الثلاثاء، ٢٦ مايو ٢٠٢٦
الثلاثاء، ٢٦ مايو ٢٠٢٦
facebookinstagramtwitter

عرض بالصفحات

Basmala
سُورَةُ القَصَصِ
۞ وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ  ٥١ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِهِۦ هُم بِهِۦ يُؤۡمِنُونَ  ٥٢وَإِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦٓ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلِهِۦ مُسۡلِمِينَ  ٥٣أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡتَوۡنَ أَجۡرَهُم مَّرَّتَيۡنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ  ٥٤وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغۡوَ أَعۡرَضُواْ عَنۡهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ لَا نَبۡتَغِي ٱلۡجَٰهِلِينَ  ٥٥إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ  ٥٦وَقَالُوٓاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَآۚ أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنٗا يُجۡبَىٰٓ إِلَيۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَيۡءٖ رِّزۡقٗا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ  ٥٧وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةِۭ بَطِرَتۡ مَعِيشَتَهَاۖ فَتِلۡكَ مَسَٰكِنُهُمۡ لَمۡ تُسۡكَن مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ وَكُنَّا نَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثِينَ  ٥٨وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبۡعَثَ فِيٓ أُمِّهَا رَسُولٗا يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۚ وَمَا كُنَّا مُهۡلِكِي ٱلۡقُرَىٰٓ إِلَّا وَأَهۡلُهَا ظَٰلِمُونَ  ٥٩
تفسير سُورَةُ القَصَصِ
۞ وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ  ٥١
التفسير الميسرولقد فصَّلنا وبيَّنا القرآن رحمة بقومك أيها الرسول؛ لعلهم يتذكرون، فيتعظوا به.
تفسير السعدي وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ أي: تابعناه وواصلناه، وأنزلناه شيئا فشيئا، رحمة بهم ولطفا لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ حين تتكرر عليهم آياته، وتنزل عليهم بيناته وقت الحاجة إليها. فصار نزوله متفرقا رحمة بهم، فلم اعترضوا على ما هو من مصالحهم؟فصل في ذكر بعض الفوائد والعبر في هذه القصة العجيبةفمنها أن آيات اللّه تعالى وعبره، وأيامه في الأمم السابقة، إنما يستفيد بها ويستنير المؤمنون، فعلى حسب إيمان العبد تكون عبرته، وإن اللّه تعالى إنما يسوق القصص، لأجلهم، وأما غيرهم، فلا يعبأ اللّه بهم، وليس لهم منها نور وهدى.ومنها: أن اللّه تعالى إذا أراد أمرا هيأ أسبابه، وأتى بها شيئا فشيئا بالتدريج، لا دفعة واحدة.ومنها: أن الأمة المستضعفة، ولو بلغت في الضعف ما بلغت، لا ينبغي لها أن يستولى عليها الكسل عن طلب حقها، ولا الإياس من ارتقائها إلى أعلى الأمور، خصوصا إذا كانوا مظلومين، كما استنقذ اللّه أمة بني إسرائيل، الأمة الضعيفة، من أسر فرعون وملئه، ومكنهم في الأرض، وملكهم بلادهم.ومنها: أن الأمة ما دامت ذليلة مقهورة لا تأخذ حقها ولا تتكلم به، لا يقوم لها أمر دينها [ولا دنياها] ولا يكون لها إمامة فيه.ومنها: لطف اللّه بأم موسى، وتهوينه عليها المصيبة بالبشارة، بأن اللّه سيرد إليها ابنها، ويجعله من المرسلين.ومنها: أن اللّه يقدر على عبده بعض المشاق، لينيله سرورا أعظم من ذلك، أو يدفع عنه شرا أكثر منه، كما قدر على أم موسى ذلك الحزن الشديد، والهم البليغ، الذي هو وسيلة إلى أن يصل إليها ابنها، على وجه تطمئن به نفسها، وتقر به عينها، وتزداد به غبطة وسرورا.ومنها: أن الخوف الطبيعي من الخلق، لا ينافي الإيمان ولا يزيله، كما جرى لأم موسى ولموسى من تلك المخاوف.ومنها: أن الإيمان يزيد وينقص. وأن من أعظم ما يزيد به الإيمان، ويتم به اليقين، الصبر عند المزعجات، والتثبيت من اللّه، عند المقلقات، كما قال تعالى. لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي: ليزداد إيمانها بذلك ويطمئن قلبها.ومنها: أن من أعظم نعم اللّه على عبده، و [أعظم] معونة للعبد على أموره، تثبيت اللّه إياه، وربط جأشه وقلبه عند المخاوف، وعند الأمور المذهلة، فإنه بذلك يتمكن من القول الصواب، والفعل الصواب، بخلاف من استمر قلقه وروعه، وانزعاجه، فإنه يضيع فكره، ويذهل عقله، فلا ينتفع بنفسه في تلك الحال.ومنها: أن العبد -ولو عرف أن القضاء والقدر ووعد اللّه نافذ لا بد منه- فإنه لا يهمل فعل الأسباب التي أمر بها، ولا يكون ذلك منافيا لإيمانه بخبر اللّه، فإن اللّه قد وعد أم موسى أن يرده عليها، ومع ذلك، اجتهدت على رده، وأرسلت أخته لتقصه وتطلبه.ومنها: جواز خروج المرأة في حوائجها، وتكليمها للرجال، من غير محذور، كما جرى لأخت موسى وابنتي صاحب مدين.ومنها: جواز أخذ الأجرة على الكفالة والرضاع، والدلالة على من يفعل ذلك.ومنها: أن اللّه من رحمته بعبده الضعيف الذي يريد إكرامه، أن يريه من آياته، ويشهده من بيناته، ما يزيد به إيمانه، كما رد الله موسى على أمه، لتعلم أن وعد اللّه حق.ومنها: أن قتل الكافر الذي له عهد بعقد أو عرف، لا يجوز، فإن موسى عليه السلام عدَّ قتله القبطي الكافر ذنبا، واستغفر اللّه منه.ومنها: أن الذي يقتل النفوس بغير حق يعد من الجبارين الذين يفسدون في الأرض.ومنها: أن من قتل النفوس بغير حق، وزعم أنه يريد الإصلاح في الأرض، وتهييب أهل المعاصي، فإنه كاذب في ذلك، وهو مفسد كما حكى اللّه قول القبطي إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ على وجه التقرير له، لا الإنكار.ومنها: أن إخبار الرجل غيره بما قيل فيه، على وجه التحذير له من شر يقع فيه، لا يكون ذلك نميمة -بل قد يكون واجبا- كما أخبر ذلك الرجل لموسى، ناصحا له ومحذرا.ومنها: أنه إذا خاف القتل والتلف في الإقامة، فإنه لا يلقي بيده إلى التهلكة، ولا يستسلم لذلك، بل يذهب عنه، كما فعل موسى.ومنها: أنه عند تزاحم المفسدتين، إذا كان لا بد من ارتكاب إحداهما أنه يرتكب الأخف منهما والأسلم، كما أن موسى، لما دار الأمر بين بقائه في مصر ولكنه يقتل، أو يذهب إلى بعض البلدان البعيدة، التي لا يعرف الطريق إليها، وليس معه دليل [يد] له غير ربه، ولكن هذه الحالة أقرب للسلامة من الأولى، فتبعها موسى.ومنها: أن الناظر في العلم عند الحاجة إلى التكلم فيه، إذا لم يترجح عنده أحد القولين، فإنه يستهدي ربه، ويسأله أن يهديه الصواب من القولين، بعد أن يقصد بقلبه الحق ويبحث عنه، فإن اللّه لا يخيب مَنْ هذه حاله. كما خرج موسى تلقاء مدين فقال: عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ومنها: أن الرحمة بالخلق، والإحسان على من يعرف ومن لا يعرف، من أخلاق: الأنبياء، وأن من الإحسان سقي الماشية الماء، وإعانة العاجز.ومنها استحباب الدعاء بتبيين الحال وشرحها، ولو كان اللّه عالما لها، لأنه تعالى، يحب تضرع عبده وإظهار ذله ومسكنته، كما قال موسى: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ومنها أن الحياء -خصوصا من الكرام- من الأخلاق الممدوحة.ومنها: المكافأة على الإحسان لم يزل دأب الأمم السابقين.ومنها: أن العبد إذا فعل العمل للّه تعالى، ثم حصل له مكافأة عليه من غير قصد بالقصد الأول، أنه لا يلام على ذلك، كما قبل موسى مجازاة صاحب مدين عن معروفه الذي لم يبتغ له، ولم يستشرف بقلبه على عوض.ومنها: مشروعية الإجارة، وأنها تجوز على رعاية الغنم ونحوها، مما لا يقدر العمل، وإنما مرده، العرف.ومنها أنه تجوز الإجارة بالمنفعة، ولو كانت المنفعة بضعا.ومنها أن خطبة الرجل لابنته الرجل الذي يتخيره، لا يلام عليه.ومنها: أن خير أجير وعامل [يعمل] للإنسان، أن يكون قويا أمينا.ومنها: أن من مكارم الأخلاق، أن يُحَسِّن خلقه لأجيره، وخادمه، ولا يشق عليه بالعمل، لقوله: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ومنها: جواز عقد الإجارة وغيرها من العقود من دون إشهاد لقوله: وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ومنها: ما أجرى اللّه على يد موسى من الآيات البينات، والمعجزات الظاهرة، من الحية، وانقلاب يده بيضاء من غير سوء، ومن عصمة اللّه لموسى وهارون، من فرعون، ومن الغرق.ومنها: أن من أعظم العقوبات أن يكون الإنسان إماما في الشر، وذلك بحسب معارضته لآيات اللّه وبيناته، كما أن من أعظم نعمة أنعم اللّه بها على عبده، أن يجعله إماما في الخير هاديا مهديا.ومنها: ما فيها من الدلالة على رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم، حيث أخبر بذلك تفصيلا مطابقا، وتأصيلا موافقا، قصه قصا، صدق به المرسلين، وأيد به الحق المبين، من غير حضور شيء من تلك الوقائع، ولا مشاهدة لموضع واحد من تلك المواضع، ولا تلاوة درس فيها شيئا من هذه الأمور، ولا مجالسة أحد من أهل العلم، إن هو إلا رسالة الرحمن الرحيم، ووحي أنزله عليه الكريم المنان، لينذر به قوما جاهلين، وعن النذر والرسل غافلين.فصلوات اللّه وسلامه، على من مجرد خبره ينبئ أنه رسول اللّه، ومجرد أمره ونهيه ينبه العقول النيرة، أنه من عند اللّه، كيف وقد تطابق على صحة ما جاء به، وصدقه خبر الأولين والآخرين، والشرع الذي جاء به من رب العالمين، وما جبل عليه من الأخلاق الفاضلة، التي لا تناسب، ولا تصلح إلا لأعلى الخلق درجة، والنصر المبين لدينه وأمته، حتى بلغ دينه مبلغ الليل والنهار، وفتحت أمته معظم بلدان الأمصار، بالسيف والسنان، وقلوبهم بالعلم والإيمان.ولم تزل الأمم المعاندة، والملوك الكفرة المتعاضدة، ترميه بقوس واحدة، وتكيد له المكايد، وتمكر لإطفائه وإخفائه، وإخماده من الأرض، وهو قد بهرها وعلاها، لا يزداد إلا نموا، ولا آياته وبراهينه إلا ظهورا، وكل وقت من الأوقات، يظهر من آياته ما هو عبرة لِلْعَالَمِينَ، وهداية لِلْعَالمِينَ، ونور وبصيرة للمتوسمين. والحمد للّه وحده.
تفسير ابن كثيروقوله : ( ولقد وصلنا لهم القول ) قال مجاهد : فصلنا لهم القول . وقال السدي : بينا لهم القول .وقال قتادة : يقول تعالى : أخبرهم كيف صنع بمن مضى وكيف هو صانع ، ( لعلهم يتذكرون ) .قال مجاهد وغيره : ( وصلنا لهم ) يعني : قريشا . وهذا هو الظاهر ، لكن قال حماد بن سلمة ، عن عمرو بن دينار ، عن يحيى بن جعدة ، عن رفاعة - رفاعة هذا هو ابن قرظة القرظي ، وجعله ابن منده : رفاعة بن سموأل ، خال صفية بنت حيي ، وهو الذي طلق تميمة بنت وهب التي تزوجها بعده عبد الرحمن بن الزبير بن باطا ، كذا ذكره ابن الأثير - قال : نزلت ( ولقد وصلنا لهم القول ) في عشرة أنا أحدهم . رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديثه .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ولقد وصلنا لهم القول أي أتبعنا بعضه بعضا ، وبعثنا رسولا بعد رسول وقرأ الحسن ( وصلنا ) مخففا وقال أبو عبيدة والأخفش : معنى ( وصلنا ) أتممنا كصلتك الشيء وقال ابن عيينة والسدي : بينا . وقاله ابن عباس وقال مجاهد : فصلنا وكذلك كان يقرؤها . وقال ابن زيد : وصلنا لهم خبر الدنيا بخبر الآخرة حتى كأنهم في الآخرة في الدنيا وقال أهل المعاني : والينا وتابعنا وأنزلنا القرآن تبع بعضه بعضا : وعدا ووعيدا وقصصا وعبرا ونصائح ومواعظ ؛ إرادة أن يتذكروا فيفلحوا وأصلها من وصل الحبال بعضها ببعض . قال الشاعر :فقل لبني مروان ما بال ذمة وحبل ضعيف ما يزال يوصلوقال امرؤ القيس :درير كحذروف الوليد أمرهتقلب كفيه بخيط موصلوالضمير في ( لهم ) لقريش ; عن مجاهد . وقيل : هو لليهود وقيل : هو لهم جميعا . والآية رد على من قال هلا أوتي محمد القرآن جملة واحدة . لعلهم يتذكرون قال ابن عباس : يتذكرون محمدا فيؤمنوا به . وقيل : يتذكرون فيخافوا أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم ; قاله علي بن عيسى وقيل : لعلهم يتعظون بالقرآن عن عبادة الأصنام . حكاه النقاش .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51)يقول تعالى ذكره: ولقد وصلنا يا محمد، لقومك من قريش ولليهود من بني إسرائيل القول بأخبار الماضين والنبأ عما أحللنا بهم من بأسنا, إذ كذّبوا رسلنا, وعما نحن فاعلون بمن اقتفى آثارهم, واحتذى في الكفر بالله, وتكذيب رسله مثالهم, ليتذكروا فيعتبروا ويتعظوا. وأصله من: وصل الحبال بعضها ببعض; ومنه قول الشاعر:فَقُلْ لِبَنِي مَرْوَانَ مَا بَالُ ذِمَّةٍوَحَبْلٍ ضَعِيفٍ مَا يَزَالُ يُوصَلُ (1)وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وإن اختلفت ألفاظهم ببيانهم عن تأويله، فقال بعضهم: معناه: بيّنا. وقال بعضهم: معناه: فصلنا.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن وكيع, قال: ثنا أبي, عن أبيه, عن ليث, عن مجاهد, قوله: ( وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ ) قال: فصلنا لهم القول.حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ ) قال: وصل الله لهم القول في هذا القرآن, يخبرهم كيف صنع بمن مضى, وكيف هو صانع ( لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ).حدثنا القاسم, قال: ثنا محمد بن عيسى أبو جعفر, عن سفيان بن عيينة: وصلنا: بيَّنا.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ) الخبر، خبر الدنيا بخبر الآخرة, حتى كأنهم عاينوا الآخرة, وشهدوها في الدنيا, بما نريهم من الآيات في الدنيا وأشباهها. وقرأ: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ وقال: إنا سوف ننجزهم ما وعدناهم في الآخرة كما أنجزنا للأنبياء ما وعدناهم نقضي بينهم وبين قومهم.واختلف أهل التأويل, فيمن عنى بالهاء والميم من قوله: ( وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ) فقال بعضهم: عنى بهما قريشا.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ ) قال: قريش.حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ ) قال: لقريش.حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) قال: يعني محمد صلى الله عليه وسلم .وقال آخرون: عنى بهما اليهود.* ذكر من قال ذلك:حدثني بشر بن آدم, قال: ثنا عفان بن مسلم, قال: ثنا حماد بن سلمة, قال: ثنا عمرو بن دينار, عن يحيى بن جعدة, عن رفاعة القرظي, قال: نزلت هذه الآية في عشرة أنا أحدهم ( وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ).حدثنا ابن سنان, قال: ثنا حيان, قال: ثنا حماد, عن عمرو, عن يحيى بن جعدة, عن عطية القُرَظِيّ قال: نزلت هذه الآية ( وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) حتى بلغ: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ في عشرة أنا أحدهم, فكأن ابن عباس أراد بقوله:يعني محمدا، لعلهم يتذكرون عهد الله في محمد إليهم, فيقرّون بنبوّته ويصدّقونه.------------------------الهوامش:(1) البيت من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (مصورة الجامعة، الورقة 181ب) قال: (ولقد وصلنا لهم القول) أي أتممناه. وفي (اللسان: وصل). وفي التنزيل العزيز: (ولقد وصلنا لهم القول): أي وصلنا ذكر الأنبياء وأقاصيص من مضى: بعضها ببعض. والذمة: العهد. والحبل: العهد. وقوله "ما يزال يوصل" أي قد رث وبلي، ويجدد ما بلي منه، حتى كثر فيه الترقيع.
ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِهِۦ هُم بِهِۦ يُؤۡمِنُونَ  ٥٢
التفسير الميسرالذين آتيناهم الكتاب من قبل القرآن -وهم اليهود والنصارى الذين لم يبدِّلوا- يؤمنون بالقرآن وبمحمد عليه الصلاة والسلام.
تفسير السعدييذكر تعالى عظمة القرآن وصدقه وحقه، وأن أهل العلم بالحقيقة يعرفونه ويؤمنون به ويقرون بأنه الحق، الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ وهم أهل التوراة، والإنجيل، الذين لم يغيروا ولم يبدلوا هُمْ بِهِ أي: بهذا القرآن ومن جاء به يُؤْمِنُونَ
تفسير ابن كثيريخبر تعالى عن العلماء الأولياء من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالقرآن ، كما قال تعالى : ( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ) [ البقرة : 121 ] ، وقال : ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله ) [ آل عمران : 199 ] ، وقال : ( إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ) [ الإسراء : 107 ، 108 ] ، وقال : ( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون . وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ) [ المائدة : 82 ، 83 ] .قال سعيد بن جبير : نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي ، فلما قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ عليهم : ( يس . والقرآن الحكيم ) حتى ختمها ، فجعلوا يبكون وأسلموا ، ونزلت فيهم هذه الآية الأخرى : ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون . وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين ) يعني : من قبل هذا القرآن كنا مسلمين ، أي : موحدين مخلصين لله مستجيبين له .
تفسير القرطبيقوله تعالى : الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون أخبر أن قوما ممن أوتوا الكتاب من بني إسرائيل من قبل القرآن يؤمنون بالقرآن ، كعبد الله بن سلام وسلمان ويدخل فيه من أسلم من علماء النصارى ، وهم أربعون رجلا ، قدموا مع جعفر بن أبي طالب المدينة ، اثنان وثلاثون رجلا من الحبشة ، وثمانية نفر أقبلوا من الشام وكانوا أئمة النصارى : منهم بحيرا الراهب وأبرهة والأشرف وعامر وأيمن وإدريس ونافع . كذا سماهم الماوردي ، وأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية والتي بعدها أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا . قاله قتادة . وعنه أيضا : نزلت في عبد الله بن سلام وتميم الداري والجارود العبدي وسلمان الفارسي ، أسلموا فنزلت فيهم هذه الآية وعن رفاعة القرظي : نزلت في عشرة أنا أحدهم . وقال عروة بن الزبير : نزلت في النجاشي وأصحابه ووجه باثني عشر رجلا فجلسوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان أبو جهل وأصحابه قريبا منهم ، فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم فلما قاموا من عنده تبعهم أبو جهل ومن معه ، فقال لهم : خيبكم الله من ركب ، وقبحكم من وفد ، ولم تلبثوا أن صدقتموه ، وما رأينا ركبا أحمق منكم ولا أجهل ، فقالوا : ( سلام عليكم ) لم نأل أنفسنا رشدا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم وقد تقدم هذا في ( المائدة ) عند قوله وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول مستوفى . وقال أبو العالية : هؤلاء قوم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث وقد أدركه بعضهم . من قبله أي من قبل القرآن . وقيل : من قبل محمد عليه السلام هم به أي بالقرآن أو بمحمد عليه السلام يؤمنون .
تفسير الطبريوقوله: ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ) يعني بذلك تعالى ذكره قوما من أهل الكتاب آمنوا برسوله وصدقوه, فقال الذين آتيناهم الكتاب من قبل هذا القرآن, هم بهذا القرآن يؤمنون. فيقرّون أنه حق من عند الله, ويكذّب جهلة الأميين, الذين لم يأتهم من الله كتاب.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد, قال: ثنى أبي, قال: ثني عمي, قال: ثنى أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله:تعالى: ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ) قال: يعني من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب.حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ ) ... إلى قوله: لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ في مسلمة أهل الكتاب.حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ ) ... إلى قوله: الْجَاهِلِينَ قال: هم مسلمة أهل الكتاب.قال ابن جُرَيج: أخبرني عمرو بن دينار: أن يحيى بن جعدة أخبره, عن عليّ بن رفاعة, قال: خرج عشرة رهط من أهل الكتاب, منهم أبو رفاعة, يعني أباه, إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فآمنوا, فأوذوا, فنزلت: ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ ) قبل القرآن.حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ) قال: كنا نُحدَّث أنها نزلت في أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحقّ, يأخذون بها, وينتهون إليها, حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم , فآمنوا به, وصدّقوا به, فأعطاهم الله أجرهم مرتين, بصبرهم على الكتاب الأوّل, واتباعهم محمدًا صلى الله عليه وسلم , وصبرهم على ذلك, وذكر أن منهم سلمان, وعبد الله بن سلام.حدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول, في قوله: ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ) ... إلى قوله: مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ناس من أهل الكتاب آمنوا بالتوراة والإنجيل، ثم أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم , فآمنوا به. فآتاهم الله أجرهم مرّتين بما صبروا: بإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث, وباتباعهم إياه حين بعث, فذلك قوله: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ .
وَإِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦٓ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلِهِۦ مُسۡلِمِينَ  ٥٣
التفسير الميسروإذا يتلى هذا القرآن على الذين آتيناهم الكتاب، قالوا: صدَّقنا به، وعملنا بما فيه، إنه الحق من عند ربنا، إنا كنا من قبل نزوله مسلمين موحدين، فدين الله واحد، وهو الإسلام.
تفسير السعدي وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ استمعوا له وأذعنوا و قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا لموافقته ما جاءت به الرسل، ومطابقته لما ذكر في الكتب، واشتماله على الأخبار الصادقة، والأوامر والنواهي الموافقة، لغاية الحكمة.وهؤلاء الذين تفيد شهادتهم، وينفع قولهم، لأنهم لا يقولون ما يقولون إلا عن علم وبصيرة، لأنهم أهل الصنف وأهل الكتب، وغيرهم لا يدل ردهم ومعارضتهم للحق على شبهة، فضلا عن الحجة، لأنهم ما بين جاهل فيه أو متجاهل معاند للحق.قال تعالي: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا الآيات.وقوله: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ فلذلك ثبتنا على ما مَنَّ اللّه به علينا من الإيمان، فصدقنا بهذا القرآن، آمنا بالكتاب الأول والكتاب الآخر، وغيرنا ينقض تكذيبه بهذا الكتاب، إيمانه بالكتاب الأول.
تفسير ابن كثيريخبر تعالى عن العلماء الأولياء من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالقرآن ، كما قال تعالى : ( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ) [ البقرة : 121 ] ، وقال : ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله ) [ آل عمران : 199 ] ، وقال : ( إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ) [ الإسراء : 107 ، 108 ] ، وقال : ( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون . وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ) [ المائدة : 82 ، 83 ] .قال سعيد بن جبير : نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي ، فلما قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ عليهم : ( يس . والقرآن الحكيم ) حتى ختمها ، فجعلوا يبكون وأسلموا ، ونزلت فيهم هذه الآية الأخرى : ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون . وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين ) يعني : من قبل هذا القرآن كنا مسلمين ، أي : موحدين مخلصين لله مستجيبين له .
تفسير القرطبيوإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا أي إذا قرئ عليهم القرآن قالوا صدقنا بما فيه ( إنا كنا من قبله ) أي من قبل نزوله ، أو من قبل بعثة محمد عليه السلام مسلمين أي موحدين ، أو مؤمنين بأنه سيبعث محمد وينزل عليه القرآن .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53)يقول تعالى ذكره: ( وَإِذَا يُتْلَى ) هذا القرآن على الذين آتيناهم الكتاب من قبل نزول هذا القرآن ( قَالُوا آمَنَّا بِهِ ) يقول: يقولون: صدّقتا به ( إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا ) يعني من عند ربنا نزل,( إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ) أي نزول هذا القرآن ( مُسْلِمِينَ ) , وذلك أنهم كانوا مؤمنين بما جاء به الأنبياء قبل مجيء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم من الكتب, وفي كتبهم صفة محمد ونعته, فكانوا به وبمبعثه وبكتابه مصدّقين قبل نزول القرآن, فلذلك قالوا: ( إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ).
أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡتَوۡنَ أَجۡرَهُم مَّرَّتَيۡنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ  ٥٤
التفسير الميسرهؤلاء الذين تقدَّمَتْ صفتُهم يُؤتَوْن ثواب عملهم مرتين: على الإيمان بكتابهم، وعلى إيمانهم بالقرآن بما صبروا، ومن أوصافهم أنهم يدفعون السيئة بالحسنة، ومما رزقناهم ينفقون في سبيل الخير والبر. وإذا سمع هؤلاء القوم الباطل من القول لم يُصْغوا إليه، وقالوا: لنا أعمالنا لا نحيد عنها، ولكم أعمالكم ووزرها عليكم، فنحن لا نشغل أنفسنا بالرد عليكم، ولا تسمعون منَّا إلا الخير، ولا نخاطبهم بمقتضى جهلكم؛ لأننا لا نريد طريق الجاهلين ولا نحبها. وهذا من خير ما يقوله الدعاة إلى الله.
تفسير السعدي أُولَئِكَ الذين آمنوا بالكتابين يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ أجرا على الإيمان الأول، وأجرا على الإيمان الثاني، بِمَا صَبَرُوا على الإيمان، وثبتوا على العمل، فلم تزعزعهم عن ذلك شبهة، ولا ثناهم عن الإيمان رياسة ولا شهوة.و من خصالهم الفاضلة، التي من آثار إيمانهم الصحيح، أنهم وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أي: دأبهم وطريقتهم الإحسان لكل أحد، حتى للمسيء إليهم بالقول والفعل، يقابلونه بالقول الحميد والفعل الجميل، لعلمهم بفضيلة هذا الخلق العظيم، وأنه لا يوفق له إلا ذو حظ عظيم.
تفسير ابن كثيرقال الله : ( أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ) أي : هؤلاء المتصفون بهذه الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأول ثم بالثاني [ يؤتون أجرهم مرتين بإيمانهم بالرسول الأول ثم بالثاني ] ; ولهذا قال : ( بما صبروا ) أي : على اتباع الحق ; فإن تجشم مثل هذا شديد على النفوس . وقد ورد في الصحيحين من حديث عامر الشعبي ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى الأشعري ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي ، وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه ، ورجل كانت له أمة فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها فتزوجها " .وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني ، حدثنا ابن لهيعة ، عن سليمان بن عبد الرحمن ، عن القاسم ، عن أبي أمامة قال : إني لتحت راحلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح ، فقال قولا حسنا جميلا وقال فيما قال : " من أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين ، وله ما لنا وعليه ما علينا ، [ ومن أسلم من المشركين ، فله أجره ، وله ما لنا وعليه ما علينا ] " .وقوله ( ويدرءون بالحسنة السيئة ) أي : لا يقابلون السيئ بمثله ، ولكن يعفون ويصفحون . ( ومما رزقناهم ينفقون ) أي : ومن الذي رزقهم من الحلال ينفقون على خلق الله في النفقات الواجبة لأهلهم وأقاربهم ، والزكاة المفروضة والمستحبة من التطوعات ، وصدقات النفل والقربات .
تفسير القرطبيأولئك يؤتون أجرهم مرتين ثبت في صحيح مسلم عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران ، وعبد مملوك أدى حق الله عز وجل وحق سيده فله أجران ، ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها ثم أدبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران قال الشعبي للخراساني : خذا هذا الحديث بغير شيء فقد كان الرجل يرحل فيما دون هذا إلى المدينة وخرجه البخاري أيضا . قال علماؤنا : لما كان كل واحد من هؤلاء مخاطبا بأمرين من جهتين استحق كل واحد منهم أجرين ، فالكتابي كان مخاطبا من جهة نبيه ، ثم إنه خوطب من جهة نبينا فأجابه واتبعه فله أجر الملتين ، وكذلك العبد هو مأمور من جهة الله تعالى ومن جهة سيده ، ورب الأمة لما قام بما خوطب به من تربيته أمته وأدبها فقد أحياها إحياء التربية ، ثم إنه لما أعتقها وتزوجها أحياها إحياء الحرية التي ألحقها فيه بمنصبه ، فقد قام بما أمر فيها ، فأجر كل واحد منهم أجرين . ثم إن كل واحد من الأجرين مضاعف في نفسه ، الحسنة بعشر أمثالها فتتضاعف الأجور ، ولذلك قيل : إن العبد الذي يقوم بحق سيده وحق الله تعالى أفضل من الحر ، وهو الذي ارتضاهأبو عمر بن عبد البر وغيره وفي الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : للعبد المملوك المصلح أجران والذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك قال سعيد بن المسيب : وبلغنا أن أبا هريرة لم يكن يحج حتى ماتت أمه لصحبتها . وفي الصحيح أيضا عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعما للمملوك أن يتوفى يحسن عبادة الله وصحابة سيده نعما له .الثانية : قوله تعالى : بما صبروا عام في صبرهم على ملتهم ، ثم على هذه وعلى الأذى الذي يلقونه من الكفار وغير ذلك .الثالثة : قوله تعالى : ويدرءون بالحسنة السيئة أي يدفعون ، درأت : إذا دفعت ، والدرء : الدفع وفي الحديث : ادرءوا الحدود بالشبهات قيل : يدفعون بالاحتمال والكلام الحسن الأذى . وقيل : يدفعون بالتوبة والاستغفار الذنوب ; وعلى الأول فهو وصف لمكارم الأخلاق ; أي من قال لهم سوءا لاينوه وقابلوه من القول الحسن بما يدفعه ، فهذه آية مهادنة ، وهي من صدر الإسلام ، وهي مما نسختها آية السيف وبقي حكمها فيما دون الكفر يتعاطاه أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة ومنه قوله عليه السلام لمعاذ : وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ومن الخلق الحسن دفع المكروه والأذى ، والصبر على الجفا بالإعراض عنه ولين الحديث .الرابعة : قوله تعالى : ومما رزقناهم ينفقون أثنى عليهم بأنهم ينفقون من أموالهم في الطاعات وفي رسم الشرع ، وفي ذلك حض على الصدقات وقد يكون الإنفاق من الأبدان بالصوم والصلاة ،
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54)يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفت صفتهم ( يُؤْتَوْنَ ) ثواب عملهم ( مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا ).واختلف أهل التأويل في معنى الصبر الذي وعد الله ما وعد عليه, فقال بعضهم:وعدهم ما وعد جلّ ثناؤه بصبرهم على الكتاب الأوّل, واتباعهم محمدا صلى الله عليه وسلم, وصبرهم على ذلك. وذلك قول قَتادة, وقد ذكرناه قبل.وقال آخرون: بل وعدهم بصبرهم بإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث, وباتباعهم إياه حين بعث، وذلك قول الضحاك بن مزاحم, وقد ذكرناه أيضا قبل, وممن وافق قَتادة على قوله:عبد الرحمن بن زيد.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب. قال: قال ابن زيد, في قوله: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ على دين عيسى, فلما جاء النبيّ صلى الله عليه وسلم أسلموا, فكان لهم أجرهم مرَّتين بما صبروا أوّل مرّة, ودخلوا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في الإسلام.وقال قوم في ذلك بما حدثنا به ابن وكيع, قال: ثنا أبي, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد, قال: إن قوما كانوا مشركين أسلموا, فكان قومهم يؤذونهم, فنزلت: ( أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا ) وقوله: ( وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ) يقول: ويدفعون بحسنات أفعالهم التي يفعلونها سيئاتهم ( وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ) من الأموال (يُنْفِقٌونَ) في طاعة الله, إما في جهاد في سبيل الله, وإما في صدقة على محتاج, أو في صلة رحم.حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ قَالَ اللَّهُ(أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا ) وأحسن الله عليهم الثناء كما تسمعون, فقال: ( وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ).
وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغۡوَ أَعۡرَضُواْ عَنۡهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ لَا نَبۡتَغِي ٱلۡجَٰهِلِينَ  ٥٥
التفسير الميسرهؤلاء الذين تقدَّمَتْ صفتُهم يُؤتَوْن ثواب عملهم مرتين: على الإيمان بكتابهم، وعلى إيمانهم بالقرآن بما صبروا، ومن أوصافهم أنهم يدفعون السيئة بالحسنة، ومما رزقناهم ينفقون في سبيل الخير والبر. وإذا سمع هؤلاء القوم الباطل من القول لم يُصْغوا إليه، وقالوا: لنا أعمالنا لا نحيد عنها، ولكم أعمالكم ووزرها عليكم، فنحن لا نشغل أنفسنا بالرد عليكم، ولا تسمعون منَّا إلا الخير، ولا نخاطبهم بمقتضى جهلكم؛ لأننا لا نريد طريق الجاهلين ولا نحبها. وهذا من خير ما يقوله الدعاة إلى الله.
تفسير السعدي وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ من جاهل خاطبهم به، قَالُوا مقالة عباد الرحمن أولي الألباب: لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ أي: كُلٌّ سَيُجازَى بعمله الذي عمله وحده، ليس عليه من وزر غيره شيء. ولزم من ذلك، أنهم يتبرءون مما عليه الجاهلون، من اللغو والباطل، والكلام الذي لا فائدة فيه. سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أي لا تسمعون منا إلا الخير، ولا نخاطبكم بمقتضى جهلكم، فإنكم وإن رضيتم لأنفسكم هذا المرتع اللئيم، فإننا ننزه أنفسنا عنه، ونصونها عن الخوض فيه، لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ من كل وجه.
تفسير ابن كثيروقوله : ( وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ) أي : لا يخالطون أهله ولا يعاشرونهم ، بل كما قال تعالى : ( وإذا مروا باللغو مروا كراما ) [ الفرقان : 72 ] .( وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين ) أي : إذا سفه عليهم سفيه ، وكلمهم بما لا يليق بهم الجواب عنه ، أعرضوا عنه ولم يقابلوه بمثله من الكلام القبيح ، ولا يصدر عنهم إلا كلام طيب . ولهذا قال عنهم : إنهم قالوا : ( لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين ) أي : لا نريد طريق الجاهلين ولا نحبها .قال محمد بن إسحاق في السيرة : ثم قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة عشرون رجلا أو قريب من ذلك ، من النصارى ، حين بلغهم خبره من الحبشة . فوجدوه في المسجد ، فجلسوا إليه وكلموه وساءلوه - ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة - فلما فرغوا من مساءلة رسول الله عما أرادوا ، دعاهم إلى الله وتلا عليهم القرآن ، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع ، ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوه ، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره . فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش ، فقالوا لهم : خيبكم الله من ركب . بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل ، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال ; ما نعلم ركبا أحمق منكم . أو كما قالوا لهم . فقالوا [ لهم ] سلام عليكم ، لا نجاهلكم ، لنا ما نحن عليه ، ولكم ما أنتم عليه ، لم نأل أنفسنا خيرا .قال : ويقال : إن النفر النصارى من أهل نجران ، فالله أعلم أي ذلك كان .قال : ويقال - والله أعلم - إن فيهم نزلت هذه الآيات : ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ) إلى قوله : ( لا نبتغي الجاهلين ) .قال : وقد سألت الزهري عن هذه الآيات فيمن أنزلن ، قال : ما زلت أسمع من علمائنا أنهن أنزلن في النجاشي وأصحابه ، رضي الله عنهم ، والآيات التي في سورة المائدة : ( ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا ) إلى قوله : ( فاكتبنا مع الشاهدين ) [ المائدة : 82 ، 83 ]
تفسير القرطبيثم مدحهم أيضا على إعراضهم عن اللغو ; كما قال تعالى : وإذا مروا باللغو مروا كراما أي إذا سمعوا ما قال لهم المشركون من الأذى والشتم أعرضوا عنه ; أي لم يشتغلوا به وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم أي متاركة ; مثل قوله : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما أي لنا ديننا ولكم دينكم ( سلام عليكم ) أي أمنا لكم منا فإنا لا نحاربكم ، ولا نسابكم ، وليس من التحية في شيء . قال الزجاج : وهذا قبل الأمر بالقتال . لا نبتغي الجاهلين أي لا نطلبهم للجدال والمراجعة والمشاتمة .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55)يقول تعالى ذكره: وإذا سمع هؤلاء القوم الذين آتيناهم الكتاب اللغو, وهو الباطل من القول.كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ) لا يجارون أهل الجهل والباطل في باطلهم, أتاهم من أمر الله ما وقذهم عن ذلك.وقال آخرون: عُنِي باللغو في هذا الموضع: ما كان أهل الكتاب ألحقوه في كتاب الله مما ليس هو منه.* ذكر من قال ذلك:حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا ) ... إلى آخر الآية, قال: هذه لأهل الكتاب, إذا سمعوا اللغو الذي كتب القوم بأيديهم مع كتاب الله, وقالوا: هو من عند الله, إذا سمعه الذين أسلموا, ومرّوا به يتلونه, أعرضوا عنه, وكأنهم لم يسمعوا ذلك قبل أن يؤمنوا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم , لأنهم كانوا مسلمين على دين عيسى, ألا ترى أنهم يقولون: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ .وقال آخرون في ذلك بما حدثنا ابن وكيع, قال: ثنا ابن عيينة, عن منصور, عن مجاهد ( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ) قال: نزلت في قوم كانوا مشركين فأسلموا, فكان قومهم يؤذونهم.حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جويرية, عن منصور, عن مجاهد, قوله: ( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ) قال: كان ناس من أهل الكتاب أسلموا, فكان المشركون يؤذونهم, فكانوا يصفحون عنهم, يقولون: ( سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ).وقوله: ( أَعْرَضُوا عَنْهُ ) يقول: لم يصغوا إليه ولم يستمعوه ( وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ) وهذا يدل على أن اللغو الذي ذكره الله في هذا الموضع, إنما هو ما قاله مجاهد, من أنه سماع القوم ممن يؤذيهم بالقول ما يكرهون منه في أنفسهم, وأهم أجابوهم بالجميل من القول ( لَنَا أَعْمَالُنَا ) قد رضينا بها لأنفسنا,( وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ) قد رضيتم بها لأنفسكم. وقوله: ( سَلامٌ عَلَيْكُمْ ) يقول: أمنة لكم منا أن نُسَابَّكم, أو تسمعوا منا ما لا تحبون ( لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ) يقول: لا نريد محاورة أهل الجهل ومسابَّتهم.
إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ  ٥٦
التفسير الميسرإنك -أيها الرسول- لا تهدي هداية توفيق مَن أحببت هدايته، ولكن ذلك بيد الله يهدي مَن يشاء أن يهديه للإيمان، ويوفقه إليه، وهو أعلم بمن يصلح للهداية فيهديه.
تفسير السعدييخبر تعالى أنك يا محمد -وغيرك من باب أولى- لا تقدر على هداية أحد، ولو كان من أحب الناس إليك، فإن هذا أمر غير مقدور للخلق هداية للتوفيق، وخلق الإيمان في القلب، وإنما ذلك بيد اللّه سبحانه تعالى، يهدي من يشاء، وهو أعلم بمن يصلح للهداية فيهديه، ممن لا يصلح لها فيبقيه على ضلاله.وأما إثبات الهداية للرسول في قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فتلك هداية البيان والإرشاد، فالرسول يبين الصراط المستقيم، ويرغب فيه، ويبذل جهده في سلوك الخلق له، وأما كونه يخلق في قلوبهم الإيمان، ويوفقهم بالفعل، فحاشا وكلا.ولهذا، لو كان قادرا عليها، لهدى من وصل إليه إحسانه، ونصره ومنعه من قومه، عمه أبا طالب، ولكنه أوصل إليه من الإحسان بالدعوة للدين والنصح التام، ما هو أعظم مما فعله معه عمه، ولكن الهداية بيد اللّه تعالى.
تفسير ابن كثيريقول تعالى لرسوله ، صلوات الله وسلامه عليه : إنك يا محمد ( إنك لا تهدي من أحببت ) أي : ليس إليك ذلك ، إنما عليك البلاغ ، والله يهدي من يشاء ، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة ، كما قال تعالى : ( ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ) [ البقرة : 272 ] ، وقال : ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) [ يوسف : 103 ] .وهذه الآية أخص من هذا كله ; فإنه قال : ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين ) أي : هو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية ، وقد ثبت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد كان يحوطه وينصره ، ويقوم في صفه ويحبه حبا [ شديدا ] طبعيا لا شرعيا ، فلما حضرته الوفاة وحان أجله ، دعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الإيمان والدخول في الإسلام ، فسبق القدر فيه ، واختطف من يده ، فاستمر على ما كان عليه من الكفر ، ولله الحكمة التامة .قال الزهري : حدثني سعيد بن المسيب ، عن أبيه - وهو المسيب بن حزن المخزومي ، رضي الله عنه - قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجد عنده أبا جهل بن هشام ، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا عم ، قل : لا إله إلا الله ، كلمة أشهد لك بها عند الله " . فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : يا أبا طالب ، أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرضها عليه ، ويعودان له بتلك المقالة ، حتى قال آخر ما قال : هو على ملة عبد المطلب . وأبى أن يقول : لا إله إلا الله . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أما لأستغفرن لك ما لم أنه عنك " . فأنزل الله عز وجل : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى ) [ التوبة : 113 ] ، وأنزل في أبي طالب : ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) .أخرجاه من حديث الزهري . وهكذا رواه مسلم في صحيحه ، والترمذي ، من حديث يزيد بن كيسان ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " يا عماه ، قل : لا إله إلا الله ، أشهد لك بها يوم القيامة " . فقال : لولا أن تعيرني بها قريش ، يقولون : ما حمله عليه إلا جزع الموت ، لأقررت بها عينك ، لا أقولها إلا لأقر بها عينك . فأنزل الله : ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين ) . وقال الترمذي : حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن كيسان .ورواه الإمام أحمد ، عن يحيى بن سعيد القطان ، عن يزيد بن كيسان ، حدثني أبو حازم ، عن أبي هريرة ، فذكره بنحوه .وهكذا قال ابن عباس ، وابن عمر ، ومجاهد ، والشعبي ، وقتادة : إنها نزلت في أبي طالب حين عرض عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول : " لا إله إلا الله " فأبى عليه ذلك ، وقال : أي ابن أخي ، ملة الأشياخ . وكان آخر ما قال : هو على ملة عبد المطلب .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو سلمة ، حدثنا حماد بن سلمة ، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن سعيد بن أبي راشد قال : كان رسول قيصر جاء إلي قال : كتب معي قيصر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابا ، فأتيته فدفعت الكتاب ، فوضعه في حجره ، ثم قال : " ممن الرجل ؟ " قلت : من تنوخ . قال : " هل لك في دين أبيك إبراهيم الحنيفية ؟ " قلت : إني رسول قوم ، وعلى دينهم حتى أرجع إليهم . فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونظر إلى أصحابه وقال : ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) .
تفسير القرطبيقوله تعالى : إنك لا تهدي من أحببت قال الزجاج : أجمع المسلمون على أنها نزلت في أبي طالب .قلت : والصواب أن يقال أجمع جل المفسرين على أنها نزلت في شأن أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو نص حديث البخاري ومسلم ، وقد تقدم الكلام في ذلك في ( براءة ) . وقال أبو روق قوله : ولكن الله يهدي من يشاء إشارة إلى العباس . وقاله قتادة وهو أعلم بالمهتدين قال مجاهد : لمن قدر له أن يهتدي . وقيل : معنى ( من أحببت ) أي من أحببت أن يهتدي وقال جبير بن مطعم : لم يسمع أحد الوحي يلقى على النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبا بكر الصديق فإنه سمع جبريل وهو يقول : يا محمد اقرأ : إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّكَ ) يا محمد ( لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) هدايته ( وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) أن يهديه من خلقه, بتوفيقه للإيمان به وبرسوله. ولو قيل: معناه: إنك لا تهدي من أحببته لقرابته منك, ولكن الله يهدي من يشاء, كان مذهبا( وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) يقول جل ثناؤه: والله أعلم من سبق له في علمه أنه يهتدي للرشاد، ذلك الذي يهديه الله فيسدده ويوفقه.وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل امتناع أبي طالب عمه من إجابته, إذ دعاه إلى الإيمان بالله, إلى ما دعاه إليه من ذلك.* ذكر الرواية بذلك:حدثنا أبو كُرَيب والحسين بن عليّ الصُّدائي, قالا ثنا الوليد بن القاسم, عن يزيد بن كيسان, عن أبي حازم, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه عند الموت: " قُلْ لا إِلَهَ إِلا الله أَشْهَد لَكَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ" قال: لولا أن تعيرني قريش لأقررت عينك, فأنزل الله: ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) ... الآية.حدثنا ابن بشار, قال: ثنا يحيى بن سعيد, عن يزيد بن كيسان, قال: ثني أبو حازم الأشجعي, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه: " قُلْ لا إِله إلا اللهُ" ثم ذكر مثله.حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا أبو أسامة, عن يزيد بن كيسان سمع أبا حازم الأشجعي, يذكر عن أبي هريرة قال: لما حضرتْ وفاة أبي طالب, أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا عَمَّاهُ، قُلْ لا إلَهَ إلا الله " فذكر مثله, إلا أنه قال: لولا أن تعيرني قريش, يقولون: ما حمله عليه إلا جزع الموت.حدثنا ابن وكيع, قال: ثنا محمد بن عبيد, عن يزيد بن كيسان, عن أبي حازم, عن أبي هريرة, قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم , فذكر نحو حديث أبي كُرَيب الصُّدائي.حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب, قال: ثني عمي عبد الله بن وهب, قال: ثني يونس, عن الزهري قال: ثني سعيد بن المسيب, عن أبيه, قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة, جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم , فوجد عنده أبا جهل بن هشام, وعبد الله بن أبي أُمَيَّة بن المغيرة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا عَمّ، قُلْ لا إلَهَ إلا اللهُ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِها عِنْدَ اللهِ" فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أُمَيَّه: يا أبا طالب: أترغب عن ملَّة عبد المطَّلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه, ويعيد له تلك المقالة, حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب, وأبى أن يقول: لا إله إلا الله, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أَمَا وَاللهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ" , فأنزل الله مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى ، وأنزل الله في أبي طالب, فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي ) ... الآية.حدثنا محمد بن عبد الأعلى, قال: ثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الزهري, عن سعيد بن المسيب, عن أبيه, بنحوهحدثنا ابن وكيع, قال: ثنا ابن عيينة, عن عمرو, عن أبي سعيد بن رافع, قال: قلت لابن عمر: ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) نزلت في أبي طالب؟ قال: نعم.حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) قال: قول محمد لأبي طالب: " قُلْ: كَلمةَ الإخْلاص أُجَادِلُ عَنْكَ بِها يَوْمَ القِيَامَةِ" قال محمد بن عمرو في حديثه: قال: يا ابن أخي ملة الأشياخ, أو سنة الأشياخ. وقال الحارث في حديثه: قال يا ابن أخي ملة الأشياخ.حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) قال: قال محمد لأبي طالب: " اشْهَدْ بكَلمَةِ الإخْلاصِ أُجَادلْ عَنْكَ بِها يَوْمَ القِيَامَةِ" قال: أي ابن أخي ملة الأشياخ, فأنزل الله ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) قال: نزلت هذه الآية في أبي طالب.حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) ذُكر لنا أنها نزلت في أبي طالب، قال الأصم (2) عند موته يقول لا إله إلا الله لكيما تحلّ له بها الشفاعة, فأبى عليه.حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن عطاء, عن عامر: لما حضر أبا طالب الموت, قال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: " يا عَمَّاهُ، قُلْ: لا إلَهَ إلا اللهُ أشْهَدُ لكَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ" فقال له: يا ابن أخي, إنه لولا أن يكون عليك عار لم أبال أن أفعل، فقال له ذلك مرارا. فلما مات اشتدّ ذلك على النبيّ صلى الله عليه وسلم وقالوا: ما تنفع قرابة أبي طالب منك, فقال: " بَلى، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِه إنَّه السَّاعَةَ لَفِي ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ عَلَيْهِ نَعْلان مِنْ نَارٍ تغْلِي مِنْهُما أُمُّ رأسِهِ, وما مِنْ أهل النَّارِ مِنْ إِنْسانٍ هُوَ أَهْوَنُ عَذابًا مِنْهُ, وَهُوَ الَّذِي أَنزل الله فيه ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) " .وقوله: ( وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) يقول: وهو أعلم بمن قضى له الهدى.كالذي حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) قال بمن قدّر له الهدى والضلالة.حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.------------------------الهوامش:(2) الذي في الدر عن قتادة قال: التمس منه عند موته أن يقول.. إلخ.
وَقَالُوٓاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَآۚ أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنٗا يُجۡبَىٰٓ إِلَيۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَيۡءٖ رِّزۡقٗا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ  ٥٧
التفسير الميسروقال كفار "مكة": إن نتبع الحق الذي جئتنا به، ونتبرأ من الأولياء والآلهة، نُتَخَطَّفْ من أرضنا بالقتل والأسر ونهب الأموال، أولم نجعلهم متمكنين في بلد آمن، حرَّمنا على الناس سفك الدماء فيه، يُجلب إليه ثمرات كل شيء رزقًا مِن لدنا؟ ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون قَدْر هذه النعم عليهم، فيشكروا مَن أنعم عليهم بها ويطيعوه.
تفسير السعدييخبر تعالى أن المكذبين من قريش وأهل مكة، يقولون للرسول صلى اللّه عليه وسلم: إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا بالقتل والأسر ونهب الأموال، فإن الناس قد عادوك وخالفوك، فلو تابعناك لتعرضنا لمعاداة الناس كلهم، ولم يكن لنا بهم طاقة.وهذا الكلام منهم، يدل على سوء الظن باللّه تعالى، وأنه لا ينصر دينه، ولا يعلي كلمته، بل يمكن الناس من أهل دينه، فيسومونهم سوء العذاب، وظنوا أن الباطل سيعلو على الحق.قال اللّه مبينا لهم حالة هم بها دون الناس وأن اللّه اختصهم بها، فقال: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا أي: أولم نجعلهم متمكنين [ممكنين] في حرم يكثره المنتابون ويقصده الزائرون، قد احترمه البعيد والقريب، فلا يهاج أهله، ولا ينتقصون بقليل [ولا كثير].والحال أن كل ما حولهم من الأماكن، قد حف بها الخوف من كل جانب، وأهلها غير آمنين ولا مطمئنين، فَلْيَحْمَدُوا ربهم على هذا الأمن التام، الذي ليس فيه غيرهم، وعلى الرزق الكثير، الذي يجيء إليهم من كل مكان، من الثمرات والأطعمة والبضائع، ما به يرتزقون ويتوسعون. ولْيَتَّبِعُوا هذا الرسول الكريم، ليتم لهم الأمن والرغد.
تفسير ابن كثيروقوله : ( وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا ) : [ يقول تعالى مخبرا عن اعتذار بعض الكفار في عدم اتباع الهدى حيث قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا ) ] أي : نخشى إن اتبعنا ما جئت به من الهدى ، وخالفنا من حولنا من أحياء العرب المشركين ، أن يقصدونا بالأذى والمحاربة ، ويتخطفونا أينما كنا ، فقال الله تعالى مجيبا لهم : ( أولم نمكن لهم حرما آمنا ) يعني : هذا الذي اعتذروا به كذب وباطل ; لأن الله جعلهم في بلد أمين ، وحرم معظم آمن منذ وضع ، فكيف يكون هذا الحرم آمنا في حال كفرهم وشركهم ، ولا يكون آمنا لهم وقد أسلموا وتابعوا الحق ؟ .وقوله : ( يجبى إليه ثمرات كل شيء ) أي : من سائر الثمار مما حوله من الطائف وغيره ، وكذلك المتاجر والأمتعة ( رزقا من لدنا ) أي : من عندنا ( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) فلهذا قالوا ما قالوا .وقد قال النسائي : أنبأنا الحسن بن محمد ، حدثنا الحجاج ، عن ابن جريج ، أخبرني ابن أبي مليكة قال : قال عمرو بن شعيب ، عن ابن عباس - ولم يسمعه منه - : أن الحارث بن عامر بن نوفل الذي قال : ( إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا ) .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا هذا قول مشركي مكة قال ابن عباس : قائل ذلك من قريش الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف القرشي قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا لنعلم أن قولك حق ، ولكن يمنعنا أن نتبع الهدى معك ، ونؤمن بك ، مخافة أن يتخطفنا العرب من أرضنا - يعني مكة - لاجتماعهم على خلافنا ، ولا طاقة لنا بهم وكان هذا من تعللاتهم ; فأجاب الله تعالى عما اعتل به فقال : أولم نمكن لهم حرما آمنا أي ذا أمن . وذلك أن العرب كانت في الجاهلية يغير بعضهم على بعض ، ويقتل بعضهم بعضا ، وأهل مكة آمنون حيث كانوا بحرمة الحرم ، فأخبر أنه قد أمنهم بحرمة البيت ، ومنع عنهم عدوهم ، فلا يخافون أن تستحل العرب حرمة في قتالهم . والتخطف : الانتزاع بسرعة ; وقد تقدم . قال يحيى بن سلام يقول : كنتم آمنين في حرمي ، تأكلون رزقي ، وتعبدون غيري ، أفتخافون إذا عبدتموني وآمنتم بي . يجبى إليه ثمرات كل شيء أي يجمع إليه ثمرات كل أرض وبلد ; عن ابن عباس وغيره يقال : جبى الماء في الحوض أي جمعه . والجابية : الحوض العظيم . وقرأ نافع : ( تجبى ) بالتاء ; لأجل الثمرات والباقون بالياء ، لقوله : كل شيء واختاره أبو عبيد ; قال : لأنه حال بين الاسم المؤنث وبين فعله حائل وأيضا فإن الثمرات جمع ، وليس بتأنيث حقيقي . وقرئ ( يجنى ) بالنون من الجنا ، وتعديته ب ( إلى ) كقولك يجني إلى فيه ، ويجنى إلى الخافة .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (57)يقول تعالى ذكره: وقالت كفار قريش: إن نتبع الحقّ الذي جئتنا به معك, ونتبرأ من الأنداد والآلهة, يتخطفنا الناس من أرضنا بإجماع جميعهم على خلافنا وحربنا, يقول الله لنبيه: فقل: ( أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا ) يقول: أو لم نوطئ لهم بلدا حرّمنا على الناس سفك الدماء فيه, ومنعناهم من أن يتناولوا سكانه فيه بسوء, وأمنا على أهله من أن يصيبهم بها غارة, أو قتل, أو سباء.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن عبد الله بن أبي مليكة, عن ابن عباس, أن الحارث بن نوفل, الذي قال: ( إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ) وزعموا أنهم قالوا: قد علمنا أنك رسول الله, ولكنا نخاف أن نتخطف من أرضنا,( أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ ) الآية.حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ) قال: هم أناس من قريش قالوا لمحمد: إن نتبعك يتخطفنا الناس, فقال الله: ( أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ).حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ : قال: كان يغير بعضهم على بعض.وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ( أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا ) قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: ( وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ) قال الله: ( أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ) يقول: أو لم يكونوا آمنين في حرمهم لا يغزون فيه ولا يخافون, يجبى إليه ثمرات كل شيء.حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال ثني أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة ( أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا ) قال: كان أهل الحرم آمنين يذهبون حيث شاءوا, إذا خرج أحدهم فقال: إني من أهل الحرم لم يُتَعَرَّض له, وكان غيرهم من الناس إذا خرج أحدهم قتل.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا ) قال: آمناكم به, قال هي مكة, وهم قريش.وقوله: ( يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ) يقول يجمع إليه, وهو من قولهم: جبيت الماء في الحوض: إذا جمعته فيه, وإنما أريد بذلك: يحمل إليه ثمرات كلّ بلد.كما حدثنا أبو كُرَيب, قال ثنا ابن عطية, عن شريك, عن عثمان بن أبي زرعة, عن مجاهد, عن ابن عباس في ( يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ) قال: ثمرات الأرض.وقوله: ( رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا ) يقول: ورزقا رزقناهم من لدنا, يعني: من عندنا( وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) يقول تعالى ذكره: ولكن أكثر هؤلاء المشركين القائلين لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ) لا يعلمون أنا نحن الذين مكَّنا لهم حرما آمنا, ورزقناهم فيه, وجعلنا الثمرات من كلّ أرض تجبي إليهم, فهم بجهلهم بمن فعل ذلك بهم يكفرون, لا يشكرون من أنعم عليهم بذلك.
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةِۭ بَطِرَتۡ مَعِيشَتَهَاۖ فَتِلۡكَ مَسَٰكِنُهُمۡ لَمۡ تُسۡكَن مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ وَكُنَّا نَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثِينَ  ٥٨
التفسير الميسروكثير من أهل القرى أهلكناهم حين أَلْهَتهم معيشتهم عن الإيمان بالرسل، فكفروا وطغَوْا، فتلك مساكنهم لم تُسكن من بعدهم إلا قليلا منها، وكنا نحن الوارثين للعباد نميتهم، ثم يرجعون إلينا، فنجازيهم بأعمالهم.
تفسير السعديوإياهم وتكذيبه، والبطر بنعمة الله، فيبدلوا من بعد أمنهم خوفا، وبعد عزهم ذلا، وبعد غناهم فقرا، ولهذا توعدهم بما فعل بالأمم قبلهم، فقال: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا أي: فخرت بها، وألهتها، واشتغلت بها عن الإيمان بالرسل، فأهلكهم اللّه، وأزال عنهم النعمة، وأحل بهم النقمة. فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا لتوالي الهلاك والتلف عليهم، وإيحاشها من بعدهم. وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ للعباد، نميتهم، ثم يرجع إلينا جميع ما متعناهم به من النعم، ثم نعيدهم إلينا، فنجازيهم بأعمالهم.
تفسير ابن كثيريقول تعالى معرضا بأهل مكة في قوله : ( وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها ) أي : طغت وأشرت وكفرت نعمة الله ، فيما أنعم به عليهم من الأرزاق ، كما قال في الآية الأخرى : ( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون . ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون ) [ النحل 112 ، 113 ] ولهذا قال : ( فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا ) أي : دثرت ديارهم فلا ترى إلا مساكنهم .وقوله : ( وكنا نحن الوارثين ) أي : رجعت خرابا ليس فيها أحد .وقد ذكر ابن أبي حاتم [ هاهنا ] عن ابن مسعود أنه سمع كعبا يقول لعمر : إن سليمان عليه السلام قال للهامة - يعني البومة - ما لك لا تأكلين الزرع ؟ قالت : لأنه أخرج آدم بسببه من الجنة . قال : فما لك لا تشربين الماء ؟ قالت : لأن الله أغرق قوم نوح به . قال : فما لك لا تأوين إلا إلى الخراب ؟ قالت : لأنه ميراث الله عز وجل ، ثم تلا ( وكنا نحن الوارثين ) .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها بين لمن توهم أنه لو آمن لقاتلته العرب أن الخوف في ترك الإيمان أكثر ، فكم من قوم كفروا ثم حل بهم البوار ، والبطر والطغيان بالنعمة ; قاله الزجاج . معيشتها أي في معيشتها فلما حذف ( في ) تعدى الفعل ; قاله المازني . الزجاج كقوله : واختار موسى قومه سبعين رجلا الفراء : هو منصوب على التفسير . قال : كما تقول : أبطرت مالك وبطرته ونظيره عنده : إلا من سفه نفسه وكذا عنده : فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ونصب المعارف على التفسير محال عند البصريين ; لأن معنى التفسير والتمييز أن يكون واحدا نكرة يدل على الجنس . وقيل : انتصب ب ( بطرت ) ومعنى : ( بطرت ) جهلت ; فالمعنى : جهلت شكر معيشتها .فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا أي لم تسكن بعد إهلاك أهلها إلا قليلا من المساكن وأكثرها خراب والاستثناء يرجع إلى المساكن ، أي بعضها يسكن ; قاله الزجاج واعترض عليه ; فقيل : لو كان الاستثناء يرجع إلى المساكن لقال : إلا قليل ; لأنك تقول : القوم لم تضرب إلا قليل ، ترفع إذا كان المضروب قليلا ، وإذا نصبت كان القليل صفة للضرب ; أي لم تضرب إلا ضربا قليلا ، فالمعنى إذا : فتلك مساكنهم لم يسكنها إلا المسافرون ومن مر بالطريق يوما أو بعض يوم أي لم تسكن من بعدهم إلا سكونا قليلا . وكذا قال ابن عباس : لم يسكنها إلا المسافر أو مار الطريق يوما أو ساعة وكنا نحن الوارثين أي لما خلفوا بعد هلاكهم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلا قَلِيلا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58)يقول تعالى ذكره: ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ ) أبطرتها( مَعِيشَتَهَا ) فبطرت, وأشِرت, وطَغَت, فكفرت ربها.وقيل: بطرت معيشتها, فجعل الفعل للقرية, وهو في الأصل للمعيشة, كما يقال: أسفهك رأيك فَسفِهته, وأبطرك مالك فبطرته, والمعيشة منصوبة على التفسير.وقد بيَّنا نظائر ذلك في غير موضع من كتابنا هذا.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ) قال: البطر: أَشَرُ أهل الغفلة وأهل الباطل والركوب لمعاصي الله, وقال: ذلك البطر في النعمة ( فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلا قَلِيلا ) يقول: فتلك دور القوم الذين أهلكناهم بكفرهم بربهم، ومنازلهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا يقول: خربت من بعدهم, فلم يعمر منها إلا أقلها, وأكثرها خراب. ولفظ الكلام وإن كان خارجا على أن مساكنهم قد سُكِنت قليلا فإن معناه: فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا منها, كما يقال: قضيت حقك إلا قليلا منه.وقوله: ( وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ) يقول: ولم يكن لما خرّبنا من مساكنهم منهم وإرث, وعادت كما كانت قبل سُكناهم فيها, لا مالك لها إلا الله, الذي له ميراث السماوات والأرض.
وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبۡعَثَ فِيٓ أُمِّهَا رَسُولٗا يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۚ وَمَا كُنَّا مُهۡلِكِي ٱلۡقُرَىٰٓ إِلَّا وَأَهۡلُهَا ظَٰلِمُونَ  ٥٩
التفسير الميسروما كان ربك -أيها الرسول- مهلك القرى التي حول "مكة" في زمانك حتى يبعث في أمها -وهي "مكة"- رسولا يتلو عليهم آياتنا، وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون لأنفسهم بكفرهم بالله ومعصيته، فهم بذلك مستحقون للعقوبة والنكال.
تفسير السعديومن حكمته ورحمته أن لا يعذب الأمم بمجرد كفرهم قبل إقامة الحجة عليهم، بإرسال الرسل إليهم، ولهذا قال: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى أي: بكفرهم وظلمهم حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا أي: في القرية والمدينة التي إليها يرجعون، ونحوها يترددون، وكل ما حولها ينتجعها، ولا تخفى عليه أخبارها. رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا الدالة على صحة ما جاء به، وصدق ما دعاهم إليه، فيبلغ قوله قاصيهم ودانيهم، بخلاف بعث الرسل في القرى البعيدة، والأطراف النائية، فإن ذلك مظنة الخفاء والجفاء، والمدن الأمهات مظنة الظهور والانتشار، وفي الغالب أنهم أقل جفاء من غيرهم. وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ بالكفر والمعاصي، مستحقون للعقوبة. والحاصل: أن اللّه لا يعذب أحدا إلا بظلمه، وإقامة الحجة عليه.
تفسير ابن كثيرثم قال الله مخبرا عن عدله ، وأنه لا يهلك أحدا ظالما له ، وإنما يهلك من أهلك بعد قيام الحجة عليهم ، ولهذا قال : ( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها ) وهي مكة ( رسولا يتلو عليهم آياتنا ) . فيه دلالة على أن النبي الأمي ، وهو محمد ، صلوات الله وسلامه عليه ، المبعوث من أم القرى ، رسول إلى جميع القرى ، من عرب وأعجام ، كما قال تعالى : ( لتنذر أم القرى ومن حولها ) [ الشورى : 7 ] ، وقال تعالى : ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ) [ الأعراف : 158 ] ، وقال : ( لأنذركم به ومن بلغ ) [ الأنعام : 19 ] ، وقال : ( ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ) [ هود : 17 ] . وتمام الدليل [ قوله ] ( وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا ) [ الإسراء : 58 ] . فأخبر أنه سيهلك كل قرية قبل يوم القيامة ، وقد قال : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) [ الإسراء : 15 ] . فجعل تعالى بعثة النبي الأمي شاملة لجميع القرى ; لأنه مبعوث إلى أمها وأصلها التي ترجع إليها . وثبت في الصحيحين عنه ، صلوات الله وسلامه عليه ، أنه قال : " بعثت إلى الأحمر والأسود " . ولهذا ختم به الرسالة والنبوة ، فلا نبي بعده ولا رسول ، بل شرعه باق بقاء الليل والنهار إلى يوم القيامة .وقيل : المراد بقوله : ( حتى يبعث في أمها ) أي : أصلها وعظيمتها ، كأمهات الرساتيق والأقاليم . حكاه الزمخشري وابن الجوزي ، وغيرهما ، وليس ببعيد .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وما كان ربك مهلك القرى أي القرى الكافر أهلها . حتى يبعث في أمها قرئ بضم الهمزة وكسرها لإتباع الجر ، يعني مكة . و ( رسولا ) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم . وقيل : في أمها يعني في أعظمها . وقال الحسن : في أوائلها .قلت : ومكة أعظم القرى - لحرمتها - وأولها ; لقوله تعالى : إن أول بيت وضع للناس وخصت بالأعظم لبعثة الرسول فيها ; لأن الرسل تبعث إلى الأشراف وهم يسكنون المدائن وهي أم ما حولها . وقد مضى هذا المعنى في آخر سورة ( يوسف ) . يتلو عليهم آياتنا ( يتلو ) في موضع الصفة ، أي تاليا أي يخبرهم أن العذاب ينزل بهم إن لم يؤمنوا وما كنا مهلكي القرى سقطت النون للإضافة ، مثل : ظالمي أنفسهم . أي لم أهلكهم إلا وقد استحقوا الإهلاك لإصرارهم على الكفر بعد الإعذار إليهم وفي هذا بيان لعدله وتقدسه عن الظلم . أخبر تعالى أنه لا يهلكهم إلا إذا استحقوا الإهلاك بظلمهم ، ولا يهلكهم مع كونهم ظالمين إلا بعد تأكيد الحجة والإلزام ببعثة الرسل ، ولا يجعل علمه بأحوالهم حجة عليهم ، ونزه ذاته أن يهلكهم وهم غير ظالمين ، كما قال عز من قائل : وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون فنص في قوله ( بظلم ) على أنه لو أهلكهم وهم مصلحون لكان ذلك ظلما لهم منه ، وإن حاله في غناه وحكمته منافية للظلم ، دل على ذلك بحرف النفي مع لامه كما قال تعالى : وما كان الله ليضيع إيمانكم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59)يقول تعالى ذكره: ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ ) يا محمد ( مُهْلِكَ الْقُرَى ) التي حوالي مكة في زمانك وعصرك ( حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولا ) يقول: حتى يبعث في مكة رسولا وهي أمّ القرى, يتلو عليهم آيات كتابنا, والرسول: محمد صلى الله عليه وسلم .وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولا ) وأمّ القرى مكة, وبعث الله إليهم رسولا محمدا صلى الله عليه وسلم .وقوله: ( وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ) يقول: ولم نكن لنهلك قرية وهي بالله مؤمنة إنما نهلكها بظلمها أنفسها بكفرها بالله, وإنما أهلكنا أهل مكة بكفرهم بربهم وظلم أنفسهم.وبنحو الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثنا أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ) قال: الله لم يهلك قرية بإيمان, ولكنه يهلك القرى بظلم إذا ظلم أهلها, ولو كانت قرية آمنت لم يهلكوا مع من هلك, ولكنهم كذّبوا وظلموا, فبذلك أُهلكوا.
من نحن

موقع الحياة بالإسلام هو موقع إسلامي، يقدم لكم العديد من المواضيع الاسلامية على منهاج الكتاب و السنة، كما يتضمن بعض قراءات القران الكريم بالرسم العثماني بأصوات اشهر القراء حول العالم

عرض المزيد
إشارات

التين , سُورَةُ هُودٍ , سُورَةُ الجُمُعَةِ , الكوثر , معيض الحارثي , القارئ سيلمان الشبيبي , القارئ عبدالرحمن الشحات , محمد عبدالحكيم سعيد العبدالله , قراءة يعقوب الحضرمي بروايتي رويس وروح , المصحف المعلم , قالون عن نافع من طريق أبي نشيط , خلف عن حمزة ,

عرض المزيد