فَاطِرُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَمِنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ أَزۡوَٰجٗا يَذۡرَؤُكُمۡ فِيهِۚ لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ١١التفسير الميسرالله سبحانه وتعالى هو خالق السماوات والأرض ومبدعهما بقدرته ومشيئته وحكمته، جعل لكم من أنفسكم أزواجًا؛ لتسكنوا إليها، وجعل لكم من الأنعام أزواجًا ذكورًا وإناثًا، يكثركم بسببه بالتوالد، ليس يشبهه تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله؛ لأن أسماءه كلَّها حسنى، وصفاتِه صفات كمال وعظمة، وأفعالَه تعالى أوجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارك، وهو السميع البصير، لا يخفى عليه مِن أعمال خلقه وأقوالهم شيء، وسيجازيهم على ذلك.
تفسير السعدي فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أي: خالقهما بقدرته ومشيئته وحكمته. جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لتسكنوا إليها، وتنتشر منكم الذرية، ويحصل لكم من النفع ما يحصل. وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا أي: ومن جميع أصنافها نوعين، ذكرا وأنثى، لتبقى وتنمو لمنافعكم الكثيرة، ولهذا عداها باللام الدالة على التعليل، أي: جعل ذلك لأجلكم، ولأجل النعمة عليكم، ولهذا قال: يذرؤكم فيه أي: يبثكم ويكثركم ويكثر مواشيكم، بسبب أن جعل لكم من أنفسكم، وجعل لكم من الأنعام أزواجا. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ أي: ليس يشبهه تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، لأن أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفة كمال وعظمة، وأفعاله تعالى أوجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارك، فليس كمثله شيء، لانفراده وتوحده بالكمال من كل وجه. وَهُوَ السَّمِيعُ لجميع الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات. الْبَصِيرُ يرى دبيب النملة السوداء، في الليلة الظلماء، على الصخرة الصماء، ويرى سريان القوت في أعضاء الحيوانات الصغيرة جدا، وسريان الماء في الأغصان الدقيقة.وهذه الآية ونحوها، دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، من إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات. وفيها رد على المشبهة في قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وعلى المعطلة في قوله: وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
تفسير ابن كثيروقوله : ( فاطر السموات والأرض ) أي : خالقهما وما بينهما ، ( جعل لكم من أنفسكم أزواجا ) أي : من جنسكم وشكلكم ، منة عليكم وتفضلا جعل من جنسكم ذكرا وأنثى ، ( ومن الأنعام أزواجا ) أي : وخلق لكم من الأنعام ثمانية أزواج .وقوله : ( يذرؤكم فيه ) أي : يخلقكم فيه ، أي : في ذلك الخلق على هذه الصفة لا يزال يذرؤكم فيه ذكورا وإناثا ، خلقا من بعد خلق ، وجيلا بعد جيل ، ونسلا بعد نسل ، من الناس والأنعام .وقال البغوي رحمه الله : ( يذرؤكم فيه ) أي : في الرحم . وقيل : في البطن . وقيل : في هذا الوجه من الخلقة .قال مجاهد : ونسلا بعد نسل من الناس والأنعام .وقيل : " في " بمعنى " الباء " ، أي : يذرؤكم به .( ليس كمثله شيء ) أي : ليس كخالق الأزواج كلها شيء ; لأنه الفرد الصمد الذي لا نظير له ، ( وهو السميع البصير )
تفسير القرطبيقوله تعالى : فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير .قوله تعالى : فاطر السماوات والأرض بالرفع على النعت لاسم الله ، أو على تقدير هو فاطر . ويجوز النصب على النداء ، والجر على البدل من الهاء في ( عليه ) ، والفاطر : المبدع والخالق . وقد تقدم .جعل لكم من أنفسكم أزواجا قيل معناه إناثا . وإنما قال : من أنفسكم لأنه خلق حواء من ضلع آدم . وقال مجاهد : نسلا بعد نسل . ومن الأنعام أزواجا يعني الثمانية التي ذكرها في ( الأنعام ) ذكور الإبل والبقر والضأن والمعز وإناثها . يذرؤكم فيه أي يخلقكم وينشئكم فيه أي : في الرحم . وقيل : في البطن . وقال الفراء وابن كيسان : ( فيه ) بمعنى به . وكذلك قال الزجاج : معنى ( يذرؤكم فيه ) يكثركم به ، أي : يكثركم يجعلكم أزواجا ، أي : حلائل ، لأنهن سبب النسل . وقيل : إن الهاء في ( فيه ) للجعل ، ودل عليه ( جعل ) ، فكأنه قال : يخلقكم ويكثركم في الجعل . ابن قتيبة : يذرؤكم فيه أي : في الزوج ، أي : يخلقكم في بطون الإناث . وقال : ويكون ( فيه ) في الرحم ، وفيه بعد ; لأن الرحم مؤنثة ولم يتقدم لها ذكر . ليس كمثله شيء وهو السميع البصير قيل : إن الكاف زائدة للتوكيد ، أي : ليس مثله شيء . قال :وصاليات ككما يؤثفينفأدخل على الكاف كافا تأكيدا للتشبيه . وقيل : المثل زائدة للتوكيد ، وهو قول ثعلب : ليس كهو شيء ، نحو قوله تعالى : فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا . وفي حرف ابن مسعود ( فإن آمنوا بما آمنتم به فقد اهتدوا ) قال أوس بن حجر :وقتلى كمثل جذوع الن خيل يغشاهم مطر منهمرأي : كجذوع . والذي يعتقد في هذا الباب أن الله جل اسمه في عظمته وكبريائه وملكوته وحسنى أسمائه وعلي صفاته ، لا يشبه شيئا من مخلوقاته ولا يشبه به ، وإنما جاء مما أطلقه الشرع على الخالق والمخلوق ، فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي ، إذ صفات القديم - جل وعز - بخلاف صفات المخلوق ، إذ صفاتهم لا تنفك عن الأغراض والأعراض ، وهو تعالى منزه عن ذلك ، بل لم يزل بأسمائه وبصفاته على ما بيناه في ( الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ) ، وكفى في هذا قوله الحق : ( ليس كمثله شيء ) وقد قال بعض العلماء المحققين : التوحيد إثبات ذات غير مشبهة للذوات ولا معطلة من الصفات . وزاد الواسطي رحمه الله بيانا فقال : ليس كذاته ذات ، ولا كاسمه اسم ، ولا كفعله فعل ، ولا كصفته صفة إلا من جهة موافقة اللفظ ، وجلت الذات القديمة أن يكون لها صفة حديثة ، كما استحال أن يكون للذات المحدثة صفة قديمة . وهذا كله مذهب أهل الحق والسنة والجماعة . - رضي الله عنهم!
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)يقول تعالى ذكره: ( فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) , خالق السموات السبع والأرض. كما:حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قوله: ( فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) قال: خالق.وقوله: ( جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) يقول تعالى ذكره: زوّجكم ربكم من أنفسكم أزواجا. وإنما قال جلّ ثناؤه: ( مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) لأنه خلق حوّاء من ضلع آدم, فهو من الرجال.( وَمِنَ الأنْعَامِ أَزْوَاجًا ) يقول جلّ ثناؤه: وجعل لكم من الأنعام أزواجا من الضأن اثنين, ومن المعز اثنين, ومن الإبل اثنين, ومن البقر اثنين, ذكورا وإناثا, ومن كل جنس من ذلك.( يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ) يقول: يخلقكم فيما جعل لكم من أزواجكم, ويعيشكم فيما جعل لكم من الأنعام. وقد اختلف أهل التأويل في معنى قوله: ( يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ) في هذا الموضع, فقال بعضهم: معنى ذلك: يخلقكم فيه.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيع, عن مجاهد, في قوله: ( يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ) قال: نسل بعد نسل من الناس والأنعام.حدثنا محمد بن المثنى, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قوله: ( يَذْرَؤُكُمْ ) قال: يخلقكم.حدثنا ابن حميد ، قال: ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبي بزّة ، عن مجاهد ، في قوله: ( يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ) قال: نسلا بعد نسل من الناس والأنعام.حدثنا محمد بن المثنى ، قال: ثنا محمد بن جعفر ، قال ثنا شعبة ، عن منصور ، أنه قال في هذه الآية : ( يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ) قال يخلقكم.وقال آخرون: بل معناه: يعيشكم فيه.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ) يقول: يجعل لكم فيه معيشة تعيشون بها.حدثنا محمد بن عبد الأعلى, قال: ثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة ( يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ) قال: يعيشكم فيه.حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ) قال: عيش من الله يعيشكم فيه. وهذان القولان وإن اختلفا في اللفظ من قائليهما فقد يحتمل توجيههما إلى معنى واحد, وهو أن يكون القائل في معناه يعيشكم فيه, أراد بقوله ذلك: يحييكم بعيشكم به كما يحيي من لم يخلق بتكوينه إياه, ونفخه الروح فيه حتى يعيش حيا. وقد بينت معنى ذرء الله الخلق فيما مضى بشواهده المغنية عن إعادته.وقوله: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) فيه وجهان: أحدهما أن يكون معناه: ليس هو كشيء, وأدخل المثل في الكلام توكيدًا للكلام إذا اختلف اللفظ به وبالكاف, وهما بمعنى واحد, كما قيل:ما إن نديت بشيء أنت تكرهه (1)فأدخل على " ما " وهي حرف جحد " إن " وهي أيضًا حرف جحد, لاختلاف اللفظ بهما, وإن اتفق معناهما توكيدا للكلام, وكما قال أوس بن حجر:وَقَتْلَى كمِثْلِ جذُوعِ النَّخيلْتَغَشَّاهُمُ مُسْبِلٌ مُنْهَمِرْ (2)ومعنى ذلك: كجذوع النخيل, وكما قال الآخر:سَعْدُ بْنُ زيد إذَا أبْصَرْتَ فَضْلَهُمُما إن كمِثْلِهِمِ فِي النَّاسِ مِنْ أحَدٍ (3)والآخر: أن يكون معناه: ليس مثل شيء, وتكون الكاف هي المدخلة في الكلام, كقول الراجز:* وَصَالِياتٍ كَكَما يُؤْثَفَيْنِ (4)فأدخل على الكاف كافا توكيدا للتشبيه, وكما قال الآخر:تَنْفِي الغَيادِيقُ عَلى الطَّرِيقِقَلَّصَ عَنْ كَبَيْضَةٍ فِي نِيقِ (5)فأدخل الكاف مع " عن ", وقد بيَّنا هذا في موضع غير هذا المكان بشرح هو أبلغ من هذا الشرح, فلذلك تجوّزنا في البيان عنه في هذا الموضع.وقوله: ( وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) يقول جلّ ثناؤه واصفا نفسه بما هو به, وهو يعني نفسه: السميع لما تنطق به خلقه من قول, البصير لأعمالهم, لا يخفى عليه من ذلك شيء, ولا يعزب عنه علم شيء منه, وهو محيط بجميعه, محصٍ صغيره وكبيره ( لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ) من خير أو شرّ.------------------------الهوامش:(1) هذا مصراع أول من بيت للنابغة الذبياني . وعجزه :* إذن فلا رفعت سوطي إلى يدي *( انظر مختار الشعر الجاهلي بشرح مصطفى السقا طبعة الحلبي ) ورواية الشطر الأول فيه :* ما قلت من سييء مما أتيت به *قال شارحه : يقول : إذا كنت قلت هذا الذي بلغك ، فشلت يدي حتى لا أطيق رفع السوط على خفته . وروى في اللسان والتاج كرواية المؤلف ، قال الزبيدي : يقال : ما نديني من فلان شيء أكرهه ، أي ما بلني ولا أصابني . وما نديت له كفى بشر وما نديت بشيء .ومحل الشاهد في البيت عند المؤلف قوله" ما إن" حيث أدخل حرف النفي" ما" على حرف النفي" إن" لاختلاف لفظهما ، توكيدا للكلام . وهو نظير إدخال كاف التشبيه ، على كلمة" مثل" التي تفيد التشبيه ، في قوله تعالى (ليس كمثله شيء) ، لتوكيد الكلام ؛ لاختلاف اللفظين .(2) وهذا الشاهد من كلام أوس بن حجر التميمي ، وهو شاعر جاهلي مشهور ، شاهد كالشاهد السابق ، أدل فيه أداة التشبيه" الكاف" على أختها في المعنى" مثل" لاختلاف لفظهما ، توكيدا للكلام ، وهو نظير" ما" في قوله تعالى : (ليس كمثله شيء ) .(3) لم أقف على قائل هذا البيت . وقد استشهد به المؤلف على إدخال أداتي التشبيه ( الكاف ، ومثل ) معا على شيء واحد ، فهو في معنى الشاهدين قبله .(4) هذا بيت من عدة أبيات من مشطور الرجز ، ينسبان على خطام المجاشعي ، ونسبهما الجوهري في الصحاح ، والصقلي في شرحه لأبيات الإيضاح للفارسي ، إلى هميان بن قحافة . وبيت الشاهد آخرها بيتا . ( انظر الأبيات في هامش صفحة 282 من الجزء الأول من سر صناعة الإعراب لابن جنى طبعة شركة مصطفى البابي الحبي وأولاده ) وفيه : الصاليات : الأثافي التي توضع عليها القدور وقد صليت النار حتى اسودت . ويؤثفين : يجعلن أثافي للقدر ، وهي جمع أثفية ، يقال أثفى القدر يثفيها : جعل لها أثافي . ومحل الشاهد قوله" كما" فإن الكاف الأولى حرف ، والثانية اسم بمعنى مثل . والمعنى : لم يبق إلا حجارة منصوبة كمثل الأثافي . واستشهد به المؤلف على دخول الكاف على الكاف لتوكيد الكلام.(5) لم أقف على قائل البيت . ولم يتضح لي معناه تماما ، ولعل فيه تحريفا من الناسخ . وموضع الشاهد فيه واضح ، وهو دخول" عن" على الكاف في قوله"كبيضة" فإما أن تكون الكاف زائدة ، أي عن بيضة ، وإما أن تكون الكاف اسما بمعنى مثل في محل جر .
لَهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١٢التفسير الميسرله سبحانه وتعالى ملك السماوات والأرض، وبيده مفاتيح الرحمة والأرزاق، يوسِّع رزقه على مَن يشاء مِن عباده ويضيِّقه على مَن يشاء، إنه تبارك وتعالى بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء من أمور خلقه.
تفسير السعديوقوله: لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أي: له ملك السماوات والأرض، وبيده مفاتيح الرحمة والأرزاق، والنعم الظاهرة والباطنة. فكل الخلق مفتقرون إلى اللّه، في جلب مصالحهم، ودفع المضار عنهم، في كل الأحوال، ليس بيد أحد من الأمر شيء.واللّه تعالى هو المعطي المانع، الضار النافع، الذي ما بالعباد من نعمة إلا منه، ولا يدفع الشر إلا هو، و مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ولهذا قال هنا: يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ أي: يوسعه ويعطيه من أصناف الرزق ما شاء، وَيَقْدِرُ أي: يضيق على من يشاء، حتى يكون بقدر حاجته، لا يزيد عنها، وكل هذا تابع لعلمه وحكمته، فلهذا قال: إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فيعلم أحوال عباده، فيعطي كلا ما يليق بحكمته وتقتضيه مشيئته.
تفسير ابن كثيروقوله : ( له مقاليد السموات والأرض ) تقدم تفسيره في " سورة الزمر " ، وحاصل ذلك أنه المتصرف الحاكم فيهما ، ( يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) أي : يوسع على من يشاء ، ويضيق على من يشاء ، وله الحكمة والعدل التام ، ( إنه بكل شيء عليم )
تفسير القرطبيقوله تعالى : له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليمقوله تعالى : له مقاليد السماوات والأرض تقدم في ( الزمر ) بيانه . النحاس : والذي يملك المفاتيح يملك الخزائن ، يقال للمفتاح : إقليد ، وجمعه على غير قياس ، كمحاسن والواحد حسن . ( يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم ) تقدم أيضا في غير موضع .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12)يعني تعالى ذكره بقوله: ( لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) : له مفاتيح خزائن السموات والأرض وبيده مغاليق الخير والشر ومفاتيحها, فما يفتح من رحمة فلا ممسك لها, وما يمسك فلا مرسل له من بعده.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى, وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) قال: مفاتيح بالفارسية.حدثنا محمد بن عبد الأعلى, قال: ثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة ( لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) قال: مفاتيح السموات والأرض. وعن الحسن بمثل ذلك.ثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) قال: خزائن السموات والأرض.وقوله: ( يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ) يقول: يوسع رزقه وفضله على من يشاء من خلقه, ويبسط له, ويكثر ماله ويغنيه. ويقدر: يقول: ويقتر على من يشاء منهم فيضيقه ويفقره.( إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) يقول: إن الله تبارك وتعالى بكل ما يفعل من توسيعه على من يوسع, وتقتيره على من يقتر, ومن الذي يُصلحه البسط عليه في الرزق, ويفسده من خلقه, والذي يصلحه التقتير عليه ويفسده, وغير ذلك من الأمور, ذو علم لا يخفى عليه موضع البسط والتقتير وغيره, من صلاح تدبير خلقه.يقول تعالى ذكره: فإلى من له مقاليد السموات والأرض الذي صفته ما وصفت لكم في هذه الآيات أيها الناس فارغبوا, وإياه فاعبدوا مخلصين له الدين لا الأوثان والآلهة والأصنام, التي لا تملك لكم ضرّا ولا نفعا.
۞ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِينَ مَا تَدۡعُوهُمۡ إِلَيۡهِۚ ٱللَّهُ يَجۡتَبِيٓ إِلَيۡهِ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَن يُنِيبُ ١٣التفسير الميسرشرع الله لكم- أيها الناس- من الدِّين الذي أوحيناه إليك -أيها الرسول، وهو الإسلام- ما وصَّى به نوحًا أن يعمله ويبلغه، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى (هؤلاء الخمسة هم أولو العزم من الرسل على المشهور) أن أقيموا الدين بالتوحيد وطاعة الله وعبادته دون مَن سواه، ولا تختلفوا في الدين الذي أمرتكم به، عَظُمَ على المشركين ما تدعوهم إليه من توحيد الله وإخلاص العبادة له، الله يصطفي للتوحيد مَن يشاء مِن خلقه، ويوفِّق للعمل بطاعته مَن يرجع إليه.
تفسير السعديهذه أكبر منة أنعم الله بها على عباده، أن شرع لهم من الدين خير الأديان وأفضلها، وأزكاها وأطهرها، دين الإسلام، الذي شرعه الله للمصطفين المختارين من عباده، بل شرعه الله لخيار الخيار، وصفوة الصفوة، وهم أولو العزم من المرسلين المذكورون في هذه الآية، أعلى الخلق درجة، وأكملهم من كل وجه، فالدين الذي شرعه الله لهم، لا بد أن يكون مناسبا لأحوالهم، موافقا لكمالهم، بل إنما كملهم الله واصطفاهم، بسبب قيامهم به، فلولا الدين الإسلامي، ما ارتفع أحد من الخلق، فهو روح السعادة، وقطب رحى الكمال، وهو ما تضمنه هذا الكتاب الكريم، ودعا إليه من التوحيد والأعمال والأخلاق والآداب.ولهذا قال: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ أي: أمركم أن تقيموا جميع شرائع الدين أصوله وفروعه، تقيمونه بأنفسكم، وتجتهدون في إقامته على غيركم، وتعاونون على البر والتقوى ولا تعاونون على الإثم والعدوان. وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ أي: ليحصل منكم الاتفاق على أصول الدين وفروعه، واحرصوا على أن لا تفرقكم المسائل وتحزبكم أحزابا، وتكونون شيعا يعادي بعضكم بعضا مع اتفاقكم على أصل دينكم.ومن أنواع الاجتماع على الدين وعدم التفرق فيه، ما أمر به الشارع من الاجتماعات العامة، كاجتماع الحج والأعياد، والجمع والصلوات الخمس والجهاد، وغير ذلك من العبادات التي لا تتم ولا تكمل إلا بالاجتماع لها وعدم التفرق. كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ أي: شق عليهم غاية المشقة، حيث دعوتهم إلى الإخلاص للّه وحده، كما قال عنهم: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وقولهم: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ أي يختار من خليقته من يعلم أنه يصلح للاجتباء لرسالته وولايته ومنه أن اجتبى هذه الأمة وفضلها على سائر الأمم، واختار لها أفضل الأديان وخيرها. وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ هذا السبب الذي من العبد، يتوصل به إلى هداية الله تعالى، وهو إنابته لربه، وانجذاب دواعي قلبه إليه، وكونه قاصدا وجهه، فحسن مقصد العبد مع اجتهاده في طلب الهداية، من أسباب التيسير لها، كما قال تعالى: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وفي هذه الآية، أن الله يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ مع قوله: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ مع العلم بأحوال الصحابة رضي الله عنهم، وشدة إنابتهم، دليل على أن قولهم حجة، خصوصا الخلفاء الراشدين، رضي الله عنهم أجمعين.
تفسير ابن كثيريقول تعالى لهذه الأمة : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك ) ، فذكر أول الرسل بعد آدم وهو نوح ، عليه السلام وآخرهم وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر من بين ذلك من أولي العزم وهم : إبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ، عليهم السلام . وهذه الآية انتظمت ذكر الخمسة كما اشتملت آية " الأحزاب " عليهم في قوله : ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ) الآية [ الأحزاب : 7 ] . والدين الذي جاءت به الرسل كلهم هو : عبادة الله وحده لا شريك له ، كما قال : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) [ الأنبياء : 25 ] . وفي الحديث : " نحن معشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد " أي : القدر المشترك بينهم هو عبادة الله وحده لا شريك له ، وإن اختلفت شرائعهم ومناهجهم ، كقوله تعالى : ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) [ المائدة : 48 ] ; ولهذا قال هاهنا : ( أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) أي : وصى الله [ سبحانه و ] تعالى جميع الأنبياء ، عليهم السلام ، بالائتلاف والجماعة ، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف .وقوله : ( كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ) أي : شق عليهم وأنكروا ما تدعوهم إليه يا محمد من التوحيد .ثم قال : ( الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ) أي : هو الذي يقدر الهداية لمن يستحقها ، ويكتب الضلالة على من آثرها على طريق الرشد ; ولهذا قال :
تفسير القرطبيقوله تعالى : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب .قوله تعالى : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا فيه مسألتان : الأولى : قوله تعالى : شرع لكم من الدين أي : الذي له مقاليد السماوات والأرض شرع لكم من الدين ما شرع لقوم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ، ثم بين ذلك بقوله تعالى : أن أقيموا الدين وهو توحيد الله وطاعته ، والإيمان برسله وكتبه وبيوم الجزاء ، وبسائر ما يكون الرجل بإقامته مسلما . ولم يرد الشرائع التي هي مصالح الأمم على حسن أحوالها ، فإنها مختلفة متفاوتة ، قال الله تعالى : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا وقد تقدم القول فيه . ومعنى ( شرع ) أي : نهج وأوضح وبين المسالك . وقد شرع لهم يشرع شرعا أي : سن . والشارع : الطريق الأعظم . وقد شرع المنزل إذا كان على طريق نافذ . وشرعت الإبل إذا أمكنتها من الشريعة . وشرعت الأديم إذا سلخته . وقال يعقوب : إذا شققت ما بين الرجلين ، قال : وسمعته من أم الحمارس البكرية . وشرعت في هذا الأمر شروعا أي : خضت . أن أقيموا الدين ( أن ) في محل رفع ، على تقدير والذي وصى به نوحا أن أقيموا الدين ، ويوقف على هذا الوجه على ( عيسى ) . وقيل : هو نصب ، أي : شرع لكم إقامة الدين . وقيل : هو جر بدلا من الهاء في ( به ) ، كأنه قال : به أقيموا الدين . ولا يوقف على عيسى على هذين الوجهين . ويجوز أن تكون ( أن ) مفسرة ، مثل : أن امشوا ، فلا يكون لها محل من الإعراب . .الثانية : قال القاضي أبو بكر بن العربي : ثبت في الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في حديث الشفاعة الكبير المشهور : ولكن ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض فيأتون نوحا فيقولون له أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض . . . وهذا صحيح لا إشكال فيه ، كما أن آدم أول نبي بغير إشكال ; لأن آدم لم يكن معه إلا نبوة ، ولم تفرض له الفرائض ولا شرعت له المحارم ، وإنما كان تنبيها على بعض الأمور واقتصارا على ضرورات المعاش ، وأخذا بوظائف الحياة والبقاء ، واستقر المدى إلى نوح فبعثه الله بتحريم الأمهات والبنات والأخوات ، ووظف عليه الواجبات وأوضح له الآداب في الديانات ، ولم يزل ذلك يتأكد بالرسل ويتناصر بالأنبياء - صلوات الله عليهم - واحدا بعد واحد وشريعة إثر شريعة ، حتى ختمها الله بخير الملل ملتنا على لسان أكرم الرسل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان المعنى أوصيناك يا محمد ونوحا دينا واحدا ، يعني في الأصول التي لا تختلف فيها الشريعة ، وهي التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج ، والتقرب إلى الله بصالح الأعمال ، والزلف إليه بما يرد القلب والجارحة إليه ، والصدق والوفاء بالعهد ، وأداء الأمانة وصلة الرحم ، وتحريم الكفر والقتل والزنى والأذية للخلق كيفما تصرفت ، والاعتداء على الحيوان كيفما دار ، واقتحام الدناءات ، وما يعود بخرم المروآت ؛ فهذا كله مشروع دينا واحدا وملة متحدة ، لم تختلف على ألسنة الأنبياء وإن اختلفت أعدادهم ؛ وذلك قوله تعالى : أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه أي : اجعلوه قائما ، يريد دائما مستمرا محفوظا مستقرا من غير خلاف فيه ولا اضطراب ، فمن الخلق من وفى بذلك ومنهم من نكث ؛ ( فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ) . واختلفت الشرائع وراء هذا في معان حسبما أراده الله مما اقتضت المصلحة وأوجبت الحكمة وضعه في الأزمنة على الأمم . والله أعلم . قال مجاهد : لم يبعث الله نبيا قط إلا وصاه بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإقرار لله بالطاعة ، فذلك دينه الذي شرع لهم ، وقاله الوالبي عن ابن عباس ، وهو قول الكلبي . وقال قتادة : يعني تحليل الحلال وتحريم الحرام . وقال الحكم : تحريم الأمهات والأخوات والبنات . وما ذكره القاضي يجمع هذه الأقوال ويزيد عليها . وخص نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى بالذكر لأنهم أرباب الشرائع .قوله تعالى : كبر على المشركين أي : عظم عليهم . ( ما تدعوهم إليه ) من التوحيد ورفض الأوثان . قال قتادة : كبر على المشركين فاشتد عليهم شهادة أن لا إله إلا الله ، وضاق بها إبليس وجنوده ، فأبى الله - عز وجل - إلا أن ينصرها ويعليها ويظهرها على من ناوأها . ثم قال : ( الله يجتبي إليه من يشاء ) أي : يختار . والاجتباء الاختيار ، أي : يختار للتوحيد من يشاء . ( ويهدي إليه من ينيب ) أي : يستخلص لدينه من رجع إليه .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13)يقول تعالى ذكره: ( شَرَعَ لَكُمْ ) ربكم أيها الناس ( مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا ) أن يعمله ( وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ) يقول لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: وشرع لكم من الدين الذي أوحينا إليك يا محمد, فأمرناك به ( وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ) يقول: شرع لكم من الدين, أن أقيموا الدين ف " أن " إذ كان ذلك معنى الكلام, في موضع نصب على الترجمة بها عن " ما " التي في قوله: ( مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا ). ويجوز أن تكون في موضع خفض ردّا على الهاء التي في قوله: ( بِهِ ) , وتفسيرا عنها, فيكون معنى الكلام حينئذ: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا, أن أقيموا الدين ولا تتفرّقوا فيه. وجائز أن تكون في موضع رفع على الاستئناف, فيكون معنى الكلام حينئذ: شرع لكم من الدين ما وصى به, وهو أن أقيموا الدين. وإذ كان معنى الكلام ما وصفت, فمعلوم أن الذي أوصى به جميع هؤلاء الأنبياء وصية واحدة, وهي إقامة الدين الحق, ولا تتفرقوا فيه.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا ) قال: ما أوصاك به وأنبيائه, كلهم دين واحد.حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا ) قال: هو الدين كله.حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا ) بعث نوح حين بعث بالشريعة بتحليل الحلال, وتحريم الحرام ( وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ).حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا ) قال: الحلال والحرام.حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا ).... إلى آخر الآية, قال: حسبك ما قيل لك.وعنى بقوله: ( أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ) أن اعملوا به على ما شرع لكم وفرض, كما قد بينا فيما مضى قبل في قوله: أَقِيمُوا الصَّلاةَ .وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ) قال: اعملوا به.وقوله: ( وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ) يقول: ولا تختلفوا في الدين الذي أمرتم بالقيام به, كما اختلف الأحزاب من قبلكم.كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ) تعلموا أن الفرقة هلكة, وأن الجماعة ثقة.وقوله: ( كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: كبر على المشركين بالله من قومك يا محمد ما تدعوهم إليه من إخلاص العبادة لله, وإفراده بالألوهية والبراءة مما سواه من الآلهة والأنداد.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ) قال: أنكرها المشركون, وكبر عليهم شهادة أن لا إله إلا الله, فصادمها إبليس وجنوده, فأبى الله تبارك وتعالى إلا أن يمضيها وينصرها ويفلجها ويظهرها على من ناوأها.وقوله: ( اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ) يقول: الله يصطفي إليه من يشاء من خلقه, ويختار لنفسه, وولايته من أحبّ.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال ثنا عيسى, وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ) يقول: ويوفق للعمل بطاعته, واتباع ما بعث به نبيه عليه الصلاة والسلام من الحق من أقبل إلى طاعته, وراجع التوبة من معاصيه.كما حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ) : من يقبل إلى طاعة الله.
وَمَا تَفَرَّقُوٓاْ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى لَّقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ ١٤التفسير الميسروما تفرَّق المشركون بالله في أديانهم فصاروا شيعًا وأحزابًا إلا مِن بعد ما جاءهم العلم وقامت الحجة عليهم، وما حملهم على ذلك إلا البغي والعناد، ولولا كلمة سبقت من ربك -أيها الرسول- بتأخير العذاب عنهم إلى أجل مسمى وهو يوم القيامة، لقضي بينهم بتعجيل عذاب الكافرين منهم. وإن الذين أورثوا التوراة والإنجيل من بعد هؤلاء المختلفين في الحق لفي شك من الدين والإيمان موقعٍ في الريبة والاختلاف المذموم.
تفسير السعديلما أمر تعالى باجتماع المسلمين على دينهم، ونهاهم عن التفرق، أخبرهمأنكم لا تغتروا بما أنزل الله عليكم من الكتاب، فإن أهل الكتاب لم يتفرقوا حتى أنزل الله عليهم الكتاب الموجب للاجتماع، ففعلوا ضد ما يأمر به كتابهم، وذلك كله بغيا وعدوانا منهم، فإنهم تباغضوا وتحاسدوا، وحصلت بينهم المشاحنة والعداوة، فوقع الاختلاف، فاحذروا أيها المسلمون أن تكونوا مثلهم. وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ أي: بتأخير العذاب القاضي إلى أجل مسمى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ولكن حكمته وحلمه، اقتضى تأخير ذلك عنهم. وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ أي: الذين ورثوهم وصاروا خلفا لهم ممن ينتسب إلى العلم منهم لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ أي: لفي اشتباه كثير يوقع في الاختلاف، حيث اختلف سلفهم بغيا وعنادا، فإن خلفهم اختلفوا شكا وارتيابا، والجميع مشتركون في الاختلاف المذموم.
تفسير ابن كثير( وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ) أي : إنما كان مخالفتهم للحق بعد بلوغه إليهم ، وقيام الحجة عليهم ، وما حملهم على ذلك إلا البغي والعناد والمشاقة .ثم قال [ الله ] تعالى : ( ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى ) أي : لولا الكلمة السابقة من الله بإنظار العباد بإقامة حسابهم إلى يوم المعاد ، لعجل لهم العقوبة في الدنيا سريعا .وقوله : ( وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم ) يعني : الجيل المتأخر بعد القرن الأول المكذب للحق ( لفي شك منه مريب ) أي : ليسوا على يقين من أمرهم ، وإنما هم مقلدون لآبائهم وأسلافهم ، بلا دليل ولا برهان ، وهم في حيرة من أمرهم ، وشك مريب ، وشقاق بعيد .
تفسير القرطبي( وما تفرقوا ) قال ابن عباس : يعني قريشا . ( إلا من بعد ما جاءهم العلم ) محمد صلى الله عليه وسلم ؛ وكانوا يتمنون أن يبعث إليهم نبي ؛ دليله قوله تعالى في سورة فاطر : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير يريد نبيا . وقال في سورة البقرة : ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) على ما تقدم بيانه هناك . وقيل : أمم الأنبياء المتقدمين ، فإنهم فيما بينهم اختلفوا لما طال بهم المدى ، فآمن قوم وكفر قوم . وقال ابن عباس أيضا : يعني أهل الكتاب ، دليله في سورة المنفكين : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة . فالمشركون قالوا : لم خص بالنبوة! واليهود حسدوه لما بعث ، وكذا النصارى . ( بغيهم بينهم ) أي : بغيا من بعضهم على بعض طلبا للرياسة ، فليس تفرقهم لقصور في البيان والحجج ، ولكن للبغي والظلم والاشتغال بالدنيا . ولولا كلمة سبقت من ربك في تأخير العقاب عن هؤلاء . إلى أجل مسمى قيل : القيامة ، لقوله تعالى : بل الساعة موعدهم . وقيل : إلى الأجل الذي قضي فيه بعذابهم . ( لقضي بينهم ) أي : بين من آمن وبين من كفر بنزول العذاب . وإن الذين أورثوا الكتاب يريد اليهود والنصارى . من بعدهم أي : من بعد المختلفين في الحق . لفي شك منه مريب من الذي أوصى به الأنبياء . والكتاب هنا التوراة والإنجيل . وقيل : إن الذين أورثوا الكتاب قريش . من بعدهم من بعد اليهود والنصارى . لفي شك من القرآن أو من محمد . وقال مجاهد : معنى من بعدهم من قبلهم ، يعني من قبل مشركي مكة ، وهم اليهود والنصارى .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14)يقول تعالى ذكره: وما تفرّق المشركون بالله في أديانهم فصاروا أحزابا, إلا من بعد ما جاءهم العلم, بأن الذي أمرهم الله به, وبعث به نوحا, هو إقامة الدين الحقّ, وأن لا تتفرّقوا فيه.حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ ) فقال: إياكم والفرقة فإنها هلكة ( بَغْيًا بَيْنَهُمْ ) يقول: بغيا من بعضكم على بعض وحسدا وعداوة على طلب الدنيا.( وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) يقول جلّ ثناؤه: ولولا قول سبق يا محمد من ربك لا يعاجلهم بالعذاب, ولكنه أخر ذلك إلى أجل مسمى, وذلك الأجل المسمى فيما ذُكر: يوم القيامة.* ذكر من قال ذلك:حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) قال: يوم القيامة.وقوله: ( لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) يقول: لفرغ ربك من الحكم بين هؤلاء المختلفين في الحق الذي بعث به نبيه نوحا من بعد علمهم به, بإهلاكه أهل الباطل منهم, وإظهاره أهل الحقّ عليهم.وقوله: ( وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) يقول: وإن الذين أتاهم الله من بعد هؤلاء المختلفين في الحقّ كتابه التوراة والإنجيل.( لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ) يقول: لفي شكّ من الدين الذين وصّى الله به نوحا, وأوحاه إليك يا محمد, وأمركما بإقامته مريب.وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ( وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قوله: ( وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) قال: اليهود والنصارى.
فَلِذَٰلِكَ فَٱدۡعُۖ وَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡۖ وَقُلۡ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَٰبٖۖ وَأُمِرۡتُ لِأَعۡدِلَ بَيۡنَكُمُۖ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡۖ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡۖ لَا حُجَّةَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُۖ ٱللَّهُ يَجۡمَعُ بَيۡنَنَاۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ١٥التفسير الميسرفإلى ذلك الدين القيِّم الذي شرعه الله للأنبياء ووصَّاهم به، فادع -أيها الرسول- عباد الله، واستقم كما أمرك الله، ولا تتبع أهواء الذين شكُّوا في الحق وانحرفوا عن الدين، وقل: صدَّقت بجميع الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء، وأمرني ربي أن أعدل بينكم في الحكم، الله ربنا وربكم، لنا ثواب أعمالنا الصالحة، ولكم جزاء أعمالكم السيئة، لا خصومة ولا جدال بيننا وبينكم بعدما تبين الحق، الله يجمع بيننا وبينكم يوم القيامة، فيقضي بيننا بالحق فيما اختلفنا فيه، وإليه المرجع والمآب، فيجازي كلا بما يستحق.
تفسير السعدي فَلِذَلِكَ فَادْعُ أي: فللدين القويم والصراط المستقيم، الذي أنزل الله به كتبه وأرسل رسله، فادع إليه أمتك وحضهم عليه، وجاهد عليه، من لم يقبله، وَاسْتَقِمْ بنفسك كَمَا أُمِرْتَ أي: استقامة موافقة لأمر الله، لا تفريط ولا إفراط، بل امتثالا لأوامر الله واجتنابا لنواهيه، على وجه الاستمرار على ذلك، فأمره بتكميل نفسه بلزوم الاستقامة، وبتكميل غيره بالدعوة إلى ذلك.ومن المعلوم أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أمر لأمته إذا لم يرد تخصيص له. وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ أي: أهواء المنحرفين عن الدين، من الكفرة والمنافقين إما باتباعهم على بعض دينهم، أو بترك الدعوة إلى الله، أو بترك الاستقامة، فإنك إن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين، ولم يقل: "ولا تتبع دينهم" لأن حقيقة دينهم الذي شرعه الله لهم، هو دين الرسل كلهم، ولكنهم لم يتبعوه، بل اتبعوا أهواءهم، واتخذوا دينهم لهوا ولعبا. وَقُلْ لهم عند جدالهم ومناظرتهم: آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ أي: لتكن مناظرتك لهم مبنية على هذا الأصل العظيم، الدال على شرف الإسلام وجلالته وهيمنته على سائر الأديان، وأن الدين الذي يزعم أهل الكتاب أنهم عليه جزء من الإسلام، وفي هذا إرشاد إلى أن أهل الكتاب إن ناظروا مناظرة مبنية على الإيمان ببعض الكتب، أو ببعض الرسل دون غيره، فلا يسلم لهم ذلك، لأن الكتاب الذي يدعون إليه، والرسول الذي ينتسبون إليه، من شرطه أن يكون مصدقا بهذا القرآن وبمن جاء به، فكتابنا ورسولنا لم يأمرنا إلا بالإيمان بموسى وعيسى والتوراة والإنجيل، التي أخبر بها وصدق بها، وأخبر أنها مصدقة له ومقرة بصحته.وأما مجرد التوراة والإنجيل، وموسى وعيسى، الذين لم يوصفوا لنا، ولم يوافقوا لكتابنا، فلم يأمرنا بالإيمان بهم.وقوله: وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ أي: في الحكم فيما اختلفتم فيه، فلا تمنعني عداوتكم وبغضكم، يا أهل الكتاب من العدل بينكم، ومن العدل في الحكم، بين أهل الأقوال المختلفة، من أهل الكتاب وغيرهم، أن يقبل ما معهم من الحق، ويرد ما معهم من الباطل، اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ أي: هو رب الجميع، لستم بأحق به منا. لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ من خير وشر لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ أي: بعد ما تبينت الحقائق، واتضح الحق من الباطل، والهدى من الضلال، لم يبق للجدال والمنازعة محل، لأن المقصود من الجدال، إنما هو بيان الحق من الباطل، ليهتدي الراشد، ولتقوم الحجة على الغاوي، وليس المراد بهذا أن أهل الكتاب لا يجادلون، كيف والله يقول: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وإنما المراد ما ذكرنا. اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ يوم القيامة، فيجزي كلا بعمله، ويتبين حينئذ الصادق من الكاذب.
تفسير ابن كثيرشتملت هذه الآية الكريمة على عشر كلمات مستقلات ، كل منها منفصلة عن التي قبلها ، [ لها ] حكم برأسه - قالوا : ولا نظير لها سوى آية الكرسي ، فإنها أيضا عشرة فصول كهذه .قوله ( فلذلك فادع ) أي : فللذي أوحينا إليك من الدين الذي وصينا به جميع المرسلين قبلك أصحاب الشرائع الكبار المتبعة كأولي العزم وغيرهم ، فادع الناس إليه .وقوله : ( واستقم كما أمرت ) أي : واستقم أنت ومن اتبعك على عبادة الله ، كما أمركم الله عز وجل .وقوله : ( ولا تتبع أهواءهم ) يعني : المشركين فيما اختلقوه ، وكذبوه وافتروه من عبادة الأوثان .وقوله : ( وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب ) أي : صدقت بجميع الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء لا نفرق بين أحد منهم .وقوله : ( وأمرت لأعدل بينكم ) أي : في الحكم كما أمرني الله .وقوله : ( الله ربنا وربكم ) أي : هو المعبود ، لا إله غيره ، فنحن نقر بذلك اختيارا ، وأنتم وإن لم تفعلوه اختيارا ، فله يسجد من في العالمين طوعا واختيارا .وقوله : ( لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ) أي : نحن برآء منكم ، كما قال تعالى : ( وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون ) [ يونس : 41 ] .وقوله : ( لا حجة بيننا وبينكم ) قال مجاهد : أي لا خصومة . قال السدي : وذلك قبل نزول آية السيف . وهذا متجه لأن هذه الآية مكية ، وآية السيف بعد الهجرة .وقوله : ( الله يجمع بيننا ) أي : يوم القيامة ، كقوله : ( قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم ) [ سبأ : 26 ] .وقوله : ( وإليه المصير ) أي : المرجع والمآب يوم الحساب .
تفسير القرطبيقوله تعالى : فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير .قوله تعالى : فلذلك فادع واستقم لما أجاز أن يكون الشك لليهود والنصارى ، أو لقريش قيل له : فلذلك فادع أي : فتبينت شكهم فادع إلى الله ، أي : إلى ذلك الدين الذي شرعه الله للأنبياء ووصاهم به . فاللام بمعنى إلى ، كقوله تعالى : بأن ربك أوحى لها أي : إليها . ( وذلك ) بمعنى هذا . وقد تقدم أول ( البقرة ) والمعنى فلهذا القرآن فادع . وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، والمعنى : كبر على المشركين ما تدعوهم إليه فلذلك فادع . وقيل : إن اللام على بابها ، والمعنى : فمن أجل ذلك الذي تقدم ذكره فادع واستقم . قال ابن عباس : أي : إلى القرآن فادع الخلق . ( واستقم ) خطاب له عليه السلام . قال قتادة : أي : استقم على أمر الله . وقال سفيان : أي : استقم على القرآن . وقال الضحاك : استقم على تبليغ الرسالة .ولا تتبع أهواءهم أي لا تنظر إلى خلاف من خالفك . وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم أي أن أعدل ، كقوله تعالى : وأمرت أن أسلم لرب العالمين وقيل : هي لام كي ، أي : لكي أعدل . قال ابن عباس وأبو العالية : لأسوي بينكم في الدين فأؤمن بكل كتاب وبكل رسول . وقال غيرهما : لأعدل في جميع الأحوال . وقيل : هذا العدل هو العدل في الأحكام . وقيل : في التبليغ . الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم قال ابن عباس ومجاهد : الخطاب لليهود ، أي : لنا ديننا ولكم دينكم . قال : نسخت بقوله : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر الآية . قال مجاهد : ومعنى لا حجة بيننا وبينكم لا خصومة بيننا وبينكم . وقيل : ليس بمنسوخ ، لأن البراهين قد ظهرت ، والحجج قد قامت ، فلم يبق إلا العناد ، وبعد العناد لا حجة ولا جدال . قال النحاس : ويجوز أن يكون معنى : لا حجة بيننا وبينكم على ذلك القول : لم يؤمر أن يحتج عليكم ويقاتلكم ، ثم نسخ هذا . كما أن قائلا لو قال من قبل أن تحول القبلة : لا تصل إلى الكعبة ، ثم حول الناس بعد ، لجاز أن يقال نسخ ذلك . الله يجمع بيننا يريد يوم القيامة . وإليه المصير أي فهو يحكم بيننا إذا صرنا إليه ، ويجازي كلا بما كان عليه . وقيل : إن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة ، وقد سألا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرجع عن دعوته ودينه إلى دين قريش ، على أن يعطيه الوليد نصف ماله ويزوجه شيبة بابنته .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)يقول تعالى ذكره: فإلى ذلك الدين الذي شَرَع لكم, ووصّى به نوحا, وأوحاه إليك يا محمد, فادع عباد الله, واستقم على العمل به, ولا تزغ عنه, واثبت عليه كما أمرك ربك بالاستقامة. وقيل: فلذلك فادع, والمعنى: فإلى ذلك, فوضعت اللام موضع إلى, كما قيل: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا وقد بيَّنا ذلك في غير موضع من كتابنا هذا.وكان بعض أهل العربية يوجه معنى ذلك, في قوله: ( فَلِذَلِكَ فَادْعُ ) إلى معنى هذا, ويقول: معنى الكلام: فإلى هذا القرآن فادع واستقم. والذي قال من هذا القول قريب المعنى مما قلناه, غير أن الذي قلنا في ذلك أولى بتأويل الكلام, لأنه في سياق خبر الله جلّ ثناؤه عما شرع لكم من الدين لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بإقامته, ولم يأت من الكلام ما يدلّ على انصرافه عنه إلى غيره.وقوله: ( وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ) يقول تعالى ذكره: ولا تتبع يا محمد أهواء الذين شكُّوا في الحقّ الذي شرعه الله لكم من الذين أورثوا الكتاب من بعد القرون الماضية قبلهم, فتشك فيه, كالذي شكوا فيه.يقول تعالى ذكره: وقل لهم يا محمد: صدّقت بما أنزل الله من كتاب كائنا ما كان ذلك الكتاب, توراة كان أو إنجيلا أو زبورا أو صحف إبراهيم, لا أكذب بشيء من ذلك تكذيبكم ببعضه معشر الأحزاب, وتصديقكم ببعض.وقوله: ( وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ ) يقول تعالى ذكره: وقل لهم يا محمد: وأمرني ربي أن أعدل بينكم معشر الأحزاب, فأسير فيكم جميعا بالحق الذي أمرني به وبعثني بالدعاء إليه.كالذي حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ ) قال: أمر نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يعدل, فعدل حتى مات صلوات الله وسلامه عليه. والعدل ميزان الله في الأرض, به يأخذ للمظلوم من الظالم, وللضعيف من الشديد, وبالعدل يصدّق الله الصادق, ويكذّب الكاذب, وبالعدل يردّ المعتدي ويوبخه.ذكر لنا أن نبي الله داود عليه السلام: كان يقول: ثلاث من كن فيه أعجبني جدا: القصد في الفاقة والغنى, والعدل في الرضا والغضب, والخشية في السر والعلانية; وثلاث من كن فيه أهلكه: شح مطاع, وهوى متبع, وإعجاب المرء بنفسه. وأربع من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة: لسان ذاكر, وقلب شاكر, وبدن صابر, وزوجة مؤمنة.واختلف أهل العربية في معنى اللام التي في قوله: ( وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ ) فقال بعض نحويي البصرة: معناها: كي, وأمرت كي أعدل; وقال غيره: معنى الكلام: وأمرت بالعدل, والأمر واقع على ما بعده, وليست اللام التي في لأعدل بشرط; قال: ( وَأُمِرْتُ ) تقع على " أن " وعلى " كي" واللام أمرت أن أعبد, وكي أعبد, ولأعبد. قال: وكذلك كلّ من طالب الاستقبال, ففيه هذه الأوجه الثلاثة.والصواب من القول في ذلك عندي أن الأمر عامل في معنى لأعدل, لأن معناه: وأمرت بالعدل بينكم.وقوله: ( اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ) يقول: الله مالكنا ومالكم معشر الأحزاب ما أهل الكتابين التوراة والإنجيل.يقول: لنا ثواب ما اكتسبناه من الأعمال, ولكم ثواب ما اكتسبتم منها.وقوله: ( لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ) يقول: لا خصومة بيننا وبينكم. كما:حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; والحارث, قال: ثنا الحسن, قال ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم ) قال: لا خصومة.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قول الله عز وجل: ( لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ) لا خصومة بيننا وبينكم, وقرأ: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ .... إلى آخر الآية.وقوله: ( اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ) يقول: الله يجمع بيننا يوم القيامة, فيقضي بيننا بالحقّ فيما اختلفنا فيه.( وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) يقول: وإليه المعاد والمرجع بعد مماتنا.