السبت، ٦ يونيو ٢٠٢٦
السبت، ٦ يونيو ٢٠٢٦
facebookinstagramtwitter

عرض بالصفحات

Basmala
سُورَةُ السَّجۡدَةِ
وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ  ٢١وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ  ٢٢وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ  ٢٣وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ  ٢٤إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ  ٢٥أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ  ٢٦أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا يُبۡصِرُونَ  ٢٧وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡفَتۡحُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ  ٢٨قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ  ٢٩فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَٱنتَظِرۡ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ  ٣٠
تفسير سُورَةُ السَّجۡدَةِ
وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ  ٢١
التفسير الميسرولنذيقن هؤلاء الفاسقين المكذبين من العذاب الأدنى من البلاء والمحن والمصائب في الدنيا قبل العذاب الأكبر يوم القيامة، حيث يُعذَّبون في نار جهنم؛ لعلهم يرجعون ويتوبون من ذنوبهم.
تفسير السعديأي: ولنذيقن الفاسقين المكذبين، نموذجًا من العذاب الأدنى، وهو عذاب البرزخ، فنذيقهم طرفًا منه، قبل أن يموتوا، إما بعذاب بالقتل ونحوه، كما جرى لأهل بدر من المشركين، وإما عند الموت، كما في قوله تعالى وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ ثم يكمل لهم العذاب الأدنى في برزخهم.وهذه الآية من الأدلة على إثبات عذاب القبر، ودلالتها ظاهرة، فإنه قال: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى أي: بعض وجزء منه، فدل على أن ثَمَّ عذابًا أدنى قبل العذاب الأكبر، وهو عذاب النار.ولما كانت الإذاقة من العذاب الأدنى في الدنيا، قد لا يتصل بها الموت، فأخبر تعالى أنه يذيقهم ذلك لعلهم يرجعون إليه ويتوبون من ذنوبهم كما قال تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
تفسير ابن كثيروقوله : ( ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر [ لعلهم يرجعون ] ) قال ابن عباس : يعني بالعذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها وآفاتها ، وما يحل بأهلها مما يبتلي الله به عباده ليتوبوا إليه . وروي مثله عن أبي بن كعب ، وأبي العالية ، والحسن ، وإبراهيم النخعي ، والضحاك ، وعلقمة ، وعطية ، ومجاهد ، وقتادة ، وعبد الكريم الجزري ، وخصيف .وقال ابن عباس - في رواية عنه - : يعني به إقامة الحدود عليهم .وقال البراء بن عازب ، ومجاهد ، وأبو عبيدة : يعني به عذاب القبر .وقال النسائي : أخبرنا عمرو بن علي ، أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص وأبي عبيدة ، عن عبد الله : ( ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر ) قال : سنون أصابتهم .وقال عبد الله بن الإمام أحمد : حدثني عبد الله بن عمر القواريري ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن عزرة ، عن الحسن العرني ، عن يحيى بن الجزار ، عن ابن أبي ليلى عن أبي بن كعب في هذه الآية : ( ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر ) قال : المصيبات والدخان قد مضيا ، والبطشة واللزام .ورواه مسلم من حديث شعبة ، به موقوفا نحوه . وعند البخاري عن ابن مسعود ، نحوه .وقال عبد الله بن مسعود أيضا ، في رواية عنه : العذاب الأدنى : ما أصابهم من القتل والسبي يوم بدر . وكذا قال مالك ، عن زيد بن أسلم .قال السدي وغيره : لم يبق بيت بمكة إلا دخله الحزن على قتيل لهم أو أسير ، فأصيبوا أو غرموا ، ومنهم من جمع له الأمران .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون .قوله تعالى : ولنذيقنهم من العذاب الأدنى قال الحسن وأبو العالية والضحاك وأبي بن كعب وإبراهيم النخعي : العذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها مما يبتلى به العبيد حتى يتوبوا ; وقاله ابن عباس . وعنه أيضا أنه الحدود . وقال ابن مسعود والحسين بن علي وعبد الله بن الحارث : هو القتل بالسيف يوم بدر . وقال مقاتل : الجوع سبع سنين بمكة حتى أكلوا الجيف ; وقاله مجاهد . وعنه أيضا : العذاب الأدنى عذاب القبر ; وقاله البراء بن عازب . قالوا : والأكبر عذاب يوم القيامة . قال القشيري : وقيل عذاب القبر . وفيه نظر ; لقوله : لعلهم يرجعون . قال : ومن حمل العذاب على القتل قال : لعلهم يرجعون ؛ أي يرجع من بقي منهم . ولا خلاف أن العذاب الأكبر عذاب جهنم ; إلا ما روي عن جعفر بن محمد أنه خروج المهدي بالسيف . والأدنى غلاء السعر . وقد قيل : إن معنى قوله : لعلهم يرجعون . على قول مجاهد والبراء : أي لعلهم يريدون الرجوع ويطلبونه كقوله : فارجعنا نعمل صالحا . وسميت إرادة الرجوع رجوعا كما سميت إرادة القيام قياما في قوله تعالى : إذا قمتم إلى الصلاة . ويدل عليه قراءة من قرأ : ( يرجعون ) على البناء للمفعول ; ذكره الزمخشري .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)اختلف أهل التأويل في معنى العذاب الأدنى الذي وعد الله أن يذيقه هؤلاء الفسقة، فقال بعضهم: ذلك مصائب الدنيا في الأنفس والأموال.* ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس &; 20-189 &; (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَاب الأدنى) يقول: مصائب الدنيا وأسقامها وبلاؤها مما يبتلي الله بها العباد حتى يتوبوا.حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَر لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) قال: العذاب الأدنى بلاء الدنيا، قيل: هي المصائب.حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، عن عروة، عن الحسن العرني، عن ابن أبي ليلى، عن أُبيّ بن كعب (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى) قال: المصيبات في الدنيا قال: والدخان قد مضى، والبطشة واللزام.قال أبو موسى: ترك يحيى بن سعيد، يحيى بن الجزار، نقصان رجل.حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر، قالا ثنا شعبة، عن قتادة، عن ابن عروة، عن الحسن العرني، عن يحيى بن الجزار، عن ابن أبي لَيلى، عن أُبيّ بن كعب، أنه قال: في هذه الآية (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ) قال: مصيبات الدنيا، واللزوم والبطشة، أو الدخان: شكّ شعبة في البطشة أو الدخان.حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قَتادة، عن عروة، عن الحسن العرني، عن يحيى بن الجزّار، عن ابن أبي لَيلى، عن أُبيّ بن كعب، بنحوه، إلا أنه قال: المصيبات واللزوم والبطشة.حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن حباب، عن شعبة، عن قَتادة، عن عروة، عن الحسن العرني، عن يحيى بن الجزّار، عن عبد الرحمن بن أبي لَيلى، عن أُبيّ بن كعب، قال: المصيبات يصابون بها في الدنيا: البطشة، والدخان، واللزوم.حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى) قال: المصائب في الدنيا.قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن جُوَيبر، عن الضحاك (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ) قال: المصيبات في دنياهم وأموالهم.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، حدثه، عن الحسن قوله: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَىَ) : أي مصيبات الدنيا.حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى) قال: أشياء يُصابون بها في الدنيا.وقال آخرون: عنى بها الحدود.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، عن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ) قال: الحدود.وقال آخرون: عنى بها القتل بالسيف، قال: وقتلوا يوم بدر.* ذكر من قال ذلك:حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى) قال: يوم بدر.حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن السديّ، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله مثله.حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن السديّ، عن مسروق، عن عبد الله، مثله.حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عوف عمن حدثه، عن الحسن بن عليّ، أنه قال: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ) قال: القتل بالسيف صبرا.حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الأعلى، عن عوف، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ) قال: القتل بالسيف، كلّ شيء وعد الله هذه الأمة من العذاب الأدنى إنما هو السيف.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا ابن أبي نجيح، عن مجاهد (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ) قال: القتل والجوع لقريش في الدنيا.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قال: كان مجاهد يحدّث &; 20-191 &; عن أُبيّ بن كعب أنه كان يقول: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ) يوم بدر.وقال آخرون: عنى بذلك سنون أصابتهم.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ) قال: سنون أصابتهم.حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، مثله.وقال آخرون: عنى بذلك: عذاب القبر.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ) قال: الأدنى في القبور وعذاب الدنيا.وقال آخرون: ذلك عذاب الدنيا.* ذكر من قال ذلك:حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى) قال: العذاب الأدنى: عذاب الدنيا.وأولى الأقوال في ذلك أن يقال: إن الله وعد هؤلاء الفسقة المكذّبين بوعيده في الدنيا العذاب الأدنى، أن يذيقهموه دون العذاب الأكبر، والعذاب: هو ما كان في الدنيا من بلاء أصابهم، إما شدّة من مجاعة، أو قتل، أو مصائب يصابون بها، فكل ذلك من العذاب الأدنى، ولم يخصص الله تعالى ذكره، إذ وعدهم ذلك أن يعذّبهم بنوع من ذلك دون نوع، وقد عذّبهم بكل ذلك في الدنيا بالقتل والجوع والشدائد والمصائب في الأموال، فأوفى لهم بما وعدهم.وقوله: (دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ) يقول: قيل العذاب الأكبر، وذلك عذاب يوم القيامة.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله (دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ) قال: يوم القيامة.حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن السديّ، عن مسروق، عن عبد الله مثله.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ) يوم القيامة في الآخرة.حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد (دونَ العَذَابِ الأكْبَرِ) يوم القيامة.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة (دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ) يوم القيامة حدّث به قَتادة، عن الحسن.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ) قال: العذاب الأكبر: عذاب الآخرة.وقوله: (لَعَلَّهمْ يَرْجِعُونَ) يقول: كي يرجعوا ويتوبوا بتعذيبهم العذاب الأدنى.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن السديّ، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) قال: يتوبون.حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفر الرازيّ، عن الربيع، عن أبي العالية (لَعَلَّهُمْ يَرْجعونَ) قال: يتوبون.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (لَعَلَّهُمْ يَرْجعونَ) : أي يتوبون.
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ  ٢٢
التفسير الميسرولا أحد أشد ظلمًا لنفسه ممن وعظ بدلائل الله، ثم أعرض عن ذلك كله، فلم يتعظ بمواعظه، ولكنه استكبر عنها، إنا من المجرمين الذين أعرضوا عن آيات الله وحججه، ولم ينتفعوا بها، منتقمون.
تفسير السعديأي: لا أحد أظلم، وأزيد تعديًا، ممن ذكر بآيات ربه، التي أوصلها إليه ربه، الذي يريد تربيته، وتكميل نعمته على أيدي رسله، تأمره، وتذكره مصالحه الدينية والدنيوية، وتنهاه عن مضاره الدينية والدنيوية، التي تقتضي أن يقابلها بالإيمان والتسليم، والانقياد والشكر، فقابلها هذا الظالم بضد ما ينبغي، فلم يؤمن بها، ولا اتبعها، بل أعرض عنها وتركها وراء ظهره، فهذا من أكبر المجرمين، الذين يستحقون شديد النقمة، ولهذا قال: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ
تفسير ابن كثيروقوله تعالى "ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها" أي : لا أظلم ممن ذكره الله بآياته وبينها له ووضحها ، ثم بعد ذلك تركها وجحدها وأعرض عنها وتناساها ، كأنه لا يعرفها .قال قتادة رحمه الله : إياكم والإعراض عن ذكر الله ، فإن من أعرض عن ذكره فقد اغتر أكبر الغرة ، وأعوز أشد العوز ، وعظم من أعظم الذنوب .ولهذا قال تعالى متهددا لمن فعل ذلك : ( إنا من المجرمين منتقمون ) أي : سأنتقم ممن فعل ذلك أشد الانتقام .وقال ابن جرير : حدثني عمران بن بكار الكلاعي ، حدثنا محمد بن المبارك ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، حدثنا عبد العزيز بن عبيد الله ، عن عبادة بن نسي ، عن جنادة بن أبي أمية عن معاذ بن جبل قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ثلاث من فعلهن فقد أجرم ، من عقد لواء في غير حق ، أو عق والديه ، أو مشى مع ظالم ينصره ، فقد أجرم ، يقول الله تعالى : ( إنا من المجرمين منتقمون )ورواه ابن أبي حاتم ، من حديث إسماعيل بن عياش ، به ، وهذا حديث غريب جدا .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون .قوله تعالى : ومن أظلم أي لا أحد أظلم لنفسه . ممن ذكر بآيات ربه أي بحججه وعلاماته . ثم أعرض عنها بترك القبول . إنا من المجرمين منتقمون لتكذيبهم وإعراضهم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)يقول تعالى ذكره: وأيّ الناس أظلم لنفسه ممن وعظه الله بحججه، وآي كتابه، ورسله، ثم أعرض عن ذلك كله، فلم يتعظ بمواعظه، ولكنه استكبر عنها.وقوله: (إنَّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمونَ) يقول: إنا من الذين اكتسبوا الآثام، واجترحوا السيئات منتقمون.وكان بعضهم يقول: عنى بالمجرمين في هذا الموضع: أهل القدر.* ذكر من قال ذلك:حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا مروان بن معاوية، قال: أخبرنا وائل بن داود، عن مروان بن سفيح، عن يزيد بن رفيع، قال: إن قول الله في القرآن (إنَّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ) هم أصحاب القدر، ثم قرأ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ... إلى قوله: خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ .حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا مروان، قال: أخبرنا وائل بن داود، عن ابن سفيح، عن يزيد بن رفيع بنحوه، إلا أنه قال في حديثه: ثم قرأ وائل بن داود هؤلاء الآيات إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ... إلى آخر الآيات.وقال آخرون في ذلك بما حدثني به عمران بن بكار الكلاعي، قال: ثنا محمد بن المبارك، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، قال: ثنا عبد العزيز بن عبيد الله، عن عبادة بن نسيّ، عن جنادة بن أبي أُميَّة، عن معاذ بن جبل، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ثَلاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ أجْرَمَ: مَنِ اعْتَقَدَ لِوَاءً فِي غيرِ حَقّ، أوْ عَقَّ وَالِدَيْهِ، أو مَشَى مَعَ ظالمٍ يَنْصُرُهُ فَقَدْ أجْرَمَ. يَقُولُ اللهُ(إنَّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ) ".
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ  ٢٣
التفسير الميسرولقد آتينا موسى التوراة كما آتيناك -أيها الرسول- القرآن، فلا تكن في شك من لقاء موسى ليلة الإسراء والمعراج، وجعلنا التوراة هداية لبني إسرائيل، تدعوهم إلى الحق وإلى طريق مستقيم.
تفسير السعديلما ذكر تعالى، آياته التي ذكر بها عباده، وهو: القرآن، الذي أنزله على محمد صلى اللّه عليه وسلم، ذكر أنه ليس ببدع من الكتب، ولا من جاء به، بغريب من الرسل، فقد آتى الله موسى الكتاب الذي هو التوراة المصدقة للقرآن، التي قد صدقها القرآن، فتطابق حقهما، وثبت برهانهما، فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ لأنه قد تواردت أدلة الحق وبيناته، فلم يبق للشك والمرية، محل. وَجَعَلْنَاهُ أي: الكتاب الذي آتيناه موسى هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ يهتدون به في أصول دينهم، وفروعه وشرائعه موافقة لذلك الزمان، في بني إسرائيل.وأما هذا القرآن الكريم، فجعله اللّه هداية للناس كلهم، لأنه هداية للخلق، في أمر دينهم ودنياهم، إلى يوم القيامة، وذلك لكماله وعلوه وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ
تفسير ابن كثيريقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله موسى ، عليه السلام ، أنه آتاه الكتاب وهو التوراة .وقوله : ( فلا تكن في مرية من لقائه ) : قال قتادة : يعني به ليلة الإسراء . ثم روي عن أبي العالية الرياحي قال : حدثني ابن عم نبيكم - يعني ابن عباس - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أريت ليلة أسري بي موسى بن عمران ، رجلا آدم طوالا جعدا ، كأنه من رجال شنوءة . ورأيت عيسى رجلا مربوع الخلق ، إلى الحمرة والبياض ، مبسط الرأس ، ورأيت مالكا خازن النار والدجال ، في آيات أراهن الله إياه " ، ( فلا تكن في مرية من لقائه ) ، أنه قد رأى موسى ، ولقي موسى ليلة أسري به .وقال الطبراني : حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا الحسن بن علي الحلواني ، حدثنا روح بن عبادة ، حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ( وجعلناه هدى لبني إسرائيل ) ، قال : جعل موسى هدى لبني إسرائيل ، وفي قوله : ( فلا تكن في مرية من لقائه ) قال : من لقاء موسى ربه عز وجل .وقوله : ( وجعلناه ) أي : الكتاب الذي آتيناه ( هدى لبني إسرائيل ) ، [ كما قال تعالى في سورة الإسراء : ( وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا ) [ الإسراء : 2 ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه أي فلا تكن يا محمد في شك من لقاء موسى ; قاله ابن عباس . وقد لقيه ليلة الإسراء . قتادة : المعنى فلا تكن في شك من أنك لقيته ليلة الإسراء . والمعنى واحد . وقيل : فلا تكن في شك من لقاء موسى في القيامة ، وستلقاه فيها . وقيل : فلا تكن في شك من لقاء موسى الكتاب بالقبول ; قاله مجاهد والزجاج . وعن الحسن أنه قال في معناه : ولقد آتينا موسى الكتاب فأوذي وكذب ، فلا تكن في شك من أنه سيلقاك ما لقيه من التكذيب والأذى ; فالهاء عائدة على مخذوف ، والمعنى من لقاء ما لاقى . النحاس : وهذا قول غريب ، إلا أنه من رواية عمرو بن عبيد . وقيل في الكلام تقديم وتأخير ; والمعنى : قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم فلا تكن في مرية من لقائه ; فجاء معترضا بين ولقد آتينا موسى الكتاب وبين وجعلناه هدى لبني إسرائيل . والضمير في وجعلناه فيه وجهان : أحدهما : جعلنا موسى ; قاله قتادة . الثاني : جعلنا الكتاب ; قاله الحسن .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (23)يقول تعالى ذكره: ولقد آتينا موسى التوراة، كما آتيناك الفرقان يا محمد ( فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ ) يقول: فلا تكن في شكّ من لقائه، فكان قتادة يقول: معنى ذلك: فلا تكن في شكّ من أنك لقيته، أو تلقاه ليلة أُسري بك، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة عن أبي العالية الرياحي، قال: حدثنا ابن عمّ نبيكم -يعني: ابن عباس- قال: قال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: " أُرِيتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مُوسَى بنَ عِمْرَانَ رَجُلا آدَمَ طِوَالا جَعْدًا، كأنَّهُ مِنْ رجالِ شَنُوءَةَ، ورأيْتُ عِيسَى رَجُلا مَربُوعَ الخَلْقِ إلى الحُمْرَةِ والبياضِ، سَبْطَ الرأسِ ورأيْتُ مالِكا خازِنَ النَّارِ، والدَّجَّالَ" فِي آياتٍ أرَاهنَّ اللهُ إيَّاهُ، ( فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ ) أنه قد رأى موسى، ولقى موسى ليلة أُسري به.وقوله: ( وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ) يقول تعالى ذكره: وجعلنا موسى هدى لبني إسرائيل، يعنى: رشادا لهم يرشدون باتباعه، ويصيبون الحقّ بالاقتداء به، والائتمام بقوله.وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) قال: جعل الله موسى هدى لبني إسرائيل.
وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ  ٢٤
التفسير الميسروجعلنا من بني إسرائيل هداة ودعاة إلى الخير، يأتمُّ بهم الناس، ويدعونهم إلى التوحيد وعبادة الله وحده وطاعته، وإنما نالوا هذه الدرجة العالية حين صبروا على أوامر الله، وترك زواجره، والدعوة إليه، وتحمُّل الأذى في سبيله، وكانوا بآيات الله وحججه يوقنون.
تفسير السعدي وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أي: من بني إسرائيل أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا أي: علماء بالشرع، وطرق الهداية، مهتدين في أنفسهم، يهدون غيرهم بذلك الهدى، فالكتاب الذي أنزل إليهم، هدى، والمؤمنون به منهم، على قسمين: أئمة يهدون بأمر اللّه، وأتباع مهتدون بهم.والقسم الأول أرفع الدرجات بعد درجة النبوة والرسالة، وهي درجة الصديقين، وإنما نالوا هذه الدرجة العالية بالصبر على التعلم والتعليم، والدعوة إلى اللّه، والأذى في سبيله، وكفوا أنفسهم عن جماحها في المعاصي، واسترسالها في الشهوات. وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ أي: وصلوا في الإيمان بآيات اللّه، إلى درجة اليقين، وهو العلم التام، الموجب للعمل، وإنما وصلوا إلى درجة اليقين، لأنهم تعلموا تعلمًا صحيحًا، وأخذوا المسائل عن أدلتها المفيدة لليقين.فما زالوا يتعلمون المسائل، ويستدلون عليها بكثرة الدلائل، حتى وصلوا لذاك، فبالصبر واليقين، تُنَالُ الإمامة في الدين.
تفسير ابن كثيروقوله : ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) ، أي : لما كانوا صابرين على أوامر الله وترك نواهيه وزواجره وتصديق رسله واتباعهم فيما جاؤوهم به ، كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمر الله ، ويدعون إلى الخير ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر . ثم لما بدلوا وحرفوا وأولوا ، سلبوا ذلك المقام ، وصارت قلوبهم قاسية ، يحرفون الكلم عن مواضعه ، فلا عمل صالحا ، ولا اعتقاد صحيحا; ولهذا قال : ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ) قال قتادة وسفيان : لما صبروا عن الدنيا : وكذلك قال الحسن بن صالح .قال سفيان : هكذا كان هؤلاء ، ولا ينبغي للرجل أن يكون إماما يقتدى به حتى يتحامى عن الدنيا .قال وكيع : قال سفيان : لا بد للدين من العلم ، كما لا بد للجسد من الخبز .وقال ابن بنت الشافعي : قرأ أبي على عمي - أو : عمي على أبي - سئل سفيان عن قول علي ، رضي الله عنه : الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، ألم تسمع قوله : ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ) ، قال : لما أخذوا برأس الأمر صاروا رؤوسا . قال بعض العلماء : بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين .ولهذا قال تعالى ] : ( ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة [ ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين وآتيناهم بينات من الأمر ] فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ) [ الجاثية : 16 ، 17 ] ، كما قال هنا :
تفسير القرطبيوجعلنا منهم أئمة أي قادة وقدوة يقتدى بهم في دينهم . والكوفيون يقرءون ( أئمة ) النحاس : وهو لحن عند جميع النحويين ; لأنه جمع بين همزتين في كلمة واحدة ، وهو من دقيق النحو .وشرحه : أن الأصل ( أأممة ) ثم ألقيت حركة الميم على الهمزة وأدغمت الميم ، وخففت الهمزة الثانية لئلا يجتمع همزتان ، والجمع بين همزتين في حرفين بعيد ; فأما في حرف واحد فلا يجوز إلا تخفيف الثانية نحو قولك : آدم وآخر . ويقال : هذا أوم من هذا وأيم ; بالواو والياء . وقد مضى هذا في ( براءة ) والله تعالى أعلم . يهدون بأمرنا أي يدعون الخلق إلى طاعتنا . بأمرنا أي أمرناهم بذلك . وقيل : بأمرنا أي لأمرنا ; أي يهدون الناس لديننا . ثم قيل : المراد الأنبياء عليهم السلام ; قاله قتادة . وقيل : المراد الفقهاء والعلماء . لما صبروا قراءة العامة ( لما ) بفتح اللام وتشديد الميم وفتحها ; أي حين صبروا . وقرأ يحيى وحمزة والكسائي وخلف ورويس عن يعقوب : ( لما صبروا ) أي لصبرهم جعلناهم أئمة . واختاره أبو عبيد اعتبارا بقراءة ابن مسعود ( بما صبروا ) بالباء . وهذا الصبر صبر على الدين وعلى البلاء . وقيل : صبروا عن الدنيا .
تفسير الطبريوقوله: (وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أئمَّةً) يقول تعالى ذكره: وجعلنا من بني إسرائيل أئمة، وهي جمع إمام، والإمام الذي يؤتمّ به في خير أو شرّ، وأريد بذلك في هذا الموضع أنه جعل منهم قادة في الخير، يؤتمّ بهم، ويهْتَدى بهديهم.كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أئمَّةً يَهدُونَ بأمْرِنا) قال: رؤساء في الخير. وقوله: (يَهْدُونَ بأمْرِنا) يقول تعالى ذكره: يهدون أتباعهم وأهل القبول منهم بإذننا لهم بذلك، وتقويتنا إياهم عليه.وقوله: (لَمَّا صَبرُوا) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة، وبعض أهل الكوفة (لَمَّا صَبرُوا) بفتح اللام وتشديد الميم، بمعنى: إذ صبروا، وحين صبروا، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة (لِمَا) بكسر اللام وتخفيف الميم بمعنى: لصبرهم عن الدنيا وشهواتها، واجتهادهم في طاعتنا، والعمل بأمرنا، وذُكر أن ذلك فى قراءة ابن مسعود (بِمَا صَبَرُوا) وما إذا كسرت اللام من (لِمَا) في موضع خفض، وإذا فتحت اللام وشدّدت الميم، فلا موضع لها، لأنها حينئذ أداة.والقول عندي في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، قد قرأ بكل واحدة منهما عامة من القراء فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وتأويل الكلام إذا قُرئ ذلك بفتح اللام وتشديد الميم، وجعلنا منهم أئمة يهدون أتباعهم بإذننا إياهم، وتقويتنا إياهم على الهداية، إذ صبروا على طاعتنا، وعزفوا أنفسهم عن لذّات الدنيا وشهواتها. وإذا قرئ بكسر اللام (1) على ما قد وصفنا.وقد حدثنا ابن وكيع، قال: قال أبي، سمعنا في (وَجَعَلْنا مْنِهُمْ أئمَّةً يهدون بأمْرِنا لَمَّا صَبروا) قال: عن الدنيا.وقوله: (وكانُوا بآياتِنا يُوقِنُونَ) يقول: وكانوا أهل يقين بما دلهم عليه حججنا، وأهل تصديق بما تبين لهم من الحقّ، وإيمان برسلنا، وآيات كتابنا وتنزيلنا.-------------------الهوامش :(1) لعله فيكون على ... إلخ .
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ  ٢٥
التفسير الميسرإن ربك -أيها الرسول- يقضي بين المؤمنين والكافرين من بني إسرائيل وغيرهم يوم القيامة بالعدل فيما اختلفوا فيه من أمور الدين، ويجازي كل إنسان بعمله بإدخال أهلِ الجنةِ الجنةَ وأهلِ النارِ النارَ.
تفسير السعديوثَمَّ مسائل اختلف فيها بنو إسرائيل، منهم من أصاب فيها الحق، ومنهم من أخطأه خطأ، أو عمدًا، واللّه تعالى يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وهذا القرآن يقص على بني إسرائيل، بعض الذي يختلفون فيه، فكل خلاف وقع بينهم، ووجد في القرآن تصديق لأحد القولين، فهو الحق، وما عداه مما خالفه، باطل.
تفسير ابن كثير( إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) أي : من الاعتقادات والأعمال .
تفسير القرطبيإن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة أي يقضي ويحكم بين المؤمنين والكفار ، فيجازي كلا بما يستحق . وقيل : يقضي بين الأنبياء وبين قومهم ; حكاه النقاش .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25)يقول تعالى ذكره: إن ربك يا محمد هو يبين جميع خلقه يوم القيامة فيما كانوا فيه في الدنيا يختلفون من أمور الدين والبعث والثواب والعقاب، وغير ذلك من أسباب دينهم، فيفرق بينهم بقضاء فاصل بإيجابه لأهل الحقّ الجنة، ولأهل الباطل النار.
أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ  ٢٦
التفسير الميسرأولم يتبين لهؤلاء المكذبين للرسول: كم أهلكنا من قبلهم من الأمم السابقة يمشون في مساكنهم، فيشاهدونها عِيانًا كقوم هود وصالح ولوط؟ إن في ذلك لآيات وعظات يُستدَلُّ بها على صدق الرسل التي جاءتهم، وبطلان ما هم عليه من الشرك، أفلا يسمع هؤلاء المكذبون بالرسل مواعظ الله وحججه، فينتفعون بها؟
تفسير السعدييعني: أولم يتبين لهؤلاء المكذبين للرسول، ويهدهم إلى الصواب. كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ الذين سلكوا مسلكهم، يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ فيشاهدونها عيانًا، كقوم هود، وصالح، وقوم لوط. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ يستدل بها، على صدق الرسل، التي جاءتهم، وبطلان ما هم عليه، من الشرك والشر، وعلى أن من فعل مثل فعلهم، فُعِلَ بهم، كما فُعِلَ بأشياعه من قبل.وعلى أن اللّه تعالى مجازي العباد، وباعثهم للحشر والتناد. أَفَلَا يَسْمَعُونَ آيات اللّه، فيعونها، فينتفعون بها، فلو كان لهم سمع صحيح، وعقل رجيح، لم يقيموا على حالة يجزم بها، بالهلاك.
تفسير ابن كثيرقول تعالى : أولم يهد لهؤلاء المكذبين بالرسل ما أهلك الله قبلهم من الأمم الماضية ، بتكذيبهم الرسل ومخالفتهم إياهم فيما جاءوهم به من قويم السبل ، فلم يبق منهم باقية ولا عين ولا أثر ؟ ( هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ) [ مريم : 98 ] ; ولهذا قال : ( يمشون في مساكنهم ) أي : وهؤلاء المكذبون يمشون في مساكن أولئك المكذبين فلا يرون فيها أحدا ممن كان يسكنها ويعمرها ، ذهبوا منها ، ( كأن لم يغنوا فيها ) [ الأعراف : 92 ] ، كما قال : ( فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ) [ النمل : 52 ] ، وقال : ( فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) [ الحج : 45 ، 46 ] ; ولهذا قال هاهنا : ( إن في ذلك لآيات ) أي : إن في ذهاب أولئك القوم ودمارهم وما حل بهم بسبب تكذيبهم الرسل ، ونجاة من آمن بهم ، لآيات وعبر ومواعظ ودلائل متظاهرة .( أفلا يسمعون ) أي : أخبار من تقدم ، كيف كان أمرهم ؟ .
تفسير القرطبيقوله تعالى : أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون .قوله تعالى : أولم يهد لهم وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وقتادة وأبو زيد عن يعقوب ( نهد لهم ) بالنون ; فهذه قراءة بينة . النحاس : وبالياء فيها إشكال ; لأنه يقال : الفعل لا يخلو من فاعل ، فأين الفاعل ل ( يهد ) ؟ فتكلم النحويون في هذا ; فقال الفراء : كم في موضع رفع ب ( يهد ) وهذا نقض لأصول النحويين في قولهم : إن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ولا في كم بوجه ; أعني ما قبلها . ومذهب أبي العباس أن يهد يدل على الهدى ; والمعنى أو لم يهد لهم الهدى . وقيل : المعنى أو لم يهد الله لهم ; فيكون معنى الياء والنون واحدا ; أي أو لم نبين لهم إهلاكنا القرون الكافرة من قبلهم . وقال الزجاج : كم في موضع نصب ب ( أهلكنا ) . يمشون في مساكنهم يحتمل الضمير في يمشون أن يعود على الماشين في مساكن المهلكين ; أي وهؤلاء يمشون ولا يعتبرون . ويحتمل أن يعود على المهلكين فيكون حالا ; والمعنى : أهلكناهم ماشين في مساكنهم . إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون آيات الله وعظاته فيتعظون .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (26)كما: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس (أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ) يقول: أولم يبين لهم، وعلى القراءة بالياء في ذلك قرّاء الأمصار، وكذلك القراءة عندنا لإجماع الحجة من القرّاء، بمعنى: أولم يبين لهم إهلاكنا القرون الخالية من قبلهم، سنتنا فيمن سلك سبيلهم من الكفر بآياتنا، فيتعظوا وينزجروا. وقوله: (كَمْ) إذا قُرئ(يهْدِ) بالياء، في موضع رفع بيهد. وأما إذا قرئ ذلك بالنون (أوَلَمْ نَهْدِ) فإن موضع (كم) وما بعدها نصب. وقوله: (يَمْشونَ فِي مَساكِنهمْ) يقول تعالى ذكره: أولم يبين لهن كثرة إهلاكنا القرون الماضية من قبلهم يمشون في بلادهم وأرضهم، كعاد وثمود.كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (أولَمْ يهْدِ لَهُمْ كَمْ أهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهمْ مِنَ القُرُونِ) عاد وثمود، وأنهم إليهم لا يُرجعون.وقوله: (إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ) يقول تعالى ذكره: إن في خلاء مساكن القرون الذين أهلكناهم من قبل هؤلاء المكذّبين بآيات الله من قريش من أهلها الذين كانوا سكانها وعمَّارها بإهلاكنا إياهم لما كذّبوا رسلنا، وجحدوا بآياتنا، وعبدوا من دون الله آلهة غيره التي يمرّون بها فيعاينونها، لآيات لهم وعظات يتعظون بها، لو كانوا أولي حجا وعقول، يقول الله: (أفلا يَسْمَعُونَ) عظات الله وتذكيره إياهم آياته، وتعريفهم مواضع حججه؟.
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا يُبۡصِرُونَ  ٢٧
التفسير الميسرأولم ير المكذبون بالبعث بعد الموت أننا نسوق الماء إلى الأرض اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها، فنخرج به زرعًا مختلفًا ألوانه تأكل منه أنعامهم، وتتغذى به أبدانهم فيعيشون به؟ أفلا يرون هذه النعم بأعينهم، فيعلموا أن الله الذي فعل ذلك قادر على إحياء الأموات ونَشْرهم من قبورهم؟
تفسير السعدي أَوَلَمْ يَرَوْا بأبصارهم نعمتنا، وكمال حكمتنا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ التي لا نبات فيها، فيسوق اللّه المطر، الذي لم يكن قبل موجودًا فيها، فيفرغه فيها، من السحاب، أو من الأنهار. فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا أي: نباتًا، مختلف الأنواع تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وهو نبات البهائم وَأَنْفُسهمْ وهو طعام الآدميين. أَفَلَا يُبْصِرُونَ تلك المنة، التي أحيا اللّه بها البلاد والعباد، فيستبصرون فيهتدون بذلك البصر، وتلك البصيرة، إلى الصراط المستقيم، ولكن غلب عليهم العمى، واستولت عليهم الغفلة، فلم يبصروا في ذلك، بصر الرجال، وإنما نظروا إلى ذلك، نظر الغفلة، ومجرد العادة، فلم يوفقوا للخير.
تفسير ابن كثيروقوله : ( أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز ) : يبين تعالى لطفه بخلقه ، وإحسانه إليهم في إرساله الماء إما من السماء أو من السيح ، وهو : ما تحمله الأنهار وينحدر من الجبال إلى الأراضي المحتاجة إليه في أوقاته; ولهذا قال : ( إلى الأرض الجرز ) ، وهي [ الأرض ] التي لا نبات فيها ، كما قال تعالى : ( وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا ) [ الكهف : 8 ] ، أي : يبسا لا تنبت شيئا وليس المراد من قوله : ( إلى الأرض الجرز ) أرض مصر فقط ، بل هي بعض المقصود ، وإن مثل بها كثير من المفسرين فليست [ هي ] المقصودة وحدها ، ولكنها مرادة قطعا من هذه الآية ، فإنها في نفسها أرض رخوة غليظة تحتاج من الماء ما لو نزل عليها مطرا لتهدمت أبنيتها ، فيسوق الله إليها النيل بما يتحمله من الزيادة الحاصلة من أمطار بلاد الحبشة ، وفيه طين أحمر ، فيغشى أرض مصر ، وهي أرض سبخة مرملة محتاجة إلى ذلك الماء ، وذلك الطين أيضا لينبت الزرع فيه ، فيستغلون كل سنة على ماء جديد ممطور في غير بلادهم ، وطين جديد من غير أرضهم ، فسبحان الحكيم الكريم المنان المحمود ابتداء .قال ابن لهيعة ، عن قيس بن حجاج ، عمن حدثه قال : لما فتحت مصر ، أتى أهلها عمرو بن العاص - [ وكان أميرا بها ] - حين دخل بئونة من أشهر العجم ، فقالوا : أيها الأمير ، إن لنيلنا سنة لا يجري إلا بها . قال : وما ذاك ؟ قالوا : إذا كانت ثنتا عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها ، فأرضينا أبويها ، وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون ، ثم ألقيناها في هذا النيل . فقال لهم عمرو : إن هذا لا يكون في الإسلام ، إن الإسلام يهدم ما كان قبله . فأقاموا بئونة والنيل لا يجري ، حتى هموا بالجلاء ، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك ، فكتب إليه : إنك قد أصبت بالذي فعلت ، وقد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي هذا ، فألقها في النيل . فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة ففتحها فإذا فيها : من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر ، أما بعد . . . فإنك إن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجر ، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله أن يجريك . قال : فألقى البطاقة في النيل ، وأصبحوا يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة ، وقطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم . رواه الحافظ أبو القاسم اللالكائي الطبري في كتاب " السنة " له .ولهذا قال تعالى : ( أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون ) ، كما قال تعالى : ( فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا [ متاعا لكم ولأنعامكم ] ) [ عبس : 24 - 32 ] ; ولهذا قال هاهنا : ( أفلا يبصرون ) . وقال ابن أبي نجيح ، عن رجل ، عن ابن عباس في قوله : ( إلى الأرض الجرز ) قال : هي التي لا تمطر إلا مطرا لا يغني عنها شيئا ، إلا ما يأتيها من السيول .وعن ابن عباس ، ومجاهد : هي أرض باليمن .وقال الحسن ، رحمه الله : هي قرى فيما بين اليمن والشام .وقال عكرمة ، والضحاك ، وقتادة ، والسدي ، وابن زيد : الأرض الجرز : التي لا نبات فيها وهي مغبرة .قلت : وهذا كقوله : ( وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون ) [ يس : 33 - 35 ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى : أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون .قوله تعالى : أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز أي أولم يعلموا كمال قدرتنا بسوقنا الماء إلى الأرض اليابسة التي لا نبات فيها لنحييها . الزمخشري : الجرز الأرض التي جرز نباتها ، أي قطع ; إما لعدم الماء وإما لأنه رعي وأزيل . ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز ; ويدل عليه قوله تعالى : فنخرج به زرعا قال ابن عباس : هي أرض باليمن . وقال مجاهد : هي أبين . وقال عكرمة : هي الأرض الظمأى . وقال الضحاك : هي الأرض الميتة العطشى . وقال الفراء : هي الأرض التي لا نبات فيها . وقال الأصمعي : هي الأرض التي لا تنبت شيئا . وقال محمد بن يزيد : يبعد أن تكون لأرض بعينها لدخول الألف واللام ; إلا أنه يجوز على قول من قال : العباس والضحاك . والإسناد عن ابن عباس صحيح لا مطعن فيه . وهذا إنما هو نعت والنعت للمعرفة يكون بالألف واللام ; وهو مشتق من قولهم : رجل جروز إذا كان لا يبقي شيئا إلا أكله . قال الراجز :خب جروز وإذا جاع بكى ويأكل التمر ولا يلقي النوىوكذلك ناقة جروز : إذا كانت تأكل كل شيء تجده . وسيف جراز : أي قاطع ماض . وجرزت الجراد الزرع : إذا استأصلته بالأكل . وحكى الفراء وغيره أنه يقال : أرض جرز وجرز وجرز وجرز . وكذلك بخل ورغب ورهب ; في الأربعة أربع لغات . وقد روي أن هذه الأرض لا أنهار فيها ، وهي بعيدة من البحر ، وإنما يأتيها في كل عام ودان فيزرعون ثلاث مرات في كل عام . وعن مجاهد أيضا : أنها أرض النيل . فنخرج به أي بالماء . زرعا تأكل منه أنعامهم من الكلأ والحشيش . وأنفسهم من الحب والخضر والفواكه . أفلا يبصرون هذا فيعلمون أنا نقدر على إعادتهم . و ( فنخرج ) يكون معطوفا على ( نسوق ) أو منقطعا مما قبله . تأكل منه أنعامهم في موضع نصب على النعت .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (27)يقول تعالى ذكره: أولم ير هؤلاء المكذّبون بالبعث بعد الموت، والنشر بعد الفناء، أنا بقُدرتنا نسوق الماء إلى الأرض اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها، وأصله من قولهم: ناقة جرز: إذا كانت تأكل كلّ شيء، وكذلك الأرض الجروز: التي لا يبقى على ظهرها شيء إلا أفسدته، نظير أكل الناقة الجراز كلّ ما وجدته، ومنه قولهم للأنسان الأكول: جَرُوز، كما قال الراجز:خَبّ جَرُوزٌ وَإذَا .... (2)ومنه قيل للسيف إذا كان لا يبقي شيئا إلا قطعه سيف جراز، فيه لغات أربع: أرض جُرُز، وجَرْز، وجِرز وجُرْز، والفتح لبني تميم فيما بلغني.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن ابن عباس (الأرْضِ الجُرُزِ) أرض باليمن.حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: أرض باليمن.قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن المبارك عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (أوَلَمْ يَرَوْا أنَّا نسُوق الماء إلى الأرْضِ الجُرُزِ) قال: أبين (3) ونحوها.حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا عبد الرزاق بن عمر، عن ابن المبارك، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال: ونحوها من الأرض.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن رجل، عن ابن عباس في قوله: (إلى الأرْضِ الجُرُزِ) قال: الجرز: التي لا تمْطر إلا مطرا لا يغني عنها شيئا، إلا ما يأتيها من السيول.حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن جُوَيبر، عن الضحاك (إلى الأرْضِ الجُرُزِ) ليس فيها نبت.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة (أوَلَمْ يَرَوْا أنَّا نَسوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ) المغبرة.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (أوَلَمْ يَرَوْا أنَّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ) قال: الأرض الجرز: التي ليس فيها شيء، ليس فيها نبات، وفي قوله: صَعِيدًا جُرُزًا قال: ليس عليها شيء، وليس فيها نبات ولا شيء (فنخرجُ به زرعًا تأكلُ منهُ أنعامهُمْ وَأنْفُسُهُمْ) يقول تعالى ذكره: فنخرج بذلك الماء الذي نسوقه إليها على يبسها وغلظها وطول عهدها بالماء زرعا خضرا، تأكل منه مواشيهم، وتغذّى به أبدانهم وأجسامهم فيعيشون به (أفَلا يُبْصرُونَ) يقول تعالى ذكره: أفلا يرون ذلك بأعينهم، فيعلموا برؤيتهموه أن القدرة التي بها فعلت ذلك لا يتعذّر عليّ أن أحيي بها الأموات، وأنشرهم من قبورهم، وأعيدهم بهيئاتهم التي كانوا بها قبل وفاتهم.------------------الهوامش :(2) هذا جزء من بيت من مشطور الرجز، أورده الشوكاني في تفسيره المسمى فتح القدير (4 : 249) طبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده. وهناك البيت بتمامه مع ما يليه:خَبّ جَرُوزٌ وَإِذَا جَاعَ بَكَىوَيَأْكُلُ التَّمْرَ وَلا يُلْقي النَّوَىوهو شاهد عند تفسير قوله تعالى: (أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز). قال أبو عبيدة مجاز القرآن (الورقة 193 - أ): الأرض الجرز: أي اليابسة الغليظة التي لم يصبها مطر. ا ه. وقال الفراء في معاني القرآن (الورقة 253): الجرز التي لا نبات فيها. ويقال للناقة إنها لجراز: إذا كانت تأكل كل شيء، وللإنسان: إنه لجروز: إذا كان أكولا. وسيف جراز: إذا كان لا يبقى شيئًا إلا قطعه.(3) إبين بكسر الهمزة وفتحها وسكون الباء، وباء مفتوحة: اسم رجل كان في الزمان القديم، ويقال: ذوأبين، وهو الذي ينسب إليه عدن إبين من بلاد اليمن. فلعل راوي الأثر يريد هذا الموضع. (انظر البكري في المعجم).
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡفَتۡحُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ  ٢٨
التفسير الميسريستعجل هؤلاء المشركون بالله العذاب، فيقولون: متى هذا الحكم الذي يقضي بيننا وبينكم بتعذيبنا على زعمكم إن كنتم صادقين في دعواكم؟
تفسير السعديأي: يستعجل المجرمون بالعذاب، الذي وعدوا به على التكذيب، جهلاً منهم ومعاندة. وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ الذي يفتح بيننا وبينكم، بتعذيبنا على زعمكم إِنْ كُنْتُمْ أيها الرسل صَادِقِينَ في دعواكم.
تفسير ابن كثيريقول تعالى مخبرا عن استعجال الكفار وقوع بأس الله بهم ، وحلول غضبه ونقمته عليهم ، استبعادا وتكذيبا وعنادا : ( ويقولون متى هذا الفتح ) ؟ أي : متى تنصر علينا يا محمد ؟ كما تزعم أن لك وقتا تدال علينا ، وينتقم لك منا ، فمتى يكون هذا ؟ ما نراك أنت وأصحابك إلا مختفين خائفين ذليلين!
تفسير القرطبيقوله تعالى : ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين متى في موضع رفع ، ويجوز أن يكون في موضع نصب على الظرف . قال قتادة : الفتح القضاء . وقال الفراء والقتبي : يعني فتح مكة . وأولى من هذا ما قاله مجاهد ، قال : يعني يوم القيامة . ويروى أن المؤمنين قالوا : سيحكم الله عز وجل بيننا يوم القيامة فيثيب المحسن ويعاقب المسيء . فقال الكفار على التهزئ . متى يوم الفتح ؟ أي هذا الحكم . ويقال للحاكم : فاتح وفتاح ; لأن الأشياء تنفتح على يديه وتنفصل . وفي القرآن : ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وقد مضى هذا في ( البقرة ) وغيرها .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (28)يقول تعالى ذكره: ( وَيَقُولُونَ ) هؤلاء المشركون بالله يا محمد، لك: ( مَتَى هَذَا الْفَتْحُ ) واختلف في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: متى يجيء هذا الحكم بيننا وبينكم، ومتى يكون هذا الثواب والعقاب.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة في قوله: ( وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) قال: قال أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم: إن لنا يوما أوشك أن نستريح فيه وننعم فيه. فقال المشركون: (مَتى هذا الفَتْحُ إن كُنْتُمْ صَادِقِينَ).وقال آخرون: بل عنى بذلك فتح مكة.والصواب من القول في ذلك قول من قال: معناه: ويقولون: متى يجيء هذا الحكم بيننا وبينكم، يعنون العذاب.
قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ  ٢٩
التفسير الميسرقل لهم -أيها الرسول-: يوم القضاء الذي يقع فيه عقابكم، وتعاينون فيه الموت لا ينفع الكفار إيمانهم، ولا هم يؤخرون للتوبة والمراجعة.
تفسير السعدي قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ الذي يحصل به عقابكم، لا تستفيدون به شيئًا، فلو كان إذا حصل، حصل إمهالكم، لتستدركوا ما فاتكم، حين صار الأمر عندكم يقينًا، لكان لذلك وجه، ولكن إذا جاء يوم الفتح، انقضى الأمر، ولم يبق للمحنة محل ف لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ لأنه صار إيمان ضرورة، وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ أي: يمهلون، فيؤخر عنهم العذاب، فيستدركون أمرهم.
تفسير ابن كثيرقال الله تعالى : ( قل يوم الفتح ) أي : إذا حل بكم بأس الله وسخطه وغضبه في الدنيا وفي الأخرى ، ( لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون ) ، كما قال تعالى : ( فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون ) [ غافر : 83 - 85 ] ، ومن زعم أن المراد من هذا الفتح فتح مكة فقد أبعد النجعة ، وأخطأ فأفحش ، فإن يوم الفتح قد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إسلام الطلقاء ، وقد كانوا قريبا من ألفين ، ولو كان المراد فتح مكة لما قبل إسلامهم; لقوله : ( قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون ) ، وإنما المراد الفتح الذي هو القضاء والفصل ، كقوله تعالى : ( فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين ) [ الشعراء : 118 ] ، وكقوله : ( قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم ) [ سبأ : 26 ] ، وقال تعالى : ( واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد ) [ إبراهيم : 15 ] ، وقال : ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ) [ البقرة : 89 ] ، وقال : ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) [ الأنفال : 19 ] .
تفسير القرطبيقل يوم الفتح على الظرف . وأجاز الفراء الرفع . لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون أي يؤخرون ويمهلون للتوبة ; إن كان يوم الفتح يوم بدر أو فتح مكة . ففي بدر قتلوا ، ويوم الفتح هربوا فلحقهم خالد بن الوليد فقتلهم .
تفسير الطبرييدلّ على أن ذلك معناه قوله: ( قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ) ولا شكَّ أن الكفار قد كان جعل الله لهم التوبة قبل فتح مكة وبعده، ولو كان معنى قوله: ( مَتَى هَذَا الْفَتْحُ ) على ما قاله من قال: يعني به فتح مكة، لكان لا توبة لمن أسلم من المشركين بعد فتح مكة، ولا شكّ أن الله قد تاب على بشر كثير من المشركين بعد فتح مكة، ونفعهم بالإيمان به وبرسوله، فمعلوم بذلك صحة ما قلنا من التأويل، وفساد ما خالفه. وقوله: ( إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) يعنى: إن كنتم صادقين في الذي تقولون، من أنا معاقبون على تكذيبنا محمدا صلى الله عليه وسلم، وعبادتنا الآلهة والأوثان.وقوله: ( قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ ) يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهم يوم الحكم، ومجيء العذاب: لا ينفع من كفر بالله وبآياته إيمانهم الذي يحدثونه في ذلك الوقت.كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ ) قال: يوم الفتح إذا جاء العذابحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( يَوْمَ الْفَتْحِ ) يوم القيامة، ونصب اليوم في قوله: ( قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ ) ردّا على متى، وذلك أن (متى) في موضع نصب. ومعنى الكلام: أنى حينُ هذا الفتح إن كنتم صادقين؟ ثم قيل: يوم كذا، وبه قرأ القرّاء.وقوله: (وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) يقول: ولا هم يؤخرون للتوبة والمراجعة.
فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَٱنتَظِرۡ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ  ٣٠
التفسير الميسرفأعرض -أيها الرسول- عن هؤلاء المشركين، ولا تبال بتكذيبهم، وانتظر ما الله صانع بهم، إنهم منتظرون ومتربصون بكم دوائر السوء، فسيخزيهم الله ويذلهم، وينصرك عليهم. وقد فعل فله الحمد والمنة.
تفسير السعدي فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ لما وصل خطابهم إلى حالة الجهل، واستعجال العذاب. وَانْتَظِرْ الأمر الذي يحل بهم، فإنه لا بد منه، ولكن له أجل، إذا جاء لا يتقدم ولا يتأخر. إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ بك ريب المنون، ومتربصون بكم دوائر السوء، والعاقبة للتقوى.تم تفسير سورة السجدة - بحول اللّه ومنه فله تعالى كمال الحمد والثناء والمجد.
تفسير ابن كثيرثم قال : ( فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون ) أي : أعرض عن هؤلاء المشركين وبلغ ما أنزل إليك من ربك ، كقوله : ( اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين ) [ الأنعام : 106 ] ، وانتظر فإن الله سينجز لك ما وعدك ، وسينصرك على من خالفك ، إنه لا يخلف الميعاد .وقوله : ( إنهم منتظرون ) أي : أنت منتظر ، وهم منتظرون ، ويتربصون بكم الدوائر ، ( أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ) [ الطور : 30 ] ، وسترى أنت عاقبة صبرك عليهم وعلى أداء رسالة الله ، في نصرتك وتأييدك ، وسيجدون غب ما ينتظرونه فيك وفي أصحابك ، من وبيل عقاب الله لهم ، وحلول عذابه بهم ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، [ والله أعلم ] .[ آخر تفسير سورة " الم السجدة " ]
تفسير القرطبيقوله تعالى : فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون .قوله تعالى : فأعرض عنهم معناه فأعرض عن سفههم ولا تجبهم إلا بما أمرت به . وانتظر إنهم منتظرون أي انتظر يوم الفتح ، يوم يحكم الله لك عليهم . ابن عباس : فأعرض عنهم أي عن مشركي قريش مكة ، وأن هذا منسوخ بالسيف في ( براءة ) في قوله : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم . وانتظر أي موعدي لك . قيل : يعني يوم بدر . إنهم منتظرون أي ينتظرون بكم حوادث الزمان . وقيل : الآية غير منسوخة ; إذ قد يقع الإعراض مع الأمر بالقتال كالهدنة وغيرها . وقيل : أعرض عنهم بعدما بلغت الحجة ، وانتظر إنهم منتظرون . إن قيل : كيف ينتظرون القيامة وهم لا يؤمنون ؟ ففي هذا جوابان : أحدهما : أن يكون المعنى أنهم منتظرون الموت وهو من أسباب القيامة ; فيكون هذا مجازا . والآخر : أن فيهم من يشك وفيهم من يؤمن بالقيامة ; فيكون هذا جوابا لهذين الصنفين . والله أعلم . وقرأ ابن السميقع : ( إنهم منتظرون ) بفتح الظاء . ورويت عن مجاهد وابن محيصن . قال الفراء : لا يصح هذا إلا بإضمار ، مجازه : إنهم منتظرون بهم . قال أبو حاتم : الصحيح الكسر ; أي انتظر عذابهم إنهم منتظرون هلاكك . وقد قيل : إن قراءة ابن السميقع ( بفتح الظاء ) معناها : وانتظر هلاكهم فإنهم أحقاء بأن ينتظر هلاكهم ; يعني : إنهم هالكون لا محالة ، وانتظر ذلك فإن الملائكة في السماء ينتظرونه ; ذكره الزمخشري . وهو معنى قول الفراء . والله أعلم .
تفسير الطبريوقوله: (فأعْرِض عَنْهُمْ وانْتَظِرْ إنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ) يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فأعرض يا محمد عن هؤلاء المشركين بالله، القائلين لك: متى هذا الفتح المستعجليك بالعذاب، وانتظر ما الله صانع بهم، إنهم منتظرون ما تعدهم من العذاب ومجيء الساعة.كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (فَأعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ) يعني يوم القيامة.آخر تفسير سورة السجدة، ولله الحمد والمنة.
من نحن

موقع الحياة بالإسلام هو موقع إسلامي، يقدم لكم العديد من المواضيع الاسلامية على منهاج الكتاب و السنة، كما يتضمن بعض قراءات القران الكريم بالرسم العثماني بأصوات اشهر القراء حول العالم

عرض المزيد
إشارات

التين , سُورَةُ هُودٍ , سُورَةُ الجُمُعَةِ , الكوثر , معيض الحارثي , القارئ سيلمان الشبيبي , القارئ عبدالرحمن الشحات , محمد عبدالحكيم سعيد العبدالله , قراءة يعقوب الحضرمي بروايتي رويس وروح , المصحف المعلم , قالون عن نافع من طريق أبي نشيط , خلف عن حمزة ,

عرض المزيد