الثلاثاء، ٩ يونيو ٢٠٢٦
الثلاثاء، ٩ يونيو ٢٠٢٦
facebookinstagramtwitter

عرض بالصفحات

Basmala
سُورَةُ الزُّمَرِ
وَبَدَا لَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ  ٤٨فَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلۡنَٰهُ نِعۡمَةٗ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ بَلۡ هِيَ فِتۡنَةٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ  ٤٩قَدۡ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ  ٥٠فَأَصَابَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْۚ وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ هَٰٓؤُلَآءِ سَيُصِيبُهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ  ٥١أَوَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ  ٥٢۞ قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ  ٥٣وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ  ٥٤وَٱتَّبِعُوٓاْ أَحۡسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ بَغۡتَةٗ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ  ٥٥أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ  ٥٦
تفسير سُورَةُ الزُّمَرِ
وَبَدَا لَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ  ٤٨
التفسير الميسروظهر لهؤلاء المكذبين يوم الحساب جزاء سيئاتهم التي اقترفوها، حيث نسبوا إلى الله ما لا يليق به، وارتكبوا المعاصي في حياتهم، وأحاط بهم من كل جانب عذاب أليم؛ عقابًا لهم على استهزائهم بالإنذار بالعذاب الذي كان الرسول يَعِدُهم به، ولا يأبهون له.
تفسير السعدي وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا أي: الأمور التي تسوؤهم، بسبب صنيعهم وكسبهم. وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ من الوعيد والعذاب الذي نزل بهم، وما حل عليهم العقاب.
تفسير ابن كثير( وبدا لهم سيئات ما كسبوا ) أي : وظهر لهم جزاء ما اكتسبوا في الدار الدنيا من المحارم والمآثم ، ( وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ) أي : وأحاط بهم من العذاب والنكال ما كانوا يستهزئون به في الدار الدنيا .
تفسير القرطبيوبدا لهم أي ظهر لهم سيئات ما كسبوا أي عقاب ما كسبوا من الكفر والمعاصي . وحاق بهم أي أحاط بهم ونزل ما كانوا به يستهزئون .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (48)يقول تعالى ذكره: وظهر لهؤلاء المشركين يوم القيامة ( سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا ) من الأعمال في الدنيا, إذ أعطوا كتبهم بشمائلهم ( وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) ووجب عليهم حينئذ, فلزمهم عذاب الله الذي كان نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في الدنيا يعدهم على كفرهم بربهم , فكانوا به يسخرون, إنكارا أن يصيبهم ذلك, أو ينالهم تكذيبا منهم به, وأحاط ذلك بهم.
فَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلۡنَٰهُ نِعۡمَةٗ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ بَلۡ هِيَ فِتۡنَةٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ  ٤٩
التفسير الميسرفإذا أصاب الإنسان شدة وضُرٌّ، طلب من ربه أن يُفرِّج عنه، فإذا كشفنا عنه ما أصابه وأعطيناه نعمة منا عاد بربه كافرًا، ولفضله منكرًا، وقال: إن الذي أوتيتُه إنما هو على علم من الله أني له أهل ومستحق، بل ذلك فتنة يبتلي الله بها عباده؛ لينظر مَن يشكره ممن يكفره، ولكن أكثرهم- لجهلهم وسوء ظنهم وقولهم- لا يعلمون؛ فلذلك يعدُّون الفتنة منحة.
تفسير السعدييخبر تعالى عن حالة الإنسان وطبيعته، أنه حين يمسه ضر، من مرض أو شدة أو كرب. دَعَانَا ملحا في تفريج ما نزل به ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا فكشفنا ضره وأزلنا مشقته، عاد بربه كافرا، ولمعروفه منكرا. و قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ أي: علم من اللّه، أني له أهل، وأني مستحق له، لأني كريم عليه، أو على علم مني بطرق تحصيله.قال تعالى: بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ يبتلي اللّه به عباده، لينظر من يشكره ممن يكفره. وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ فلذلك يعدون الفتنة منحة، ويشتبه عليهم الخير المحض، بما قد يكون سببا للخير أو للشر.
تفسير ابن كثيريقول تعالى مخبرا عن الإنسان أنه في حال الضراء يضرع إلى الله - عز وجل - وينيب إليه ويدعوه ، وإذا خوله منه نعمة بغى وطغى ، وقال : ( إنما أوتيته على علم ) أي : لما يعلم الله من استحقاقي له ، ولولا أني عند الله تعالى خصيص لما خولني هذا !قال قتادة : ( على علم عندي ) على خير عندي .قال الله - عز وجل - : ( بل هي فتنة ) أي : ليس الأمر كما زعموا ، بل [ إنما ] أنعمنا عليه بهذه النعمة لنختبره فيما أنعمنا عليه ، أيطيع أم يعصي ؟ مع علمنا المتقدم بذلك ، فهي فتنة أي : اختبار ، ( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) فلهذا يقولون ما يقولون ، ويدعون ما يدعون .
تفسير القرطبيقوله تعالى : فإذا مس الإنسان ضر دعانا قيل : إنها نزلت في حذيفة بن المغيرة . ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم قال قتادة : على علم عندي بوجوه المكاسب ، وعنه أيضا على علم على خير عندي . وقيل : على علم أي : على علم من الله بفضلي . وقال الحسن : على علم أي : بعلم علمني الله إياه . وقيل : المعنى أنه قال : قد علمت أني إذا أوتيت هذا في الدنيا أن لي عند الله منزلة ، فقال الله : بل هي فتنة أي بل النعم التي أوتيتها فتنة تختبر بها . قال الفراء : أنث " هي " لتأنيث الفتنة ، ولو كان بل هو فتنة لجاز . النحاس : التقدير : بل أعطيته فتنة . ولكن أكثرهم لا يعلمون أي لا يعلمون أن إعطاءهم المال اختبار .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (49)يقول تعالى ذكره: فإذا أصاب الإنسان بؤس وشدّة دعانا مستغيثا بنا من جهة ما أصابه من الضرّ,( ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا ) يقول: ثم إذا أعطيناه فرجا مما كان فيه من الضرّ, بأن أبدلناه بالضرّ رخاء وسعة, وبالسقم صحة وعافية, فقال: إنما أعطيت الذي أعطيت من الرخاء والسعة في المعيشة, والصحة في البدن والعافية, على علم عندي (1) يعني على علم من الله بأني له أهل لشرفي ورضاه بعملي (عندي) يعني: فيما عندي, كما يقال: أنت محسن في هذا الأمر عندي: أي فيما أظنّ وأحسب.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا ) حتى بلغ ( عَلَى عِلْمٍ ) عندي (2) أي على خير عندي.حدّثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا ) قال: أعطيناه.وقوله: ( أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ ) : أي على شرف أعطانيه.وقوله: ( بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ ) يقول تعالى ذكره: بل عطيتنا إياهم تلك النعمة من بعد الضرّ الذي كانوا فيه فتنة لهم ، يعني بلاء ابتليناهم به, واختبارا اختبرناهم به ( وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ ) لجهلهم, وسوء رأيهم ( لا يَعْلَمُونَ ) لأي سبب أعطوا ذلك.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ ) : أي بلاء.-----------------الهوامش :(1) قوله ( عندي ) : أضافه المؤلف إلى معنى الآية ، لمجيئه في حديث قتادة بعده بقليل . وليس في الآية في هذا الموضع لفظة" عندي" ، وإنما هي في آية القصص ، إذ جاء على لسان قارون : ( قال إنما أوتيته على علم عندي ) .(2) قوله ( عندي ) : أضافه المؤلف إلى معنى الآية ، لمجيئه في حديث قتادة بعده بقليل . وليس في الآية في هذا الموضع لفظة" عندي" ، وإنما هي في آية القصص ، إذ جاء على لسان قارون : ( قال إنما أوتيته على علم عندي ) .
قَدۡ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ  ٥٠
التفسير الميسرقد قال مقالتهم هذه مَن قبلهم من الأمم الخالية المكذبة، فما أغنى عنهم حين جاءهم العذاب ما كانوا يكسبونه من الأموال والأولاد.
تفسير السعديقال تعالى: قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي: قولهم إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ فما زالت متوارثة عند المكذبين، لا يقرون بنعمة ربهم، ولا يرون له حقا،.فلم يزل دأبهم حتى أهلكوا، ولم يغن عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ حين جاءهم العذاب.
تفسير ابن كثير( قد قالها الذين من قبلهم ) أي : قد قال هذه المقالة وزعم هذا الزعم وادعى هذه الدعوى ، كثير ممن سلف من الأمم ( فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ) أي : فما صح قولهم ولا منعهم جمعهم وما كانوا يكسبون .
تفسير القرطبيقوله تعالى : " قد قالها " أنث على تأنيث الكلمة . الذين من قبلهم يعني الكفار قبلهم كقارون وغيره حيث قال : إنما أوتيته على علم عندي .فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ما للجحد أي : لم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئا . وقيل : أي : فما الذي أغنى أموالهم ؟ ف " ما " استفهام .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (50)يقول تعالى ذكره: قد قال هذه المقالة يعني قولهم: لنعمة الله التي خولهم وهم مشركون: أوتيناه على علم عندنا( الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) يعني: الذي من قبل مشركي قريش من الأمم الخالية لرسلها, تكذيبا منهم لهم, واستهزاء بهم. وقوله.( فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) يقول: فلم يغن عنهم حين أتاهم بأس الله على تكذيبهم رسل الله واستهزائهم بهم ما كانوا يكسبون من الأعمال, وذلك عبادتهم الأوثان. يقول: لم تنفعهم خدمتهم إياها, ولم تشفع آلهتهم لهم عند الله حينئذ, ولكنها أسلمتهم وتبرأت منهم.
فَأَصَابَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْۚ وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ هَٰٓؤُلَآءِ سَيُصِيبُهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ  ٥١
التفسير الميسرفأصاب الذين قالوا هذه المقالة من الأمم الخالية وبال سيئات ما كسبوا من الأعمال، فعوجلوا بالخزي في الحياة الدنيا، والذين ظلموا أنفسهم من قومك -أيها الرسول-، وقالوا هذه المقالة، سيصيبهم أيضًا وبال سيئات ما كسبوا، كما أصاب الذين من قبلهم، وما هم بفائتين الله ولا سابقيه.
تفسير السعدي فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا والسيئات في هذا الموضع: العقوبات، لأنها تسوء الإنسان وتحزنه. وَالَّذِينَ ظَلَمُوا من هؤلاء سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا فليسوا خيرا من أولئك، ولم يكتب لهم براءة في الزبر.
تفسير ابن كثير( فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء ) أي : من المخاطبين ( سيصيبهم سيئات ما كسبوا ) أي : كما أصاب أولئك ، ( وما هم بمعجزين ) كما قال تعالى مخبرا عن قارون أنه قال له قومه : ( لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ) [ القصص : 76 - 78 ] ، وقال تعالى : ( وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين ) [ سبأ : 35 ] .
تفسير القرطبيفأصابهم سيئات ما كسبوا أي جزاء سيئات أعمالهم . وقد يسمى جزاء السيئة سيئة . والذين ظلموا أي أشركوا من هؤلاء الأمة سيصيبهم سيئات ما كسبوا أي بالجوع والسيف . وما هم بمعجزين أي فائتين الله ولا سابقيه . وقد تقدم .
تفسير الطبريوقوله: ( فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا ) يقول: فأصاب الذين قالوا هذه المقالة من الأمم الخالية وبال سيئات ما كسبوا من الأعمال, فعوجلوا بالخزي في دار الدنيا, وذلك كقارون الذي قال حين وعظ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي فخسف الله به وبداره الأرض فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ يقول الله عز وجل ثناؤه: ( وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ ) يقول لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: والذين كفروا بالله يا محمد من قومك, وظلموا أنفسهم وقالوا هذه المقالة سيصيبهم أيضا وبال ( سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا ) كما أصاب الذين من قبلهم بقيلهموها( وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ) يقول: وما يفوتون ربهم ولا يسبقونه هربا في الأرض من عذابه إذا نزل بهم, ولكنه يصيبهم سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا ففعل ذلك بهم, فأحلّ بهم خزيه في عاجل الدنيا فقتلهم بالسيف يوم بدر.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) الأمم الماضية ( وَالَّذِينَ ظَلَمُوا ) من هؤلاء, قال: من أمة محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
أَوَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ  ٥٢
التفسير الميسرأولم يعلم هؤلاء أن رزق الله للإنسان لا يدل على حسن حال صاحبه، فإن الله لبالغ حكمته يوسِّع الرزق لمن يشاء مِن عباده، صالحًا كان أو طالحًا، ويضيِّقه على مَن يشاء منهم؟ إن في ذلك التوسيع والتضييق في الرزق لَدلالات واضحات لقوم يُصدِّقون أمر الله ويعملون به.
تفسير السعديولما ذكر أنهم اغتروا بالمال، وزعموا - بجهلهم - أنه يدل على حسن حال صاحبه، أخبرهم تعالى، أن رزقه، لا يدل على ذلك، وأنه يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ من عباده، سواء كان صالحا أو طالحا وَيَقْدِرُ الرزق، أي: يضيقه على من يشاء، صالحا أو طالحا، فرزقه مشترك بين البرية،.والإيمان والعمل الصالح يخص به خير البرية. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي: بسط الرزق وقبضه، لعلمهم أن مرجع ذلك، عائد إلى الحكمة والرحمة، وأنه أعلم بحال عبيده، فقد يضيق عليهم الرزق لطفا بهم، لأنه لو بسطه لبغوا في الأرض، فيكون تعالى مراعيا في ذلك صلاح دينهم الذي هو مادة سعادتهم وفلاحهم، واللّه أعلم.
تفسير ابن كثيروقوله : ( أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) أي : يوسعه على قوم ويضيقه على آخرين ، ( إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) أي : لعبرا وحججا .
تفسير القرطبيقوله تعالى : أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون خص المؤمن بالذكر ; لأنه هو الذي يتدبر الآيات وينتفع بها . ويعلم أن سعة الرزق قد يكون مكرا واستدراجا ، وتقتيره رفعة وإعظاما .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)يقول تعالى ذكره: أولم يعلم يا محمد هؤلاء الذين كشفنا عنهم ضرهم, فقالوا: إنما أوتيناه على علم منا, أن الشدة والرخاء والسعة والضيق والبلاء بيد الله, دون كل من سواه , يبسط الرزق لمن يشاء, فيوسعه عليه, ويقدر ذلك على من يشاء من عباده, فيضيقه, وأن ذلك من حجج الله على عباده, ليعتبروا به ويتذكروا, ويعلموا أن الرغبة إليه والرهبة دون الآلهة والأنداد.( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ ) يقول: إن في بسط الله الرزق لمن يشاء, وتقتيره على من أراد لآيات, يعني: دلالات وعلامات ( لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) يعني: يصدقون بالحقّ, فيقرّون به إذا تبينوه وعلموا حقيقته أن الذي يفعل ذلك هو الله دون كل ما سواه.
۞ قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ  ٥٣
التفسير الميسرقل -أيها الرسول- لعبادي الذين تمادَوا في المعاصي، وأسرفوا على أنفسهم بإتيان ما تدعوهم إليه نفوسهم من الذنوب: لا تَيْئسوا من رحمة الله؛ لكثرة ذنوبكم، إن الله يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها ورجع عنها مهما كانت، إنه هو الغفور لذنوب التائبين من عباده، الرحيم بهم.
تفسير السعدييخبر تعالى عباده المسرفين بسعة كرمه، ويحثهم على الإنابة قبل أن لا يمكنهم ذلك فقال: قُلْ يا أيها الرسول ومن قام مقامه من الدعاة لدين اللّه، مخبرا للعباد عن ربهم: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ باتباع ما تدعوهم إليه أنفسهم من الذنوب، والسعي في مساخط علام الغيوب. لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ أي: لا تيأسوا منها، فتلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وتقولوا قد كثرت ذنوبنا وتراكمت عيوبنا، فليس لها طريق يزيلها ولا سبيل يصرفها، فتبقون بسبب ذلك مصرين على العصيان، متزودين ما يغضب عليكم الرحمن، ولكن اعرفوا ربكم بأسمائه الدالة على كرمه وجوده، واعلموا أنه يغفر الذنوب جميعا من الشرك، والقتل، والزنا، والربا، والظلم، وغير ذلك من الذنوب الكبار والصغار. إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ أي: وصفه المغفرة والرحمة، وصفان لازمان ذاتيان، لا تنفك ذاته عنهما، ولم تزل آثارهما سارية في الوجود، مالئة للموجود،.تسح يداه من الخيرات آناء الليل والنهار، ويوالي النعم على العباد والفواضل في السر والجهار، والعطاء أحب إليه من المنع، والرحمة سبقت الغضب وغلبته، .ولكن لمغفرته ورحمته ونيلهما أسباب إن لم يأت بها العبد، فقد أغلق على نفسه باب الرحمة والمغفرة، أعظمها وأجلها، بل لا سبب لها غيره، الإنابة إلى اللّه تعالى بالتوبة النصوح، والدعاء والتضرع والتأله والتعبد،. فهلم إلى هذا السبب الأجل، والطريق الأعظم.
تفسير ابن كثيرهذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة ، وإخبار بأن الله يغفر الذنوب جميعا لمن تاب منها ورجع عنها ، وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر . ولا يصح حمل هذه [ الآية ] على غير توبة ; لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه .وقال البخاري : حدثنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا هشام بن يوسف ; أن ابن جريج أخبرهم : قال يعلى : إن سعيد بن جبير أخبره عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] ; أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا ، وزنوا فأكثروا . فأتوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة . فنزل : ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ) [ الفرقان : 68 ] ، ونزل [ قوله ] : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ) .وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي ، من حديث ابن جريج ، عن يعلى بن مسلم المكي ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، به .والمراد من الآية الأولى قوله : ( إلا من تاب وآمن وعمل صالحا ) الآية . [ الفرقان : 70 ] .وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا أبو قبيل قال : سمعت أبا عبد الرحمن المري يقول : سمعت ثوبان - مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية : ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ) إلى آخر الآية ، فقال رجل : يا رسول الله ، فمن أشرك ؟ فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قال : " ألا ومن أشرك " ثلاث مرات . تفرد به الإمام أحمد .وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا سريج بن النعمان ، حدثنا روح بن قيس ، عن أشعث بن جابر الحداني ، عن مكحول ، عن عمرو بن عبسة قال : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - شيخ كبير يدعم على عصا له ، فقال : يا رسول الله إن لي غدرات وفجرات ، فهل يغفر لي ؟ فقال : " ألست تشهد أن لا إله إلا الله ؟ " قال : بلى ، وأشهد أنك رسول الله . فقال : " قد غفر لك غدراتك وفجراتك " . تفرد به أحمد .وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن شهر بن حوشب ، عن أسماء بنت يزيد قالت : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ : ( إنه عمل غير صالح ) [ هود : 46 ] وسمعته يقول : " ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) ولا يبالي ( إنه هو الغفور الرحيم )ورواه أبو داود والترمذي ، من حديث ثابت ، به .فهذه الأحاديث كلها دالة على أن المراد : أنه يغفر جميع ذلك مع التوبة ، ولا يقنطن عبد من رحمة الله ، وإن عظمت ذنوبه وكثرت ; فإن باب التوبة والرحمة واسع ، قال الله تعالى : ( ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ) [ التوبة : 104 ] ، وقال تعالى : ( ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ) [ النساء : 110 ] ، وقال تعالى في حق المنافقين : ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا ) [ النساء : 146 ، 145 ] ، وقال ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم ) [ المائدة : 73 ] ، ثم قال ( أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ) [ المائدة : 74 ] ، وقال ( إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا ) [ البروج : 10 ] .قال الحسن البصري : انظر إلى هذا الكرم والجود ، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة ! .والآيات في هذا كثيرة جدا .وفي الصحيحين عن أبي سعيد ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث الذي قتل تسعا وتسعين نفسا ، ثم ندم وسأل عابدا من عباد بني إسرائيل : هل له من توبة ؟ فقال : لا . فقتله وأكمل به مائة . ثم سأل عالما من علمائهم : هل له من توبة ؟ فقال : ومن يحول بينك وبين التوبة ؟ ثم أمره بالذهاب إلى قرية يعبد الله فيها ، فقصدها فأتاه الموت في أثناء الطريق ، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، فأمر الله أن يقيسوا ما بين الأرضين ، فإلى أيهما كان أقرب فهو منها . فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر ، فقبضته ملائكة الرحمة . وذكر أنه نأى بصدره عند الموت ، وأن الله أمر البلدة الخيرة أن تقترب ، وأمر تلك البلدة أن تتباعد هذا معنى الحديث ، وقد كتبناه في موضع آخر بلفظه .وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما [ في ] قوله : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) إلى آخر الآية ، قال : قد دعا الله إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو الله ، ومن زعم أن المسيح هو ابن الله ، ومن زعم أن عزيرا ابن الله ، ومن زعم أن الله فقير ، ومن زعم أن يد الله مغلولة ، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة ، يقول الله تعالى لهؤلاء : ( أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ) [ المائدة : 74 ] ثم دعا إلى توبته من هو أعظم قولا من هؤلاء ، من قال : ( أنا ربكم الأعلى ) [ النازعات : 24 ] ، وقال ( ما علمت لكم من إله غيري ) [ القصص : 38 ] . قال ابن عباس [ رضي الله عنهما ] من آيس عباد الله من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله ، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله عليه .وروى الطبراني من طريق الشعبي ، عن شتير بن شكل أنه قال : سمعت ابن مسعود يقول إن أعظم آية في كتاب الله : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) [ البقرة : 255 ] ، وإن أجمع آية في القرآن بخير وشر : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) [ النحل : 90 ] ، وإن أكثر آية في القرآن فرجا في سورة الغرف : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ) ، وإن أشد آية في كتاب الله تصريفا ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ) [ الطلاق : 3 ، 2 ] . فقال له مسروق : صدقت .وقال الأعمش ، عن أبي سعيد ، عن أبي الكنود قال : مر عبد الله - يعني ابن مسعود - على قاص ، وهو يذكر الناس ، فقال : يا مذكر لم تقنط الناس ؟ ثم قرأ : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ) رواه ابن أبي حاتم .ذكر أحاديث فيها نفي القنوط :قال الإمام أحمد : حدثنا سريج بن النعمان ، حدثنا أبو عبيدة عبد المؤمن بن عبيد الله ، حدثني أخشن السدوسي قال : دخلت على أنس بن مالك فقال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " والذي نفسي بيده ، لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض ، ثم استغفرتم الله لغفر لكم ، والذي نفس محمد بيده ، لو لم تخطئوا لجاء الله بقوم يخطئون ، ثم يستغفرون الله فيغفر لهم " تفرد به [ الإمام ] أحمد . وقال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن عيسى حدثني ليث حدثني محمد بن قيس - قاص عمر بن عبد العزيز - عن أبي صرمة ، عن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - أنه قال حين حضرته الوفاة : قد كنت كتمت منكم شيئا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " لولا أنكم تذنبون ، لخلق الله قوما يذنبون فيغفر لهم " .هكذا رواه الإمام أحمد ، وأخرجه مسلم في صحيحه ، والترمذي جميعا ، عن قتيبة ، عن الليث بن سعد به . ورواه مسلم من وجه آخر به ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن أبي صرمة - وهو الأنصاري صحابي - عن أبي أيوب به .وقال الإمام أحمد : حدثنا أحمد بن عبد الملك الحراني ، حدثنا يحيى بن عمرو بن مالك النكري قال : سمعت أبي يحدث عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " كفارة الذنب الندامة " ، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون ، فيغفر لهم " تفرد به أحمد .وقال عبد الله ابن الإمام أحمد : حدثني عبد الأعلى بن حماد النرسي ، حدثنا داود بن عبد الرحمن ، حدثنا أبو عبد الله مسلمة الرازي ، عن أبي عمرو البجلي ، عن عبد الملك بن سفيان الثقفي ، عن أبي جعفر محمد بن علي ، عن محمد بن الحنفية ، عن أبيه ، علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله يحب العبد المفتن التواب " . لم يخرجوه من هذا الوجه .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد ، أخبرنا ثابت وحميد ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال : إن إبليس - عليه لعائن الله - قال : يا رب ، إنك أخرجتني من الجنة من أجل آدم ، وإني لا أستطيعه إلا بسلطانك . قال : فأنت مسلط . قال : يا رب ، زدني . قال : لا يولد له ولد إلا ولد لك مثله . قال : يا رب ، زدني . قال : أجعل صدورهم مساكن لكم ، وتجرون منهم مجرى الدم . قال : يا رب ، زدني . قال : أجلب عليهم بخيلك ورجلك ، وشاركهم في الأموال والأولاد ، وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا . فقال آدم [ عليه السلام ] يا رب ، قد سلطته علي ، وإني لا أمتنع [ منه ] إلا بك . قال : لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظه من قرناء السوء . قال : يا رب ، زدني . قال : الحسنة عشر أو أزيد ، والسيئة واحدة أو أمحوها . قال : يا رب ، زدني . قال : باب التوبة مفتوح ما كان الروح في الجسد . قال : يا رب ، زدني . قال : ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ) .وقال محمد بن إسحاق : قال نافع : عن عبد الله بن عمير ، عن عمر - رضي الله عنه - في حديثه قال : وكنا نقول ما الله بقابل ممن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة ، عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم . قال : وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم . قال : فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، أنزل الله فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم : ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون ).قال عمر ، رضي الله عنه : فكتبتها بيدي في صحيفة ، وبعثت بها إلى هشام بن العاص قال : فقال هشام : لما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى أصعد بها فيه وأصوت ولا أفهمها ، حتى قلت : اللهم أفهمنيها . قال : فألقى الله في قلبي أنها إنما أنزلت فينا ، وفيما كنا نقول في أنفسنا ، ويقال فينا . فرجعت إلى بعيري فجلست عليه ، فلحقت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة .
تفسير القرطبيقوله تعالى : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله وإن شئت حذفت الياء ; لأن النداء موضع حذف . النحاس : ومن أجل ما روي فيه ما رواه محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال : لما اجتمعنا على الهجرة ، اتعدت أنا وهشام بن العاص بن وائل السهمي ، وعياش بن أبي ربيعة بن عتبة ، فقلنا : الموعد أضاة بني غفار ، وقلنا : من تأخر منا فقد حبس فليمض صاحبه . فأصبحت أنا وعياش بن عتبة وحبس عنا هشام ، وإذا به قد فتن فافتتن ، فكنا نقول بالمدينة : هؤلاء قد عرفوا الله - عز وجل - وآمنوا برسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم افتتنوا لبلاء لحقهم ، لا نرى لهم توبة ، وكانوا هم أيضا يقولون هذا في أنفسهم ، فأنزل الله - عز وجل - في كتابه : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إلى قوله تعالى : أليس في جهنم مثوى للمتكبرين قال عمر : فكتبتها بيدي ثم بعثتها إلى هشام . قال هشام : فلما قدمت علي خرجت بها إلى ذي طوى فقلت : اللهم فهمنيها فعرفت أنها نزلت فينا ، فرجعت فجلست على بعيري فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم . وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كان قوم من المشركين قتلوا فأكثروا ، وزنوا فأكثروا ، فقالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - أو بعثوا إليه : إن ما تدعو إليه لحسن ، أوتخبرنا أن لنا توبة ؟ فأنزل الله - عز وجل - هذه الآية : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ذكره البخاري بمعناه . وقد مضى في آخر [ الفرقان ] . وعن ابن عباس أيضا نزلت في أهل مكة قالوا : يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له ، وكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا مع الله إلها آخر ، وقتلنا النفس التي حرم الله ؟ فأنزل الله هذه الآية . وقيل : إنها نزلت في قوم من المسلمين أسرفوا على أنفسهم في العبادة ، وخافوا ألا يتقبل منهم لذنوب سبقت لهم في الجاهلية . وقال ابن عباس أيضا وعطاء : نزلت في وحشي قاتل حمزة ; لأنه ظن أن الله لا يقبل إسلامه : وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال : أتى وحشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا محمد أتيتك مستجيرا فأجرني حتى أسمع كلام الله . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قد كنت أحب أن أراك على غير جوار ، فأما إذ أتيتني مستجيرا فأنت في جواري حتى تسمع كلام الله . قال : فإني أشركت بالله ، وقتلت النفس التي حرم الله ، وزنيت ، هل يقبل الله مني توبة ؟ فصمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نزلت : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون إلى آخر الآية فتلاها عليه ، فقال : أرى شرطا ، فلعلي لا أعمل صالحا ، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله . فنزلت : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فدعا به فتلا عليه ، قال : فلعلي ممن لا يشاء ، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله . فنزلت : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله فقال : نعم الآن لا أرى شرطا . فأسلم . وروى حماد بن سلمة عن ثابت عن شهر بن حوشب عن أسماء أنها سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي إنه هو الغفور الرحيم . وفي مصحف ابن مسعود " إن الله يغفر الذنوب جميعا لمن يشاء " . قال أبو جعفر النحاس : وهاتان القراءتان على التفسير ، أي : يغفر الله لمن يشاء . وقد عرف الله - عز وجل - من شاء أن يغفر له ، وهو التائب أو من عمل صغيرة ولم تكن له كبيرة ، ودل على أنه يريد التائب ما بعده وأنيبوا إلى ربكم فالتائب مغفور له ذنوبه جميعا يدل على ذلك وإني لغفار لمن تاب فهذا لا إشكال فيه . وقال علي بن أبي طالب : ما في القرآن آية أوسع من هذه الآية : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله وقد مضى هذا في [ سبحان ] . وقال عبد الله بن عمر : وهذه أرجى آية في القرآن . فرد عليهم ابن عباس وقال : أرجى آية في القرآن قوله تعالى : وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وقد مضى في [ الرعد ] . وقرئ ولا تقنطوا بكسر النون وفتحها . وقد مضى في [ الحجر ] بيانه .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)اختلف أهل التأويل في الذين عُنُوا بهذه الآية, فقال بعضهم: عني بها قوم من أهل الشرك, قالوا لما دعوا إلى الإيمان بالله: كيف نؤمن وقد أشركنا وزنينا, وقتلنا النفس التي حرّم الله, والله يعد فاعل ذلك النار, فما ينفعنا مع ما قد سلف منا الإيمان, فنزلت هذه الآية.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد, قال ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي , عن أبيه, عن ابن عباس: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ) وذلك أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أنه من عبد الأوثان, ودعا مع الله إلها آخر, وقتل النفس التي حرّم الله لم يغفر له, فكيف نهاجر ونسلم, وقد عبدنا الآلهة, وقتلنا النفس التي حرم الله ونحن أهل الشرك؟ فأنزل الله: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ) يقول: لا تيأسوا من رحمتي, إن الله يغفر الذنوب جميعا وقال: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ وإنما يعاتب الله أولي الألباب وإنما الحلال والحرام لأهل الإيمان, فإياهم عاتب, وإياهم أمر إن أسرف أحدهم على نفسه, أن لا يقنط من رحمة الله, وأن ينيب ولا يبطئ بالتوبة من ذلك الإسراف, والذنب الذي عمل، وقد ذكر الله في سورة آل عمران المؤمنين حين سألوا الله المغفرة, فقالوا: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا فينبغي أن يعلم أنهم قد كانوا يصيبون الإسراف, فأمرهم بالتوبة من إسرافهم.حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) قال: قتل النفس في الجاهلية.حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: ثني ابن إسحاق, عن بعض أصحابه, عن عطاء بن يسار, قال: نزلت هذه الآيات الثلاث بالمدينة في وحشيّ (3) وأصحابه ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) إلى قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ .حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني أبو صخر, قال: قال زيد بن أسلم, في قوله: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ) قال: إنما هي للمشركين.حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) حتى بلغ ( الذُّنُوبَ جَمِيعًا ) قال: ذكر لنا أن أناسا أصابوا ذنوبا عظاما في الجاهلية, فلما جاء الإسلام أشفقوا أن لا يتاب عليهم, فدعاهم الله بهذه الآية: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ).حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ في قوله: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) قال: هؤلاء المشركون من أهل مكة, قالوا: كيف نجيبك وأنت تزعم أنه من زنى, أو قتل, أو أشرك بالرحمن كان هالكا من أهل النار؟ فكلّ هذه الأعمال قد عملناها، فأنزلت فيهم هذه الآية: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ).حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ) ... الآية قال: كان قوم مسخوطين في أهل الجاهلية, فلما بعث الله نبيه قالوا: لو أتينا محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فآمنا به واتبعناه، فقال بعضهم لبعض: كيف يقبلكم الله ورسوله فى دينه؟ فقالوا: ألا نبعث إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم رجلا؟ فلما بعثوا, نزل القرآن: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ) فقرأ حتى بلغ: فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ .حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن منصور, عن الشعبي, قال: تجالس شتير بن شكل ومسروق فقال شتير: إما أن تحدث ما سمعت من ابن مسعود فأصدّقك, وإما أن أحدّث فتصدّقني فقال مسروق: لا بل حدث فأصدّقك, فقال: سمعت ابن مسعود يقول: إن أكبر آية فرجا في القرآن ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ) فقال مسروق: صدقت.وقال آخرون: بل عني بذلك أهل الإسلام, وقالوا: تأويل الكلام: إن الله يغفر الذنوب جميعا لمن يشاء, قالوا: وهي كذلك في مصحف عبد الله, وقالوا: إنما نزلت هذه الآية في قوم صدّهم المشركون عن الهجرة وفتنوهم, فأشفقوا أن لا يكون لهم توبة.* ذكر من قال ذلك:حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري, قال: ثنا يحيى بن سعيد الأموي , عن ابن إسحاق, عن نافع, عن ابن عمر قال: قال يعني عمر: كنا نقول: ما لمن افتتن من توبة، وكانوا يقولون: ما الله بقابل منا شيئا, تركنا الإسلام ببلاء أصابنا بعد معرفته, فلما قدم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم المدينة أنزل الله فيهم: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّه ) ... الآية, قال عمر: فكتبتها بيدي, ثم بعثت بها إلى هشام بن العاص , قال هشام: فلما جاءتني جعلت أقرؤها ولا أفهمها, فوقع في نفسي أنها أنزلت فينا لما كنا نقول, فجلست على بعيري, ثم لحقت بالمدينة.حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: ثني محمد بن إسحاق, عن نافع, عن ابن عمر, قال: إنما أنزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة, والوليد بن الوليد, ونفر من المسلمين, كانوا أسلموا ثم فتنوا وعذّبوا, فافتنوا، كنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفا ولا عدلا أبدا، قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عُذّبوه, فنزلت هؤلاء الآيات, وكان عمر بن الخطاب كاتبا، قال: فكتبها بيده ثم بعث بها إلى عَيَّاش بن أبي ربيعة, والوليد بن الوليد, إلى أولئك النفر, فأسلموا وهاجروا.حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن علية, قال: ثنا يونس, عن ابن سيرين, قال: قال عليّ رضي الله عنه : أي آية في القرآن أوسع ؟ فجعلوا يذكرون آيات من القرآن: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا . ونحوها, فقال علي: ما في القرآن آية أوسع من: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) ... إلى آخر الآية.حدثنا أبو السائب, قال: ثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن أبي سعيد الأزدي, عن أبي الكنود, قال: دخل عبد الله المسجد, فإذا قاصّ يذكر النار والأغلال, قال: فجاء حتى قام على رأسه, فقال ما يذكر أتقنط الناس ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) ... الآية.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني أبو صخر, عن القرظي أنه قال في هذه الآية: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ) قال: هي للناس أجمعين.حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة, قال: ثنا حجاج, قال: ثنا ابن لهيعة, عن أبي قنبل, قال: سمعت أبا عبد الرحمن المزني يقول: ثني أبو عبد الرحمن الجلائي, أنه سمع ثوبان مولى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: سمعت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: " ما أُحِبُّ أنَّ لِي الدُّنْيَا وَمَا فِيها بهذه الآية: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ )"... الآية, فقال رجل: يا رسول الله, ومن أشرك ؟ فسكت النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , ثم قال: " ألا وَمَنْ أشْرَكَ, ألا ومَنْ أشْرَكَ, ثلاث مرات ".وقال آخرون: نزل ذلك في قوم كانوا يرون أهل الكبائر من أهل النار, فأعلمهم الله بذلك أنه يغفر الذنوب جميعا لمن يشاء.* ذكر من قال ذلك:حدثني ابن البرقي, قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة, قال: ثنا أبو معاذ الخراساني, عن مقاتل بن حيان, عن نافع, عن ابن عمر, قال: كنا معشر أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم نرى أو نقول: إنه ليس شيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة, حتى نزلت هذه الآية أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش, قال: فكنا إذا رأينا من أصاب شيئا منها قلنا: قد هلك, حتى نزلت هذه الآية إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ فلما نزلت هذه الآية كففنا عن القول في ذلك, فكنا إذا رأينا أحدا أصاب منها شيئا خفنا عليه, إن لم يصب منها شيئا رجونا له.وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عنى تعالى ذكره بذلك جميع من أسرف على نفسه من أهل الإيمان والشرك, لأن الله عم بقوله ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) جميع المسرفين, فلم يخصص به مسرفا دون مسرف.فإن قال قائل: فيغفر الله الشرك؟ قيل: نعم إذا تاب منه المشرك. وإنما عنى بقوله ( إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ) لمن يشاء, كما قد ذكرنا قبل, أن ابن مسعود كان يقرؤه: وأن الله قد استثنى منه الشرك إذا لم يتب منه صاحبه, فقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ , فأخبر أنه لا يغفر الشرك إلا بعد توبة بقوله: إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا . فأما ما عداه فإن صاحبه في مشيئة ربه, إن شاء تفضل عليه, فعفا له عنه, وإن شاء عدل عليه فجازاه به.وأما قوله: ( لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ) فإنه يعني: لا تيأسوا من رحمة الله. كذلك حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس.وقد ذكرنا ما في ذلك من الروايات قبل فيما مضى وبيَّنا معناه.وقوله: ( إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ) يقول: إن الله يستر على الذنوب كلها بعفوه عن أهلها وتركه عقوبتهم عليها إذا تابوا منها( إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) بهم, أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها.-----------------الهوامش :(3) هو وحشي بن حرب الحبشي مولى جبير بن مطعم ، وهو قاتل حمزة بن عبد المطلب في غزوة أحد ، وكان فاتكا يشرب الخمر ثم أسلم بعد . ( انظر خلاصة الخزرجي ) .
وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ  ٥٤
التفسير الميسروارجعوا إلى ربكم- أيها الناس- بالطاعة والتوبة، واخضعوا له من قبل أن يقع بكم عقابه، ثم لا ينصركم أحد من دون الله.
تفسير السعديولهذا أمر تعالى بالإنابة إليه، والمبادرة إليها فقال: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ بقلوبكم وَأَسْلِمُوا لَهُ بجوارحكم، إذا أفردت الإنابة، دخلت فيها أعمال الجوارح، وإذا جمع بينهما، كما في هذا الموضع، كان المعنى ما ذكرنا.وفي قوله إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ دليل على الإخلاص، وأنه من دون إخلاص، لا تفيد الأعمال الظاهرة والباطنة شيئا. مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ مجيئا لا يدفع ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ فكأنه قيل: ما هي الإنابة والإسلام؟ وما جزئياتها وأعمالها؟
تفسير ابن كثيرثم استحث [ سبحانه ] وتعالى عباده إلى المسارعة إلى التوبة ، فقال : ( وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ) أي : ارجعوا إلى الله واستسلموا له ، ( من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون ) أي : بادروا بالتوبة والعمل الصالح قبل حلول النقمة ، .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وأنيبوا إلى ربكم أي ارجعوا إليه بالطاعة . لما بين أن من تاب من الشرك يغفر له أمر بالتوبة والرجوع إليه ، والإنابة الرجوع إلى الله بالإخلاص . وأسلموا له أي اخضعوا له وأطيعوا من قبل أن يأتيكم العذاب في الدنيا ثم لا تنصرون أي لا تمنعون من عذابه . وروي من حديث جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من السعادة أن يطيل الله عمر المرء في الطاعة ويرزقه الإنابة ، وإن من الشقاوة أن يعمل المرء ويعجب بعمله .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (54)يقول تعالى ذكره: وأقبلوا أيها الناس إلى ربكم بالتوبة, وارجعوا إليه بالطاعة له, واستجيبوا له إلى ما دعاكم إليه من توحيده, وإفراد الألوهة له, وإخلاص العبادة له.كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ ) : أي أقبلوا إلى ربكم.حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَأَنِيبُوا ) قال: أجيبوا.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ ) قال: الإنابة: الرجوع إلى الطاعة, والنزوع عما كانوا عليه, ألا تراه يقول: مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ .وقوله: ( وَأَسْلِمُوا لَهُ ) يقول: واخضعوا له بالطاعة والإقرار بالدين الحنيفي ( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ) من عنده على كفركم به.( ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ) يقول: ثم لا ينصركم ناصر, فينقذكم من عذابه النازل بكم.
وَٱتَّبِعُوٓاْ أَحۡسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ بَغۡتَةٗ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ  ٥٥
التفسير الميسرواتبعوا أحسن ما أُنزل إليكم من ربكم، وهو القرآن العظيم، وكله حسن، فامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهية من قبل أن يأتيكم العذاب فجأة، وأنتم لا تعلمون به.
تفسير السعديفأجاب تعالى بقوله: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مما أمركم من الأعمال الباطنة، كمحبة اللّه، وخشيته، وخوفه، ورجائه، والنصح لعباده، ومحبة الخير لهم، وترك ما يضاد ذلك.ومن الأعمال الظاهرة، كالصلاة، والزكاة والصيام، والحج، والصدقة، وأنواع الإحسان، ونحو ذلك، مما أمر اللّه به، وهو أحسن ما أنزل إلينا من ربنا، فالمتبع لأوامر ربه في هذه الأمور ونحوها هو المنيب المسلم،. مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ وكل هذا حثٌّ على المبادرة وانتهاز الفرصة.
تفسير ابن كثير( واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ) وهو القرآن العظيم ، ( من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون ) أي : من حيث لا تعلمون ولا تشعرون .
تفسير القرطبيقوله تعالى : واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون أحسن ما أنزل هو القرآن وكله حسن ، والمعنى ما قال الحسن : التزموا طاعته ، واجتنبوا معصيته . وقال السدي : الأحسن ما أمر الله به في كتابه . وقال ابن زيد : يعني المحكمات ، وكلوا علم المتشابه إلى علمه . وقال : أنزل الله كتب التوراة والإنجيل والزبور ، ثم أنزل القرآن وأمر باتباعه فهو الأحسن وهو المعجز . وقيل : هذا أحسن لأنه ناسخ قاض على جميع الكتب ، وجميع الكتب منسوخة . وقيل : يعني العفو ; لأن الله تعالى خير نبيه - عليه السلام - بين العفو والقصاص . وقيل : ما علم الله النبي - عليه السلام - وليس بقرآن فهو حسن ، وما أوحى إليه من القرآن فهو الأحسن . وقيل : أحسن ما أنزل إليكم من أخبار الأمم الماضية .
تفسير الطبريوقوله: ( وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) يقول تعالى ذكره: واتبعوا أيها الناس ما أمركم به ربكم في تنزيله, واجتنبوا ما نهاكم فيه عنه, وذلك هو أحسن ما أنزل إلينا من ربنا.فإن قال قائل: ومن القرآن شيء وهو أحسن من شيء؟ قيل له: القرآن كله حسن, وليس معنى ذلك ما توهمت, وإنما معناه: واتبعوا مما أنزل إليكم ربكم من الأمر والنهي والخبر, والمثل, والقصص, والجدل, والوعد, والوعيد أحسنه أن تأتمروا لأمره, وتنتهوا عما نهى عنه, لأن النهي مما أنزل في الكتاب, فلو عملوا بما نهوا عنه كانوا عاملين بأقبحه, فذلك وجهه.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) يقول: ما أمرتم به في الكتاب ( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ) قوله: ( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً ) يقول: من قبل أن يأتيكم عذاب الله فجأة ( وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) يقول: وأنتم لا تعلمون به حتى يغشاكم فجأة.
أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ  ٥٦
التفسير الميسروأطيعوا ربكم وتوبوا إليه حتى لا تندم نفس وتقول: يا حسرتى على ما ضيَّعت في الدنيا من العمل بما أمر الله به، وقصَّرت في طاعته وحقه، وإن كنت في الدنيا لمن المستهزئين بأمر الله وكتابه ورسوله والمؤمنين به.
تفسير السعديثم حذرهم أَن يستمروا على غفلتهم، حتى يأتيهم يوم يندمون فيه، ولا تنفع الندامة.و تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ أي: في جانب حقه. وَإِنْ كُنْت في الدنيا لَمِنَ السَّاخِرِينَ في إتيان الجزاء، حتى رأيته عيانا.
تفسير ابن كثيرثم قال : ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) أي : يوم القيامة يتحسر المجرم المفرط في التوبة والإنابة ، ويود لو كان من المحسنين المخلصين المطيعين لله - عز وجل - .وقوله : ( وإن كنت لمن الساخرين ) أي : إنما كان عملي في الدنيا عمل ساخر مستهزئ غير موقن مصدق .
تفسير القرطبيقوله تعالى : أن تقول نفس أن في موضع نصب أي : كراهة أن تقول . وعند الكوفيين لئلا تقول وعند البصريين حذر أن تقول . وقيل : أي : من قبل أن تقول نفس لأنه قال قيل هذا : من قبل أن يأتيكم العذاب الزمخشري : فإن قلت : لم نكرت ؟ قلت : لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكافر . ويجوز أن يريد نفسا متميزة من الأنفس ، إما بلجاج في الكفر شديد ، أو بعقاب عظيم . ويجوز أن يراد التكثير كما قال الأعشى :ورب بقيع لو هتفت بجوه أتاني كريم ينفض الرأس مغضباوهو يريد أفواجا من الكرام ينصرونه لا كريما واحدا ، ونظيره : رب بلد قطعت ، ورب بطل قارعت ، ولا يقصد إلا التكثير . يا حسرتا والأصل " يا حسرتي " فأبدل من الياء ألف ; لأنها أخف وأمكن في الاستغاثة بمد الصوت ، وربما ألحقوا بها الهاء ، أنشد الفراء :يا مرحباه بحمار ناجيه إذا أتى قربته للسانيهوربما ألحقوا بها الياء بعد الألف ، لتدل على الإضافة . وكذلك قرأها أبو جعفر : " يا حسرتاي " والحسرة الندامةعلى ما فرطت في جنب الله قال الحسن : في طاعة الله . وقال الضحاك : أي : في ذكر الله عز وجل . قال : يعني القرآن والعمل به . وقال أبو عبيدة : في جنب الله أي : في ثواب الله . وقال الفراء : الجنب القرب والجوار ، يقال : فلان يعيش في جنب فلان أي : في جواره ، ومنه والصاحب بالجنب أي : ما فرطت في طلب جواره وقربه وهو الجنة . وقال الزجاج : أي : على ما فرطت في الطريق الذي هو طريق الله الذي دعاني إليه . والعرب تسمي السبب والطريق إلى الشيء جنبا ، تقول : تجرعت في جنبك غصصا ، أي : لأجلك وسببك ولأجل مرضاتك . وقيل : في جنب الله أي : في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله - عز وجل - وثوابه ، والعرب تسمي الجانب جنبا ، قال الشاعر :قسم مجهودا لذاك القلب الناس جنب والأمير جنبيعني الناس من جانب والأمير من جانب . وقال ابن عرفة : أي : تركت من أمر الله ، يقال : ما فعلت ذلك في جنب حاجتي ، قال كثير :ألا تتقين الله في جنب عاشق له كبد حرى عليك تقطعوكذا قال مجاهد ، أي : ضيعت من أمر الله . ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ما جلس رجل مجلسا ، ولا مشى ممشى ، ولا اضطجع مضطجعا لم يذكر الله - عز وجل - فيه إلا كان عليه ترة يوم القيامة أي : حسرة ، خرجه أبو داود بمعناه . وقال إبراهيم التيمي : من الحسرات يوم القيامة أن يرى الرجل ماله الذي آتاه الله في الدنيا يوم القيامة في ميزان غيره ، قد ورثه وعمل فيه بالحق ، كان له أجره وعلى الآخر وزره ، ومن الحسرات أن يرى الرجل عبده الذي خوله الله إياه في الدنيا أقرب منزلة من الله عز وجل ، أو يرى رجلا يعرفه أعمى في الدنيا قد أبصر يوم القيامة وعمي هو .وإن كنت لمن الساخرين أي وما كنت إلا من المستهزئين بالقرآن وبالرسول في الدنيا وبأولياء الله تعالى . قال قتادة : لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها . ومحل " إن كنت " النصب على الحال ، كأنه قال : فرطت وأنا ساخر ، أي : فرطت في حال سخريتي . وقيل : وما كنت إلا في سخرية ولعب وباطل ، أي : ما كان سعيي إلا في عبادة غير الله تعالى .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)يقول تعالى ذكره: وأنيبوا إلى ربكم, وأسلموا له ( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ ) بمعنى لئلا تقول نفس ( يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ) , وهو نظير قوله: وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ بمعنى: أن لا تميد بكم, فأن, إذ كان ذلك معناه, في موضع نصب.وقوله ( يَا حَسْرَتَا ) يعني أن تقول: يا ندما.كما حدثني محمد بن الحسين, قال: ثني أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ في قوله: ( يَا حَسْرَتَا ) قال: الندامة, والألف في قوله ( يَا حَسْرَتَا ) هي كناية المتكلم, وإنما أريد: يا حسرتي ، ولكن العرب تحوّل الياء فى كناية اسم المتكلم في الاستغاثة ألفا, فتقول: يا ويلتا, ويا ندما, فيخرجون ذلك على لفظ الدعاء, وربما قيل: يا حسرة على العباد, كما قيل: يا لهف, ويا لهفا عليه, وذكر الفراء أن أبا ثَرْوان أنشده:تَزُورُونَهَا وَلا أزُورُ نِسَاءَكُمْألْهفَ لأوْلادِ الإماء الحَوَاطِبِ (4)خفضا كما يخفض في النداء إذا أضافه المتكلم إلى نفسه, وربما أدخلوا الهاء بعد هذه الألف, فيخفضونها أحيانا, ويرفعونها أحيانا، وذكر الفراء أن بعض بني أسد أنشد:يَا رَبّ يا رَبَّاهُ إيَّاكَ أسَلْعَفْرَاءَ يا رَبَّاهُ مِنْ قَبْلِ الأجَلْ (5)خفضا, قال: والخفض أكثر في كلامهم, إلا في قولهم: يا هَناه, ويا هَنْتاه, فإن الرفع فيها أكثر من الخفض, لأنه كثير في الكلام, حتى صار كأنه حرف واحد.وقوله: ( عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ) يقول على ما ضيعت من العمل بما أمرني الله به, وقصرت في الدنيا في طاعة الله.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد, قال. ثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزّة, عن مجاهد في قوله ( يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ) يقول: في أمر الله.حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال. ثنا ورقاء جميعا، عن أبن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ) قال: في أمر الله.حدثنا محمد, قال. ثنا أحمد قال ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ) قال: تركت من أمر الله.وقوله: ( وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ) يقول: وإن كنت لمن المستهزئين بأمر الله وكتابه ورسوله والمؤمنين به.وبنحو الذي قلنا فى ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتاده في قوله: ( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ) قال: فلم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى جعل يسخر بأهل طاعة الله, قال: هذا قول صنف منهم.حدثنا محمد, قال. ثنا أحمد, قال ثنا أسباط, عن السديّ( وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ) يقول: من المستهزئين بالنبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وبالكتاب, وبما جاء به.------------------------الهوامش:(4) البيت لأبي ثروان العكلي . وهو من شواهد الفراء في معاني القرآن ( الورقة 285 ) قال : وقوله" يا حسرتا ، يا ويلتا" مضاف إلى المتكلم : يحول العرب الياء إلى الألف في كل كلام كان معناه الاستغاثة ، يخرج على لفظ الدعاء . وربما قالوا : يا حسرة ، كما قالوا : يا لهف على فلان ، ويا لهفا عليه . قال : أنشدني أبو ثروان العكلي : تزورونها ولا أزور .... البيت" ا ه . فخفض كما يخفض المنادي إذا أضافه المتكلم إلى نفسه . والإماء : الجواري من الرقيق يتخذن للخدمة والعمل عند ساداتهم واحدها أمة . والحواطب : جمع حاطبة ، وهي التي ترسل في جمع الحطب للوقود . واللهف بسكون الهاء وفتحها : الأسف والحزن والغيظ .(5) البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن ( الورقة 286 ) قال بعد كلامه الذي نقلناه في الشاهد السابق في إعراب المضاف إلى ياء المتكلم بعد حذف الياء ، أو قلبها ألفا : وربما أدخلت العرب الهاء ( التي للسكت ) بعد الألف التي في" حسرتا" فيخفضونها مرة ، ويرفعونها . قال : أنشدني أبو فقعس لبعض بن أسد :" يا رب يا رباه أسل ... البيتين" . فخفض . قال : وأنشدني أبو فقعس :يا مَرْحباهُ بِجِمارِ ناهِيةْذَا أتى قَرَّبْتُهُ للسَّانِيَهْوالخفض أكثر في كلام العرب إلا في قولهم : يا هناه ، ويا هنيتاه ، والرفع في هذا أكثر من الخفض ، لأنه كثير في الكلام ، فكأنه حرف واحد مدعو (أي كأن اللفظ كله صار كلمة واحدة في النداء) . وفي خزانة الأدب الكبرى للبغدادي ( 3 : 263 ) : وهذا من رجز أورده أبو محمد الأسود الأعرابي في ضالة الأديب ، ولم ينسبه إلى أحد . وفيها أيضا : وقال الزمخشري في المفصل : وحق هاء السكت أن تكون ساكنة ،وتحريكها لحن ، نحو ما في إصلاح المنطق لابن السكيت ، من قوله :* يا مرحباه بجمار ناجيه ، مما لا معرج عليه للقياس ، واستعمال الفصحاء . ومعذرة من قال ذلك : أنه أجرى الوصل مجرى الوقف ، مع تشبيه هاء الوقف بهاء الضمير . ا ه
من نحن

موقع الحياة بالإسلام هو موقع إسلامي، يقدم لكم العديد من المواضيع الاسلامية على منهاج الكتاب و السنة، كما يتضمن بعض قراءات القران الكريم بالرسم العثماني بأصوات اشهر القراء حول العالم

عرض المزيد
إشارات

التين , سُورَةُ هُودٍ , سُورَةُ الجُمُعَةِ , الكوثر , معيض الحارثي , القارئ سيلمان الشبيبي , القارئ عبدالرحمن الشحات , محمد عبدالحكيم سعيد العبدالله , قراءة يعقوب الحضرمي بروايتي رويس وروح , المصحف المعلم , قالون عن نافع من طريق أبي نشيط , خلف عن حمزة ,

عرض المزيد