فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّفۡتَرٗى وَمَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٦التفسير الميسرفلما جاء موسى فرعون وملأه بأدلتنا وحججنا شاهدة بحقيقة ما جاء به موسى مِن عند ربه، قالوا لموسى: ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر افتريته كذبًا وباطلا وما سمعنا بهذا الذي تدعونا إليه في أسلافنا الذين مضوا قبلنا.
تفسير السعديفذهب موسى برسالة ربه فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ واضحات الدلالة على ما قال لهم، ليس فيها قصور ولا خفاء. قَالُوا على وجه الظلم والعلو والعناد مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى كما قال فرعون في تلك الحالة التي ظهر فيها الحق، واستعل على الباطل، واضمحل الباطل، وخضع له الرؤساء العارفون حقائق الأمور إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ هذا، وهو الذكي غير الزكي الذي بلغ من المكر والخداع والكيد ما قصه اللّه علينا وقد علم مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ولكن الشقاء غالب. وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ وقد كذبوا في ذلك، فإن اللّه أرسل يوسف عليه السلام قبل موسى، كما قال تعالى وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ
تفسير ابن كثيريخبر تعالى عن مجيء موسى وأخيه هارون إلى فرعون وملئه ، وعرضه ما آتاهما الله من المعجزات الباهرة والدلالات القاهرة ، على صدقهما فيما أخبرا عن الله عز وجل من توحيده واتباع أوامره . فلما عاين فرعون وملؤه ذلك وشاهدوه وتحققوه ، وأيقنوا أنه من الله ، عدلوا بكفرهم وبغيهم إلى العناد والمباهتة ، وذلك لطغيانهم وتكبرهم عن اتباع الحق ، فقالوا : ( ما هذا إلا سحر مفترى ) أي : مفتعل مصنوع . وأرادوا معارضته بالحيلة والجاه ، فما صعد معهم ذلك .وقوله : ( وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ) يعنون : عبادة الله وحده لا شريك له ، يقولون : ما رأينا أحدا من آبائنا على هذا الدين ، ولم نر الناس إلا يشركون مع الله آلهة أخرى .
تفسير القرطبيقوله تعالى : فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات أي ظاهرات واضحات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى مكذوب مختلق وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين . وقيل : إن هذه الآيات وما احتج به موسى في إثبات التوحيد من الحجج العقلية وقيل : هي معجزاته .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ (36)يقول تعالى ذكره: فلما جاء موسى فرعون وملأه بأدلتنا وحججنا بينات أنها حجج شاهدة بحقيقة ما جاء به موسى من عند ربه, قالوا لموسى: ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر افتريته من قبلك وتخرّصته كذبا وباطلا( وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا ) الذي تدعونا إليه من عبادة من تدعونا إلى عبادته في أسلافنا وآبائنا الأولين الذين مضوا قبلنا.
وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلۡهُدَىٰ مِنۡ عِندِهِۦ وَمَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٣٧التفسير الميسروقال موسى لفرعون: ربي أعلم بالمحقِّ منَّا الذي جاء بالرشاد من عنده، ومَن الذي له العقبى المحمودة في الدار الآخرة، إنه لا يظفر الظالمون بمطلوبهم.
تفسير السعدي وَقَالَ مُوسَى حين زعموا أن الذي جاءهم به سحر وضلال، وأن ما هم عليه هو الهدى: رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ أي: إذا لم تفد المقابلة معكم، وتبيين الآيات البينات، وأبيتم إلا التمادي في غيكم واللجاج على كفركم، فاللّه تعالى العالم بالمهتدي وغيره، ومن تكون له عاقبة الدار، نحن أم أنتم إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ فصار عاقبة الدار لموسى وأتباعه، والفلاح والفوز، وصار لأولئك، الخسار وسوء العاقبة والهلاك.
تفسير ابن كثيرفقال موسى ، عليه السلام ، مجيبا لهم : ( ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ) يعني : مني ومنكم ، وسيفصل بيني وبينكم . ولهذا قال : ( ومن تكون له عاقبة الدار ) أي : النصرة والظفر والتأييد ، ( إنه لا يفلح الظالمون ) أي : المشركون بالله .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وقال موسى قراءة العامة بالواو . وقرأ مجاهد وابن كثير وابن محيصن : ( قال ) بلا واو ; وكذلك هو في مصحف أهل مكة ربي أعلم بمن جاء بالهدى أي بالرشاد . من عنده ومن تكون له قرأ الكوفيون إلا عاصما : ( يكون ) بالياء والباقون بالتاء وقد تقدم هذا عاقبة الدار أي دار الجزاء ( إنه ) الهاء ضمير الأمر والشأن لا يفلح الظالمون .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37)يقول تعالى ذكره: ( وَقَالَ مُوسَى ) مجيبا لفرعون: ( رَبِّي أَعْلَمُ ) بالمحق منا يا فرعون من المبطل, ومن الذي جاء بالرشاد إلى سبيل الصواب والبيان عن واضح الحجة من عنده, ومن الذي له العقبى المحمودة في الدار الآخرة منا، وهذه معارضة من نبيّ الله موسى عليه السلام لفرعون, وجميل مخاطبة, إذ ترك أن يقول له: بل الذي غرّ قومه وأهلك جنوده, وأَضَلّ أتباعه أنت لا أنا, ولكنه قال: ( رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ) ثم بالغ في ذمّ عدوّ الله بأجمل من الخطاب فقال: ( إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) يقول: إنه لا ينجح ولا يدرك طلبتهم الكافرون بالله تعالى, يعني بذلك فرعون إنه لا يفلح ولا ينجح لكفره به.
وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجۡعَل لِّي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٣٨التفسير الميسروقال فرعون لأشراف قومه: يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري يستحق العبادة، فأشْعِل لي -يا هامان- على الطين نارًا، حتى يشتد، وابْنِ لي بناء عاليًا؛ لعلي أنظر إلى معبود موسى الذي يعبده ويدعو إلى عبادته، وإني لأظنه فيما يقول من الكاذبين.
تفسير السعدي وَقَالَ فِرْعَوْنُ متجرئا على ربه، ومموها على قومه السفهاء، أخفاء العقول: يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي أي: أنا وحدي، إلهكم ومعبودكم، ولو كان ثَمَّ إله غيري، لعلمته، فانظر إلى هذا الورع التام من فرعون!، حيث لم يقل " ما لكم من إله غيري " بل تورع وقال: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي وهذا، لأنه عندهم، العالم الفاضل، الذي مهما قال فهو الحق، ومهما أمر أطاعوه.فلما قال هذه المقالة، التي قد تحتمل أن ثَمَّ إلها غيره، أراد أن يحقق النفي، الذي جعل فيه ذلك الاحتمال، فقال ل " هامان " فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ ليجعل له لبنا من فخار. فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا أي: بناء لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ولكن سنحقق هذا الظن، ونريكم كذب موسى. فانظر هذه الجراءة العظيمة على اللّه، التي ما بلغها آدمي، كذب موسى، وادَّعى أنه إله، ونفى أن يكون له علم بالإله الحق، وفعل الأسباب، ليتوصل إلى إله موسى، وكل هذا ترويج، ولكن العجب من هؤلاء الملأ، الذين يزعمون أنهم كبار المملكة، المدبرون لشئونها، كيف لعب هذا الرجل بعقولهم، واستخف أحلامهم، وهذا لفسقهم الذي صار صفة راسخة فيهم.فسد دينهم، ثم تبع ذلك فساد عقولهم، فنسألك اللهم الثبات على الإيمان، وأن لا تزيغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وتهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
تفسير ابن كثيريخبر تعالى عن كفر فرعون وطغيانه وافترائه في دعوى الإلهية لنفسه القبيحة - لعنه الله - كما قال تعالى : ( فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين ) [ الزخرف : 54 ] ، وذلك لأنه دعاهم إلى الاعتراف له بالإلهية ، فأجابوه إلى ذلك بقلة عقولهم وسخافة أذهانهم ; ولهذا قال : ( ياأيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري ) ، [ و ] قال تعالى إخبارا عنه : ( فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ) [ النازعات : 23 - 26 ] يعني : أنه جمع قومه ونادى فيهم بصوته العالي مصرحا لهم بذلك ، فأجابوه سامعين مطيعين . ولهذا انتقم الله تعالى منه ، فجعله عبرة لغيره في الدنيا والآخرة ، وحتى إنه واجه موسى الكليم بذلك فقال : ( لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين ) [ الشعراء : 29 ] .وقوله : ( فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى ) أي : أمر وزيره هامان ومدبر رعيته ومشير دولته أن يوقد له على الطين ، ليتخذ له آجرا لبناء الصرح ، وهو القصر المنيف الرفيع - كما قال في الآية الأخرى : ( وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب . أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب ) [ غافر : 36 ، 37 ] ، وذلك لأن فرعون بنى هذا الصرح الذي لم ير في الدنيا بناء أعلى منه ، إنما أراد بهذا أن يظهر لرعيته تكذيب موسى فيما زعمه من دعوى إله غير فرعون ; ولهذا قال : ( وإني لأظنه من الكاذبين ) أي : في قوله إن ثم ربا غيري ، لا أنه كذبه في أن الله أرسله ; لأنه لم يكن يعترف بوجود الصانع ، فإنه قال : ( وما رب العالمين ) [ الشعراء : 23 ] وقال : ( لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين ) [ الشعراء : 29 ] وقال : ( يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري ) وهذا قول ابن جرير .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري قال ابن عباس : كان بينها وبين قوله : أنا ربكم الأعلى أربعون سنة ، وكذب عدو الله بل علم أن له ثم ربا هو خالقه وخالق قومه ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله . قال : فأوقد لي يا هامان على الطين أي اطبخ لي الآجر ; عن ابن عباس رضي الله عنه وقال قتادة : هو أول من صنع الآجر وبنى به ولما أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح جمع هامان العمال - قيل خمسين ألف بناء سوى الأتباع والأجراء - وأمر بطبخ الآجر والجص ، ونشر الخشب وضرب المسامير ، فبنوا ورفعوا البناء وشيدوه بحيث لم يبلغه بنيان منذ خلق الله السماوات والأرض ، فكان الباني لا يقدر أن يقوم على رأسه ، حتى أراد الله أن يفتنهم فيه فحكى السدي : أن فرعون صعد السطح ورمى بنشابة نحو السماء ، فرجعت متلطخة بدماء ، فقال قد قتلت إله موسى فروي أن جبريل عليه السلام بعثه الله تعالى عند مقالته ، فضرب الصرح بجناحه فقطعه ثلاث قطع ; قطعة على عسكر فرعون قتلت منهم ألف ألف ، وقطعة في البحر ، وقطعة في الغرب ، وهلك كل من عمل فيه شيئا والله أعلم بصحة ذلك وإني لأظنه من الكاذبين الظن هنا شك ، فكفر على الشك ; لأنه قد رأى من البراهين ما لا يخيل على ذي فطرة .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)يقول تعالى ذكره: وقال فرعون لأشراف قومه وسادتهم: ( يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) فتعبدوه, وتصدّقوا قول موسى فيما جاءكم به من أن لكم وله ربا غيري ومعبودا سواي ( فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ ) يقول: فاعمل لي آجرا, وذُكر أنه أوّل من طبخ الآجر وبنى به.* ذكر من قال ذلك:حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ ) قال: على المدَر يكون لَبِنا مطبوخا.قال ابن جُرَيج: أوّل من أمر بصنعة الآجرّ وبنى به فرعون.حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة: ( فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ ) قال: فكان أوّل من طبخ الآجرّ يبني به الصرح.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قول الله: ( فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ ) قال: المطبوخ الذي يوقد عليه هو من طين يبنون به البنيان.وقوله: ( فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا ) يقول: ابنِ لي بالآجرّ بناء, وكل بناء مسطح فهو صرح كالقصر. ومنه قول الشاعر:بِهِنَّ نَعامٌ بَنَاهَا الرِّجَالُ تَحْسَبُ أعْلامَهُنَّ الصُّرُوحَا (1)يعني بالصروح: جمع صرح.وقوله: ( لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى ) يقول: انظر إلى معبود موسى, الذي يعبده, ويدعو إلى عبادته ( وَإِنِّي لأظُنُّهُ ) فيما يقول من أن له معبودا يعبده في السماء, وأنه هو الذي يؤيده وينصره, وهو الذي أرسله إلينا من الكاذبين; فذكر لنا أن هامان بنى له الصرح, فارتقى فوقه.فكان من قصته وقصة ارتقائه ما حدثنا موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قال: قال فرعون لقومه: ( يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي ) أذهب في السماء, فأنظر ( إِلَى إِلَهِ مُوسَى ) فلما بُنِي له الصرح, ارتقى فوقه, فأمر بِنُشابة فرمى بها نحو السماء, فردّت إليه وهي متلطخة دما, فقال: قد قتلت إله موسى, تعالى الله عما يقولون.
وَٱسۡتَكۡبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ إِلَيۡنَا لَا يُرۡجَعُونَ ٣٩التفسير الميسرواستعلى فرعون وجنوده في أرض "مصر" بغير الحق عن تصديق موسى واتِّباعه على ما دعاهم إليه، وحسبوا أنهم بعد مماتهم لا يبعثون.
تفسير السعديقال تعالى: وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ استكبروا على عباد اللّه، وساموهم سوء العذاب، واستكبروا على رسل اللّه، وما جاءوهم به من الآيات، فكذبوها، وزعموا أن ما هم عليه أعلى منها وأفضل. وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ فلذلك تجرأوا، وإلا فلو علموا، أو ظنوا أنهم يرجعون إلى اللّه، لما كان منهم ما كان.
تفسير ابن كثيروقوله : ( واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ) أي : طغوا وتجبروا ، وأكثروا في الأرض الفساد ، واعتقدوا أنه لا معاد ولا قيامة ، ( فصب عليهم ربك سوط عذاب . إن ربك لبالمرصاد ) [ الفجر : 13 ، 14 ] ،
تفسير القرطبيقوله تعالى : ( واستكبر ) أي تعظم ( هو وجنوده ) أي تعظموا عن الإيمان بموسى في الأرض بغير الحق أي بالعدوان ، أي لم تكن له حجة تدفع ما جاء به موسى وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون أي توهموا أنه لا معاد ولا بعث . وقرأ نافع وابن محيصن وشيبة وحميد ويعقوب وحمزة والكسائي : ( لا يرجعون ) بفتح الياء وكسر الجيم على أنه مسمى الفاعل ، الباقون : ( يرجعون ) على الفعل المجهول وهو اختيار أبي عبيد ، والأول اختيار أبي حاتم
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ (39)يقول تعالى ذكره: ( وَاسْتَكْبَرَ ) فرعون ( وَجُنُودُهُ ) في أرض مصر عن تصديق موسى واتباعه على ما دعاهم إليه من توحيد الله, والإقرار بالعبودية له بغير الحقّ، يعني تَعدِّيًا وعتوًّا على ربهم ( وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ ) يقول: وحسبوا أنهم بعد مماتهم لا يبعثون, ولا ثواب, ولا عقاب, فركبوا أهواءهم, ولم يعلموا أن الله لهم بالمرصاد, وأنه لهم مجاز على أعمالهم الخبيثة.
فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٠التفسير الميسرفأخذنا فرعون وجنوده، فألقيناهم جميعًا في البحر وأغرقناهم، فانظر -أيها الرسول- كيف كان نهاية هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم، فكفروا بربهم؟
تفسير السعدي فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ عندما استمر عنادهم وبغيهم فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ كانت شر العواقب وأخسرها عاقبة أعقبتها العقوبة الدنيوية المستمرة، المتصلة بالعقوبة الأخروية.
تفسير ابن كثيرولهذا قال هاهنا : ( فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ) أي : أغرقناهم في البحر في صبيحة واحدة ، فلم يبق منهم أحد ( فانظر كيف كان عاقبة الظالمين )
تفسير القرطبيفأخذناه وجنوده وكانوا ألفي ألف وستمائة ألف فنبذناهم في اليم أي طرحناهم في البحر المالح . قال قتادة : بحر من وراء مصر يقال له إساف أغرقهم الله فيه . وقال وهب والسدي : المكان الذي أغرقهم الله فيه بناحية القلزم يقال له بطن مريرة ، وهو إلى اليوم غضبان وقال مقاتل ، يعني نهر النيل وهذا ضعيف والمشهور الأول فانظر يا محمد كيف كان عاقبة الظالمين أي آخر أمرهم .
تفسير الطبريوقوله: ( فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ ) يقول تعالى ذكره: فجمعنا فرعون وجنوده من القبط ( فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ) يقول: فألقيناهم جميعهم في البحر فغرقناهم فيه, كما قال أبو الأسود الدؤلي:نَظَرْتُ إِلَى عُنْوَانِهِ فَنَبَذْتُهُكَنَبْذِكَ نَعْلا أَخْلَقَتْ مِنْ نِعَالِكَا (2)وذكر أن ذلك بحر من وراء مصر, كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة: ( فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ) قال: كان اليم بحرا يقال له إساف من وراء مصر غرّقهم الله فيه.وقوله: ( فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ) يقول تعالى ذكره: فانظر يا محمد بعين قلبك: كيف كان أمر هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم فكفروا بربهم، وردّوا على رسوله نصيحته, ألم نهلكهم فَنُوَرِّثُ ديارهم وأموالهم أولياءنا, ونخوّلهم ما كان لهم من جنات وعيون وكنوز, ومقام كريم, بعد أن كانوا مستضعفين, تقتل أبناؤهم, وتُستحيا نساؤهم, فإنا كذلك بك وبمن آمن بك وصدّقك فاعلون مخوّلوك وإياهم ديار من كذّبك, وردّ عليك ما أتيتهم به من الحقّ وأموالهم, ومهلكوهم قتلا بالسيف, سنة الله في الذين خلوا من قبل.------------------------الهوامش:(1) البيت لأبي ذؤيب الهذلي يصف طرق المفازة (اللسان: نعم). قال: النعامة: كل بناء أو ظلة أو علم يهتدي به من أعلام المفاوز. وقيل: كل بناء على الجبل كالظلة والعلم. والجمع: نعام. قال أبو ذؤيب يصف طرق المفازة: "بهن نعام..." البيت قال: وروى الجوهري عجز * تلقى النقائض فيه السريحا *قال: والنقائض: الهزلي من الإبل. اه. وفي (اللسان: نقض) النفيضة نحو الطليعة، وهم الجماعة يبعثون في الأرض متجسسين، لينظروا: هل فيها عدو وخوف؟ والجمع النفائض. هذا تفسير الأصمعي. وهكذا رواه أبو عمرو بالفاء إلا أنه قال في تفسيره: إنها الهزلي من الإبل. قال ابن بري: النعام: خشبات يستظل تحتها. والرجال: الرجالة. والسريح: سيور تشد بها النعال، يريد أن نعال النقائض تقطعت. والصروح: جمع صرح، وهو كما في (اللسان: صرح) بيت واحد يبنى منفردًا ضخمًا طويلا في السماء. قال أبو ذؤيب:عَلَى طُرُقِ كَنُحُورِ الظَّبَاءِ تَحْسَبُ آرَامَهُنَّ الصُّرُحَاوقال الزجاج في قوله تعالى: (قيل لها ادخلي الصرح) قال: الصرح في اللغة: القصر، والصحن يقال: هذه صرحة الدار وقارعتها: أي ساحتها وعرصتها. وقال بعض المفسرين: الصرح: بلاط اتخذ لها من قوارير. والصرح: الأرض المملسة. والصرح متن من الأرض مستو. اه. وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن. الصرح: البناء والقصر. ولم يزد، وروى البيت كرواية صاحب اللسان.(2) البيت لأبي الأسود الدؤلي، كما قاله المؤلف وهو منقول عن مجاز القرآن لأبي عبيدة (الورقة 180ب) قال: (فأخذناه وجنوده) أي فجمعناه وجنوده. (فنبذناهم في اليم): أي فألقيناهم في البحر، وأهلكناهم وغرقناهم. قال أبو الأسود الدؤلي: "نظرت إلى عنوانه.." البيت. اه. وفي (اللسان: نبذ) النبذ طرحك الشيء من يدك أو وراءك ونبذت الشيء: إذا رميته وأبعدته.
وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ ٤١التفسير الميسروجعلنا فرعون وقومه قادة إلى النار، يَقتدي بهم أهل الكفر والفسق، ويوم القيامة لا ينصرون؛ وذلك بسبب كفرهم وتكذيبهم رسول ربهم وإصرارهم على ذلك.
تفسير السعدي وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ أي جعلنا فرعون وملأه من الأئمة الذين يقتدي بهم ويمشي خلفهم إلى دار الخزي والشقاء. وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ من عذاب اللّه، فهم أضعف شيء، عن دفعه عن أنفسهم، وليس لهم من دون اللّه، من ولي ولا نصير.
تفسير ابن كثيروجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ) أي : لمن سلك وراءهم وأخذ بطريقتهم ، في تكذيب الرسل وتعطيل الصانع ، ( ويوم القيامة لا ينصرون ) أي : فاجتمع عليهم خزي الدنيا موصولا بذل الآخرة ، كما قال تعالى : ( أهلكناهم فلا ناصر لهم ) [ محمد : 13 ]
تفسير القرطبيوجعلناهم أئمة أي جعلناهم زعماء يتبعون على الكفر ، فيكون عليهم وزرهم ووزر من اتبعهم حتى يكون عقابهم أكثر وقيل : جعل الله الملأ من قومه رؤساء السفلة منهم ، فهم يدعون إلى جهنم . وقيل : أئمة يأتم بهم ذوو العبر ويتعظ بهم أهل البصائر . يدعون إلى النار أي إلى عمل أهل النار ويوم القيامة لا ينصرون
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ (41)يقول تعالى ذكره: وجعلنا فرعون وقومه أئمة يأتمّ بهم أهل العتوّ على الله والكفر به, يدعون الناس إلى أعمال أهل النار ( وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ ) يقول جلّ ثناؤه: ويوم القيامة لا ينصرهم إذا عذّبهم الله ناصر, وقد كانوا في الدنيا يتناصرون, فاضمحلت تلك النصرة يومئذ.
وَأَتۡبَعۡنَٰهُمۡ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلۡمَقۡبُوحِينَ ٤٢التفسير الميسروأتبعنا فرعون وقومه في هذه الدنيا خزيًا وغضبًا منا عليهم، ويوم القيامة هم من المستقذرة أفعالهم، المبعدين عن رحمة الله.
تفسير السعدي وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً أي: وأتبعناهم، زيادة في عقوبتهم وخزيهم، في الدنيا لعنة، يلعنون، ولهم عند الخلق الثناء القبيح والمقت والذم، وهذا أمر مشاهد، فهم أئمة الملعونين في الدنيا ومقدمتهم، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ المبعدين، المستقذرة أفعالهم. الذين اجتمع عليهم مقت اللّه، ومقت خلقه، ومقت أنفسهم.
تفسير ابن كثيروقوله : ( وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ) أي : وشرع الله لعنتهم ولعنة ملكهم فرعون على ألسنة المؤمنين من عباده المتبعين رسله ، وكما أنهم في الدنيا ملعونون على ألسنة الأنبياء وأتباعهم كذلك ، ( ويوم القيامة هم من المقبوحين ) . قال قتادة : وهذه الآية كقوله تعالى : ( وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود ) [ هود : 99 ] .
تفسير القرطبيوأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة أي أمرنا العباد بلعنهم فمن ذكرهم لعنهم وقيل : أي ألزمناهم اللعن أي البعد عن الخير . ويوم القيامة هم من المقبوحين من المهلكين الممقوتين . قاله ابن كيسان وأبو عبيدة وقال ابن عباس : المشوهين الخلقة بسواد الوجوه وزرقة العيون . وقيل : من المبعدين يقال : قبحه الله أي نحاه من كل خير ، وقبحه وقبحه : إذا جعله قبيحا وقال أبو عمرو : قبحت وجهه بالتخفيف معناه : قبحت . قال الشاعر :ألا قبح الله البراجم كلها وقبح يربوعا وقبح دارماوانتصب ( يوم ) على الحمل على موضع ( في هذه الدنيا ) واستغني عن حرف العطف في قوله : ( من المقبوحين ) كما استغني عنه في قوله : سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويجوز أن يكون العامل في ( يوم ) مضمرا يدل عليه قوله : هم من المقبوحين فيكون كقوله : يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويجوز أن يكون العامل في ( يوم ) قوله هم من المقبوحين وإن كان الظرف متقدما ويجوز أن يكون مفعولا على السعة ، كأنه قال : وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ولعنة يوم القيامة .
تفسير الطبريوقوله: ( وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ) يقول تعالى ذكره: وألزمنا فرعون وقومه في هذه الدنيا خزيا وغضبا منا عليهم, فحتمنا لهم فيها بالهلاك والبوار والثناء السَّيِّئ, ونحن متبعوهم لعنة أخرى يوم القيامة, فمخزوهم بها الخزي الدائم, ومهينوهم الهوان اللازم.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة: ( وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ) قال: لعنوا في الدنيا والآخرة, قال: هو كقوله: وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ .حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ) لعنة أخرى, ثم استقبل فقال: ( هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ) وقوله: ( هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ) يقول تعالى ذكره: هم من القوم الذين قبحهم الله, فأهلكهم بكفرهم بربهم, وتكذيبهم رسوله موسى عليه السلام , فجعلهم عبرة للمعتبرين, وعظة للمتعظين.
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ ٱلۡأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٤٣التفسير الميسرولقد آتينا موسى التوراة من بعد ما أهلكنا الأمم التي كانت من قبله -كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب "مدين"- فيها بصائر لبني إسرائيل، يبصرون بها ما ينفعهم وما يضرهم، وفيها رحمة لمن عمل بها منهم؛ لعلهم يتذكرون نِعَم الله عليهم، فيشكروه عليها، ولا يكفروه.
تفسير السعدي وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وهو التوراة مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى الذين كان خاتمتهم في الإهلاك العام، فرعون وجنوده. وهذا دليل على أنه بعد نزول التوراة، انقطع الهلاك العام، وشرع جهاد الكفار بالسيف. بَصَائِرَ لِلنَّاسِ أي: كتاب اللّه، الذي أنزله على موسى، فيه بصائر للناس، أي: أمور يبصرون بها ما ينفعهم، وما يضرهم، فتقوم الحجة على العاصي، وينتفع بها المؤمن، فتكون رحمة في حقه، وهداية له إلى الصراط المستقيم، ولهذا قال: وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
تفسير ابن كثيريخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله موسى الكليم ، عليه من ربه الصلاة والتسليم ، من إنزال التوراة عليه بعدما أهلك فرعون وملأه .وقوله : ( من بعد ما أهلكنا القرون الأولى ) يعني : أنه بعد إنزال التوراة لم يعذب أمة بعامة ، بل أمر المؤمنين أن يقاتلوا أعداء الله من المشركين ، كما قال : ( وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية ) [ الحاقة : 9 ، 10 ] .وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا محمد وعبد الوهاب قالا : حدثنا عوف ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري قال : ما أهلك الله قوما بعذاب من السماء ولا من الأرض بعدما أنزلت التوراة على وجه الأرض ، غير القرية التي مسخوا قردة ، ألم تر أن الله يقول : ( ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى ) .ورواه ابن أبي حاتم ، من حديث عوف بن أبي جميلة الأعرابي ، بنحوه . وهكذا رواه أبو بكر البزار في مسنده ، عن عمرو بن علي الفلاس ، عن يحيى القطان ، عن عوف ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد موقوفا . ثم رواه عن نصر بن علي ، عن عبد الأعلى ، عن عوف ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد - رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما أهلك الله قوما بعذاب من السماء ولا من الأرض إلا قبل موسى " ، ثم قرأ : ( ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى ) .وقوله : ( بصائر للناس ) أي : من العمى والغي ، ( وهدى ) إلى الحق ، ( ورحمة ) أي : إرشادا إلى الأعمال الصالحة ، ( لعلهم يتذكرون ) أي : لعل الناس يتذكرون به ، ويهتدون بسببه .
تفسير القرطبيوله تعالى : ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون .قوله تعالى : ولقد آتينا موسى الكتاب يعني التوراة ; قاله قتادة قال يحيى بن سلام : هو أول كتاب - يعني التوراة - نزلت فيه الفرائض والحدود والأحكام وقيل : الكتاب هنا ست من المثاني السبع التي أنزلها الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ; قاله ابن عباس ، ورواه مرفوعا . من بعد ما أهلكنا القرون الأولى قال أبو سعيد الخدري قال النبي صلى الله عليه وسلم : ما أهلك الله قوما ولا قرنا ولا أمة ولا أهل قرية بعذاب من السماء ولا من الأرض منذ أنزل الله التوراة على موسى غير القرية التي مسخت قردة . ألم تر إلى قوله تعالى : ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى أي من بعد قوم نوح وعاد وثمود وقيل : أي من بعد ما أغرقنا فرعون وقومه وخسفنا بقارون ( بصائر للناس ) أي آتيناه الكتاب بصائر أي ليتبصروا ( وهدى ) أي من الضلالة لمن عمل بها ( ورحمة ) لمن آمن بها ( لعلهم يتذكرون ) أي ليذكروا هذه النعمة فيقيموا على إيمانهم في الدنيا ، ويثقوا بثوابهم في الآخرة
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43)يقول تعالى ذكره: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ) التَّوْرَاةَ ( مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا ) الأمم التي كانت قبله, كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين ( بَصَائِرَ لِلنَّاسِ ) يقول: ضياء لبني إسرائيل فيما بهم إليه الحاجة من أمر دينهم ( وَهُدًى ) يقول: وبيانا لهم ورحمة لمن عمل به منهم ( لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) يقول: ليتذكروا نعم الله بذلك عليهم, فيشكروه عليها ولا يكفروا.وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأولَى ) قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن بشار, قال: ثنا محمد وعبد الوهاب, قالا ثنا عوف, عن أبي نضرة, عن أبي سعيد الخدريّ, قال: ما أهلك الله قوما بعذاب من السماء ولا من الأرض بعد ما أنزلت التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مسخوا قردة, ألم تر أن الله يقول: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ).