحد من العلماء المتأخرين ، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لتعارض الأدلة وعدم الترجيح فلم يبق إلا المحافظة على جميعها وأدائها في أوقاتها والله أعلم .الثالثة : وهذا الاختلاف في الصلاة الوسطى يدل على بطلان من أثبت " وصلاة العصر " المذكور في حديث أبي يونس مولى عائشة حين أمرته أن يكتب لها مصحفا قرآنا . قال علماؤنا : وإنما ذلك كالتفسير من النبي صلى الله عليه وسلم ، يدل على ذلك حديث عمرو بن رافع قال : ( أمرتني حفصة أن أكتب لها مصحفا . . . ) الحديث . وفيه : فأملت علي حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى - وهي العصر - وقوموا لله قانتين وقالت : هكذا سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها . فقولها : " وهي العصر " دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر الصلاة الوسطى من كلام الله تعالى بقوله هو ( وهي العصر ) . وقد روى نافع عن حفصة " وصلاة العصر " ، كما روي عن عائشة وعن حفصة أيضا " صلاة العصر " بغير واو . وقال أبو بكر الأنباري : وهذا الخلاف في هذا اللفظ المزيد يدل على بطلانه وصحة ما في الإمام مصحف جماعة المسلمين . وعليه حجة أخرى وهو أن من قال : والصلاة الوسطى وصلاة العصر جعل الصلاة الوسطى غير العصر ، وفي هذا دفع لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه عبد الله قال : شغل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب عن صلاة العصر حتى اصفرت الشمس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا . . . الحديث .الرابعة : وفي قوله تعالى : والصلاة الوسطى دليل على أن الوتر ليس بواجب لأن المسلمين اتفقوا على أعداد الصلوات المفروضات أنها تنقص عن سبعة وتزيد على ثلاثة وليس بين الثلاثة والسبعة فرد إلا الخمسة والأزواج لا وسط لها فثبت أنها خمسة . وفي حديث الإسراء : هي خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي .الخامسة : قوله تعالى : وقوموا لله قانتين معناه في صلاتكم . واختلف الناس في معنى قوله قانتين فقال الشعبي : طائعين ، وقاله جابر بن زيد وعطاء وسعيد بن جبير . وقال الضحاك : كل قنوت في القرآن فإنما يعنى به الطاعة . وقاله أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم . وإن أهل كل دين فهم اليوم يقومون عاصين ، فقيل لهذه الأمة فقوموا لله طائعين . وقال مجاهد : معنى ( قانتين ) خاشعين ، والقنوت طول الركوع والخشوع وغض البصر وخفض الجناح . وقال الربيع : القنوت طول القيام ، وقاله ابن عمر وقرأ أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما . وقال عليه السلام . أفضل الصلاة طول القنوت خرجه مسلم وغيره . وقال الشاعر :قانتا لله يدعو ربه وعلى عمد من الناس اعتزلوقد تقدم . وروي عن ابن عباس قانتين داعين . وفي الحديث : قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو على رعل وذكوان قال قوم : معناه دعا ، وقال قوم : معناه طول قيامه . وقال السدي : قانتين ساكتين ، دليله أن الآية نزلت في المنع من الكلام في الصلاة وكان ذلك مباحا في صدر الإسلام ، وهذا هو الصحيح لما رواه مسلم وغيره عن عبد الله بن مسعود قال : كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا ، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا فقلنا : يا رسول الله ، كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا ؟ فقال : إن في الصلاة شغلا . وروى زيد بن أرقم قال : كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت : وقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام . وقيل : إن أصل القنوت في اللغة الدوام على الشيء . ومن حيث كان أصل القنوت في اللغة الدوام على الشيء جاز أن يسمى مديم الطاعة قانتا ، وكذلك من أطال القيام والقراءة والدعاء في الصلاة ، أو أطال الخشوع والسكوت ، كل هؤلاء فاعلون للقنوت .السادسة : قال أبو عمر : أجمع المسلمون طرا أن الكلام عامدا في الصلاة إذا كان المصلي يعلم أنه في صلاة ، ولم يكن ذلك في إصلاح صلاته أنه يفسد الصلاة ، إلا ما روي عن الأوزاعي أنه قال : من تكلم لإحياء نفس أو مثل ذلك من الأمور الجسام لم تفسد صلاته بذلك . وهو قول ضعيف في النظر ، لقول الله عز وجل : وقوموا لله قانتين وقال زيد بن أرقم : ( كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت : وقوموا لله قانتين . . . ) الحديث . وقال ابن مسعود : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله أحدث من أمره ألا تكلموا في الصلاة . وليس الحادث الجسيم الذي يجب له قطع الصلاة ومن أجله يمنع من الاستئناف ، فمن قطع صلاته لما يراه من الفضل في إحياء نفس أو مال أو ما كان بسبيل ذلك استأنف صلاته ولم يبن . هذا هو الصحيح في المسألة إن شاء الله تعالى .السابعة : واختلفوا في الكلام ساهيا فيها ، فذهب مالك والشافعي وأصحابهما إلى أن الكلام فيها ساهيا لا يفسدها ، غير أن مالكا قال : لا يفسد الصلاة تعمد الكلام فيها إذا كان في شأنها لإصلاحها ، وهو قول ربيعة وابن القاسم . وروى سحنون عن ابن القاسم عن مالك قال : لو أن قوما صلى بهم الإمام ركعتين وسلم ساهيا فسبحوا به فلم يفقه ، فقال له رجل من خلفه ممن هو معه في الصلاة : إنك لم تتم فأتم صلاتك ، فالتفت إلى القوم فقال : أحق ما يقول هذا ؟ فقالوا : نعم ، قال : يصلي بهم الإمام ما بقي من صلاتهم ويصلون معه بقية صلاتهم من تكلم منهم ومن لم يتكلم ولا شيء عليهم ويفعلون في ذلك ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذي اليدين . هذا قول ابن القاسم في كتابه " المدونة " وروايته عن مالك ، وهو المشهور من مذهب مالك وإياه تقلد إسماعيل بن إسحاق واحتج له في كتاب رده على محمد بن الحسن . وذكر الحارث بن مسكين قال : أصحاب مالك كلهم على خلاف قول مالك في مسألة ذي اليدين إلا ابن القاسم وحده فإنه يقول فيها بقول مالك ، وغيرهم يأبونه ويقولون : إنما كان هذا في صدر الإسلام ، فأما الآن فقد عرف الناس صلاتهم فمن تكلم فيها أعادها ، وهذا هو قول العراقيين : أبي حنيفة وأصحابه والثوري فإنهم ذهبوا إلى أن الكلام في الصلاة يفسدها على أي حال كان سهوا أو عمدا لصلاة كان أو لغير ذلك ، وهو قول إبراهيم النخعي وعطاء والحسن وحماد بن أبي سليمان وقتادة . وزعم أصحاب أبي حنيفة أن حديث أبي هريرة هذا في قصة ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود وزيد بن أرقم ، قالوا : وإن كان أبو هريرة متأخر الإسلام فإنه أرسل حديث ذي اليدين كما أرسل حديث ( من أدركه الفجر جنبا فلا صوم له ) قالوا : وكان كثير الإرسال . وذكر علي بن زياد قال حدثنا أبو قرة قال : سمعت مالكا يقول : يستحب إذا تكلم الرجل في الصلاة أن يعود لها ولا يبني . قال : وقال لنا مالك إنما تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلم أصحابه معه يومئذ ؛ لأنهم ظنوا أن الصلاة قصرت ولا يجوز ذلك لأحد اليوم . وقد روى سحنون عن ابن القاسم في رجل صلى وحده ففرغ عند نفسه من الأربع ، فقال له رجل إلى جنبه : إنك لم تصل إلا ثلاثا ، فالتفت إلى آخر فقال : أحق ما يقول هذا ؟ قال : نعم ، قال : تفسد صلاته ولم يكن ينبغي له أن يكلمه ولا أن يلتفت إليه . قال أبو عمر : فكانوا يفرقون في هذه المسألة بين الإمام مع الجماعة والمنفرد فيجيزون من الكلام في شأن الصلاة للإمام ومن معه ما لا يجيزونه للمنفرد ، وكان غير هؤلاء يحملون جواب ابن القاسم في المنفرد في هذه المسألة وفي الإمام ومن معه على اختلاف من قوله في استعمال حديث ذي اليدين كما اختلف قول مالك في ذلك . وقال الشافعي وأصحابه : من تعمد الكلام وهو يعلم أنه لم يتم الصلاة وأنه فيها أفسد صلاته ، فإن تكلم ساهيا أو تكلم وهو يظن أنه ليس في الصلاة لأنه قد أكملها عند نفسه فإنه يبني . واختلف قول أحمد في هذه المسألة فذكر الأثرم عنه أنه قال : ما تكلم به الإنسان في صلاته لإصلاحها لم تفسد عليه صلاته ، فإن تكلم لغير ذلك فسدت ، وهذا هو قول مالك المشهور . وذكر الخرقي عنه أن مذهبه فيمن تكلم عامدا أو ساهيا بطلت صلاته ، إلا الإمام خاصة فإنه إذا تكلم لمصلحة صلاته لم تبطل صلاته . واستثنى سحنون من أصحاب مالك أن من سلم من اثنتين في الرباعية فوقع الكلام هناك لم تبطل الصلاة ، وإن وقع في غير ذلك بطلت الصلاة . والصحيح ما ذهب إليه مالك في المشهور تمسكا بالحديث وحملا له على الأصل الكلي من تعدي الأحكام وعموم الشريعة ، ودفعا لما يتوهم من الخصوصية إذ لا دليل عليها . فإن قال قائل : فقد جرى الكلام في الصلاة والسهو أيضا وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : التسبيح للرجال والتصفيق للنساء فلم لم يسبحوا ؟ فقال : لعل في ذلك الوقت لم يكن أمرهم بذلك ، ولئن كان كما ذكرت فلم يسبحوا ؛ لأنهم توهموا أن الصلاة قصرت ، وقد جاء ذلك في الحديث قال : وخرج سرعان الناس فقالوا : أقصرت الصلاة ؟ فلم يكن بد من الكلام لأجل ذلك . والله أعلم .وقد قال بعض المخالفين : قول أبي هريرة ( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يحتمل أن يكون مراده أنه صلى بالمسلمين وهو ليس منهم ، كما روي عن النزال بن سبرة أنه قال : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا وإياكم كنا ندعى بني عبد مناف وأنتم اليوم بنو عبد الله ونحن بنو عبد الله وإنما عنى به أنه قال ذلك لقومه وهذا بعيد ، فإنه لا يجوز أن يقول صلى بنا وهو إذ ذاك كافر ليس من أهل الصلاة ويكون ذلك كذبا ، وحديث النزال هو كان من جملة القوم وسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع . وأما ما ادعته الحنفية من النسخ والإرسال فقد أجاب عن قولهم علماؤنا وغيرهم وأبطلوه ، وخاصة الحافظ أبا عمر بن عبد البر في كتابه المسمى ب ( التمهيد ) وذكر أن أبا هريرة أسلم عام خيبر ، وقدم المدينة في ذلك العام ، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أعوام ، وشهد قصة ذي اليدين وحضرها ، وأنها لم تكن قبل بدر كما زعموا ، وأن ذا اليدين قتل في بدر . قال : وحضور أبي هريرة يوم ذي اليدين محفوظ من رواية الحفاظ الثقات ، وليس تقصير من قصر عن ذلك بحجة على من علم ذلك وحفظه وذكره .الثامنة : القنوت : القيام ، وهو أحد أقسامه فيما ذكر أبو بكر بن الأنباري ، وأجمعت الأمة على أن القيام في صلاة الفرض واجب على كل صحيح قادر عليه ، منفردا كان أو إماما . وقال صلى الله عليه وسلم : إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى قائما فصلوا قياما الحديث ، أخرجه الأئمة ، وهو بيان لقوله تعالى : وقوموا لله قانتين . واختلفوا في المأموم الصحيح يصلي قاعدا خلف إمام مريض لا يستطيع القيام ، فأجازت ذلك طائفة من أهل العلم بل جمهورهم ، لقوله صلى الله عليه وسلم في الإمام : وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون وهذا هو الصحيح في المسألة على ما نبينه آنفا إن شاء الله تعالى . وقد أجاز طائفة من العلماء صلاة القائم خلف الإمام المريض لأن كلا يؤدي فرضه على قدر طاقته تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم إذ صلى في مرضه الذي توفي فيه قاعدا وأبو بكر إلى جنبه قائما يصلي بصلاته والناس قيام خلفه ، ولم يشر إلى أبي بكر ولا إليهم بالجلوس ، وأكمل صلاته بهم جالسا وهم قيام ، ومعلوم أن ذلك كان منه بعد سقوطه عن فرسه ، فعلم أن الآخر من فعله ناسخ للأول . قال أبو عمر : وممن ذهب إلى هذا المذهب واحتج بهذه الحجة الشافعي وداود بن علي ، وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك . قال : وأحب إلي أن يقوم إلى جنبه ممن يعلم الناس بصلاته ، وهذه الرواية غريبة عن مالك . وقال بهذا جماعة من أهل المدينة وغيرهم وهو الصحيح إن شاء الله تعالى ؛ لأنها آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم . والمشهور عن مالك أنه لا يؤم القيام أحد جالس ، فإن أمهم قاعدا بطلت صلاته وصلاتهم ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يؤمن أحد بعدي قاعدا . قال : فإن كان الإمام عليلا تمت صلاة الإمام وفسدت صلاة من خلفه . قال : ومن صلى قاعدا من غير علة أعاد الصلاة ، هذه رواية أبي مصعب في مختصره عن مالك ، وعليها فيجب على من صلى قاعدا الإعادة في الوقت وبعده . وقد روي عن مالك في هذا أنهم يعيدون في الوقت خاصة ، وقول محمد بن الحسن في هذا مثل قول مالك المشهور . واحتج لقوله ومذهبه بالحديث الذي ذكره أبو مصعب ، أخرجه الدارقطني عن جابر عن الشعبي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحد بعدي جالسا . قال الدارقطني : لم يروه غير جابر الجعفي عن الشعبي وهو متروك الحديث ، مرسل لا تقوم به حجة . قال أبو عمر : جابر الجعفي لا يحتج بشيء يرويه مسندا فكيف بما يرويه مرسلا ؟ قال محمد بن الحسن : إذا صلى الإمام المريض جالسا بقوم أصحاء ومرضى جلوسا فصلاته وصلاة من خلفه ممن لا يستطيع القيام صحيحة جائزة ، وصلاة من صلى خلفه ممن حكمه القيام باطلة . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : صلاته وصلاتهم جائزة . وقالوا : لو صلى وهو يومئ بقوم وهم يركعون ويسجدون لم تجزهم في قولهم جميعا وأجزأت الإمام صلاته . وكان زفر يقول : تجزئهم صلاتهم ؛ لأنهم صلوا على فرضهم وصلى إمامهم على فرضه ، كما قال الشافعي .قلت : أما ما ذكره أبو عمر وغيره من العلماء قبله وبعده من أنها آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد رأيت لغيرهم خلاف ذلك ممن جمع طرق الأحاديث في هذا الباب ، وتكلم عليها وذكر اختلاف الفقهاء في ذلك ، ونحن نذكر ما ذكره ملخصا حتى يتبين لك الصواب إن شاء الله تعالى . وصحة قول من قال إن صلاة المأموم الصحيح قاعدا خلف الإمام المريض جائزة ، فذكر أبو حاتم محمد بن حبان البستي في المسند الصحيح له عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في نفر من أصحابه فقال : ( ألستم تعلمون أني رسول الله إليكم ) قالوا : بلى ، نشهد أنك رسول الله ، قال : ( ألستم تعلمون أنه من أطاعني فقد أطاع الله ومن طاعة الله طاعتي ) ؟ قالوا : بلى ، نشهد أنه من أطاعك فقد أطاع الله ومن طاعة الله طاعتك . قال : ( فإن من طاعة الله أن تطيعوني ومن طاعتي أن تطيعوا أمراءكم فإن صلوا قعودا فصلوا قعودا ) . في طريقه عقبة بن أبي الصهباء وهو ثقة ، قاله يحيى بن معين . قال أبو حاتم : في هذا الخبر بيان واضح أن صلاة المأمومين قعودا إذا صلى إمامهم قاعدا من طاعة الله جل وعلا التي أمر الله بها عباده ، وهو عندي ضرب من الإجماع الذي أجمعوا على إجازته ؛ لأن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أفتوا به : جابر بن عبد الله وأبو هريرة وأسيد بن حضير وقيس بن قهد ، ولم يرو عن أحد من الصحابة الذين شهدوا هبوط الوحي والتنزيل وأعيذوا من التحريف والتبديل خلاف لهؤلاء الأربعة ، لا بإسناد متصل ولا منقطع ، فكأن الصحابة أجمعوا على أن الإمام إذا صلى قاعدا كان على المأمومين أن يصلوا قعودا . وبه قال جابر بن زيد والأوزاعي ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وأبو أيوب سليمان بن داود الهاشمي وأبو خيثمة وابن أبي شيبة ومحمد بن إسماعيل ومن تبعهم من أصحاب الحديث مثل محمد بن نصر ومحمد بن إسحاق بن خزيمة . وهذه السنة رواها عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنس بن مالك وعائشة وأبو هريرة وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر بن الخطاب وأبو أمامة الباهلي . وأول من أبطل في هذه الأمة صلاة المأموم قاعدا إذا صلى إمامه جالسا المغيرة بن مقسم صاحب النخعي وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان ثم أخذ عن حماد أبو حنيفة وتبعه عليه من بعده من أصحابه . وأعلى شيء احتجوا به فيه شيء رواه جابر الجعفي عن الشعبي قال قال رسول الله : لا يؤمن أحد بعدي جالسا وهذا لو صح إسناده لكان مرسلا ، والمرسل من الخبر وما لم يرو سيان في الحكم عندنا ، ثم إن أبا حنيفة يقول : ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء ، ولا فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي ، وما أتيته بشيء قط من رأي إلا جاءني فيه بحديث ، وزعم أن عنده كذا وكذا ألف حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينطق بها ، فهذا أبو حنيفة يجرح جابرا الجعفي ويكذبه ضد قول من انتحل من أصحابه مذهبه . قال أبو حاتم : وأما صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه فجاءت الأخبار فيها مجملة ومختصرة ، وبعضها مفصلة مبينة ، ففي بعضها : فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فجلس إلى جنب أبي بكر فكان أبو بكر يأتم بالنبي صلى الله عليه وسلم والناس يأتمون بأبي بكر . وفي بعضها : فجلس عن يسار أبي بكر وهذا مفسر . وفيه : فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس قاعدا وأبو بكر قائما . قال أبو حاتم : وأما إجمال هذا الخبر فإن عائشة حكت هذه الصلاة إلى هذا الموضع ، وآخر القصة عند جابر بن عبد الله : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالقعود أيضا في هذه الصلاة كما أمرهم به عند سقوطه عن فرسه ، أنبأنا محمد بن الحسن بن قتيبة قال أنبأنا يزيد بن موهب قال حدثني الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر قال : اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلينا وراءه وهو قاعد ، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره ، قال : فالتفت إلينا فرآنا قياما فأشار إلينا فقعدنا فصلينا بصلاته قعودا ، فلما سلم قال : كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا ائتموا بأئمتكم إن صلى قائما فصلوا قياما وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا . قال أبو حاتم : ففي هذا الخبر المفسر بيان واضح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قعد عن يسار أبي بكر وتحول أبو بكر مأموما يقتدي بصلاته ويكبر يسمع الناس التكبير ليقتدوا بصلاته ، أمرهم صلى الله عليه وسلم حينئذ بالقعود حين رآهم قياما ، ولما فرغ من صلاته أمرهم أيضا بالقعود إذا صلى إمامهم قاعدا . وقد شهد جابر بن عبد الله صلاته صلى الله عليه وسلم حين سقط عن فرسه فجحش شقه الأيمن ، وكان سقوطه صلى الله عليه وسلم في شهر ذي الحجة آخر سنة خمس من الهجرة ، وشهد هذه الصلاة في علته صلى الله عليه وسلم في غير هذا التاريخ فأدى كل خبر بلفظه ، ألا تراه يذكر في هذه الصلاة : رفع أبو بكر صوته بالتكبير ليقتدي به الناس ، وتلك الصلاة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته عند سقوطه عن فرسه ، لم يحتج إلى أن يرفع صوته بالتكبير ليسمع الناس تكبيره على صغر حجرة عائشة ، وإنما كان رفعه صوته بالتكبير في المسجد الأعظم الذي صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في علته ، فلما صح ما وصفنا لم يجز أن نجعل بعض هذه الأخبار ناسخا لبعض ، وهذه الصلاة كان خروجه إليها صلى الله عليه وسلم بين رجلين ، وكان فيها إماما وصلى بهم قاعدا وأمرهم بالقعود . وأما الصلاة التي صلاها آخر عمره فكان خروجه إليها بين بريرة وثوبة ، وكان فيها مأموما ، وصلى قاعدا خلف أبي بكر في ثوب واحد متوشحا به . رواه أنس بن مالك قال : آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع القوم في ثوب واحد متوشحا به قاعدا خلف أبي بكر ، فصلى عليه السلام صلاتين في المسجد جماعة لا صلاة واحدة . وإن في خبر عبيد الله بن عبد الله عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بين رجلين . يريد أحدهما العباس والآخر عليا . وفي خبر مسروق عن عائشة : ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفة فخرج بين بريرة وثوبة ، إني لأنظر إلى نعليه تخطان في الحصى وأنظر إلى بطون قدميه ، الحديث . فهذا يدلك على أنهما كانتا صلاتين لا صلاة واحدة . قال أبو حاتم : أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة قال : حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا بدل بن المحبر قال : حدثنا شعبة عن موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة : أن أبا بكر صلى بالناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف خلفه . قال أبو حاتم : خالف شعبة بن الحجاج زائدة بن قدامة في متن هذا الخبر عن موسى بن أبي عائشة فجعل شعبة النبي صلى الله عليه وسلم مأموما حيث صلى قاعدا والقوم قيام ، وجعل زائدة النبي صلى الله عليه وسلم إماما حيث صلى قاعدا والقوم قيام ، وهما متقنان حافظان . فكيف يجوز أن يجعل إحدى الروايتين اللتين تضادتا في الظاهر في فعل واحد ناسخا لأمر مطلق متقدم ، فمن جعل أحد الخبرين ناسخا لما تقدم من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وترك الآخر من غير دليل ثبت له على صحته ، سوغ لخصمه أخذ ما ترك من الخبرين وترك ما أخذ منهما . ونظير هذا النوع من السنن خبر ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم ، وخبر أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم نكحها وهما حلالان فتضاد الخبران في فعل واحد في الظاهر من غير أن يكون بينهما تضاد عندنا ، فجعل جماعة من أصحاب الحديث الخبرين اللذين رويا في نكاح ميمونة متعارضين ، وذهبوا إلى خبر عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا ينكح المحرم ولا ينكح فأخذوا به ، إذ هو يوافق إحدى الروايتين اللتين رويتا في نكاح ميمونة ، وتركوا خبر ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نكحها وهو محرم ، فمن فعل هذا لزمه أن يقول : تضاد الخبران في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في علته على حسب ما ذكرناه قبل ، فيجب أن يجيء إلى الخبر الذي فيه الأمر بصلاة المأمومين قعودا إذا صلى إمامهم قاعدا فيأخذ به ، إذ هو يوافق إحدى الروايتين اللتين رويتا في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في علته ويترك الخبر المنفرد عنهما كما فعل ذلك في نكاح ميمونة . قال أبو حاتم : زعم بعض العراقيين ممن كان ينتحل مذهب الكوفيين أن قوله : ( وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا ) أراد به وإذا تشهد قاعدا فتشهدوا قعودا أجمعون فحرف الخبر عن عموم ما ورد الخبر فيه بغير دليل ثبت له على تأويله .
تفسير الطبريحافظوا على الصلوات والصلاة الوسطىالقول في تأويل قوله تعالى : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى يعنى تعالى ذكره بذلك : واظبوا على الصلوات المكتوبات في أوقاتهن , وتعاهدوهن والزموهن وعلى الصلاة الوسطى منهن . وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 4210 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق بن الحجاج , قال : ثنا أبو زهير , عن الأعمش , عن عن عن مسروق في قوله : حافظوا على الصلوات قال : المحافظة عليها : المحافظة على وقتها , وعدم السهو عنها . * حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي , قال : ثنا أبي , عن أبيه , عن جده , عن الأعمش , عن مسلم , عن مسروق في هذه الآية : حافظوا على الصلوات فالحفاظ عليها : الصلاة لوقتها , والسهو عنها : ترك وقتها . ثم اختلفوا في الصلاة الوسطى , فقال بعضهم : هي صلاة العصر . ذكر من قال ذلك : 4211 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , وحدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد جميعا , قالا : ثنا سفيان , عن أبي إسحاق , عن الحارث , عن علي قال : والصلاة الوسطى " صلاة العصر . 4212 - حدثني محمد بن عبيد المحاربي , قال : ثنا أبو الأحوص , عن أبي إسحاق , قال : ثني من سمع ابن عباس وهو يقول : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى قال : العصر . * حدثنا أبو كريب , قال : ثنا مصعب بن سلام , عن أبي حيان , عن أبيه , عن علي قال : والصلاة الوسطى " صلاة العصر . * حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : ثنا أبو حيان , عن أبيه , عن علي , مثله . * حدثنا أبو كريب , قال : ثنا مصعب عن الأجلح , عن أبي إسحاق , عن الحارث , قال : سمعت عليا يقول : " الصلاة الوسطى " : صلاة العصر . * حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عنبسة , عن أبي إسحاق , عن الحارث , قال : سألت عليا عن الصلاة الوسطى , فقال : صلاة العصر . 4213 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري , قال : ثنا أبو زرعة وهب بن راشد , قال : أخبرنا حيوة بن شريح , قال : أخبرنا أبو صخر أنه سمع أبا معاوية البجلي من أهل الكوفة يقول : سمعت أبا الصهباء البكري يقول : سألت علي بن أبي طالب عن الصلاة الوسطى ؟ فقال : هي صلاة العصر , وهي التي فتن بها سليمان بن داود صلى الله عليه وسلم . 4214 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , قال : أخبرنا سليمان التيمي , وحدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا بشر بن الفضل , قال : ثنا التيمي , عن أبي صالح , عن أبي هريرة أنه قال : " الصلاة الوسطى " صلاة العصر . * حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن معمر , عن عبد الله بن عثمان بن غنم , عن ابن لبيبة , عن أبي هريرة : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ألا وهي العصر , ألا وهي العصر . 4215 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : ثنا أبي وشعيب بن الليث , عن الليث , عن يزيد بن الهاد , عن ابن شهاب , عن سالم بن عبد الله , عن عبد الله , قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله " فكان ابن عمر يرى لصلاة العصر فضيلة للذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها أنها الصلاة الوسطى . * حدثني محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا معتمر , عن أبيه , قال : زعم أبو صالح , عن أبي هريرة أنه قال : هي صلاة العصر . * حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب , قال : ثني عمي عبد الله بن وهب , قال : أخبرني عمرو بن الحارث , عن ابن شهاب , عن سالم , عن أبيه , عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه . قال ابن شهاب : وكان ابن عمر يرى أنها الصلاة الوسطى . 4216 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عفان بن مسلم , قال : ثنا همام , عن قتادة , عن الحسن , عن أبي سعيد الخدري قال : الصلاة الوسطى : صلاة العصر . 4217 - حدثني محمد بن معمر , قال : ثنا ابن عامر , قال : ثنا محمد بن أبي حميد , عن حميدة ابنة أبي يونس مولاة عائشة , قالت : أوصت عائشة لنا بمتاعها , فوجدت في مصحف عائشة : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي العصر وقوموا لله قانتين 4218 - حدثني سعيد بن يحيى الأموي , قال : ثنا أبي , قال : ثنا ابن جريج , قال : أخبرنا عبد الملك بن عبد الرحمن أن أمه أم حميد بنت عبد الرحمن سألت عائشة عن الصلاة الوسطى , قالت : كنا نقرؤها في الحرف الأول على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر وقوموا لله قانتين " . * حدثني عباس بن محمد , قال : ثنا حجاج , قال : قال ابن جريج : أخبرني عبد الملك بن عبد الرحمن عن أمه أم حميد ابنة عبد الرحمن أنها سألت عائشة فذكر نحوه , إلا أنه قال : وحافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر " . 4219 - حدثنا سفيان بن وكيع , قال : ثنا أبي , عن محمد بن عمرو أبي سهل الأنصاري , عن القاسم بن محمد , عن عائشة في قوله : الصلاة الوسطى قالت : صلاة العصر . 4220 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج , قال : ثنا حماد , عن هشام بن عروة , عن أبيه , قال : كان في مصحف عائشة : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر " . 4221 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , عن داود بن قيس , قال : ثني عبد الله بن رافع مولى أم سلمة قال : أمرتني أم سلمة أن أكتب لها مصحفا وقالت : إذا انتهيت إلى آية الصلاة فأعلمني ! فأعلمتها , فأملت علي : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر " . 4222 - حدثنا عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , قال : كان الحسن يقول : الصلاة الوسطى صلاة العصر . * حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا المعتمر , عن أبيه , قال : ثنا قتادة , عن أبي أيوب , عن عائشة أنها قالت : الصلاة الوسطى : صلاة العصر . * حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا يحيى , عن سليمان التيمي , عن قتادة , عن أبي أيوب , عن عائشة , مثله . 4223 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , قال : ثنا عنبسة , عن المغيرة , عن إبراهيم قال : كان يقال : الصلاة الوسطى : صلاة العصر . * حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع , قال : ذكر لنا عن علي بن أبي طالب أنه قال : الصلاة الوسطى : صلاة العصر . 4224 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , عن أبي بشر , عن سعيد بن جبير : قال : صلاة الوسطى : صلاة العصر . 4225 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , عن أبي بشر , عن سالم , عن حفصة , أنها أمرت رجلا يكتب لها مصحفا , فقالت : إذا بلغت هذا المكان فأعلمني ! فلما بلغ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى قال : اكتب صلاة العصر . 4226 - حدثني المثنى , قال : ثنا حجاج بن المنهال , قال : ثنا حماد بن سلمة , قال : أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع , عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت لكاتب مصحفها : إذا بلغت مواقيت الصلاة فأخبرني حتى أخبرك بما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فلما أخبرها قالت : اكتب , فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر " . 4227 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج , قال : ثنا حماد , عن عاصم بن بهدلة , عن زر بن حبيش , قال : صلاة الوسطى : هي العصر . 4228 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى كنا نحدث أنها صلاة العصر , قبلها صلاتان من النهار وبعدها صلاتان من الليل . 4229 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك في قوله : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى قال : أمروا بالمحافظة على الصلوات , قال : وخص العصر والصلاة الوسطى ; يعني العصر . 4230 - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ قال : أخبرنا عبيد الله بن سليمان , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : والصلاة الوسطى هي العصر . - حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع , قال : ذكر لنا عن علي بن أبي طالب أنه قال : " الصلاة الوسطى " : صلاة العصر . 4231 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : حافظوا على الصلوات يعني المكتوبات , والصلاة الوسطى يعني صلاة العصر . * حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا قيس , عن أبي إسحاق , عن رزين بن عبيد , عن ابن عباس , قال : سمعته يقوله : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى قال : صلاة العصر . 4232 - حدثني أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا إسرائيل , عن ثور , عن مجاهد , قال : الصلاة الوسطى : صلاة العصر . * حدثني يحيى بن أبي طالب , قال : ثنا يزيد , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك , قال : الصلاة الوسطى : صلاة العصر . * حدثنا أحمد بن حازم , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا إسرائيل , عن أبي إسحاق , عن رزين بن عبيد , قال : سمعت ابن عباس يقول : هي صلاة العصر . 4233 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي , قال : أنبأنا إسماعيل بن مسلم , عن الحسن , عن سمرة , عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الصلاة الوسطى صلاة العصر " . 4234 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا وهب بن جرير , قال : ثنا أبي , قال : سمعت يحيى بن أيوب , يحدث عن يزيد بن أبي حبيب , عن مرة بن مخمر , عن سعيد بن الحكم , قال : سمعت أبا أيوب يقول : صلاة الوسطى : صلاة العصر . 4235 - حدثنا ابن سفيان , قال : ثنا أبو عاصم , عن مبارك , عن الحسن , قال : صلاة الوسطى : صلاة العصر . وعلة من قال هذا القول ما : 4236 - حدثني به محمد بن معمر , قال : ثنا أبو عامر , قال : ثنا محمد , يعني ابن طلحة , عن زبيد , عن مرة , عن عبد الله , قال : شغل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر حتى اصفرت أو احمرت , فقال : " شغلونا عن الصلاة الوسطى , ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا " . * حدثني أحمد بن سنان الواسطي , قال : ثنا يزيد بن هارون , قال : أخبرنا محمد بن طلحة , عن زبيد عن مرة , عن عبد الله , عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه , إلا أنه قال : " ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى " . 4237 - حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار , قالا : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , قال : سمعت قتادة يحدث , عن أبي حسان , عن عبيدة السلماني , عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب : " شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى آبت الشمس , ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا " - أو " بطونهم نارا " شك شعبة في البطون والبيوت . * حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن عاصم , عن زر , قال : قلت لعبيدة السلماني : سل علي بن أبي طالب عن الصلاة الوسطى ؟ فسأله فقال : كنا نراها الصبح أو الفجر , حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الأحزاب : " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر , ملأ الله قبورهم وأجوافهم نارا " . * حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن الأعمش , عن أبي الضحى , عن شتير بن شكل , عن علي , قال : شغلونا يوم الأحزاب عن صلاة العصر , حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا " , أو " أجوافهم نارا " * حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن الحكم , عن يحيى بن الجزار عن علي , عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم الأحزاب على فرضة من فرض الخندق فقال : " شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس , ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا " أو " بطونهم وبيوتهم نارا " . * حدثني أبو السائب وسعيد بن نمير , قالا : ثنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن مسلم , عن شتير بن شكل , عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر , ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا " ثم صلاها بين العشاءين , بين المغرب والعشاء . * حدثنا الحسين بن علي الصدائي , قال : ثنا علي بن عاصم , عن خالد , عن محمد بن سيرين , عن عبيدة السلماني , عن علي , قال : لم يصل رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر يوم الخندق إلا بعد ما غربت الشمس , فقال : " ما لهم ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارا منعونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس " . * حدثنا زكريا بن يحيى الضرير , قال : ثنا عبيد الله , عن إسرائيل , عن عاصم , عن زر , قال : انطلقت أنا وعبيدة السلماني إلى علي , فأمرت عبيدة أن يسأله عن الصلاة الوسطى , فقال : يا أمير المؤمنين ما الصلاة الوسطى ؟ فقال : كنا نراها صلاة الصبح , فبينا نحن نقاتل أهل خيبر , فقاتلوا , حتى أرهقونا عن الصلاة , وكان قبيل غروب الشمس , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم املأ قلوب هؤلاء القوم الذين شغلونا عن الصلاة الوسطى وأجوافهم نارا " أو " املأ قلوبهم نارا " قال : فعرفنا يومئذ أنها الصلاة الوسطى . * حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن أبي حسان الأعرج , عن عبيدة السلماني , عن علي بن أبي طالب أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب : " اللهم املأ قلوبهم وبيوتهم نارا , كما شغلونا " - " أو كما حبسونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس " . * حدثنا سليمان بن عبد الجبار , قال : ثنا ثابت بن محمد , قال : ثنا محمد بن طلحة , عن زبيد , عن مرة , عن ابن مسعود , قال : حبس المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر , حتى اصفرت الشمس أو احمرت , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله بيوتهم وقلوبهم نارا " - أو " حشا الله قلوبهم وبيوتهم نارا " . 4238 - حدثني محمد بن عمارة الأسدي , قال : ثنا سهل بن عامر , قال : ثنا مالك بن مغول , قال : سمعت طلحة , قال : صليت مع مرة في بيته , فسها - أو قال : نسي - فقام قائما يحدثنا , وقد كان يعجبني أن أسمعه من ثقة قال : لما كان يوم الخندق - يعني يوم الأحزاب - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما لهم شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر , ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا " . 4239 - حدثنا أحمد بن منيع , قال : ثنا عبد الوهاب , عن ابن عطاء , عن التيمي , عن أبي صالح , عن أبي هريرة , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صلاة الوسطى صلاة العصر " . 4240 - حدثني علي بن مسلم الطوسي , قال : ثنا عباد بن العوام , عن هلال بن خباب , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة له , فحبسه المشركون عن صلاة العصر حتى أمسى بها , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم املأ بيوتهم وأجوافهم نارا , كما حبسونا عن الصلاة الوسطى " . * حدثنا موسى بن سهل الرملي , قال : ثنا إسحاق , عن عبد الواحد الموصلي , قال : ثنا خالد بن عبد الله عن ابن أبي ليلى , عن الحكم , عن مقسم , عن ابن عباس , قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب : " شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس , ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا " . * حدثني المثنى , قال : ثنا عمرو بن عون , قال : أخبرنا خالد , عن ابن أبي ليلى , عن الحكم , عن مقسم , عن ابن عباس , قال : شغل الأحزاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن صلاة العصر حتى غربت الشمس , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " شغلونا عن الصلاة الوسطى , ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا " أو " أجوافهم نارا " . 4241 - حدثني المثنى , قال : ثنا سليمان بن أحمد الحرشي الواسطي , قال : ثنا الوليد بن مسلم , قال أخبرني صدقة بن خالد , قال : حدثني خالد بن دهقان , عن جابر بن سيلان , عن كهيل بن حرملة , قال : سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى , فقال : اختلفنا فيها كما اختلفتم فيها ونحن بفناء بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم , وفينا الرجل الصالح أبو هشام بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس , فقال : أنا أعلم لكم ذلك . فقام فاستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم , فدخل عليه , ثم خرج إلينا فقال : أخبرنا أنها صلاة العصر . 4242 - حدثني الحسين بن علي الصدائي , قال : ثنا أبي , وحدثنا ابن إسحاق الأهوازي , قال : ثنا أبو أحمد , قالا جميعا : ثنا فضيل بن مسروق , عن شقيق بن عقبة العبدي , عن البراء بن عازب , قال : نزلت هذه الآية : " حافظوا على الصلوات وصلاة العصر " قال : فقرأتها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن نقرأها , ثم إن الله نسخها , فأنزل : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين قال : فقال رجل كان مع شقيق : فهي صلاة العصر ! قال : قد حدثتك كيف نزلت , وكيف نسخها الله , والله أعلم . * حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد بن زريع , وحدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن بكر ومحمد بن عبد الله الأنصاري , قالا جميعا : ثنا سعيد بن أبي عروبة , وحدثنا ! أبو كريب , قال : ثنا عبدة بن سليمان ومحمد بن بشر وعبد الله بن إسماعيل , عن سعيد , عن قتادة , عن الحسن , عن سمرة , عن النبي صلى الله عليه وسلم , قال : " الصلاة الوسطى صلاة العصر " . * حدثني عصام بن رواد بن الجراح , قال : ثنا أبي , قال : ثنا سعيد بن بشير , عن قتادة , عن الحسن عن سمرة , قال : أنبأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم , أن الصلاة الوسطى هي العصر . 4243 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن شعبة , عن سليمان , عن أبي الضحى , عن شتير بن شكل , عن أم حبيبة , عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق : " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر حتى غربت الشمس " قال أبو موسى : هكذا قال ابن أبي عدي . 4244 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن يونس , عن الحسن , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي العصر " 4245 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا عبد السلام , عن سالم مولى أبي نصير , قال : ثني إبراهيم بن يزيد الدمشقي , قال : كنت جالسا عند عبد العزيز بن مروان , فقال : يا فلان اذهب إلى فلان فقل له : أي شيء سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة الوسطى ؟ فقال رجل جالس : أرسلني أبو بكر وعمر وأنا غلام صغير أسأله عن الصلاة الوسطى , فأخذ إصبعي الصغيرة فقال : " هذه الفجر " , وقبض التي تليها وقال : " هذه الظهر " , ثم قبض الإبهام فقال : " هذه المغرب " , ثم قبض التي تليها ثم قال : " هذه العشاء " , ثم قال : " أي أصابعك بقيت ؟ " فقلت : الوسطى , فقال : " أي صلاة بقيت ؟ " قلت : العصر , قال : " هي العصر " . 4246 - حدثت عن عمار بن الحسن , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع , قال : ذكر لنا أن المشركين شغلوهم يوم الأحزاب عن صلاة العصر حتى غابت الشمس , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر حتى غربت الشمس , ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا " . * حدثنا ابن البرقي , قال : ثنا عمرو , عن أبي سلمة , قال : ثنا صدقة , عن سعيد , عن قتادة , عن أبي حسان , عن عبيدة السلماني , عن علي بن أبي طالب , عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم الأحزاب : " اللهم املأ بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى آبت الشمس " . 4247 - حدثني محمد بن عوف الطائي , قال : ثني محمد بن إسماعيل بن عياش , قال : ثنا أبي , قال : ثني ضمضم بن زرعة , عن شريح بن عبيد , عن أبي مالك الأشعري , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الصلاة الوسطى صلاة العصر " . وقال آخرون : بل الصلاة الوسطى صلاة الظهر . ذكر من قال ذلك : 4248 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عفان , قال : ثنا همام , قال : ثنا قتادة , عن سعيد بن المسيب , عن ابن عمر , عن زيد بن ثابت , قال : الصلاة الوسطى صلاة الظهر . * حدثنا محمد بن عبد الله المخزومي , قال : ثنا أبو عامر , قال : ثنا شعبة , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب , عن ابن عمر , عن زيد , يعني ابن ثابت , مثله . * حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن سعد بن إبراهيم , قال : سمعت حفص بن عاصم يحدث عن زيد بن ثابت , قال : الصلاة الوسطى الظهر . * حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا سليمان بن داود , قال : ثنا شعبة , وحدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن شعبة , قال : أخبرني عمر بن سليمان من ولد عمر بن الخطاب , قال : سمعت عبد الرحمن بن أبان بن عثمان , يحدث عن أبيه , عن زيد بن ثابت , قال : الصلاة الوسطى هي الظهر . 4249 - حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة , قال : ثنا عبد الصمد , قال : ثنا شعبة , عن عمر بن سليمان هكذا قال أبو زائدة , عن عبد الرحمن بن أبان , عن أبيه , عن زيد بن ثابت في حديثه رفعه : " الصلاة الوسطى صلاة الظهر " . 4250 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا عبد الله بن يزيد , قال : ثنا حيوة بن شريح وابن لهيعة , قالا : ثنا أبو عقيل زهرة بن معبد , أن سعيد بن المسيب حدثه أنه كان قاعدا هو وعروة بن الزبير وإبراهيم بن طلحة , فقال سعيد بن المسيب : سمعت أبا سعيد الخدري يقول : " الصلاة الوسطى هي الظهر " , فمر علينا عبد الله بن عمر , فقال عروة : أرسلوا إلى ابن عمر فاسألوه ! فأرسلوا إليه غلاما فسأله , ثم جاءنا الرسول فقال يقول : هي صلاة الظهر . فشككنا في قول الغلام , فقمنا جميعا , فذهبنا إلى ابن عمر , فسألناه , فقال : هي صلاة الظهر . * حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا العوام بن حوشب , قال : ثني رجل من الأنصار , عن زيد بن ثابت أنه كان يقول : هي الظهر . * حدثني أحمد بن إسحاق , ثنا أبو أحمد , قال : ثنا ابن أبي ذئب , وحدثني المثنى , قال : ثنا آدم , قال : ثنا ابن أبي ذئب , عن الزبرقان بن عمرو , عن زيد بن ثابت , قال : الصلاة الوسطى : صلاة الظهر . * حدثنا المثنى , قال : ثنا الحجاج , قال : ثنا حماد , قال : أخبرنا عبيد الله , عن نافع , عن زيد بن ثابت أنه قال : الصلاة الوسطى : هي صلاة الظهر . 4251 - حدثنا ابن البرقي , قال : ثنا ابن أبي مريم , قال : أخبرنا نافع بن يزيد , قال : ثني الوليد بن أبي الوليد أبو عثمان , قال : ثني عبد الله بن دينار , عن عبد الله بن عمر أنه سئل عن الصلاة الوسطى , قال : هي التي على أثر الضحى . 4252 - حدثنا ابن البرقي , قال : ثنا ابن أبي مريم , قال : ثنا نافع بن يزيد , قال : ثني الوليد بن أبي الوليد أن سلمة بن أبي مريم حدثه أن نفرا من قريش أرسلوا إلى عبد الله بن عمر يسألونه عن الصلاة الوسطى , فقال له : هي التي على أثر صلاة الضحى . فقالوا له : ارجع واسأله , فما زادنا إلا عيا بها ! فمر بهم عبد الرحمن بن أفلح مولى عبد الله بن عمر , فأرسلوا إليه أيضا , فقال . هي التي توجه فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القبلة . * حدثني ابن البرقي قال : ثنا ابن أبي مريم , قال : أخبرنا نافع , قال : ثني زهرة بن - معبد , قال : ثني سعيد بن المسيب : أنه كان قاعدا هو وعروة وإبراهيم بن طلحة , فقال له سعيد : سمعت أبا سعيد يقول : إن صلاة الظهر هي الصلاة الوسطى . فمر علينا ابن عمر فقال عروة : أرسلوا إليه فاسألوه ! فسأله الغلام فقال : هي الظهر , فشككنا في قول الغلام , فقمنا إليه جميعا , فسألناه , فقال : هي الظهر . 4253 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عثمان بن عمر , قال : ثنا أبو عامر , عن عبد الرحمن بن قيس , عن ابن أبي رافع , عن أبيه - وكان مولى لحفصة - قال : استكتبتني حفصة مصحفا وقالت لي : إذا أتيت على هذه الآية فأعلمني حتى أمليها عليك كما أقرأنيها ! فلما أتيت على هذه الآية : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى أتيتها , فقالت : اكتب : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر . فلقيت أبي بن كعب أو زيد بن ثابت , فقلت : يا أبا المنذر إن حفصة قالت كذا وكذا . قال : هو كما قالت , أو ليس أشغل ما نكون عند صلاة الظهر في غنمنا ونواضحنا ؟ وعلة من قال ذلك ما : 4254 - حدثنا به محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , قال : أخبرني عمرو بن أبي حكيم , قال : سمعت الزبرقان يحدث عن عروة بن الزبير , عن زيد بن ثابت , قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة , ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منها , قال : فنزلت حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقال : " إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين " . 4255 - حدثنا مجاهد بن موسى , قال : ثنا يزيد بن هارون , قال . أخبرنا ابن أبي ذئب , عن الزبرقان قال : إن رهطا من قريش مر بهم زيد بن ثابت , فأرسلوا إليه رجلين يسألانه عن الصلاة الوسطى , فقال زيد : هي الظهر . فقام رجلان منهم فأتيا أسامة بن زيد فسألاه عن الصلاة الوسطى , فقال : هي الظهر , إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي الظهر بالهجير , فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان , الناس يكونون في قاتلتهم وفي تجارتهم , فقال رسول الله : " لقد هممت أن أحرق على أقوام لا يشهدون الصلاة بيوتهم " قال : فنزلت هذه الآية : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وكان آخرون يقرءون ذلك : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر " . ذكر من كان يقول ذلك كذلك . 4256 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن أبي بشر , عن عبد الله بن يزيد الأزدي , عن سالم بن عبد الله , أن حفصة أمرت إنسانا فكتب مصحفا , فقالت : إذا بلغت هذه الآية : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فآذني ! فلما بلغ آذنها , فقالت : اكتب : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر " . 4257 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا عبيد الله , عن نافع أن حفصة أمرت مولى لها أن يكتب لها مصحفا فقالت : إذا بلغت هذه الآية : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فلا تكتبها حتى أمليها عليك كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها . فلما بلغها أمرته فكتبها : وحافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين و ; قال نافع : فقرأت ذلك المصحف فوجدت فيه " الواو " . 4258 - حدثنا الربيع بن سليمان , قال : ثنا أسد بن موسى , قال : ثنا حماد بن سلمة , عن عبيد الله بن عمر , عن نافع , عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت لكاتب مصحفها : إذا بلغت مواقيت الصلاة فأخبرني حتى آمرك ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول . فلما أخبرها قالت : اكتب فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر " . 4259 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا عبدة بن سليمان , قال : ثنا محمد بن عمرو , قال : ثني أبو سلمة , عن عمرو بن رافع مولى عمر , قال : كان مكتوبا في مصحف حفصة : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين " . * حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري , قال : ثنا أبي وشعيب , عن الليث , قال : ثنا خالد بن يزيد , عن ابن أبي هلال , عن زيد , عن عمرو بن رافع , قال : دعتني حفصة فكتبت لها مصحفا , فقالت : إذا بلغت آية الصلاة فأخبرني ! فلما كتبت : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى قالت : " وصلاة العصر " أشهد أني سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم . 4260 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : ثني أبي وشعيب بن الليث , عن الليث , قال : أخبرني خالد بن يزيد , عن ابن أبي هلال , عن زيد أنه بلغه عن أبي يونس مولى عائشة , مثل ذلك . * حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني الليث , قال : حدثني خالد , عن سعيد , عن زيد بن أسلم أنه بلغه عن أبي يونس مولى عائشة , عن عائشة , مثل ذلك 4261 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا وهب بن جرير , قالا : أخبرنا شعبة , عن أبي إسحاق , عن عمير بن مريم , عن ابن عباس : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر " . 4262 - حدثنا مجاهد بن موسى , قال : ثنا يزيد بن هارون , مال : أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان , عن عطاء قال : كان عبيد بن عمير يقرأ : وحافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين " . * حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عثمان بن عمر , قال : ثنا أبو عامر , عن عبد الرحمن بن قيس , عن ابن أبي رافع , عن أبيه - وكان مولى حفصة - قال : استكتبتني حفصة مصحفا وقالت : إذا أتيت على هذه الآية فأعلمني حتى أمليها عليك كما أقرئتها , فلما أتيت على هذه الآية : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى أتيتها , فقالت : اكتب " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر " فلقيت أبي بن كعب أو زيد بن ثابت , فقلت : يا أبا المنذر إن حفصة قالت كذا وكذا . قال : هو كما قالت , أو ليس أشغل ما نكون عند صلاة الظهر في نواضحنا وغنمنا ؟ وقال آخرون : بل الصلاة الوسطى صلاة المغرب . ذكر من قال ذلك : 4263 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا عبد السلام , عن إسحاق بن أبي فروة , عن رجل عن قبيصة بن ذؤيب , قال : الصلاة الوسطى صلاة المغرب , ألا ترى أنها ليست بأقلها ولا أكثرها ولا تقصر في السفر , وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤخرها عن وقتها ولم يعجلها ؟ قال أبو جعفر : ووجه قبيصة بن ذؤيب قوله الوسطى إلى معنى التوسط , الذي يكون صفة للشيء يكون عدلا بين الأمرين , كالرجل المعتدل القامة , الذي لا يكون مفرطا طوله ولا قصيرة قامته , ولذلك قال : ألا ترى أنها ليست بأقلها ولا أكثرها . وقال آخرون : بل الصلاة الوسطى التي عناها الله بقوله : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى هي صلاة الغداة . ذكر من قال ذلك : 4264 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عفان , قال : ثنا همام , قال : ثنا قتادة , عن صالح أبي الخليل , عن جابر بن زيد , عن ابن عباس , قال : الصلاة الوسطى صلاة الفجر . 4265 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي وعبد الوهاب ومحمد بن جعفر , عن عوف , عن أبي رجاء قال : صليت مع ابن عباس الغداة في مسجد البصرة , فقنت بنا قبل الركوع وقال : هذه الصلاة الوسطى التي قال الله : وقوموا لله قانتين * حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن عوف , عن أبي رجاء العطاردي , قال : صليت خلف ابن عباس , فذكر نحوه . * حدثنا عباد بن يعقوب الأسدي , قال : ثنا شريك , عن عوف الأعرابي , عن أبي رجاء العطاردي , قال : صليت خلف ابن عباس الفجر , فقنت فيها ورفع يديه , ثم قال : هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا الله أن نقوم فيها قانتين . * حدثنا أبو كريب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عوف , عن أبي رجاء , قال : صلى بنا ابن عباس الفجر , فلما فرغ , قال : إن الله قال في كتابه : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فهذه الصلاة الوسطى . * حدثنا أبو كريب , قال : ثنا مروان , يعني ابن معاوية , عن عوف , عن أبي رجاء العطاردي , عن ابن عباس نحوه . * حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , قال . ثنا عوف , عن أبي المنهال , عن أبي العالية , عن ابن عباس أنه صلى الغداة في مسجد البصرة , فقنت قبل الركوع وقال : هذه الصلاة الوسطى التي ذكر الله حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين 4266 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا المهاجر , عن أبي العالية , قال : سألت ابن عباس بالبصرة ههنا , وإن فخذه لعلى فخذي , فقلت : يا أبا فلان أرأيتك صلاة الوسطى التي ذكر الله في القرآن , ألا تحدثني أي صلاة هي ؟ قال : وذلك حين انصرفوا من صلاة الغداة , فقال : أليس قد صليت المغرب والعشاء الآخرة ؟ قل : قلت بلى , قال : ثم صليت هذه ؟ قال : ثم تصلي الأولى والعصر ؟ قال : قلت بلى . قال : فهي هذه . 4267 - حدثنا محمد بن عيسى الدامغاني , قال : أخبرنا ابن المبارك , قال : أخبرنا الربيع بن أنس , عن أبي العالية , قال : صليت خلف عبد الله بن قيس بالبصرة زمن عمر صلاة الغداة , قال : فقلت لرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنبي : ما الصلاة الوسطى ؟ قال : هذا الصلاة . 4268 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج قال : ثنا حماد , قال : أخبرنا عوف , عن خلاس بن عمرو , عن ابن عباس أنه صلى الفجر , فقنت قبل الركوع , ورفع أصبعيه , قال : هذه الصلاة الوسطى . 4269 - حدثت عن عمار بن الحسن , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع , عن أبي العالية , أنه صلى مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغداة , فلما أن فرغوا قال : قلت لهم : أيتهن الصلاة الوسطى ؟ قالوا : التي صليتها قبل . 4270 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن عثمة , قال : ثنا سعيد بن بشير , عن قتادة , عن جابر بن عبد الله قال الصلاة الوسطى صلاة الصبح . 4271 - حدثنا مجاهد بن موسى , قال : ثنا يزيد بن هارون , قال : أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان , قال : كان عطاء يرى أن الصلاة الوسطى صلاة الغداة . 4272 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال ثنا الحسين بن واقد , عن يزيد النحوي , عن عكرمة في قوله : والصلاة الوسطى قال : صلاة الغداة . 4273 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى قال : الصبح . * حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله . 4274 - حدثت عن عمار بن الحسن , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن حصين , عن عبد الله بن شداد بن الهاد , قال : الصلاة الوسطى صلاة الغداة . 4275 - حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى قال : الصلاة الوسطى صلاة الغداة . وعلة من قال هذه المقالة , أن الله تعالى ذكره قال : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين بمعنى : وقوموا لله فيها قانتين . قال : فلا صلاة مكتوبة من الصلوات الخمس فيها قنوت سوى صلاة الصبح , فعلم بذلك أنها هي دون غيرها . وقال آخرون : هي إحدى الصلوات الخمس , ولا نعرفها بعينها . ذكر من قال ذلك : 4276 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : ثني هشام بن سعد , قال : كنا عند نافع ومعنا رجاء بن حيوة , فقال لنا رجاء : سلوا نافعا عن الصلاة الوسطى ! فسألناه , فقال : قد سأل عنها عبد الله بن عمر رجل , فقال : هي فيهن , فحافظوا عليهن كلهن . 4277 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , عن قيس بن الربيع , عن نسير بن ذعلوق , عن أبي فطيمة قال : سألت الربيع بن خيثم عن الصلاة الوسطى , قال : أرأيت إن علمتها كنت محافظا عليها ومضيعا سائرهن ؟ قلت : لا . فقالا : فإنك إن حافظت عليهن فقد حافظت عليها . 4278 - حدثنا ابن بشار وابن المثنى , قالا : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , قال : سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب , قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه هكذا , يعني مختلفين في الصلاة الوسطى . وشبك بين أصابعه . والصواب من القول في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ذكرناها قبل في تأويله , وهو أنها العصر . والذي حث الله تعالى ذكره عليه من ذلك , نظير الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحث عليه . كما : 4279 - حدثني به أحمد بن محمد بن حبيب الطوسي , قال : ثنا يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا أبي , عن محمد بن إسحاق , قال : ثني يزيد بن أبي حبيب , عن جبر بن نعيم الحضرمي , عن عبد الله بن هبيرة النسائي , قال : وكان ثقة , عن أبي تميم الجيشاني , عن أبي بصرة الغفاري , قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر , فلما انصرف , قال : " إن هذه الصلاة فرضت على من كان قبلكم فتوانوا فيها وتركوها , فمن صلاها منكم أضعف أجره ضعفين , ولا صلاة بعدها حتى يرى الشاهد " . والشاهد النجم . 4280 - حدثني علي بن داود , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني الليث , قال : ثني جبر بن نعيم , عن ابن هبيرة , عن أبي تميم الجيشاني , أن أبا بصرة الغفاري , قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر بالمغمس , فقال : " إن هذه الصلاة فرضت على من كان قبلكم فضيعوها وتركوها , فمن حافظ عليها منكم أوتي أجرها مرتين " . وقال صلى الله عليه وسلم : " بكروا بالصلاة في يوم الغيم , فإنه من فاتته العصر حبط عمله " . 4281 - حدثنا بذلك أبو كريب , قال : ثنا وكيع , وحدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : ثنا أيوب بن سويد , عن أبي قلابة , عن أبي المهاجر , عن بريدة , عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقال : " من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله " . وقال صلى الله عليه وسلم : " من صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها لم يلج النار " فحث صلى الله عليه وسلم على المحافظة عليها حثا لم يحث مثله على غيرها من الصلوات وإن كانت المحافظة على جميعها واجبة , فكان بينا بذلك أن التي حض الله بالحث على المحافظة عليها بعد ما عم الأمر بها جميع المكتوبات هي التي اتبعه فيها نبيه صلى الله عليه وسلم , فخصها من الحض عليها بما لم يخصص به غيرها من الصلوات , وحذر أمته من تضييعها ما حل بمن قبلهم من الأمم التي وصف أمرها , ووعدهم من الأجر على المحافظة عليها ضعفي ما وعد على غيرها من سائر الصلوات , وأحسب أن ذلك كان كذلك , لأن الله تعالى ذكره جعل الليل سكنا والناس من شغلهم بطلب المعاش , والتصرف في أسباب المكاسب هادئون إلا القليل منهم , وللمحافظة على فرائض الله , وإقام الصلوات المكتوبات فازعون , وكذلك ذلك في صلاة الصبح , لأن ذلك وقت قليل من يتصرف فيه للمكاسب والمطالب , ولا مؤنة عليهم في المحافظة عليها . وأما صلاة الظهر فإن وقتها وقت قائلة الناس , واستراحتهم من مطالبهم في أوقات شدة الحر , وامتداد ساعات النهار ووقت توديع النفوس , والتفرغ لراحة الأبدان في أوان البرد وأيام الشتاء , وأن المعروف من الأوقات لتصرف الناس في مطالبهم ومكاسبهم والاشتغال بسعيهم لما لا بد منه لهم من طلب أقواتهم وقتان من النهار : أحدهما أول النهار بعد طلوع الشمس إلى وقت الهاجرة , وقد خفف الله تعالى ذكره فيه عن عباده عبء تكليفهم في ذلك الوقت , وثقل ما يشغلهم عن سعيهم في مطالبهم ومكاسبهم , وإن كان قد حثهم في كتابه وعلى لسان رسوله في ذلك الوقت على صلاة ووعدهم عليها الجزيل من ثوابه , من غير أن يفرضها عليهم , وهي صلاة الضحى . والآخر منهما آخر النهار , وذلك من بعد إبراد الناس , إمكان التصرف , وطلب المعاش صيفا وشتاء إلى وقت مغيب الشمس وفرض عليهم فيه صلاة العصر , ثم حث على المحافظة عليها لئلا يضيعوها لما علم من إيثار عباده أسباب عاجل دنياهم وطلب معايشهم فيها على أسباب آجل آخرتهم , بما حثهم به عليه في كتابه , وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم , ووعدهم من جزيل ثوابه على المحافظة عليها ما قد ذكرت بعضه في كتابنا هذا . وسنذكر باقيه في كتابنا الأكبر إن شاء الله من كتاب أحكام الشرائع . وإنما قيل لها الوسطى : لتوسطها الصلوات المكتوبات الخمس , وذلك أن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين , وهي بين ذلك وسطاهن , والوسطى : الفعلى من قول القائل : وسطت القوم أسطهم سطة ووسوطا : إذا دخلت وسطهم , ويقال للذكر فيه : هو أوسطنا , وللأنثى هي وسطانا .وقوموا لله قانتينالقول في تأويل قوله تعالى : وقوموا لله قانتين اختلف أهل التأويل في معنى قوله قانتين فقال بعضهم : معنى القنوت : الطاعة , ومعنى ذلك : وقوموا لله في صلاتكم , مطيعين له فيما أمركم به فيها ونهاكم عنه . ذكر من قال ذلك : 4282 - حدثني علي بن سعيد الكندي , قال : ثنا عبد الله بن المبارك , عن ابن عون , عن الشعبي في قوله : وقوموا لله قانتين قال : مطيعين . * حدثني أبو السائب سلم بن جنادة , قال : ثنا ابن إدريس , عن ابن عون , عن الشعبي , مثله . 4283 - حدثني ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا أبو المنيب , عن جابر بن زيد : وقوموا لله قانتين يقول : مطيعين . 4284 - حدثني أبو السائب , قال : ثنا ابن إدريس , عن عثمان بن الأسود , عن عطاء : وقوموا لله قانتين قال : مطيعين . 4285 - حدثنا أحمد بن عبدة الحمصي , قال : ثنا أبو عوانة , عن ابن بشر , عن سعيد بن جبير في قوله : وقوموا لله قانتين قال : مطيعين . * حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن الربيع بن أبي راشد , عن سعيد بن جبير أنه سئل عن القنوت , فقال : القنوت : الطاعة . 4286 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا عبيد بن سليمان , عن الضحاك , قال : القنوت الذي ذكره الله في القرآن , إنما يعنى به الطاعة . 4287 - حدثني يحيى بن أبي طالب , قال : أخبرنا يزيد بن هارون , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك : وقوموا لله قانتين قال : إن أهل كل دين يقومون لله عاصين , فقوموا أنتم لله طائعين . 4288 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا أبو زهير , عن جويبر , عن الضحاك في قوله : وقوموا لله قانتين قال : قوموا لله مطيعين في كل شيء , وأطيعوه في صلاتكم . * حدثت عن الحسين بن الفرج , قال سمعت أبا معاذ قال : أخبرنا عبيد , قال : سمعت الضحاك يقول : وقوموا لله قانتين القنوت : الطاعة , يقول : لكل أهل دين صلاة , يقومون في صلاتهم لله عاصين , فقوموا لله مطيعين . 4289 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس , قوله : قانتين يقول : مطيعين . * حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قوله : وقوموا لله قانتين قال : مطيعين . 4290 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحماني , قال : ثني شريك , عن سالم , عن سعيد : وقوموا لله قانتين يقول : مطيعين . 4291 - حدثني عمران بن بكار الكلاعي , قال : ثنا خطاب بن عثمان , قال : ثنا أبو روح عبد الرحمن بن سنان السكوني حمصي لقيته بأرمينية , قال : سمعت الحسن بن أبي الحسن يقول في قوله : وقوموا لله قانتين قال : طائعين . 4292 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله : وقوموا لله قانتين قال : مطيعين . * حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله . 4293 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : وقوموا لله قانتين يقول : مطيعين . 4294 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد الزبيري , قال : ثنا فضيل بن مرزوق , عن عطية , قال : كانوا يأمرون في الصلاة بحوائجهم , حتى أنزلت : وقوموا لله قانتين فتركوا الكلام . قال : قانتين : مطيعين . * حدثني محمد بن عمارة الأسدي , قال : ثنا عبيد الله بن موسى , قال : أخبرنا فضيل , عن عطية في قوله : وقوموا لله قانتين قال : كانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم , حتى نزلت : وقوموا لله قانتين فتركوا الكلام في الصلاة . 4295 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : حدثني حجاج , عن ابن جريج , قال : قال ابن عباس في قوله : وقوموا لله قانتين قال : كان أهل دين يقومون فيها عاصين , فقوموا أنتم لله مطيعين . 4296 - حدثنا الربيع بن سليمان , قال : ثنا أسد بن موسى , قال : ثنا ابن لهيعة , قال : ثنا دراج , عن أبي الهيثم , عن أبي سعيد , عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كل حرف في القرآن فيه القنوت , فإنما هو الطاعة " . 4297 - حدثنا العباس بن الوليد , قال : أخبرني أبي , قال : ثنا سعيد بن عبد العزيز , قال : القنوت : طاعة الله , يقول الله تعالى ذكره : وقوموا لله قانتين مطيعين . 4298 - حدثنا سعيد بن الربيع , قال : ثنا سفيان , قال : قال ابن طاوس , كان أبي يقول : القنوت : طاعة الله . وقال آخرون : القنوت في هذه الآية : السكوت . وقالوا : تأويل الآية : قوموا لله ساكتين عما نهاكم الله أن تتكلموا به في صلاتكم . ذكر من قال ذلك : 4299 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : وقوموا لله قانتين القنوت في هذه الآية : السكوت . 4300 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي في خبر ذكره , عن مرة , عن ابن مسعود , قال : كنا نقوم في الصلاة , فنتكلم , ويسأل الرجل صاحبه عن حاجته , ويخبره , ويردون عليه إذا سلم . حتى أتيت أنا فسلمت , فلم يردوا علي السلام , فاشتد ذلك علي . فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته , قال : " إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أنا أمرنا أن نقوم قانتين لا نتكلم في الصلاة " . والقنوت : السكوت . * حدثني محمد بن عبيد المحاربي , قال : ثنا الحكم بن ظهير , عن عاصم , عن زر , عن عبد الله , قال : كنا نتكلم في الصلاة , فسلمت على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد علي , فلما انصرف قال : " قد أحدث الله أن لا تكلموا في الصلاة " ونزلت هذه الآية : وقوموا لله قانتين 4301 - حدثنا عبد الحميد بن بيان السكري , قال : أخبرنا محمد بن يزيد , وحدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن أبي زائدة وابن نمير ووكيع ويعلى بن عبيد جميعا , عن إسماعيل بن أبي خالد , عن الحارث بن شبل , عن أبي عمرو الشيباني , عن زيد بن أرقم , قال : كنا نتكلم في الصلاة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم أحدنا صاحبه في الحاجة , حتى نزلت هذه الآية : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت . 4302 - حدثنا هناد بن السري , قال : ثنا أبو الأحوص , عن سماك , عن عكرمة في قوله : وقوموا لله قانتين قال : كانوا يتكلمون في الصلاة يجيء خادم الرجل إليه وهو في الصلاة فيكلمه بحاجته , فنهوا عن الكلام . 4303 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون بن المغيرة عن عنبسة , عن الزبير بن عدي , عن كلثوم بن المصطلق , عن عبد الله بن مسعود , قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان عودني أن يرد علي السلام في الصلاة , فأتيته ذات يوم فسلمت , فلم يرد علي وقال : " إن الله يحدث في أمره ما يشاء , وإنه قد أحدث لكم في الصلاة أن لا يتكلم أحد إلا بذكر الله , وما ينبغي من تسبيح وتمجيد , وقوموا لله قانتين " صلى الله عليه وسلم . 4304 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : وقوموا لله قانتين قال : إذا قمتم في الصلاة فاسكتوا , لا تكلموا أحدا حتى تفرغوا منها . قال : والقانت : المصلي الذي لا يتكلم . وقال آخرون : القنوت في هذه الآية : الركوع في الصلاة والخشوع فيها . وقالوا في تأويل الآية : وقوموا لله في صلاتكم خاشعين , خافضي الأجنحة , غير عابثين ولا لاعبين . ذكر من قال ذلك : 4305 - حدثني سلم بن جنادة , قال : ثنا ابن إدريس , عن ليث , عن مجاهد : وقوموا لله قانتين قال : فمن القنوت طول الركوع , وغض البصر , وخفض الجناح , والخشوع من رهبة الله , كان العلماء إذا قام أحدهم يصلي , يهاب الرحمن أن يلتفت , أو أن يقلب الحصى , أو يعبث بشيء , أو يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا إلا ناسيا . * حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن ليث , عن مجاهد نحوه , إلا أنه قال : فمن القنوت : الركود والخشوع . 4306 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عنبسة , عن ليث , عن مجاهد : وقوموا لله قانتين قا
فَإِنۡ خِفۡتُمۡ فَرِجَالًا أَوۡ رُكۡبَانٗاۖ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ  ٢٣٩
التفسير الميسرفإن خفتم من عدو لكم فصلوا صلاة الخوف ماشين، أو راكبين، على أي هيئة تستطيعونها ولو بالإيماء، أو إلى غير جهة القبلة، فإذا زال خوفكم فصلُّوا صلاة الأمن، واذكروا الله فيها، ولا تنقصوها عن هيئتها الأصلية، واشكروا له على ما علَّمكم من أمور العبادات والأحكام ما لم تكونوا على علم به.
تفسير السعدي فَإِنْ خِفْتُمْ لم يذكر ما يخاف منه ليشمل الخوف من كافر وظالم وسبع، وغير ذلك من أنواع المخاوف، أي: إن خفتم بصلاتكم على تلك الصفة فصلوها رِجَالًا أي: ماشين على أقدامكم، أَوْ رُكْبَانًا على الخيل والإبل وغيرها، ويلزم على ذلك أن يكونوا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، وفي هذا زيادة التأكيد على المحافظة على وقتها حيث أمر بذلك ولو مع الإخلال بكثير من الأركان والشروط، وأنه لا يجوز تأخيرها عن وقتها ولو في هذه الحالة الشديدة، فصلاتها على تلك الصورة أحسن وأفضل بل أوجب من صلاتها مطمئنا خارج الوقت فَإِذَا أَمِنْتُمْ أي: زال الخوف عنكم فَاذْكُرُوا اللَّهَ وهذا يشمل جميع أنواع الذكر ومنه الصلاة على كمالها وتمامها كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون فإنها نعمة عظيمة ومنة جسيمة، تقتضي مقابلتها بالذكر والشكر ليبقي نعمته عليكم ويزيدكم عليها.
تفسير ابن كثيروقوله : ( فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ) لما أمر تعالى عباده بالمحافظة على الصلوات ، والقيام بحدودها ، وشدد الأمر بتأكيدها ذكر الحال التي يشتغل الشخص فيها عن أدائها على الوجه الأكمل ، وهي حال القتال والتحام الحرب فقال : ( فإن خفتم فرجالا أو ركبانا ) أي : فصلوا على أي حال كان ، رجالا أو ركبانا : يعني : مستقبلي القبلة وغير مستقبليها كما قال مالك ، عن نافع : أن ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها . ثم قال : فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا على أقدامهم ، أو ركبانا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها . قال نافع : لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم . ورواه البخاري وهذا لفظه ومسلم ورواه البخاري أيضا من وجه آخر عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن النبي ، صلى الله عليه وسلم : نحوه أو قريبا منه ولمسلم أيضا عن ابن عمر قال : فإن كان خوف أشد من ذلك فصل راكبا أو قائما تومئ إيماء .وفي حديث عبد الله بن أنيس الجهني لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم ، إلى خالد بن سفيان الهذلي ليقتله وكان نحو عرفة أو عرفات فلما واجهه حانت صلاة العصر قال : فخشيت أن تفوتني فجعلت أصلي وأنا أومئ إيماء . الحديث بطوله رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد وهذا من رخص الله التي رخص لعباده ووضعه الآصار والأغلال عنهم .وقد روى ابن أبي حاتم من طريق شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس قال في هذه الآية : يصلي الراكب على دابته والراجل على رجليه . قال : وروي عن الحسن ومجاهد ومكحول والسدي والحكم ومالك والأوزاعي والثوري والحسن بن صالح نحو ذلك وزادوا : يومئ برأسه أينما توجه .ثم قال : حدثنا أبي ، حدثنا أبو غسان حدثنا داود يعني ابن علية عن مطرف عن عطية عن جابر بن عبد الله قال : إذا كانت المسايفة فليومئ برأسه [ إيماء ] حيث كان وجهه فذلك قوله : ( فرجالا أو ركبانا )وروي عن الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وعطية والحكم وحماد وقتادة نحو ذلك . وقد ذهب الإمام أحمد فيما نص عليه ، إلى أن صلاة الخوف تفعل في بعض الأحيان ركعة واحدة إذا تلاحم الجيشان ، وعلى ذلك ينزل الحديث الذي رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن جرير من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري زاد مسلم والنسائي : وأيوب بن عائذ كلاهما عن بكير بن الأخنس الكوفي ، عن مجاهد عن ابن عباس قال : فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا ، وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة وبه قال الحسن البصري وقتادة والضحاك وغيرهم .وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار حدثنا ابن مهدي عن شعبة قال : سألت الحكم وحمادا وقتادة عن صلاة المسايفة ، فقالوا : ركعة . وهكذا روى الثوري عنهم سواء .وقال ابن جرير أيضا : حدثني سعيد بن عمرو السكوني حدثنا بقية بن الوليد حدثنا المسعودي حدثنا يزيد الفقير عن جابر بن عبد الله قال : صلاة الخوف . ركعة واختار هذا القول ابن جرير .وقال البخاري : " باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو " وقال الأوزاعي : إن كان تهيأ الفتح ، ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء كل امرئ لنفسه فإن لم يقدروا على الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال أو يأمنوا فيصلوا ركعتين ، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين فإن لم يقدروا لا يجزئهم التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا . وبه قال مكحول وقال أنس بن مالك : حضرت مناهضة حصن تستر عند إضاءة الفجر ، واشتد اشتعال القتال فلم يقدروا على الصلاة فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار فصليناها ونحن مع أبي موسى ففتح لنا . قال أنس : وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها .هذا لفظ البخاري ثم استشهد على ذلك بحديث تأخيره ، عليه السلام ، صلاة العصر يوم الخندق بعذر المحاربة إلى غيبوبة الشمس وبقوله عليه السلام ، بعد ذلك لأصحابه لما جهزهم إلى بني قريظة : " لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة " ، فمنهم من أدركته الصلاة في الطريق فصلوا وقالوا : لم يرد منا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا تعجيل السير ومنهم من أدركته فلم يصل إلى أن غربت الشمس في بني قريظة فلم يعنف واحدا من الفريقين . وهذا يدل على اختيار البخاري لهذا القول ، والجمهور على خلافه ويعولون على أن صلاة الخوف على الصفة التي ورد بها القرآن في سورة النساء ووردت بها الأحاديث لم تكن مشروعة في غزوة الخندق ، وإنما شرعت بعد ذلك . وقد جاء مصرحا بهذا في حديث أبي سعيد وغيره وأما مكحول والأوزاعي والبخاري فيجيبون بأن مشروعية صلاة الخوف بعد ذلك لا تنافي جواز ذلك ; لأن هذا حال نادر خاص فيجوز فيه مثل ما قلنا بدليل صنيع الصحابة زمن عمر في فتح تستر وقد اشتهر ولم ينكر ، والله أعلم .وقوله : ( فإذا أمنتم فاذكروا الله ) أي : أقيموا صلاتكم كما أمرتم فأتموا ركوعها وسجودها وقيامها وقعودها وخشوعها وهجودها ( كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ) أي : مثل ما أنعم عليكم وهداكم للإيمان وعلمكم ما ينفعكم في الدنيا والآخرة ، فقابلوه بالشكر والذكر ، كقوله بعد ذكر صلاة الخوف : ( فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ) [ النساء : 103 ] وستأتي الأحاديث الواردة في صلاة الخوف وصفاتها في سورة النساء عند قوله تعالى : ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) الآية [ النساء : 102 ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى : فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون فيه تسع مسائل : الأولى : قوله تعالى : فإن خفتم من الخوف الذي هو الفزع . ( فرجالا ) أي فصلوا رجالا . ( أو ركبانا ) معطوف عليه . والرجال جمع راجل أو رجل من قولهم : رجل الإنسان يرجل رجلا إذا عدم المركوب ومشى على قدميه ، فهو رجل وراجل ورجل - ( بضم الجيم ) وهي لغة أهل الحجاز ، يقولون : مشى فلان إلى بيت الله حافيا رجلا ، - حكاه الطبري وغيره - ورجلان ورجيل ورجل ، ويجمع على رجال ورجلى ورجال ورجالة ورجالى ورجلان ورجلة ورجلة ( بفتح الجيم ) وأرجلة وأراجل وأراجيل . والرجل الذي هو اسم الجنس يجمع أيضا على رجال .الثانية : لما أمر الله تعالى بالقيام له في الصلاة بحال قنوت وهو الوقار والسكينة وهدوء الجوارح وهذا على الحالة الغالبة من الأمن والطمأنينة ذكر حالة الخوف الطارئة أحيانا ، وبين أن هذه العبادة لا تسقط عن العبد في حال ، ورخص لعبيده في الصلاة رجالا على الأقدام وركبانا على الخيل والإبل ونحوها ، إيماء وإشارة بالرأس حيثما توجه ، هذا قول العلماء ، وهذه هي صلاة الفذ الذي قد ضايقه الخوف على نفسه في حال المسايفة أو من سبع يطلبه أو من عدو يتبعه أو سيل يحمله ، وبالجملة فكل أمر يخاف منه على روحه فهو مبيح ما تضمنته هذه الآية .الثالثة : هذه الرخصة في ضمنها إجماع العلماء أن يكون الإنسان حيثما توجه من السموت ويتقلب ويتصرف بحسب نظره في نجاة نفسه .الرابعة : واختلف في الخوف الذي تجوز فيه الصلاة رجالا وركبانا ، فقال الشافعي : هو إطلال العدو عليهم فيتراءون معا والمسلمون في غير حصن حتى ينالهم السلاح من الرمي أو أكثر من أن يقرب العدو فيه منهم من الطعن والضرب ، أو يأتي من يصدق خبره فيخبره بأن العدو قريب منه ومسيرهم جادين إليه ، فإن لم يكن واحد من هذين المعنيين فلا يجوز له أن يصلي صلاة الخوف . فإن صلوا بالخبر صلاة الخوف ثم ذهب العدو لم يعيدوا ، وقيل : يعيدون ، وهو قول أبي حنيفة . قال أبو عمر : فالحال التي يجوز منها للخائف أن يصلي راجلا أو راكبا مستقبل القبلة أو غير مستقبلها هي حال شدة الخوف ، والحال التي وردت الآثار فيها هي غير هذه . وهي صلاة الخوف بالإمام وانقسام الناس وليس حكمها في هذه الآية ، وهذا يأتي بيانه في سورة " النساء " إن شاء الله تعالى . وفرق مالك بين خوف العدو المقاتل وبين خوف السبع ونحوه من جمل صائل أو سيل أو ما الأغلب من شأنه الهلاك ، فإنه استحب من غير خوف العدو الإعادة في الوقت إن وقع الأمن . وأكثر فقهاء الأمصار على أن الأمر سواء .الخامسة : قال أبو حنيفة : إن القتال يفسد الصلاة ، وحديث ابن عمر يرد عليه ، وظاهر الآية أقوى دليل عليه ، وسيأتي هذا في ( النساء ) إن شاء الله تعالى . قال الشافعي : لما رخص تبارك وتعالى في جواز ترك بعض الشروط دل ذلك على أن القتال في الصلاة لا يفسدها ، والله أعلم .السادسة : لا نقصان في عدد الركعات في الخوف عن صلاة المسافر عند مالك والشافعي وجماعة من العلماء وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة وغيرهما : يصلي ركعة إيماء ، روى مسلم عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن ابن عباس قال : فرض الله الصلاة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة . قال ابن عبد البر : انفرد به بكير بن الأخنس وليس بحجة فيما ينفرد به ، والصلاة أولى ما احتيط فيه ، ومن صلى ركعتين في خوفه وسفره خرج من الاختلاف إلى اليقين . وقال الضحاك بن مزاحم : يصلي صاحب خوف الموت في المسايفة وغيرها ركعة فإن لم يقدر فليكبر تكبيرتين . وقال إسحاق بن راهويه : فإن لم يقدر إلا على تكبيرة واحدة أجزأت عنه ذكره ابن المنذر .قوله تعالى : فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم أي ارجعوا إلى ما أمرتم به من إتمام الأركان . وقال مجاهد : ( أمنتم ) خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة ، ورد الطبري على هذا القول . وقالت فرقة : ( أمنتم ) زال خوفكم الذي ألجأكم إلى هذه الصلاة .السابعة : واختلف العلماء من هذا الباب في بناء الخائف إذا أمن ، فقال مالك : إن صلى ركعة آمنا ثم خاف ركب وبنى ، وكذلك إن صلى ركعة راكبا وهو خائف ثم أمن نزل وبنى ، وهو أحد قولي الشافعي ، وبه قال المزني . وقال أبو حنيفة : إذا افتتح الصلاة آمنا ثم خاف استقبل ولم يبن فإن صلى خائفا ثم أمن بنى . وقال الشافعي : يبني النازل ولا يبني الراكب . وقال أبو يوسف : لا يبني في شيء من هذا كله .? الثامنة : قوله تعالى : فاذكروا الله قيل : معناه اشكروه على هذه النعمة في تعليمكم هذه الصلاة التي وقع بها الإجزاء ، ولم تفتكم صلاة من الصلوات وهو الذي لم تكونوا تعلمونه . فالكاف في قوله ( كما ) بمعنى الشكر ، تقول : افعل بي كما فعلت بك كذا مكافأة وشكرا . و " ما " في قوله ( ما لم ) مفعولة ب ( علمكم ) .التاسعة : قال علماؤنا رحمة الله عليهم : الصلاة أصلها الدعاء ، وحالة الخوف أولى بالدعاء ، فلهذا لم تسقط الصلاة بالخوف ، فإذا لم تسقط الصلاة بالخوف فأحرى ألا تسقط بغيره من مرض أو نحوه ، فأمر الله سبحانه وتعالى بالمحافظة على الصلوات في كل حال من صحة أو مرض ، وحضر أو سفر ، وقدرة أو عجز وخوف أو أمن ، لا تسقط عن المكلف بحال ، ولا يتطرق إلى فرضيتها اختلال . وسيأتي بيان حكم المريض في آخر ( آل عمران ) إن شاء الله تعالى . والمقصود من هذا أن تفعل الصلاة كيفما أمكن ، ولا تسقط بحال حتى لو لم يتفق فعلها إلا بالإشارة بالعين لزم فعلها ، وبهذا تميزت عن سائر العبادات ، كلها تسقط بالأعذار ويترخص فيها بالرخص . قال ابن العربي : ولهذا قال علماؤنا : وهي مسألة عظمى ، إن تارك الصلاة يقتل ؛ لأنها أشبهت الإيمان الذي لا يسقط بحال ، وقالوا فيها : إحدى دعائم الإسلام لا تجوز النيابة عنها ببدن ولا مال ، فيقتل تاركها ، أصله الشهادتان . وسيأتي ما للعلماء في تارك الصلاة في ( براءة ) إن شاء الله تعالى .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًاقال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: وقوموا لله في صلاتكم مطيعين له= لما قد بيناه من معناه= فإن خفتم من عدو لكم، أيها الناس, تخشونهم على أنفسكم في حال التقائكم معهم أن تصلوا قياما على أرجلكم بالأرض قانتين لله= فصلوا " رجالا "، مشاة على أرجلكم, وأنتم في حربكم وقتالكم وجهاد عدوكم=" أو ركبانا "، على ظهور دوابكم, فإن ذلك يجزيكم حينئذ من القيام منكم، قانتين. (112)* * *ولما قلنا من أن معنى ذلك كذلك, جاز نصب " الرجال " بالمعنى المحذوف. وذلك أن العرب تفعل ذلك في الجزاء خاصة، لأن ثانيه شبيه بالمعطوف على أوله. ويبين ذلك أنهم يقولون: " إن خيرا فخيرا, وإن شرا فشرا ", بمعنى: إن تفعل خيرا تصب خيرا, وإن تفعل شرا تصب شرا, فيعطفون الجواب على الأول لانجزام الثاني بجزم الأول. فكذلك قوله: " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، بمعنى: إن خفتم أن تصلوا قياما بالأرض، فصلوا رجالا.* * *" والرجال " جمع " راجل " و " رجل "، وأما أهل الحجاز فإنهم يقولون لواحد " الرجال "" رجل ", مسموع منهم: " مشى فلان إلى بيت الله حافيا رجلا "، (113) وقد سمع من بعض أحياء العرب في واحدهم " رجلان ", كما قال بعض بني عقيل:على إذا أبصرت ليلى بخلوةأن ازدار بيت الله رجلان حافيا (114)فمن قال " رجلان " للذكر, قال للأنثى " رجلى ", وجاز في جمع المذكر والمؤنث فيه أن يقال: " أتى القوم رجالى ورجالى " مثل " كسالى وكسالى ".* * *وقد حكي عن بعضهم أنه كان يقرأ ذلك: " فإن خفتم فرجالا " مشددة. وعن بعضهم أنه كان يقرأ: " فرجالا "، (115) وكلتا القراءتين غير جائزة القراءة بها عندنا، لخلافها القراءة الموروثة المستفيضة في أمصار المسلمين. (116)* * *وأما " الركبان ", فجمع " راكب " , يقال: " هو راكب، وهم ركبان وركب وركبة وركاب وأركب وأركوب ", يقال: " جاءنا أركوب من الناس وأراكيب ".* * *وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:5535- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة, عن إبراهيم قال: سألته عن قوله: " فرجالا أو ركبانا "، قال: عند المطاردة، يصلى حيث كان وجهه, راكبا أو راجلا ويجعل السجود أخفض من الركوع, ويصلي ركعتين يومئ إيماء.5536- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا سفيان, عن مغيرة عن إبراهيم في قوله: " فرجالا أو ركبانا " قال: صلاة الضراب ركعتين، يومئ إيماء.5537- حدثني أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد, عن سفيان, عن مغيرة , عن إبراهيم قوله: " فرجالا أو ركبانا "، قال: يصلي ركعتين حيث كان وجهه، يومئ إيماء.5538- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل, عن سالم, عن سعيد بن جبير." فرجالا أو ركبانا "، قال: إذا طردت الخيل فأومئ إيماء.5539- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن مالك, عن سعيد قال: يومئ إيماء.5540- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا هشيم, عن يونس, عن الحسن: " فرجالا أو ركبانا "، قال: إذا كان عند القتال صلى راكبا أو ماشيا حيث كان وجهه، يومئ إيماء.5541- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في القتال على الخيل, فإذا وقع الخوف فليصل الرجل على كل جهة قائما أو راكبا, أو كما قدر على أن يومئ برأسه أو يتكلم بلسانه.5542- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد بنحوه= إلا أنه قال: أو راكبا لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقال أيضا: أو راكبا, أو ما قدر أن يومئ برأسه= وسائر الحديث مثله.5543- حدثنا يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا جويبر, عن الضحاك في قوله: " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، قال: إذا التقوا عند القتال وطلبوا أو طلبوا أو طلبهم سبع, فصلاتهم تكبيرتان إيماء، أي جهة كانت.5544- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر, عن الضحاك في قوله: " رجالا أو ركبانا "، قال: ذلك عند القتال، (117) يصلي حيث كان وجهه، راكبا أو راجلا إذا كان يطلب أو يطلبه سبع, فليصل ركعة، يومئ إيماء, فإن لم يستطع فليكبر تكبيرتين.5545- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي, عن الفضل بن دلهم, عن الحسن: " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، قال: ركعة وأنت تمشي, وأنت يوضع بك بعيرك ويركض بك فرسك، على أي جهة كان. (118)5546- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، أما " رجالا " فعلى أرجلكم، إذا قاتلتم, يصلي الرجل يومئ برأسه أينما توجه, والراكب على دابته يومئ برأسه أينما توجه. (119)5547- (120) حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، الآية، أحل الله لك إذا كنت خائفا عند القتال، أن تصلي وأنت راكب، وأنت تسعى, تومئ برأسك من حيث كان وجهك، إن قدرت على ركعتين, وإلا فواحدة.5548- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن ابن طاوس , عن أبيه: " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، قال: ذاك عند المسايفة.5549- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن معمر, عن الزهري في قوله: " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، قال: إذا طلب الأعداء فقد حلَّ لهم أن يصلوا قِبَل أي جهة كانوا، رجالا أو ركبانا، يومئون إيماء ركعتين= وقال قتادة: تجزي ركعة.5550- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، قال: كانوا إذا خشوا العدو صلوا ركعتين، راكبا كان أو راجلا.5551- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة,عن إبراهيم في قوله: " فإن خفتم فرجالا أو راكبانا "، قال : يصلي الرجل في القتال المكتوبة على دابته وعلى راحلته حيث كان جهه, يومئ إيماء عند كل ركوع وسجود, ولكن السجود أخفض من الركوع. فهذا حين تأخذ السيوف بعضها بعضا، هذا في المطاردة.5552- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي قال: كان قتادة يقول: إن استطاع ركعتين وإلا فواحدة، يومئ إيماء, إن شاء راكبا أو راجلا قال الله تعالى ذكره: " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا ".5553- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي, عن قتادة, عن الحسن قال، في الخائف الذي يطلبه العدو, قال: إن استطاع أن يصلي ركعتين , وإلا صلى ركعة.5554- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن يونس, عن الحسن قال: ركعة.5555- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا شعبة قال: سألت الحكم وحمادا وقتادة عن صلاة المسايفة, فقالوا: ركعة .5556- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا شعبة قال: سألت الحكم وحمادا وقتادة، عن صلاة المسايفة, فقالوا: يومئ إيماء حيث كان وجهه.5557- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر, عن حماد والحكم وقتادة: أنهم سئلوا عن الصلاة عند المسايفة, فقالوا: ركعة حيث وجهك.5558- حدثني أبو السائب قال، حدثنا ابن فضيل, عن أشعث بن سوار قال: سألت ابن سيرين عن صلاة المنهزم فقال: كيف استطاع.5559- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن سعيد بن يزيد, عن أبي نضرة, عن جابر بن غراب قال: كنا نقاتل القوم وعلينا هرم بن حيان, فحضرت الصلاة فقالوا: الصلاة، الصلاة ! فقال هرم: يسجد الرجل حيث كان وجهه سجدة. قال: ونحن مستقبلو المشرق. (121)5560- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن الجريري, عن أبي نضرة قال: كان هرم بن حيان على جيش، فحضروا العدو فقال: يسجد كل رجل منكم تحت جنته حيث كان وجهه سجدة, أو ما استيسر= فقلت لأبي نضرة : ما " ما استيسر " ؟ قال: يومئ. (122)5561- حدثنا سوار بن عبد الله قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا أبو مسلمة, عن أبي نضرة قال، حدثني جابر بن غراب قال: كنا مع هرم بن حيان نقاتل العدو مستقبلي المشرق, فحضرت الصلاة فقالوا: الصلاة! فقال : يسجد الرجل تحت جنته سجدة. (123)5562- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن عبد الملك بن أبي سليمان, عن عطاء في قوله: " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، قال: تصلي حيث توجهت راكبا وماشيا, وحيث توجهت بك دابتك, تومئ إيماء للمكتوبة.5563- حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال، حدثنا هبة بن الوليد قال، حدثنا المسعودي قال، حدثني يزيد الفقير, عن جابر بن عبد الله قال: صلاة الخوف ركعة. (124)5564- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا موسى بن محمد الأنصاري، عن عبد الملك, عن عطاء في هذه الآية قال: إذا كان خائفا صلى على أي حال كان. (125) .5565- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال مالك- وسألته عن قول الله: " فرجالا أو ركبانا " - قال: راكبا وماشيا, ولو كانت إنما عنى بها الناس, لم يأت إلا " رجالا " وانقطعت الآية. (126) إنما هي" رجال ": مشاة، وقرأ: (127) يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ [سورة الحج: 27] قال: يأتون مشاة وركبانا.* * *قال أبو جعفر: الخوف الذي للمصلي أن يصلي من أجله المكتوبة ماشيا راجلا وراكبا جائلا (128) الخوف على المهجة عند السلة والمسايفة في قتال من أمر بقتاله، (129) من عدو للمسلمين, أو محارب, أو طلب سبع, أو جمل صائل، أو سيل سائل فخاف الغرق فيه. (130)وكل ما الأغلب من شأنه هلاك المرء منه إن صلى صلاة الأمن، فإنه إذا كان ذلك كذلك, فله أن يصلي صلاة شدة الخوف حيث كان وجهه، يومئ إيماء لعموم كتاب الله: " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، ولم يخص الخوف على ذلك على نوع من الأنواع, بعد أن يكون الخوف، صفته ما ذكرت.* * *وإنما قلنا إن الخوف الذي يجوز للمصلي أن يصلي كذلك، هو الذي الأغلب منه الهلاك بإقامة الصلاة بحدودها, وذلك حال شدة الخوف، لأن: -5566- محمد بن حميد وسفيان بن وكيع حدثاني قالا حدثنا جرير, عن عبد الله بن نافع, عن أبيه, عن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف : يقوم الأمير وطائفة من الناس معه فيسجدون سجدة واحدة, ثم تكون طائفة منهم بينهم وبين العدو. ثم ينصرف الذين سجدوا سجدة مع أميرهم, ثم يكونون مكان الذين لم يصلوا, ويتقدم الذين لم يصلوا فيصلون مع أميرهم سجدة واحدة. ثم ينصرف أميرهم وقد قضى صلاته، ويصلي بعد صلاته كل واحد من الطائفتين سجدة لنفسه, وإن كان خوف أشد من ذلك " فرجالا أو ركبانا ". (131)5567- حدثني سعيد بن يحيى الأموي قال، حدثني أبي قال، حدثنا ابن جريح, عن موسى بن عقبة, عن نافع , عن ابن عمر قال: إذا اختلطوا - يعني في القتال - فإنما هو الذكر, وأشارة بالرأس. قال ابن عمر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " وإن كانوا أكثر من ذلك، فيصلون قياما وركبانا ". (132)* * *= ففصل النبي بين حكم صلاة الخوف في غير حال المسايفة والمطاردة، وبين حكم صلاة الخوف في حال شدة الخوف والمسايفة, على ما روينا عن ابن عمر. فكان معلوما بذلك أن قوله تعالى ذكره: " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، إنما عنى به الخوف الذي وصفنا صفته.وبنحو الذي روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، روى عن ابن عمر أنه كان يقول:5568- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن أيوب, عن نافع, عن ابن عمر أنه قال: في صلاة الخوف: يصلى بطائفة من القوم ركعة، وطائفة تحرس. ثم ينطلق هؤلاء الذين صلى بهم ركعة حتى يقوموا مقام أصحابهم. ثم يحيي أولئك فيصلي بهم ركعة, ثم يسلم, وتقوم كل طائفة فتصلي ركعة. قال: فإن كان خوف أشد من ذلك " فرجالا أو ركبانا ". (133)* * *وأما عدد الركعات في تلك الحال من الصلاة, فإني أحب أن لا يقصر من عددها في حال الأمن. وإن قصر عن ذلك فصلى ركعة، رأيتها مجزئة, لأن: -5569- بشر بن معاذ حدثني قال، حدثنا أبو عوانة, عن بكر بن الأخنس, عن مجاهد, عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا, وفي السفر ركعتين, وفي الخوف ركعة. (134)* * *القول في تأويل قوله : فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239)قال أبو جعفر: وتأويل ذلك : " فإذا أمنتم "، أيها المؤمنون، من عدوكم أن يقدر على قتلكم في حال اشتغالكم بصلاتكم التي فرضها عليكم- ومن غيره ممن كنتم تخافونه على أنفسكم في حال صلاتكم- فاطمأننتم, =" فاذكروا الله " في صلاتكم وفي غيرها بالشكر له والحمد والثناء عليه, على ما أنعم به عليكم من التوفيق لإصابة الحق الذي ضل عنه أعداؤكم من أهل الكفر بالله, = كما ذكركم بتعليمه إياكم من أحكامه, وحلاله وحرامه, وأخبار من قبلكم من الأمم السالفة, والأنباء الحادثة بعدكم- في عاجل الدنيا وآجل الآخرة, التي جهلها غيركم وبصركم، من ذلك وغيره, إنعاما منه عليكم بذلك, فعلمكم منه ما لم تكونوا من قبل تعليمه إياكم تعلمون.* * *وكان مجاهد يقول في قوله: " فإذا أمنتم "، ما: -5570- حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا وكيع, عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد: " فإذا أمنتم "، قال: خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة.* * *وبمثل الذي قلنا من ذلك قال ابن زيد:5571- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " فإذا أمنتم فاذكروا الله "، قال: فإذا أمنتم فصلوا الصلاة كما افترض الله عليكم- إذا جاء الخوف كانت لهم رخصة.* * *وقوله ها هنا: " فاذكروا الله "، قال: الصلاة،" كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ". (135)* * *قال أبو جعفر: وهذا القول الذي ذكرنا عن مجاهد، قول غيره أولى بالصواب منه, لإجماع الجميع على أن الخوف متى زال، فواجب على المصلي المكتوبة- وإن كان في سفر- أداؤها بركوعها وسجودها وحدودها, وقائما بالأرض غير ماش ولا راكب, كالذي يجب عليه من ذلك إذا كان مقيما في مصره وبلده, إلا ما أبيح له من القصر فيها في سفره. ولم يجر في هذه الآية للسفر ذكر, فيتوجه قوله: " فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون "، إليه. وإنما جرى ذكر الصلاة في حال الأمن، وحال شده الخوف, فعرف الله سبحانه وتعالى عباده صفة الواجب عليهم من الصلاة فيهما. (136) ثم قال: " فإذا أمنتم " فزال الخوف، فأقيموا صلاتكم وذكري فيها وفي غيرها، مثل الذي أوجبته عليكم قبل حدوث حال الخوف.وبعد، (137) فإن كان جرى للسفر ذكر, ثم أراد الله تعالى ذكره تعريف خلقه صفة الواجب عليهم من الصلاة بعد مقامهم، لقال: فإذا أقمتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون= ولم يقل: " فإذا أمنتم ".وفي قوله تعالى ذكره: " فإذا أمنتم "، الدلالة الواضحة على صحة قول من وجه تأويل ذلك إلى الذي قلنا فيه, وخلاف قول مجاهد. (138)---------------------الهوامش:(112) في المخطوطة : "من القيام منكم أو قانتين" ، بزيادة"أو" ، وهو لا معنى له ، إلا أن يكون في الكلام سقطا ، وتركت ما في المطبوعة على حاله ، فهو مستقيم .(113) هذا البيان عن لغات العرب في"رجل" ، غي مستوفي في كتب اللغة .(114) اللسان (رجل) ، عن ابن الأعرابي ، واستشهد به ابن هشام في"باب الحال" وتعدده للمفرد ، وروايته : " . . . ليلى بخفية زيارة بيت الله . . . " . وقوله : "ازدار" هو"افتعل" من"الزيارة" .(115) يعني بضم الراء وتخفيف الجيم المفتوحة ، وهي مذكورة في شواذ القراءات .(116) في المطبوعة : "بخلاف القراءة الموروثة" ، والصواب ما في المخطوطة .(117) في المطبوعة : "ذاك عند القتال" ، وأثبت ما في المخطوطة .(118) وضع البعير يضع وضعا ، وأوضعه أيضاعا : وهو سير حثيث وإن كان لا يبلغ أقصى الجهد .(119) عند هذا انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه المخطوطة ، فيها هنا ما نصه :"وصلى الله على محمد النبي وعلى آل وصحبه وسلم كثيراعلى الأصل المنقول منه هذه النسخة :بغلت بالسماع وأخي علي حرسه الله ، وأبو الفتح أحمد بن عمر الجهاري ، ومحمد بن علي الأرموي ، ونصر بن الحسين الطبري - بقراءتي على القاضي أبي الحسن الخصيب بن عبد الله ، عن أبي محمد الفرغاني ، عن أبي جعفر الطبري . وذلك في شعبان من سنة ثمان وأربعمئة ، وهو يقابلني بكتابه . وكتب محمد بن أحمد بن عيسى السعدي في التاريخ ، وسمع عبد الرحيم بن أحمد (النحوي؟؟) من موضع سماعه إلى هاهنا مع الجماعة" .(120) بدأ في التقسيم القديم :"بسم الله الرحمن الرحيم"(121) الأثر : 5559-"جابر بن غراب النمري البصري" ، روى عن هرم بن حيان ، روى عنه أبو نصرة . مترجم في الكبير 1 /2 /209 ، والجرح والتعديل 1 /1 / 497 . وكان في المطبوعة والمخطوطة : "جابر بن عراب" ، وهو تصحيف . و"سعيد بن يزيد" ، و"أبو مسلمة" الآتي في رقم : 5561 . وهذا الأثر رواه ابن حزم في المحلى 5 : 36 من طريق : "شعبة عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد ، عن أبي نضرة . . . " ، بغير هذا اللفظ كما سيأتي في رقم : 5561 .(122) الأثر : 5560- هو مختصر الذي قبله والذي يليه ، غير مرفوع إلى جابر بن غراب . وفي المخطوطة : "فحصروا العدو" بالصاد المهملة ، وكأن الصواب ما في المطبوعة . كما تدل عليه معاني الأثرين : السالف والتالي . وفي المطبوعة : "تحت جيبه" وفي المخطوطة : "تحت حسه" غي منقوطة . والصواب من المحلى 5 : 36 . والجنة (بضم الجيم وتشديد النون) : هي ما واراك من السلاح واستترت به ، كالدروع وغيره من لباس الوقاية في الحرب . في المطبوعة : "ما استيسر" ، بحذف"ما" الثانية الاستفهامية ، وهو خطأ .(123) الأثر : 5561- انظر الأثرين السالفين ، والتعليق عليهما . وفي المطبوعة : "مستقبل المشرق" ، وهو خطأ ناسخ . وفي المطبوعة : "تحت جيبه" كما في رقم : 5560 ، وفي المخطوطة : "تحت حسه" غير منقوطة ، والصواب من المحلى 5 : 36 ، ونص ما رواه : "وعن شعبة ، عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد ، عن أبي نضرة ، عن جابر بن غراب ، كنا مصافي العدو بفارس ، ووجوهنا إلى المشرق ، فقال هرم بن حيان : ليركع كل إنسان منكم ركعة تحت جنته حيث كان وجهه" .(124) الأثر : 5563-"سعيد بن عمرو بن سعيد السكوني" أبو عثمان الحمصي ، روى عن بقية ، والمعافى بن عمران الحمصي وغيرهما . وعنه النسائي ، صدوق ، ذكره ابن حبان في القات . مترجم في التهذيب . و"بقية بن الوليد" ، قال أحمد ، وسئل عن بقية وإسماعيل بن عياش : "بقية أحب إلي ، وإذا حدث عن قوم ليسوا بمعروفين فلا تقبلوا عنه" . وكان في المطبوعة والمخطوطة : "هبة بن الوليد" وهو خطأ . والصواب من تفسير ابن كثبر 1 : 585 . و"المسعودي" ، هو : عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي . و"يزيد الفقير" هو : يزيد بن صهيب الفقير ، أبو عثمان الكوفي ، روي عن جابر وأبي سعيد وابن عمر ، ثقة صدوق . وسمي"الفقير" ، لأنه كان يشكو فقار ظهره . مترجم في التهذيب وغيره . وانظر السنن الكبرى 3 : 263 ، والمحلى 5 : 35 .(125) الأثر : 5564"موسى بن محمد الأنصاري" ، يعد في الكوفيين ، مترجم في الكبير للبخاري 4 /1 /294 ، وابن أبي حاتم 4 /1 /160 ، وهو ثقة .(126) في المخطوطة والمطبوعة : "انقطعت الألف" ، وقد استظهر مصحح الطبعة الأميرية أنها"وانقطعت الآية" ، وأرجح أنها الصواب ، والناسخ في هذا الموضع من النسخة عجل كثير السهو والخطأ ، كما رأيت فيما مضى ، وكما سترى فيما يأتي . وقد خلط بعضهم في تعليقه على هذا الموضع من الطبري .(127) في المطبوعة : "وعن يأتوك رجالا . . . " ، وهو خطأ لا شك فيه . أما المخطوطة ففيها"ومزايا ترك" ، وصواب تحريفها وتصحيفها ، هو ما أثبت . ويعني أن مالكا استدل بهذه الآية على معنى"فرجالا" كما هو بين .(128) الجائل : هو الذي يجول في الحرب جولة على عدوه ، وجولته : دورانه وهو على فرسه ليستمكن من قرنه .(129) في المطبوعة : "الخوف على المهمة عند السلمة" ، وهو خلط غث . وفي المخطوطة : "الخوف على المهمة عند المسلة" ، والصواب ما أثبت من قراءتي لهذا النص . والمهجة : الروح ، وخالص النفس . والسلة : استلال السيوف ، يقال : "أتيناهم عند السلة" ، أي عند استلال السيوف إذا حمي الوطيس .(130) صال الجمل يصول ، فهو صائل وصؤول : وذلك إذا وثب على راعيه فأكله ، وواثب الناس يأكلهم ويعدو عليهم ويطردهم من مخافته .(131) الحديث : 5566- جرير : هو ابن عبد الحميد الضبي . عبد الله بن نافع مولى ابن عمر : ضعيف جدا . قال فيه البخاري في الضعفاء : "منكر الحديث" . فصلنا القول في تضعيفه في المسند : 4769 .وهذا الحديث هكذا رواه جرير عن عبد الله بن نافع ، عن أبيه ، عن ابن عمر - مرفوعا .وكذلك رواه ابن ماجه : 12587 ، عن محمد بن الصباح ، عن جرير ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر - مرفوعا أيضًا . وإسناده صحيح . وأشار الحافظ في الفتح 2 : 360 إلى رواية ابن ماجه هذه ، وقال : "وإسناده جيد" .ورواه -بمعناه- مالك في الموطأ ، ص : 184 ، "عن نافع : أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف قال . . . " ، فذكر نحوه من كلام ابن عمر ، ثم قال في آخره : "قال مالك : قال نافع : لا أرى عبد الله بن عمر حدثه إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" .وكذلك رواه البخاري 8 : 150 ، عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك .وروى الشافعي في الأم 1 : 197 ، عن مالك - قطعه من أوله ، ثم أشار إلى سائره وذكر آخره . وكذلك رواه البيهقي3 : 256 ، من طريق الشافعي عن مالك .وذكره السيوطي 1 : 308 ، من رواية مالك ، وزاد نسبته لعبد الرزاق .فهذا الشك في رفعه من نافع عند مالك -ثم الجزم برفعه في رواية عبيد الله بن عمر العمري عن نافع عند ابن ماجه- : يقويان رواية جرير عن عبد الله بن نافع ، التي هنا .(132) الحديث : 5567- سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي : مضت ترجمته في : 2255 .وهذا الحديث رواه البخاي 3 : 259 (فتح) ، عن سعيد بن يحيى -شبخ الطبري- بهذا الإسناد ولم يذكر لفظه كاملا . وذكر الحافظ ، ص : 360 ، رواية الطبري هذه ، أيضاحا لرواية البخاري .ورواه البيهقي 3 : 255-256 ، من طريق الهيثم بن خلف الدوري ، عن سعيد بن يحيى الأموي ، به . وذكر لفظه ، ثم أشار إلى رواية البخاري .وقوله : "اختلطوا" : يعني اختلط الجيشان ، حال المسايفة والالتحام . وهكذا ثبت هذا الحرف في الفتح نقلا عن الطبري ، والسنن الكبرى للبيهقي ، ووقع في المخطوطة والمطبوعة : "اختلفوا" - بالفاء بدل الطاء . وهو تحريف من الناسخين .وقوله : "وإشارة بالرأس" : يعني أنهم يصلون بالإيماء ، يذكرون ويقرءون ، ويشيرون إلى الركوع والسجود . وهذا هو الثابت في الفتح والسنن الكبرى . ووقع في المخطوطة والمطبوعة : "وأشار بالرأس" . وهو تحريف أيضًا .(133) الخبر : 5568- هذا موقوف على ابن عمر ، صريحا ، وهو في معنى الحديث الماضي : 5566 .(134) الحديث : 5569 بكير بن الأخنس الليثي الكوفي : تابعي ثقة . و"بكير" : بالتصغير . ووقع في المطبوعة"بكر" - بدون الياء ، وهو خطأ .والحديث رواه أحمد بن المسند : 2124 عن يزيد ، و : 2293 ، عن عفان ، و : 3332 ، عن وكيع - ثلاثتهم عن أبي عوانة ، به .ورواه البخاري في التاريخ الكبير -موجزا كعادته- في ترجمة بكير 1 /2 /112 ، عن أبي نعيم ، عن أبي عوانة . ورواه مسلم 1 : 192 ، عن أربعة شيوخ ، عن أبي عوانة .وكذلك رواه البيهقي في السنن الكبرى 3 : 135 ، من طريق يحيى بن يحيى ، عن أبي عوانة . ورواه أحمد أيضًا : 2177 ، عن القاسم بن مالك المزني ، عن أيوب بن عائذ ، عن بكير بن الأخنس ، به .وكذلك رواه مسلم 1 : 192 ، من طريق القاسم بن مالك .ورواه البيهقي 3 : 263-264 ، بإسنادين من طريق أيوب بن عائذ . وذكره ابن كثير 1 : 585 ، وزاد نسبته لأبي داود ، والنسائي ، وابن ماجه .(135) من أول قوله : "وقوله ها هنا : اذكروا الله . . . " إلى آخر هذه الفقرة ، هي من كلام مجاهد في الأثر : 5570 فيما أرجح ، وأخشى أن يكون الناسخ قد أفسد سياق الكلام ، وأنا أرجح ان قوله آنفًا : "وبمثل الذي قلنا من ذلك قال ابن زيد" ثم الأثر رقم 5571 ، ينبغي أن يكون مقدما على الأثر : 5570 . وأرجح أن قوله : "وقوله ها هنا" كلام فاسد ، وأن"ها هنا" كانت في الأصل القديم إشارة إلى تأخير الكلام من أول قوله : "وكان مجاهد يقول . . . " ثم الأثر : 5570 ، إلى ما بعد الأثر : 5571 ، فيكون السياق :"فعلمكم منه ما لم تكونوا من قبل تعليمه إياكم تعلمون . وبمثل الذي قلنا من ذلك قال ابن زيد :5570- حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب . . .وكان مجاهد يقول في قوله : "فإذا أمنتم" ما : -5571- حدنا به أبو كريب ، قال حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن ليث ، عن مجاهد : "فإذا أمنتم" ، قال : خرجتم من السفر إلى دار الإقامة . وقوله : "اذكروا الله" ، قال : الصلاة ، "كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون" .قال أبو جعفر : وهذا القول الذي ذكرنا عن مجاهد . . . "هذا ما أرجح أن أصل الطبري كان عليه ، وأخطأ الناسخ فهم إشارة الناسخ قبله بقوله : "ها هنا" يعني نقل الكلام من هناك إلى"ها هنا" . ولكني لم أستجز هذا التغيير في المطبوعة ، وإن كنت لا أشك فيما رجحته(136) في المخطوطة : "وصفه الواجب عليهم" ، والصواب ما في المطبوعة .(137) في المطبوعة : "قبل حدوث حال الخوف وبعده ، فإن كان جرى للسفر ذكر . . . " وهو خلط قبيح ، جعل بعض المصححين يضع مكان"فإن كان جرى" ، "فلو كان جرى . . . " فترك الكلام خلطا لا معنى له ، وصحح ما ليس في حاجة إلى تصحيح!! هذا ، والصواب ما في المخطوطة كما أثبته .(138) في المطبوعة : "وإلى خلاف قول مجاهد" ، بزيادة"إلى" ، وهي زيادة فاسدة مفسدة . وقوله : "خلاف" معطوف على قوله : "على صحة قول . . . "
وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا وَصِيَّةٗ لِّأَزۡوَٰجِهِم مَّتَٰعًا إِلَى ٱلۡحَوۡلِ غَيۡرَ إِخۡرَاجٖۚ فَإِنۡ خَرَجۡنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِي مَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعۡرُوفٖۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ  ٢٤٠
التفسير الميسروالأزواج الذين يموتون ويتركون زوجات بعدهم، فعليهم وصيةً لهنَّ: أن يُمَتَّعن سنه تامة من يوم الوفاة، بالسكنى في منزل الزوج من غير إخراج الورثة لهن مدة السنة؛ جبرًا لخاطر الزوجة، وبرًا بالمتوفَّى. فإن خرجت الزوجات باختيارهن قبل انقضاء السنة فلا إثم عليكم -أيها الورثة- في ذلك، ولا حرج على الزوجات فيما فعلن في أنفسهن من أمور مباحة. والله عزيز في ملكه، حكيم في أمره ونهيه. وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا).
تفسير السعديأي: الأزواج الذين يموتون ويتركون خلفهم أزواجا فعليهم أن يوصوا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج أي: يوصون أن يلزمن بيوتهم مدة سنة لا يخرجن منها فإن خرجن من أنفسهن فلا جناح عليكم أيها الأولياء فيما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم أي: من مراجعة الزينة والطيب ونحو ذلك وأكثر المفسرين أن هذه الآية منسوخة بما قبلها وهي قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وقيل لم تنسخها بل الآية الأولى دلت على أن أربعة أشهر وعشر واجبة، وما زاد على ذلك فهي مستحبة ينبغي فعلها تكميلا لحق الزوج، ومراعاة للزوجة، والدليل على أن ذلك مستحب أنه هنا نفى الجناح عن الأولياء إن خرجن قبل تكميل الحول، فلو كان لزوم المسكن واجبا لم ينف الحرج عنهم.
تفسير ابن كثيرقال الأكثرون : هذه الآية منسوخة بالتي قبلها وهي قوله : ( يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا )قال البخاري : حدثنا أمية حدثنا يزيد بن زريع عن حبيب عن ابن أبي مليكة ، قال ابن الزبير : قلت لعثمان بن عفان : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ) قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو تدعها ؟ قال : يا ابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه .ومعنى هذا الإشكال الذي قاله ابن الزبير لعثمان : إذا كان حكمها قد نسخ بالأربعة الأشهر فما الحكمة في إبقاء رسمها مع زوال حكمها ، وبقاء رسمها بعد التي نسختها يوهم بقاء حكمها ؟ فأجابه أمير المؤمنين بأن هذا أمر توقيفي ، وأنا وجدتها مثبتة في المصحف كذلك بعدها فأثبتها حيث وجدتها .قال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء عن ابن عباس في قوله : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج ) فكان للمتوفى عنها زوجها نفقتها وسكناها في الدار سنة ، فنسختها آية المواريث فجعل لهن الربع أو الثمن مما ترك الزوج . ثم قال : وروي عن أبي موسى الأشعري ، وابن الزبير ومجاهد وإبراهيم وعطاء والحسن وعكرمة وقتادة والضحاك وزيد بن أسلم والسدي ومقاتل بن حيان ، وعطاء الخراساني والربيع بن أنس : أنها منسوخة .وروي من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : كان الرجل إذا مات وترك امرأته اعتدت سنة في بيته ينفق عليها من ماله ثم أنزل الله بعد : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا )فهذه عدة المتوفى عنها زوجها إلا أن تكون حاملا فعدتها أن تضع ما في بطنها وقال : ( ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن [ مما تركتم ] ) [ النساء : 12 ] فبين ميراث المرأة وترك الوصية والنفقة .قال : وروي عن مجاهد والحسن وعكرمة وقتادة والضحاك والربيع ومقاتل بن حيان ، قالوا : نسختها ( أربعة أشهر وعشرا )قال : وروي عن سعيد بن المسيب قال : نسختها التي في الأحزاب : ( يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات [ ثم طلقتموهن ] ) [ الأحزاب : 49 ] .قلت : وروي عن [ مقاتل و ] قتادة : أنها منسوخة بآية الميراث .وقال البخاري : حدثنا إسحاق ابن راهويه ، حدثنا روح حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ) قال : كانت هذه العدة ، تعتد عند أهل زوجها واجب فأنزل الله : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف ) قال : جعل الله لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية إن شاءت سكنت في وصيتها ، وإن شاءت خرجت وهو قول الله : ( غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم ) فالعدة كما هي واجب عليها ، زعم ذلك عن مجاهد : رحمه الله . وقال عطاء : وقال ابن عباس : نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها فتعتد حيث شاءت وهو قول الله تعالى : ( غير إخراج ) قال عطاء : إن شاءت اعتدت عند أهلها وسكنت في وصيتها ، وإن شاءت خرجت لقول الله : ( فلا جناح عليكم فيما فعلن [ في أنفسهن ] ) قال عطاء : ثم جاء الميراث فنسخ السكنى ، فتعتد حيث شاءت ولا سكنى لها . ثم أسند البخاري عن ابن عباس مثل ما تقدم عنه .فهذا القول الذي عول عليه مجاهد وعطاء من أن هذه الآية لم تدل على وجوب الاعتداد سنة كما زعمه الجمهور حتى يكون ذلك منسوخا بالأربعة الأشهر وعشر ، وإنما دلت على أن ذلك كان من باب الوصاة بالزوجات أن يمكن من السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولا كاملا إن اخترن ذلك ، ولهذا قال : ( وصية لأزواجهم ) أي : يوصيكم الله بهن وصية كقوله : ( يوصيكم الله في أولادكم ) الآية [ النساء : 11 ] وقال : ( وصية من الله ) [ النساء : 12 ] وقيل : إنما انتصب على معنى : فلتوصوا بهن وصية . وقرأ آخرون بالرفع " وصية " على معنى : كتب عليكم وصية واختارها ابن جرير ولا يمنعن من ذلك لقوله : ( غير إخراج ) فأما إذا انقضت عدتهن بالأربعة الأشهر والعشر أو بوضع الحمل ، واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل فإنهن لا يمنعن من ذلك لقوله ( فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف ) وهذا القول له اتجاه ، وفي اللفظ مساعدة له ، وقد اختاره جماعة منهم : الإمام أبو العباس ابن تيمية ورده آخرون منهم : الشيخ أبو عمر بن عبد البر .وقول عطاء ومن تابعه على أن ذلك منسوخ بآية الميراث إن أرادوا ما زاد على الأربعة أشهر والعشر فمسلم ، وإن أرادوا أن سكنى الأربعة الأشهر وعشر لا تجب في تركة الميت فهذا محل خلاف بين الأئمة ، وهما قولان للشافعي رحمه الله ، وقد استدلوا على وجوب السكنى في منزل الزوج بما رواه مالك في موطئه عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة ، عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة : أن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أخبرتها : أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة ، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا ، حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه . قالت : فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي في بني خدرة فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نعم " قالت : فانصرفت ، حتى إذا كنت في الحجرة ناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمر بي فنوديت له فقال : " كيف قلت ؟ " فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي . فقال : " امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله " قالت : فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا . قالت : فلما كان عثمان بن عفان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته ، فاتبعه وقضى به .وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث مالك به ، ورواه النسائي أيضا وابن ماجه من طرق عن سعد بن إسحاق به ، وقال الترمذي : حسن صحيح .
تفسير القرطبيقوله تعالى : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيمفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ذهب جماعة من المفسرين في تأويل هذه الآية أن المتوفى عنها زوجها كانت تجلس في بيت المتوفى عنها حولا ، وينفق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل ، فإن خرجت لم يكن على الورثة جناح في قطع النفقة عنها ، ثم نسخ الحول بالأربعة الأشهر والعشر ، ونسخت النفقة بالربع والثمن في سورة " النساء " قاله ابن عباس وقتادة والضحاك وابن زيد والربيع . وفي السكنى خلاف للعلماء ، روى البخاري عن ابن الزبير قال : قلت لعثمان هذه الآية التي في " البقرة " : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا - إلى قوله - ( غير إخراج ) قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو تدعها ؟ قال : يا ابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه . وقال الطبري عن مجاهد : إن هذه الآية محكمة لا نسخ فيها ، والعدة كانت قد ثبتت أربعة أشهر وعشرا ، ثم جعل الله لهن وصية منه سكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة ، فإن شاءت المرأة سكنت في وصيتها ، وإن شاءت خرجت ، وهو قول الله عز وجل : غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم . قال ابن عطية : وهذا كله قد زال حكمه بالنسخ المتفق عليه إلا ما قوله الطبري مجاهدا رحمهما الله تعالى ، وفي ذلك نظر على الطبري . وقال القاضي عياض : والإجماع منعقد على أن الحول منسوخ وأن عدتها أربعة أشهر وعشر . قال غيره : معنى قوله ( وصية ) أي من الله تعالى تجب على النساء بعد وفاة الزوج بلزوم البيوت سنة ثم نسخ .قلت : ما ذكره الطبري عن مجاهد صحيح ثابت ، خرج البخاري قال : حدثنا إسحاق قال حدثنا روح قال حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا قال : كانت هذه العدة تعتد عند أهل زوجها واجبة فأنزل الله تعالى : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا - إلى قوله - من معروف قال : جعل الله لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية ، إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت ، وهو قوله تعالى : غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم إلا أن القول الأول أظهر لقوله عليه السلام : إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة عند رأس الحول . . . الحديث . وهذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم عن حالة المتوفى عنهن أزواجهن قبل ورود الشرع ، فلما جاء الإسلام أمرهن الله تعالى بملازمة البيوت حولا ثم نسخ بالأربعة الأشهر والعشر ، هذا - مع وضوحه في السنة الثابتة المنقولة بأخبار الآحاد - إجماع من علماء المسلمين لا خلاف فيه ، قاله أبو عمر ، قال : وكذلك سائر الآية . فقوله عز وجل : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج منسوخ كله عند جمهور العلماء ، ثم نسخ الوصية بالسكنى للزوجات في الحول ، إلا رواية شاذة مهجورة جاءت عن ابن أبي نجيح عن مجاهد لم يتابع عليها ، ولا قال بها فيما زاد على الأربعة الأشهر والعشر أحد من علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم فيما علمت . وقد روى ابن جريج عن مجاهد مثل ما عليه الناس ، فانعقد الإجماع وارتفع الخلاف ، وبالله التوفيق .الثانية : قوله تعالى : ( وصية ) قرأ نافع وابن كثير والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر " وصية " بالرفع على الابتداء ، وخبره " لأزواجهم " . ويحتمل أن يكون المعنى عليهم وصية ، ويكون قوله " لأزواجهم " صفة ، قال الطبري : قال بعض النحاة : المعنى كتبت عليهم وصية ، ويكون قوله " لأزواجهم " صفة ، قال : وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود . وقرأ أبو عمرو وحمزة وابن عامر ( وصية ) بالنصب ، وذلك حمل على الفعل ، أي فليوصوا وصية . ثم الميت لا يوصي ولكنه أراد إذا قربوا من الوفاة ، و ( لأزواجهم ) على هذه القراءة أيضا صفة . وقيل : المعنى أوصى الله وصية . ( متاعا ) أي متعوهن متاعا : أو جعل الله لهن ذلك متاعا لدلالة الكلام عليه ، ويجوز أن يكون نصبا على الحال أو بالمصدر الذي هو الوصية ، كقوله : أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ، والمتاع هاهنا نفقة سنتها .الثالثة : قوله تعالى : غير إخراج معناه ليس لأولياء الميت ووارثي المنزل إخراجها و " غير " نصب على المصدر عند الأخفش ، كأنه قال لا إخراجا . وقيل : نصب لأنه صفة المتاع وقيل : نصب على الحال من الموصين أي متعوهن غير مخرجات . وقيل : بنزع الخافض ، أي من غير إخراج .الرابعة : قوله تعالى : فإن خرجن الآية ؛ معناه فإن خرجن باختيارهن قبل الحول . فلا جناح عليكم أي لا حرج على أحد ولي أو حاكم أو غيره ؛ لأنه لا يجب عليها المقام في بيت زوجها حولا . وقيل : أي لا جناح في قطع النفقة عنهن ، أو لا جناح عليهن في التشوف إلى الأزواج ، إذ قد انقطعت عنهن مراقبتكم أيها الورثة ، ثم عليها ألا تتزوج قبل انقضاء العدة بالحول ، أو لا جناح في تزويجهن بعد انقضاء العدة ؛ لأنه قال من معروف وهو ما يوافق الشرع ( والله عزيز ) صفة تقتضي الوعيد بالنسبة لمن خالف الحد في هذه النازلة ، فأخرج المرأة وهي لا تريد الخروج . ( حكيم ) أي محكم لما يريد من أمور عباده .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍقال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: " والذين يتوفون منكم "، أيها الرجال ويذرون أزواجا = يعني زوجات كن له نساء في حياته, بنكاح= لا ملك يمين. ثم صرف الخبر عن ذكر من ابتدأ الخبر بذكره, نظير الذي مضى من ذلك في قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [سورة البقرة: 234] (139) إلى الخبر عن ذكر أزواجهم. وقد ذكرنا وجه ذلك, ودللنا على صحة القول فيه في نظيره الذي قد تقدم قبله, فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. (140)* * *ثم قال تعالى ذكره: " وصية لأزواجهم "، فاختلفت القرأة في قراءة ذلك: فقرأ بعضهم: " وصية لأزواجهم "، بنصب " الوصية "، بمعنى: فليوصوا وصية لأزواجهم, أو: عليهم [أن يوصوا] وصية لأزواجهم. (141)* * *و قرأ آخرون: ( وَصِيِّةٌ لأزْوَاجِهِمْ )برفع " الوصية ".* * *ثم اختلف أهل العربية في وجه رفع " الوصية ".فقال بعضهم: رفعت بمعنى: كتبت عليهم الوصية. واعتل في ذلك بأنها كذلك في قراءة عبد الله. (142)فتأويل الكلام على ما قاله هذا القائل: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا، كتبت عليهم وصية لأزواجهم- ثم ترك ذكر " كتبت ", ورفعت " الوصية " بذلك المعنى، وإن كان متروكا ذكره.* * *وقال آخرون منهم: بل " الوصية " مرفوعة بقوله: " لأزواجهم " فتأول: لأزواجهم وصية.* * *والقول الأول أولى بالصواب في ذلك, وهو أن تكون " الوصية " إذا رفعت مرفوعة بمعنى: كتبت عليكم وصية لأزواجكم. لأن العرب تضمر النكرات مرافعها قبلها إذا أضمرت, فإذا أظهرت بدأت به قبلها, فتقول: " جاءني رجل اليوم ", وإذا قالوا: " رجل جاءني اليوم " لم يكادوا أن يقولونه إلا والرجل حاضر يشيرون إليه ب " هذا ", (143) أو غائب قد علم المخبر عنه خبره, أو بحذف " هذا " وإضماره وإن حذفوه، لمعرفة السامع بمعنى المتكلم, كما قال الله تعالى ذكره: سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا [سورة النور: 1] و بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [سورة التوبة: 1]، فكذلك ذلك في قوله: " وصية لأزواجهم ".* * *قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا قراءة من قرأه رفعا، لدلالة ظاهر القرآن على أن مقام المتوفى عنها زوجها في بيت زوجها المتوفى حولا كاملا كان حقا لها قبل نزول قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [سورة البقرة: 234]، وقبل نزول آية الميراث (144) =ولتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو الذي دل عليه الظاهر من ذلك, أوصى لهن أزواجهن بذلك قبل وفاتهن، أو لم يوصوا لهن به.* * *فإن قال قائل: وما الدلالة على ذلك؟قيل: لما قال الله تعالى ذكره: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم "، وكان الموصي لا شك، إنما يوصي في حياته بما يأمر بإنفاذه بعد وفاته, (145) وكان محالا أن يوصي بعد وفاته, كان تعالى ذكره إنما جعل لامرأة الميت سكن الحول بعد وفاته (146) =، (147) علمنا أنه حق لها وجب في ماله بغير وصية منه لها, إذ كان الميت مستحيلا أن يكون منه وصية بعد وفاته.* * *ولو كان معنى الكلام على ما تأوله من قال: " فليوص وصية ", لكان التنزيل: والذين تحضرهم الوفاة ويذرون أزواجا، وصية لأزواجهم, (148) كما قال: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ [سورة البقرة: 180]* * *وبعدُ, فلو كان ذلك واجبًا لهن بوصية من أزواجهن المتوفّين, لم يكن ذلك حقًّا لهن إذا لم يوص أزواجهن لهن قبل وفاتهم, ولكان قد كان لورثتهم إخراجهن قبل الحول، (149) وقد قال الله تعالى ذكره: " غير إخراج ". ولكن الأمر في ذلك بخلاف ما ظنه في تأويله قارئُه: " وصيةً لأزواجهم "، بمعنى: أن الله تعالى كان أمر أزواجهن بالوصية لهنّ. وإنما تأويل ذلك: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا، كتب الله لأزواجهم عليكم وصية منه لهن أيها المؤمنون- أن لا تخرجوهن من منازل أزواجهن حولا كما قال تعالى ذكره في" سورة النساء غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ [سورة النساء: 12]، ثم ترك ذكر: " كتب الله "، اكتفاء بدلالة الكلام عليه, ورفعت " الوصية " بالمعنى الذي قلنا قبل.* * *فإن قال قائل: فهل يجوز نصب " الوصية " [على الحال، بمعتى موصين] لهن وصية؟ (150)قيل: لا لأن ذلك إنما كان يكون جائزا لو تقدم " الوصية " من الكلام ما يصلح أن تكون الوصية خارجة منه, فأما ولم يتقدمه ما يحسن أن تكون منصوبة بخروجها منه, فغير جائز نصبها بذلك المعنى.* * ** ذكر بعض من قال: إن سكنى حول كامل كان حقا لأزواج المتوفين بعد موتهم= على ما قلنا= (151) أوصى بذلك أزواجهن لهن أو لم يوصوا لهن به, وأن ذلك نسخ بما ذكرنا من الأربعة الأشهر والعشر والميراث.5572- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن منهال قال، حدثنا همام بن يحيى قال: سألت قتادة عن قوله: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج "، فقال: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها كان لها السكنى والنفقة حولا في مال زوجها، ما لم تخرج. ثم نسخ ذلك بعد في" سورة النساء ", فجعل لها فريضة معلومة: الثمن إن كان له ولد, والربع إن لم يكن له ولد, وعدتها أربعة أشهر وعشرا, فقال تعالى ذكره: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [سورة البقرة: 234]، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها من أمر الحول.5573- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج " الآية، قال: كان هذا من قبل أن تنزل آية الميراث, فكانت المرأة إذا توفي عنها زوجها كان لها السكنى والنفقة حولا إن شاءت, فنسخ ذلك في" سورة النساء ", فجعل لها فريضة معلومة: جعل لها الثمن إن كان له ولد, وإن لم يكن له ولد فلها الربع، وجعل عدتها أربعة أشهر وعشر, فقال: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا .5574- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج "، فكان الرجل إذا مات وترك امرأته, اعتدت سنة في بيته, ينفق عليها من ماله، ثم أنزل الله تعالى ذكره بعد: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، فهذه عدة المتوفى عنها زوجها. إلا أن تكون حاملا فعدتها أن تضع ما في بطنها. وقال في ميراثها: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ [سورة النساء: 12]، فبين الله ميراث المرأة, وترك الوصية والنفقة.5575- حدثنا عن الحسين بن الفرج قال سمعت أبا معاذ قال، سمعت عبيد الله بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج "، كان الرجل إذا توفي أنفق على امرأته في عامه إلى الحول, ولا تزوج حتى تستكمل الحول. وهذا منسوخ: نسخ النفقة عليها الربع والثمن من الميراث, ونسخ الحول أربعة أشهر وعشر.5576- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك في قوله: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصيه لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج "، قال: الرجل إذا توفي أنفق على امرأته إلى الحول, ولا تزوج حتى يمضي الحول, فأنزل الله تعالى ذكره: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، فنسخ الأجل الحول, ونسخ النفقة الميراث الربع والثمن.5577- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: سألت عطاء عن قوله: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج "، قال: كان ميراث المرأة من زوجها من ربعه: (152) أن تسكن إن شاءت من يوم يموت زوجها إلى الحول, يقول: فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ الآية، ثم نسخها ما فرض الله من الميراث= قال، وقال مجاهد: " وصية لأزواجهم " سكنى الحول, ثم نسخ هذه الآية الميراث.5578- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: كان لأزواج الموتى حين كانت الوصية، نفقة سنة. فنسخ الله ذلك الذي كتب للزوجة من نفقة السنة بالميراث, فجعل لها الربع أو الثمن= وفي قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، قال: هذه الناسخة.* * ** ذكر من قال: كان ذلك يكون لهن بوصية من أزواجهن لهن به:5579- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا " الآية، قال: كانت هذه من قبل الفرائض, فكان الرجل يوصي لامرأته ولمن شاء. ثم نسخ ذلك بعد, فألحق الله تعالى بأهل المواريث ميراثهم, وجعل للمرأة إن كان له ولد الثمن, وإن لم يكن له ولد فلها الربع. وكان ينفق على المرأة حولا من مال زوجها, ثم تحول من بيته. فنسخته العدة أربعة أشهر وعشرا, ونسخ الربع أو الثمن الوصية لهن, فصارت الوصية لذوي القرابة الذين لا يرثون.5580- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم "، إلى فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ ، يوم نزلت هذه الآية، كان الرجل إذا مات أوصى لامرأته بنفقتها وسكناها سنة, وكانت عدتهاأربعة أشهر وعشرا, فإن هي خرجت حين تنقضي أربعة أشهر وعشرا، انقطعت عنها النفقة, فذلك قوله: فَإِنْ خَرَجْنَ ، وهذا قبل أن تنزل آية الفرائض, فنسخه الربع والثمن, فأخذت نصيبها, ولم يكن لها سكنى ولا نفقة.5581- حدثني أحمد بن المقدام قال، حدثنا المعتمر قال، سمعت أبي قال، يزعم قتادة أنه كان يوصى للمرأة بنفقتها إلى رأس الحول.* * ** ذكر من قال: " نسخ ذلك ما كان لهن من المتاع إلى الحول، من غير تبيينه على أي وجه كان ذلك لهن ": (153)5582- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن حبيب, عن إبراهيم في قوله: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصيه لأزواجهم متاعا إلى الحول "، قال: هي منسوخة.5583- حدثنا الحسن بن الزبرقان قال، حدثنا أسامة, عن سفيان, عن حبيب بن أبي ثابت قال: سمعت إبراهيم يقول, فذكر نحوه.5584- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح, عن حصين, عن يزيد النحوي, عن عكرمة والحسن البصري قالا " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج "، نسخ ذلك بآية الميراث وما فرض لهن فيها من الربع والثمن, ونسخ أجل الحول أن جعل أجلها أربعة أشهر وعشرا.5585- حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن يونس, عن ابن سيرين, عن ابن عباس: أنه قام يخطب الناس ها هنا, فقرأ لهم سورة البقرة, فبين لهم فيها، (154) فأتى على هذه الآية : إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [سورة البقرة: 180]، قال: فنسخت هذه. ثم قرأ حتى أتى على هذه الآية: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا " إلى قوله: (غَيْرَ إِخْرَاجٍ )، فقال: وهذه . (155)* * *وقال آخرون: هذه الآية ثابتة الحكم، لم ينسخ منها شيء.* ذكر من قال ذلك:5586- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [سورة البقرة: 234]، قال: كانت هذه للمعتدة، تعتد عند أهل زوجها، واجبا ذلك عليها, فأنزل الله: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج "، إلى قوله: مِنْ مَعْرُوفٍ . قال: جعل الله لهم تمام السنة، سبعة أشهر وعشرين ليلة، وصية: إن شاءت سكنت في وصيتها, وإن شاءت خرجت, وهو قول الله تعالى ذكره: (غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ )، قال: والعدة كما هي واجبة.5587- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.5588- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى= وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل= عن ابن أبي نجيح, عن عطاء, عن ابن عباس أنه قال: نسخت هذه الآية عدتها عند أهله، تعتد حيث شاءت, وهو قول الله: (غَيْرَ إِخْرَاجٍ ). قال عطاء: إن شاءت اعتدت عند أهله وسكنت في وصيتها, وإن شاءت خرجت، لقول الله تعالى ذكره: فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ = قال عطاء: جاء الميراث بنسخ السكنى، تعتد حيث شاءت ولا سكنى لها.* * *قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره كان جعل لأزواج من مات من الرجال بعد موتهم، سكنى حول في منزله, ونفقتها في مال زوجها الميت إلى انقضاء السنة، (156) ووجب على ورثة الميت أن لا يخرجوهن قبل تمام الحول من المسكن الذي يسكنه, وإن هن تركن حقهن من ذلك وخرجن، لم تكن ورثة الميت من خروجهن في حرج. ثم إن الله تعالى ذكره نسخ النفقة بآية الميراث, وأبطل مما كان جعل لهن من سكنى حول سبعة أشهر وعشرين ليلة, وردهن إلى أربعة أشهر وعشر، على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم.5589- حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا حجاج قال، أخبرنا حيوة بن شريح, عن ابن عجلان, عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة, وأخبره عن عمته زينب ابنة كعب بن عجرة, عن فريعة أخت أبي سعيد الخدري: أن زوجها خرج في طلب عبد له, فلحقه بمكان قريب فقاتله، وأعانه عليه أعبد معه فقتلوه، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زوجها خرج في طلب عبد له, فلقيه علوج فقتلوه, وإني في مكان ليس فيه أحد غيري, وإن أجمع لأمري أن أنتقل إلى أهلي! فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل امكثي مكانك حتى يبلغ الكتاب أجله. (157)وأما قوله: " متاعا "، فإن معناه: جعل ذلك لهن متاعا, أي الوصية التي كتبها الله لهن.وإنما نصب " المتاع ", لأن في قوله: " وصية لأزواجهم "، معنى متعهن الله, فقيل: " متاعا "، مصدرا من معناه لا من لفظه.* * *وقوله: (غَيْرَ إِخْرَاجٍ )، فإن معناه أن الله تعالى ذكره جعل ما جعل لهن من الوصية متاعا منه لهن إلى الحول، لا إخراجا من مسكن زوجها= يعني: لا إخراج فيه منه حتى ينقضي الحول. فنصب " غير " على النعت ل " لمتاع "، كقول القائل: " هذا قيام غير قعود ", بمعنى: هذا قيام لا قعود معه, أو: لا قعود فيه.* * *وقد زعم بعضهم أنه منصوب بمعنى: لا تخرجوهن إخراجا، وذلك خطأ من القول. لأن ذلك إذا نصب على هذا التأويل، كان نصبه من كلام آخر غير الأول, وإنما هو منصوب بما نصب " المتاع " على النعت له. (158)* * *القول في تأويل قوله : فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: أن المتاع الذي جعله الله لهن إلى الحول في مال أزواجهن بعد وفاتهم وفي مساكنهم، ونهى ورثته عن إخراجهن, إنما هو لهن ما أقمن في مساكن أزواجهن, وأن حقوقهن من ذلك تبطل بخروجهن إن خرجن من منازل أزواجهن قبل الحول من قبل أنفسهن، بغير إخراج من ورثة الميت.ثم أخبر تعالى ذكره أنه لا حرج على أولياء الميت في خروجهن وتركهن الحداد على أزواجهن. لأن المقام حولا في بيوت أزواجهن والحداد عليه تمام حول كامل، لم يكن فرضا عليهن, وإنما كان ذلك إباحة من الله تعالى ذكره لهن إن أقمن تمام الحول محدات. فأما إن خرجن فلا جناح على أولياء الميت ولا عليهن فيما فعلن في أنفسهن من معروف, وذلك ترك الحداد. يقول: فلا حرج عليكم في التزين إن تزينّ وتطيبن وتزوجن, لأن ذلك لهن.وإنما قلنا: " لا حرج عليهنّ في خروجهن ", وإن كان إنما قال تعالى ذكره: " فلا جناح عليكم "، لأن ذلك لو كان عليهن فيه جناح, لكان على أولياء الرجل فيه جناح بتركهم إياهن والخروج، مع قدرتهم على منعهنّ من ذلك. ولكن لما لم يكن عليهن جناح في خروجهن وترك الحداد, وضع عن أولياء الميت وغيرهم الحرج فيما فعلن من معروف, وذلك في أنفسهن.وقد مضت الرواية عن أهل التأويل بما قلناه في ذلك قبل.* * *وأما قوله: (وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )، فإنه يعني تعالى ذكره: " والله عزيز "، في انتقامه ممن خالف أمره ونهيه وتعدى حدوده من الرجال والنساء, فمنع من كان من الرجال نساءهم وأزواجهم ما فرض لهن عليهم في الآيات التي مضت قبل: من المتعة والصداق والوصية، وإخراجهن قبل انقضاء الحول، وترك المحافظة على الصلوات وأوقاتها= ومنع من كان من النساء ما ألزمهن الله من التربص عند وفاة أزواجهن عن الأزواج، وخالف أمره في المحافظة على أوقات الصلوات=" حكيم "، فيما قضى بين عباده من قضاياه التي قد تقدمت في الآيات قبل قوله: (وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )، وفي غير ذلك من أحكامه وأقضيته.-----------------------الهوامش :(139) اقتصر في المخطوطة والمطبوعة على ذكر الآية إلى قوله : "ويذرون أزواجا" ، فأتممتها للبيان .(140) انظر ما سلف في هذا الجزء : 77-79 .(141) ما بين القوسين زيادة لا يستقيم الكلام إلا بها .(142) قراءة عبد الله بن مسعود : كتب عليكم الوصية لأزواجكم انظر شواذ القراءات لابن خالويه : 15 ، ومعاني القرآن للفراء : 1/156 ، وغيرها المصححون .(143) في المخطوطة"لم يكادوا أن يقولونه . . . " ، وفي المطبوعة : "أن يقولوه" ، وأرجح أن الصواب ما أثبت بإسقاط"أن" التي في المخطوطة .(144) انظر ما سيأتي ص : 254-258 .(145) في المطبوعة : "يؤمر بإنفاذه . . . " ، والصواب من المخطوطة .(146) في المطبوعة : "فكان تعالى ذكره إنما جعل . . . " بالفاء مكان الواو ، والصواب من المخطوطة . وفي المطبوعة : "سكنى الحول" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهما سواء .(147) في المطبوعة : "علما بأنه حق لها" ، وفي المخطوطة"علمنا به حق" غير منقوطة ، والصواب ما أثبت ، وسياق الجملة : "لما قال الله تعالى . . . وكان الموصى . . . وكان محالا . . . وكان تعالى ذكره . . . = علمنا أنه حق . . . "(148) هذا رد الطبري على من قرأها بالنصب .(149) في المطبوعة : "ولكان لورثتهم إخراجهن" بإسقاط"قد كان" ، وفي المخطوطة : "ولكان لورثتهم قد كان إخراجهن" ، بتقديم"لورثتهم" ، والصواب ما أثبت .(150) كان مكان ما بين القوسين بياض في المخطوطة والمطبوعة ، وهذه الزيادة بين القوسين استظهرتها من سياق الكلام . وهو يريد في كلامه الآتي خروج الحال مصدرا نحو قولهم : "طلع بغتة ، وجاء ركضا ، وقتلته صبرا ، ولقيته كفاحا" . وانظر سيبوبه 1 : 186 ، وأوضح المسالك 1 : 195 وغيرهما . هذا ما استطعت أن أقدره من كلام أبي جعفر ورده هذا القول ، وكأنه الصواب إن شاء الله .(151) انظر ما سلف ص : 252 والتعليق رقم : 3 .(152) في المطبوعة : "من ريعه" بالياء المثناة التحتية . وليس لها معنى هنا . والربع : المنزل والدار والمسكن ، وفي حديث أسامة أنه قال له : "هل ترك لنا عقيل من ربع؟" : أي منزل ، والجمع رباع وربوع وأربع . وهذه الكلمة"من ربعه" أسقطها الدر المنثور من روايته للأثر 1 : 309 .(153) في المطبوعة : "من غير بينة" ، والصواب ما في المخطوطة .(154) في المطبوعة : "فبين لهم فيها" ، والصواب ما في المخطوطة ورقم : 2652 ، أي فسر لهم منها ما فسر .(155) الأثر : 5585- مضى مختصرا برقم : 2652 .(156) في المخطوطة : "إلى انقضاء وجب" ، وما بينهما بياض ، وما في المطبوعة أشبه بالصواب(157) الحديث : 5589- حجاج : هو ابن رشدين بن سعد . وهو الذي يروي عن حيوة بن شريح ، ويروي عنه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم . وهو -عندنا- ثقة . وقد مضت ترجمته مفصلة في : 763 .ابن عجلان : هو محمد بن عجلان المدني الثقة ، مضى في : 304 .سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة : مضى في : 5090 . وقد وقع في المطبوعة هنا"سعيد" بدل"سعد" - كما وقع فيما مضى . والأشهر ما أثبتنا .والحديث مضى مختصرا : 5090 ، من رواية فليح بن سليمان ، عن سعد بن إسحاق ، بهذا الإسناد . وفصلنا القول في تخريجه ، مطولا ومختصرا ، كأنا استوعبنا هناك ما وجدنا من طرقه ، إلا روايات الطحاوي فقد رواه في معاني الآثار 2 : 45-46 بتسعة أسانيد . وإلا الطريق التي هنا ، فلم نكن رأيناها . ثم لم نجد هذه الطريق في شيء من الدواوين ، غير الطبري .أما الحديث في ذاته فصحيح ، ورواياته الصحاح - التي أشرنا إليها هناك : مطولة مفصلة بأكثر مما هنا .فريعة بنت مالك ، أخت أبي سعيد : هي بضم الفاء بالتصغير ، في أكثر الروايات . ووقع اسمها في المخطوطة هنا"الفارعة" . ولم أجدها في شيء من الروايات هكذا ، إلا في إحدى روايات النسائي 2 : 113 . وكذلك لم يذكر الحافظ في الإصابة هذ الرواية إلا عن رواية النسائي .والحديث ذكره ابن كثير 1 : 588-589 ، عن رواية الموطأ ، التي أشرنا إليها فيما مضى . وهي في الموطأ ، ص : 591 .(158) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 156 .
وَلِلۡمُطَلَّقَٰتِ مَتَٰعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ  ٢٤١
التفسير الميسروللمطلقات متاع من كسوة ونفقة على الوجه المعروف المستحسن شرعًا، حقًا على الذين يخافون الله ويتقونه في أمره ونهيه.
تفسير السعديأي: لكل مطلقة متاع بالمعروف حقا على كل متق، جبرا لخاطرها وأداء لبعض حقوقها، وهذه المتعة واجبة على من طلقت قبل المسيس، والفرض سنة في حق غيرها كما تقدم، هذا أحسن ما قيل فيها، وقيل إن المتعة واجبة على كل مطلقة احتجاجا بعموم هذه الآية، ولكن القاعدة أن المطلق محمول على المقيّد، وتقدم أن الله فرض المتعة للمطلقة قبل الفرض والمسيس خاصة.
تفسير ابن كثيروقوله : ( وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ) قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : لما نزل قوله : ( متاعا بالمعروف حقا على المحسنين ) [ البقرة : 236 ] قال رجل : إن شئت أحسنت ففعلت وإن شئت لم أفعل . فأنزل الله هذه الآية : ( وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ) وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى وجوب المتعة لكل مطلقة ، سواء كانت مفوضة أو مفروضا لها أو مطلقا قبل المسيس أو مدخولا بها ، وهو قول عن الشافعي ، رحمه الله . وإليه ذهب سعيد بن جبير . وغيره من السلف واختاره ابن جرير . ومن لم يوجبها مطلقا يخصص من هذا العموم بمفهوم قوله : ( لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين ) وأجاب الأولون : بأن هذا من باب ذكر بعض أفراد العموم فلا تخصيص على المشهور المنصوص ، والله أعلم .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقيناختلف الناس في هذه الآية ، فقال أبو ثور : هي محكمة ، والمتعة لكل مطلقة ، وكذلك قال الزهري . قال الزهري : حتى للأمة يطلقها زوجها . وكذلك قال سعيد بن جبير : لكل مطلقة متعة وهو أحد قولي الشافعي لهذه الآية . وقال مالك : لكل مطلقة - اثنتين أو واحدة بنى بها أم لا ، سمى لها صداقا أم لا - المتعة ، إلا المطلقة قبل البناء وقد سمى لها صداقا فحسبها نصفه ، ولو لم يكن سمى لها كان لها المتعة أقل من صداق المثل أو أكثر ، وليس لهذه المتعة حد ، حكاه عنه ابن القاسم . وقال ابن القاسم في إرخاء الستور من المدونة ، قال : جعل الله تعالى المتعة لكل مطلقة بهذه الآية ، ثم استثنى في الآية الأخرى التي قد فرض لها ولم يدخل بها فأخرجها من المتعة ، وزعم ابن زيد أنها نسختها . قال ابن عطية : ففر ابن القاسم من لفظ النسخ إلى لفظ الاستثناء والاستثناء لا يتجه في هذا الموضع ، بل هو نسخ محض كما قال زيد بن أسلم ، وإذا التزم ابن القاسم أن قوله : ( وللمطلقات ) يعم كل مطلقة لزمه القول بالنسخ ولابد . وقال عطاء بن أبي رباح وغيره : هذه الآية في الثيبات اللواتي قد جومعن ، إذ تقدم في غير هذه الآية ذكر المتعة للواتي لم يدخل بهن ، فهذا قول بأن التي قد فرض لها قبل المسيس لم تدخل قط في العموم . فهذا يجيء على أن قوله تعالى :وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن مخصصة لهذا الصنف من النساء ، ومتى قيل : إن هذا العموم يتناولها فذلك نسخ لا تخصيص . وقال الشافعي في القول الآخر : إنه لا متعة إلا للتي طلقت قبل الدخول وليس ثم مسيس ولا فرض ؛ لأن من استحقت شيئا من المهر لم تحتج في حقها إلى المتعة . وقول الله عز وجل في زوجات النبي صلى الله عليه وسلم : فتعالين أمتعكن محمول على أنه تطوع من النبي صلى الله عليه وسلم ، لا وجوب له . وقوله : فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن محمول على غير المفروضة أيضا ، قال الشافعي : والمفروض لها المهر إذا طلقت قبل المسيس لا متعة لها ؛ لأنها أخذت نصف المهر من غير جريان وطء ، والمدخول بها إذا طلقت فلها المتعة ؛ لأن المهر يقع في مقابلة الوطء والمتعة بسبب الابتذال بالعقد . وأوجب الشافعي المتعة للمختلعة والمبارئة . وقال أصحاب مالك : كيف يكون للمفتدية متعة وهي تعطي ، فكيف تأخذ متاعا! لا متعة لمختارة الفراق من مختلعة أو مفتدية أو مبارئة أو مصالحة أو ملاعنة أو معتقة تختار الفراق ، دخل بها أم لا ، سمى لها صداقا أم لا ، وقد مضى هذا مبينا .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله جل ذكره وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ولمن طلق من النساء على مطلقها من الأزواج،" متاع ". يعني بذلك: ما تستمتع به من ثياب وكسوة أو نفقة أو خادم، وغير ذلك مما يستمتع به. وقد بينا فيما مضى قبل معنى ذلك, واختلاف أهل العلم فيه، والصواب من القول من ذلك عندنا، بما فيه الكفاية من إعادته. (159)* * *وقد اختلف أهل العلم في المعنية بهذه الآية من المطلقات.فقال بعضهم: عني بها الثيِّبات اللواتي قد جومعن. قالوا: وإنما قلنا ذلك، لأن [الحقوق اللازمة للمطلقات] غير المدخول بهن في المتعة، (160) قد بينها الله تعالى ذكره في الآيات قبلها, فعلمنا بذلك أن في هذه الآية بيان أمر المدخول بهن في ذلك.* ذكر من قال ذلك:5590- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى بن ميمون, عن ابن أبي نجيح, عن عطاء في قوله: " وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين "، قال: المرأة الثيب يمتعها زوجها إذا جامعها بالمعروف.5591- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله= وزاد فيه: ذكره شبل, عن ابن أبي نجيح, عن عطاء.* * *وقال آخرون: بل في هذه الآية دلالة على أن لكل مطلقة متعة، وإنما أنزلها الله تعالى ذكره على نبيه صلى الله عليه وسلم، لما فيها من زيادة المعنى الذي فيها على ما سواها من آي المتعة, إذ كان ما سواها من آي المتعة إنما فيه بيان حكم غير الممسوسة إذا طلقت, وفي هذه بيان حكم جميع المطلقات في المتعة.* ذكر من قال ذلك:5592- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا أيوب, عن سعيد بن جبير في هذه الآية: " وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين "، قال: لكل مطلقة متاع بالمعروف حقا على المتقين.5593- حدثنا المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا يونس، عن الزهري- في الأمة يطلقها زوجها وهي حبلى- قال: تعتد في بيتها. وقال: لم أسمع في متعة المملوكة شيئا أذكره, (161) وقد قال الله تعالى ذكره: " متاع بالمعروف حقا على المتقين "، ولها المتعة حتى تضع.5594- حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى (162) قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا ابن جريج, عن عطاء قال: قلت له: أللأمة من الحر متعة؟ قال: لا. قلت: فالحرة عند العبد؟ قال: لا= وقال عمرو بن دينار: نعم," وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ".* * *وقال آخرون: إنما نزلت هذه الآية, لأن الله تعالى ذكره لما أنزل قوله : وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [سورة البقرة: 236]، قال رجل من المسلمين: فإنا لا نفعل إن لم نرد أن نحسن. فأنزل الله: " وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين "، فوجب ذلك عليهم.* ذكر من قال ذلك:5595- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ، فقال رجل: فإن أحسنت فعلت, وإن لم أرد ذلك لم أفعل! فأنزل الله: " وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ".* * *قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ما قاله سعيد بن جبير, من أن الله تعالى ذكره أنزلها دليلا لعباده على أن لكل مطلقة متعة. لأن الله تعالى ذكره ذكر في سائر آي القرآن التي فيها ذكر متعة النساء، خصوصا من النساء, فبين في الآية التي قال فيها: لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً [سورة البقرة: 236]، وفي قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [سورة الأحزاب: 49]، ما لهن من المتعة إذا طلقن قبل المسيس, وبقوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ [سورة الأحزاب: 28]، حكم المدخول بهن، وبقي حكم الصبايا إذا طلقن بعد الابتناء بهن, وحكم الكوافر والإماء. فعم الله تعالى ذكره بقوله: " وللمطلقات متاع بالمعروف " ذكر جميعهن, وأخبر بأن لهن المتاع, كما خص المطلقات الموصوفات بصفاتهن في سائر آي القرآن، (163) ولذلك كرر ذكر جميعهن في هذه الآية.* * *وأما قوله: ( حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ )، فإنا قد بينا معنى قوله: " حقا ", ووجه نصبه, والاختلاف من أهل العربية في قوله: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [سورة البقرة: 236]، ففي ذلك مستغنى عن إعادته في هذا الموضع. (164)* * *فأما " المتقون ": فهم الذين اتقوا الله في أمره ونهيه وحدوده, فقاموا بها على ما كلفهم القيام بها خشية منهم له, ووجلا منهم من عقابه.وقد تقدم بيان تأويل ذلك نصا بالرواية. (165)---------------الهوامش :(159) انظر معنى"المتاع" فيما سلف 1 : 539 ، 540 /ثم 3 : 53-55 /ثم الموضع الذي عناه الطبري هنا : 120-135 .(160) في المخطوطة : "لأن غير المدخول بهن" ، وبينهما بياض ، فجاءت المطبوعة وصلت الكلام : "لأن غير المدخول بهن" فاختلت الجملة ، واستظهرت ما زدته بين القوسين من معنى الآيات .(161) في المطبوعة : "وقال : لم أسمع . . . " ، وأثبت ما في المخطوطة .(162) في المخطوطة والمطبوعة : "هناد بن موسى" ، وليس في الرواة أحد بهذا الاسم . والصواب ما أثبت/ انظر الأثر قبله رقم : 5593 ، وفي مواضع كثيرة قبل ذلك بمثل هذا الإسناد .(163) في المطبوعة : "كما أبان المطلقات . . . " ، وفي المخطوطة : "كما المطلقات" وما بين الكلامين بياض ، واستظهرت من قوله : "نعم الله تعالى . . . " ، أن اللفظ الناقص في البياض هو"خص" ، أو معنى يشبهه ويقاربه .(164) انظر ما سلف في هذا الجزء : 137 ، 138 .(165) انظر فهارس اللغة فيما سلف مادة"وقى" .
كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ  ٢٤٢
التفسير الميسرمثل ذلك البيان الواضح في أحكام الأولاد والنساء، يبيِّن الله لكم آياته وأحكامه في كل ما تحتاجونه في معاشكم ومعادكم؛ لكي تعقلوها وتعملوا بها.
تفسير السعديولما بيّن تعالى هذه الأحكام العظيمة المشتملة على الحكمة والرحمة امتن بها على عباده فقال: كذلك يبين الله لكم آياته أي: حدوده، وحلاله وحرامه والأحكام النافعة لكم، لعلكم تعقلونها فتعرفونها وتعرفون المقصود منها، فإن من عرف ذلك أوجب له العمل بها، ثم قال تعالى:
تفسير ابن كثيروقوله : ( كذلك يبين الله لكم آياته ) أي : في إحلاله وتحريمه وفروضه وحدوده فيما أمركم به ونهاكم عنه بينه ووضحه وفسره ولم يتركه مجملا في وقت احتياجكم إليه ( لعلكم تعقلون ) أي : تفهمون وتتدبرون .
تفسير القرطبيكَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ الآيات العلامات الهادية إلى الحق .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، كما بينت لكم ما يلزمكم لأزواجكم ويلزم أزواجكم لكم، أيها المؤمنون, وعرفتكم أحكامي والحق الواجب لبعضكم على بعض في هذه الآيات, فكذلك أبين لكم سائر الأحكام في آياتي التي أنزلتها على نبيي محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الكتاب, لتعقلوا- أيها المؤمنون بي وبرسولي- حدودي, فتفهموا اللازم لكم من فرائضي, وتعرفوا بذلك ما فيه صلاح دينكم ودنياكم، وعاجلكم وآجلكم, فتعلموا به ليصلح ذات بينكم، وتنالوا به الجزيل من ثوابي في معادكم.
۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَهُمۡ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحۡيَٰهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ  ٢٤٣
التفسير الميسرألم تعلم -أيها الرسول- قصة الذين فرُّوا من أرضهم ومنازلهم، وهم ألوف كثيرة؛ خشية الموت من الطاعون أو القتال، فقال لهم الله: موتوا، فماتوا دفعة واحدة عقوبة على فرارهم من قدر الله، ثم أحياهم الله تعالى بعد مدة؛ ليستوفوا آجالهم، وليتعظوا ويتوبوا؟ إن الله لذو فضل عظيم على الناس بنعمه الكثيرة، ولكن أكثر الناس لا يشكرون فضل الله عليهم.
تفسير السعدييقص تعالى علينا قصة الذين خرجوا من ديارهم على كثرتهم واتفاق مقاصدهم، بأن الذي أخرجهم منها حذر الموت من وباء أو غيره، يقصدون بهذا الخروج السلامة من الموت، ولكن لا يغني حذر عن قدر، فقال لهم الله موتوا فماتوا ثم إن الله تعالى أحياهم إما بدعوة نبي أو بغير ذلك، رحمة بهم ولطفا وحلما، وبيانا لآياته لخلقه بإحياء الموتى، ولهذا قال: إن الله لذو فضل أي: عظيم على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون فلا تزيدهم النعمة شكرا، بل ربما استعانوا بنعم الله على معاصيه، وقليل منهم الشكور الذي يعرف النعمة ويقر بها ويصرفها في طاعة المنعم.
تفسير ابن كثيرروي عن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف وعنه : كانوا ثمانية آلاف . وقال أبو صالح : تسعة آلاف وعن ابن عباس : أربعون ألفا وقال وهب بن منبه وأبو مالك : كانوا بضعة وثلاثين ألفا وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كانوا أهل قرية يقال لها : داوردان . وكذا قال السدي وأبو صالح وزاد : من قبل واسط . وقال سعيد بن عبد العزيز : كانوا من أهل أذرعات ، وقال ابن جريج عن عطاء قال : هذا مثل . وقال علي بن عاصم : كانوا : من أهل داوردان : قرية على فرسخ من واسط .وقال وكيع بن الجراح في تفسيره : حدثنا سفيان عن ميسرة بن حبيب النهدي ، عن المنهال بن عمرو الأسدي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : ( ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ) قال : كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون قالوا : نأتي أرضا ليس بها موت حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا قال الله لهم موتوا فماتوا فمر عليهم نبي من الأنبياء فدعا ربه أن يحييهم فأحياهم ، فذلك قوله عز وجل : ( ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ) الآية .وذكر غير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كانوا أهل بلدة في زمان بني إسرائيل استوخموا أرضهم وأصابهم بها وباء شديد فخرجوا فرارا من الموت إلى البرية ، فنزلوا واديا أفيح ، فملئوا ما بين عدوتيه فأرسل الله إليهم ملكين أحدهما من أسفل الوادي والآخر من أعلاه فصاحا بهم صيحة واحدة فماتوا عن آخرهم موتة رجل واحد فحيزوا إلى حظائر وبني عليهم جدران وقبور [ وفنوا ] وتمزقوا وتفرقوا فلما كان بعد دهر مر بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له : حزقيل فسأل الله أن يحييهم على يديه فأجابه إلى ذلك وأمره أن يقول : أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي ، فاجتمع عظام كل جسد بعضها إلى بعض ، ثم أمره فنادى : أيتها العظام إن الله يأمرك بأن تكتسي لحما وعصبا وجلدا . فكان ذلك ، وهو يشاهده ثم أمره فنادى : أيتها الأرواح إن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره . فقاموا أحياء ينظرون قد أحياهم الله بعد رقدتهم الطويلة ، وهم يقولون : سبحانك [ اللهم ربنا وبحمدك ] لا إله إلا أنت .وكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة ولهذا قال : ( إن الله لذو فضل على الناس ) أي : فيما يريهم من الآيات الباهرة والحجج القاطعة والدلالات الدامغة ، ( ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) أي : لا يقومون بشكر ما أنعم الله به عليهم في دينهم ودنياهم .وفي هذه القصة عبرة ودليل على أنه لن يغني حذر من قدر وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه ، فإن هؤلاء فروا من الوباء طلبا لطول الحياة فعوملوا بنقيض قصدهم وجاءهم الموت سريعا في آن واحد .ومن هذا القبيل الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن عيسى أخبرنا مالك وعبد الرزاق أخبرنا معمر كلاهما عن الزهري عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد [ بن أسلم ] بن الخطاب عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن عبد الله بن عباس : أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد : أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام فذكر الحديث فجاءه عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبا لبعض حاجته فقال : إن عندي من هذا علما ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا كان بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه ، وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه " فحمد الله عمر ثم انصرف .وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به .طريق أخرى لبعضه : قال أحمد : حدثنا حجاج ويزيد العمي قالا : أخبرنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن سالم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة : أن عبد الرحمن بن عوف أخبر عمر ، وهو في الشام عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أن هذا السقم عذب به الأمم قبلكم ، فإذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه " قال : فرجع عمر من الشام .وأخرجاه في الصحيحين من حديث مالك عن الزهري بنحوه .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون فيه ست مسائل : الأولى : قوله تعالى : ( ألم تر ) هذه رؤية القلب بمعنى ألم تعلم . والمعنى عند سيبويه تنبه إلى أمر الذين . ولا تحتاج هذه الرؤية إلى مفعولين . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي " ألم تر " بجزم الراء ، وحذفت الهمزة حذفا من غير إلقاء حركة لأن الأصل ألم ترء .وقصة هؤلاء أنهم قوم من بني إسرائيل وقع فيهم الوباء ، وكانوا بقرية يقال لها ( داوردان ) فخرجوا منها هاربين فنزلوا واديا فأماتهم الله تعالى . قال ابن عباس : كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون وقالوا : نأتي أرضا ليس بها موت ، فأماتهم الله تعالى ، فمر بهم نبي فدعا الله تعالى فأحياهم . وقيل : إنهم ماتوا ثمانية أيام . وقيل : سبعة ، والله أعلم . قال الحسن : أماتهم الله قبل آجالهم عقوبة لهم ، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم . وقيل : إنما فعل ذلك بهم معجزة لنبي من أنبيائهم ، قيل : كان اسمه شمعون . وحكى النقاش أنهم فروا من الحمى . وقيل : إنهم فروا من الجهاد ولما أمرهم الله به على لسان حزقيل النبي عليه السلام ، فخافوا الموت بالقتل في الجهاد فخرجوا من ديارهم فرارا من ذلك ، فأماتهم الله ليعرفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء ، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد بقوله تعالى : وقاتلوا في سبيل الله ، قاله الضحاك . قال ابن عطية : وهذا القصص كله لين الأسانيد ، وإنما اللازم من الآية أن الله تعالى أخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم إخبارا في عبارة التنبيه والتوقيف عن قوم من البشر خرجوا من ديارهم فرارا من الموت فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم ، ليروا هم وكل من خلف من بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله تعالى لا بيد غيره ، فلا معنى لخوف خائف ولا لاغترار مغتر . وجعل الله هذه الآية مقدمة بين يدي أمره المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالجهاد ، هذا قول الطبري وهو ظاهر وصف الآية .قوله تعالى : وهم ألوف قال الجمهور : هي جمع ألف . قال بعضهم : كانوا ستمائة ألف . وقيل : كانوا ثمانين ألفا . ابن عباس : أربعين ألفا . أبو مالك : ثلاثين ألفا . السدي : سبعة وثلاثين ألفا . وقيل : سبعين ألفا ، قاله عطاء بن أبي رباح . وعن ابن عباس أيضا أربعين ألفا ، وثمانية آلاف ، رواه عنه ابن جريج . وعنه أيضا ثمانية آلاف ، وعنه أيضا أربعة آلاف ، وقيل : ثلاثة آلاف . والصحيح أنهم زادوا على عشرة آلاف لقوله تعالى : ( وهم ألوف ) وهو جمع الكثرة ، ولا يقال في عشرة فما دونها ألوف . وقال ابن زيد في لفظة ألوف : إنما معناها وهم مؤتلفون ، أي لم تخرجهم فرقة قومهم ولا فتنة بينهم إنما كانوا مؤتلفين ، فخالفت هذه الفرقة فخرجت فرارا من الموت وابتغاء الحياة بزعمهم ، فأماتهم الله في منجاهم بزعمهم . فألوف على هذا جمع آلف ، مثل جالس وجلوس . قال ابن العربي : أماتهم الله تعالى مدة عقوبة لهم ثم أحياهم ، وميتة العقوبة بعدها حياة ، وميتة الأجل لا حياة بعدها . قال مجاهد : إنهم لما أحيوا رجعوا إلى قومهم يعرفون أنهم كانوا موتى ولكن سحنة الموت على وجوههم ، ولا يلبس أحد منهم ثوبا إلا عاد كفنا دسما حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم . ابن جريج عن ابن عباس : وبقيت الرائحة على ذلك السبط من بني إسرائيل إلى اليوم . وروي أنهم كانوا بواسط العراق . ويقال : إنهم أحيوا بعد أن أنتنوا ، فتلك الرائحة موجودة في نسلهم إلى اليوم .الثانية : حذر الموت أي لحذر الموت ، فهو نصب لأنه مفعول له . و ( موتوا ) أمر تكوين ، ولا يبعد أن يقال : نودوا وقيل لهم : موتوا . وقد حكي أن ملكين صاحا بهم : موتوا فماتوا ، فالمعنى قال لهم الله بواسطة الملكين " موتوا " ، والله أعلم .الثالثة : أصح هذه الأقوال وأبينها وأشهرها أنهم خرجوا فرارا من الوباء ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : خرجوا فرارا من الطاعون فماتوا ، فدعا الله نبي من الأنبياء أن يحييهم حتى يعبدوه فأحياهم الله . وقال عمرو بن دينار في هذه الآية : وقع الطاعون في قريتهم فخرج أناس وبقي أناس ، ومن خرج أكثر ممن بقي ، قال : فنجا الذين خرجوا ومات الذين أقاموا ، فلما كانت الثانية خرجوا بأجمعهم إلا قليلا فأماتهم الله ودوابهم ، ثم أحياهم فرجعوا إلى بلادهم وقد توالدت ذريتهم . وقال الحسن : خرجوا حذارا من الطاعون فأماتهم الله ودوابهم في ساعة واحدة ، وهم أربعون ألفا .قلت : وعلى هذا تترتب الأحكام في هذه الآية . فروى الأئمة واللفظ للبخاري من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أسامة بن زيد يحدث سعدا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الوجع فقال رجز أو عذاب عذب به بعض الأمم ثم بقي منه بقية فيذهب المرة ويأتي الأخرى فمن سمع به بأرض فلا يقدمن عليه ومن كان بأرض وقع بها فلا يخرج فرارا منه وأخرجه أبو عيسى الترمذي فقال : حدثنا قتيبة أنبأنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن عامر بن سعد عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الطاعون فقال : بقية رجز أو عذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليها قال : حديث حسن صحيح . وبمقتضى هذه الأحاديث عمل عمر والصحابة رضوان الله عليهم لما رجعوا من سرغ حين أخبرهم عبد الرحمن بن عوف بالحديث ، على ما هو مشهور في الموطأ وغيره . وقد كره قوم الفرار من الوباء والأرض السقيمة ، روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : الفرار من الوباء كالفرار من الزحف . وقصة عمر في خروجه إلى الشام مع أبي عبيدة معروفة ، وفيها : أنه رجع . وقال الطبري : في حديث سعد دلالة على أن على المرء توقي المكاره قبل نزولها ، وتجنب الأشياء المخوفة قبل هجومها ، وأن عليه الصبر وترك الجزع بعد نزولها ، وذلك أنه عليه السلام نهى من لم يكن في أرض الوباء عن دخولها إذا وقع فيها ، ونهى من هو فيها عن الخروج منها بعد وقوعه فيها فرارا منه ، فكذلك الواجب أن يكون حكم كل متق من الأمور غوائلها ، سبيله في ذلك سبيل الطاعون . وهذا المعنى نظير قوله عليه السلام : لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا .قلت : وهذا هو الصحيح في الباب ، وهو مقتضى قول الرسول عليه السلام ، وعليه عمل أصحابه البررة الكرام رضي الله عنهم ، وقد قال عمر لأبي عبيدة محتجا عليه لما قال له : أفرارا من قدر الله! فقال عمر : لو غيرك قالها يا أبا عبيدة ! نعم ، نفر من قدر الله إلى قدر الله . المعنى : أي لا محيص للإنسان عما قدره الله له وعليه ، ولكن أمرنا الله تعالى بالتحرز من المخاوف والمهلكات ، وباستفراغ الوسع في التوقي من المكروهات . ثم قال له : أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة ، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله ، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله عز وجل . فرجع عمر من موضعه ذلك إلى المدينة . قال الكيا الطبري : ولا نعلم خلافا أن الكفار أو قطاع الطريق إذا قصدوا بلدة ضعيفة لا طاقة لأهلها بالقاصدين فلهم أن يتنحوا من بين أيديهم ، وإن كانت الآجال المقدرة لا تزيد ولا تنقص . وقد قيل : إنما نهي عن الفرار منه لأن الكائن بالموضع الذي الوباء فيه لعله قد أخذ بحظ منه ، لاشتراك أهل ذلك الموضع في سبب ذلك المرض العام ، فلا فائدة لفراره ، بل يضيف إلى ما أصابه من مبادئ الوباء مشقات السفر ، فتتضاعف الآلام ويكثر الضرر فيهلكون بكل طريق ويطرحون في كل فجوة ومضيق ، ولذلك يقال : ما فر أحد من الوباء فسلم ، حكاه ابن المدائني . ويكفي في ذلك موعظة قوله تعالى : ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ولعله إن فر ونجا يقول : إنما نجوت من أجل خروجي عنه فيسوء اعتقاده . وبالجملة فالفرار منه ممنوع لما ذكرناه ، ولما فيه من تخلية البلاد : ولا تخلو من مستضعفين يصعب عليهم الخروج منها ، ولا يتأتى لهم ذلك ، ويتأذون بخلو البلاد من المياسير الذين كانوا أركانا للبلاد ومعونة للمستضعفين . وإذا كان الوباء بأرض فلا يقدم عليه أحد أخذا بالحزم والحذر والتحرز من مواضع الضرر ، ودفعا للأوهام المشوشة لنفس الإنسان ، وفي الدخول عليه الهلاك ، وذلك لا يجوز في حكم الله تعالى ، فإن صيانة النفس عن المكروه واجبة ، وقد يخاف عليه من سوء الاعتقاد بأن يقول : لولا دخولي في هذا المكان لما نزل بي مكروه . فهذه فائدة النهي عن دخول أرض بها الطاعون أو الخروج منها ، والله أعلم . وقد قال ابن مسعود : الطاعون فتنة على المقيم والفار ، فأما الفار فيقول : فبفراري نجوت ، وأما المقيم فيقول : أقمت فمت ، وإلى نحو هذا أشار مالك حين سئل عن كراهة النظر إلى المجذوم فقال : ما سمعت فيه بكراهة ، وما أرى ما جاء من النهي عن ذلك إلا خيفة أن يفزعه أو يخيفه شيء يقع في نفسه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الوباء : إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه . وسئل أيضا عن البلدة يقع فيها الموت وأمراض ، فهل يكره الخروج منها ؟ فقال : ما أرى بأسا خرج أو أقام .الرابعة : في قوله عليه السلام : إذا وقع الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه . دليل على أنه يجوز الخروج من بلدة الطاعون على غير سبيل الفرار منه ، إذا اعتقد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وكذلك حكم الداخل إذا أيقن أن دخولها لا يجلب إليه قدرا لم يكن الله قدره له ، فباح له الدخول إليه والخروج منه على هذا الحد الذي ذكرناه ، والله أعلم .الخامسة : في فضل الصبر على الطاعون وبيانه . الطاعون وزنه فاعول من الطعن ، غير أنه لما عدل به عن أصله وضع دالا على الموت العام بالوباء ، قاله الجوهري . ويروى من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فناء أمتي بالطعن والطاعون - قالت : الطعن قد عرفناه فما الطاعون ؟ قال : غدة كغدة البعير تخرج في المراق والآباط . قال العلماء : وهذا الوباء قد يرسله الله نقمة وعقوبة على من يشاء من العصاة من عبيده وكفرتهم ، وقد يرسله شهادة ورحمة للصالحين ، كما قال معاذ في طاعون عمواس : إنه شهادة ورحمة لكم ودعوة نبيكم ، اللهم أعط معاذا وأهله نصيبهم من رحمتك . فطعن في كفه رضي الله عنه . قال أبو قلابة : قد عرفت الشهادة والرحمة ولم أعرف ما دعوة نبيكم ؟ فسألت عنها فقيل : دعا عليه السلام أن يجعل فناء أمته بالطعن والطاعون حين دعا ألا يجعل بأس أمته بينهم فمنعها فدعا بهذا . ويروى من حديث جابر وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : الفار من الطاعون كالفار من الزحف والصابر فيه كالصابر في الزحف . وفي البخاري عن يحيى بن يعمر عن عائشة أنها أخبرته أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فأخبرها نبي الله صلى الله عليه وسلم : أنه كان عذابا يبعثه الله على من يشاء فجعله الله رحمة للمؤمنين فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد . وهذا تفسير لقوله عليه الصلاة والسلام : ( الطاعون شهادة والمطعون شهيد ) . أي الصابر عليه المحتسب أجره على الله العالم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله عليه ، ولذلك تمنى معاذ أن يموت فيه لعلمه أن من مات فهو شهيد . وأما من جزع من الطاعون وكرهه وفر منه فليس بداخل في معنى الحديث ، والله أعلم .السادسة : قال أبو عمر : لم يبلغني أن أحدا من حملة العلم فر من الطاعون إلا ما ذكره ابن المدائني أن علي بن زيد بن جدعان هرب من الطاعون إلى السيالة فكان يجمع كل جمعة ويرجع ، فكان إذا جمع صاحوا به : فر من الطاعون! فمات بالسيالة . قال : وهرب عمرو بن عبيد ورباط بن محمد إلى الرباطية فقال إبراهيم بن علي الفقيمي في ذلك :ولما استفز الموت كل مكذب صبرت ولم يصبر رباط ولا عمرووذكر أبو حاتم عن الأصمعي قال : هرب بعض البصريين من الطاعون فركب حمارا له ومضى بأهله نحو سفوان ، فسمع حاديا يحدو خلفه :لن يسبق الله على حمار ولا على ذي منعة طيارأو يأتي الحتف على مقدار قد يصبح الله أمام الساريوذكر المدائني قال : وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان فخرج هاربا منه فنزل قرية من قرى الصعيد يقال لها ( سكر ) . فقدم عليه حين نزلها رسول لعبد الملك بن مروان . فقال له عبد العزيز : ما اسمك ؟ فقال له : طالب بن مدرك . فقال : أوه ما أراني راجعا إلى الفسطاط ! فمات في تلك القرية .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْقال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: " ألم تر "، ألم تعلم، يا محمد؟= وهو من " رؤية القلب " لا " رؤية العين "، (166) لأن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم لم يدرك الذين أخبر الله عنهم هذا الخبر، و " رؤية القلب ": ما رآه، وعلمه به. (167) فمعنى ذلك: ألم تعلم يا محمد، الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف؟* * *ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : " وهم ألوف " .فقال بعضهم: في العدد، بمعنى جماع " ألف ".* ذكر من قال ذلك:5596- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= وحدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا وكيع= قال، حدثنا سفيان, عن ميسرة النهدي, عن المنهال بن عمرو, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس في قوله: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت "، كانوا أربعة آلاف، خرجوا فرارا من الطاعون, قالوا: " نأتي أرضا ليس فيها موت "! حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا, قال لهم الله : " موتوا ". فمر عليهم نبي من الأنبياء, فدعا ربه أن يحييهم, فأحياهم، فتلا هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ . (168)5597- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن ميسرة النهدي, عن المنهال, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت "، قال: كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون, فأماتهم الله, فمر عليهم نبي من الأنبياء, فدعا ربه أن يحييهم حتى يعبدوه, فأحياهم.5598- حدثنا محمد بن سهل بن عسكر قال، أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد: أنه سمع وهب بن منبه يقول: أصاب ناسا من بني إسرائيل بلاء وشدة من الزمان, فشكوا ما أصابهم وقالوا: " يا ليتنا قد متنا فاسترحنا مما نحن فيه "! فأوحى الله إلى حزقيل: إن قومك صاحوا من البلاء, وزعموا أنهم ودوا لو ماتوا فاستراحوا, وأي راحة لهم في الموت؟ أيظنون أني لا أقدر أن أبعثهم بعد الموت؟ فانطلق إلى جبانة كذا وكذا, فإن فيها أربعة آلاف= قال وهب: وهم الذين قال الله: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت "= فقم فيهم فنادهم، وكانت عظامهم قد تفرقت, فرقتها الطير والسباع. فناداهم حزقيل فقال: (169) " يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي" ! فاجتمع عظام كل إنسان منهم معا. (170) ثم نادى ثانية حزقيل فقال: " أيتها العظام, إن الله يأمرك أن تكتسي اللحم "، فاكتست اللحم, وبعد اللحم جلدا, فكانت أجسادا. ثم نادى حزقيل الثالثة فقال: " أيتها الأرواح، إن الله يأمرك أن تعودي في أجسادك "! (171) فقاموا بإذن الله, وكبروا تكبيرة واحدة. (172)5599- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف "، يقول: عدد كثير خرجوا فرارا من الجهاد في سبيل الله, فأماتهم الله, ثم أحياهم وأمرهم أن يجاهدوا عدوهم، فذلك قوله: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .5600- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن أشعث بن أسلم البصري قال: بينما عمر يصلي ويهوديان خلفه = وكان عمر إذا أراد أن يركع خوى= (173) فقال أحدهم لصاحبه، (174) أهو هو؟ فلما انفتل عمر قال: (175) أرأيت قول أحدكما لصاحبه: أهو هو؟ (176) فقالا إنا نجده في كتابنا: (177) " قرنا من حديد، يعطى ما يعطى حزقيل الذي أحيى الموتى بإذن الله ". فقال عمر: ما نجد في كتاب الله " حزقيل " ولا " أحيى الموتى بإذن الله "، إلا عيسى. فقالا أما تجد في كتاب الله وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ، (178) [سورة النساء: 164]، فقال عمر: بلى! قالا وأما إحياء الموتى فسنحدثك: إن بني إسرائيل وقع عليهم الوباء, فخرج منهم قوم حتى إذا كانوا على رأس ميل أماتهم الله, فبنوا عليهم حائطا, حتى إذا بليت عظامهم بعث الله حزقيل فقام عليهم فقال شاء الله, (179) فبعثهم الله له, فأنزل الله في ذلك: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف "، الآية. (180)5601- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن الحجاج بن أرطأة قال: كانوا أربعة آلاف.5602- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف "، إلى قوله: ( ثُمَّ أَحْيَاهُمْ )، قال: كانت قرية يقال لها داوردان قبل واسط، (181) وقع بها الطاعون, فهرب عامة أهلها فنزلوا ناحية منها, فهلك من بقي في القرية وسلم الآخرون, فلم يمت منهم كبير. (182) فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين, فقال الذين بقوا: أصحابنا هؤلاء كانوا أحزم منا, لو صنعنا كما صنعوا بقينا! ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن معهم! فوقع في قابل فهربوا, وهم بضعة وثلاثون ألفا, حتى نزلوا ذلك المكان, وهو واد أفيح, (183) فناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه: أن موتوا ! فماتوا, حتى إذا هلكوا وبليت أجسادهم, مر بهم نبي يقال له حزقيل، فلما رآهم وقف عليهم فجعل يتفكر فيهم ويلوى شدقه وأصابعه, (184) فأوحى الله إليه: يا حزقيل, أتريد أن أريك فيهم كيف أحييهم؟ = قال: وإنما كان تفكره أنه تعجب من قدرة الله عليهم= فقال: نعم! فقيل له: ناد! فنادى: " يا أيتها العظام، إن الله يأمرك أن تجتمعي!"، فجعلت تطير العظام بعضها إلى بعض، حتى كانت أجسادا من عظام، ثم أوحى الله إليه أن ناد: " يا أيتها العظام, إن الله يأمرك أن تكتسي لحما "، فاكتست لحما ودما، وثيابها التي ماتت فيها وهي عليها. ثم قيل له: ناد ! فنادى: " يا أيتها الأجساد إن الله يأمرك أن تقومي", فقاموا.5603- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, قال: فزعم منصور بن المعتمر, عن مجاهد: أنهم قالوا حين أحيوا: " سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت "، فرجعوا إلى قومهم أحياء يعرفون أنهم كانوا موتى, سحنة الموت على وجوههم، (185) لا يلبسون ثوبا إلا عاد دسما مثل الكفن، (186) حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم. (187)5604- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عبد الرحمن بن عوسجة, عن عطاء الخراساني: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف "، قال: كانوا ثلاثة آلاف أو أكثر.5605- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: كانوا أربعين ألفا وثمانية آلاف، (188) حظر عليهم حظائر, وقد أروحت أجسادهم وأنتنوا، (189) فإنها لتوجد اليوم في ذلك السبط من اليهود تلك الريح, وهم ألوف فرارا من الجهاد في سبيل الله, فأماتهم الله ثم أحياهم, فأمرهم بالجهاد, فذلك قوله: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية.5606- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا محمد بن إسحاق, عن وهب بن منبه أن كالب بن يوقنا لما قبضه الله بعد يوشع, (190) خلف فيهم - يعني في بني إسرائيل - حزقيل بن بوزي= (191) وهو ابن العجوز، وإنما سمي" ابن العجوز " أنها سألت الله الولد وقد كبرت وعقمت, فوهبه الله لها, فلذلك قيل له " ابن العجوز "= وهو الذي دعا للقوم الذين ذكر الله في الكتاب لمحمد صلى الله عليه وسلم كما بلغنا: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ". (192) .5607- حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق قال: بلغني أنه كان من حديثهم أنهم خرجوا فرارا من بعض الأوباء= من الطاعون، أو من سقم كان يصيب الناس= حذرا من الموت, وهم ألوف، حتى إذا نزلوا بصعيد من البلاد قال لهم الله: " موتوا "، فماتوا جميعا. فعمد أهل تلك البلاد فحظروا عليهم حظيرة دون السباع, ثم تركوهم فيها, وذلك أنهم كثروا عن أن يغيبوا. فمرت بهم الأزمان والدهور, حتى صاروا عظاما نخرة، فمر بهم حزقيل بن بوزى, (193) فوقف عليهم, فتعجب لأمرهم ودخلته رحمة لهم، (194) فقيل له: أتحب أن يحييهم الله؟ فقال: نعم! فقيل له: نادهم فقل: (195) " أيتها العظام الرميم التي قد رمت وبليت, ليرجع كل عظم إلى صاحبه ". فناداهم بذلك, فنظر إلى العظام تواثب يأخذ بعضها بعضا. ثم قيل له: قل: " أيها اللحم والعصب والجلد، اكس العظام بإذن ربك "، قال: فنظر إليها والعصب يأخذ العظام ثم اللحم والجلد والأشعار, حتى استووا خلقا ليست فيهم الأرواح. ثم دعا لهم بالحياة, فتغشاه من السماء شيء كربه حتى غشي عليه منه، (196) ثم أفاق والقوم جلوس يقولون: " سبحان الله, سبحان الله " قد أحياهم الله. (197)* * *وقال آخرون: معنى قوله " وهم ألوف " وهم مؤتلفون. (198)* ذكر من قال ذلك:5608- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد في قول الله: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم "، قال: قرية كانت نزل بها الطاعون, فخرجت طائفة منهم وأقامت طائفة، فألح الطاعون بالطائفة التي أقامت, والتي خرجت لم يصبهم شيء. (199) ثم ارتفع, ثم نزل العام القابل, فخرجت طائفة أكثر من التي خرجت أولا فاستحر الطاعون بالطائفة التي أقامت. فلما كان العام الثالث، نزل فخرجوا بأجمعهم وتركوا ديارهم, فقال الله تعالى ذكره: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف "، ليست الفرقة أخرجتهم، كما يخرج للحرب والقتال، قلوبهم مؤتلفة, إنما خرجوا فرارا. فلما كانوا حيث ذهبوا يبتغون الحياة, قال لهم الله: " موتوا "، في المكان الذي ذهبوا إليه يبتغون فيه الحياة. فماتوا، ثم أحياهم الله، إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ . قال: ومر بها رجل وهي عظام تلوح، (200) فوقف ينظر فقال: " أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟"، فأماته الله مائة عام. (201)* * ** ذكر الأخبار عمن قال: كان خروج هؤلاء القوم من ديارهم فرارا من الطاعون.5609- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا ابن أبي عدي, عن الأشعث, عن الحسن في قوله: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت "، قال. خرجوا فرارا من الطاعون, فأماتهم قبل آجالهم, ثم أحياهم إلى آجالهم.5610- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الحسن في قوله: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت "، قال: فروا من الطاعون, فقال لهم الله: (مُوتُوا) ثم أحياهم ليكملوا بقية آجالهم.5611- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى , عن ابن أبي نجيح, عن عمرو بن دينار في قول الله تعالى ذكره: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت "، قال: وقع الطاعون في قريتهم, فخرج أناس وبقي أناس، فهلك الذين بقوا في القرية، وبقي الآخرون. ثم وقع الطاعون في قريتهم الثانية, فخرج أناس وبقي أناس، ومن خرج أكثر ممن بقي. فنجى الله الذين خرجوا, وهلك الذين بقوا. فلما كانت الثالثة خرجوا بأجمعهم إلا قليلا فأماتهم الله ودوابهم، ثم أحياهم فرجعوا إلى بلادهم [وقد أنكروا قريتهم، ومن تركوا]. وكثروا بها, حتى يقول بعضهم لبعض: من أنتم؟ (202)5612- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح قال: سمعت عمرو بن دينار يقول: وقع الطاعون في قريتهم= ثم ذكر نحو حديث محمد بن عمرو, عن أبي عاصم.5613- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا سويد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف " الآية، مقتهم الله على فرارهم من الموت, فأماتهم الله عقوبة، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ليستوفوها, ولو كانت آجال القوم جاءت ما بعثوا بعد موتهم.5614- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن حصين, عن هلال بن يساف في قوله تعالى: " ألم تر إلى الذين خرجوا " الآية، قال: هؤلاء القوم من بني إسرائيل، (203) كان إذا وقع فيهم الطاعون خرج أغنياؤهم وأشرافهم، وأقام فقراؤهم وسفلتهم. قال: فاستحر الموت على المقيمين منهم, ونجا من خرج منهم. فقال الذين خرجوا: لو أقمنا كما أقام هؤلاء، لهلكنا كما هلكوا ! وقال المقيمون: لو ظعنا كما ظعن هؤلاء، لنجونا كما نجوا ! فظعنوا جميعا في عام واحد, أغنياؤهم وأشرافهم وفقراؤهم وسفلتهم. فأرسل عليهم الموت فصاروا عظاما تبرق. قال: فجاءهم أهل القرى فجمعوهم في مكان واحد, فمر بهم نبي فقال: يا رب لو شئت أحييت هؤلاء فعمروا بلادك وعبدوك! قال: أو أحب إليك أن أفعل؟ قال نعم! قال: فقل: كذا وكذا، فتكلم به, فنظر إلى العظام , وإن العظم ليخرج من عند العظم الذي ليس منه إلى العظم الذي هو منه. ثم تكلم بما أمر, فإذا العظام تكسى لحما. ثم أمر بأمر فتكلم به, فإذا هم قعود يسبحون ويكبرون. ثم قيل لهم: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ5615- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن حماد بن عثمان, عن الحسن: أنه قال في الذين أماتهم الله ثم أحياهم قال: هم قوم فروا من الطاعون, فأماتهم الله عقوبة ومقتا, ثم أحياهم لآجالهم. (204)* * *قال أبو جعفر: وأولى القولين في تأويل قوله: " وهم ألوف " بالصواب, قول من قال: " عنى بالألوف كثرة العدد "= دون قول من قال: " عنى به الائتلاف "، بمعنى ائتلاف قلوبهم, وأنهم خرجوا من ديارهم من غير افتراق كان منهم ولا تباغض, ولكن فرارا: إما من الجهاد, وإما من الطاعون= لإجماع الحجة على أن ذلك تأويل الآية, ولا يعارض بالقول الشاذ ما استفاض به القول من الصحابة والتابعين.* * *وأولى الأقوال- في مبلغ عدد القوم الذين وصف الله خروجهم من ديارهم- بالصواب, قول من حد عددهم بزيادة عن عشرة آلاف، دون من حده بأربعة آلاف، وثلاثة آلاف، وثمانية آلاف. وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عنهم أنهم كانوا ألوفا, وما دون العشرة آلاف لا يقال لهم: " ألوف ". وإنما يقال " هم آلاف "، إذا كانوا ثلاثة آلاف فصاعدا إلى العشرة آلاف. وغير جائز أن يقال: هم خمسة ألوف، أو عشرة ألوف.وإنما جمع قليله على " أفعال "، (205) ولم يجمع على " أفعل "= مثل سائر الجمع القليل الذي يكون ثاني مفرده ساكنا (206) للألف التي في أوله. وشأن العرب في كل حرف كان أوله، ياء أو واوا أو ألفا، اختيار جمع قليله على أفعال, كما جمعوا " الوقت "" أوقاتا " و " اليوم "" أياما ", و " اليسر " و " أيسارا "، للواو والياء اللتين في أول ذلك. وقد يجمع ذلك أحيانا على " أفعل ", إلا أن الفصيح من كلامهم ما ذكرنا, ومنه قول الشاعر: (207)كانوا ثلاثة آلف وكتيبةألفين أعجم من بني الفدام (208)* * *وأما قوله: " حذر الموت "، فإنه يعني: أنهم خرجوا من حذر الموت، فرارا منه. (209) كما: -5616- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " حذر الموت "، فرارا من عدوهم, حتى ذاقوا الموت الذي فروا منه. فأمرهم فرجعوا، وأمرهم أن يقاتلوا في سبيل الله، وهم الذين قالوا لنبيهم: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [سورة البقرة: 246]* * *قال أبو جعفر: وإنما حث الله تعالى ذكره عباده بهذه الآية، على المواظبة على الجهاد في سبيله، (210) والصبر على قتال أعداء دينه. وشجعهم بإعلامه إياهم وتذكيره لهم، أن الإماتة والإحياء بيديه وإليه، دون خلقه= وأن الفرار من القتال والهرب من الجهاد ولقاء الأعداء، إلى التحصن في الحصون، والاختباء في المنازل والدور، غير منج أحدا من قضائه إذا حل بساحته, ولا دافع عنه أسباب منيته إذا نزل بعقوته, (211) كما لم ينفع الهاربين من الطاعون= الذين وصف الله تعالى ذكره صفتهم في قوله: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت "= فرارهم من أوطانهم, وانتقالهم من منازلهم إلى الموضع الذي أملوا بالمصير إليه السلامة, وبالموئل النجاة من المنية, حتى أتاهم أمر الله, فتركهم جميعا خمودا صرعى، وفي الأرض هلكى, ونجا مما حل بهم الذين باشروا كرب الوباء، وخالطوا بأنفسهم عظيم البلاء.* * *القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (243)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: إن الله لذو فضل ومن. على خلقه، بتبصيره إياهم سبيل الهدى، وتحذيره لهم طرق الردى, وغير ذلك من نعمه التي ينعمها عليهم في دنياهم ودينهم، وأنفسهم وأموالهم- كما أحيى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت بعد إماتته إياهم، وجعلهم لخلقه مثلا وعظة يتعظون بهم، عبرة يعتبرون بهم، وليعلموا أن الأمور كلها بيده, فيستسلموا لقضائه, ويصرفوا الرغبة كلها والرهبة إليه. (212)ثم أخبر تعالى ذكره أن أكثر من ينعم عليه من عباده بنعمه الجليلة، ويمن عليه بمننه الجسيمة, يكفر به ويصرف الرغبة والرهبة إلى غيره, ويتخذ إلها من دونه, كفرانا منه لنعمه التي توجب أصغرها عليه من الشكر ما يفدحه، ومن الحمد ما يثقله, فقال تعالى ذكره: " ولكن أكثر الناس لا يشكرون "، يقول: لا يشكرون نعمتي التي أنعمتها عليهم، وفضلي الذي تفضلت به عليهم, بعبادتهم غيري، وصرفهم رغبتهم ورهبتهم إلى من دوني ممن لا يملك لهم ضرا ولا نفعا, ولا يملك موتا ولا حياة ولا نشورا. (213)--------------الهوامش :(166) انظر ما سلف في معنى"الرؤية" 3 : 75-79 .(167) في المطبوعة : "وعلمه به" بزيادة الواو ، وهي فاسدة ، والصواب من المخطوطة .(168) الأثران : 5596 ، 5597- أخرجه الحاكم في المستدرك 2 : 281 ، وقال : "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ، وقال الذهبي"ميسرة ، لم يرويا له وروى له البخاري في الأدب المفرد . وانظر ابن كثير 1 : 590 ، والدر المنثور 1 : 310 . و"ميسرة" ، هو : "ميسرة بن حبيب النهدي" ، مترجم في التهذيب .(169) في المخطوطة : "فناداه" ، وعلى الهاء من فوق حرف"ط" ، وفي الدر المنثور 1 : 311"فنادى حزقيل" ، وفي المطبوعة : "فناداهم" ، وأثبت ما في تاريخ الطبري 1 : 237 .(170) بعد هذا في الدر المنثور 1 : 311 : [ثم قال : "أيتها العظام ، إن الله يأمرك أن ينبت العصب والعقب" فتلازمت واشتدت بالعصب والعقب] . وفي تاريخ الطبري : "يا أيتها العظام النخرة"(171) في المطبوعة : "إلى أجسادك" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وتاريخ الطبري ، والدر المنثور .(172) الأثر : 5598 : "محمد بن سهل بن عسكر" التميمي ، أبو بكر النجاري الحافظ الجوال قال النسائي وابن عدي : "ثقة" سكن بغداد ومات بها سنة 251 ، مترجم في التهذيب و"إسماعيل بن عبد الكريم بن معقل بن منبه الصنعاني" ، روى عن ابن عمه إبراهيم بن عقيل ، وعمه عبد الصمد بن معقل ، وروى عنه أحمد بن حنبل ، قال النسائي : ليس به بأس ، وذكره ابن حبان في الثقات . توفي باليمن سنة 210 . مترجم في التهذيب . والأثر رواه الطبري بهذا الإسناد في التاريخ 1 : 237 ، والدر المنثور 1 : 311 .(173) خوى الرجل في سجوده : تجافى وفرج ما بين عضديه وجنبيه وفي الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد خوى .(174) في المطبوعة : "فقال أحدهم" ، والصواب من المخطوطة وتاريخ الطبري .(175) انفتل فلان من صلاته : انصرف بعد قضائها ، ومثله : "فتل وجهه عن القوم" ، صرفه ولواه عنهم .(176) في المخطوطة والمطبوعة : "رأيت" بغير همزة استفهام ، والصواب من الطبري ، والدر المنثور . وقول العرب"أرأيت كذا" ، يريدون به معنى الاستخبار ، بمعنى أخبرني عن كذا .(177) في المطبوعة وتاريخ الطبري : "إنا نجد في كتابنا" ، وفي المخطوطة والد المنثور : "نجده" وهو الذي أثبت . وفي تاريخ الطبري بعد"يعطي ما أعطى حزقيل" . والقرن (بفتح فسكون) : الحصن ، والقرن أيضًا : الجبيل المنفرد . وقرن الجبل : أعلاه .(178) في المطبوعة : "رسلا لم يقصصهم" بحذف الواو ، وبالياء من"يقصصهم" ، وفي المخطوطة كذلك إلا أن"الياء" غير منقوطة ، وأثبت نص الآية ، على ما جاءت في تاريخ الطبري .(179) في المطبوعة : "فقام عليهم ما شاء الله" ، والصواب من المراجع والمخطوطة .(180) الأثر : 5600- رواه الطبري في تاريخه 1 : 238 ، وأخرجه السيوطي في الدر المنثور 1 : 311 . وفي المطبوعة والمخطوطة والدر : "أشعث بن أسلم البصري" ، وفي التاريخ"أشعث عن سالم النصري" ، و"أشعث بن أسلم العجلي البصري ثم الربعي" ، روى عن أبيه أنه رأى أبا موسى الأشعري ، روى عنه سعيد بن أبي عروبة . مترجم في ابن أبي حاتم 1 /1 /269 . وأما"سالم النصري" ، فهو : سالم بن عبد الله النصري ، هو"سالم سبلان" ، مترجم في التهذيب وابن أبي حاتم 2 /1 /184 ، روى عن عمان وعائشة وأبي سعيد ، وأبي هريرة . روى عنه سعيد المقبري ، وبكير بن عبد الله وغيرهما . وأنا أظن أن الذي في التاريخ أقرب إلى الصواب .(181) في المخطوطة : "دار وردان" بزيادة راء ، والصواب ما في تاريخ الطبري ، والدر المنثور ، ومعجم البلدان ، وهي من نواحي شرقي واسط ، بينهما فرسخ .(182) في التاريخ : "فلم يمت منهم كثير" .(183) الأفيح والفياح : الواسع المنتشر النواحي ، ويقال : روضة فيحاء ، من ذلك .(184) في المطبوعة : "يلوي شدقيه" ، وأثبت ما في المخطوطة وتاريخ الطبري . ولوى شدقه : أماله متعجبا مما يرى ويشهد .(185) السحنة (بفتح فسكون) : الهيئة واللون والحال ، وبشرة الوجه والمنظر .(186) في المخطوطة والمطبوعة : "إلا عاد كفنا دسما" ، وضبط في التاريخ بضم الدال وسكون السين ، وهو خطأ ، فإن هذا جمع أدسم ودسما ، وليس هذا مقام جمع . وقوله : "كفنا دسما مثل الكفن" ليس بلبسان عربي ، فحذفتها وأثبت ما في التاريخ ، وأما الرواية الأخرى في الدر المنثور فهي : "إلا عاد كفنا دسما" ، بحذف"مثل الكفن" ، فهذه أو تلك هي الصواب .والدسم : ودك اللحم والشحم . وفلان : دسم الثوب وأدسم الثوب ، إذا كان ثوبه متلطخا وسخا قد علق به وضر اللحم والشحم . وأكفان الموتى دسم ، لما يسيل من أجسادهم بعد تهرئهم وتعفن أبدانهم .(187) الأثران : 5602 ، 5603- في تاريخ الطبري 1 : 237 ، 238 ، والدر المنثور 1 : 310 بغير هذا اللفظ .(188) في المخطوطة والمطبوعة"أو ثمانية آلاف" ، وهو لا يستقيم ، والصواب في الدر المنثور 1 : 311 .(189) الحظائر جمع حظيرة : ما أحاط بالشيء ، تكون من قصب وخشب ، ليقي البرد والريح والعادية . وحظ حظيرة : اتخذها . والحظر : الحبس والمنع . أروح الماء واللحم وغيرهما وأراح : تغيرت رائحته وأنتن .(190) في التاريخ : "يوفنا" بالفاء .(191) في التاريخ : "بوذي" بالذال .(192) الأثر : 5606- في تاريخ الطبري 1 : 237 ، ثم 238 مختصرا ، والدر المنثور : 1 : 311 .(193) في التاريخ : "بوذى" بالذال .(194) في المخطوطة والمطبوعة : "ودخله رحمة . . . " ، وأثبت ما في تاريخ الطبري .(195) في المخطوطة والمطبوعة : "نادهم فقال . . . " ، والصواب من التاريخ .(196) في المخطوطة : "فتغساه من السماء كربه" غير منقوطة . وفي المطبوعة : "فتغشاهم من السماء كدية" ، وهذا كلام بلا معنى ، وما أثبته هو نص الطبري في التاريخ . وكربه الأمر : غشيه واشتد عليه وأخذ بنفسه ، فهو مكروب النفس .(197) الأثر : 5607- في تاريخ الطبري 1 : 238 .(198) يعني أنه جمع"إلف" (بكسر الهمزة وسكون اللام) . وقال ابن سيده في"ألوف" : "وعندي أنه جمع آلف ، كشاهد وشهود" ، وانظر سائر كتب التفسير .(199) في المطبوعة : "لم يصبها" ، وأثبت ما في المخطوطة .(200) لاح البرق والسيف والعظم يلوح : تلألأ ولمح ، وذلك لبياض العظام في ضوء الشمس .(201) الأثر : 5608- أخرجه السيوطي في الدر المنثور 1 : 311 مختصرا . وسيأتي مختصرا برقم : 5905 .(202) في المخطوطة : "فرجعوا إلى بلادهم ، وقد قريتهم ومن تركوا ، وكثروا بها ، يقول بعضهم لبعض" ، بياض بين الكلام ، أما المطبوعة فقد أسقطت هذا البياض ، فجعلت الكلام : "فرجعوا إلى بلادهم وكروا بها ، حتى يقول بعضهم لبعض" ، بزيادة"حتى" ، فآثرت أن استظهر معنى الكلام ، فأثبت ما في المخطوطة ، وظننت أن مكان البياض ما أثبت . هذا ولم أجد هذا الأثر في مكان آخر .(203) في المطبوعة : "كان هؤلاء القوم من بني إسرائيل ، إذا وقع فيهم الطاعون" وفي المخطوطة : "كان هؤلاء قوما من بني إسرائيل ، كان إذا وقع . . . " ، وضرب الناسخ على ألف"قوما" ، وجعلها"قوم" ، فتبين لي أن"كان" زائدة من الناسخ ، كما جاءت على الصواب في الدر المنثور 1 : 311 .(204) الأثر : 5615-"حماد بن عثمان" ، وروى عن عبد العزيز الأعمى عن أنس . روى عنه سعيد بن أبي أيوب ، وروى عن الحسن البصري قال ابن أبي حاتم : "سألت أبي عن حماد بن عثمان فقال : هو مجهول" . ترجم له البخاري في الكبير 2 /1 /20 ، وابن أبي حاتم 1 /2 /144 .(205) في المخطوطة : "وإنما جمع قليله وكثيره على أفعال" ، وزيادة"كثيره" خطأ ، والصواب ما في المطبوعة .(206) في المخطوطة : "وعلى سائر مثل الجمع القليل" ، والصواب ما في المطبوعة .(207) هو بكير ، أصم بني الحارث بن عباد .(208) النقائض : 645 ، وتاريخ الطبري 2 : 155 ، والأغاني 20 : 139 ، واللسان (ألف) وغيرها . وهذا البيت من أبيات له في يوم ذي قار ، وهو اليوم الذي انتصفت فيه العرب من العجم ، وهزمت كسرى أبرويز بن هرمز . وكانت وقعة ذي قار بعد يوم بدر بأشهر ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرها قال : "هذا يوم انتصفت فيه العرب من العجم ، وبي نصروا" . وكانت بنو شيبان في هذا اليوم أهل جد وحد ، فمدحهم الأعشى وبكير الأصم .هذا وقد روى الطبري هنا"كانوا ثلاثة آلف" ، ورواية المراجع جميعا :"عربا ثلاثة آلف . . . "وذلك أن كسرى عقد للنعمان بن زرعة على تغلب والنمر ، وعقد لخالد بن يزيد البهراني على قضاعة وإياد ، وعقد لإياس بن قبيصة على جميع العرب ، ومعه كتيبتاه : الشهباء والدوسر ، فكانت العرب ثلاثة آلف . وعقد أيضًا للهامرز التستري على ألف من الأساورة ، وعقد الخنابزين على ألف ، فكانت العجم ألفين . (الأغاني 20/134) ، فهذا تصحيح الرواية المجمع عليها وبيانها ، وأول هذه الأبيات :إن كنت ساقية المدامة أهلهافاسقي على كرم بني هماموأبا ربيعة كلها ومحلماسبقا بغاية أمجد الأيامضربوا بني الأحرار يوم لقوهمبالمشرفي على مقيل الهامعربا ثلاثة آلف . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . .وعنى بقوله : "بني الفدام" ، الفرس . وذلك أن المجوس كان مما يتدينون به أنهم إذا شرابا ، شدوا على أفواههم خرقة كاللثام ، فسميت هذه الطائفة منهم : بنو الفدام .(209) انظر ما سلف 1 : 354 ، 355 في تفسير : "حذر الموت" وإعرابها .(210) في المطبوعة : "في سبيل الله" وأثبت ما في المخطوطة .(211) في المخطوطة والمطبوعة : "بعقوبته" ، وهي في المخطوطة غير منقوطة . وعقوة الدار : ساحتها وما حولها قريبا منها . يقال : نزل بعقوته ، ونزلت الخيل بعقوة العدو .(212) في المطبوعة : "فيستسلمون . . . ويصرفون" ، وفي المخطوطة : "فيستسلمون . . . ويصرفوا"(213) عند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم ، وفي المخطوطة بعده ما نصه :"وصلى الله على سيدنا محمد النبي وعلى آله وسلم كثيرا" .ثم يبدأ التقسيم التالي بما نصه :"بسم الله الرحمن الرحيمرب أعن"
وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ  ٢٤٤
التفسير الميسروقاتلوا -أيها المسلمون- الكفار لنصرة دين الله، واعلموا أن الله سميع لأقوالكم، عليم بنيَّاتكم وأعمالكم.
تفسير السعديثم أمر تعالى بالقتال في سبيله، وهو قتال الأعداء الكفار لإعلاء كلمة الله ونصر دينه، فقال: وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم أي: فأحسنوا نياتكم واقصدوا بذلك وجه الله، واعلموا أنه لا يفيدكم القعود عن القتال شيئا، ولو ظننتم أن في القعود حياتكم وبقاءكم، فليس الأمر كذلك، ولهذا ذكر القصة السابقة توطئة لهذا الأمر، فكما لم ينفع الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت خروجهم، بل أتاهم ما حذروا من غير أن يحتسبوا، فاعلموا أنكم كذلك.
تفسير ابن كثيروقوله : ( وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم ) أي : كما أن الحذر لا يغني من القدر كذلك الفرار من الجهاد وتجنبه لا يقرب أجلا ولا يباعده ، بل الأجل المحتوم والرزق المقسوم مقدر مقنن لا يزاد فيه ولا ينقص منه كما قال تعالى : ( الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ) [ آل عمران : 168 ] وقال تعالى : ( وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ) [ النساء : 77 ، 78 ] وروينا عن أمير الجيوش ومقدم العساكر وحامي حوزة الإسلام وسيف الله المسلول على أعدائه أبي سليمان خالد بن الوليد رضي الله عنه ، أنه قال وهو في سياق الموت : لقد شهدت كذا وكذا موقفا ، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه رمية أو طعنة أو ضربة ، وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت العير ! ! فلا نامت أعين الجبناء . يعني : أنه يتألم لكونه ما مات قتيلا في الحرب ويتأسف على ذلك ويتألم أن يموت على فراشه .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليمهذا خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بالقتال في سبيل الله في قول الجمهور . وهو الذي ينوى به أن تكون كلمة الله هي العليا . وسبل الله كثيرة فهي عامة في كل سبيل ، قال الله تعالى : قل هذه سبيلي . قال مالك : سبل الله كثيرة ، وما من سبيل إلا يقاتل عليها أو فيها أو لها ، وأعظمها دين الإسلام ، لا خلاف في هذا . وقيل : الخطاب للذين أحيوا من بني إسرائيل ، وروي عن ابن عباس والضحاك . والواو على هذا في قوله " وقاتلوا " عاطفة على الأمر المتقدم ، وفي الكلام متروك تقديره : وقال لهم قاتلوا . وعلى القول الأول عاطفة جملة كلام على جملة ما تقدم ، ولا حاجة إلى إضمار في الكلام . قال النحاس : ( وقاتلوا ) أمر من الله تعالى للمؤمنين ألا تهربوا كما هرب هؤلاء . واعلموا أن الله سميع عليم أي يسمع قولكم إن قلتم مثل ما قال هؤلاء ويعلم مرادكم به ، وقال الطبري : لا وجه لقول من قال إن الأمر بالقتال للذين أحيوا . والله أعلم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: " وقاتلوا "، أيها المؤمنون=" في سبيل الله "، يعني: في دينه الذي هداكم له, (214) لا في طاعة الشيطان= أعداء دينكم, (215) الصادين عن سبيل ربكم, ولا تحتموا عن قتالهم عند لقائهم, ولا تجبنوا عن حربهم، (216) فإن بيدي حياتكم وموتكم. ولا يمنعن أحدكم من لقائهم وقتالهم حذر الموت وخوف المنية على نفسه بقتالهم, فيدعوه ذلك إلى التعريد عنهم والفرار منهم, (217) فتذلوا, ويأتيكم الموت الذي خفتموه في مأمنكم الذي وألتم إليه, (218) كما أتى الذين خرجوا من ديارهم فرارا من الموت, الذين قصصت عليكم قصتهم, فلم ينجهم فرارهم منه من نزوله بهم حين جاءهم أمري، وحل بهم قضائي, ولا ضر المتخلفين وراءهم ما كانوا لم يحذروه، إذ دافعت عنهم مناياهم , وصرفتها عن حوبائهم, (219) فقاتلوا في سبيل الله من أمرتكم بقتاله من أعدائي وأعداء ديني, فإن من حيي منكم فأنا أحييه, (220) ومن قتل منكم فبقضائي كان قتله.ثم قال تعالى ذكره لهم: واعلموا، أيها المؤمنون، أن ربكم " سميع " لقول من يقول من منافقيكم لمن قتل منكم في سبيلي: لو أطاعونا فجلسوا في منازلهم ما قتلوا=" عليم " بما تجنه صدورهم من النفاق والكفر وقلة الشكر لنعمتي عليهم، (221) وآلائي لديهم في أنفسهم وأهليهم، ولغير ذلك من أمورهم وأمور عبادي.يقول تعالى ذكره لعباده المؤمنين: فاشكروني أنتم بطاعتي فيما أمرتكم من جهاد عدوكم في سبيلي, وغير ذلك من أمري ونهيي, إذ كفر هؤلاء نعمي. واعلموا أن الله سميع لقولهم، وعليم بهم وبغيرهم وبما هم عليه مقيمون من الإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، محيط بذلك كله, حتى أجازي كلا بعمله, إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا.* * *قال أبو جعفر: ولا وجه لقول من زعم أن قوله: " وقاتلوا في سبيل الله "، أمر من الله الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف بالقتال، بعد ما أحياهم. لأن قوله: " وقاتلوا في سبيل الله "، لا يخلو- إن كان الأمر على ما تأولوه- من أحد أمور ثلاثة:= إما أن يكون عطفا على قوله: فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ، وذلك من المحال أن يميتهم، ويأمرهم وهم موتى بالقتال في سبيله.= أو يكون عطفا على قوله: ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ، وذلك أيضا مما لا معنى له. لأن قوله: " وقاتلوا في سبيل الله "، أمر من الله بالقتال, وقوله: ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ، خبر عن فعل قد مضى. وغير فصيح العطف بخبر مستقبل على خبر ماض، لو كانا جميعا خبرين، لاختلاف معنييهما. فكيف عطف الأمر على خبر ماض؟= أو يكون معناه: ثم أحياهم وقال لهم: قاتلوا في سبيل الله, ثم أسقط" القول " كما قال تعالى ذكره: إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا [سورة السجدة: 12]، بمعنى يقولون: ربنا أبصرنا وسمعنا. وذلك أيضا إنما يجوز في الموضع الذي يدل ظاهر الكلام على حاجته إليه، ويفهم السامع أنه مراد به الكلام وإن لم يذكر. فأما في الأماكن التي لا دلالة على حاجة الكلام إليه, فلا وجه لدعوى مدع أنه مراد فيها.-----------------الهوامش :(214) انظر ما سلف في تفسير : "سبيل الله" 3 : 583 ، 592 ، والمراجع هناك .(215) "أعداء . . . " مفعول"قاتلوا" ، والسياق : "قاتلوا أيها المؤمنون . . . أعداء دينكم" .(216) في المخطوطة"ولا تحموا عن قتاله عند لقائهم ، ولا تحبوا عن حربهم" غير منقوطة ، بإفراد ضمير"قتاله" ، فغيرها مصححوا المطبوعة ، إذ لم يحسنوا قراءتها فجعلوها : "ولا تجبنوا عن لقائهم ، ولا تقعدوا عن حربهم" غيروا وبدلوا واسقطوا وفعلوا ما شاءوا!! . وقوله : "ولا تحتموا عن قتالهم" من قولهم : احتميت من كذا وتحاميته : إذا اتقيته وامتنعت منه . و"من" و"عن" في هذا الموضع سواء .(217) في المطبوعة : "فيدعوه ذلك إلى التفريد" ، وهو خطأ ، وزاده خطأ بعض من علق على التفسير ، بشرح هذا اللفظ المنكر . والتعريد : الفرار وسرعة الذهاب في الهزيمة . يقال : "عرد الرجل عن قوله" ، إذا أحجم عنه ونكل وفر .(218) وأل إلى المكان يئل ، وؤولا ووئيلا ووألا : لجأ إليه طلب النجاة . والموئل : الملجأ .(219) الحوباء : النفس ، أو ورع القلب .(220) في المطبوعة : "فأنا أحيحه" ، وأثبت ما في المخطوطة .(221) في المطبوعة : "بما تخفيه صدورهم" ، وأثبت ما في المخطوطة . وأجن الشيء : ستره وكتمه وأخفاه .
مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضۡعَافٗا كَثِيرَةٗۚ وَٱللَّهُ يَقۡبِضُ وَيَبۡصُۜطُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ  ٢٤٥
التفسير الميسرمن ذا الذي ينفق في سبيل الله إنفاقًا حسنًا احتسابًا للأجر، فيضاعفه له أضعافا كثيرة لا تحصى من الثواب وحسن الجزاء؟ والله يقبض ويبسط، فأنفقوا ولا تبالوا؛ فإنه هو الرزاق، يُضيِّق على مَن يشاء من عباده في الرزق، ويوسعه على آخرين، له الحكمة البالغة في ذلك، وإليه وحده ترجعون بعد الموت، فيجازيكم على أعمالكم.
تفسير السعديولما كان القتال فى سبيل الله لا يتم إلا بالنفقة وبذل الأموال في ذلك، أمر تعالى بالإنفاق في سبيله ورغب فيه، وسماه قرضا فقال: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فينفق ما تيسر من أمواله في طرق الخيرات، خصوصا في الجهاد، والحسن هو الحلال المقصود به وجه الله تعالى، فيضاعفه له أضعافا كثيرة الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، بحسب حالة المنفق، ونيته ونفع نفقته والحاجة إليها، ولما كان الإنسان ربما توهم أنه إذا أنفق افتقر دفع تعالى هذا الوهم بقوله: والله يقبض ويبسط أي: يوسع الرزق على من يشاء ويقبضه عمن يشاء، فالتصرف كله بيديه ومدار الأمور راجع إليه، فالإمساك لا يبسط الرزق، والإنفاق لا يقبضه، ومع ذلك فالإنفاق غير ضائع على أهله، بل لهم يوم يجدون ما قدموه كاملا موفرا مضاعفا، فلهذا قال: وإليه ترجعون فيجازيكم بأعمالكم. ففي هذه الآيات دليل على أن الأسباب لا تنفع مع القضاء والقدر، وخصوصا الأسباب التي تترك بها أوامر الله. وفيها: الآية العظيمة بإحياء الموتى أعيانا في هذه الدار. وفيها: الأمر بالقتال والنفقة في سبيل الله، وذكر الأسباب الداعية لذلك الحاثة عليه، من تسميته قرضا، ومضاعفته، وأن الله يقبض ويبسط وإليه ترجعون.
تفسير ابن كثيروقوله : ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) يحث تعالى عباده على الإنفاق في سبيله ، وقد كرر تعالى هذه الآية في كتابه العزيز في غير موضع . وفي حديث النزول [ أنه يقول تعالى ] " من يقرض غير عديم ولا ظلوم " وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود قال :لما نزلت : ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ) قال أبو الدحداح الأنصاري : يا رسول الله وإن الله ليريد منا القرض ؟ قال : " نعم يا أبا الدحداح " قال : أرني يدك يا رسول الله . قال : فناوله يده قال : فإني قد أقرضت ربي حائطي . قال : وحائط له فيه ستمائة نخلة وأم الدحداح فيه وعيالها . قال : فجاء أبو الدحداح فناداها : يا أم الدحداح . قالت : لبيك قال : اخرجي فقد أقرضته ربي عز وجل . وقد رواه ابن مردويه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر مرفوعا بنحوه .وقوله : ( قرضا حسنا ) روي عن عمر وغيره من السلف : هو النفقة في سبيل الله . وقيل : هو النفقة على العيال .وقيل : هو التسبيح والتقديس وقوله : ( فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) كما قال : ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ) الآية [ البقرة : 261 ] . وسيأتي الكلام عليها .وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد أخبرنا مبارك بن فضالة عن علي بن زيد عن أبي عثمان النهدي ، قال : أتيت أبا هريرة فقلت له : إنه بلغني أنك تقول : إن الحسنة تضاعف ألف ألف حسنة . فقال : وما أعجبك من ذلك ؟ لقد سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة " .هذا حديث غريب ، وعلي بن زيد بن جدعان عنده مناكير ، لكن رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر فقال :حدثنا أبو خلاد سليمان بن خلاد المؤدب ، حدثنا يونس بن محمد المؤدب ، حدثنا محمد بن عقبة الرباعي عن زياد الجصاص عن أبي عثمان النهدي ، قال : لم يكن أحد أكثر مجالسة لأبي هريرة مني فقدم قبلي حاجا قال : وقدمت بعده فإذا أهل البصرة يأثرون عنه أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة " فقلت : ويحكم ، والله ما كان أحد أكثر مجالسة لأبي هريرة مني ، فما سمعت هذا الحديث . قال : فتحملت أريد أن ألحقه فوجدته قد انطلق حاجا فانطلقت إلى الحج أن ألقاه في هذا الحديث ، فلقيته لهذا فقلت : يا أبا هريرة ما حديث سمعت أهل البصرة يأثرون عنك ؟ قال : ما هو ؟ قلت : زعموا أنك تقول : " إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة " . قال : يا أبا عثمان وما تعجب من ذا والله يقول : ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) ويقول : ( فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ) [ التوبة : 38 ] والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة " .وفي معنى هذا الحديث ما رواه الترمذي وغيره من طريق عمرو بن دينار عن سالم عن عبد الله بن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من دخل سوقا من الأسواق فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة " الحديث .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن بسام حدثنا أبو إسماعيل المؤدب ، عن عيسى بن المسيب عن نافع عن ابن عمر قال : لما نزلت ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل ) [ البقرة : 261 ] إلى آخرها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رب زد أمتي " فنزلت : ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) قال : رب زد أمتي . فنزل : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) [ الزمر : 10 ] . .وروى ابن أبي حاتم أيضا عن كعب الأحبار : أنه جاءه رجل فقال : إني سمعت رجلا يقول : من قرأ : ( قل هو الله أحد ) [ الإخلاص : 1 ] مرة واحدة بنى الله له عشرة آلاف ألف غرفة من در وياقوت في الجنة أفأصدق بذلك ؟ قال : نعم ، أوعجبت من ذلك ؟ قال : نعم وعشرين ألف ألف وثلاثين ألف ألف وما يحصي ذلك إلا الله ثم قرأ ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) فالكثير من الله لا يحصى .وقوله : ( والله يقبض ويبسط ) أي : أنفقوا ولا تبالوا فالله هو الرزاق يضيق على من يشاء من عباده في الرزق ويوسعه على آخرين ، له الحكمة البالغة في ذلك ( وإليه ترجعون ) أي : يوم القيامة .
تفسير القرطبيقوله تعالى : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعونفيه إحدى عشرة مسألة : الأولى : قوله تعالى : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا لما أمر الله تعالى بالجهاد والقتال على الحق - إذ ليس شيء من الشريعة إلا ويجوز القتال عليه وعنه ، وأعظمها دين الإسلام كما قال مالك - حرض على الإنفاق في ذلك . فدخل في هذا الخبر المقاتل في سبيل الله ، فإنه يقرض به رجاء الثواب كما فعل عثمان رضي الله عنه في جيش العسرة . و " من " رفع بالابتداء ، و " ذا " خبره ، و " الذي " نعت لذا ، وإن شئت بدل . ولما نزلت هذه الآية بادر أبو الدحداح إلى التصدق بماله ابتغاء ثواب ربه . أخبرنا الشيخ الفقيه الإمام المحدث القاضي أبو عامر يحيى بن عامر بن أحمد بن منيع الأشعري نسبا ومذهبا بقرطبة - أعادها الله - في ربيع الآخر عام ثمانية وعشرين وستمائة قراءة مني عليه قال : أخبرنا أبي إجازة قال : قرأت على أبي بكر عبد العزيز بن خلف بن مدين الأزدي عن أبي عبد الله بن سعدون سماعا عليه ، قال : حدثنا أبو الحسن علي بن مهران قال : حدثنا أبو الحسن محمد بن عبد الله بن زكريا بن حيوة النيسابوري سنة ست وستين وثلاثمائة ، قال : أنبأنا عمي أبو زكريا يحيى بن زكريا قال : حدثنا محمد بن معاوية بن صالح قال : حدثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود قال : لما نزلت : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا قال أبو الدحداح : يا رسول الله أوإن الله تعالى يريد منا القرض ؟ قال : نعم يا أبا الدحداح قال : أرني يدك ، قال فناوله ، قال : فإني أقرضت الله حائطا فيه ستمائة نخلة . ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه وعياله ، فناداها : يا أم الدحداح ، قالت : لبيك ، قال : اخرجي ، قد أقرضت ربي عز وجل حائطا فيه ستمائة نخلة . وقال زيد بن أسلم : لما نزل : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا قال أبو الدحداح : فداك أبي وأمي يا رسول الله إن الله يستقرضنا وهو غني عن القرض ؟ قال : ( نعم يريد أن يدخلكم الجنة به ) . قال : فإني إن أقرضت ربي قرضا يضمن لي به ولصبيتي الدحداحة معي الجنة ؟ قال : ( نعم ) قال : فناولني يدك ، فناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم يده : فقال : إن لي حديقتين إحداهما بالسافلة والأخرى بالعالية ، والله لا أملك غيرهما ، قد جعلتهما قرضا لله تعالى . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اجعل إحداهما لله والأخرى دعها معيشة لك ولعيالك ) قال : فأشهدك يا رسول الله أني قد جعلت خيرهما لله تعالى ، وهو حائط فيه ستمائة نخلة . قال : ( إذا يجزيك الله به الجنة ) . فانطلق أبو الدحداح حتى جاء أم الدحداح وهي مع صبيانها في الحديقة تدور تحت النخل فأنشأ يقول :هداك ربي سبل الرشاد إلى سبيل الخير والسداد بيني من الحائط بالودادفقد مضى قرضا إلى التناد أقرضته الله على اعتماديبالطوع لا من ولا ارتداد إلا رجاء الضعف في المعادفارتحلي بالنفس والأولاد والبر لا شك فخير زادقدمه المرء إلى المعادقالت أم الدحداح : ربح بيعك بارك الله لك فيما اشتريت ، ثم أجابته أم الدحداح وأنشأت تقول :بشرك الله بخير وفرح مثلك أدى ما لديه ونصحقد متع الله عيالي ومنح بالعجوة السوداء والزهو البلحوالعبد يسعى وله ما قد كدح طول الليالي وعليه ما اجترحثم أقبلت أم الدحداح على صبيانها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم حتى أفضت إلى الحائط الآخر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : كم من عذق رداح ودار فياح لأبي الدحداح .الثانية : قال ابن العربي : انقسم الخلق بحكم الخالق وحكمته وقدرته ومشيئته وقضائه وقدره حين سمعوا هذه الآية أقساما ، فتفرقوا فرقا ثلاثة : ( الفرقة الأولى ) الرذلى قالوا : إن رب محمد محتاج فقير إلينا ونحن أغنياء ، فهذه جهالة لا تخفى على ذي لب ، فرد الله عليهم بقوله : لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء . ( الفرقة الثانية ) لما سمعت هذا القول آثرت الشح والبخل وقدمت الرغبة في المال فما أنفقت في سبيل الله ولا فكت أسيرا ولا أعانت أحدا تكاسلا عن الطاعة وركونا إلى هذه الدار . ( الفرقة الثالثة ) لما سمعت بادرت إلى امتثاله وآثر المجيب منهم بسرعة بماله كأبي الدحداح رضي الله عنه وغيره . والله أعلم .الثالثة : ( قرضا ) حسنا القرض : اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء وأقرض فلان فلانا أي أعطاه ما يتجازاه قال الشاعر وهو لبيد :وإذا جوزيت قرضا فاجزه إنما يجزي الفتى ليس الجملوالقرض بالكسر لغة فيه حكاها الكسائي . واستقرضت من فلان أي طلبت منه القرض فأقرضني . واقترضت منه أي أخذت القرض . وقال الزجاج : القرض في اللغة البلاء الحسن والبلاء السيئ ، قال أمية :كل امرئ سوف يجزى قرضه حسنا أو سيئا ومدينا مثل ما داناوقال آخر :تجازى القروض بأمثالها فبالخير خيرا وبالشر شراوقال الكسائي : القرض ما أسلفت من عمل صالح أو سيئ . وأصل الكلمة القطع ، ومنه المقراض . وأقرضته أي قطعت له من مالي قطعة يجازي عليها . وانقرض القوم : انقطع أثرهم وهلكوا . والقرض هاهنا : اسم ، ولولاه لقال هاهنا إقراضا . واستدعاء القرض في هذه الآية إنما هي تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه ، والله هو الغني الحميد لكنه تعالى شبه عطاء المؤمن في الدنيا بما يرجو به ثوابه في الآخرة بالقرض كما شبه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء . حسب ما يأتي بيانه في ( براءة ) إن شاء الله تعالى . وقيل المراد بالآية الحث على الصدقة وإنفاق المال على الفقراء والمحتاجين والتوسعة عليهم ، وفي سبيل الله بنصرة الدين . وكنى الله سبحانه عن الفقير بنفسه العلية المنزهة عن الحاجات ترغيبا في الصدقة ، كما كنى عن المريض والجائع والعطشان بنفسه المقدسة عن النقائص والآلام . ففي صحيح الحديث إخبارا عن الله تعالى : ( يا ابن آدم مرضت فلم تعدني واستطعمتك فلم تطعمني واستسقيتك فلم تسقني ) قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين ؟ قال : ( استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي ) وكذا فيما قبل ، أخرجه مسلم والبخاري وهذا كله خرج مخرج التشريف لمن كنى عنه ترغيبا لمن خوطب به .الرابعة : يجب على المستقرض رد القرض ؛ لأن الله تعالى بين أن من أنفق في سبيل الله لا يضيع عند الله تعالى بل يرد الثواب قطعا وأبهم الجزاء . وفي الخبر : ( النفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبعمائة ضعف وأكثر ) على ما يأتي بيانه في هذه السورة عند قوله تعالى : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل الآية . وقال هاهنا : فيضاعفه له أضعافا كثيرة وهذا لا نهاية له ولا حد .الخامسة : ثواب القرض عظيم ؛ لأن فيه توسعة على المسلم وتفريجا عنه . خرج ابن ماجه في سننه عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوبا الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر فقلت لجبريل : ما بال القرض أفضل من الصدقة قال لأن السائل يسأل وعنده والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة . قال : حدثنا محمد بن خلف العسقلاني حدثنا يعلى حدثنا سليمان بن يسير عن قيس بن رومي قال : كان سليمان بن أذنان يقرض علقمة ألف درهم إلى عطائه ، فلما خرج عطاؤه تقاضاها منه ، واشتد عليه فقضاه ، فكأن علقمة غضب فمكث أشهرا ثم أتاه فقال : أقرضني ألف درهم إلى عطائي ، قال : نعم وكرامة! يا أم عتبة هلمي ، تلك الخريطة المختومة التي عندك ، قال : فجاءت بها ، فقال : أما والله إنها لدراهمك التي قضيتني ما حركت منها درهما واحدا ، قال : فلله أبوك ؟ ما حملك على ما فعلت بي ؟ قال : ما سمعت منك ، قال : ما سمعت مني ؟ قال : سمعتك تذكر عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقتها مرة قال : كذلك أنبأني ابن مسعود .السادسة : قرض الآدمي للواحد واحد ، أي يرد عليه مثل ما أقرضه . وأجمع أهل العلم على أن استقراض الدنانير والدراهم والحنطة والشعير والتمر والزبيب وكل ما له مثل من سائر الأطعمة جائز . وأجمع المسلمون نقلا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أن اشتراط الزيادة في السلف ربا ولو كان قبضة من علف - كما قال ابن مسعود - أو حبة واحدة . ويجوز أن يرد أفضل مما يستلف إذا لم يشترط ذلك عليه ؛ لأن ذلك من باب المعروف ، استدلالا بحديث أبي هريرة في البكر : إن خياركم أحسنكم قضاء رواه الأئمة : البخاري ومسلم وغيرهما . فأثنى صلى الله عليه وسلم على من أحسن القضاء ، وأطلق ذلك ولم يقيده بصفة . وكذلك قضى هو صلى الله عليه وسلم في البكر وهو الفتي المختار من الإبل جملا خيارا رباعيا ، والخيار : المختار ، والرباعي هو الذي دخل في السنة الرابعة ؛ لأنه يلقي فيها رباعيته وهي التي تلي الثنايا وهي أربع رباعيات - مخففة الباء - وهذا الحديث دليل على جواز قرض الحيوان ، وهو مذهب الجمهور ، ومنع من ذلك أبو حنيفة وقد تقدم .السابعة : ولا يجوز أن يهدي من استقرض هدية للمقرض ، ولا يحل للمقرض قبولها إلا أن يكون عادتهما ذلك ، بهذا جاءت السنة : خرج ابن ماجه حدثنا هشام بن عمار قال : حدثنا إسماعيل بن عياش حدثنا عتبة بن حميد الضبي عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي قال : سألت أنس بن مالك عن الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدي إليه ؟ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أقرض أحدكم أخاه قرضا فأهدى له أو حمله على دابته فلا يقبلها ولا يركبها إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك .الثامنة : القرض يكون من المال - وقد بينا حكمه - ويكون من العرض ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته قال اللهم إني قد تصدقت بعرضي على عبادك . وروي عن ابن عمر : أقرض من عرضك ليوم فقرك ، يعني من سبك فلا تأخذ منه حقا ولا تقم عليه حدا حتى تأتي يوم القيامة موفر الأجر . وقال أبو حنيفة : لا يجوز التصدق بالعرض لأنه حق الله تعالى ، وروى عن مالك ابن العربي : وهذا فاسد ، قال عليه السلام في الصحيح : إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام الحديث . وهذا يقتضي أن تكون هذه المحرمات الثلاث تجري مجرى واحدا في كونها باحترامها حقا للآدمي .التاسعة : قوله تعالى ( حسنا ) قال الواقدي : محتسبا طيبة به نفسه . وقال عمرو بن عثمان الصدفي : لا يمن به ولا يؤذي . وقال سهل بن عبد الله : لا يعتقد في قرضه عوضا .العاشرة : قوله تعالى : ( فيضاعفه له ) قرأ عاصم وغيره ( فيضاعفه ) بالألف ونصب الفاء . وقرأ ابن عامر ويعقوب بالتشديد في العين مع سقوط الألف ونصب الفاء . وقرأ ابن كثير وأبو جعفر وشيبة بالتشديد ورفع الفاء . وقرأ الآخرون بالألف ورفع الفاء . فمن رفعه نسقه على قوله : " يقرض " وقيل : على تقدير هو يضاعفه . ومن نصب فجوابا للاستفهام بالفاء . وقيل : بإضمار " أن " والتشديد والتخفيف لغتان . دليل التشديد أضعافا كثيرة لأن التشديد للتكثير . وقال الحسن والسدي : لا نعلم هذا التضعيف إلا لله وحده ، لقوله تعالى : ويؤت من لدنه أجرا عظيما . قال أبو هريرة : هذا في نفقة الجهاد ، وكنا نحسب والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا نفقة الرجل على نفسه ورفقائه وظهره بألفي ألف .الحادية عشرة : قوله تعالى : والله يقبض ويبسط هذا عام في كل شيء فهو القابض الباسط ، وقد أتينا عليهما في ( شرح الأسماء الحسنى في الكتاب الأسنى ) .( وإليه ترجعون ) وعيد ، فيجازي كلا بعمله .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةًقال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: من هذا الذي ينفق في سبيل الله, فيعين مضعفا، (222) أو يقوي ذا فاقة أراد الجهاد في سبيل الله, ويعطي منهم مقترا؟ وذلك هو القرض الحسن الذي يقرض العبد ربه.وإنما سماه الله تعالى ذكره " قرضا ", لأن معنى " القرض " إعطاء الرجل غيره ماله مملكا له، ليقضيه مثله إذا اقتضاه. فلما كان إعطاء من أعطى أهل الحاجة والفاقة في سبيل الله، إنما يعطيهم ما يعطيهم من ذلك ابتغاء ما وعده الله عليه من جزيل الثواب عنده يوم القيامة, سماه " قرضا ", إذ كان معنى " القرض " في لغة العرب ما وصفنا.وإنما جعله تعالى ذكره " حسنا ", لأن المعطي يعطي ذلك عن ندب الله إياه وحثه له عليه، احتسابا منه. فهو لله طاعة، وللشياطين معصية. (223) وليس ذلك لحاجة بالله إلى أحد من خلقه, ولكن ذلك كقول العرب: " عندي لك قرض صدق، وقرض سوء "، للأمر يأتي فيه للرجل مسرته أو مساءته, (224) كما قال الشاعر: (225)كل امرئ سوف يجزى قرضه حسناأو سيئا, ومدينا بالذي دانا (226)* * *فقرض المرء: ما سلف من صالح عمله أو سيئه. وهذه الآية نظيرة الآية التي قال الله فيها تعالى ذكره: (227) مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [سورة البقرة: 261].* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن زيد يقول:5617- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا "، قال : هذا في سبيل الله=" فيضاعفه له أضعافا كثيرة "، قال: بالواحد سبعمئة ضعف.5618- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر , عن زيد بن أسلم قال: لما نزلت: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة "، جاء ابن الدحداح إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله, ألا أرى ربنا يستقرضنا؟ مما أعطانا لأنفسنا! وإن لي أرضين: إحداهما بالعالية, والأخرى بالسافلة, وإني قد جعلت خيرهما صدقة! قال: فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " كم من عذق مذلل لابن الدحداح في الجنة " ! (228) .5619- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: أن رجلا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع بهذه الآية قال: " أنا أقرض الله "، فعمد إلى خير حائط له فتصدق به. قال، وقال قتادة: يستقرضكم ربكم كما تسمعون، وهو الولي الحميد ويستقرض عباده. (229)5620- حدثنا محمد بن معاوية الأنماطي النيسابوري قال، حدثنا خلف بن خليفة, عن حميد الأعرج, عن عبد الله بن الحارث, عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا "، قال أبو الدحداح: يا رسول الله, أو إن الله يريد منا القرض؟! قال: نعم يا أبا الدحداح! قال: يدك! قال: (230) .فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، حائطا فيه ستمئة نخلة. ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه في عيالها, فناداها: يا أم الدحداح! قالت: لبيك ! قال: اخرجي! قد أقرضت ربي حائطا فيه ستمئة نخلة. (231)* * *وأما قوله: " فيضاعفه له أضعافا كثيرة "، فإنه عدة من الله تعالى ذكره مقرضه ومنفق ماله في سبيل الله من إضعاف الجزاء له على قرضه ونفقته، ما لا حد له ولا نهاية، كما: -5621- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة "، قال: هذا التضعيف لا يعلم أحد ما هو.وقد: -5622- وقد حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن ابن عيينة, عن صاحب له يذكر عن بعض العلماء قال: إن الله أعطاكم الدنيا قرضا، وسألكموها قرضا, فإن أعطيتموها طيبة بها أنفسكم، ضاعف لكم ما بين الحسنة إلى العشر إلى السبعمئة، إلى أكثر من ذلك. وإن أخذها منكم وأنتم كارهون، فصبرتم وأحسنتم، كانت لكم الصلاة والرحمة، وأوجب لكم الهدى. (232)* * *قال أبو جعفر: وقد اختلفت القرأة في قراءة قوله: (فيضاعفه) بالألف ورفعه، بمعنى: الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له= نسق " يضاعف " على قوله: " يقرض ".* * *وقرأه آخرون بذلك المعنى: (فيضعفه), غير أنهم قرءوا بتشديد " العين " وإسقاط" الألف ".* * *وقرأه آخرون: (فيضاعفه له) بإثبات " الألف " في" يضاعف " ونصبه، بمعنى الاستفهام. فكأنهم تأولوا الكلام: من المقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له؟ فجعلوا قوله: " فيضاعفه " جوابا للاستفهام, وجعلوا: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " اسما. لأن " الذي" وصلته، بمنزلة " عمرو " و " زيد ". فكأنهم وجهوا تأويل الكلام إلى قول القائل: " من أخوك فتكرمه "، لأن الأفصح في جواب الاستفهام بالفاء= إذا لم يكن قبله ما يعطف به عليه من فعل مستقبل= نصبه.* * *قال أبو جعفر: وأولى هذه القراءات عندنا بالصواب، قراءة من قرأ: (فيضاعفه له) بإثبات " الألف ". ورفع " يضاعف ". لأن في قوله: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " معنى الجزاء . والجزاء إذا دخل في جوابه " الفاء "، لم يكن جوابه ب " الفاء " لا رفعا. فلذلك كان الرفع في" يضاعفه " أولى بالصواب عندنا من النصب. وإنما اخترنا " الألف " في" يضاعف " من حذفها وتشديد " العين ", لأن ذلك أفصح اللغتين وأكثرهما على ألسنة العرب.* * *القول في تأويل قوله : وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُقال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: أنه الذي بيده قبض أرزاق العباد وبسطها، دون غيره ممن ادعى أهل الشرك به أنهم آلهة، واتخذوه ربا دونه يعبدونه. وذلك نظير الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي: -5623- حدثنا به محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا حدثنا حجاج= وحدثني عبد الملك بن محمد الرقاشي قال، حدثنا حجاج وأبو ربيعة قالا= حدثنا حماد بن سلمة, عن ثابت وحميد وقتادة, عن أنس قال: غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فقالوا: يا رسول الله، غلا السعر فأسعر لنا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله الباسط القابض الرازق, وإني لأرجو أن ألقى الله ليس أحد يطلبني بمظلمة في نفس ومال ". (233) .* * *قال أبو جعفر: يعني بذلك صلى الله عليه وسلم: أن الغلاء والرخص والسعة والضيق بيد الله دون غيره. فكذلك قوله تعالى ذكره:،" والله يقبض ويبسط"، يعني بقوله: " يقبض "، يقتر بقبضه الرزق عمن يشاء من خلقه= ويعني بقوله: و " يبسط" يوسع ببسطة الرزق على من يشاء منهم.وإنما أراد تعالى ذكره بقيله ذلك، حث عباده المؤمنين- الذين قد بسط عليهم من فضله, فوسع عليهم من رزقه- على تقوية ذوي الإقتار منهم بماله, ومعونته بالإنفاق عليه وحمولته على النهوض لقتال عدوه من المشركين في سبيله, (234) فقال تعالى ذكره: من يقدم لنفسه ذخرا عندي بإعطائه ضعفاء المؤمنين وأهل الحاجة منهم ما يستعين به على القتال في سبيلي, فأضاعف له من ثوابي أضعافا كثيرة مما أعطاه وقواه به؟ فإني -أيها الموسع- (235) الذي قبضت الرزق عمن ندبتك إلى معونته وإعطائه, لأبتليه بالصبر على ما ابتليته به= والذي بسطت عليك لأمتحنك بعملك فيما بسطت عليك, فأنظر كيف طاعتك إياي فيه, فأجازي كل واحد منكما على قدر طاعتكما لي فيما ابتليتكما فيه وامتحنتكما به، من غنى وفاقة، وسعة وضيق, عند رجوعكما إلي في آخرتكما، ومصيركما إلي في معادكما.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال من بلغنا قوله من أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:5624- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا الآية، قال: علم أن فيمن يقاتل في سبيله من لا يجد قوة , وفيمن لا يقاتل في سبيله من يجد غنى, فندب هؤلاء فقال: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط"؟ قال: بسط عليك وأنت ثقيل عن الخروج لا تريده, (236) وقبض عن هذا وهو يطيب نفسا بالخروج ويخف له, فقوه مما في يدك، يكن لك في ذلك حظ.* * *القول في تأويل قوله : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: وإلى الله معادكم، أيها الناس, فاتقوا الله في أنفسكم أن تضيعوا فرائضه وتتعدوا حدوده, وأن يعمل من بسط عليه منكم من رزقه بغير ما أذن له بالعمل فيه ربه, وأن يحمل المقتر منكم- إذ قبض عن رزقه- إقتاره على معصيته, والتقدم على ما نهاه، (237) فيستوجب بذلك عند مصيره إلى خالقه، ما لا قبل له به من أليم عقابه. (238)* * *وكان قتادة يتأول قوله: " وإليه ترجعون "، وإلى التراب ترجعون. (239)5625- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " وإليه ترجعون "، من التراب خلقهم, وإلى التراب يعودون. (240)* * *---------------------------الهوامش :(222) أضعف الرجل فهو مضعف : ضعفت دابته ، يعينه بإبداله دابة غيرها .(223) في المطبوعة : "وللشياطين معصية" ، وفي المخطوطة : "وللسلطان" ، وهو سهو من الناسخ .(224) في المطبوعة"يأتي فيه الرجل . . . " ، وفي المخطوطة : "يأتي فيه الرجل" غير منقوطة ، ونقل أبو حيان في تفسيره 2 : 248 هذا القول عن الأخفش ، ونصه : "لأمر تأتي مسرته أو مساءته" ، ولكني استظهرت قراءتها كما أثبت ، فجميع ما مضى تحريف .(225) هو أمية بن أبي الصلت .(226) ديوانه : 63 ، واللسان (قرض) ، وروايته"أو مدينا مثل ما دنا" ، وفي الديوان : "كالذي دانا" .(227) في المطبوعة : "قال الله فيها تعالى ذكره" ، وأثبت ما في المخطوطة .(228) الحديث : 5618 - هذا حديث مرسل ، فهو ضعيف الإسناد ، لأن زيد بن أسلم تابعي ، ولم يذكر من حدثه به من الصحابة .والحديث ثابت في تفسير عبد الرزاق ، ص : 31 (مخطوط مصور) ، عن معمر ، به .وهو عند السيوطي 1 : 312 ، ولم ينسبه لغير عبد الرزاق والطبري .وقد ذكر ابن كثير 1 : 594 أن ابن مردويه روى نحو الحديث الآتي : 5620"من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر ، مرفوعا بنحوه" .وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ضعيف جدا ، كما بينا في : 185 فلا قيمة لهذا الرواية .وسيأتي عقب هذا حديث آخر مرسل بمعناه ، ثم : 5620 ، من حديث ابن مسعود . ونرجئ بيان أصل القصة حتى نتحدث عنها هناك .قوله"ابن الدحداح" و"لابن الدحاح" : هذا هو الثابت في تفسير عبد الرزاق ، وهو الذي أثبتناه هنا . وفي المخطوطة -فيهما-"الدحداحة" . وفي المطبعة"أبو الدحداح" ، و"لأبي الدحداح" . وما في تفسير عبد الرزاق أرجح ، لأنه الأصل الذي روى عنه الطبري .قوله : "إنما أعطانا لأنفسنا" : هو الثابت عند عبد الرزاق ، وهو أجود . وكان في المطبوعة"مما" بدل"إنما" ."العذق" (بفتح فسكون) : النخلة . أما"العذق" -بكسر العين : فهو عرجون النخلة . و"المذلل"- بفتح اللام الأولى مشددة : الذي قد دليت عناقيده ، حتى يسهل اجتناء ثمرته ، لدنوها من قاطفها .(229) الحديث : 5619- وهذا مرسل أيضًا ، فهو ضعيف الإسناد ، وآخره موقوف من كلام قتادة . وذكره السيوطي 1 : 312 ، ونسبه لعبد بن حميد ، وابن جرير ، فقط . ولم يذكر كلام قتادة في آخره .في المخطوطة : "ويسعر عباده" ، هكذا غير معجمة ولا مبينة ، وتركت ما في المطبوعة على حاله ، فهو في سياقة المعنى . والأثر في الدر المنثور 1 : 321 ، ولكنه أسقط هذه الجملة الأخيرة عن قتادة .(230) في المطبوعة : "قال : يدك قبل ، فناوله" ، وفي المخطوطة : "يدك قيل" ثم وضع ألفا على رأس الياء بعد القاف ، كأن أراد أن يجعلها"قال" كما أثبتها ورجحتها ، لنص مجمع الزوائد 9 : 324 : "قال : أرنا يدك . قال : فناوله يده" .(231) الحديث : 5620 - وهذا إسناد ضعيف جدا .محمد بن معاوية بن يزيد الأنماطي - شيخ الطبري : ثقة مترجم في التهذيب ، وتاريخ بغداد 3 : 274- 275 .خلف بن خليفة بن صاعد الأشجعي : ثقة ، تغير في آخر عمره ، مات نحو سنة 181 ، وهو ابن 101 سنة ، وقد فصلنا القول في ترجمته في المسند : 5885 .حميد الأعرج الكوفي القاص : هو حميد بن علي ، على ما جزم به البخاري في +الكثير 1/ 2 / 351 ، والضعفاء ، ص : 9 . ويقال : "حميد بن عطاء" وهو الذي جزم به ابن أبي حاتم 1 / 2 / 226 - 227 ، وابن حبان في كتاب المجروحين ، رقم : 265 . وهو ضعيف جدا . قال البخاري : "منكر الحديث" . وقال أبو حاتم : "ضعيف الحديث ، منكر الحديث ، قد لزم عبد الله بن الحارث عن ابن مسعود ، ولا يعرف لعبد الله بن الحارث عن ابن مسعود شيء!" . وقال ابن حبان : "يروى عن عبد الله بن الحرث عن ابن مسعود- نسخة كأنها موضوعة . لا يحتج بخبره إذا انفرد" .عبد الله بن الحارث الزبيدي النجراني المكتب : ثقة . سبق في ترجمة الراوي عنه قول أبي حاتم أنه لا يعرف له شيء عن ابن مسعود . فالبلاء في هذه الرواية من حميد الأعرج .وهذا الحديث رواه أيضًا ابن أبي حاتم ، عن الحسن بن عرفة ، عن خلف بن خليفة ، بهذا الإسناد . على ما نقله عنه ابن كثير 1 : 593- 594 .وذكره السيوطي 1 : 312 ، وزاد نسبته لسعيد بن منصور ، وابن سعد ، والبزار ، وابن المنذر ، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، والطبراني ، والبيهقي في شعب الإيمان .وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 6 : 320 ، بنحوه . وقال : "رواه البزار ، ورجاله ثقات" . ثم ذكره مرة أخرى 9 : 324 بلفظ آخر نحوه . وقال : " رواه أبو يعلى ، والطبراني ، ورجالهما ثقات . ورجال أبي يعلى رجال الصحيح" .هكذا قال الهيثمي في الموضعين . وليس عندي إسناد من الأسانيد التي نسبه إليها ، ولا الكتب التي ذكرها السيوطي ، إلا ابن سعد . ولم أجده فيه ، لأن النسخة المطبوعة من طبقات ابن سعد تنقص كثيرا من الكتاب ، كما هو معروف .ولقصة أبي الدحداح أصل آخر صحيح . من حديث أنس ، رواه أحمد في المسند : 12509 (3 : 146 حلبي) ، بإسناد صحيح : "عن أنس : أن رجلا قال : يا رسول الله ، إن لفلان نخلة ، وأنا أقيم حائطي بها ، فأمره أن يعطيني حتى أقيم حائطي بها ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أعطها إياه بنخلة في الجنة ، فأبى ، فأتاه أبو الدحداح ، فقال : بعني نخلتك بحائطي! ففعل ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، . فقال : يا رسول الله ، إني قد ابتعت النخلة بحائطي ، قال : فاجعلها له ، فقد أعطيتكها . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كم من عذق راح ، لأبي الدحداح ، في الجنة . قالها مرارا ، قال : فأتى امرأته فقال : يا أم الدحداح ، اخرجي من الحائط ، فإني قد بعته بنخلة في الجنة . فقالت : ربح البيع ، أو كلمة تشبهها" .وحديث أنس هذا في مجمع الزوائد 9 : 323-324 . وقال : "رواه أحمد ، والطبراني ، ورجالهما رجال الصحيح" . ووقع في مطبوعة مجمع الزوائد سقط نحو سطر أثناء الحديث ، يصحح من هذا الموضع .وله أصل ثان صحيح . فروى مسلم في صحيحه 1 : 264 ، عن جابر بن سمرة ، قال : "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابن الدحداح ، ثم أتى بفرس عري ، فعقله رجل فركبه ، فجعل يتوقص به ، ونحن نتبعه نسعى خلفه ، قال : فقال رجل من القوم : إن لنبي صلى الله عليه وسلم قال : كم من عذق معلق أو مدلى في الجنة لابن الدحداح" . "أو قال شعبة : لأبي الدحداح" .و"أبو الدحداح" : هو ثابت بن الدحداح ، أو ابن الدحداحة . ويكنى"أبا الدحداح" أو"أبا الدحداحة" ، مترجم في الإصابة 1 : 199 . ثم ترجمه في الكنى 7 : 57 - 58 ، وذكر الخلاف في أنه واحد أو اثنان . ثم زعم أن الحق أن الثاني غير الأول! واستدل بحديث نقله من رواية أبي نعيم ضعيف ، وأن في إسناده رجلا"واهى الحديث" !! فسقط الاستدلال به دون ريب .الحائط : بستان النخيل إذا كان عليه جدار يحيط به ، فإن لم يكن عليه الحائط فهو"ضاحية" .(232) يريد قول الله تعالى في [سورة البقرة : 156 ، 157] الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (233) الحديث : 5623 -عبد الملك بن محمد الرقاشي أبو قلابة- شيخ الطبري : مضت ترجمته في : 4331 .الحجاج؛ هو ابن المنهال الأنماطي .أبو ربيعة : هو زيد بن عوف القطعي ، ولقبه"فهد" . تكلموا فيه كثيرا لأحاديث رواها عن حماد بن سلمة . وأما البخاري فقال في الكبير 2/1/ 369 : "سكتوا عته" . وهو مترجم أيضًا في ابن أبي حاتم 1/2/ 570 - 571 ، ولسان الميزان .ومهما يكن من شأنه ، فإنه لم ينفرد بهذا الحديث ، فلا يؤثر فيه ضعفه إن كان ضعيفا .والحديث صحيح بهذا الإسناد ، من جهة الحجاج بن المنهال ، ومن الروايات الأخر التي سنذكر .فرواه أحمد في المسند : 12618 (3 : 156 حلبي) ، عن سريج ويونس بن محمد ، عن حماد ابن سلمة ، عن قتادة وثابت البناني ، عن أنس .ورواه أيضًا : 14102 ( 3 : 286 حلي) ، عن عفان ، عن حماد بن سلمة ، عن قتادة وثابت وحميد ، عن أنس .ورواه الترمذي 2 : 271- 272 ، وابن ماجه : 2200- كلاهما من طريق الحجاج بن النهال بهذا الإسناد . قال الترمذي : "هذا حديث حسن صحيح" .ورواه أبو دواد : 3451 ، من طريق عفان ، عن حماد ، به .وذكره السيوطي 1 : 313 ، وزاد نسبته للبيهقي في السنن .(234) الحمولة (بفتح الحاء) : كل ما يحمل عليه الناس من إبل وحمير وغيرها . والحمولة (بضم الحاء) الأحمال والأثقال . هذا وأخشى أن يكون صواب العبارة في الأصل"بالأنفاق عليه وعلىحملته" وقوله : "علي النهوض" متعلق بقوله : "ومعونته" .(235) في المطبوعة : "فإني أنا الموسع الذى قبضت" ، وهو كلام لا يستقيم أبدا ، و الصواب ما في المخطوطة . و"الموسع" : الغني الذى كثر ماله . من قولهم : "أوسع الرجل" ، صار ذا سعة وغنى وكثر ماله . وقال الله تعالى : "علي الموسع قدره وعلي المقتر قدره" . وانظر ما سلف في تفسير"الوسع" في هذا الجزء : 45 . وسياق العبارة"فانى .... الذي قبضت" .(236) في المطبوعة والمخطوطة : "يبسط عليك" مضارعا ، وهو لا يطابق قوله بعد : "وقبض" . فجعلتها"بسط" ، وإن شئت جعلت الأخرى : "ويقبض" ، كما في الدر المنثور 1 : 313 ، وأنا أرجع الأولى .(237) في المطبوعة : "وأن يحل بالمقتر منكم فقبض عنه رزقه ، إقتاره ...." ، وهو كلام فاسد وفي المخطوطة : "وأن يحمل المقتر منكم فقبض عنه رزقه . . . " وهو لا يستقيم أيضًا ، ورجحت أن تكون الأولى" المقتر" كما في المخطوطة ، وأن تكون الأخرى"إذ قبض" ، أو"بقبضه عنه ..." وسياق الجملة : "وأن يحمل المقتر منكم ... إقتاره علي معصيته) .(238) في المطبوعة : "فيستوجب بذلك منه بمصيره . . . وهو كلام شديد الخلل . وفي المخطوطة : "عنه مصيره" ، وظاهر أن الهاء المرسلة من"عنه" ، دال"عند" .(239) في المخطوطة : "و إلى الثواب" ، و"من الثواب ..." وهو ظاهر الفساد ، ولكنه دليل علي شدة سهو الناسخ في هذا الموضع من الكتاب ، كما رأيت من تصحيفه وتحريفه في المواضع السابقة من التعليق .(240) في المخطوطة : "و إلى الثواب" ، و"من الثواب..." وهو ظاهر الفساد ، ولكنه دليل علي شدة سهو الناسخ في هذا الموضع من الكتاب ، كما رأيت من تصحيفه وتحريفه في المواضع السابقة من التعليق .
من نحن

موقع الحياة بالإسلام هو موقع إسلامي، يقدم لكم العديد من المواضيع الاسلامية على منهاج الكتاب و السنة، كما يتضمن بعض قراءات القران الكريم بالرسم العثماني بأصوات اشهر القراء حول العالم

عرض المزيد
إشارات

التين , سُورَةُ هُودٍ , سُورَةُ الجُمُعَةِ , الكوثر , معيض الحارثي , القارئ سيلمان الشبيبي , القارئ عبدالرحمن الشحات , محمد عبدالحكيم سعيد العبدالله , قراءة يعقوب الحضرمي بروايتي رويس وروح , المصحف المعلم , قالون عن نافع من طريق أبي نشيط , خلف عن حمزة ,

عرض المزيد