وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٖ وَإِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۖ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ٧التفسير الميسرواذكر -أيها النبي- حين أخذنا من النبيين العهد المؤكد بتبليغ الرسالة، وأخذنا الميثاق منك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم (وهم أولو العزم من الرسل على المشهور)، وأخذنا منهم عهدًا مؤكدًا بتبليغ الرسالة وأداء الأمانة، وأن يُصَدِّق بعضهم بعضًا.
تفسير السعدييخبر تعالى أنه أخذ من النبيين عمومًا، ومن أولي العزم -وهم، هؤلاء الخمسة المذكورون- خصوصًا، ميثاقهم الغليظ وعهدهم الثقيل المؤكد، على القيام بدين اللّه والجهاد في سبيله، وأن هذا سبيل، قد مشى الأنبياء المتقدمون، حتى ختموا بسيدهم وأفضلهم، محمد صلى اللّه عليه وسلم، وأمر الناس بالاقتداء بهم.
تفسير ابن كثيريقول تعالى مخبرا عن أولي العزم الخمسة ، وبقية الأنبياء : أنه أخذ عليهم العهد والميثاق في إقامة دين الله ، وإبلاغ رسالته ، والتعاون والتناصر والاتفاق ، كما قال تعالى : ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ) [ آل عمران : 81 ] فهذا العهد والميثاق أخذ عليهم بعد إرسالهم ، وكذلك هذا . ونص من بينهم على هؤلاء الخمسة ، وهم أولو العزم ، وهو من باب عطف الخاص على العام ، وقد صرح بذكرهم أيضا في هذه الآية ، وفي قوله : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) [ الشورى : 13 ] ، فذكر الطرفين والوسط ، الفاتح والخاتم ، ومن بينهما على [ هذا ] الترتيب . فهذه هي الوصية التي أخذ عليهم الميثاق بها ، كما قال : ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم [ وموسى وعيسى ابن مريم ] ) ، فبدأ في هذه الآية بالخاتم; لشرفه - صلوات الله [ وسلامه ] عليه - ثم رتبهم بحسب وجودهم صلوات الله [ وسلامه ] عليهم .قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة الدمشقي ، حدثنا محمد بن بكار ، حدثنا سعيد بن بشير ، حدثني قتادة ، عن الحسن ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، في قول الله تعالى : ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ) الآية : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث ، [ فبدئ بي ] قبلهم " سعيد بن بشير فيه ضعف .وقد رواه سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة مرسلا وهو أشبه ، ورواه بعضهم عن قتادة موقوفا ، والله أعلم .وقال أبو بكر البزار : حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا أبو أحمد ، حدثنا حمزة الزيات ، حدثنا علي بن ثابت ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : خيار ولد آدم خمسة : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد ، وخيرهم محمد صلى الله عليه وسلم أجمعين . موقوف ، وحمزة فيه ضعف .وقد قيل : إن المراد بهذا الميثاق الذي أخذ منهم حين أخرجوا في صورة الذر من صلب آدم ، كما قال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب قال : ورفع أباهم آدم ، فنظر إليهم - يعني ذريته - وأن فيهم الغني والفقير ، وحسن الصورة ، ودون ذلك ، فقال : رب ، لو سويت بين عبادك ؟ فقال : إني أحببت أن أشكر . وأرى فيهم الأنبياء مثل السرج ، عليهم كالنور ، وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة ، فهو الذي يقول الله تعالى : ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح [ وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ] ) الآية . وهذا قول مجاهد أيضا .وقال ابن عباس : الميثاق الغليظ : العهد .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا .قوله تعالى : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم أي عهدهم على الوفاء بما حملوا ، وأن يبشر بعضهم ببعض ، ويصدق بعضهم بعضا ; أي كان مسطورا حين كتب الله ما هو كائن ، وحين أخذ الله تعالى المواثيق من الأنبياء . ومنك يا محمد ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وإنما خص هؤلاء الخمسة وإن دخلوا في زمرة النبيين تفضيلا لهم . وقيل : لأنهم أصحاب الشرائع والكتب ،وأولو العزم من الرسل وأئمة الأمم . ويحتمل أن يكون هذا تعظيما في قطع الولاية بين المسلمين والكافرين ; أي هذا مما لم تختلف فيه الشرائع ، أي شرائع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . أي كان في ابتداء الإسلام توارث بالهجرة ، والهجرة سبب متأكد في الديانة ، ثم توارثوا بالقرابة مع الإيمان وهو سبب وكيد ; فأما التوارث بين مؤمن وكافر فلم يكن في دين أحد من الأنبياء الذين أخذ عليهم المواثيق ; فلا تداهنوا في الدين ولا تمالئوا الكفار . ونظيره : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا إلى قوله ولا تتفرقوا فيه .ومن ترك التفرق في الدين ترك موالاة الكفار . وقيل : أي النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم كان ذلك في الكتاب مسطورا ومأخوذا به المواثيق من الأنبياء . وأخذنا منهم ميثاقا غليظا أي عهدا وثيقا عظيما على الوفاء بما التزموا من تبليغ الرسالة ، وأن يصدق بعضهم بعضا . والميثاق هو اليمين بالله تعالى ; فالميثاق الثاني تأكيد للميثاق الأول باليمين . وقيل : الأول هو الإقرار بالله تعالى ، والثاني في أمر النبوة . ونظير هذا قوله تعالى : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري الآية . أي أخذ عليهم أن يعلنوا أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويعلن محمد صلى الله عليه وسلم أن لا نبي بعده . وقدم محمدا في الذكر لما روى قتادة عن الحسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح قال : كنت أولهم في الخلق وآخرهم في البعث . وقال مجاهد : هذا في ظهر آدم عليه الصلاة والسلام .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (7)يقول تعالى ذكره: كان ذلك في الكتاب مسطورا، إذ كتبنا كلّ ما هو كائن في الكتاب (وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبيِّينَ مِيثاقَهُمْ) كان ذلك أيضا في الكتاب مسطورا، ويعني بالميثاق: العهد، وقد بيَّنا ذلك بشواهده فيما مضى قبل (وَمِنْكَ) يا محمد ( وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ) يقول: وأخذنا من جميعهم عهدا مؤكدا أن يصدّق بعضهم بعضا.كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ ) قال: وذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " كُنْتُ أوَّلَ الأنْبِياءِ فِي الخَلْقِ، وآخِرَهُمْ فِي البَعْثِ"، ( وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ) ميثاق أخذه الله على النبيين، خصوصا أن يصدّق بعضهم بعضا، وأن يتبع بعضهم بعضا.حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، قال: كان قتادة إذا تلا هذه الآية ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ ) قال: كان نبيّ الله صلى الله عليه وسلم في أوّل النبيين في الخلق.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ ) قال: في ظهر آدم.حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ( وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ) قال: الميثاق الغليظ: العهد.
لِّيَسۡـَٔلَ ٱلصَّٰدِقِينَ عَن صِدۡقِهِمۡۚ وَأَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٨التفسير الميسر(أخذ الله ذلك العهد من أولئك الرسل) ليسأل المرسلين عمَّا أجابتهم به أممهم، فيجزي الله المؤمنين الجنة، وأعد للكافرين يوم القيامة عذابًا شديدًا في جهنم.
تفسير السعديوسيسأل اللّه الأنبياء وأتباعهم، عن هذا العهد الغليظ هل وفوا فيه، وصدقوا؟ فيثيبهم جنات النعيم؟ أم كفروا، فيعذبهم العذاب الأليم؟ قال تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ
تفسير ابن كثيروقوله : ( ليسأل الصادقين عن صدقهم ) ، قال مجاهد : المبلغين المؤدين عن الرسل .وقوله : ( وأعد للكافرين ) أي : من أممهم ) عذابا أليما ) أي : موجعا ، فنحن نشهد أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم ، ونصحوا الأمم وأفصحوا لهم عن الحق المبين ، الواضح الجلي ، الذي لا لبس فيه ، ولا شك ، ولا امتراء ، وإن كذبهم من كذبهم من الجهلة والمعاندين والمارقين والقاسطين ، فما جاءت به الرسل هو الحق ، ومن خالفهم فهو على الضلال .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما .قوله تعالى : ليسأل الصادقين عن صدقهم فيه أربعة أوجه :أحدها : ليسأل الأنبياء عن تبليغهم الرسالة إلى قومهم ; حكاه النقاش . وفي هذا تنبيه ; أي إذا كان الأنبياء يسألون فكيف من سواهم ؟الثاني : ليسأل الأنبياء عما أجابهم به قومهم ; حكاه علي بن عيسى .الثالث : ليسأل الأنبياء عليهم السلام عن الوفاء بالميثاق الذي أخذه عليهم ; حكاه ابن شجرة .الرابع : ليسأل الأفواه الصادقة عن القلوب المخلصة ، وفي التنزيل : فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين . وقد تقدم . وقيل : فائدة سؤالهم توبيخ الكفار ; كما قال تعالى : أأنت قلت للناس . وأعد للكافرين عذابا أليما وهو عذاب جهنم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (8)يقول تعالى ذكره: أخذنا من هؤلاء الأنبياء ميثاقهم كيما أسأل المرسلين عما أجابتهم به أممهم، وما فعل قومهم فيما أبلغوهم عن ربهم من الرسالة.وبنحو قولنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد ( لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ) قال: المبلغين المؤدّين من الرسل.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ) قال: المبلغين المؤدّين من الرسل.حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أُسامة، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد (لِيَسْأَلَ الصَّادِقينَ عَنْ صدْقِهِمْ) قال: الرسل المؤدّين المبلغين.وقوله: ( وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ) يقول: وأعدّ للكافرين بالله من الأمم عذابا موجعا.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا ٩التفسير الميسريا معشر المؤمنين اذكروا نعمة الله تعالى التي أنعمها عليكم في "المدينة" أيام غزوة الأحزاب -وهي غزوة الخندق-، حين اجتمع عليكم المشركون من خارج "المدينة"، واليهود والمنافقون من "المدينة" وما حولها، فأحاطوا بكم، فأرسلنا على الأحزاب ريحًا شديدة اقتلعت خيامهم ورمت قدورهم، وأرسلنا ملائكة من السماء لم تروها، فوقع الرعب في قلوبهم. وكان الله بما تعملون بصيرًا، لا يخفى عليه من ذلك شيء.
تفسير السعدييذكر تعالى عباده المؤمنين، نعمته عليهم، ويحثهم على شكرها، حين جاءتهم جنود أهل مكة والحجاز، من فوقهم، وأهل نجد، من أسفل منهم، وتعاقدوا وتعاهدوا على استئصال الرسول والصحابة، وذلك في وقعة الخندق.ومالأتهم [طوائف] اليهود، الذين حوالي المدينة، فجاءوا بجنود عظيمة وأمم كثيرة.وخندق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، على المدينة، فحصروا المدينة، واشتد الأمر، وبلغت القلوب الحناجر، حتى بلغ الظن من كثير من الناس كل مبلغ، لما رأوا من الأسباب المستحكمة، والشدائد الشديدة، فلم يزل الحصار على المدينة، مدة طويلة، والأمر كما وصف اللّه: وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ أي: الظنون السيئة، أن اللّه لا ينصر دينه، ولا يتم كلمته.
تفسير ابن كثيريقول تعالى مخبرا عن نعمته وفضله وإحسانه إلى عباده المؤمنين ، في صرفه أعداءهم وهزمه إياهم عام تألبوا عليهم وتحزبوا وذلك عام الخندق ، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة على الصحيح المشهور .وقال موسى بن عقبة وغيره كانت في سنة أربع .وكان سبب قدوم الأحزاب أن نفرا من أشراف يهود بني النضير ، الذين كانوا قد أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى خيبر ، منهم : سلام بن أبي الحقيق ، وسلام بن مشكم ، وكنانة بن الربيع ، خرجوا إلى مكة واجتمعوا بأشراف قريش ، وألبوهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعدوهم من أنفسهم النصر والإعانة . فأجابوهم إلى ذلك ، ثم خرجوا إلى غطفان فدعوهم فاستجابوا لهم أيضا . وخرجت قريش في أحابيشها ، ومن تابعها ، وقائدهم أبو سفيان صخر بن حرب ، وعلى غطفان عيينة بن حصن بن بدر ، والجميع قريب من عشرة آلاف ، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسيرهم أمر المسلمين بحفر الخندق حول المدينة مما يلي الشرق ، وذلك بإشارة سلمان الفارسي ، فعمل المسلمون فيه واجتهدوا ، ونقل معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب وحفر ، وكان في حفره ذلك آيات بينات ودلائل واضحات .وجاء المشركون فنزلوا شرقي المدينة قريبا من أحد ، ونزلت طائفة منهم في أعالي أرض المدينة ،
تفسير القرطبيقوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا .يعني غزوة الخندق والأحزاب وبني قريظة ، وكانت حالا شديدة معقبة بنعمة ورخاء وغبطة ، وتضمنت أحكاما كثيرة وآيات باهرات عزيزة ، ونحن نذكر من ذلك بعون الله تعالى ما يكفي في عشر مسائل .الأولى : اختلف في أي سنة كانت ; فقال ابن إسحاق : كانت في شوال من السنة الخامسة . وقال ابن وهب وابن القاسم عن مالك رحمه الله : كانت وقعة الخندق سنة أربع ، وهي وبنو قريظة في يوم واحد ، وبين بني قريظة والنضير أربع سنين . قال ابن وهب وسمعت مالكا يقول : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتال من المدينة ، وذلك قوله تعالى : إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر . قال : ذلك يوم الخندق ، جاءت قريش من هاهنا واليهود من هاهنا والنجدية من هاهنا . يريد مالك : إن الذين جاءوا من فوقهم بنو قريظة ، ومن أسفل منهم قريش وغطفان . وكان سببها : أن نفرا من اليهود منهم كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وسلام بن أبي الحقيق وسلام بن مشكم وحيي بن أخطب النضريون وهوذة بن قيس وأبو عمار من بني وائل ، وهم كلهم يهود ، هم الذين حزبوا الأحزاب وألبوا وجمعوا ، خرجوا في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل فأتوا مكة فدعوا إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وواعدوهم من أنفسهم بعون من انتدب إلى ذلك ; فأجابهم أهل مكة إلى ذلك ، ثم خرج اليهود المذكورون إلى غطفان فدعوهم إلى مثل ذلك فأجابوهم ; فخرجت قريش يقودهم أبو سفيان بن حرب ، وخرجت غطفان وقائدهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري على فزارة ، والحارث بن عوف المري على بني مرة ، ومسعود بن رخيلة على أشجع . فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم باجتماعهم وخروجهم شاور أصحابه ، فأشار عليه سلمان بحفر الخندق فرضي رأيه . وقال المهاجرون يومئذ : سلمان منا . وقال الأنصار : سلمان منا ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سلمان منا أهل البيت . وكان الخندق أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ حر . فقال : يا رسول الله ، إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا ; فعمل المسلمون في الخندق مجتهدين ، ونكص المنافقون وجعلوا يتسللون لواذا فنزلت فيهم آيات من القرآن ذكرها ابن إسحاق وغيره . وكان من فرغ من المسلمين من حصته عاد إلى غيره ، حتى كمل الخندق . وكانت فيه آيات بينات وعلامات للنبوات .قلت : ففي هذا الذي ذكرناه من هذا الخبر من الفقه وهي :الثانية : مشاورة السلطان أصحابه وخاصته في أمر القتال ; وقد مضى ذلك في ( آل عمران ، والنمل ) . وفيه التحصن من العدو بما أمكن من الأسباب واستعمالها ; وقد مضى ذلك في غير موضع . وفيه أن حفر الخندق يكون مقسوما على الناس ; فمن فرغ منهم عاون من لم يفرغ ، فالمسلمون يد على من سواهم ; وفي البخاري ومسلم عن البراء بن عازب قال : لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه ، وكان كثير الشعر ، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة ويقول :اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة عليناوثبت الأقدام إن لاقيناوأما ما كان فيه من الآيات وهي :الثالثة : فروى النسائي عن أبي سكينة رجل من المحررين عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق عرضت لهم صخرة حالت بينهم وبين الحفر ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ المعول ووضع رداءه ناحية الخندق وقال : وتمت كلمة ربك صدقا الآية ; فندر ثلث الحجر وسلمان الفارسي قائم ينظر ، فبرق مع ضربة رسول الله صلى الله عليه وسلم برقة ، ثم ضرب الثانية وقال : وتمت الآية ; فندر الثلث الآخر ; فبرقت برقة فرآها سلمان ، ثم ضرب الثالثة وقال : وتمت كلمة ربك صدقا الآية ; فندر الثلث الباقي ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ رداءه وجلس . قال سلمان : يا رسول الله ، رأيتك حين ضربت ! ما تضرب ضربة إلا كانت معها برقة ؟ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : رأيت ذلك يا سلمان ؟ فقال : أي والذي بعثك بالحق يا رسول الله ! قال : فإني حين ضربت الضربة الأولى رفعت لي مدائن كسرى وما حولها ومدائن كثيرة حتى رأيتها بعيني - قال له من حضره من أصحابه : يا رسول الله ، ادع الله أن يفتحها علينا ويغنمنا ذراريهم ويخرب بأيدينا بلادهم ; فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم - ثم ضربت الضربة الثانية فرفعت لي مدائن قيصر وما حولها حتى رأيتها بعيني - قالوا : يا رسول الله ، ادع الله تعالى أن يفتحها علينا ويغنمنا ذراريهم ويخرب بأيدينا بلادهم ; فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم - ثم ضربت الضربة الثالثة فرفعت لي مدائن الحبشة وما حولها من القرى حتى رأيتها بعيني - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك ما تركوكم . وخرجه أيضا عن البراء قال : لما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحفر الخندق عرض لنا صخرة لا تأخذ فيها المعاول ، فاشتكينا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ; فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقى ثوبه وأخذ المعول وقال : باسم الله فضرب ضربة فكسر ثلث الصخرة ثم قال : الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأبصر إلى قصورها الحمراء الآن من مكاني هذا قال : ثم ضرب أخرى وقال : باسم الله فكسر ثلثا آخر ثم قال : الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض . ثم ضرب الثالثة وقال : باسم الله فقطع الحجر وقال : الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر باب صنعاء . صححه أبو محمد عبد الحق .الرابعة : فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حفر الخندق أقبلت قريش في نحو عشرة آلاف بمن معهم من كنانة وأهل تهامة ، وأقبلت غطفان بمن معها من أهل نجد حتى نزلوا إلى جانب أحد ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى نزلوا بظهر سلع في ثلاثة آلاف وضربوا عسكرهم والخندق بينهم وبين المشركين ، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم - في قول ابن شهاب - وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي ، وكان صاحب عقد بني قريظة ورئيسهم ، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاهده ; فلما سمع كعب بن أسد حيي بن أخطب أغلق دونه باب حصنه وأبى أن يفتح له ; فقال له : افتح لي يا أخي ; فقال له : لا أفتح لك ، فإنك رجل مشئوم ، تدعوني إلى خلاف محمد وأنا قد عاقدته وعاهدته ، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا ، فلست بناقض ما بيني وبينه . فقال حيي : افتح لي حتى أكلمك وأنصرف عنك ; فقال : لا أفعل ; فقال : إنما تخاف أن آكل معك جشيشتك ; فغضب كعب وفتح له ; فقال : يا كعب ! إنما جئتك بعز الدهر ، جئتك بقريش وسادتها ، وغطفان وقادتها ; قد تعاقدوا على أن يستأصلوا محمدا ومن معه ; فقال له كعب : جئتني والله بذل الدهر وبجهام لا غيث فيه ! ويحك يا حيي ؟ دعني فلست بفاعل ما تدعوني إليه ; فلم يزل حيي بكعب يعده ويغره حتى رجع إليه وعاقده على خذلان محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأن يسير معهم ، وقال له حيي بن أخطب : إن انصرفت قريش وغطفان دخلت عندك بمن معي من اليهود .فلما انتهى خبر كعب وحيي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعث سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج ، وسيد الأوس سعد بن معاذ ، وبعث معهما عبد الله بن رواحة وخوات بن جبير ، وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : انطلقوا إلى بني قريظة فإن كان ما قيل لنا حقا فالحنوا لنا لحنا ولا تفتوا في أعضاد الناس . وإن كان كذبا فاجهروا به للناس فانطلقوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما قيل لهم عنهم ، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : لا عهد له عندنا ; فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه ; وكانت فيه حدة فقال له سعد بن عبادة : دع عنك مشاتمتهم ، فالذي بيننا وبينهم أكثر من ذلك ، ثم أقبل سعد وسعد حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعة المسلمين فقالا : عضل والقارة - يعرضان بغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع خبيب وأصحابه - فقال النبي صلى الله عليه وسلم . أبشروا يا معشر المسلمين وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف ، وأتى المسلمين عدوهم من فوقهم ; يعني من فوق الوادي من قبل المشرق ، ومن أسفل منهم من بطن الوادي من قبل المغرب ، حتى ظنوا بالله الظنون ; وأظهر المنافقون كثيرا مما كانوا يسرون ، فمنهم من قال : إن بيوتنا عورة ، فلننصرف إليها ، فإنا نخاف عليها ; وممن قال ذلك : أوس بن قيظي . ومنهم من قال : يعدنا محمد أن يفتح كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه يذهب إلى الغائط ! وممن قال ذلك : معتب بن قشير أحد بني عمرو بن عوف . فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام المشركون بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر لم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبل والحصى . فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه اشتد على المسلمين البلاء بعث إلى عيينة بن حصن الفزاري ، وإلى الحارث بن عوف المري ، وهما قائدا غطفان ، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة لينصرفا بمن معهما من غطفان ويخذلا قريشا ويرجعا بقومهما عنهم . وكانت هذه المقالة مراوضة ولم تكن عقدا ; فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما أنهما قد أنابا ورضيا أتى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فذكر ذلك لهما واستشارهما فقالا : يا رسول الله ، هذا أمر تحبه فنصنعه لك ، أو شيء أمرك الله به فنسمع له ونطيع ، أو أمر تصنعه لنا ؟ قال : بل أمر أصنعه لكم ، والله ما أصنعه إلا أني قد رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة . فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله ، والله لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان ، لا نعبد الله ولا نعرفه ، وما طمعوا قط أن ينالوا منا ثمرة إلا شراء أو قرى ، فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك نعطيهم أموالنا ! والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم ! فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وقال : أنتم وذاك . وقال لعيينة والحارث : انصرفا فليس لكما عندنا إلا السيف . وتناول سعد الصحيفة وليس فيها شهادة فمحاها .الخامسة : فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون على حالهم ، والمشركون يحاصرونهم ولا قتال بينهم ; إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود العامري من بني عامر بن لؤي ، وعكرمة بن أبي جهل ، وهبيرة بن أبي وهب ، وضرار بن الخطاب الفهري ، وكانوا فرسان قريش وشجعانهم ، أقبلوا حتى وقفوا على الخندق ، فلما رأوه قالوا : إن هذه لمكيدة ، ما كانت العرب تكيدها . ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق ، فضربوا خيلهم فاقتحمت بهم ، وجاوزوا الخندق وصاروا بين الخندق وبين سلع ، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموا منها ، وأقبلت الفرسان نحوهم ، وكان عمرو بن عبد ود أثبتته الجراح يوم بدر فلم يشهد أحدا ، وأراد يوم الخندق أن يرى مكانه ، فلما وقف هو وخيله ; نادى : من يبارز ؟ فبرز له علي بن أبي طالب وقال له : يا عمرو ، إنك عاهدت الله فيما بلغنا أنك لا تدعى إلى إحدى خلتين إلا أخذت إحداهما ؟ قال : نعم . قال : فإني أدعوك إلى الله والإسلام . قال : لا حاجة لي بذلك . قال : فأدعوك إلى البراز . قال : يا بن أخي ، والله ما أحب أن أقتلك لما كان بيني وبين أبيك . فقال له علي : أنا والله أحب أن أقتلك . فحمي عمرو بن عبد ود ونزل عن فرسه ، فعقره وصار نحو علي ، فتنازلا وتجاولا وثار النقع بينهما حتى حال دونهما ، فما انجلى النقع حتى رئي علي على صدر عمرو يقطع رأسه ، فلما رأى أصحابه أنه قد قتله علي اقتحموا بخيلهم الثغرة منهزمين هاربين . وقال علي رضي الله عنه في ذلك :نصر الحجارة من سفاهة رأيه ونصرت دين محمد بضرابنازلته فتركته متجدلا كالجذع بين دكادك وروابيوعففت عن أثوابه ولو انني كنت المقطر بزني أثوابيلا تحسبن الله خاذل دينه ونبيه يا معشر الأحزابقال ابن هشام : أكثر أهل العلم بالسير يشك فيها لعلي . قال ابن هشام : وألقى عكرمة بن أبي جهل رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو ; فقال حسان بن ثابت في ذلك :فر وألقى لنا رمحه لعلك عكرم لم تفعلووليت تعدو كعدو الظل ( ) يم ما إن تجور عن المعدلولم تلقظهرك مستأنسا كأن قفاك قفا فرعلقال ابن هشام : فرعل : صغير الضباع . وكانت عائشة رضي الله عنها في حصن بني حارثة ، وأم سعد بن معاذ معها ، وعلى سعد درع مقلصة قد خرجت منها ذراعه ، وفي يده حربته وهو يقول :لبث قليلا يلحق الهيجا جمل لا بأس بالموت إذا كان الأجلورمي يومئذ سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الأكحل . واختلف فيمن رماه ; فقيل : رماه حبان بن قيس ابن العرقة ، أحد بني عامر بن لؤي ، فلما أصابه قال له : خذها وأنا ابن العرقة . فقال له سعد : عرق الله وجهك في النار . وقيل : إن الذي رماه خفاجة بن عاصم بن حبان . وقيل : بل الذي رماه أبو أسامة الجشمي ، حليف بني مخزوم . ولحسان مع صفية بنت عبد المطلب خبر طريف يومئذ ; ذكره ابن إسحاق وغيره .قالت صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها : كنا يوم الأحزاب في حصن حسان بن ثابت ، وحسان معنا في النساء والصبيان ، والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في نحر العدو لا يستطيعون الانصراف إلينا ، فإذا يهودي يدور ، فقلت لحسان : انزل إليه فاقتله ; فقال : ما أنا بصاحب هذا يا ابنة عبد المطلب ! فأخذت عمودا ونزلت من الحصن فقتلته ، فقلت : يا حسان ، انزل فاسلبه ، فلم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل . فقال : ما لي بسلبه حاجة يا ابنة عبد المطلب ! قالت : فنزلت فسلبته . قال أبو عمر بن عبد البر : وقد أنكر هذا عن حسان جماعة من أهل السير وقالوا : لو كان في حسان من الجبن ما وصفتم لهجاه بذلك الذين كان يهاجيهم في الجاهلية والإسلام ، ولهجي بذلك ابنه عبد الرحمن ; فإنه كان كثيرا ما يهاجي الناس من شعراء العرب ; مثل النجاشي وغيره .السادسة : وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي فقال : يا رسول الله ، إني قد أسلمت ولم يعلم قومي بإسلامي ، فمرني بما شئت ; فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما أنت رجل واحد من غطفان فلو خرجت فخذلت عنا إن استطعت كان أحب إلينا من بقائك معنا ، فاخرج فإن الحرب خدعة . فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة - وكان ينادمهم في الجاهلية - فقال : يا بني قريظة ، قد عرفتم ودي إياكم ، وخاصة ما بيني وبينكم ; قالوا : قل فلست عندنا بمتهم ; فقال لهم : إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم ، البلد بلدكم ، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم ، وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه ، وقد ظاهرتموهم عليه فإن رأوا نهزة أصابوها ، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ، ولا طاقة لكم به ، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا . ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لهم : قد عرفتم ودي لكم معشر قريش ، وفراقي محمدا ، وقد بلغني أمر أرى من الحق أن أبلغكموه نصحا لكم ، فاكتموا علي ; قالوا نفعل ; قال : تعلمون أن معشر يهود ، قد ندموا على ما كان من خذلانهم محمدا ، وقد أرسلوا إليه : إنا قد ندمنا على ما فعلنا ؛ فهل يرضيك أن نأخذ من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ، ثم نكون معك على ما بقي منهم حتى نستأصلهم . ثم أتى غطفان فقال مثل ذلك .فلما كان ليلة السبت وكان ذلك من صنع الله عز وجل لرسوله والمؤمنين ، أرسل أبو سفيان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان يقول لهم : إنا لسنا بدار مقام ، قد هلك الخف والحافر ، فاغدوا صبيحة غد للقتال حتى نناجز محمدا ; فأرسلوا إليهم : إن اليوم يوم السبت ، وقد علمتم ما نال منا من تعدى في السبت ، ومع ذلك فلا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا ; فلما رجع الرسول بذلك قالوا : صدقنا والله نعيم بن مسعود ; فردوا إليهم الرسل وقالوا : والله لا نعطيكم رهنا أبدا فاخرجوا معنا إن شئتم وإلا فلا عهد بيننا وبينكم . فقال بنو قريظة : صدق والله نعيم بن مسعود . وخذل الله بينهم ، واختلفت كلمتهم ، وبعث الله عليهم ريحا عاصفا في ليال شديدة البرد ; فجعلت الريح تقلب آنيتهم وتكفأ قدورهم .السابعة : فلما اتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم اختلاف أمرهم ، بعث حذيفة بن اليمان ليأتيه بخبرهم ، فأتاهم واستتر في غمارهم ، وسمع أبا سفيان يقول : يا معشر قريش ، ليتعرف كل امرئ جليسه . قال حذيفة : فأخذت بيد جليسي وقلت : ومن أنت ؟ فقال أنا فلان . ثم قال أبو سفيان : ويلكم يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام ، ولقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة ، ولقينا من هذه الريح ما ترون ، ما يستمسك لنا بناء ، ولا تثبت لنا قدر ، ولا تقوم لنا نار ، فارتحلوا فإني مرتحل ; ووثب على جمله فما حل عقال يده إلا وهو قائم . قال حذيفة : ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لي إذ بعثني ، قال لي : مر إلى القوم فاعلم ما هم عليه ولا تحدث شيئا - لقتلته بسهم ; ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رحيلهم ، فوجدته قائما يصلي في مرط لبعض نسائه مراجل - قال ابن هشام : المراجل ضرب من وشي اليمن - فأخبرته فحمد الله .قلت : وخبر حذيفة هذا مذكور في صحيح مسلم ، وفيه آيات عظيمة ، رواه جرير عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال : كنا عند حذيفة فقال رجل لو أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلت معه وأبليت . فقال حذيفة : أنت كنت تفعل ذلك ! لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقر . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة ؟ فسكتنا فلم يجبه منا أحد ، ثم قال : ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة ؟ فسكتنا فلم يجبه أحد . فقال : قم ياحذيفة فأتنا بخبر القوم فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم . قال : اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي قال : فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم ، فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار ، فوضعت سهما في كبد القوس فأردت أن أرميه ، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ولا تذعرهم علي ولو رميته لأصبته : فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام ، فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغت قررت ، فألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها ، فلم أزل نائما حتى أصبحت ، فلما أصبحت قال : قم يا نومان . ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذهب الأحزاب ، رجع إلى المدينة ووضع المسلمون سلاحهم ، فأتاه جبريل صلى الله عليه وسلم في صورة دحية بن خليفة الكلبي ، على بغلة عليها قطيفة ديباج فقال له : يا محمد ، إن كنتم قد وضعتم سلاحكم فما وضعت الملائكة سلاحها . إن الله يأمرك أن تخرج إلى بني قريظة ، وإني متقدم إليهم فمزلزل بهم حصونهم . فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي :الثامنة : مناديا فنادى : لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ; فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قريظة . وقال آخرون : لا نصلي العصر إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن فاتنا الوقت . قال : فما عنف واحدا من الفريقين . وفي هذا من الفقه تصويب المجتهدين . وقد مضى بيانه في ( الأنبياء ) . وكان سعد بن معاذ إذ أصابه السهم دعا ربه فقال : اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش فأبقني لها ; فإنه لا قوم أحب أن أجاهدهم من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه . اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة ، ولا تمتني حتى تقر عيني في بني قريظة . وروى ابن وهب عن مالك قال : بلغني أن سعد بن معاذ مر بعائشة رضي الله عنها ونساء معها في الأطم ( فارع ) ، وعليه درع مقلصة ، مشمر الكمين ، وبه أثر صفرة وهو يرتجز :لبث قليلا يدرك الهيجا جمل لا بأس بالموت إذا حان الأجلفقالت عائشة رضي الله عنها : لست أخاف أن يصاب سعد اليوم إلا في أطرافه ; فأصيب في أكحله . وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك قالت عائشة رضي الله عنها : ما رأيت رجلا أجمل من سعد بن معاذ حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأصيب في أكحله ثم قال : اللهم إن كان حرب قريظة لم يبق منه شيء فاقبضني إليك ، وإن كان قد بقيت منه بقية فأبقني حتى أجاهد مع رسولك أعداءه ; فلما حكم في بني قريظة توفي ; ففرح الناس وقالوا : نرجو أن يكون قد استجيبت دعوتهالتاسعة : ولما خرج المسلمون إلى بني قريظة أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية علي بن أبي طالب ، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم ، ونهض علي وطائفة معه حتى أتوا بني قريظة ونازلوهم ، فسمعوا سب الرسول صلى الله عليه وسلم ، فانصرف علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : يا رسول الله ، لا تبلغ إليهم ، وعرض له . فقال له : أظنك سمعت منهم شتمي . لو رأوني لكفوا عن ذلك ، ونهض إليهم ، فلما رأوه أمسكوا . فقال لهم : نقضتم العهد يا إخوة القرود ، أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته . فقالوا : ما كنت جاهلا يا محمد فلا تجهل علينا ; ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة . وعرض عليهم سيدهم كعب ثلاث خصال ليختاروا أيها شاءوا : إما أن يسلموا ويتبعوا محمدا على ما جاء به فيسلموا . قال : وتحرزوا أموالكم ونساءكم وأبناءكم ، فوالله إنكم لتعلمون أنه الذي تجدونه مكتوبا في كتابكم . وإما أن يقتلوا أبناءهم ونساءهم ثم يتقدموا ; فيقاتلون حتى يموتوا من آخرهم . وإما أن يبيتوا المسلمين ليلة السبت في حين طمأنينتهم فيقتلوهم قتلا . فقالوا له : أما الإسلام فلا نسلم ولا نخالف حكم التوراة ، وأما قتل أبنائنا ونسائنا فما جزاؤهم المساكين منا أن نقتلهم ، ونحن لا نتعدى في السبت . ثم بعثوا إلى أبي لبابة ، وكانوا حلفاء بني عمرو بن عوف وسائر الأوس ، فأتاهم فجمعوا إليه أبناءهم ونساءهم ورجالهم وقالوا له : يا أبا لبابة ، أترى أن ننزل على حكم محمد ؟ فقال : نعم ، - وأشار بيده إلى حلقه - إنه الذبح إن فعلتم .ثم ندم أبو لبابة في الحين ، وعلم أنه خان الله ورسوله ، وأنه أمر لا يستره الله عليه عن نبيه صلى الله عليه وسلم . فانطلق إلى المدينة ولم يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فربط نفسه في سارية وأقسم ألا يبرح من مكانه حتى يتوب الله عليه ، فكانت امرأته تحله لوقت كل صلاة . قال ابن عيينة وغيره : فيه نزلت : يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم الآية . وأقسم ألا يدخل أرض بني قريظة أبدا مكانا أصاب فيه الذنب . فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من فعل أبي لبابة قال : أما إنه لو أتاني لاستغفرت له ، وأما إذ فعل ما فعل فلا أطلقه حتى يطلقه الله تعالى فأنزل الله تعالى في أمر أبي لبابة : وآخرون اعترفوا بذنوبهم الآية . فلما نزل فيه القرآن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإطلاقه ، فلما أصبح بنو قريظة نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتواثب الأوس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : يا رسول الله ، وقد علمت أنهم حلفاؤنا ، وقد أسعفت عبد الله بن أبي ابن سلول في بني النضير حلفاء الخزرج ، فلا يكن حظنا أوكس وأنقص عندك من حظ غيرنا ، فهم موالينا . فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا معشر الأوس ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم - قالوا : بلى . قال - : فذلك إلى سعد بن معاذ . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ضرب له خيمة في المسجد ، ليعوده من قريب في مرضه من جرحه الذي أصابه في الخندق . فحكم فيهم بأن تقتل المقاتلة ، وتسبى الذرية والنساء ، وتقسم أموالهم . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد حكمت فيهم بحكم الله تعالى من فوق سبع أرقعة . وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجوا إلى موضع بسوق المدينة اليوم - زمن ابن إسحاق - فخندق بها خنادق ، ثم أمر عليه السلام فضربت أعناقهم في تلك الخنادق ، وقتل يومئذ حيي بن أخطب وكعب بن أسد ، وكانا رأس القوم ، وكانوا من الستمائة إلى السبعمائة . وكان على حيي حلة فقاحية قد شققها عليه من كل ناحية كموضع الأنملة ، أنملة أنملة لئلا يسلبها . فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتي به ويداه مجموعتان إلى عنقه بحبل قال : أما والله ما لمت نفسي في عداوتك .ولكنه من يخذل الله يخذلثم قال : يا أيها الناس ، لا بأس بأمر الله كتاب وقدر وملحمة كتبت على بني إسرائيل ، ثم جلس فضربت عنقه . وقتل من نسائهم امرأة ، وهي بنانة امرأة الحكم القرظي التي طرحت الرحى على خلاد بن سويد فقتلته . وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل كل من أنبت منهم وترك من لم ينبت . وكان عطية القرظي ممن لم ينبت ، فاستحياه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو مذكور في الصحابة . ووهب رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس ولد الزبير بن باطا فاستحياهم ; منهم عبد الرحمن بن الزبير أسلم وله صحبة . ووهب أيضا عليه السلام رفاعة بن سموأل القرظي لأم المنذر سلمى بنت قيس ، أخت سليط بن قيس من بني النجار ، وكانت قد صلت إلى القبلتين ; فأسلم رفاعة وله صحبة ورواية . وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك قال : أتى ثابت بن قيس بن شماس إلى ابن باطا - وكانت له عنده يد - وقال : قد استوهبتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدك التي لك عندي ، قال : ذلك يفعل الكريم بالكريم ، ثم قال : وكيف يعيش رجل لا ولد له ولا أهل ؟ قال : فأتى ثابت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له ، فأعطاه أهله وولده ; فأتى فأعلمه فقال : كيف يعيش رجل لا مال له ؟ فأتى ثابت النبي صلى الله عليه وسلم فطلبه فأعطاه ماله ، فرجع إليه فأخبره ; قال : ما فعل ابن أبي الحقيق الذي كأن وجهه مرآة صينية ؟ قال : قتل . قال : فما فعل المجلسان ، يعني بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة ؟ قال : قتلوا . قال : فما فعلت الفئتان ؟ قال : قتلتا . قال : برئت ذمتك ، ولن أصب فيها دلوا أبدا ، يعني النخل ، فألحقني بهم ، فأبى أن يقتله فقتله غيره . واليد التي كانت لابن باطا عند ثابت أنه أسره يوم بعاث فجز ناصيته وأطلقه .العاشرة : وقسم صلى الله عليه وسلم أموال بني قريظة فأسهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما . وقد قيل : للفارس سهمان وللراجل سهم . وكانت الخيل للمسلمين يومئذ ستة وثلاثين فرسا . ووقع للنبي صلى الله عليه وسلم من سبيهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة أحد بني عمرو بن قريظة ، فلم تزل عنده إلى أن مات صلى الله عليه وسلم . وقيل : إن غنيمة قريظة هي أول غنيمة قسم فيها للفارس والراجل ، وأول غنيمة جعل فيها الخمس . وقد تقدم أن أول ذلك كان في بعث عبد الله بن جحش ; فالله أعلم . قال : أبو عمر : وتهذيب ذلك أن تكون غنيمة قريظة أول غنيمة جرى فيها الخمس بعد نزول قوله : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول الآية . وكان عبد الله بن جحش قد خمس قبل ذلك في بعثه ، ثم نزل القرآن بمثل ما فعله ; وكان ذلك من فضائله رحمة الله عليه .وكان فتح قريظة في آخر ذي القعدة وأول ذي الحجة من السنة الخامسة من الهجرة . فلما تم أمر بني قريظة أجيبت دعوة الرجل الفاضل الصالح سعد بن معاذ ، فانفجر جرحه ، وانفتح عرقه ، فجرى دمه ومات رضي الله عنه . وهو الذي أتى الحديث فيه : اهتز لموته عرش الرحمن يعني سكان العرش من الملائكة فرحوا بقدوم روحه واهتزوا له . وقال ابن القاسم عن مالك : حدثني يحيى بن سعيد قال : لقد نزل لموت سعد بن معاذ سبعون ألف ملك ، ما نزلوا إلى الأرض قبلها . قال مالك : ولم يستشهد يوم الخندق من المسلمين إلا أربعة أو خمسة .قلت : الذي استشهد يوم الخندق من المسلمين ستة نفر فيما ذكر أهل العلم بالسير : سعد بن معاذ أبو عمرو من بني عبد الأشهل ، وأنس بن أوس بن عتيك ، وعبد الله بن سهل ، وكلاهما أيضا من بني عبد الأشهل ، والطفيل بن النعمان ، وثعلبة بن غنمة ، وكلاهما من بني سلمة ، وكعب بن زيد من بني دينار بن النجار ، أصابه سهم غرب فقتله ، رضي الله عنهم . وقتل من الكفار ثلاثة : منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار ، أصابه سهم مات منه بمكة . وقد قيل : إنما هو عثمان بن أمية بن منبه بن عبيد بن السباق . ونوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي ، اقتحم الخندق فتورط فيه فقتل ، وغلب المسلمون على جسده ; فروي عن الزهري أنهم أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جسده عشرة آلاف درهم فقال : لا حاجة لنا بجسده ولا بثمنه فخلى بينهم وبينه . وعمرو بن عبد ود الذي قتله علي مبارزة ، وقد تقدم . واستشهد يوم قريظة من المسلمين خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو من بني الحارث بن الخزرج ; طرحت عليه امرأة من بني قريظة رحى فقتلته . ومات في الحصار أبو سنان بن محصن بن حرثان الأسدي ، أخو عكاشة بن محصن ، فدفنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقبرة بني قريظة التي يتدافن فيها المسلمون السكان بها اليوم . ولم يصب غير هذين ، ولم يغز كفار قريش المؤمنين بعد الخندق . وأسند الدارمي أبو محمد في مسنده : أخبرنا يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال : حبسنا يوم الخندق حتى ذهب هوي من الليل حتى كفينا ; وذلك قول الله عز وجل : وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا فأقام فصلى الظهر فأحسن كما كان يصليها في وقتها ، ثم أمره فأقام العصر فصلاها ، ثم أمره فأقام المغرب فصلاها ، ثم أمره فأقام العشاء فصلاها ، وذلك قبل أن ينزل : فإن خفتم فرجالا أو ركبانا خرجه النسائي أيضا . وقد مضت هذه المسألة في ( طه ) . وقد ذكرنا في هذه الغزاة أحكاما كثيرة لمن تأملها في مسائل عشر . ثم نرجع إلى أول الآي وهي تسع عشرة آية تضمنت ما ذكرناه .قوله تعالى : إذ جاءتكم جنود يعني الأحزاب . فأرسلنا عليهم ريحا قال مجاهد : هي الصبا ، أرسلت على الأحزاب يوم الخندق حتى ألقت قدورهم ونزعت فساطيطهم . قال : والجنود الملائكة ولم تقاتل يومئذ . وقال عكرمة : قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب : انطلقي لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت الشمال : إن محوة لا تسري بليل . فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور . وكانت هذه الريح معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين كانوا قريبا منها ، لم يكن بينهم وبينها إلا عرض الخندق ، وكانوا في عافية منها ، ولا خبر عندهم بها . وجنودا لم تروها وقرئ بالياء ; أي لم يرها المشركون . قال المفسرون : بعث الله تعالى عليهم الملائكة فقلعت الأوتاد ، وقطعت أطناب الفساطيط ، وأطفأت النيران ، وأكفأت القدور ، وجالت الخيل بعضها في بعض ، وأرسل الله عليهم الرعب ، وكثر تكبير الملائكة في جوانب العسكر ; حتى كان سيد كل خباء يقول : يا بني فلان ، هلم إلي ، فإذا اجتمعوا قال لهم : النجاء النجاء ; لما بعث الله تعالى عليهم من الرعب . وكان الله بما تعملون بصيرا وقرئ : ( يعملون ) بالياء على الخبر ، وهي قراءة أبي عمرو . الباقون بالتاء ; يعني من حفر الخندق والتحرز من العدو .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9)يقول تعالى ذكره: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ) التي أنعمها على جماعتكم وذلك حين حوصر المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الخندق (إْذ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ) : جنود الأحزاب: قريش، وغَطفان، ويهود بني النضير (فأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحا) وهي فيما ذكر: ريح الصَّبا.كما حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عكرمة، قال: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلقي ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال الشمال: إن الحرّة لا تسري بالليل، قال: فكانت الريح التي أُرسلت عليهم الصبا.حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثني الزبير -يعني: ابن عبد الله- قال: ثني ربيح بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي سعيد، قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله بلغت القلوب الحناجر، فهل من شيء تقوله؟ قال: " نَعَمْ قُولُوا: اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنا، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا "، فَضَرَبَ اللهُ وُجُوهَ أعْدائِهِ بالرِّيحِ، فهَزَمَهُم اللهُ بالرّيحِ.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عبد الله بن عمرو، عن نافع، عن عبد الله، قال: أرسلني خالي عثمان بن مظعون ليلة الخندق في برد شديد وريح، إلى المدينة، فقال: ائتنا بطعام ولحاف قال: فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأذن لي وقال: " مَنْ لَقِيتَ مِنْ أصحَابِي فَمُرْهُمْ يَرْجِعُوا ". قال: فذهبت والريح تسفي كل شيء، فجعلت لا ألقى أحدا إلا أمرته بالرجوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: فما يلوي أحد منهم عنقه؛ قال: وكان معي ترس لي، فكانت الريح تضربه عليّ، وكان فيه حديد، قال: فضربته الريح حتى وقع بعض ذلك الحديد على كفي، فأنفذها إلى الأرض.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة: قال: ثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال: قال فتى من أهل الكوفة لحُذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه؟ قال: نعم يا بن أخي، قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد، قال الفتى: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، لحملناه على أعناقنا. قال حُذَيفة: يا بن أخي، والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق، وصلى رسول الله هويا من الليل (1) ثم التفت إلينا فقال: " من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم؟ يشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يرجع أدخله الله الجنة "، فما قام أحد، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل، ثم التفت إلينا فقال مثله، فما قام منا رجل، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل، ثم التفت إلينا فقال: " مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَيَنْظُرُ لَنا ما فَعَلَ القَوْمُ ثُمَّ يَرْجِعُ، يَشْتَرطُ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الرَّجْعَةَ، أسألُ الله أنْ يكُونَ رَفِيقي فِي الجَنَّةِ" فما قام رجل من شدّة الخوف، وشدّة الجوع، وشدّة البرد؛ فلما لم يقم أحد، دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن لي بدّ من القيام حين دعاني، فقال: " يا حُذيْفَةُ اذْهَبْ فادْخُلْ فِي القَوْمِ فانْظُرْ، وَلا تُحْدِثَنَّ شَيْئا حتى تَأْتينَا ". قال: فذهبت فدخلت في القوم، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقرّ لهم قدرا ولا نارا ولا بناء؛ فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش، لينظر امرؤ من جليسه، فقال حُذَيفة: فأخذت بيد الرجل الذي إلى جنبي، فقلت: من أنت؟ فقال: أنا فلان بن فلان؛ ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، ولقد هلك الكراع والخفّ، واختلفت بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، والله ما يطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم. ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليّ أن لا تُحدث شيئا حتى تأتيني، لو شئت لقتلته بسهم؛ قال حُذَيفة: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه؛ فلما رآني أدخلني بين رجليه، وطرح عليّ طَرف المِرط، ثم ركع وسجد وإني لفيه؛ فلما سلم أخبرته الخبر، وسمعت غَطفان بما فعلت قريش، فانشمروا راجعين إلى بلادهم.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (إذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ) قال: الأحزاب: عيينة بن بدر، وأبو سفيان، وقريظة.وقوله: (فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحا) قال: ريح الصبا أرسلت على الأحزاب يوم الخندق، حتى كفأت قدورهم على أفواهها، ونزعت فساطيطهم حتى أظعنتهم. وقوله: (وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها) قال: الملائكة ولم تقاتل يومئذ.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ) قال: يعني الملائكة، قال: نزلت هذه الآية يوم الأحزاب وقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا فخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقبل أبو سفيان بقريش ومن تبعه من الناس، حتى نزلوا بعقوة (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عُيينة بن حصن، أحد بني بدر ومن تبعه من الناس حتى نزلوا بعقوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكاتبت اليهود أبا سفيان وظاهروه، فقال حيث يقول الله تعالى: إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ فبعث الله عليهم الرعب والريح، فذكر لنا أنهم كانوا كلما أوقدوا نارا أطفأها الله، حتى لقد ذكر لنا أن سيد كلّ حيّ يقول: يا بني فلان هلمّ إليّ، حتى إذا اجتمعوا عنده فقال: النجاء النجاء، أتيتم لما بعث الله عليهم من الرعب.حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ...) الآية، قال: كان يوم أبي سفيان يوم الأحزاب.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان، في قول الله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ) والجنود: قريش وغطفان وبنو قريظة، وكانت الجنود التي أرسل الله عليهم مع الريح: الملائكة.وقوله: (وكانَ اللَّهُ بِمَا تَعْملُونَ بَصِيرًا) يقول تعالى ذكره: وكان الله بأعمالكم يومئذ، وذلك صبرهم على ما كانوا فيه من الجهد والشدّة، وثباتهم لعدوّهم، وغير ذلك من أعمالهم، بصيرا لا يخفى عليه من ذلك شيء، يحصيه عليهم، ليجزيهم عليه.------------------------الهوامش :(1) هويا، بهاء مفتوحة أو مضمومة، وياء مشددة، وهو الساعة الممتدة من الليل (اللسان: هوى).(2) العقوة: الساحة وما حول الدار. (عن اللسان: عقا).
إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ ١٠التفسير الميسراذكروا إذ جاؤوكم مِن فوقكم من أعلى الوادي من جهة المشرق، ومن أسفل منكم من بطن الوادي من جهة المغرب، وإذ شخصت الأبصار من شدة الحَيْرة والدهشة، وبلغت القلوب الحناجر من شدة الرعب، وغلب اليأس المنافقين، وكثرت الأقاويل، وتظنون بالله الظنون السيئة أنه لا ينصر دينه، ولا يعلي كلمته.
تفسير السعدييذكر تعالى عباده المؤمنين، نعمته عليهم، ويحثهم على شكرها، حين جاءتهم جنود أهل مكة والحجاز، من فوقهم، وأهل نجد، من أسفل منهم، وتعاقدوا وتعاهدوا على استئصال الرسول والصحابة، وذلك في وقعة الخندق.ومالأتهم [طوائف] اليهود، الذين حوالي المدينة، فجاءوا بجنود عظيمة وأمم كثيرة.وخندق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، على المدينة، فحصروا المدينة، واشتد الأمر، وبلغت القلوب الحناجر، حتى بلغ الظن من كثير من الناس كل مبلغ، لما رأوا من الأسباب المستحكمة، والشدائد الشديدة، فلم يزل الحصار على المدينة، مدة طويلة، والأمر كما وصف اللّه: وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ أي: الظنون السيئة، أن اللّه لا ينصر دينه، ولا يتم كلمته.
تفسير ابن كثيركما قال الله تعالى : ( إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم ) ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن معه من المسلمين ، وهم نحو ثلاثة آلاف ، وقيل : سبعمائة ، وأسندوا ظهورهم إلى سلع ووجوههم إلى نحو العدو ، والخندق حفير ليس فيه ماء بينهم وبينهم يحجب الرجالة والخيالة أن تصل إليهم ، وجعل النساء والذراري في آطام المدينة ، وكانت بنو قريظة - وهم طائفة من اليهود - لهم حصن شرقي المدينة ، ولهم عهد من النبي صلى الله عليه وسلم وذمة ، وهم قريب من ثمانمائة مقاتل فذهب إليهم حيي بن أخطب النضري [ اليهودي ] ، فلم يزل بهم حتى نقضوا العهد ، ومالئوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعظم الخطب واشتد الأمر ، وضاق الحال ، كما قال الله تعالى : ( هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا ) .ومكثوا محاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قريبا من شهر ، إلا أنهم لا يصلون إليهم ، ولم يقع بينهم قتال ، إلا أن عمرو بن عبد ود العامري - وكان من الفرسان الشجعان المشهورين في الجاهلية - ركب ومعه فوارس فاقتحموا الخندق ، وخلصوا إلى ناحية المسلمين ، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم خيل المسلمين إليه ، فلم يبرز إليه أحد ، فأمر عليا فخرج إليه ، فتجاولا ساعة ، ثم قتله علي ، رضي الله عنه ، فكان علامة على النصر .ثم أرسل الله عز وجل على الأحزاب ريحا شديدة الهبوب قوية ، حتى لم تبق لهم خيمة ولا شيء ولا توقد لهم نار ، ولا يقر لهم قرار حتى ارتحلوا خائبين خاسرين ، كما قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا ) .قال مجاهد : وهي الصبا ، ويؤيده الحديث الآخر : " نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور " .وقال ابن جرير : حدثني محمد بن المثنى ، حدثنا عبد الأعلى ، حدثنا داود ، عن عكرمة قال : قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب : انطلقي ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت الشمال : إن الحرة لا تسري بالليل . قال : فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا .ورواه ابن أبي حاتم ، عن أبي سعيد الأشج ، عن حفص بن غياث ، عن داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، فذكره .وقال ابن جرير أيضا : حدثنا يونس ، حدثنا ابن وهب ، حدثني عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر قال : أرسلني خالي عثمان بن مظعون ليلة الخندق في برد شديد وريح إلى المدينة ، فقال : ائتنا بطعام ولحاف . قال : فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأذن لي ، وقال : " من أتيت من أصحابي فمرهم يرجعوا " . قال : فذهبت والريح تسفي كل شيء ، فجعلت لا ألقى أحدا إلا أمرته بالرجوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : فما يلوي أحد منهم عنقه . قال : وكان معي ترس لي ، فكانت الريح تضربه علي ، وكان فيه حديد ، قال : فضربته الريح حتى وقع بعض ذلك الحديد على كفي ، فأنفدها إلى الأرض .وقوله : ( وجنودا لم تروها ) وهم الملائكة ، زلزلتهم وألقت في قلوبهم الرعب والخوف ، فكان رئيس كل قبيلة يقول : يا بني فلان إلي . فيجتمعون إليه فيقول : النجاء ، النجاء . لما ألقى الله تعالى في قلوبهم من الرعب .وقال محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن زياد ، عن محمد بن كعب القرظي قال : قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان : يا أبا عبد الله ، رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه ؟ قال : نعم يا ابن أخي . قال : وكيف كنتم تصنعون ؟ قال : والله لقد كنا نجهد . قال الفتى : والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا . قال : قال حذيفة : يا ابن أخي ، والله لو رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل ، ثم التفت فقال : " من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ؟ - يشرط له النبي صلى الله عليه وسلم أنه يرجع - أدخله الله الجنة " . قال : فما قام رجل . ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل ثم التفت إلينا ، فقال مثله ، فما قام منا رجل . ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال : " من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع - يشترط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة - أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة " . فما قام رجل من القوم; من شدة الخوف ، وشدة الجوع ، وشدة البرد . فلما لم يقم أحد ، دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني فقال : " يا حذيفة ، اذهب فادخل في القوم فانظر ما يفعلون ، ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا " . قال : فذهبت فدخلت [ في القوم ] ، والريح وجنود الله ، عز وجل ، تفعل بهم ما تفعل ، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء ، فقام أبو سفيان فقال : يا معشر قريش ، لينظر امرؤ من جليسه . قال حذيفة : فأخذت بيد الرجل الذي إلى جنبي ، فقلت : من أنت ؟ فقال : أنا فلان بن فلان ، ثم قال أبو سفيان : يا معشر قريش ، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام ، لقد هلك الكراع والخف ، وأخلفتنا بنو قريظة ، وبلغنا عنهم الذي نكره ، ولقينا من هذه الريح الذي ترون . والله ما تطمئن لنا قدر ، ولا تقوم لنا نار ، ولا يستمسك لنا بناء ، فارتحلوا ، فإني مرتحل ، ثم قام إلى جمله وهو معقول ، فجلس عليه ، ثم ضربه ، فوثب به على ثلاث ، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم . ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي : " ألا تحدث شيئا حتى تأتيني " ثم شئت ، لقتلته بسهم .قال حذيفة : فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه مرحل ، فلما رآني أدخلني بين رجليه ، وطرح علي طرف المرط ، ثم ركع ، وسجد وإني لفيه ، فلما سلم أخبرته الخبر ، وسمعت غطفان بما فعلت قريش ، فانشمروا راجعين إلى بلادهم .وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه قال : كنا عند حذيفة بن اليمان ، رضي الله عنه ، فقال له رجل : لو أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قاتلت معه وأبليت . فقال له حذيفة : أنت كنت تفعل ذلك ؟ لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا رجل يأتي بخبر القوم ، يكون معي يوم القيامة ؟ " . فلم يجبه منا أحد ، ثم الثانية ، ثم الثالثة مثله . ثم قال : " يا حذيفة ، قم فأتنا بخبر من القوم " . فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم ، فقال : " ائتني بخبر القوم ، ولا تذعرهم علي " . قال : فمضيت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم ، فإذا أبو سفيان يصلي ظهره بالنار ، فوضعت سهما في كبد قوسي ، وأردت أن أرميه ، ثم ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تذعرهم علي " ، ولو رميته لأصبته . قال : فرجعت كأنما أمشي في حمام ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أصابني البرد حين فرغت وقررت فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وألبسني من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها ، فلم أزل نائما حتى الصبح ، فلما أن أصبحت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قم يا نومان .ورواه يونس بن بكير ، عن هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم : أن رجلا قال لحذيفة ، رضي الله عنه : نشكو إلى الله صحبتكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم; إنكم أدركتموه ولم ندركه ، ورأيتموه ولم نره . فقال حذيفة : ونحن نشكو إلى الله إيمانكم به ولم تروه ، والله لا تدري يا ابن أخي لو أدركته كيف كنت تكون . لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الخندق في ليلة باردة مطيرة . . . ثم ذكر نحو ما تقدم مطولا .وروى بلال بن يحيى العبسي ، عن حذيفة نحو ذلك أيضا .وقد أخرج الحاكم والبيهقي في " الدلائل " ، من حديث عكرمة بن عمار ، عن محمد بن عبد الله الدؤلي ، عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة قال : ذكر حذيفة مشاهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال جلساؤه : أما والله لو شهدنا ذلك لكنا فعلنا وفعلنا . فقال حذيفة : لا تمنوا ذلك . لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعود ، وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا ، وقريظة اليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا ، وما أتت علينا قط أشد ظلمة ولا أشد ريحا في أصوات ريحها أمثال الصواعق ، وهي ظلمة ما يرى أحدنا إصبعه ، فجعل المنافقون يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم ، ويقولون : " إن بيوتنا عورة وما هي بعورة " . فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له ، ويأذن لهم فيتسللون ، ونحن ثلاثمائة ونحو ذلك ، إذ استقبلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا رجلا حتى أتى علي وما علي جنة من العدو ولا من البرد إلا مرط لامرأتي ، ما يجاوز ركبتي . قال : فأتاني صلى الله عليه وسلم وأنا جاث على ركبتي فقال : " من هذا ؟ " فقلت : حذيفة . قال : " حذيفة " . فتقاصرت بالأرض فقلت : بلى يا رسول الله ، كراهية أن أقوم . [ قال : قم ] ، فقمت ، فقال : " إنه كائن في القوم خبر فأتني بخبر القوم " - قال : وأنا من أشد [ الناس ] فزعا ، وأشدهم قرا - قال : فخرجت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم ، احفظه من بين يديه ومن خلفه ، وعن يمينه وعن شماله ، ومن فوقه ومن تحته " . قال : فوالله ما خلق الله فزعا ولا قرا في جوفي إلا خرج من جوفي ، فما أجد فيه شيئا . قال : فلما وليت قال : " يا حذيفة ، لا تحدثن في القوم شيئا حتى تأتيني " . قال : فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد ، وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار ، ويمسح خاصرته ، ويقول : الرحيل الرحيل ، ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك ، فانتزعت سهما من كنانتي أبيض الريش ، فأضعه في كبد قوسي لأرميه به في ضوء النار ، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تحدثن فيهم شيئا حتى تأتيني " ، [ فأمسكت ] ورددت سهمي إلى كنانتي ، ثم إني شجعت نفسي حتى دخلت العسكر ، فإذا أدنى الناس مني بنو عامر يقولون : يا آل عامر ، الرحيل الرحيل ، لا مقام لكم . وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبرا ، فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم ، وفرستهم الريح تضربهم بها ، ثم خرجت نحو النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما انتصفت في الطريق أو نحوا من ذلك ، إذا أنا بنحو من عشرين فارسا أو نحو ذلك معتمين ، فقالوا : أخبر صاحبك أن الله تعالى كفاه القوم . فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو مشتمل في شملة يصلي ، فوالله ما عدا أن رجعت راجعني القر وجعلت أقرقف ، فأومأ إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم [ بيده ] وهو يصلي ، فدنوت منه ، فأسبل علي شملته . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى ، فأخبرته خبر القوم ، وأخبرته أني تركتهم يترحلون ، وأنزل الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا ) .وأخرج أبو داود في سننه منه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا حزبه أمر ، من حديث عكرمة بن عمار ، به .وقوله : ( إذ جاءوكم من فوقكم ) أي : الأحزاب ( ومن أسفل منكم ) تقدم عن حذيفة أنهم بنو قريظة ، ( وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ) أي : من شدة الخوف والفزع ، ( وتظنون بالله الظنون ) .قال ابن جرير : ظن بعض من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدائرة على المؤمنين ، وأن الله سيفعل ذلك .وقال محمد بن إسحاق في قوله : ( وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا ) : ظن المؤمنون كل ظن ، ونجم النفاق حتى قال معتب بن قشير - أخو بني عمرو بن عوف - : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا لا يقدر على أن يذهب إلى الغائط .وقال الحسن في قوله : ( وتظنون بالله الظنون ) : ظنون مختلفة ، ظن المنافقون أن محمدا وأصحابه يستأصلون ، وأيقن المؤمنون أن ما وعد الله ورسوله حق ، وأنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن عاصم الأنصاري ، حدثنا أبو عامر ( ح ) وحدثنا أبي ، حدثنا أبو عامر العقدي ، حدثنا الزبير - يعني : ابن عبد الله ، مولى عثمان بن عفان - عن رتيج بن عبد الرحمن بن أبي سعيد ، عن أبيه ، عن أبي سعيد قال : قلنا يوم الخندق : يا رسول الله ، هل من شيء نقول ، فقد بلغت القلوب الحناجر ؟ قال صلى الله عليه وسلم : " نعم ، قولوا : اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا " . قال : فضرب وجوه أعدائه بالريح ، فهزمهم بالريح .وكذا رواه الإمام أحمد بن حنبل ، عن أبي عامر العقدي .
تفسير القرطبيقوله تعالى : إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا .قوله تعالى : إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم إذ في موضع نصب بمعنى واذكر . وكذا وإذ قالت طائفة منهم . من فوقكم يعني من فوق الوادي ، وهو أعلاه من قبل المشرق ، جاء منه عوف بن مالك في بني نصر ، وعيينة بن حصن في أهل نجد ، وطليحة بن خويلد الأسدي في بني أسد . ومن أسفل منكم يعني من بطن الوادي من قبل المغرب ، جاء منه أبو سفيان بن حرب على أهل مكة ، ويزيد بن جحش على قريش ، وجاء أبو الأعور السلمي ومعه حيي بن أخطب اليهودي في يهود بني قريظة مع عامر بن الطفيل من وجه الخندق . وإذ زاغت الأبصار أي شخصت . وقيل : مالت ; فلم تلتفت إلا إلى عدوها دهشا من فرط الهول . وبلغت القلوب الحناجر أي زالت عن أماكنها من الصدور حتى بلغت الحناجر وهي الحلاقيم ، واحدها حنجرة ; فلولا أن الحلوق ضاقت عنها لخرجت ; قاله قتادة . وقيل : هو على معنى المبالغة على مذهب العرب على إضمار كاد ; قال [ بشار بن برد ] :إذا ما غضبنا غضبة مضرية هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دماأي كادت تقطر . ويقال : إن الرئة تنفتح عند الخوف فيرتفع القلب حتى يكاد يبلغ الحنجرة مثلا ; ولهذا يقال للجبان : انتفخ سحره . وقيل : إنه مثل مضروب في شدة الخوف ببلوغ القلوب الحناجر وإن لم تزل عن أماكنها مع بقاء الحياة . قال معناه عكرمة . روى حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال : بلغ فزعها . والأظهر أنه أراد اضطراب القلب وضربانه ، أي كأنه لشدة اضطرابه بلغ الحنجرة . والحنجرة والحنجور ( بزيادة النون ) حرف الحلق . وتظنون بالله الظنونا قال الحسن : ظن المنافقون أن المسلمين يستأصلون ، وظن المؤمنون أنهم ينصرون . وقيل : هو خطاب للمنافقين ; أي قلتم هلك محمد وأصحابه . واختلف القراء في قوله تعالى : الظنونا والرسولا والسبيلا آخر السورة ; فأثبت ألفاتها في الوقف والوصل نافع وابن عامر . وروي عن أبي عمرو والكسائي تمسكا بخط المصحف ، مصحف عثمان ، وجميع المصاحف في جميع البلدان . واختاره أبو عبيد ; إلا أنه قال : لا ينبغي للقارئ أن يدرج القراءة بعدهن لكن يقف عليهن . قالوا : ولأن العرب تفعل ذلك في قوافي أشعارهم ومصاريعها ; قال :نحن جلبنا القرح القوافلا تستنفر الأواخر الأوائلاوقرأ أبو عمرو والجحدري ويعقوب وحمزة بحذفها في الوصل والوقف معا . قالوا : هي زائدة في الخط كما زيدت الألف في قوله تعالى : ولأوضعوا خلالكم فكتبوها كذلك ، وغير هذا . وأما الشعر فموضع ضرورة ، بخلاف القرآن فإنه أفصح اللغات ولا ضرورة فيه . قال ابن الأنباري : ولم يخالف المصحف من قرأ . ( الظنون . والسبيل . والرسول ) بغير ألف في الحروف الثلاثة ، وخطهن في المصحف بألف لأن الألف التي في أطعنا والداخلة في أول ( الرسول . والظنون . والسبيل ) كفى من الألف المتطرفة المتأخرة كما كفت ألف أبي جاد من ألف هواز . وفيه حجة أخرى : أن الألف أنزلت منزلة الفتحة وما يلحق دعامة للحركة التي تسبق ، والنية فيه السقوط ; فلما عمل على هذا كانت الألف مع الفتحة كالشيء الواحد يوجب الوقف سقوطهما ويعمل على أن صورة الألف في الخط لا توجب موضعا في اللفظ ، وأنها كالألف في ( سحران ) وفي فطر السماوات والأرض وفي واعدنا موسى وما يشبههن مما يحذف من الخط وهو موجود في اللفظ ، وهو مسقط من الخط . وفيه حجة ثالثة هي أنه كتب على لغة من يقول لقيت الرجلا . وقرئ على لغة من يقول : لقيت الرجل ، بغير ألف . أخبرنا أحمد بن يحيى عن جماعة من أهل اللغة أنهم رووا عن العرب قام الرجلو ، بواو ، ومررت بالرجلي ، بياء ، في الوصل والوقف . ولقيت الرجلا ; بألف في الحالتين كلتيهما . قال الشاعر [ بشير بن حازم ] :أسائلة عميرة عن أبيها خلال الجيش تعترف الركابافأثبت الألف في ( الركاب ) بناء على هذه اللغة . وقال الآخر :إذا الجوزاء أردفت الثريا ظننت بآل فاطمة الظنوناوعلى هذه اللغة بنى نافع وغيره . وقرأ ابن كثير وابن محيصن والكسائي بإثباتها في الوقف وحذفها في الوصل . قال ابن الأنباري : ومن وصل بغير ألف ووقف بألف فجائز أن يحتج بأن الألف احتاج إليها عند السكت حرصا على بقاء الفتحة ، وأن الألف تدعمها وتقويها .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10)يقول تعالى ذكره: وكان الله بما تعملون بصيرا، إذ جاءتكم جنود الأحزاب من فوقكم، ومن أسفل منكم. وقيل: إن الذين أتوهم من أسفل منهم، أبو سفيان في قريش ومن معه.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (إذْ جاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ) قال عيينة بن بدر (3) في أهل نجد (ومن أسفل منكم) قال أبو سفيان، قال: وواجهتهم قريظة.حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ذكرت يوم الخندق وقرأت ( إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ ) قالت: هو يوم الخندق.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان مولى آل الزبير، عن عروة بن الزبير، وعمن لا أتهم، عن عبيد الله بن كعب بن مالك، وعن الزهري، وعن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعن محمد بن كعب القرظي، وعن غيرهم من علمائنا أنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود، منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحُييّ بن أخطب النضري، وكنانة بن الربيع (4) بن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خرجوا حتى قدموا مكة على قريش، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقال لهم قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأوّل، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحقّ منه (5) قال: فهم الذين أنزل الله فيهم أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا ... إلى قوله: وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا فلما قالوا ذلك لقريش، سرّهم ما قالوا، ونشطوا لما دعوهم له من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له، ثم خرج أولئك النفر من اليهود، حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا فيه، فأجابوهم (6) فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حُذيفة بن بدر في بني فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في بني مرّة، ومسعر بن رخيلة بن نُوَيرة بن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان، فيمن تابعه من قومه من أشجع؛ فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما اجتمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة؛ فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق، أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف والغابة (7) في عشرة آلاف من أحابيشهم، ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد، حتى نزلوا بذنب نقمي إلى جانب أحد، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذّراري والنساء، فرفعوا في الآطام، وخرج عدوّ الله حيي بن أخطب النضري، حتى أتى كعب بن أسد القرظيّ، صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه، وعاهده على ذلك وعاقده، فلما سمع كعب بحييّ بن أخطب، أغلق دونه حصنه، فاستأذن عليه، فأبى أن يفتح له، فناداه حييّ: يا كعب افتح لي، قال: ويحك يا حييّ، إنك امرؤ مشئوم، إني قد عاهدت محمدا، فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا؛ قال: ويحك افتح لي أكلمك، قال: ما أنا بفاعل، قال: والله إن أغلقت دوني إلا تخوّفت على جشيشتك أن آكل معك منها، فأحفظ الرجل، ففتح له، فقال: يا كعب جئتك بعزّ الدهر، وببحر طمّ، جئتك بقريش على قاداتها وساداتها، حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطَفان على قاداتها وساداتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أُحد، قد عاهدوني وعاقدوني ألا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه، فقال له كعب بن أسد: جئتني والله بذلّ الدهر، وبجهام قد هراق ماءه، يرعد ويبرق، ليس فيه شيء، فدعني ومحمدا وما أنا عليه، فلم أر من محمد إلا صدقا ووفاء؛ فلم يزل حييّ بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمح له على أن أعطاهم عهدا من الله وميثاقا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب بن أسد عهده، وبرئ مما كان عليه، فيما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، وإلى المسلمين، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس، أحد بني الأشهل، وهو يومئذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة بن ديلم أخي بني ساعدة بن كعب بن الخزرج، وهو يومئذ سيد الخزرج، ومعهما عبد الله بن رواحة أخو بلحرث بن الخزرج، وخوات بن جُبَير أخو بني عمرو بن عوف، فقال: " انطلقوا حتى تنظروا أحقّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم، فاجهروا به للناس " فخرجوا حتى أتوهم، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، ونالوا (8) من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد، فشاتمهم سعد بن عبادة وشاتموه، وكان رجلا فيه حدّة، فقال له سعد بن معاذ: دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة، ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلموا عليه، ثم قالوا: عضل والقارة: أي (9) كغدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب الرجيع خبيب بن عدي وأصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين، وعظم عند ذلك البلاء، واشتدّ الخوف، وأتاهم عدوّهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، حتى ظنّ المسلمون كلّ ظنّ، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط، وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث: يا رسول الله إن بيوتنا لعورة من العدوّ، وذلك عن ملإ من رجال قومه، فأذن لنا فلنرجع إلى دارنا، وإنها خارجة من المدينة، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر، ولم يكن بين القوم حرب إلا الرمي بالنبل والحصار (10) .حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان قوله: ( إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ) فالذين جاءوهم من فوقهم: قريظة، والذين جاءوهم من أسفل منهم: قريش وغطفان.وقوله: (وَإذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ) يقول: وحين عدلت الأبصار عن مقرّها، وشخصت طامحة.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَإذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ) : شخصت.وقوله: (وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ) يقول: نبت القلوب عن أماكنها من الرعب والخوف، فبلغت إلى الحناجر.كما حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سويد بن عمرو، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرِمة: (وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ) قال: من الفزع.وقوله: ( وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ) يقول: وتظنون بالله الظنونَ الكاذبة، وذلك كظنّ من ظنّ منهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يُغلب، وأن ما وعده الله من النصر أن لا يكون، ونحو ذلك من ظنونهم الكاذبة التي ظنها من ظنّ ممن كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عسكره.حدثنا بشر، قال: ثنا هوذة بن خليفة، قال: ثنا عوف، عن الحسن (وَتَظُنُّونَ باللَّه الظُّنُونا ) قال: ظنونا مختلفة: ظنّ المنافقون أن محمدا وأصحابه يُستأصلون، وأيقن المؤمنون أن ما وعدهم الله حقّ، أنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون.واختلفت القرّاء في قراءة قوله: (وَتَظُنُّونَ بالله الظُّنُونا ) فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة، وبعض الكوفيين: (الظُّنُونا) بإثبات الألف، وكذلك وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا في الوصل والوقف وكان اعتلال المعتلّ في ذلك لهم، أن ذلك في كل مصاحف المسلمين بإثبات الألف في هذه الأحرف كلها وكان بعض قرّاء الكوفة يثبت الألف فيهنّ في الوقف، ويحذفها في الوصل اعتلالا بأن العرب تفعل ذلك في قوافي الشعر ومصاريعها، فتلحق الألف في موضع الفتح للوقوف، ولا تفعل ذلك في حشو الأبيات، فإن هذه الأحرف، حسُن فيها إثبات الألفات، لأنهنّ رءوس الآي تمثيلا لها بالقوافي. وقرأ ذلك بعض قرّاء البصرة والكوفة بحذف الألف من جميعه في الوقف والوصل، اعتلالا بأن ذلك غير موجود في كلام العرب إلا في قوافي الشعر دون غيرها من كلامهم، وأنها إنما تفعل ذلك في القوافي طلبا لإتمام وزن الشعر، إذ لو لم تفعل ذلك فيها لم يصحّ الشعر، وليس ذلك كذلك في القرآن، لأنه لا شيء يضطرّهم إلى ذلك في القرآن، وقالوا: هنّ مع ذلك في مصحف عبد الله بغير ألف.وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب، قراءة من قرأه بحذف الألف في الوصل والوقف، لأن ذلك هو الكلام المعروف من كلام العرب، مع شهرة القراءة بذلك في قرّاء المصرين: الكوفة، والبصرة، ثم القراءة بإثبات الألف فيهنّ في حالة الوقف والوصل؛ لأن علة من أثبت ذلك في حال الوقف أنه كذلك في خطوط مصاحف المسلمين. وإذا كانت &; 20-222 &; العلة في إثبات الألف في بعض الأحوال كونه مثبتا في مصاحف المسلمين، فالواجب أن تكون القراءة في كل الأحوال ثابتة؛ لأنه مثبت في مصاحفهم. وغير جائز أن تكون العلة التي توجب قراءة ذلك على وجه من الوجوه في بعض الأحوال موجودة في حال أخرى، والقراءة مختلفة، وليس ذلك لقوافي الشعر بنظير؛ لأن قوافي الشعر إنما تلحق فيها الألفات في مواضع الفتح، والياء في مواضع الكسر، والواو في مواضع الضمّ طلبا لتتمة الوزن، وأن ذلك لو لم يفعل كذلك بطل أن يكون شعرا لاستحالته عن وزنه، ولا شيء يضطرّ تالي القرآن إلى فعل ذلك في القرآن.(3) نسبه إلى أبيه الأعلى.(4) في بعض نسخ السيرة لابن إسحاق، وكنانة بن أبي الحقيق، وليس فيه ابن الربيع.(5) كذا في السيرة. (3 : 225) طبعة الحلبي. وفي الأصل: منهم.(6) في السيرة (الحلبي 3 : 26): فاجتمعوا معهم فيه، وسقط منها قوله: فأجابوهم.(7) في السيرة (الحلبي 3 : 230) زغابة، بزاي مفتوحة، وغين (وانظر السهيلي 2 : 189).(8) في إحدى نسخ السيرة (الحلبي 3 : 233): فيما نالوا ... إلخ.(9) كذا في السيرة (الحلبي 3 : 233). وفي الأصل بدون أي.(10) في بعض المراجع: والحصا. وكتبها بالألف.
هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا ١١التفسير الميسرفي ذلك الموقف العصيب اختُبر إيمان المؤمنين ومُحِّص القوم، وعُرف المؤمن من المنافق، واضطربوا اضطرابًا شديدًا بالخوف والقلق؛ ليتبين إيمانهم ويزيد يقينهم.
تفسير السعدي هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ بهذه الفتنة العظيمة وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا بالخوف والقلق، والجوع، ليتبين إيمانهم، ويزيد إيقانهم، فظهر -وللّه الحمد- من إيمانهم، وشدة يقينهم، ما فاقوا فيه الأولين والآخرين.وعندما اشتد الكرب، وتفاقمت الشدائد، صار إيمانهم عين اليقين، وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا وهنالك تبين نفاق المنافقين، وظهر ما كانوا يضمرون قال تعالى:
تفسير ابن كثيريقول تعالى مخبرا عن ذلك الحال ، حين نزلت الأحزاب حول المدينة ، والمسلمون محصورون في غاية الجهد والضيق ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم : أنهم ابتلوا واختبروا وزلزلوا زلزالا شديدا ، فحينئذ ظهر النفاق ، وتكلم الذين في قلوبهم مرض بما في أنفسهم .
تفسير القرطبيقوله تعالى : هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا .( هنا ) للقريب من المكان . و ( هنالك ) للبعيد . و ( هناك ) للوسط . ويشار به إلى الوقت ; أي عند ذلك اختبر المؤمنون ليتبين المخلص من المنافق . وكان هذا الابتلاء بالخوف والقتال والجوع والحصر والنزال . وزلزلوا زلزالا شديدا أي حركوا تحريكا . قال الزجاج : كل مصدر من المضاعف على فعلال يجوز فيه الكسر والفتح ; نحو قلقلته قلقالا وقلقالا ، وزلزلوا زلزالا وزلزالا . والكسر أجود ; لأن غير المضاعف على الكسر نحو دحرجته دحراجا . وقراءة العامة بكسر الزاي . وقرأ عاصم والجحدري زلزالا بفتح الزاي . قال ابن سلام : أي حركوا بالخوف تحريكا شديدا . وقال الضحاك : هو إزاحتهم عن أماكنهم حتى لم يكن لهم إلا موضع الخندق . وقيل : إنه اضطرابهم عما كانوا عليه ; فمنهم من اضطرب في نفسه ومنهم من اضطرب في دينه . و ( هنالك ) يجوز أن يكون العامل فيه ابتلي فلا يوقف على ( هنالك ) . ويجوز أن يكون وتظنون بالله الظنونا فيوقف على ( هنالك ) .
تفسير الطبريوقوله: (هُنالكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ) يقول: عند ذلك اختبر إيمان المؤمنين، ومُحِّصَ القوم وعرف المؤمن من المنافق.وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (هُنالكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ) قال: محصوا.وقوله: (وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا) يقول: وحرّكوا بالفتنة تحريكا شديدا، وابتلوا وفتنوا.
وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا ١٢التفسير الميسروإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم شك، وهم ضعفاء الإيمان: ما وعدنا الله ورسوله من النصر والتمكين إلا باطلا من القول وغرورًا، فلا تصدقوه.
تفسير السعديوهذه عادة المنافق عند الشدة والمحنة، لا يثبت إيمانه، وينظر بعقله القاصر، إلى الحالة القاصرة ويصدق ظنه.
تفسير ابن كثير( وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ) أما المنافق ، فنجم نفاقه ، والذي في قلبه شبهة أو حسيكة ، ضعف حاله فتنفس بما يجده من الوسواس في نفسه; لضعف إيمانه ، وشدة ما هو فيه من ضيق الحال .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا .قوله تعالى : وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض أي شك ونفاق . ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا أي باطلا من القول . وذلك أن طعمة بن أبيرق ومعتب بن قشير وجماعة نحوا من سبعين رجلا قالوا يوم الخندق : كيف يعدنا كنوز كسرى وقيصر ولا يستطيع أحدنا أن يتبرز ؟ وإنما قالوا ذلك لما فشا في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من قوله عند ضرب الصخرة ، على ما تقدم في حديث النسائي ; فأنزل الله تعالى هذه الآية .
تفسير الطبريوقوله: ( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) شكّ في الإيمان وضعف في اعتقادهم إياه: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا، وذلك فيما ذكر قول معتب بن قشير.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا) يقول: معتب بن قشير، إذ قال ما قال يوم الخندق.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) قال: تكلمهم بالنفاق يومئذ وتكلم المؤمنون بالحقّ والإيمان قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ .حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا ) قال: قال ذلك أُناس من المنافقين، قد كان محمد يعدنا فتح فارس والروم، وقد حصرنا هاهنا، حتى ما يستطيع أحدنا أن يبرز لحاجته، ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قال: قال رجل يوم الأحزاب لرجل من صحابة النبيّ صلى الله عليه وسلم: يا فلان أرأيت إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَإذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلا كِسْرَى بَعْدَهُ، والَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُما في سَبِيلِ اللهِ" فأين هذا من هذا، وأحدنا لا يستطيع أن يخرج يبول من الخوف (ما وَعَدَنا اللهُ وَرَسُولُهُ إلا غُرُورا)؟ فقال له: كذبت، لأخبرنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرك، قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره، فدعاه فقال: " ما قلت؟" فقال: كذب عليّ يا رسول الله، ما قلت شيئًا، ما خرج هذا من فمي قطّ، قال الله: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ ... حتى بلغ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ قال: فهذا قول الله: إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً .حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن خالد بن عثمة، قال: ثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، قال: ثني أبي، عن أبيه، قال: خطّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق عام ذكرت الأحزاب، من أحمر الشيخين (11) طرف بني حارثة، حتى بلغ المذاد، ثم جعل أربعين ذراعا بين كلّ عشرة، فاختلف المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي، وكان رجلا قويا، فقال الأنصار: سلمان منا، وقال المهاجرون: سلمان منا، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " سَلْمانُ منَّا أهْلَ البَيْت ". قال عمرو بن عوف: فكنت أنا وسلمان وحُذيفة بن اليمان والنعمان بن مقرن المزني، وستة من الأنصار، في أربعين ذراعا، فحفرنا تحت دوبار حتى بلغنا (12) الصرى، أخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مروة (13) فكسرت حديدنا، وشقّت علينا، فقلنا: يا سلمان، ارق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره خبر هذه الصخرة، فإما أن نعدل عنها، فإن المعدل قريب، وإما أن يأمرنا فيها بأمره، فإنا لا نحبّ أن نجاوز خطه. فرقي سلمان حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ضارب عليه قبة تركية، فقال: يا رسول الله بأبينا أنت وأمنا خرجت صخرة بيضاء من بطن الخندق مروة، فكسرت حديدنا، وشقَّت علينا حتى ما يجيء منها قليل ولا كثير، فمرنا فيها بأمرك، فإنا لا نحب أن نجاوز خطك، فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سلمان في الخندق، ورقينا نحن التسعة على شفة الخندق، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المعول من سلمان، فضرب الصخرة ضربة صدعها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها -يعني لابتي المدينة- حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح، وكبر المسلمون ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثانية، فصدعها وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها، حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح، وكبر المسلمون، ثم ضربها وسول الله صلى الله عليه وسلم الثالثة فكسرها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها، حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح، ثم أخذ بيد سلمان فرقي، فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد رأيت شيئا ما رأيته قطّ، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القوم، فقال: " هَلْ رأيْتُمْ ما يقُولُ سَلْمانُ؟" قَالُوا: نعم يا رسول الله بأبينا أنت وأمنا، وقد رأيناك تضرب، فيخرج برق كالموج، فرأيناك تكبر فنكبر، ولا نرى شيئا غير ذلك، قال: " صَدَقْتُمْ ضَرَبْتُ ضَرْبَتِي الأولى، فَبَرقَ الَّذِي رأيتم أضَاءَ لي مِنْهُ قُصُورُ الحِيرَة وَمَدَائِنُ كِسْرَى، كأنَّها أنْيابُ الكِلاب، فأخْبَرَنِي جَبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، ثُمَّ ضَرَبْتُ ضَرْبَتي الثَّانيَةَ، فَبَرقَ الَّذِي رأيْتُمْ، أضَاءَ لي مِنْهُ قُصُورُ الحُمْر مِنْ أرْضِ الرُّومِ، كأنَّها أنْيابُ الكِلاب، وأخْبَرَنِي جَبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، ثُمَّ ضَرَبْتُ ضَرْبَتِي الثَّالِثَةَ، وَبَرَقَ مِنْها الَّذِي رأيْتُمْ، أضَاءَتْ لِي مِنْها قُصُورُ صَنْعاءَ، كأنَّها أنْيابُ الكلاب، وأخْبَرَنِي جَبْرائِيلُ عَلَيْه السَّلامُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، فأبْشِرُوا " يُبَلِّغُهُمُ النَّصْر، " وأبْشرُوا " يُبَلِّغُهُمُ النَّصْر، " وأبْشِرُوا " يُبَلِّغُهُمُ النَّصْر؛ فاستبشر المسلمون، وقالوا: الحمد لله موعود صدق، بأن وعدنا النصر بعد الحصر، فطبقت الأحزاب، فقال المسلمون هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ... الآية، وقال المنافقون: ألا تعجبون يحدّثكم ويمنيكم ويعدكم الباطل، يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق من الفرق، ولا تستطيعون أن تبرزوا وأنزل القرآن ( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا ).----------------------الهوامش :(11) في المواهب اللدنية بشرح الزرقاني (2 : 102) روى الطبراني بسند لا بأس به عن عمرو بن عوف المزني، أنه صلى الله عليه وسلم خط الخندق من أخمر الشيخين ... وهما أطمان طرف بني حارثة، حتى بلغ المذاد ...(12) هكذا جاءت هذه العبارة، ولعلها محرفة. و "ذوبار": لفظة فارسية، معناها: مرتين. وقوله: حتى بلغنا: لعلها: حتى إذا بلغنا.(13) في بعض المراجع: مدورة. والصرى: الماء.
وَإِذۡ قَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ يَٰٓأَهۡلَ يَثۡرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمۡ فَٱرۡجِعُواْۚ وَيَسۡتَـٔۡذِنُ فَرِيقٞ مِّنۡهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوۡرَةٞ وَمَا هِيَ بِعَوۡرَةٍۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارٗا ١٣التفسير الميسرواذكر -أيها النبي- قول طائفة من المنافقين منادين المؤمنين من أهل "المدينة": يا أهل "يثرب"(وهو الاسم القديم "للمدينة") لا إقامة لكم في معركة خاسرة، فارجعوا إلى منازلكم داخل "المدينة"، ويستأذن فريق آخر من المنافقين الرسول صلى الله عليه وسلم بالعودة إلى منازلهم بحجة أنها غير محصنة، فيخشون عليها، والحق أنها ليست كذلك، وما قصدوا بذلك إلا الفرار من القتال.
تفسير السعدي وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ من المنافقين، بعد ما جزعوا وقلَّ صبرهم، وصاروا أيضًا من المخذولين، فلا صبروا بأنفسهم، ولا تركوا الناس من شرهم، فقالت هذه الطائفة: يَا أَهْلَ يَثْرِبَ يريدون يا أهل المدينة فنادوهم باسم الوطن المنبئ [عن التسمية] فيه إشارة إلى أن الدين والأخوة الإيمانية، ليس له في قلوبهم قدر، وأن الذي حملهم على ذلك، مجرد الخور الطبيعي. يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ أي: في موضعكم الذي خرجتم إليه خارج المدينة، وكانوا عسكروا دون الخندق، وخارج المدينة، فَارْجِعُوا إلى المدينة، فهذه الطائفة تخذل عن الجهاد، وتبين أنهم لا قوة لهم بقتال عدوهم، ويأمرونهم بترك القتال، فهذه الطائفة، شر الطوائف وأضرها، وطائفة أخرى دونهم، أصابهم الجبن والجزع، وأحبوا أن ينخزلوا عن الصفوف، فجعلوا يعتذرون بالأعذار الباطلة، وهم الذين قال اللّه فيهم: وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ أي: عليها الخطر، ونخاف عليها أن يهجم عليها الأعداء، ونحن غُيَّبٌ عنها، فَأْذَنْ لنا نرجع إليها، فنحرسها، وهم كذبة في ذلك. وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ أي: ما قصدهم إِلَّا فِرَارًا ولكن جعلوا هذا الكلام، وسيلة وعذرًا. [لهم] فهؤلاء قل إيمانهم، وليس له ثبوت عند اشتداد المحن.
تفسير ابن كثيروقوم آخرون قالوا كما قال الله : ( وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب ) يعني : المدينة ، كما جاء في الصحيح : " أريت [ في المنام ] دار هجرتكم ، أرض بين حرتين فذهب وهلي أنها هجر ، فإذا هي يثرب " ، وفي لفظ : " المدينة " .فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا إبراهيم بن مهدي ، حدثنا صالح بن عمر ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن البراء ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سمى المدينة يثرب ، فليستغفر الله ، هي طابة ، هي طابة " .تفرد به الإمام أحمد ، وفي إسناده ضعف ، والله أعلم .ويقال : إنما كان أصل تسميتها " يثرب " برجل نزلها من العماليق ، يقال له : يثرب بن عبيل بن مهلابيل بن عوص بن عملاق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح . قاله السهيلي ، قال : وروي عن بعضهم أنه قال : إن لها [ في التوراة ] أحد عشر اسما : المدينة ، وطابة ، وطيبة ، المسكينة ، والجابرة ، والمحبة ، والمحبوبة ، والقاصمة ، والمجبورة ، والعذراء ، والمرحومة .وعن كعب الأحبار قال : إنا نجد في التوراة يقول الله للمدينة : يا طيبة ، ويا طابة ، ويا مسكينة [ لا تقلي الكنوز ، أرفع أحاجرك على أحاجر القرى ] .وقوله : ( لا مقام لكم ) أي : هاهنا ، يعنون عند النبي صلى الله عليه وسلم في مقام المرابطة ، ( فارجعوا ) أي : إلى بيوتكم ومنازلكم . ( ويستأذن فريق منهم النبي ) : قال العوفي ، عن ابن عباس : هم بنو حارثة قالوا : بيوتنا نخاف عليها السرق . وكذا قال غير واحد .وذكر ابن إسحاق : أن القائل لذلك هو أوس بن قيظي ، يعني : اعتذروا في الرجوع إلى منازلهم بأنها عورة ، أي : ليس دونها ما يحجبها عن العدو ، فهم يخشون عليها منهم . قال الله تعالى : ( وما هي بعورة ) أي : ليست كما يزعمون ، ( إن يريدون إلا فرارا ) أي : هربا من الزحف .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا .قوله تعالى : وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا الطائفة تقع على الواحد فما فوقه . وعني به هنا أوس بن قيظي والد عرابة بن أوس ; الذي يقول فيه الشماخ :إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمينو ( يثرب ) هي المدينة ; وسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبة وطابة . وقال أبو عبيدة : يثرب اسم أرض ، والمدينة ناحية منها . السهيلي : وسميت يثرب لأن الذي نزلها من العماليق اسمه يثرب بن عميل بن مهلائيل بن عوض بن عملاق بن لاوق بن إرم . وفي بعض هذه الأسماء اختلاف . وبنو عميل هم الذين سكنوا الجحفة فأجحفت بهم السيول فيها . وبها سميت الجحفة . " لا مقام لكم " بفتح الميم قراءة العامة . وقرأ حفص والسلمي والجحدري وأبو حيوة : بضم الميم ; يكون مصدرا من أقام يقيم ; أي لا إقامة ، أو موضعا يقيمون فيه . ومن فتح فهو اسم مكان ; أي لا موضع لكم تقيمون فيه . ( فارجعوا ) أي إلى منازلكم . أمروهم بالهروب من عسكر النبي صلى الله عليه وسلم . قال ابن عباس : قالت اليهود لعبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه من المنافقين : ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان وأصحابه ! فارجعوا إلى المدينة فإنا مع القوم فأنتم آمنون .قوله تعالى : ويستأذن فريق منهم النبي في الرجوع إلى منازلهم بالمدينة ، وهم بنو حارثة بن الحارث ، في قول ابن عباس . وقال يزيد بن رومان : قال ذلك أوس بن قيظي عن ملأ من قومه . ( يقولون إن بيوتنا عورة ) أي سائبة ضائعة ليست بحصينة ، وهي مما يلي العدو . وقيل : ممكنة للسراق لخلوها من الرجال . يقال : دار معورة وذات عورة إذا كان يسهل دخولها . يقال : عور المكان عورا فهو عور . وبيوت عورة . وأعور فهو معور . وقيل : عورة ذات عورة . وكل مكان ليس بممنوع ولا مستور فهو عورة ; قاله الهروي . وقرأ ابن عباس وعكرمة ومجاهد وأبو رجاء العطاردي : ( عورة ) بكسر الواو ; يعني قصيرة الجدران فيها خلل . تقول العرب : دار فلان عورة إذا لم تكن حصينة . وقد أعور الفارس إذا بدا فيه خلل للضرب والطعن ; قال الشاعر :متى تلقهم لم تلق في البيت معورا ولا الضيف مفجوعا ولا الجار مرملاالجوهري : والعورة كل خلل يتخوف منه في ثغر أو حرب . النحاس : يقال أعور المكان إذا تبينت فيه عورة ، وأعور الفارس إذا تبين فيه موضع الخلل . المهدوي : ومن كسر الواو في عورة فهو شاذ ; ومثله قولهم : رجل عور ; أي لا شيء له ، وكان القياس أن يعل فيقال : عار ; كيوم راح ، ورجل مال ; أصلهما روح ومول . ثم قال تعالى عورة وما هي بعورة تكذيبا لهم وردا عليهم فيما ذكروه . إن يريدون إلا فرارا أي ما يريدون إلا الهرب . قيل : من القتل . وقيل : من الدين . وحكى النقاش أن هذه الآية نزلت في قبيلتين من الأنصار : بني حارثة وبني سلمة ; وهموا أن يتركوا مراكزهم يوم الخندق ، وفيهم أنزل الله تعالى : إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا الآية . فلما نزلت هذه الآية قالوا : والله ما ساءنا ما كنا هممنا به ; إذ الله ولينا . وقال السدي : الذي استأذنه منهم رجلان من الأنصار من بني حارثة أحدهما - أبو عرابة بن أوس ، والآخر أوس بن قيظي . قال الضحاك : ورجع ثمانون رجلا بغير إذنه .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِرَارًا (13)يعني تعالى ذكره بقوله: ( وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ ) وإذ قال بعضهم: يا أهل يثرب، ويثرب: اسم أرض، فيقال: إن مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناحية من يثرب. وقوله: (لا مُقامَ لَكُمْ فارْجِعُوا) بفتح الميم من مقام. يقول: لا مكان لكم، تقومون فيه، كما قال الشاعر:فأيِّي ما وأَيُّكَ كانَ شَرّافَقيدَ إلى المَقامَةِ لا يَرَاها (14)قوله: (فارْجِعُوا) يقول: فارجعوا إلى منازلكم، أمرهم بالهرب من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم والفرار منه، وترك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن ذلك من قيل أوس بن قيظي ومن وافقه على رأيه.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان (وَإذْ قَالتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أهل يَثْرِب ...) إلى (فِرَارًا) يقول: أوس بن قيظي ومن كان على ذلك من رأيه من قومه، والقراءة على فتح الميم من قوله: (لا مَقَامَ لَكُمْ) بمعنى: لا موضع قيام لكم، وهي القراءة التي لا أستجيز القراءة بخلافها، لإجماع الحجة من القرّاء عليها. وذُكر عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قرأ ذلك (لا مُقامَ لَكُمْ) بضم الميم؛ يعني: لا إقامة لكم.وقوله: ( وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ) يقول تعالى ذكره: ويستأذن بعضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإذن بالانصراف عنه إلى منزله، ولكنه يريد الفرار والهرب من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (وَيَسْتأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيُّ ...) إلى قوله: (إلا فِرَارًا) قال: هم بنو حارثة، قالوا: بيوتنا مخلية نخشى عليها السرق.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ) قال: نخشى عليها السرق.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ( وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ) وإنها مما يلي العدوّ، وإنا نخاف عليها السرّاق، فبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلا يجد بها عدوّا، قال الله: (إنْ يُرِيدُونَ إلا فِرَارًا) يقول: إنما كان قولهم ذلك (إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ) إنما كان يريدون بذلك الفرار.حدثنا محمد بن سنان القزاز، قال: ثنا عبيد الله بن حمران، قال: ثنا عبد السلام بن شدّاد أبو طالوت عن أبيه في هذه الآية (إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِي بِعَوْرَةٍ) قال: ضائعة.
وَلَوۡ دُخِلَتۡ عَلَيۡهِم مِّنۡ أَقۡطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلۡفِتۡنَةَ لَأٓتَوۡهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلَّا يَسِيرٗا ١٤التفسير الميسرولو دخل جيش الأحزاب "المدينة" من جوانبها، ثم سئل هؤلاء المنافقون الشرك بالله والرجوع عن الإسلام، لأجابوا إلى ذلك مبادرين، وما تأخروا عن الشرك إلا يسيرًا.
تفسير السعدي وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ المدينة مِنْ أَقْطَارِهَا أي: لو دخل الكفار إليها من نواحيها، واستولوا عليها -لا كان ذلك- ثُمَّ سئل هؤلاء الْفِتْنَة أي: الانقلاب عن دينهم، والرجوع إلى دين المستولين المتغلبين لَآتَوْهَا أي: لأعطوها مبادرين. وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا أي: ليس لهم منعة ولا تَصلُّبٌ على الدين، بل بمجرد ما تكون الدولة للأعداء، يعطونهم ما طلبوا، ويوافقونهم على كفرهم، هذه حالهم.
تفسير ابن كثيريخبر تعالى عن هؤلاء الذين ( يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ) : أنهم لو دخل عليهم الأعداء من كل جانب من جوانب المدينة ، وقطر من أقطارها ، ثم سئلوا الفتنة ، وهي الدخول في الكفر ، لكفروا سريعا ، وهم لا يحافظون على الإيمان ، ولا يستمسكون به مع أدنى خوف وفزع .هكذا فسرها قتادة ، وعبد الرحمن بن زيد ، وابن جرير ، وهذا ذم لهم في غاية الذم .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا .ولو دخلت عليهم من أقطارها وهي البيوت أو المدينة ; أي من نواحيها وجوانبها ، الواحد قطر ، وهو الجانب والناحية . وكذلك القتر لغة في القطر . ثم سئلوا الفتنة لآتوها أي لجاءوها ; هذا على قراءة نافع وابن كثير بالقصر . وقرأ الباقون بالمد ; أي لأعطوها من أنفسهم ، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم . وقد جاء في الحديث : أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يعذبون في الله ويسألون الشرك ، فكل أعطى ما سألوه إلا بلالا . وفيه دليل على قراءة المد ، من الإعطاء . ويدل على قراءة القصر قوله : ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار ; فهذا يدل على لآتوها مقصورا . وفي الفتنة هنا وجهان : أحدهما : سئلوا القتال في العصبية لأسرعوا إليه ; قاله الضحاك . الثاني : ثم سئلوا الشرك لأجابوا إليه مسرعين ; قاله الحسن . وما تلبثوا بها ؛ أي بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلا حتى يهلكوا ; قاله السدي والقتبي والحسن والفراء . وقال أكثر المفسرين : أي وما احتبسوا عن فتنة الشرك إلا قليلا ولأجابوا بالشرك مسرعين ; وذلك لضعف نياتهم ولفرط نفاقهم ; فلو اختلطت بهم الأحزاب لأظهروا الكفر .
تفسير الطبريوقوله: (وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِها) يقول: ولو دخلت المدينة على هؤلاء القائلين (إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ) من أقطارها، يعني: من جوانبها ونواحيها، واحدها: قطر، وفيها لغة أخرى: قُتر، وأقتار، ومنه قول الراجز:إنْ شِئْتَ أنْ تدهن أو تمرافَوَلِّهِنَّ قُتْرَكَ الأشَرَّا (15)وقوله: (ثُمَّ سُئِلوا الفِتْنَةَ) يقول: ثم سئلوا الرجوع من الإيمان إلى الشرك (لآتَوْها) يقول: لفعلوا ورجعوا عن الإسلام وأشركوا. وقوله: (وَما تَلَبَّثُوا بها إلا يَسِيرًا) يقول: وما احتبسوا عن إجابتهم إلى الشرك إلا يسيرا قليلا ولأسرعوا إلى ذلك.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ) أي: لو دخل عليهم من نواحي المدينة (ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ) : أي: الشرك (لآتَوْها) يقول: لأعطوها.(وَما تَلَبَّثُوا بِها إلا يَسِيرًا) يقول: إلا أعطوه طيبة به أنفسهم ما يحتبسونه.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ) يقول: لو دخلت المدينة عليهم من نواحيها(ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتوْهَا) سئلوا أن يكفروا لكفروا. قال: وهؤلاء المنافقون لو دخلت عليهم الجيوش، والذين يريدون قتالهم، ثم سئلوا أن يكفروا لكفروا. قال: والفتنة: الكفر، وهي التي يقول الله: (الفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ) أي: الكفر. يقول: يحملهم الخوف منهم، وخبث الفتنة التي هم عليها من النفاق على أن يكفروا به.واختلفت القرّاء في قراءة قوله: (لآتَوْها) فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة وبعض قرّاء مكة: (لأتَوْها) بقصر الألف، بمعنى جاءوها. وقرأه بعض المكيين وعامة قرّاء الكوفة والبصرة: (لآتَوْها) بمدّ الألف، بمعنى: لأعطوها، لقوله: (ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ). وقالوا: إذا كان سؤال كان إعطاء. والمدّ أعجب القراءتين إليّ لما ذكرت، وإن كانت الأخرى جائزة.--------------------الهوامش :(14) البيت لعباس بن مرداس، وقد سبق الاستشهاد به في (20 : 66) قال أبو عبيدة في مجاز القرآن (الورقة 193 - ب): عند تفسير قوله تعالى: (لا مقام لكم): مفتوحة الأولى. ومجازها: لا مكان لكم تقومون فيه. ومنه قوله: "فإني ما وأيك كان شرا ... " البيت.(15) البيتان من مشطور الرجز. ولم أقف على قائلهما. والشاهد فيهما في قوله: "قترك" بضم فسكون بمعنى القطر، وهو الجانب والناحية. قال أبو عبيدة: "من أقطارها" أي من جوانبها ونواحيها. وواحدها قطر، وفي "اللسان: قتر" القتر: بضم فسكون، والفتر: بضمتين: الناحية والجانب لغة: في القطر، وهي: الأقتار. ا ه. وفي (اللسان: قطر)، وفي التنزيل العزيز: (من أقطار السماوات والأرض): أقطارها: نواحيها: واحدها قطر، وكذلك أقتراها، واحدها قتر. ا ه.
وَلَقَدۡ كَانُواْ عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ لَا يُوَلُّونَ ٱلۡأَدۡبَٰرَۚ وَكَانَ عَهۡدُ ٱللَّهِ مَسۡـُٔولٗا ١٥التفسير الميسرولقد كان هؤلاء المنافقون عاهدوا الله على يد رسوله من قبل غزوة الخندق، لا يفرُّون إن شهدوا الحرب، ولا يتأخرون إذا دعوا إلى الجهاد، ولكنهم خانوا عهدهم، وسيحاسبهم الله على ذلك، ويسألهم عن ذلك العهد، وكان عهد الله مسؤولا عنه، محاسَبًا عليه.
تفسير السعديوالحال أنهم قد عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا سيسألهم عن ذلك العهد، فيجدهم قد نقضوه، فما ظنهم إذًا، بربهم؟
تفسير ابن كثيرثم قال تعالى يذكرهم بما كانوا عاهدوا الله من قبل هذا الخوف ، ألا يولوا الأدبار ولا يفروا من الزحف ، ( وكان عهد الله مسئولا ) أي : وإن الله تعالى سيسألهم عن ذلك العهد ، لا بد من ذلك .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا .قوله تعالى : ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل أي من قبل غزوة الخندق وبعد بدر . قال قتادة : وذلك أنهم غابوا عن بدر ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والنصر ، فقالوا لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن . وقال يزيد بن رومان : هم بنو حارثة ، هموا يوم أحد أن يفشلوا مع بني سلمة ، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله ألا يعودوا لمثلها فذكر الله لهم الذي أعطوه من أنفسهم . وكان عهد الله مسئولا أي مسئولا عنه . قال مقاتل والكلبي : هم سبعون رجلا بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وقالوا : اشترط لنفسك ولربك ما شئت . فقال : أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأموالكم وأولادكم ، فقالوا : فما لنا إذا فعلنا ذلك يا نبي الله ؟ قال : لكم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة . فذلك قوله تعالى : وكان عهد الله مسئولا أي أن الله ليسألهم عنه يوم القيامة .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولا (15)يقول تعالى ذكره: ولقد كان هؤلاء الذين يستأذنون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الانصراف عنه، ويقولون: إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ، عاهدوا الله من قبل ذلك، ألا يولوا عدوّهم الأدبار، إن لقولهم في مشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، فما أوفوا بعهدهم (وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولا) يقول: فيسأل الله ذلك من أعطاه إياه من نفسه.وذُكر أن ذلك نزل في بني حارثة لما كان من فعلهم في الخندق بعد الذي كان منهم بأحد.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان ( وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولا ). وهم بنو حارثة، وهم الذين همّوا أن يفشلوا يوم أُحد مع بني سلمة حين همّا بالفشل يوم أُحد، ثم عاهدوا الله لا يعودون لمثلها، فذكر الله لهم الذي أعطوه من أنفسهم.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ( وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولا ) قال: كان ناس غابوا عن وقعة بدر، ورأوا ما أعطى الله أصحاب بدر من الكرامة والفضيلة، فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلنّ، فساق الله ذلك إليهم حتى كان في ناحية المدينة.