۞ وَيَٰقَوۡمِ مَا لِيٓ أَدۡعُوكُمۡ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدۡعُونَنِيٓ إِلَى ٱلنَّارِ ٤١التفسير الميسرويا قوم كيف أدعوكم إلى الإيمان بالله واتباع رسوله موسى، وهي دعوة تنتهي بكم إلى الجنة والبعد عن أهوال النار، وأنتم تدعونني إلى عمل يؤدي إلى عذاب الله وعقوبته في النار؟
تفسير السعدي وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ بما قلت لكم وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ بترك اتباع نبي الله موسى عليه السلام.
تفسير ابن كثيريقول لهم المؤمن : ما بالي أدعوكم إلى النجاة ، وهي عبادة الله وحده لا شريك له وتصديق رسوله الذي بعثه
تفسير القرطبيقوله تعالى : ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة أي إلى طريق الإيمان الموصل إلى الجنان وتدعونني إلى النار بين أن ما قال فرعون من قوله : وما أهديكم إلا سبيل الرشاد سبيل الغي عاقبته النار ، وكانوا دعوه إلى اتباعه . ولهذا قال :
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41)يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هذا المؤمن لقومه من الكفرة: ( مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ ) من عذاب الله وعقوبته بالإيمان به, واتباع رسوله موسى, وتصديقه فيما جاءكم به من عند ربه ( وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ) يقول: وتدعونني إلى عمل أهل النار.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ ) قال: الإيمان بالله.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ) قال هذا مومن آل فرعون, قال: يدعونه إلى دينهم والإقامة معهم.
تَدۡعُونَنِي لِأَكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشۡرِكَ بِهِۦ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞ وَأَنَا۠ أَدۡعُوكُمۡ إِلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡغَفَّٰرِ ٤٢التفسير الميسرتدعونني لأكفر بالله، وأشرك به ما ليس لي به علم أنه يستحق العبادة من دونه- وهذا من أكبر الذنوب وأقبحها- وأنا أدعوكم إلى الطريق الموصل إلى الله العزيز في انتقامه، الغفار لمن تاب إليه بعد معصيته.
تفسير السعديثم فسر ذلك فقال: تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ أنه يستحق أن يعبد من دون الله، والقول على الله بلا علم من أكبر الذنوب وأقبحها، وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الذي له القوة كلها، وغيره ليس بيده من الأمر شيء. الْغَفَّارُ الذي يسرف العباد على أنفسهم ويتجرؤون على مساخطه ثم إذا تابوا وأنابوا إليه، كفر عنهم السيئات والذنوب، ودفع موجباتها من العقوبات الدنيوية والأخروية.
تفسير ابن كثير( وتدعونني إلى النار تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم ) أي : جهل بلا دليل ( وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار ) أي : هو في عزته وكبريائه يغفر ذنب من تاب إليه ،
تفسير القرطبيتدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وهو فرعون وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار
تفسير الطبريوقوله: ( تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ) يقول: وأشرك بالله في عبادته أوثانا, لست أعلم أنه يصلح لي عبادتها وإشراكها فى عبادة الله, لأن الله لم يأذن لي في ذلك بخبر ولا عقل.وقوله: ( وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ) يقول: وأنا أدعوكم إلى عبادة العزيز في انتقامه ممن كفر به, الذي لا يمنعه إذا انتقم من عدوّ له شيء, الغفار لمن تاب إليه بعد معصيته إياه, لعفوه عنه, فلا يضرّه شيء مع عفوه عنه, يقول: فهذا الذي هذه الصفة صفته فاعبدوا, لا ما لا ضرّ عنده ولا نفع.
لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِ لَيۡسَ لَهُۥ دَعۡوَةٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَلَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ هُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ ٤٣التفسير الميسرحقًا أن ما تدعونني إلى الاعتقاد به لا يستحق الدعوة إليه، ولا يُلجأ إليه في الدنيا ولا في الآخرة لعجزه ونقصه، واعلموا أن مصير الخلائق كلها إلى الله سبحانه، وهو يجازي كل عامل بعمله، وأن الذين تعدَّوا حدوده بالمعاصي وسفك الدماء والكفر هم أهل النار.
تفسير السعدي لَا جَرَمَ أي: حقًا يقينًا أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ أي: لا يستحق من الدعوة إليه، والحث على اللجأ إليه، في الدنيا ولا في الآخرة، لعجزه ونقصه، وأنه لا يملك نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياة، ولا نشورًا. وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ تعالى فسيجازي كل عامل بعمله. وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ وهم الذين أسرفوا على أنفسهم بالتجرؤ على ربهم بمعاصيه والكفر به، دون غيرهم.فلما نصحهم وحذرهم وأنذرهم ولم يطيعوه ولا وافقوه قال لهم:
تفسير ابن كثير( لا جرم أنما تدعونني إليه ) يقول : حقا .قال السدي وابن جرير : معنى قوله : ( لا جرم ) حقا .وقال الضحاك : ( لا جرم ) لا كذب .وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( لا جرم ) يقول : بلى ، إن الذي تدعونني إليه من الأصنام والأنداد ( ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة )قال مجاهد : الوثن ليس بشيء .وقال قتادة : يعني الوثن لا ينفع ولا يضر .وقال السدي : لا يجيب داعيه ، لا في الدنيا ولا في الآخرة .وهذا كقوله تعالى : ( ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ) [ الأحقاف : 5 ، 6 ] ، ( إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ) [ فاطر : 14 ] .وقوله : ( وأن مردنا إلى الله ) أي : في الدار الآخرة ، فيجازي كلا بعمله ; ولهذا قال : ( وأن المسرفين هم أصحاب النار ) أي : خالدين فيها بإسرافهم ، وهو شركهم بالله .
تفسير القرطبيلا جرم تقدم الكلام فيه ، ومعناه حقا أنما تدعونني إليه ما بمعنى الذي ليس له دعوة قال الزجاج : ليس له استجابة دعوة تنفع ، وقال غيره : ليس له دعوة توجب له الألوهية في الدنيا ولا في الآخرة وقال الكلبي : ليس له شفاعة في الدنيا ولا في الآخرة . وكان فرعون أولا يدعو الناس إلى عبادة الأصنام ، ثم دعاهم إلى عبادة البقر ، فكانت تعبد ما كانت شابة ، فإذا هرمت أمر بذبحها ، ثم دعا بأخرى لتعبد ، ثم لما طال عليه الزمان قال أنا ربكم الأعلى .وأن المسرفين هم أصحاب النار قال قتادة وابن سيرين يعني المشركين . وقال مجاهد والشعبي : هم السفهاء والسفاكون للدماء بغير حقها . وقال عكرمة : الجبارون والمتكبرون . وقيل : هم الذي تعدوا حدود الله . وهذا جامع لما ذكر . و " أن " في المواضع في موضع نصب بإسقاط حرف الجر . وعلى ما حكاه سيبويه عن الخليل من أن لا جرم رد لكلام يجوز أن يكون موضع أن رفعا على تقدير : وجب أن ما تدعونني إليه ، كأنه قال : وجب بطلان ما تدعونني إليه ، والمرد إلى الله ، وكون المسرفين هم أصحاب النار .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43)يقول: حقا أن الذي تدعونني إليه من الأوثان, ليس له دعاء في الدنيا ولا في الآخرة, لأنه جماد لا ينطق, ولا يفهم شيئا.و بنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى, وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا ) قال: الوثن ليس بشيء.حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ ) : أي لا ينفع ولا يضرّ.حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ ) (1) .وقوله: ( وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ ) يقول: وأن مرجعنا ومنقلبنا بعد مماتنا إلى الله ( وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ) يقول: وإن المشركين بالله المتعدّين حدوده, القتلة النفوس التي حرم الله قتلها, هم أصحاب نار جهنم عند مرجعنا إلى الله.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في معنى المسرفين في هذا الموضع, فقال بعضهم: هم سفاكو الدماء بغير حقها.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد, قال: ثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد, في قوله: ( وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ) قال: هم السفَّاكون الدماء بغير حقها.حدثنا عليّ بن سهل, قال: ثنا حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد في قول الله ( وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ) قال: هم السفاكون الدماء بغير حقها.حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ ) قال: السفاكون الدماء بغير حقها, هم أصحاب النار.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ) قال: سماهم الله مسرفين, فرعون ومن معه.وقال آخرون: هم المشركون.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة,( وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ) : أي المشركون. وقد بيَّنا معنى الإسراف فيما مضى قبل بما فيه الكفاية من إعادته في هذا الموضع.وإنما اخترنا في تأويل ذلك في هذا الموضع ما اخترنا, لأن قائل هذا القول لفرعون وقومه, إنما قصد فرعون به لكفره, وما كان همّ به من قتل موسى, وكان فرعون عاليا عاتيا في كفر. سفاكا للدماء التي كان محرّما عليه سفكها, وكلّ ذلك من الإسراف, فلذلك اخترنا ما اخترنا من التأويل في ذلك.------------------------الهوامش:(1) سقط التفسير من قلم الناسخ ، والذي في ابن كثير عنه :" لا يجيب داعيه ، لا في الدنيا ولا في الآخرة" . ا ه .
فَسَتَذۡكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمۡۚ وَأُفَوِّضُ أَمۡرِيٓ إِلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٤٤التفسير الميسرفلما نصحهم ولم يطيعوه قال لهم: فستذكرون أني نصحت لكم وذكَّرتكم، وسوف تندمون حيث لا ينفع الندم، وألجأ إلى الله، وأعتصم به، وأتوكل عليه. إن الله سبحانه وتعالى بصير بأحوال العباد، وما يستحقونه من جزاء، لا يخفى عليه شيء منها.
تفسير السعدي فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ من هذه النصيحة، وسترون مغبة عدم قبولها حين يحل بكم العقاب، وتحرمون جزيل الثواب. وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ أي: ألجأ إليه وأعتصم، وألقي أموري كلها لديه، وأتوكل عليه في مصالحي ودفع الضرر الذي يصيبني منكم أو من غيركم. إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ يعلم أحوالهم وما يستحقون، يعلم حالي وضعفي فيمنعني منكم ويكفيني شركم، ويعلم أحوالكم فلا تتصرفون إلا بإرادته ومشيئته، فإن سلطكم علي،َّ فبحكمة منه تعالى، وعن إرادته ومشيئته صدر ذلك.
تفسير ابن كثير( فستذكرون ما أقول لكم ) أي : سوف تعلمون صدق ما أمرتكم به ونهيتكم عنه ، ونصحتكم ووضحت لكم ، وتتذكرونه ، وتندمون حيث لا ينفعكم الندم ، ( وأفوض أمري إلى الله ) أي : وأتوكل على الله وأستعينه ، وأقاطعكم وأباعدكم ، ( إن الله بصير بالعباد ) أي : هو بصير بهم ، فيهدي من يستحق الهداية ، ويضل من يستحق الإضلال ، وله الحجة البالغة ، والحكمة التامة ، والقدر النافذ .
تفسير القرطبيقوله تعالى : فستذكرون ما أقول لكم تهديد ووعيد . و " ما " يجوز أن تكون بمعنى الذي أي : الذي أقوله لكم . ويجوز أن تكون مصدرية أي : فستذكرون قولي لكم إذا حل بكم العذاب . وأفوض أمري إلى الله أي أتوكل عليه وأسلم أمري إليه . وقيل : هذا يدل على أنهم أرادوا قتله . وقال مقاتل : هرب هذا المؤمن إلى الجبل فلم يقدروا عليه . وقد قيل : القائل موسى . والأظهر أنه مؤمن آل فرعون ، وهو قول ابن عباس .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44)يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمن من آل فرعون لفرعون وقومه: فستذكرون أيها القوم إذا عاينتم عقاب الله قد حل بكم, ولقيتم ما لقيتموه صدق ما أقول, وحقيقة ما أخبركم به من أن المسرفين هم أصحاب النار.كما حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ) , فقلت له: أو ذلك في الأخرة؟ قال: نعم.وقوله: ( وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ) يقول: وأسلم أمري إلى الله, وأجعله إليه وأتوكل عليه, فإنه الكافي من توكل عليه.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ) قال: أجعل أمري إلى الله.وقوله: ( إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ) يقول: إن الله عالم بأمور عباده, ومن المطيع منهم, والعاصي له, والمستحق جميل الثواب, والمستوجب سيئ العقاب.
فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُواْۖ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ ٤٥التفسير الميسرفوقى الله سبحانه ذلك الرجل المؤمن الموفَّق عقوبات مكر فرعون وآله، وحلَّ بهم سوء العذاب حيث أغرقهم الله عن آخرهم.
تفسير السعدي فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا أي: وقى الله القويّ الرحيم، ذلك الرجل المؤمن الموفق، عقوبات ما مكر فرعون وآله له، من إرادة إهلاكه وإتلافه، لأنه بادأهم بما يكرهون، وأظهر لهم الموافقة التامة لموسى عليه السلام، ودعاهم إلى ما دعاهم إليه موسى، وهذا أمر لا يحتملونه وهم الذين لهم القدرة إذ ذاك، وقد أغضبهم واشتد حنقهم عليه، فأرادوا به كيدًا فحفظه الله من كيدهم ومكرهم وانقلب كيدهم ومكرهم، على أنفسهم، وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ أغرقهم الله تعالى في صبيحة واحدة عن آخرهم.
تفسير ابن كثيروقوله [ تعالى ] : ( فوقاه الله سيئات ما مكروا ) أي : في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا فنجاه الله مع موسى - عليه السلام - وأما في الآخرة فبالجنة ( وحاق بآل فرعون سوء العذاب ) وهو : الغرق في اليم ، ثم النقلة منه إلى الجحيم .
تفسير القرطبيقوله تعالى : فوقاه الله سيئات ما مكروا أي من إلحاق أنواع العذاب به فطلبوه فما وجدوه ; لأنه فوض أمره إلى الله . قال قتادة : كان قبطيا فنجاه الله مع بني إسرائيل . فالهاء على هذا لمؤمن آل فرعون . وقيل : إنها لموسى على ما تقدم من الخلاف . وحاق بآل فرعون سوء العذاب قال الكسائي : يقال حاق يحيق حيقا وحيوقا إذا نزل ولزم . ثم بين العذاب فقال :
تفسير الطبريوقوله: ( فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ) يقول تعالى ذكره: فدفع الله عن هذا المؤمن من آل فرعون بإيمانه وتصديق رسوله موسى, مكروه ما كان فرعون ينال به أهل الخلاف عليه من العذاب والبلاء, فنجاه منه.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ) قال: وكان قبطيا من قوم فرعون, فنجا مع موسى, قال: وذكر لنا أنه بين يدي موسى يومئذ يسير ويقول: أين أمرت يا نبيّ الله؟ فيقول: أمامك, فيقول له المؤمن: وهل أمامي إلا البحر؟ فيقول موسى: لا والله ما كَذبتُ ولا كُذبتُ, ثم يسير ساعة ويقول: أين أمرت يا نبيّ الله؟ فيقول: أمامك, فيقول: وهل أمامي إلا البحر, فيقول: لا والله ما كذبت, ولا كذبت, حتى أتى على البحر فضربه بعصاه, فانفلق اثني عشر طريقا, لكل سبط طريق.وقوله: ( وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ) يقول: وحل بآل فرعون ووجب عليهم; وعني بآل فرعون في هذا الموضع تباعه وأهل طاعته من قومه.كما حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ في قول الله: ( وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ) قال: قوم فرعون.وعني بقوله: ( سُوءَ الْعَذَابِ ) : مأ ساءهم من عذاب الله, وذلك نار جهنم .
ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّٗا وَعَشِيّٗاۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ ٤٦التفسير الميسرلقد أصابهم الغرق أولا وهلكوا، ثم يُعذَّبون في قبورهم حيث النار، يُعرضون عليها صباحًا ومساء إلى وقت الحساب، ويوم تقوم الساعة يقال: أدخلوا آل فرعون النار؛ جزاء ما اقترفوه من أعمال السوء. وهذه الآية أصل في إثبات عذاب القبر.
تفسير السعديوفي البرزخ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ فهذه العقوبات الشنيعة، التي تحل بالمكذبين لرسل الله، المعاندين لأمره.
تفسير ابن كثيرفإن أرواحهم تعرض على النار صباحا ومساء إلى قيام الساعة ، فإذا كان يوم القيامة اجتمعت أرواحهم وأجسادهم في النار ; ولهذا قال : ( ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) أي : أشده ألما وأعظمه نكالا . وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور ، وهي قوله : ( النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ) .ولكن هاهنا سؤال ، وهو أنه لا شك أن هذه الآية مكية ، وقد استدلوا بها على عذاب القبر في البرزخ ، وقد قال الإمام أحمد :حدثنا هاشم - هو ابن القاسم أبو النضر - حدثنا إسحاق بن سعيد - هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص - حدثنا سعيد - يعني أباه - عن عائشة أن يهودية كانت تخدمها فلا تصنع عائشة إليها شيئا من المعروف إلا قالت لها اليهودية : وقاك الله عذاب القبر . قالت : فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي فقلت : يا رسول الله ، هل للقبر عذاب قبل يوم القيامة ؟ قال : " لا وعم ذلك ؟ " قالت : هذه اليهودية ، لا نصنع إليها شيئا من المعروف إلا قالت : وقاك الله عذاب القبر . قال : " كذبت يهود . وهم على الله أكذب ، لا عذاب دون يوم القيامة " . ثم مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث ، فخرج ذات يوم نصف النهار مشتملا بثوبه ، محمرة عيناه ، وهو ينادي بأعلى صوته : " القبر كقطع الليل المظلم - أيها الناس - لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا وضحكتم قليلا - أيها الناس - استعيذوا بالله من عذاب القبر ، فإن عذاب القبر حق " .وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم ، ولم يخرجاه .وروى أحمد : حدثنا يزيد ، حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة - قال : سألتها امرأة يهودية فأعطتها ، فقالت لها : أعاذك الله من عذاب القبر . فأنكرت عائشة ذلك ، فلما رأت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت له ، فقال : " لا " . قالت عائشة : ثم قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك : " وإنه أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم " .وهذا أيضا على شرطهما .فيقال : فما الجمع بين هذا وبين كون الآية مكية ، وفيها الدليل على عذاب البرزخ ؟ والجواب : أن الآية دلت على عرض الأرواح إلى النار غدوا وعشيا في البرزخ ، وليس فيها دلالة على اتصال تألمها بأجسادها في القبور ، إذ قد يكون ذلك مختصا بالروح ، فأما حصول ذلك للجسد وتألمه بسببه فلم يدل عليه إلا السنة في الأحاديث المرضية الآتي ذكرها .وقد يقال إن هذه الآية إنما دلت على عذاب الكفار في البرزخ ، ولا يلزم من ذلك أن يعذب المؤمن في قبره بذنب ، ومما يدل على هذا ما رواه الإمام أحمد :حدثنا عثمان بن عمر ، حدثنا يونس ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها وعندها امرأة من اليهود ، وهي تقول : أشعرت أنكم تفتنون في قبوركم ؟ فارتاع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال : " إنما يفتن يهود " قالت عائشة : فلبثنا ليالي ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أشعرت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور ؟ " وقالت عائشة : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد يستعيذ من عذاب القبر .وهكذا رواه مسلم ، عن هارون بن سعيد وحرملة ، كلاهما عن ابن وهب ، عن يونس بن يزيد الأيلي ، عن الزهري به .وقد يقال : إن هذه الآية دلت على عذاب الأرواح في البرزخ ، ولا يلزم من ذلك أن يتصل بالأجساد في قبورها ، فلما أوحي إليه في ذلك بخصوصيته استعاذ منه ، والله سبحانه وتعالى أعلم .وقد روى البخاري من حديث شعبة ، عن أشعث بن أبي الشعثاء ، عن أبيه ، عن مسروق ، عن عائشة - رضي الله عنها - أن يهودية دخلت عليها فقالت : أعاذك الله من عذاب القبر . فسألت عائشة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن عذاب القبر ؟ فقال : " نعم عذاب القبر حق " . قالت عائشة : فما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر .فهذا يدل على أنه بادر إلى تصديق اليهودية في هذا الخبر ، وقرر عليه . وفي الأخبار المتقدمة : أنه أنكر ذلك حتى جاءه الوحي ، فلعلهما قضيتان ، والله أعلم ، وأحاديث عذاب القبر كثيرة جدا .وقال قتادة في قوله : ( غدوا وعشيا ) صباحا ومساء ، ما بقيت الدنيا ، يقال لهم : يا آل فرعون ، هذه منازلكم ، توبيخا ونقمة وصغارا لهم .وقال ابن زيد : هم فيها اليوم يغدى بهم ويراح إلى أن تقوم الساعة .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد ، حدثنا المحاربي ، حدثنا ليث ، عن عبد الرحمن بن ثروان ، عن هذيل ، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال : إن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تسرح بهم في الجنة حيث شاءوا ، وإن أرواح ولدان المؤمنين في أجواف عصافير تسرح في الجنة حيث شاءت ، فتأوي إلى قناديل معلقة في العرش ، وإن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح عليها ، فذلك عرضها .وقد رواه الثوري عن أبي قيس عن الهزيل بن شرحبيل من كلامه في أرواح آل فرعون . وكذلك قال السدي .وفي حديث الإسراء من رواية أبي هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال فيه : " ثم انطلق بي إلى خلق كثير من خلق الله ، رجال كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم ، مصفدون على سابلة آل فرعون ، وآل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا . ( ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) وآل فرعون كالإبل المسومة يخبطون الحجارة والشجر ولا يعقلون " .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا زيد بن أخرم ، حدثنا عامر بن مدرك الحارثي ، حدثنا عتبة - يعني ابن يقظان - عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " ما أحسن محسن من مسلم أو كافر إلا أثابه الله " . قال : قلنا : يا رسول الله ما إثابة الكافر ؟ فقال : " إن كان قد وصل رحما أو تصدق بصدقة أو عمل حسنة ، أثابه الله المال والولد والصحة وأشباه ذلك " . قلنا : فما إثابته في الآخرة ؟ قال : " عذابا دون العذاب " وقرأ : ( أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) ورواه البزار في مسنده ، عن زيد بن أخرم ، ثم قال : لا نعلم له إسنادا غير هذا .وقال ابن جرير : حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير ، حدثنا حماد بن محمد الفزاري البلخي قال : سمعت الأوزاعي وسأله رجل فقال - رحمك الله - رأينا طيورا تخرج من البحر ، تأخذ ناحية الغرب بيضا ، فوجا فوجا ، لا يعلم عددها إلا الله - عز وجل - فإذا كان العشي رجع مثلها سودا ، قال : وفطنتم إلى ذلك ؟ قال : نعم ، قال : إن تلك الطير في حواصلها أرواح آل فرعون تعرض على النار غدوا وعشيا ، فترجع إلى وكورها وقد احترقت رياشها وصارت سودا ، فينبت عليها من الليل ريش أبيض ، ويتناثر السود ، ثم تغدو على النار غدوا وعشيا ، ثم ترجع إلى وكورها . فذلك دأبهم في الدنيا ، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى : ( أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) قال : وكانوا يقولون إنهم ستمائة ألف مقاتل .وقال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق ، أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار . فيقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله - عز وجل - إلى يوم القيامة " .أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به .
تفسير القرطبيالنار يعرضون عليها وفيه ستة أوجه : يكون رفعا على البدل من " سوء " . ويجوز أن يكون بمعنى هو النار . ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء . وقال الفراء : يكون مرفوعا بالعائد على معنى : النار عليها يعرضون ، فهذه أربعة أوجه في الرفع ، وأجاز الفراء النصب ; لأن بعدها عائدا وقبلها ما يتصل به ، وأجاز الأخفش الخفض على البدل من العذاب . والجمهور على أن هذا العرض في البرزخ . واحتج بعض أهل العلم في تثبيت عذاب القبر بقوله : النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ما دامت الدنيا . كذلك قال مجاهد وعكرمة ومقاتل ومحمد بن كعب كلهم قال : هذه الآية تدل على عذاب القبر في الدنيا ، ألا تراه يقول عن عذاب الآخرة : ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب . وفي الحديث عن ابن مسعود : أن أرواح آل فرعون ومن كان مثلهم من الكفار تعرض على النار بالغداة والعشي فيقال : هذه داركم . وعنه أيضا : إن أرواحهم في أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح كل يوم مرتين ، فذلك عرضها . وروى شعبة عن يعلى بن عطاء قال : سمعت ميمون بن مهران يقول : كان أبو هريرة إذا أصبح ينادي : أصبحنا والحمد لله وعرض آل فرعون على النار . فإذا أمسى نادى : أمسينا والحمد لله وعرض آل فرعون على النار ، فلا يسمع أبا هريرة أحد إلا تعوذ بالله من النار . وفي حديث صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الكافر إذا مات عرض على النار بالغداة والعشي ثم تلا : النار يعرضون عليها غدوا وعشيا وإن المؤمن إذا مات عرض روحه على الجنة بالغداة والعشي وخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار ، فيقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة . قال الفراء : في الغداة والعشي بمقادير ذلك في الدنيا . وهو قول مجاهد . قال : غدوا وعشيا قال : من أيام الدنيا . وقال حماد بن محمد الفزاري : قال رجل للأوزاعي رأينا طيورا تخرج من البحر تأخذ ناحية الغرب ، بيضا صغارا فوجا فوجا لا يعلم عددها إلا الله ، فإذا كان العشاء رجعت مثلها سودا . قال : تلك الطيور في حواصلها أرواح آل فرعون ، يعرضون على النار غدوا وعشيا ، فترجع إلى أوكارها وقد احترقت رياشها وصارت سودا ، فينبت عليها من الليل رياشها بيضا وتتناثر السود ، ثم تغدو فتعرض على النار غدوا وعشيا ، ثم ترجع إلى وكرها ، فذلك دأبها ما كانت في الدنيا ، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى : أدخلوا آل فرعون أشد العذاب وهو الهاوية . قال الأوزاعي : فبلغنا أنهم ألفا ألف وستمائة ألف . و غدوا مصدر جعل ظرفا على السعة . وعشيا عطف عليه ، وتم الكلام ثم تبتدئ ويوم تقوم الساعة على أن تنصب يوما بقوله : " أدخلوا " ويجوز أن يكون منصوبا ب يعرضون على معنى يعرضون على النار في الدنيا ويوم تقوم الساعة فلا يوقف عليه . وقرأ نافع وأهل المدينة وحمزة والكسائي : أدخلوا بقطع الألف وكسر الخاء من أدخل وهي اختيار أبي عبيد ، أي : يأمر الله الملائكة أن يدخلوهم ، ودليله النار يعرضون عليها . الباقون " ادخلوا " بوصل الألف وضم الخاء من دخل أي : يقال لهم : " ادخلوا " يا " آل فرعون أشد العذاب " وهو اختيار أبي حاتم . قال : في القراءة الأولى : " آل " مفعول أول و " أشد " مفعول ثان بحذف الجر ، وفي القراءة الثانية منصوب ; لأنه نداء مضاف . وآل فرعون : من كان على دينه وعلى مذهبه ، وإذا كان من كان على دينه ومذهبه في أشد العذاب كان هو أقرب إلى ذلك . وروى ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن العبد يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت مؤمنا منهم يحيى بن زكريا ولد مؤمنا وحيي مؤمنا ومات مؤمنا ، وإن العبد يولد كافرا ويحيا كافرا ويموت كافرا ، منهم فرعون ولد كافرا وحيي كافرا ومات كافرا ذكره النحاس . وجعل الفراء في الآية تقديما وتأخيرا مجازه : أدخلوا آل فرعون أشد العذاب . النار يعرضون عليها غدوا وعشيا فجعل العرض في الآخرة ، وهو خلاف ما ذهب إليه الجمهور من انتظام الكلام على سياقه على ما تقدم . والله أعلم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)يقول تعالى ذكره مبيِّنا عن سوء العذاب الذي حلّ بهؤلاء الأشقياء من قوم فرعون ذلك الذي حاق بهم من سوء عذاب الله ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ) إنهم لما هلكوا وغرقهم الله, جعلت أرواحهم في أجواف طير سود, فهي تعرض على النار كلّ يوم مرتين ( غُدُوًّا وَعَشِيًّا ) إلى أن تقوم الساعة.* ذكر من قال ذلك:حدثنا محمد بن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن أبي قيس, عن الهذيل بن شرحبيل, قال: أرواح آل فرعون في أجواف طير سود تغدو وتروح على النار, وذلك عرضها.حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قال: بلغني أن أرواح قوم فرعون في أجواف طير سود تعرض على النار غدوّا وعشيًّا, حتى تقوم الساعة.حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير, قال: ثنا حماد بن محمد الفزاري البلخي, قال: سمعت الأوزاعيّ وسأله رجل فقال: رحمك الله, رأينا طيورا تخرج من البحر تأخذ ناحية الغرب بيضا, فوجا فوجا, لا يعلم عددها إلا الله, فإذا كان العشيّ رجع مثلُها سُودا, قال: وفطنتم إلى ذلك؟ قالوا: نعم, قال: إن تلك الطيور في حواصلها أرواح آل فرعون يُعرضون على النار غدوّا وعشيًّا, فترجع إلى وكورها وقد احترقت رياشها, وصارت سوداء, فتنبت عليها من الليل رياش بيض, وتتناثر السود, ثم تغدو, ويُعرضون على النار غدوّا وعشيا, ثم ترجع إلى وكورها, فذلك دَأبُها في الدنيا; فإذا كان يوم القيامة, قال الله ( أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) قالوا: وكانوا يقولون: إنهم ستّ مئة ألف مقاتل.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: ثني حرملة, عن سليمان بن حميد, قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: ليس في الآخرة ليل ولا نصف نهار, وإنما هو بُكرة وعشيّ, وذلك في القرآن في آل فرعون ( يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ) وكذلك قال لأهل الجنة وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا .وقيل: عنى بذلك: أنهم يعرضون على منازلهم في النار تعذيبا لهم غدوّا وعشيّا.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ) قال: يعرضون عليها صباحا ومساء, يقال لهم: يا آل فرعون هذه منازلكم, توبيخا ونقمة وصغارا لهم.حدثنا محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( غُدُوًّا وَعَشِيًّا ) قال: ما كانت الدنيا.وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أن آل فرعون يعرضون على النار غدوّا وعشيّا. وجائز أن يكون ذلك العرض على النار على نحو ما ذكرناه عن الهذيل ومن قال مثل قوله, وأن يكون كما قال قتادة, ولا خبر يوجب الحجة بأن ذلك المعني به, فلا في ذلك إلا ما دل عليه ظاهر القرآن, وهم أنهم يعرضون على النار غدوا وعشيا, وأصل الغدو والعشي مصادر جعلت أوقاتا.وكان بعض نحويي البصرة يقول في ذلك: إنما هو مصدر, كما تقول: أتيته ظلاما; جعله ظرفا وهو مصدر. قال: ولو قلت: موعدك غدوة, أو موعدك ظلام, فرفعته, كما تقول: موعدك يوم الجمعة, لم يحسن, لأن هذه المصادر وما أشبهها من نحو سحر لا تجعل إلا ظرفا; قال: والظرف كله ليس بمتمكن; وقال نحويو الكوفة: لم يسمع في هذه الأوقات, وإن كانت مصادر, إلا التعريب: موعدك يوم موعدك صباح ورواح, كما قال جلّ ثناؤه: غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ فرفع, وذكروا أنهم سمعوا: إنما الطيلسان شهران (2) قالوا: ولم يسمع في الأوقات النكرات إلا الرفع إلا قولهم: إنما سخاؤك أحيانا, وقالوا: إنما جاز ذلك لأنه بمعنى: إنما سخاؤك الحين بعد الحين, فلما كان تأويله الإضافة نصب.وقوله: ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك فقرأته عامة قرّاء أهل الحجاز والعراق سوى عاصم وأبي عمرو ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ ) بفتح الألف من أدخلوا في الوصل والقطع بمعنى: الأمر بإدخالهم النار. وإذا قُرئ ذلك كذلك, كان الآل نصبا بوقوع أدخلوا عليه, وقرأ ذلك عاصم وأبو عمرو: " وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ادْخُلُوا " بوصل الألف وسقوطها في الوصل من اللفظ, وبضمها إذا ابتدئ بعد الوقف على الساعة, ومن قرأ ذلك كذلك, كان الآل على قراءته نصبا بالنداء, لأن معنى الكلام على قراءته: ادخلوا يا آل فرعون أشدّ العذاب.والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال إنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرّاء, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. فمعنى الكلام إذن: ويوم تقوم الساعة يقال لآل فرعون: ادخلوا يا آل فرعون أشدّ العذاب, فهذا على قراءة من وصل الألف من ادخلوا ولم يقطع, ومعناه على القراءة الأخرى, ويوم تقوم الساعة يقول الله لملائكته ( أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) .------------------------الهوامش:(2) الطيلسان : شيء كان يضعه العلماء والكبراء حول أعناقهم وعلى أكتافهم اتقاء البرد . يريد أن مدة لبس الطيلسان شهران .
وَإِذۡ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا نَصِيبٗا مِّنَ ٱلنَّارِ ٤٧التفسير الميسروإذ يتخاصم أهل النار، ويعاتب بعضهم بعضًا، فيحتجُّ الأتباع المقلدون على رؤسائهم المستكبرين الذين أضلُّوهم، وزيَّنوا لهم طريق الشقاء، قائلين لهم: هل أنتم مغنون عنا نصيبًا من النار بتحملكم قسطًا من عذابنا؟
تفسير السعدييخبر تعالى عن تخاصم أهل النار، وعتاب بعضهم بعضًا واستغاثتهم بخزنة النار، وعدم الفائدة في ذلك فقال: وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ يحتج التابعون بإغواء المتبوعين، ويتبرأ المتبوعون من التابعين، فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ أي: الأتباع للقادة لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا على الحق، ودعوهم إلى ما استكبروا لأجله. إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا أنتم أغويتمونا وأضللتمونا وزينتم لنا الشرك والشر، فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ أي: ولو قليلاً.
تفسير ابن كثيريخبر تعالى عن تحاج أهل النار في النار ، وتخاصمهم ، وفرعون وقومه من جملتهم ( فيقول الضعفاء ) وهم : الأتباع ( للذين استكبروا ) وهم : القادة والسادة والكبراء : ( إنا كنا لكم تبعا ) أي : أطعناكم فيما دعوتمونا إليه في الدنيا من الكفر والضلال ، ( فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار ) أي : قسطا تتحملونه عنا .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإذ يتحاجون في النار أي يختصمون فيها فيقول الضعفاء للذين استكبروا عن الانقياد للأنبياء إنا كنا لكم تبعا فيما دعوتمونا إليه من الشرك في الدنيا فهل أنتم مغنون أي متحملون عنا نصيبا من النار أي جزءا من العذاب . والتبع يكون واحدا ويكون جمعا في قول البصريين واحده تابع . وقال أهل الكوفة : هو جمع لا واحد له كالمصدر فلذلك لم يجمع ولو جمع لقيل أتباع .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47)يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ ,( وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ ) يقول: وإذ يتخاصمون في النار. وعنى بذلك: إذ يتخاصم الذين أمر رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بإنذارهم من مشركي قومه في النار, فيقول الضعفاء منهم وهم المتبعون على الشرك بالله ( إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا ) تقول لرؤسائهم الذين اتبعوهم على الضلالة: إنا كنا لكم في الدنيا تبعا على الكفر بالله ( فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ ) اليوم ( عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ ) يعنون حظا فتخففوه عنا, فقد كنا نسارع في محبتكم في الدنيا, ومن قبلكم أتينا, لولا أنتم لكنا في الدنيا مؤمنين, فلم يصبنا اليوم هذا البلاء; والتبع يكون واحدا وجماعة في قول بعض نحويي البصرة, وفي قول بعض نحويي الكوفة جمع لا واحد له, لأنه كالمصدر. قال: وإن شئت كان واحده تابع, فيكون مثل خائل وخول, وغائب وغيب.
قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُلّٞ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ حَكَمَ بَيۡنَ ٱلۡعِبَادِ ٤٨التفسير الميسرقال الرؤساء المستكبرون مبيِّنين عجزهم: لا نتحمل عنكم شيئًا من عذاب النار، وكلُّنا فيها، لا خلاصَ لنا منها، إن الله قد قسم بيننا العذاب بقَدْر ما يستحق كلٌّ منا بقضائه العادل.
تفسير السعدي قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مبينين لعجزهم ونفوذ الحكم الإلهي في الجميع: إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ وجعل لكل قسطه من من العذاب، فلا يزاد في ذلك ولا ينقص منه، ولا يغير ما حكم به الحكيم.
تفسير ابن كثير( قال الذين استكبروا إنا كل فيها ) أي : لا نتحمل عنكم شيئا ، كفى بنا ما عندنا ، وما حملنا من العذاب والنكال . ( إن الله قد حكم بين العباد ) أي : يقسم بيننا العذاب بقدر ما يستحقه كل منا ، كما قال تعالى : ( قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون ) [ الأعراف : 38 ] .
تفسير القرطبيقال الذين استكبروا إنا كل فيها أي في جهنم . قال الأخفش : كل مرفوع بالابتداء . وأجاز الكسائي والفراء " إنا كلا فيها " بالنصب على النعت والتأكيد للمضمر في " إنا " وكذلك قرأ ابن السميقع وعيسى بن عمر والكوفيون يسمون التأكيد نعتا . ومنع ذلك سيبويه ، قال : لأن " كلا " لا تنعت ولا ينعت بها . ولا يجوز البدل فيه لأن المخبر عن نفسه لا يبدل منه غيره ، وقال معناه المبرد قال : لا يجوز أن يبدل من المضمر هنا ; لأنه مخاطب ولا يبدل من المخاطب ولا من المخاطب ، لأنهما لا يشكلان فيبدل منهما ، هذا نص كلامه . إن الله قد حكم بين العباد أي لا يؤاخذ أحدا بذنب غيره ، فكل منا كافر .
تفسير الطبريوالصواب من القول في ذلك عندي أنه جمع واحده. تابع, وقد يجوز أن يكون واحدا فيكون جمعه أتباع. فأجابهم المتبوعون بما أخبر الله عنهم; قال الذين استكبروا, وهم الرؤساء المتبوعون على الضلالة في الدنيا: إنا أيها القوم وأنتم كلنا في هذه النار مخلدون, لا خلاص لنا منها( إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ) بفصل قضائه, فأسكن أهل الجنة الجنة, وأهل النار النار, فلا نحن مما نحن فيه من البلاء خارجون, ولا هم مما فيه من النعيم منتقلون، ورفع قوله ( كُلّ ) بقوله ( فِيهَا ) ولم ينصب على النعت.وقد اختلف في جواز النصب في ذلك في الكلام. وكان بعض نحويي البصرة يقول: إذا لم يضف " كلّ" لم يجز الاتباع. وكان بعض نحويي الكوفة يقول: ذلك جائز في الحذف وغير الحذف, لأن أسماءها إذا حُذفت اكتفي بها منها. وقد بيَّنا الصواب من القول في ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته.
وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ يُخَفِّفۡ عَنَّا يَوۡمٗا مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٤٩التفسير الميسروقال الذين في النار من المستكبرين والضعفاء لخزنة جهنم: ادعوا ربكم يُخَفِّفْ عنا يومًا واحدًا من العذاب؛ كي تحصل لنا بعض الراحة.
تفسير السعدي وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ من المستكبرين والضعفاء لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ لعله تحصل بعض الراحة.
تفسير ابن كثير( وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب ) لما علموا أن الله ، سبحانه ، لا يستجيب منهم ولا يستمع لدعائهم ، بل قد قال : ( اخسئوا فيها ولا تكلمون ) [ المؤمنون : 108 ] سألوا الخزنة - وهم كالبوابين لأهل النار - أن يدعوا لهم الله أن يخفف عن الكافرين ولو يوما واحدا من العذاب ، فقالت لهم الخزنة رادين عليهم :
تفسير القرطبيقوله تعالى : وقال الذين في النار من الأمم الكافرة . ومن العرب من يقول اللذون على أنه جمع مسلم معرب ، ومن قال : الذين في الرفع بناه كما كان في الواحد مبنيا . وقال الأخفش : ضمت النون إلى الذي فأشبه خمسة عشر فبني على الفتح . لخزنة جهنم خزنة جمع خازن ويقال : خزان وخزن . ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب يخفف جواب مجزوم وإن كان بالفاء كان منصوبا ، إلا أن الأكثر في كلام العرب في جواب الأمر وما أشبهه أن يكون بغير فاء ، وعلى هذا جاء القرآن بأفصح اللغات كما قال [ امرؤ القيس ] :قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلقال محمد بن كعب القرظي : بلغني أو ذكر لي أن أهل النار استغاثوا بالخزنة ، فقال الله تعالى : وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب فسألوا يوما واحدا يخفف عنهم فيه العذاب ، فردت عليهم أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال الخبر بطوله .وفي الحديث عن أبي الدرداء خرجه الترمذي وغيره قال : يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب ، فيستغيثون منه فيغاثون بالضريع لا يسمن ولا يغني من جوع ، فيأكلونه لا يغني عنهم شيئا ، فيستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة فيغصون به ، فيذكرون أنهم كانوا في الدنيا يجيزون الغصص بالماء ، فيستغيثون بالشراب فيرفع لهم الحميم بالكلاليب ، فإذا دنا من وجوههم شواها ، فإذا وقع في بطونهم قطع أمعاءهم وما في بطونهم ، فيستغيثون بالملائكة يقولون : ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب فيجيبوهم أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (49)يقول تعالى ذكره: وقال أهل جهنم لخزنتها وقوّامها, استغاثة بهم من عظيم ما هم فيه من البلاء, ورجاء أن يجدوا من عندهم فرجا( ادْعُوا رَبَّكُمْ ) لنا( يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا ) واحدا, يعني قدر يوم واحد من أيام الدنيا( مِنَ الْعَذَابِ ) الذي نحن فيه. وإنما قلنا: معنى ذلك: قدر يوم من أيام الدنيا, لأن الآخرة يوم لا ليل فيه, فيقال: خفف عنهم يوما واحدا.