فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمۡ لَمُحۡضَرُونَ ١٢٧التفسير الميسرفكذب قوم إلياس نبيهم، فليجمعنهم الله يوم القيامة للحساب والعقاب، إلا عباد الله الذين أخلصوا دينهم لله، فإنهم ناجون من عذابه.
تفسير السعدي "فَكَذَّبُوهُ" فيما دعاهم إليه، فلم ينقادوا له، قال اللّه متوعدا لهم: فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ أي يوم القيامة في العذاب، ولم يذكر لهم عقوبة دنيوية.
تفسير ابن كثيرأي للعذاب يوم الحساب.
تفسير القرطبيقوله تعالى : " فكذبوه " أخبر عن قوم إلياس أنهم كذبوه .فإنهم لمحضرون أي في العذاب .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127)وقوله ( فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ) يقول: فكَذّب إلياس قَومُهُ، فإنهم لمحضرون: يقول: فإنهم لمحضرون في عذاب الله فيشهدونه.كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ) في عذاب الله..
إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ١٢٨التفسير الميسرفكذب قوم إلياس نبيهم، فليجمعنهم الله يوم القيامة للحساب والعقاب، إلا عباد الله الذين أخلصوا دينهم لله، فإنهم ناجون من عذابه.
تفسير السعدي إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أي: الذين أخلصهم اللّه، ومنَّ عليهم باتباع نبيهم، فإنهم غير محضرين في العذاب، وإنما لهم من اللّه جزيل الثواب.
تفسير ابن كثيرأي الموحدين منهم وهذا استثناء منقطع من مثبت.
تفسير القرطبيإلا عباد الله المخلصين أي من قومه فإنهم نجوا من العذاب . وقرئ " المخلصين " بكسر اللام ، وقد تقدم .
تفسير الطبري( إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) يقول: فإنهم يحضرون في عذاب الله، إلا عباد الله الذين أخلصهم من العذاب .
وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١٢٩التفسير الميسروجعلنا لإلياس ثناءً جميلا في الأمم بعده. تحية من الله، وثناءٌ على إلياس. وكما جزينا إلياس الجزاء الحسن على طاعته، نجزي المحسنين من عبادنا المؤمنين. إنه من عباد الله المؤمنين المخلصين له العاملين بأوامره.
تفسير السعدي وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ أي: على إلياس فِي الْآخِرِينَ ثناء حسنا.
تفسير ابن كثيرأي ثناء جميلا.
تفسير القرطبيوتركنا عليه في الآخرين تقدم .
تفسير الطبري( وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ ) يقول: وأبقينا عليه الثناء الحسن في الآخرين من الأمم بعده.
سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِلۡ يَاسِينَ ١٣٠التفسير الميسروجعلنا لإلياس ثناءً جميلا في الأمم بعده. تحية من الله، وثناءٌ على إلياس. وكما جزينا إلياس الجزاء الحسن على طاعته، نجزي المحسنين من عبادنا المؤمنين. إنه من عباد الله المؤمنين المخلصين له العاملين بأوامره.
تفسير السعدي سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ أي: تحية من اللّه، ومن عباده عليه.
تفسير ابن كثير( سلام على إل ياسين ) كما يقال في إسماعيل : إسماعين . وهي لغة بني أسد . وأنشد بعض بني نمير في ضب صاده .يقول رب السوق لما جينا هذا ورب البيت إسرائيناويقال : ميكال ، وميكائيل ، وميكائين ، وإبراهيم وإبراهام ، وإسرائيل وإسرائين ، وطور سيناء ، وطور سينين . وهو موضع واحد ، وكل هذا سائغوقرأ آخرون : " سلام على إدراسين " ، وهي قراءة عبد الله بن مسعود . وآخرون : " سلام على آل ياسين " يعني : آل محمد - صلى الله عليه وسلم - .
تفسير القرطبيسلام على إل ياسين قراءة الأعرج وشيبة ونافع . وقرأ عكرمة وأبو عمرو وابن كثير وحمزة والكسائي : " سلام على الياسين " . وقرأ الحسن : " سلام على الياسين " بوصل الألف كأنها ياسين دخلت عليها الألف واللام التي للتعريف . والمراد إلياس - عليه السلام - ، وعليه وقع التسليم ، ولكنه اسم أعجمي . والعرب تضطرب في هذه الأسماء الأعجمية ويكثر تغييرهم لها . قال ابن جني : العرب تتلاعب بالأسماء الأعجمية تلاعبا ، فياسين وإلياس والياسين شيء واحد . الزمخشري : وكان حمزة إذا وصل نصب ، وإذا وقف رفع . وقرئ : " على إلياسين " و " إدريسين وإدرسين وإدراسين " على أنها لغات في إلياس وإدريس . ولعل لزيادة الياء والنون في السريانية معنى . النحاس : ومن قرأ : " سلام على آل ياسين " فكأنه والله أعلم جعل اسمه إلياس وياسين ثم سلم على آله ، أي : أهل دينه ومن كان على مذهبه ، وعلم أنه إذا سلم على آله من أجله فهو داخل في السلام ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : اللهم صل على آل أبي أوفى وقال الله تعالى : أدخلوا آل فرعون أشد العذاب . ومن قرأ " إلياسين " فللعلماء فيه غير قول . فروى هارون عن ابن أبي إسحاق قال : إلياسين مثل إبراهيم يذهب إلى أنه اسم له . وأبو عبيدة يذهب إلى أنه جمع ، جمع التسليم على أنه وأهل بيته سلم عليهم ، وأنشد : [ من أرجوزة لحميد الأرقط ] .قدني من نصر الخبيبين قدي [ ليس الإمام بالشحيح الملحد ]يقال : قدني وقدي لغتان بمعنى حسب . وإنما يريد أبا خبيب عبد الله بن الزبير فجمعه على أن من كان على مذهبه داخل معه . وغير أبي عبيدة يرويه : الخبيبين على التثنية ، يريد عبد الله ومصعبا . ورأيت علي بن سليمان يشرحه بأكثر من هذا ، قال : فإن العرب تسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم ، فيقولون : المهالبة على أنهم سموا كل رجل منهم بالمهلب . قال : فعلى هذا " سلام على إلياسين " سمي كل رجل منهم بإلياس . وقد ذكر سيبويه في كتابه شيئا من هذا ، إلا أنه ذكر أن العرب تفعل هذا على جهة النسبة ، فيقولون : الأشعرون يريدون به النسب . المهدوي : ومن قرأ " إلياسين " فهو جمع يدخل فيه إلياس فهو جمع إلياسي ، فحذفت ياء النسبة ، كما حذفت ياء النسبة في جمع المكسر في نحو المهالبة في جمع مهلبي ، كذلك حذفت في المسلم فقيل المهلبون . وقد حكى سيبويه : الأشعرون والنميرون يريدون الأشعريين والنميريين . السهيلي : وهذا لا يصح ، بل هي لغة في إلياس ، ولو أراد ما قالوه لأدخل الألف واللام كما تدخل في المهالبة والأشعريين ، فكان يقول : " سلام على الإلياسين " لأن العلم إذا جمع ينكر حتى يعرف بالألف واللام ، لا تقول : سلام على زيدين ، بل على الزيدين بالألف واللام . فإلياس - عليه السلام - فيه ثلاث لغات . النحاس : واحتج أبو عبيد في قراءته " سلام على إلياسين " وأنه اسمه كما أن اسمه إلياس لأنه ليس في السورة سلام على " آل " لغيره من الأنبياء صلى الله عليهم وسلم ، فكما سمي الأنبياء كذا سمي هو . وهذا الاحتجاج أصله لأبي عمرو وهو غير لازم ، لأنا بينا قول أهل اللغة أنه إذا سلم على آله من أجله فهو سلام عليه . والقول بأن اسمه " إلياسين " يحتاج إلى دليل ورواية ، فقد وقع في الأمر إشكال . قال الماوردي : وقرأ الحسن " سلام على ياسين " بإسقاط الألف واللام وفيه وجهان : أحدهما : أنهم آل محمد صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن عباس . والثاني : أنهم آل ياسين ، فعلى هذا في دخول الزيادة في ياسين وجهان : أحدهما : أنها زيدت لتساوي الآي ، كما قال في موضع : طور سيناء وفي موضع آخر طور سينين فعلى هذا يكون السلام على أهله دونه ، وتكون الإضافة إليه تشريفا له . الثاني : أنها دخلت للجمع فيكون داخلا في جملتهم ، فيكون السلام عليه وعليهم . قال السهيلي : قال بعض المتكلمين في معاني القرآن : آل ياسين آل محمد - عليه السلام - ، ونزع إلى قول من قال في تفسير " يس " يا محمد . وهذا القول يبطل من وجوه كثيرة : أحدها : أن سياقة الكلام في قصة إلياسين يلزم أن تكون كما هي في قصة إبراهيم ونوح وموسى وهارون وأن التسليم راجع عليهم ، ولا معنى للخروج عن مقصود الكلام لقول قيل في تلك الآية الأخرى مع ضعف ذلك القول أيضا ، فإن " يس " و " حم " و " الم " ونحو ذلك القول فيها واحد ، إنما هي حروف مقطعة ، إما مأخوذة من أسماء الله تعالى كما قال ابن عباس ، وإما من صفات القرآن ، وإما كما قال الشعبي : لله في كل كتاب سر ، وسره في القرآن فواتح القرآن . وأيضا فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لي خمسة أسماء ولم يذكر فيها " يس " . وأيضا فإن " يس " جاءت التلاوة فيها بالسكون والوقف ، ولو كان اسما للنبي - صلى الله عليه وسلم - لقال : " ياسين " بالضم ، كما قال تعالى : يوسف أيها الصديق وإذا بطل هذا القول لما ذكرناه ، ف " إلياسين " هو إلياس المذكور ، وعليه وقع التسليم . وقال أبو عمرو بن العلاء : هو مثل إدريس وإدراسين ، كذلك هو في مصحف ابن مسعود . " وإن إدريس لمن المرسلين " ثم قال : " سلام على إدراسين "
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (130)يقول تعالى ذكره: أمنة من الله لآل ياسين.واختلفت القرّاء في قراءة قوله ( سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ) فقرأته عامة قرّاء مكة والبصرة والكوفة: ( سَلامُ عَلى إلْياسِينَ ) بكسر الألف من إلياسين ، فكان بعضهم يقول: هو اسم إلياس، ويقول: إنه كان يُسمى باسمين: إلياس، وإليا سين مثل إبراهيم، وإبراهام; يُستشهد على ذلك أن ذلك كذلك بأن جميع ما في السورة من قوله ( سَلامٌ ) فإنه سلام على النبي الذي ذكر دون آله، فكذلك إلياسين ، إنما هو سلام على إلياس دون آله. وكان بعض أهل العربية يقول: إلياس: اسم من أسماء العبرانية، كقولهم: إسماعيل وإسحاق، والألف واللام منه، ويقول: لو جعلته عربيا من الإلس، فتجعله إفعالا مثل الإخراج، والإدخال أجْري ; ويقول: قال: سلام على إلياسين، فتجعله بالنون، والعجمي من الأسماء قد تفعل به هذا العرب، تقول: ميكال وميكائيل وميكائيل، وهي في بني أسد تقول: هذا إسماعين قد جاء، وسائر العرب باللام; قال: وأنشدني بعض بني نمير لضب صاده:يَقُولُ رَبُّ السُّوقِ لَمَّا جِيْناهَذَا وَرَبّ البَيْتِ إسْرَائِينا (1)قال: فهذا كقوله إلياسين; قال: وإن شئت ذهبت بإلياسين إلى أن تجعله جمعا، فتجعل أصحابه داخلين في اسمه، كما تقول لقوم رئيسهم المهلب: قد جاءتكم المهالبة والمهلبون، فيكون بمنزلة قولهم الأشعرين بالتخفيف، والسعدين بالتخفيف وشبهه، قال الشاعر :أنا ابْنُ سَعْدٍ سَيِّدِ السَّعْدِينَا (2)قال: وهو في الاثنين أن يضمّ أحدهما إلى صاحبه إذا كان أشهر منه اسما كقول الشاعر :جَزَانِي الزَّهْدَمَانِ جَزاءَ سَوْءٍوكُنتُ المَرْءَ يُجْزَى بالكَرَامَةْ (3)واسم أحدهما: زهدم; وقال الآخر:جَزَى الله فِيها الأعْوَرَيْنِ ذَمَامَةًوَفَرْوَةَ ثَفْرَ الثَّوْرَةِ المُتَضَاجِمِ (4)واسم أحدهما أعور.وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة: " سَلام عَلى آل يَاسِينَ" بقطع آل من ياسين، فكان بعضهم يتأول ذلك بمعنى: سلام على آل محمد. وذُكر عن بعض القرّاء أنه كان يقرأ قوله وَإِنَّ إِلْيَاسَ بترك الهمز في إلياس ويجعل الألف واللام داخلتين على " ياس " للتعريف، ويقول: إنما كان اسمه " ياس " أدخلت عليه ألف ولام ثم يقرأ على ذلك: " سلام على إلياسين ".والصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأه: ( سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ) بكسر ألفها على مثال إدراسين، لأن الله تعالى ذكره إنما أخبر عن كل موضع ذكر فيه نبيا من أنبيائه صلوات الله عليهم في هذه السورة بأن عليه سلاما لا على آله، فكذلك السلام في هذا الموضع ينبغي أن يكون على إلياس كسلامه على غيره من أنبيائه، لا على آله، على نحو ما بيَّنا من معنى ذلك.فإن ظنّ ظانّ أن إلياسين غير إلياس، فإن فيما حكينا من احتجاج من احتج بأن إلياسين هو إلياس غني عن الزيادة فيه.مع أن فيما حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ( سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ) قال: إلياس.وفي قراءة عبد الله بن مسعود: " سَلامٌ عَلى إدْرَاسِينَ" دلالة واضحة على خطأ قول من قال: عنى بذلك سلام على آل محمد، وفساد قراءة من قرأ: " وإنَّ إلياسَ" بوصل &; 21-104 &; النون من " إن " بالياس، وتوجيه الألف واللام فيه إلى أنهما أدخلتا تعريفا للاسم الذي هو ياس، وذلك أن عبد الله كان يقول: إلياس هو إدريس، ويقرأ: " وَإِنَّ إدْرِيسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ"، ثم يقرأ على ذلك: " سَلامٌ عَلَى إدْرَاسِينَ"، كما قرأ الآخرون: ( سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ) بقطع الآل من ياسين. ونظير تسمية إلياس بإل ياسين : وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ [ثم قال في موضع آخر: وَطُورِ سِينِينَ وهو موضع واحد سمي بذلك.------------------------الهوامش:(1) هذان البيتان من شواهد الفراء في معاني القرآن (مصورة الجامعة ص 274) قال : وقوله :" وإن إلياس لمن المرسلين" : ذكر أنه نبي ، وأن هذا الاسم اسم من أسماء العبرانية ، كقولهم : إسماعيل وإسحاق ، والألف واللام منه . ولو جعلته عربيا من الألف فتعجل إفعالا . مثل الإخراج والإدخال ، لجرى (أي صرف) . ثم قال :" سلام على إلياسين" ، فجعله بالنون ، والعجمي من الأسماء قد يفعل به هذا العرب ، تقول : ميكال وميكائيل وميكائين ، بالنون ، وهي في بني أسد ، يقولون : هذا إسماعين قد جاء ، بالنون ، وسائر العرب باللام . قال : وأنشدني بعض بني نمير لضب صاده بعضهم :"يقول أهل السوق .... البيتين . فهذا وجه لقوله" إلياسين" في (مجاز القرآن : مصورة الجامعة الورقة 210 - 1) قال أبو عبيدة :"سلام على إلياسين" : أي سلام على إلياس وأهله ، وعلى أهل دينه جميعهم ، بغير إضافة إلياء على العدد . قال الشاعرقدني من نصر الحبيبين قديفجعل عبدالله بن الزبير أبا خبيب" مصغرا" ومن كان على رأيه عددا ولم يضفهما بالياء" أي لم ينسبهم إليه بياء النسب" فيقول خبيبيون وقال أبو عمر وبن العلاء : نادى مناد يوم الكلاب فقال : هلك اليزيدون . يعني يزيد بن عبدالمدان ، ويزيد بن هوبر ، ويزيد بن مخرمة الحارثيون .ويقال : جاءك الحارثون والأشعرون .(2) وهذا أيضا من شواهد الفراء في معاني القرآن ، جاء بعد الشاهد الذي قبله . قال الفراء بعد كلامه السابق في أن إلياسين لغة في إلياس عند بني أسد : وإن شئت ذهبت" بإلياسين" على أن تجعله جمعا ، فتجعل أصحابه داخلين في اسمه ، كما تقول للقوم رئيسهم المهلب : قد جاءتكم المهالبة والمهلبون ، فيكون بمنزلة قوله : الأشعرين والسعدين وشبهه . قال الشاعر :" أنا ابن سعد ..." البيت . وهذا يشبه كلام أبي عبيدة في مجاز القرآن ، وقد نقلناه في آخر الشاهد السابق على هذا.(3) هذا الشاهد الثالث على قراءة قوله تعالى" سلام على إلياسين" . نقله الفراء وأبو عبيدة في كتابيهما . قال الفراء بعد كلامه السابق : وهو في الاثنين أكثر أن يضم أحدهما إلى صاحبه ، إذا كان أشهر منه اسما ، كقول الشاعر :" جزاني الزهدمان ... البيت" . واسم أحدهما زهدم . وقال أبو عبيدة : وكذلك يقال في الاثنين . وأنشد البيت ، ونسبه إلى قيس بن زهير . ثم قال بعده : وإنما هو زهدم وكردم العبسيان : أخوان . وقيل لعلي بن أبي طالب : نسألك سنة العمرين : يعنون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما . ثم ذكر أبو عبيدة بعد ذلك وجها آخر فقال : إن أهل المدينة يقولون :" سلام على آل ياسن" أي على أهل ياسين . فقال سعد بن أبي وقاص وأبو عمرو وأهل الشام : هم قومه ومن كان معه على دينه . وقالت الشيعة : آل محمد : أهل بيته . واحتجوا بأنك تصغر الآل ، فتجعله أهيلا. ا ه . وذكر بعد كلامه السابق في الموضوع وجها آخر فقال : وقد قرأ بعضهم :" وإن إلياس" يجعل اسمه" ياسا" أدخل عليه الألف واللام . ثم يقرءون :" سلام على آل ياسين" . جاء التفسير في تفسير الكلبي : على آل ياسين : على آل محمد صلى الله عليه وسلم والأول أشبه بالصواب والله أعلم ، لأن في قراءة عبدالله (يعني ابن مسعود) :" وإن إدريس لمن المرسلين"" سلام على إدراسين" . وقد يشهد على صواب هذا قوله :" وشجرة تخرج من طور سيناء" . ثم قال في موضع آخر :" وطور سينين" . وهو معنى واحد . والله أعلم .(4) هذا هو الشاهد الرابع في الموضوع نفسه ، أنشده الفراء في معاني القرآن بعد سابقه . وأنشده صاحب اللسان في ضجم ، ونسبه إلى الأخطل ، وروايته فيه" ملامة" في موضع" ذمامة" . وقال : الضجم : العوج في الأنف ، يميل إلى أحد شقيه . والمتضاجم : المعوج الفم قال الأخطل :" جزى الله ... البيت" . وفروة : اسم رجل . ا ه . وموضع الشاهد فيه قوله" الأعورين" كالذي قبله تماما .
إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣١التفسير الميسروجعلنا لإلياس ثناءً جميلا في الأمم بعده. تحية من الله، وثناءٌ على إلياس. وكما جزينا إلياس الجزاء الحسن على طاعته، نجزي المحسنين من عبادنا المؤمنين. إنه من عباد الله المؤمنين المخلصين له العاملين بأوامره.
تفسير السعدي
تفسير ابن كثيروقوله تعالى "إنا كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين" قد تقدم تفسيره والله تعالى أعلم.
تفسير القرطبيأي نبقي عليهم الثناء الحسن .والكاف في موضع نصب ; أي جزاء كذلك .أو نجزيهم بالخلاص من الشدائد في الدنيا والآخرة .
تفسير الطبريوقوله ( إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) يقول تعالى ذكره: إنا هكذا نجزي أهل طاعتنا والمحسنين أعمالا
إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٣٢التفسير الميسروجعلنا لإلياس ثناءً جميلا في الأمم بعده. تحية من الله، وثناءٌ على إلياس. وكما جزينا إلياس الجزاء الحسن على طاعته، نجزي المحسنين من عبادنا المؤمنين. إنه من عباد الله المؤمنين المخلصين له العاملين بأوامره.
تفسير السعدي[إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ فأثنى اللّه عليه كما أثنى على إخوانه صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين.
تفسير ابن كثيروقوله تعالى "إنا كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين" قد تقدم تفسيره والله تعالى أعلم.
تفسير القرطبيأي من الذين أعطوا العبودية حقها حتى استحقوا الإضافة إلى الله تعالى .
تفسير الطبريوقوله ( إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ) يقول: إن إلياس عبد من عبادنا الذين آمنوا، فوحَّدونا، وأطاعونا، ولم يشركوا بنا شيئا.
وَإِنَّ لُوطٗا لَّمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٣٣التفسير الميسروإن عبدنا لوطًا اصطفيناه، فجعلناه من المرسلين، إذ نجيناه وأهله أجمعين من العذاب، إلا عجوزًا هَرِمة، هي زوجته، هلكت مع الذين هلكوا من قومها لكفرها.
تفسير السعديوهذا ثناء منه تعالى على عبده ورسوله، لوط بالنبوة والرسالة، ودعوته إلى اللّه قومه، ونهيهم عن الشرك، وفعل الفاحشة.
تفسير ابن كثيريخبر تعالى عن عبده ورسوله لوط رضي الله عنهما أنه بعثه إلى قومه.
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإن لوطا لمن المرسلين إذ نجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزا في الغابرين تقدم قصة لوط .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133)يقول تعالى ذكره: وإن لوطا المرسل من المرسلين.
إِذۡ نَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ أَجۡمَعِينَ ١٣٤التفسير الميسروإن عبدنا لوطًا اصطفيناه، فجعلناه من المرسلين، إذ نجيناه وأهله أجمعين من العذاب، إلا عجوزًا هَرِمة، هي زوجته، هلكت مع الذين هلكوا من قومها لكفرها.
تفسير السعديفلما لم ينتهوا، نجاه اللّه وأهله أجمعين، فسروا ليلا فنجوا.
تفسير ابن كثيرفكذبوه فنجاه الله تعالى من بين أظهرهم هو وأهله.
تفسير القرطبيسرى لوط بأهله كما وصف الله " بقطع من الليل " [ هود : 81 ] ثم أمر جبريل , عليه السلام فأدخل جناحه تحت مدائنهم فاقتلعها ورفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح الكلاب , ثم جعل عاليها سافلها , وأمطرت عليهم حجارة من سجيل , قيل : على من غاب منهم .وأدرك امرأة لوط - وكانت معه - حجر فقتلها .وكانت - فيما ذكر - أربع قرى .وقيل : خمس فيها أربعمائة ألف .
تفسير الطبري( إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ ) يقول: إذ نجَّينا لوطا وأهله أجمَعينَ من العذاب الذي أحللناه بقومه، فأهلكناهم به.
إِلَّا عَجُوزٗا فِي ٱلۡغَٰبِرِينَ ١٣٥التفسير الميسروإن عبدنا لوطًا اصطفيناه، فجعلناه من المرسلين، إذ نجيناه وأهله أجمعين من العذاب، إلا عجوزًا هَرِمة، هي زوجته، هلكت مع الذين هلكوا من قومها لكفرها.
تفسير السعدي إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ أي: الباقين المعذبين، وهي زوجة لوط لم تكن على دينه.
تفسير ابن كثيرإلا امرأته فإنها هلكت مع من هلك من قومها.
تفسير القرطبي" " الغابرين " أي الباقين في عذاب الله ; قال ابن عباس وقتادة .غبر الشيء إذا مضى , وغبر إذا بقي .وهو من الأضداد .وقال قوم : الماضي عابر بالعين غير معجمة .والباقي غابر بالغين معجمة .حكاه ابن فارس في المجمل .وقال الزجاج : " من الغابرين " أي من الغائبين عن النجاة وقيل : لطول عمرها .قال النحاس : وأبو عبيدة يذهب إلى أن المعنى من المعمرين ; أي إنها قد هرمت .والأكثر في اللغة أن يكون الغابر الباقي ; قال الراجز : فما ونى محمد مذ أن غفر له الإله ما مضى وما غبر
تفسير الطبري( إِلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ) يقول: إلا عجوزا في الباقين، وهي امرأة لوط، وقد ذكرنا خبرها فيما مضى، واختلاف المختلفين في معنى قوله ( فِي الْغَابِرِينَ ) ، والصواب من القول في ذلك عندنا.وقد حُدثت عن المسيِّب بن شريك، عن أبي روق، عن الضحاك ( إِلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ) يقول: إلا امرأته تخلَّفت فمسخت حجرا، وكانت تسمى هيشفع. (5)حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله ( إِلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ) قال: الهالكين.------------------------الهوامش:(5) في عرائس المجالس للثعالبي ، طبعة الحلبي 106 : وكانت تسمى هلسفع .
ثُمَّ دَمَّرۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ ١٣٦التفسير الميسرثم أهلكنا الباقين المكذبين من قومه.
تفسير السعدي ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ بأن قلبنا عليهم ديارهم فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ حتى همدوا وخمدوا.
تفسير ابن كثيرفإن الله تعالى أهلكهم بأنواع من العقوبات وجعل محلتهم من الأرض بحيرة منتنة قبيحة المنظر والطعم والريح وجعلها بسبيل مقيم يمر بها المسافرون ليلا ونهارا.
تفسير القرطبيثم دمرنا الآخرين أي بالعقوبة .
تفسير الطبريوقوله ( ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ ) يقول: ثم قذفناهم بالحجارة من فوقهم، فأهلكناهم بذلك.
وَإِنَّكُمۡ لَتَمُرُّونَ عَلَيۡهِم مُّصۡبِحِينَ ١٣٧التفسير الميسروإنكم -يا أهل "مكة"- لتمرون في أسفاركم على منازل قوم لوط وآثارهم وقت الصباح، وتمرون عليها ليلا. أفلا تعقلون، فتخافوا أن يصيبكم مثل ما أصابهم؟
تفسير السعدي وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ أي: على ديار قوم لوط مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ
تفسير ابن كثير
تفسير القرطبيوإنكم لتمرون عليهم مصبحين خاطب العرب : أي : تمرون على منازلهم وآثارهم " مصبحين " وقت الصباح
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137)يقول تعالى ذكره لمشركي قريش: وإنكم لتمرون على قوم لوط الذين دمرناهم عند إصباحكم نهارا وبالليل. كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ) قالوا: نعم والله صباحا ومساء يطئونها وطْئًا، من أخذ من المدينة إلى الشام، أخذ على سدوم قرية قوم لوط.حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ في قوله ( لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ) قال: في أسفاركم.
وَبِٱلَّيۡلِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٣٨التفسير الميسروإنكم -يا أهل "مكة"- لتمرون في أسفاركم على منازل قوم لوط وآثارهم وقت الصباح، وتمرون عليها ليلا. أفلا تعقلون، فتخافوا أن يصيبكم مثل ما أصابهم؟
تفسير السعديأي: في هذه الأوقات، يكثر ترددكم إليها ومروركم بها، فلم تقبل الشك والمرية أَفَلَا تَعْقِلُونَ الآيات والعبر، وتنزجرون عما يوجب الهلاك؟
تفسير ابن كثيرولهذا قال تعالى "وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون" أي أفلا تعتبرون بهم كيف دمر الله عليهم وتعلمون أن للكافرين أمثالها؟.
تفسير القرطبي" وبالليل " تمرون عليهم أيضا وتم الكلام . أفلا تعقلون أي تعتبرون وتتدبرون .
تفسير الطبريوقوله ( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) يقول: أفليس لكم عقول تتدبرون بها وتتفكَّرون، فتعلمون أن من سلك من عباد الله في الكفر به، وتكذيب رسله، مسلك هؤلاء الذين وصف صفتهم من قوم لوط، نازل بهم من عقوبة الله، مثل الذي نزل بهم على كفرهم بالله، وتكذيب رسوله، فيزجركم ذلك عما أنتم عليه من الشرك بالله، وتكذيب محمد عليه الصلاة والسلام.كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) قال: أفلا تتفكَّرون ما أصابهم في معاصي الله أن يصيبكم ما أصابهم، قال: وذلك المرور أن يمر عليهم.
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٣٩التفسير الميسروإن عبدنا يونس اصطفيناه وجعلناه من المرسلين، إذ هرب من بلده غاضبًا على قومه، وركب سفينة مملوءة ركابًا وأمتعة.
تفسير السعديوهذا ثناء منه تعالى، على عبده ورسوله، يونس بن متى، كما أثنى على إخوانه المرسلين، بالنبوة والرسالة، والدعوة إلى اللّه، وذكر تعالى عنه، أنه عاقبه عقوبة دنيوية، أنجاه منها بسبب إيمانه وأعماله الصالحة،
تفسير ابن كثيرقد تقدمت قصة يونس - عليه السلام - في سورة الأنبياء . وفي الصحيحين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " ما ينبغي لعبد أن يقول : أنا خير من يونس بن متى ونسبه إلى أمه " وفي رواية قيل : " إلى أبيه " .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإن يونس لمن المرسلين يونس هو ذو النون ، وهو ابن متى ، وهو ابن العجوز التي نزل عليها إلياس ، فاستخفى عندها من قومه ستة أشهر ويونس صبي يرضع ، وكانت أم يونس تخدمه بنفسها وتؤانسه ، ولا تدخر عنه كرامة تقدر عليها . ثم إن إلياس سئم ضيق البيوت فلحق بالجبال ، ومات ابن المرأة يونس ، فخرجت في أثر إلياس تطوف وراءه في الجبال حتى وجدته ، فسألته أن يدعو الله لها لعله يحيي لها ولدها ، فجاء إلياس إلى الصبي بعد أربعة عشر يوما من موته ، فتوضأ وصلى ودعا الله فأحيا الله يونس بن متى بدعوة إلياس عليه السلام . وأرسل الله يونس إلى أهل نينوى من أرض الموصل وكانوا يعبدون الأصنام ثم تابوا ، حسبما تقدم بيانه في سورة [ يونس ] ومضى في [ الأنبياء ] قصة يونس في خروجه مغاضبا . واختلف في رسالته هل كانت قبل التقام الحوت إياه أو بعده . قال الطبري عن شهر بن حوشب : إن جبريل - عليه السلام - أتى يونس فقال : انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم أن العذاب قد حضرهم . قال : ألتمس دابة . قال : الأمر أعجل من ذلك . قال : ألتمس حذاء . قال : الأمر أعجل من ذلك . قال : فغضب فانطلق إلى السفينة فركب ، فلما ركب السفينة احتبست السفينة لا تتقدم ولا تتأخر . قال : فتساهموا ، قال : فسهم ، فجاء الحوت يبصبص بذنبه ، فنودي الحوت : أيا حوت! إنا لم نجعل لك يونس رزقا ، إنما جعلناك له حرزا ومسجدا . قال : فالتقمه الحوت من ذلك المكان حتى مر به إلى الأبلة ، ثم انطلق به حتى مر به على دجلة ، ثم انطلق حتى ألقاه في نينوى . حدثنا الحارث قال حدثنا الحسن قال حدثنا أبو هلال قال حدثنا شهر بن حوشب عن ابن عباس قال : إنما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت ، واستدل هؤلاء بأن الرسول لا يخرج مغاضبا لربه ، فكان ما جرى منه قبل النبوة . وقال آخرون : كان ذلك منه بعد دعائه من أرسل إليهم إلى ما أمره الله بدعائهم إليه ، وتبليغه إياهم رسالة ربه ، ولكنه وعدهم نزول ما كان حذرهم من بأس الله في وقت وقته لهم ، ففارقهم إذ لم يتوبوا ولم يراجعوا طاعة الله ، فلما أظل القوم العذاب وغشيهم - كما قال الله تعالى في تنزيله - تابوا إلى الله ، فرفع الله العذاب عنهم ، وبلغ يونس سلامتهم وارتفاع العذاب الذي كان وعدهموه فغضب من ذلك وقال : وعدتهم وعدا فكذب وعدي . فذهب مغاضبا ربه وكره الرجوع إليهم ، وقد جربوا عليه الكذب ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس . وقد مضى هذا في [ الأنبياء ] وهو الصحيح على ما يأتي عند قوله تعالى : وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون ولم ينصرف يونس ; لأنه اسم أعجمي ، ولو كان عربيا لانصرف وإن كانت في أوله الياء ; لأنه ليس في الأفعال " يفعل " كما أنك إذا سميت بيعفر صرفته ، وإن سميت بيعفر لم تصرفه .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139)يقول تعالى ذكره: وإن يونس لمرسل من المرسلين إلى أقوامهم .
إِذۡ أَبَقَ إِلَى ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ١٤٠التفسير الميسروإن عبدنا يونس اصطفيناه وجعلناه من المرسلين، إذ هرب من بلده غاضبًا على قومه، وركب سفينة مملوءة ركابًا وأمتعة.
تفسير السعدي إِذْ أَبَقَ أي: من ربه مغاضبا له، ظانا أنه لا يقدر عليه، ويحبسه في بطن الحوت، ولم يذكر اللّه ما غاضب عليه، ولا ذنبه الذي ارتكبه، لعدم فائدتنا بذكره، وإنما فائدتنا بما ذُكِّرنا عنه أنه أذنب، وعاقبه اللّه مع كونه من الرسل الكرام، وأنه نجاه بعد ذلك، وأزال عنه الملام، وقيض له ما هو سبب صلاحه.فلما أبق لجأ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ بالركاب والأمتعة، فلما ركب مع غيره، والفلك شاحن، ثقلت السفينة، فاحتاجوا إلى إلقاء بعض الركبان، وكأنهم لم يجدوا لأحد مزية في ذلك، فاقترعوا على أن من قرع وغلب، ألقي في البحر عدلا من أهل السفينة، وإذا أراد اللّه أمرا هيأ أسبابه.
تفسير ابن كثيرقوله تعالى "إذا أبق إلى الفلك المشحون" قال ابن عباس رضي الله عنهما هو الموقر أي المملوء بالأمتعة.
تفسير القرطبيقوله تعالى : إذ أبق قال المبرد : أصل أبق تباعد ، ومنه غلام آبق . وقال غيره : إنما قيل ليونس أبق ; لأنه خرج بغير أمر الله - عز وجل - مستترا من الناس . إلى الفلك المشحون أي المملوءة ، والفلك يذكر ويؤنث ويكون واحدا وجمعا ، وقد تقدم . قال الترمذي الحكيم : سماه آبقا لأنه أبق عن العبودية ، وإنما العبودية ترك الهوى وبذل النفس عند أمور الله ، فلما لم يبذل النفس عندما اشتدت عليه العزمة من الملك حسبما تقدم بيانه في [ الأنبياء ] ، وآثر هواه لزمه اسم الآبق ، وكانت عزمة الملك في أمر الله لا في أمر نفسه ، وبحظ حق الله لا بحظ نفسه ، فتحرى يونس فلم يصب الصواب الذي عند الله ، فسماه آبقا ومليما .
تفسير الطبري( إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) يقول: حين فرّ إلى الفُلك، وهو السفينة، المشحون: وهو المملوء من الحمولة المُوقَر.كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) كنَّا نحدّث أنه الموقر من الفُلك.حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله ( الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) قال: الموقر. وقوله ( فَسَاهَمَ ) يقول: فَقَارَعَ.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( فَسَاهَمَ ) يقول أقْرَعَ.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة .
فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُدۡحَضِينَ ١٤١التفسير الميسروأحاطت بها الأمواج العظيمة، فاقترع ركاب السفينة لتخفيف الحمولة خوف الغرق، فكان يونس من المغلوبين.
تفسير السعديفلما [اقترعوا] أصابت القرعة يونس فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ أي: المغلوبين.
تفسير ابن كثير( فساهم ) أي : قارع ( فكان من المدحضين ) أي : المغلوبين . وذلك أن السفينة تلعبت بها الأمواج من كل جانب ، وأشرفوا على الغرق ، فساهموا على من تقع عليه القرعة يلقى في البحر ، لتخف بهم السفينة ، فوقعت القرعة على نبي الله يونس ، عليه الصلاة والسلام ثلاث مرات ، وهم يضنون به أن يلقى من بينهم ، فتجرد من ثيابه ليلقي نفسه وهم يأبون عليه ذلك .
تفسير القرطبيقوله تعالى : " فساهم " قال المبرد : فقارع ، قال : وأصله من السهام التي تجال . فكان من المدحضين قال : من المغلوبين . قال الفراء : دحضت حجته وأدحضها الله . وأصله من الزلق ، قال الشاعر :قتلنا المدحضين بكل فج فقد قرت بقتلهم العيونأي : المغلوبين .
تفسير الطبري( فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ) قال: فاحتبست السفينة، فعلم القوم أنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا، فقُرِعَ يونس، فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت.حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله ( فَسَاهَمَ ) قال: قارع.وقوله ( فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ) يعني: فكان من المسهومين المغلوبين، يقال منه: أدحض الله حجة فلان فدحضت: أي أبطلها فبطلت، والدَّحْض: أصله الزلق في الماء والطين، وقد ذُكر عنهم: دَحَض الله حجته، وهي قليلة.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ) يقول: من المقروعين.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( مِنَ الْمُدْحَضِينَ ) قال: من المسهومين.حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ( فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ) قال: من المقرعين.
فَٱلۡتَقَمَهُ ٱلۡحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٞ ١٤٢التفسير الميسرفأُلقي في البحر، فابتلعه الحوت، ويونس عليه السلام آتٍ بما يُلام عليه.
تفسير السعديفألقي في البحر فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ وقت التقامه مُلِيمٌ أي: فاعل ما يلام عليه، وهو مغاضبته لربه.
تفسير ابن كثيروأمر الله تعالى حوتا من البحر الأخضر أن يشق البحار ، وأن يلتقم ، يونس - عليه السلام - فلا يهشم له لحما ، ولا يكسر له عظما . فجاء ذلك الحوت وألقى يونس - عليه السلام - نفسه فالتقمه الحوت وذهب به فطاف به البحار كلها . ولما استقر يونس في بطن الحوت ، حسب أنه قد مات ثم حرك رأسه ورجليه وأطرافه فإذا هو حي ، فقام يصلي في بطن الحوت ، وكان من جملة دعائه : " يا رب ، اتخذت لك مسجدا في موضع لم يبلغه أحد من الناس " واختلفوا في مقدار ما لبث في بطن الحوت ، فقيل : ثلاثة أيام ، قاله قتادة . وقيل جمعة قاله جعفر الصادق . وقيل : أربعين يوما ، قاله أبو مالك .وقال مجالد ، عن الشعبي : التقمه ضحى ، وقذفه عشية .والله أعلم بمقدار ذلك . وفي شعر أمية بن أبي الصلت :وأنت بفضل منك نجيت يونسا وقد بات في أضعاف حوت لياليا
تفسير القرطبيقوله تعالى : فالتقمه الحوت وهو مليم أي أتى بما يلام عليه . فأما الملوم فهو الذي يلام ، استحق ذلك أو لم يستحق . وقيل : المليم المعيب . يقال : لام الرجل إذا عمل شيئا فصار معيبا بذلك العمل .
تفسير الطبريوقوله ( فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ ) يقول: فابتلعه الحوت; وهو افتعل من اللَّقْم. وقوله ( وَهُوَ مُلِيمٌ ) يقول: وهو مكتسب اللوم، يقال: قد ألام الرجل، إذا أتى ما يُلام عليه من الأمر وإن لم يُلَم، كما يقال: أصبحت مُحْمِقا مُعْطِشا: أي عندك الحمق والعطش; ومنه قول لبيد:سَفَها عَذَلْتَ ولُمْتَ غيرَ مُلِيمِوَهَداكَ قَبلَ الْيومِ غيرُ حَكيمِ (6)فأما الملوم فهو الذي يلام باللسان، ويعذل بالقول.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو، قال: ثني أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( وَهُوَ مُلِيمٌ ) قال: مذنب.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَهُوَ مُلِيمٌ ) : أي في صنعه.حدثني يونس، قال. أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَهُوَ مُلِيمٌ ) قال: وهو مذنب، قال: والمليم: المذنب.------------------------الهوامش:(6) البيت للبيد بن ربيعة العامري . استشهد به أبو عبيدة في مجاز القرآن (الورقة 211 - 1) قال في قوله تعالى" وهو مليم" يقول العرب : ألام فلان في أمره : وذاك إذا أتى أمرا يلام عليه . وقال لبيد :" سفها ... البيت" . ا ه . واستشهد به في ( اللسان : لوم ) على مثل ما استشهد به أبو عبيدة . وقال : لام فلان غير مليم .
فَلَوۡلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُسَبِّحِينَ ١٤٣التفسير الميسرفلولا ما تقدَّم له من كثرة العبادة والعمل الصالح قبل وقوعه في بطن الحوت، وتسبيحه، وهو في بطن الحوت بقوله: {لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (21:87)}، لمكث في بطن الحوت، وصار له قبرًا إلى يوم القيامة.
تفسير السعدي فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ أي: في وقته السابق بكثرة عبادته لربه، وتسبيحه، وتحميده، وفي بطن الحوت حيث قال: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
تفسير ابن كثيروقوله : ( فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ) ، قيل : لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء . قاله الضحاك بن قيس ، وأبو العالية ، ووهب بن منبه ، وقتادة ، وغير واحد . واختاره ابن جرير . وقد ورد في الحديث الذي سنورده ما يدل على ذلك إن صح الخبر . وفي حديث عن ابن عباس : " تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة "وقال ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، والضحاك ، وعطاء بن السائب ، والسدي ، والحسن ، وقتادة : ( فلولا أنه كان من المسبحين ) يعني : المصلين .وصرح بعضهم بأنه كان من المصلين قبل ذلك . وقال بعضهم : كان من المسبحين في جوف أبويه . وقيل : المراد : ( فلولا أنه كان من المسبحين ) هو قوله : ( فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين ) [ الأنبياء : 87 ، 88 ] قاله سعيد بن جبير وغيره .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب ، حدثنا عمي حدثنا أبو صخر : أن يزيد الرقاشي حدثه : أنه سمع أنس بن مالك - ولا أعلم إلا أن أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أن يونس النبي - صلى الله عليه وسلم - حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات ، وهو في بطن الحوت ، فقال : اللهم لا إله إلا أنت سبحانك ، إني كنت من الظالمين . فأقبلت الدعوة تحف بالعرش ، قالت الملائكة : يا رب ، هذا صوت ضعيف معروف من بلاد بعيدة غريبة ؟ فقال : أما تعرفون ذلك ؟ قالوا : يا رب ، ومن هو ؟ قال : عبدي يونس . قالوا : عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ، ودعوة مستجابة ؟ قالوا : يا رب ، أولا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه في البلاء ؟ قال : بلى . فأمر الحوت فطرحه بالعراء " .ورواه ابن جرير ، عن يونس ، عن ابن وهب ، به زاد ابن أبي حاتم : قال أبو صخر حميد بن زياد : فأخبرني ابن قسيط وأنا أحدثه هذا الحديث : أنه سمع أبا هريرة يقول : طرح بالعراء ، وأنبت الله عليه اليقطينة . قلنا : يا أبا هريرة ، وما اليقطينة ، قال : شجرة الدباء . قال أبو هريرة : وهيأ الله له أروية وحشية تأكل من خشاش الأرض - أو قال : هشاش الأرض - قال : فتتفشح عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت .وقال أمية بن أبي الصلت في ذلك بيتا من شعره :فأنبت يقطينا عليه برحمة من الله لولا الله ألفي ضاحياوقد تقدم حديث أبي هريرة مسندا مرفوعا في تفسير سورة " الأنبياء " .
تفسير القرطبيفلولا أنه كان من المسبحين قال الكسائي : لم تكسر " أن " لدخول اللام ; لأن اللام ليست لها . النحاس : والأمر كما قال ، إنما اللام في جواب لولا . فلولا أنه كان من المسبحين أي : من المصلين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون أي عقوبة له ، أي : يكون بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة . واختلف كم أقام في بطن الحوت . فقال السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان : أربعين يوما . الضحاك : عشرين يوما . عطاء : سبعة أيام . مقاتل بن حيان : ثلاثة أيام . وقيل : ساعة واحدة . والله أعلم .روى الطبري من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لما أراد الله تعالى ذكره - حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله إلى الحوت أن خذه ولا تخدش لحما ، ولا تكسر عظما ، فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه من البحر ، فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسا فقال في نفسه : ما هذا ؟ فأوحى الله تبارك وتعالى إليه وهو في بطن الحوت : ( إن هذا تسبيح دواب البحر ) قال : ( فسبح وهو في بطن الحوت ) قال : ( فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا : يا ربنا إنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة ) قال : ( ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر ) قالوا : العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح ؟ قال نعم . فشفعوا له عند ذلك فأمر الحوت بقذفه في الساحل ، كما قال تعالى : وهو سقيم . وكان سقمه الذي وصفه به الله - تعالى ذكره - أنه ألقاه الحوت على الساحل كالصبي المنفوس قد نشر اللحم والعظم . وقد روي : أن الحوت سار مع السفينة رافعا رأسه يتنفس فيه يونس ويسبح ، ولم يفارقهم حتى انتهوا إلى البر ، فلفظه سالما لم يتغير منه شيء فأسلموا ، ذكره الزمخشري في تفسيره . وقال ابن العربي : أخبرني غير واحد من أصحابنا عن إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني : أنه سئل عن الباري في جهة ؟ فقال : لا ، هو يتعالى عن ذلك . قيل له : ما الدليل عليه ؟ قال : الدليل عليه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا تفضلوني على يونس بن متى فقيل له : ما وجه الدليل في هذا الخبر ؟ فقال : لا أقوله حتى يأخذ ضيفي هذا ألف دينار يقضي بها دينا . فقام رجلان فقالا : هي علينا . فقال : لا يتبع بها اثنين ; لأنه يشق عليه . فقال واحد : هي علي . فقال : إن يونس بن متى رمى بنفسه في البحر فالتقمه الحوت ، فصار في قعر البحر في ظلمات ثلاث ، ونادى لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين كما أخبر الله عنه ، ولم يكن محمد - صلى الله عليه وسلم - حين جلس على الرفرف الأخضر وارتقى به صعدا ، حتى انتهى به إلى موضع يسمع فيه صريف الأقلام ، وناجاه ربه بما ناجاه به ، وأوحى إليه ما أوحى بأقرب إلى الله تعالى من يونس في بطن الحوت في ظلمة البحر .ذكر الطبري : أن يونس - عليه السلام - لما ركب في السفينة أصاب أهلها عاصف من الريح ، فقالوا : هذه بخطيئة أحدكم . فقال يونس وعرف أنه هو صاحب الذنب : هذه خطيئتي فألقوني في البحر ، وأنهم أبوا عليه حتى أفاضوا بسهامهم . فساهم فكان من المدحضين فقال لهم : قد أخبرتكم أن هذا الأمر بذنبي . وأنهم أبوا عليه حتى أفاضوا بسهامهم الثانية فكان من المدحضين ، وأنهم أبوا أن يلقوه في البحر حتى أعادوا سهامهم الثالثة فكان من المدحضين . فلما رأى ذلك ألقى نفسه في البحر ، وذلك تحت الليل فابتلعه الحوت . وروي أنه لما ركب في السفينة تقنع ورقد فساروا غير بعيد إذ جاءتهم ريح كادت السفينة أن تغرق ، فاجتمع أهل السفينة فدعوا فقالوا : أيقظوا الرجل النائم يدعو معنا ، فدعا الله معهم فرفع الله عنهم تلك الريح . ثم انطلق يونس إلى مكانه فرقد ، فجاءت ريح كادت السفينة أن تغرق ، فأيقظوه ودعوا الله فارتفعت الريح . قال : فبينما هم كذلك إذ رفع حوت عظيم رأسه إليهم أراد أن يبتلع السفينة ، فقال لهم يونس : يا قوم هذا من أجلي ، فلو طرحتموني في البحر لسرتم ولذهب الريح عنكم والروع . قالوا : لا نطرحك حتى نتساهم ، فمن وقعت عليه رميناه في البحر . قال : فتساهموا فوقع على يونس ، فقال لهم : يا قوم اطرحوني ، فمن أجلي أوتيتم ، فقالوا : لا نفعل حتى نتساهم مرة أخرى . ففعلوا فوقع على يونس . فقال لهم : يا قوم اطرحوني ، فمن أجلي أوتيتم ، فذلك قول الله - عز وجل - : فساهم فكان من المدحضين أي : وقع السهم عليه ، فانطلقوا به إلى صدر السفينة ليلقوه في البحر ، فإذا الحوت فاتح فاه ، ثم جاءوا به إلى جانب السفينة ، فإذا بالحوت ، ثم رجعوا به إلى الجانب الآخر ، فإذا بالحوت فاتح فاه ، فلما رأى ذلك ألقى بنفسه فالتقمه الحوت ، فأوحى الله تعالى إلى الحوت : إني لم أجعله لك رزقا ، ولكن جعلت بطنك له وعاء . فمكث في بطن الحوت أربعين ليلة فنادى في الظلمات : أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين . فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين وقد تقدم ويأتي . ففي هذا من الفقه أن القرعة كانت معمولا بها في شرع من قبلنا ، وجاءت في شرعنا على ما تقدم في [ آل عمران ] قال ابن العربي : وقد وردت القرعة في الشرع في ثلاثة مواطن . الأول : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه . الثاني : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع إليه أن رجلا أعتق ستة أعبد لا مال له غيرهم ، فأقرع بينهم ، فأعتق اثنين وأرق أربعة . الثالث : أن رجلين اختصما إليه في مواريث قد درست فقال : ( اذهبا وتوخيا الحق ، واستهما ، وليحلل كل واحد منكما صاحبه ) . فهذه ثلاثة مواطن ، وهي القسم في النكاح ، والعتق ، والقسمة ، وجريان القرعة فيها لرفع الإشكال وحسم داء التشهي . واختلف علماؤنا في القرعة بين الزوجات في الغزو على قولين ، الصحيح منهما الإقراع ، وبه قال فقهاء الأمصار . وذلك أن السفر بجميعهن لا يمكن ، واختيار واحدة منهن إيثار ، فلم يبق إلا القرعة . وكذلك في مسألة الأعبد الستة ، فإن كل اثنين منهما ثلث ، وهو القدر الذي يجوز له فيه العتق في مرض الموت ، وتعيينهما بالتشهي لا يجوز شرعا ، فلم يبق إلا القرعة . وكذلك التشاجر إذا وقع في أعيان المواريث لم يميز الحق إلا القرعة ، فصارت أصلا في تعيين المستحق إذا أشكل . قال : والحق عندي أن تجرى في كل مشكل ، فذلك أبين لها وأقوى لفصل الحكم فيها ، وأجلى لرفع الإشكال عنها ، ولذلك قلنا : إن القرعة بين الزوجات في الطلاق كالقرعة بين الإماء في العتق .الاقتراع على إلقاء الآدمي في البحر لا يجوز . وإنما كان ذلك في يونس وزمانه مقدمة لتحقيق برهانه ، وزيادة في إيمانه ، فإنه لا يجوز لمن كان عاصيا أن يقتل ولا يرمى به في النار أو البحر ، وإنما تجرى عليه الحدود والتعزير على مقدار جنايته . وقد ظن بعض الناس أن البحر إذا هال على القوم فاضطروا إلى تخفيف السفينة أن القرعة تضرب عليهم ، فيطرح بعضهم تخفيفا ، وهذا فاسد ، فإنها لا تخف برمي بعض الرجال ، وإنما ذلك في الأموال ، ولكنهم يصبرون على قضاء الله عز وجل .أخبر الله - عز وجل - أن يونس كان من المسبحين ، وأن تسبيحه كان سبب نجاته ، ولذلك قيل : إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر . قال ابن عباس : من المسبحين من المصلين . قال قتادة : كان يصلي قبل ذلك لحفظ الله - عز وجل - له فنجاه . وقال الربيع بن أنس : لولا أنه كان له قبل ذلك عمل صالح للبث في بطنه إلى يوم يبعثون قال : ومكتوب في الحكمة - إن العمل الصالح يرفع ربه إذا عثر . وقال مقاتل : من المسبحين من المصلين المطيعين قبل المعصية . وقال وهب : من العابدين . وقال الحسن : ما كان له صلاة في بطن الحوت ، ولكنه قدم عملا صالحا في حال الرخاء فذكره الله به في حال البلاء ، وإن العمل الصالح ليرفع صاحبه ، وإذا عثر وجد متكأ .قلت : ومن هذا المعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : من استطاع منكم أن تكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل فيجتهد العبد ، ويحرص على خصلة من صالح عمله ، يخلص فيها بينه وبين ربه ، ويدخرها ليوم فاقته وفقره ، ويخبئها بجهده ، ويسترها عن خلقه ، يصل إليه نفعها أحوج ما كان إليه . وقد خرج البخاري ومسلم من حديث ابن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : بينما ثلاثة نفر - في رواية : ممن كان قبلكم - يتماشون أخذهم المطر فأووا إلى غار في جبل فانحطت على فم الغار صخرة من الجبل فانطبقت عليهم ، فقال بعضهم لبعض : انظروا أعمالا عملتموها صالحة لله فادعوا الله بها لعله يفرجها عنكم الحديث بكماله ، وهو مشهور ، شهرته أغنت عن تمامه . وقال سعيد بن جبير : لما قال في بطن الحوت : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين قذفه الحوت . وقيل : من المسبحين من المصلين في بطن الحوت .قلت : والأظهر أنه تسبيح اللسان الموافق للجنان ، وعليه يدل حديث أبي هريرة المذكور قبل الذي ذكره الطبري . قال : فسبح في بطن الحوت . قال : فسمعت الملائكة تسبيحه ، فقالوا : يا ربنا إنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة . وتكون " كان " على هذا القول زائدة ، أي : فلولا أنه من المسبحين . وفي كتاب أبي داود عن سعد بن أبي وقاص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : دعاء ذي النون في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع به رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له وقد مضى هذا في سورة [ الأنبياء ] فيونس - عليه السلام - كان قبل مصليا مسبحا ، وفي بطن الحوت كذلك . وفي الخبر : فنودي الحوت : إنا لم نجعل يونس لك رزقا ، إنما جعلناك له حرزا ومسجدا . وقد تقدم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143)يقول تعالى ذكره: ( فَلَوْلا أَنَّهُ ) يعني يونس ( كَانَ مِنَ ) المُصَلِّينَ لله قبل البلاء الذي ابتُلي به من العقوبة بالحبس في بطن الحوت .
لَلَبِثَ فِي بَطۡنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٤٤التفسير الميسرفلولا ما تقدَّم له من كثرة العبادة والعمل الصالح قبل وقوعه في بطن الحوت، وتسبيحه، وهو في بطن الحوت بقوله: {لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (21:87)}، لمكث في بطن الحوت، وصار له قبرًا إلى يوم القيامة.
تفسير السعدي لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ أي: لكانت مقبرته، ولكن بسبب تسبيحه وعبادته للّه، نجاه اللّه تعالى، وكذلك ينجي اللّه المؤمنين، عند وقوعهم في الشدائد.
تفسير ابن كثيروقوله : ( فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ) ، قيل : لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء . قاله الضحاك بن قيس ، وأبو العالية ، ووهب بن منبه ، وقتادة ، وغير واحد . واختاره ابن جرير . وقد ورد في الحديث الذي سنورده ما يدل على ذلك إن صح الخبر . وفي حديث عن ابن عباس : " تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة "وقال ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، والضحاك ، وعطاء بن السائب ، والسدي ، والحسن ، وقتادة : ( فلولا أنه كان من المسبحين ) يعني : المصلين .وصرح بعضهم بأنه كان من المصلين قبل ذلك . وقال بعضهم : كان من المسبحين في جوف أبويه . وقيل : المراد : ( فلولا أنه كان من المسبحين ) هو قوله : ( فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين ) [ الأنبياء : 87 ، 88 ] قاله سعيد بن جبير وغيره .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب ، حدثنا عمي حدثنا أبو صخر : أن يزيد الرقاشي حدثه : أنه سمع أنس بن مالك - ولا أعلم إلا أن أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أن يونس النبي - صلى الله عليه وسلم - حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات ، وهو في بطن الحوت ، فقال : اللهم لا إله إلا أنت سبحانك ، إني كنت من الظالمين . فأقبلت الدعوة تحف بالعرش ، قالت الملائكة : يا رب ، هذا صوت ضعيف معروف من بلاد بعيدة غريبة ؟ فقال : أما تعرفون ذلك ؟ قالوا : يا رب ، ومن هو ؟ قال : عبدي يونس . قالوا : عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ، ودعوة مستجابة ؟ قالوا : يا رب ، أولا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه في البلاء ؟ قال : بلى . فأمر الحوت فطرحه بالعراء " .ورواه ابن جرير ، عن يونس ، عن ابن وهب ، به زاد ابن أبي حاتم : قال أبو صخر حميد بن زياد : فأخبرني ابن قسيط وأنا أحدثه هذا الحديث : أنه سمع أبا هريرة يقول : طرح بالعراء ، وأنبت الله عليه اليقطينة . قلنا : يا أبا هريرة ، وما اليقطينة ، قال : شجرة الدباء . قال أبو هريرة : وهيأ الله له أروية وحشية تأكل من خشاش الأرض - أو قال : هشاش الأرض - قال : فتتفشح عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت .وقال أمية بن أبي الصلت في ذلك بيتا من شعره :فأنبت يقطينا عليه برحمة من الله لولا الله ألفي ضاحياوقد تقدم حديث أبي هريرة مسندا مرفوعا في تفسير سورة " الأنبياء " .
تفسير القرطبيأي عقوبة له ; أي يكون بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة .واختلف كم أقام في بطن الحوت .فقال السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان : أربعين يوما .الضحاك : عشرين يوما .عطاء : سبعة أيام .مقاتل بن حيان : ثلاثة أيام .وقيل : ساعة واحدة .والله أعلم .روى الطبري من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لما أراد الله تعالى ذكره - حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله إلى الحوت أن خذه ولا تخدش لحما ولا تكسر عظما فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه من البحر ; فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسا فقال في نفسه ما هذا ؟ فأوحى الله تبارك وتعالى إليه وهو في بطن الحوت : ( إن هذا تسبيح دواب البحر ) قال : ( فسبح وهو في بطن الحوت ) قال : ( فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا : يا ربنا إنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة ) قال : ( ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر ) قالوا : العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح ؟ قال نعم .فشفعوا له عند ذلك فأمر الحوت بقذفه في الساحل كما قال تعالى : " وهو سقيم " ) .وكان سقمه الذي وصفه به الله - تعالى ذكره - أنه ألقاه الحوت على الساحل كالصبي المنفوس قد نشر اللحم والعظم .وقد روي : أن الحوت سار مع السفينة رافعا رأسه يتنفس فيه يونس ويسبح , ولم يفارقهم حتى انتهوا إلى البر , فلفظه سالما لم يتغير منه شيء فأسلموا ; ذكره الزمخشري في تفسيره .وقال ابن العربي : أخبرني غير واحد من أصحابنا عن إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني : أنه سئل عن الباري في جهة ؟ فقال : لا , هو يتعالى عن ذلك .قيل له : ما الدليل عليه ؟ قال : الدليل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تفضلوني على يونس بن متى ) فقيل له : ما وجه الدليل في هذا الخبر ؟ فقال : لا أقوله حتى يأخذ ضيفي هذا ألف دينار يقضي بها دينا .فقام رجلان فقالا : هي علينا .فقال لا يتبع بها اثنين ; لأنه يشق عليه .فقال واحد : هي علي .فقال : إن يونس بن متى رمى بنفسه في البحر فالتقمه الحوت , فصار في قعر البحر في ظلمات ثلاث , ونادى " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " [ الأنبياء : 87 ] كما أخبر الله عنه , ولم يكن محمد صلى الله عليه وسلم حين جلس على الرفرف الأخضر وارتقى به صعدا , حتى انتهى به إلى موضع يسمع فيه صريف الأقلام , وناجاه ربه بما ناجاه به , وأوحى إليه ما أوحى بأقرب إلى الله تعالى من يونس في بطن الحوت في ظلمة البحر .
تفسير الطبري( لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) يقول: لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة، يوم يبعث الله فيه خلقه محبوسا، ولكنه كان من الذاكرين الله قبل البلاء، فذكره الله في حال البلاء، فأنقذه ونجَّاه.وقد اختلف أهل التأويل في وقت تسبيح يونس الذي ذكره الله به، فقال ( فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ) فقال بعضهم نحو الذي قلنا في ذلك، وقالوا مثل قولنا في معنى قوله ( مِنَ الْمُسَبِّحِينَ )* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ) كان كثير الصَّلاةِ في الرّخاء، فنجَّاه الله بذلك; قال: وقد كان يقال في الحكمة: إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا ما عَثَر، فإذا صُرع وجد متكئا.حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَيَّة، عن بعض أصحابه، عن قتادة، في قوله ( فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ) قال: كان طويل الصلاة في الرّخاء; قال: وإنّ العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر، إذا صرع وجد متكئا .حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا أبو ضحر، أن يزيد الرَّقاشي، حدثه، قال: سمعت أنس بن مالك، قال: ولا أعلم إلا أن أنسا يرفع الحديث إلى النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم : " أنَّ يُونُسَ النَّبِيّ حِينَ بَدَا لَهُ أنْ يَدْعُوَ الله بالكَلِماتِ حِينَ نَادَاهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لا إلهَ إلا أنْتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَأَقْبَلَتِ الدَّعْوَةُ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَقَالَتِ المَلائِكَةُ: يَا رَبِّ هَذَا صَوْتٌ ضَعِيفٌ مَعْرُوفٌ فِي بِلادٍ غَرِيبَة، قَالَ: أما تَعْرِفُونَ ذلكَ؟ قَالُوا يَا رَبّ وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: ذَلكَ عَبْدِي يُونُسُ، قَالُوا: عَبْدُكَ يُونُسُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُرْفَعُ لَهُ عَمَلٌ مُتَقَبَّلٌ وَدَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، قَالُوا: يَا رَبّ أوَلا يُرْحَمُ بِمَا كَانَ يَصْنَعُ فِي الرَّخَاءِ فَتُنَجِّيهِ مِنَ البَلاءِ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَمَرَ الْحُوتَ فَطَرَحَهُ بالعَرَاءِ" .حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس ( فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ) قال: من المصلِّين.حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي الهيثم، عن سعيد بن جُبَير ( فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ) قال: من المصلين.حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية ( فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ) قال: كان له عمل صالح فيما خلا.حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله ( مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ) قال: المصلين.حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا كثير بن هشام، قال: ثنا جعفر، قال: ثنا ميمون بن مهران، قال: سمعت الضحاك بن قيس يقول على منبره: اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدّة، إن يونس كان عبدًا لله ذاكرا، فلما أصابته الشدّة دعا الله فقال الله: ( لَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) فذكره الله بما كان منه، وكان فرعون طاغيا باغيا فلمَّا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ قال الضحاك: فاذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدّة.قال أبو جعفر: وقيل: إنما أحدث الصلاة التي أخبر الله عنه بها، فقال: ( فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ) في بطن الحوت.وقال بعضهم: كان ذلك تسبيحا، لا صلاة.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا عمران القطان، قال: سمعت الحسن يقول في قوله ( فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ) قال: فوالله ما كانت إلا صلاة أحدثها في بطن الحوت; قال عمران: فذكرت ذلك لقتادة، فأنكر ذلك وقال: كان والله يكثر الصلاة في الرخاء.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جُبَير: فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ قال: قال لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فلما قالها، قذفه الحوت، وهو مغرب.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) : لصار له بطن الحوت قبرًا إلى يوم القيامة.حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن أبي مالك، قال: لبث يونس في بطن الحوت أربعين يوما.
۞ فَنَبَذۡنَٰهُ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٞ ١٤٥التفسير الميسرفطرحناه من بطن الحوت، وألقيناه في أرض خالية عارية من الشجر والبناء، وهو ضعيف البدن.
تفسير السعدي فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ بأن قذفه الحوت من بطنه بالعراء، وهي الأرض الخالية العارية من كل أحد، بل ربما كانت عارية من الأشجار والظلال. وَهُوَ سَقِيمٌ أي: قد سقم ومرض، بسبب حبسه في بطن الحوت، حتى صار مثل الفرخ الممعوط من البيضة.
تفسير ابن كثيرولهذا قال تعالى : ( فنبذناه ) أي : ألقيناه ) بالعراء ) قال ابن عباس ، وغيره : وهي الأرض التي ليس بها نبت ولا بناء . قيل : على جانب دجلة . وقيل : بأرض اليمن . فالله أعلم .( وهو سقيم ) أي : ضعيف البدن . قال ابن مسعود ، رضي الله عنه : كهيئة الفرخ ليس عليه ريش . وقال السدي : كهيئة الصبي : حين يولد ، وهو المنفوس . وقاله ابن عباس ، وابن زيد أيضا .
تفسير القرطبيقوله تعالى : فنبذناه بالعراء وهو سقيم وأنبتنا عليه شجرة من يقطين روي أن الحوت قذفه بساحل قرية من الموصل . وقال ابن قسيط عن أبي هريرة : طرح يونس بالعراء وأنبت الله عليه يقطينة ، فقلنا : يا أبا هريرة وما اليقطينة ؟ قال : شجرة الدباء ، هيأ الله له أروية وحشية تأكل من خشاش الأرض - أو هشاش الأرض - فتفشج عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت . وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : خرج به - يعني الحوت - حتى لفظه في ساحل البحر ، فطرحه مثل الصبي المنفوس لم ينقص من خلقه شيء . وقيل : إن يونس لما ألقاه الحوت على ساحل البحر أنبت الله عليه شجرة من يقطين ، وهي فيما ذكر شجرة القرع تتقطر عليه من اللبن حتى رجعت إليه قوته . ثم رجع ذات يوم إلى الشجرة فوجدها يبست ، فحزن وبكى عليها فعوتب ، فقيل له : أحزنت على شجرة وبكيت عليها ، ولم تحزن على مائة ألف وزيادة من بني إسرائيل ، من أولاد إبراهيم خليلي ، أسرى في أيدي العدو ، وأردت إهلاكهم جميعا . وقيل : هي شجرة التين . وقيل : شجرة الموز تغطى بورقها ، واستظل بأغصانها ، وأفطر على ثمارها . والأكثر على أنها شجرة اليقطين على ما يأتي . ثم إن الله تبارك وتعالى اجتباه فجعله من الصالحين . ثم أمره أن يأتي قومه ويخبرهم أن الله تعالى قد تاب عليهم ، فعمد إليهم حتى لقي راعيا فسأله عن قوم يونس وعن حالهم وكيف هم ، فأخبره أنهم بخير ، وأنهم على رجاء أن يرجع إليهم رسولهم . فقال له : فأخبرهم أني قد لقيت يونس . قال : وماذا ؟ قال : وهذه البقعة التي أنت فيها تشهد لك أنك لقيت يونس ، قال : وماذا ؟ قال : وهذه الشجرة تشهد لك أنك لقيت يونس . وأنه رجع الراعي إلى قومه فأخبرهم أنه لقي يونس فكذبوه وهموا به شرا ، فقال : لا تعجلوا علي حتى أصبح ، فلما أصبح غدا بهم إلى البقعة التي لقي فيها يونس ، فاستنطقها فأخبرتهم أنه لقي يونس ، واستنطق الشاة والشجرة فأخبرتاهم أنه لقي يونس ، ثم إن يونس أتاهم بعد ذلك . ذكر هذا الخبر وما قبله الطبري رحمه الله . فنبذناه : طرحناه . وقيل : تركناه . بالعراء : بالصحراء ، قاله ابن الأعرابي . الأخفش : بالفضاء . أبو عبيدة : الواسع من الأرض . الفراء : العراء : المكان الخالي . قال : وقال أبو عبيدة : العراء وجه الأرض ، وأنشد لرجل من خزاعة :ورفعت رجلا لا أخاف عثارها ونبذت بالبلد العراء ثيابيوحكى الأخفش في قوله : وهو سقيم : جمع سقيم سقمى وسقامى وسقام . وقال في هذه السورة : فنبذناه بالعراء وقال في " ن والقلم " لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم والجواب : أن الله - عز وجل - خبر هاهنا أنه نبذه بالعراء وهو غير مذموم ولولا رحمة الله - عز وجل - لنبذ بالعراء وهو مذموم ، قاله النحاس .
تفسير الطبريوقوله ( فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ ) يقول: فقذفناه بالفضاء من الأرض، حيث لا يواريه شيء من شجر ولا غيره; ومنه قول الشاعر:ورَفَعْتُ رِجْلا لا أخافُ عِثارَهاوَنَبَذْتُ بالبَلدِ العَرَاءِ ثِيابِي (7)يعني بالبلد: الفضاء.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ، قال: ثني أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ ) يقول: ألقيناه بالساحل.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ ) بأرض ليس فيها شيء ولا نبات.حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله ( بِالْعَرَاءِ ) قال: بالأرض. وقوله ( وَهُوَ سَقِيمٌ ) يقول: وهو كالصبي المنفوس: لحم نِيء.كما حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ( وَهُوَ سَقِيمٌ ) كهيئة الصبيّ.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال: خرج به، يعني الحوت، حتى لفظه في ساحل البحر، فطرحه مثل الصبيّ المنفوس، لم ينقص من خلقه شيء.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ما لَفَظَه الحوت حتى صار مثل الصبيّ المنفوس، قد نشر اللحم والعظم، فصار مثل الصبيّ المنفوس، فألقاه في موضع، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين.------------------------الهوامش:(7) البيت من شواهد أبي عبيدة في" مجاز القرآن ، الورقة 211 - ب) . قال في قوله تعالى :" فنبذناه بالعراء" : تقول العرب :" نبذته بالعراء" : أي الأرض الفضاء . قال الخزاعي :" ورفعت رجلا ... إلخ البيت" . العراء : لا شيء يواريه من شجر ولا من غيره اه . ، أنشده صاحب (اللسان : عرا) ولم ينسبه . قال : وقال أبو عبيده إنما قيل له عراء ، لأنه لا شجر فيه، ولا شيء يغطيه . وقيل : عن العراء وجه الأرض الخالي وأنشد :" ورفعته رجلا ... البيت" . ونقل بعد ذلك كلام الزجاج في معنى العراء ، فراجعه ثمة .
وَأَنۢبَتۡنَا عَلَيۡهِ شَجَرَةٗ مِّن يَقۡطِينٖ ١٤٦التفسير الميسروأنبتنا عليه شجرة من القَرْع تظلُّه، وينتفع بها.
تفسير السعدي وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ تظله بظلها الظليل، لأنها بادرة باردة الظلال، ولا يسقط عليها ذباب، وهذا من لطفه به، وبره.
تفسير ابن كثير( وأنبتنا عليه شجرة من يقطين ) قال ابن مسعود ، وابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، ووهب بن منبه ، وهلال بن يساف وعبد الله بن طاوس ، والسدي ، وقتادة ، والضحاك ، وعطاء الخراساني وغير واحد قالوا كلهم : اليقطين هو القرع .وقال هشيم ، عن القاسم بن أبي أيوب ، عن سعيد بن جبير : كل شجرة لا ساق لها فهي من اليقطين .وفي رواية عنه : كل شجرة تهلك من عامها فهي من اليقطين .وذكر بعضهم في القرع فوائد ، منها : سرعة نباته ، وتظليل ورقه لكبره ، ونعومته ، وأنه لا يقربها الذباب ، وجودة أغذية ثمره ، وأنه يؤكل نيئا ومطبوخا بلبه وقشره أيضا . وقد ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يحب الدباء ، ويتتبعه من حواشي الصحفة .
تفسير القرطبيوقوله : وأنبتنا عليه شجرة من يقطين يعني عليه أي : عنده ، كقوله تعالى : ولهم علي ذنب أي : عندي . وقيل : عليه بمعنى له . شجرة من يقطين اليقطين : شجر الدباء : وقيل غيرها ، ذكره ابن الأعرابي . وفي الخبر : ( الدباء والبطيخ من الجنة ) وقد ذكرناه في كتاب التذكرة . وقال المبرد : يقال لكل شجرة ليس لها ساق يفترش ورقها على الأرض يقطينة ، نحو الدباء والبطيخ والحنظل ، فإن كان لها ساق يقلها فهي شجرة فقط ، وإن كانت قائمة أي : بعروق تفترش فهي نجمة وجمعها نجم . قال الله تعالى : والنجم والشجر يسجدان وروي نحوه عن ابن عباس والحسن ومقاتل . قالوا : كل نبت يمتد ويبسط على الأرض ولا يبقى على استواء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل فهو يقطين . وقال سعيد بن جبير : هو كل شيء ينبت ثم يموت من عامه ، فيدخل في هذا الموز .قلت : وهو مما له ساق . الجوهري : واليقطين ما لا ساق له كشجر القرع ونحوه . الزجاج : اشتقاق اليقطين من قطن بالمكان إذا أقام به ، فهو يفعيل . وقيل : هو اسم أعجمي . وقيل : إنما خص اليقطين بالذكر ، لأنه لا ينزل عليه ذباب . وقيل : ما كان ثم يقطين فأنبته الله في الحال . القشيري : وفي الآية ما يدل على أنه كان مفروشا ليكون له ظل . الثعلبي : كانت تظله فرأى خضرتها فأعجبته ، فيبست فجعل يتحزن عليها ، فقيل له : يا يونس أنت الذي لم تخلق ولم تسق ولم تنبت تحزن على شجيرة ، فأنا الذي خلقت مائة ألف من الناس أو يزيدون تريد مني أن أستأصلهم في ساعة واحدة ، وقد تابوا وتبت عليهم ، فأين رحمتي يا يونس ؟ أنا أرحم الراحمين . وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يأكل الثريد باللحم والقرع ، وكان يحب القرع ويقول : إنها شجرة أخي يونس وقال أنس : قدم للنبي - صلى الله عليه وسلم - مرق فيه دباء وقديد فجعل يتبع الدباء حوالي القصعة . قال أنس : فلم أزل أحب الدباء من يومئذ . أخرجه الأئمة .
تفسير الطبريوقوله ( وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ) يقول تعالى ذكره: وأنبتنا على يونس شجرة من الشجر التي لا تقوم على ساق، وكل شجرة لا تقوم على ساق كالدُّباء والبِطِّيخ والحَنْظَل ونحو ذلك، فهي عند العرب يَقْطِين.واختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم نحو الذي قلنا في ذلك.* ذكر من قال ذلك:حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جُبَير، في قوله ( وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ) قال: هو كل شيء ينبت على وجه الأرض ليس له ساق.حدثني مطر بن محمد الضبي، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا الأصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جُبَير، في قوله ( وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ) قال: كلّ شيء ينبت ثم يموت من عامه.حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال: ( شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ) فقالوا عنده: القرع; قال: وما يجعله أحقّ من البطيخ.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ) قال: غير ذات أصل من الدُّبَّاء، أو غيره من نحوه. وقال آخرون: هو القرع.* ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ) قال: القرع.حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله، أنه قال في هذه الآية: ( وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ) قال: القرع.حدثني مطر بن محمد الضبيّ، قال: ثنا عبد الله بن داود الواسطي، قال: ثنا شريك، عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون الأودي، في قوله ( وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ) قال: القرع.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ) : كنَّا نحدَّث أنها الدُّبَّاء، هذا القرع الذي رأيتم أنبتها الله عليه يأكل منها.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني أبو صخر، قال: ثني ابن قسيط، أنه سمع أبا هُرَيرة يقول: طرح بالعراء، فأنبت الله عليه يقطينة، فقلنا: يا أبا هريرة وما اليقطينة؟ قال: الشجرة الدُّبَّاء، هيأ الله له أروية وحشية تأكل من خَشاش الأرض -أو هَشاش- فتفشح عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت. وقال ابن أبي الصلت قبل الإسلام في ذلك بيتا من شعر:فَأَنْبَتَ يَقْطِينا عَلَيْه برَحْمَةٍمِنَ الله لَوْلا الله أُلْفِيَ ضَاحِيا (8)حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن مغيرة في قوله ( وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ) قال: القرع.حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ) قال: القرع.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: أنبت الله عليه شجرة من يقطين; قال: فكان لا يتناول منها ورقة فيأخذها إلا أروته لبنا، أو قال: شرب منها ما شاء حتى نبت.حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله ( شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ) قال: هو القرع، والعرب تسميه الدُّبَّاء.حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن ورقاء، عن سعيد بن جُبَير في قول الله: ( وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ) قال: هو القرع.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، قوله ( وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ) قال: القرع.وقال آخرون: كان اليقطين شجرة أظلَّت يونس.* ذكر من قال ذلك:حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ثابت بن يزيد، عن هلال بن خباب عن سعيد بن جُبَير، قال: اليقطين: شجرة سماها الله يقطينا أظلته، وليس بالقرع. قال: فيما ذُكر أرسل الله عليه دابة الأرض، فجعلت تقرض عروقها، وجعل ورقها يتساقط حتى أفضت إليه الشمس وشكاها، فقال: يا يونس جزعت من حرّ الشمس، ولم تجزع لمئة ألف أو يزيدون تابوا إليّ، فتبت عليهم؟------------------------الهوامش:(8) البيت لأمية بن أبي الصلت كما قال المؤلف ، ولم أجده في شعراء النصرانية ولا في ترجمته في الأغاني . وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن (الورقة 211 - ب) : في قوله تعالى" شجرة من يقطين) : كل شجرة لا تقوم على ساق فهي يقطين ، مثل الدباء والحنظل والبطيخ . اه . وفي (اللسان : قطن) : قال الفراء قيل عند ابن عباس : هو ورق القرع . وما جعل القرع من بين الشجر يقطينا ؛ كل ورقة اتسعت وشترت فهي يقطين . قال الفراء : وقال مجاهد : كل شيء ذهب بسطا في الأرض : يقطين . ونحو ذلك قال الكلبي . قال : ومنه القرع ، والبطيخ ، والقثاء والشريان . وقال سعيد بن جبير : كل شيء ينبت ثم يموت من عامه فهو يقطين . ا ه .
وَأَرۡسَلۡنَٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلۡفٍ أَوۡ يَزِيدُونَ ١٤٧التفسير الميسروأرسلناه إلى مائة ألف من قومه بل يزيدون، فصدَّقوا وعملوا بما جاء به، فمتعناهم بحياتهم إلى وقت بلوغ آجالهم.
تفسير السعديثم لطف به لطفا آخر، وامْتَنَّ عليه مِنّة عظمى، وهو أنه أرسله إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ من الناس أَوْ يَزِيدُونَ عنها، والمعنى أنهم إن ما زادوا لم ينقصوا، فدعاهم إلى اللّه تعالى.
تفسير ابن كثيروقوله تعالى : ( وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون ) روى شهر بن حوشب ، عن ابن عباس أنه قال : إنما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت . رواه ابن جرير : حدثني الحارث قال : حدثنا الحسن قال : حدثنا أبو هلال عن شهر ، به .وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد : أرسل إليهم قبل أن يلتقمه الحوت .قلت : ولا مانع أن يكون الذين أرسل إليهم أولا أمر بالعود إليهم بعد خروجه من الحوت ، فصدقوه كلهم وآمنوا به . وحكى البغوي أنه أرسل إلى أمة أخرى بعد خروجه من الحوت ، كانوا مائة ألف أو يزيدون .وقوله : ( أو يزيدون ) قال ابن عباس - في رواية عنه - : بل يزيدون ، وكانوا مائة وثلاثين ألفا . وعنه : مائة ألف وبضعة وثلاثين ألفا . وعنه : مائة ألف وبضعة وأربعين ألفا .وقال سعيد بن جبير : يزيدون سبعين ألفا .وقال مكحول : كانوا مائة ألف وعشرة آلاف . رواه ابن أبي حاتم .وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الرحيم البرقي ، حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال : سمعت زهيرا عمن سمع أبا العالية قال : حدثني أبي بن كعب : أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله : ( وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون ) ، قال : " يزيدون عشرين ألفا " .ورواه الترمذي عن علي بن حجر ، عن الوليد بن مسلم ، عن زهير ، عن رجل ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب ، به ، وقال : غريب . ورواه ابن أبي حاتم من حديث زهير ، به .قال ابن جرير : وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول في ذلك : معناه إلى المائة الألف ، أو كانوا يزيدون عندكم ، يقول : كذلك كانوا عندكم .وهكذا سلك ابن جرير هاهنا ما سلكه عند قوله تعالى : ( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة ) [ البقرة : 74 ] ، وقوله ( إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ) [ النساء : 77 ] ، وقوله : ( فكان قاب قوسين أو أدنى ) [ النجم : 9 ] أن المراد ليس أنقص من ذلك ، بل أزيد .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون قد تقدم عن ابن عباس أن رسالة يونس - عليه السلام - إنما كانت بعد ما نبذه الحوت . وليس له طريق إلا عن شهر بن حوشب . النحاس : وأجود منه إسنادا وأصح ما حدثناه عن علي بن الحسين قال : حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا عمرو بن العنقزي قال حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال حدثنا عبد الله بن مسعود في بيت المال عن يونس النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن يونس وعد قومه العذاب وأخبرهم أن يأتيهم إلى ثلاثة أيام ، ففرقوا بين كل والدة وولدها ، وخرجوا فجأروا إلى الله - عز وجل - واستغفروا ، فكف الله - عز وجل - عنهم العذاب ، وغدا يونس - عليه السلام - ينتظر العذاب فلم ير شيئا - وكان من كذب ولم تكن له بينة قتل - فخرج يونس مغاضبا ، فأتى قوما في سفينة فحملوه وعرفوه ، فلما دخل السفينة ركدت السفينة والسفن تسير يمينا وشمالا ، فقالوا : ما لسفينتكم ؟ فقالوا : لا ندري . فقال يونس - عليه السلام - : إن فيها عبدا آبقا من ربه - جل وعز - وإنها لن تسير حتى تلقوه . قالوا أما أنت يا نبي الله فإنا لا نلقيك . قال : فأقرعوا فمن قرع فليقع ، فاقترعوا فقرعهم يونس فأبوا أن يدعوه ، قال : فاقترعوا ثلاثا فمن قرع فليقع . فاقترعوا فقرعهم يونس ثلاث مرات أو قال ثلاثا فوقع . وقد وكل الله به - جل وعز - حوتا فابتلعه وهو يهوي به إلى قرار الأرض ، فسمع يونس - عليه السلام - تسبيح الحصى " فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين قال : ظلمة الليل ، وظلمة البحر ، وظلمة بطن الحوت . قال : فنبذناه بالعراء وهو سقيم قال : كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش . قال : وأنبت الله عليه شجرة من يقطين فنبتت ، فكان يستظل بها ويصيب منها ، فيبست فبكى عليها ، فأوحى الله - جل وعز - إليه : أتبكي على شجرة يبست ، ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم ؟ قال : وخرج رسول الله يونس فإذا هو بغلام يرعى ، قال : يا غلام من أنت ؟ قال : من قوم يونس . قال : فإذا جئت إليهم فأخبرهم أنك قد لقيت يونس . قال : إن كنت يونس فقد علمت أنه من كذب قتل إذا لم تكن له بينة ، فمن يشهد لي ؟ قال : هذه الشجرة ، وهذه البقعة . قال : فمرهما ، فقال لهما يونس : إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له . قالتا : نعم . قال : فرجع الغلام إلى قومه وكان في منعة وكان له إخوة ، فأتى الملك فقال : إني قد لقيت يونس وهو يقرأ عليك السلام . قال : فأمر به أن يقتل ، فقالوا : إن له بينة ، فأرسلوا معه . فأتى الشجرة والبقعة فقال لهما : نشدتكما بالله - جل وعز - أتشهدان أني لقيت يونس ؟ قالتا : نعم . قال : فرجع القوم مذعورين يقولون له : شهدت له الشجرة والأرض ، فأتوا الملك فأخبروه بما رأوا . قال عبد الله : فتناول الملك يد الغلام فأجلسه في مجلسه ، وقال : أنت أحق بهذا المكان مني . قال عبد الله : فأقام لهم ذلك الغلام أمرهم أربعين سنة . قال أبو جعفر النحاس : فقد تبين في هذا الحديث أن يونس كان قد أرسل قبل أن يلتقمه الحوت بهذا الإسناد الذي لا يؤخذ بالقياس . وفيه أيضا من الفائدة أن قوم يونس آمنوا وندموا قبل أن يروا العذاب ; لأن فيه أنه أخبرهم أنه يأتيهم العذاب إلى ثلاثة أيام ، ففرقوا بين كل والدة وولدها ، وضجوا ضجة واحدة إلى الله عز وجل . وهذا هو الصحيح في الباب ، وأنه لم يكن حكم الله - عز وجل - فيهم كحكمه في غيرهم في قوله - عز وجل - : فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا وقوله - عز وجل - : وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت الآية . وقال بعض العلماء : إنهم رأوا مخائل العذاب فتابوا . وهذا لا يمنع ، وقد تقدم ما للعلماء في هذا في سورة [ يونس ] فلينظر هناك .قوله تعالى : أو يزيدون قد مضى في [ البقرة ] محامل " أو " في قوله تعالى : أو أشد قسوة قال الفراء : " أو " بمعنى بل . وقال غيره : إنها بمعنى الواو ، ومنه قول الشاعر :فلما اشتد أمر الحرب فينا تأملنا رياحا أو رزاماأي : ورزاما . وهذا كقوله تعالى : وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب وقرأ جعفر بن محمد " إلى مائة ألف ويزيدون " بغير همز ، ف " يزيدون " في موضع رفع بأنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : وهم يزيدون . النحاس : ولا يصح هذان القولان عند البصريين ، وأنكروا كون " أو " بمعنى بل وبمعنى الواو ; لأن بل للإضراب عن الأول والإيجاب لما بعده ، وتعالى الله - عز وجل - عن ذلك ، أو خروج من شيء إلى شيء ، وليس هذا موضع ذلك ، والواو معناه خلاف معنى " أو " فلو كان أحدهما بمعنى الآخر لبطلت المعاني ، ولو جاز ذلك لكان : وأرسلناه إلى أكثر من مائتي ألف أخصر . وقال المبرد : المعنى : وأرسلناه إلى جماعة لو رأيتموهم لقلتم هم مائة ألف أو أكثر ، وإنما خوطب العباد على ما يعرفون . وقيل : هو كما تقول : جاءني زيد أو عمرو ، وأنت تعرف من جاءك منهما ، إلا أنك أبهمت على المخاطب . وقال الأخفش والزجاج : أي : أو يزيدون في تقديركم . قال ابن عباس : زادوا على مائة ألف عشرين ألفا . ورواه أبي بن كعب مرفوعا . وعن ابن عباس أيضا : ثلاثين ألفا . الحسن والربيع : بضعا وثلاثين ألفا . وقال مقاتل بن حيان : سبعين ألفا .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147)يقول تعالى ذكره: فأرسلنا يونس إلى مئة ألف من الناس، أو يزيدون على مئة ألف. وذكر عن ابن عباس أنه كان يقول: معنى قوله ( أوْ ) : بل يزيدون.* ذكر الرواية بذلك:حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن الحكم بن عبد الله بن الأزور، عن ابن عباس، في قوله ( وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ) قال: بل يزيدون، كانوا مئة ألف وثلاثين ألفا.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جُبَير، في قوله ( مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ) قال: يزيدون سبعين ألفا، وقد كان العذاب أرسل عليهم، فلما فرقوا بين النساء وأولادها، والبهائم وأولادها، وعجُّوا إلى الله، كشف عنهم العذاب، وأمطرت السماء دما.حدثني محمد بن عبد الرحيم البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سمعت زهيرا، عمن سمع أبا العالية، قال: ثني أبيّ بن كعب، أنه سأل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عن قوله ( وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ) قال: يزيدون عشرون ألفا.وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول في ذلك: معناه إلى مئة ألف أو كانوا يزيدون عندكم، يقول: كذلك كانوا عندكم.وإنما عنى بقوله ( وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ) أنه أرسله إلى قومه الذين وعدهم العذاب، فلما أظلهم تابوا، فكشف الله عنهم. وقيل: إنهم أهل نينَوَى.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ) أرسل إلى أهل نينوى من أرض الموصل، قال: قال الحسن: بعثه الله قبل أن يصيبه ما أصابه ( فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ )حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ) قال: قوم يونس الذين أرسل إليهم قبل أن يلتقمه الحوت.وقيل: إن يونس أرسل إلى أهل نِيْنَوَى بعد ما نبذه الحوت بالعراء.* ذكر من قال ذلك:حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: سمعت أبا هلال محمد بن سليمان، قال: ثنا شهر بن حوشب، قال: ( أتاه جبرائيل، يعني يونس، وقال: انطلق إلى أهل نِينَوَى فأنذرهم أن العذاب قد حضرهم; قال: ألتمس دابة; قال: الأمر أعجل من ذلك، قال: ألتمس حذاء، قال: الأمر أعجل من ذلك، قال: فغضب فانطلق إلى السفينة فركب; فلما ركب احتبست السفينة لا تُقدم ولا تُؤخر; قال: فتساهموا، قال: فسُهم، فجاء الحوت يبصبص بذنبه، فنودي الحوت: أيا حوت إنا لم نجعل يونس لك رزقا، إنما جعلناك له حوزا ومسجدا; قال: فالتقمه الحوت، فانطلق به من ذلك المكان حتى مر به على الأيْلة، ثم انطلق به حتى مر به على دجلة، ثم انطلق به حتى ألقاه في نينوى ).حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا أبو هلال، قال: ثنا شهر بن حوشب، عن ابن عباس قال: إنما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت.
فَـَٔامَنُواْ فَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ ١٤٨التفسير الميسروأرسلناه إلى مائة ألف من قومه بل يزيدون، فصدَّقوا وعملوا بما جاء به، فمتعناهم بحياتهم إلى وقت بلوغ آجالهم.
تفسير السعدي فَآمَنُوا فصاروا في موازينه، لأنه الداعي لهم. فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ بأن صرف اللّه عنهم العذاب بعدما انعقدت أسبابه، قال تعالى: فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ
تفسير ابن كثيروقوله : ( فآمنوا ) أي : فآمن هؤلاء القوم الذين أرسل إليهم يونس - عليه السلام - جميعهم . ( فمتعناهم إلى حين ) أي : إلى وقت آجالهم ، كقوله : ( فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ) [ يونس : 98 ] .
تفسير القرطبيفآمنوا فمتعناهم إلى حين أي إلى منتهى آجالهم .
تفسير الطبريوقوله ( فَآمَنُوا ) يقول: فوحدوا الله الذي أرسل إليهم يونس، وصدقوا بحقيقة ما جاءهم به يونس من عند الله.وقوله ( فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ) يقول: فأخرنا عنهم العذاب، ومتعناهم إلى حين بحياتهم إلى بلوغ آجالهم من الموت.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ) : الموت.حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله ( فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ) قال: الموت.
فَٱسۡتَفۡتِهِمۡ أَلِرَبِّكَ ٱلۡبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلۡبَنُونَ ١٤٩التفسير الميسرفاسأل -أيها الرسول- قومك: كيف جعلوا لله البنات اللاتي يكرهونهنَّ، ولأنفسهم البنين الذين يريدونهم؟
تفسير السعدييقول تعالى لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم: فَاسْتَفْتِهِمْ أي: اسأل المشركين باللّه غيره، الذين عبدوا الملائكة، وزعموا أنها بنات اللّه، فجمعوا بين الشرك باللّه، ووصفه بما لا يليق بجلاله، أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أي: هذه قسمة ضيزى، وقول جائر، من جهة جعلهم الولد للّه تعالى، ومن جهة جعلهم أردأ القسمين وأخسهما له وهو البنات التي لا يرضونهن لأنفسهم، كما قال في الآية الأخرى وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ ومن جهة جعلهم الملائكة بنات اللّه، وحكمهم بذلك.
تفسير ابن كثيريقول تعالى منكرا على هؤلاء المشركين في جعلهم لله البنات ، سبحانه ، ولهم ما يشتهون ، أي : من الذكور ، أي : يودون لأنفسهم الجيد . ( وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ) [ النحل : 58 ] أي : يسوءه ذلك ، ولا يختار لنفسه إلا البنين . يقول تعالى : فكيف نسبوا إلى الله [ تعالى ] القسم الذي لا يختارونه لأنفسهم ؟ ولهذا قال : ( فاستفتهم ) أي : سلهم على سبيل الإنكار عليهم : ( ألربك البنات ولهم البنون ) كقوله : ( ألكم الذكر وله الأنثى . تلك إذا قسمة ضيزى ) [ النجم : 21 ، 22 ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى : فاستفتهم لما ذكر أخبار الماضين تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - احتج على كفار قريش في قولهم : إن الملائكة بنات الله ، فقال : فاستفتهم . وهو معطوف على مثله في أول السورة وإن تباعدت بينهم المسافة ، أي : فسل يا محمد أهل مكةألربك البنات وذلك أن جهينة وخزاعة وبني مليح وبني سلمة وعبد الدار زعموا أن الملائكة بنات الله . وهذا سؤال توبيخ .
تفسير الطبريوقوله ( فَاسْتَفْتِهِمْ ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم : سل يا محمد مشركي قومك من قريش.كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ) : يعني مشركي قريش.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ) قال: سلهم، وقرأ: وَيَسْتَفْتُونَكَ قال: يسألونك.حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ( فَاسْتَفْتِهِمْ ) يقول: يا محمد سلهم.وقوله ( أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ) : ذكر أن مشركي قريش كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، وكانوا يعبدونها، فقال الله لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام : سلهم، وقل لهم: ألربي البنات ولكم البنون؟.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، ( أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ) ؟ لأنهم قالوا: يعني مشركي قريش: لله البنات، ولهم البنون.حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله ( فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ) قال: كانوا يعبدون الملائكة.
أَمۡ خَلَقۡنَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ إِنَٰثٗا وَهُمۡ شَٰهِدُونَ ١٥٠التفسير الميسرواسألهم أخَلَقْنا الملائكة إناثًا، وهم حاضرون؟
تفسير السعديقال تعالى في بيان كذبهم: أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ خلقهم؟ أي: ليس الأمر كذلك، فإنهم ما شهدوا خلقهم، فدل على أنهم قالوا هذا القول، بلا علم، بل افتراء على اللّه،
تفسير ابن كثيروقوله : ( أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون ) أي : كيف حكموا على الملائكة أنهم إناث وما شاهدوا خلقهم ؟ كقوله : ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون ) [ الزخرف : 19 ] أي : يسألون عن ذلك يوم القيامة .
تفسير القرطبيأم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون أي حاضرون لخلقنا إياهم إناثا ، وهذا كما قال الله - عز وجل - : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (150)يعني تعالى ذكره: أم شهد هؤلاء القائلون من المشركين: الملائكة بنات الله خلقي الملائكة وأنا أخلقهم إناثا، فشهدوا هذه الشهادة، ووصفوا الملائكة بأنها إناث.
أَلَآ إِنَّهُم مِّنۡ إِفۡكِهِمۡ لَيَقُولُونَ ١٥١التفسير الميسروإنَّ مِن كذبهم قولهم: ولَد الله، وإنهم لكاذبون؛ لأنهم يقولون ما لا يعلمون.
تفسير السعدي أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ أي: كذبهم الواضح لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
تفسير ابن كثيروقوله : ( ألا إنهم من إفكهم ) أي : من كذبهم ( ليقولون . ولد الله ) أي : صدر منه الولد ( وإنهم لكاذبون ) فذكر الله عنهم في الملائكة ثلاثة أقوال في غاية الكفر والكذب ، فأولا جعلوهم بنات الله ، فجعلوا لله ولدا . وجعلوا ذلك الولد أنثى ، ثم عبدوهم من دون الله . وكل منها كاف في التخليد في نار جهنم .
تفسير القرطبيثم قال : ألا إنهم من إفكهم وهو أسوأ الكذب
وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٥٢التفسير الميسروإنَّ مِن كذبهم قولهم: ولَد الله، وإنهم لكاذبون؛ لأنهم يقولون ما لا يعلمون.
تفسير السعدي أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ أي: كذبهم الواضح لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
تفسير ابن كثيروقوله : ( ألا إنهم من إفكهم ) أي : من كذبهم ( ليقولون . ولد الله ) أي : صدر منه الولد ( وإنهم لكاذبون ) فذكر الله عنهم في الملائكة ثلاثة أقوال في غاية الكفر والكذب ، فأولا جعلوهم بنات الله ، فجعلوا لله ولدا . وجعلوا ذلك الولد أنثى ، ثم عبدوهم من دون الله . وكل منها كاف في التخليد في نار جهنم .
تفسير القرطبيليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون في قولهم إن لله ولدا وهو الذي لا يلد ولا يولد . و " إن " بعد " ألا " مكسورة ; لأنها مبتدأة . وحكى سيبويه أنها تكون بعد أما مفتوحة أو مكسورة ، فالفتح على أن تكون أما بمعنى حقا ، والكسر على أن تكون أما بمعنى ألا . النحاس : وسمعت علي بن سليمان يقول : يجوز فتحها بعد ألا تشبيها بأما ، وأما في الآية فلا يجوز إلا كسرها ; لأن بعدها الرفع . وتمام الكلام : لكاذبون .
تفسير الطبريوقوله ( أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ ) يقول تعالى ذكره: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ( لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) في قيلهم ذلك.كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ) يقول: من كذبهم.
أَصۡطَفَى ٱلۡبَنَاتِ عَلَى ٱلۡبَنِينَ ١٥٣
تفسير السعدي أَصْطَفَى أي: اختار الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ
تفسير ابن كثيرثم قال منكرا عليهم : ( أصطفى البنات على البنين ) أي : أي شيء يحمله عن أن يختار البنات دون البنين ؟ كقوله : ( أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما ) [ الإسراء : 40 ] ;
تفسير القرطبيثم يبتدئ أصطفى على معنى التقريع والتوبيخ كأنه قال : ويحكم أصطفى البنات أي : اختار البنات وترك البنين . وقراءة العامة " أصطفى " بقطع الألف ; لأنها ألف استفهام دخلت على ألف الوصل ، فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة مقطوعة على حالها مثل : أطلع الغيب على ما تقدم . وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وحمزة " اصطفى " بوصل الألف على الخبر بغير استفهام . وإذا ابتدأ كسر الهمزة . وزعم أبو حاتم أنه لا وجه لها ; لأن بعدها ما لكم كيف تحكمون فالكلام جار على التوبيخ من جهتين : إحداهما أن يكون تبيينا وتفسيرا لما قالوه من الكذب ويكون ما لكم كيف تحكمون منقطعا مما قبله . والجهة الثانية أنه قد حكى النحويون - منهم الفراء - أن التوبيخ يكون باستفهام وبغير استفهام كما قال - جل وعز - : أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا وقيل : هو على إضمار القول ، أي : ويقولون " اصطفى البنات " . أو يكون بدلا من قوله : ولد الله لأن ولادة البنات واتخاذهن اصطفاء لهن ، فأبدل مثال الماضي من مثال الماضي ، فلا يوقف على هذا على " لكاذبون " .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (153)يقول تعالى ذكره موَبّخا هؤلاء القائلين لله البنات من مشركي قريش: ( أَصْطَفَى ) الله أيها القوم ( الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ ) ؟ والعرب إذا وجهوا الاستفهام إلى التوبيخ أثبتوا ألف الاستفهام أحيانا وطرحوها أحيانا، كما قيل: أَذْهَبْتُمْ بالقصر طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا يستفهم بها، ولا يستفهم بها، والمعنى في الحالين واحد، وإذا لم يستفهم في قوله ( أَصْطَفَى الْبَنَاتِ ) ذهبت ألف اصطفى في الوصل، ويبتدأ بها بالكسر، وإذا استفهم فتحت وقطعت.وقد ذُكر عن بعض أهل المدينة أنه قرأ ذلك بترك الاستفهام والوصل. فأما قرّاء الكوفة والبصرة، فإنهم في ذلك على قراءته بالاستفهام، وفتح ألفه في الأحوال كلها، وهي القراءة التي نختار لإجماع الحجة من القرّاء عليها.