الأربعاء، ٢٤ يونيو ٢٠٢٦
الأربعاء، ٢٤ يونيو ٢٠٢٦
facebookinstagramtwitter

عرض بالصفحات

Basmala
سُورَةُ الشُّورَىٰ
وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ٱسۡتُجِيبَ لَهُۥ حُجَّتُهُمۡ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ وَلَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٌ  ١٦ٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ وَٱلۡمِيزَانَۗ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٞ  ١٧يَسۡتَعۡجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِهَاۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشۡفِقُونَ مِنۡهَا وَيَعۡلَمُونَ أَنَّهَا ٱلۡحَقُّۗ أَلَآ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فِي ٱلسَّاعَةِ لَفِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٍ  ١٨ٱللَّهُ لَطِيفُۢ بِعِبَادِهِۦ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُ  ١٩مَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلۡأٓخِرَةِ نَزِدۡ لَهُۥ فِي حَرۡثِهِۦۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ  ٢٠أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةُ ٱلۡفَصۡلِ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ  ٢١تَرَى ٱلظَّٰلِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعُۢ بِهِمۡۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فِي رَوۡضَاتِ ٱلۡجَنَّاتِۖ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ  ٢٢
تفسير سُورَةُ الشُّورَىٰ
وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ٱسۡتُجِيبَ لَهُۥ حُجَّتُهُمۡ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ وَلَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٌ  ١٦
التفسير الميسروالذين يجادلون في دين الله الذي أرسلتُ به محمدًا صلى الله عليه وسلم، مِن بعد ما استجاب الناس له وأسلموا، حجتهم ومجادلتهم باطلة ذاهبة عند ربهم، وعليهم من الله غضب في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب شديد، وهو النار.
تفسير السعديوهذا تقرير لقوله: لا حجة بيننا وبينكم، فأخبر هنا أن الَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ بالحجج الباطلة، والشبه المتناقضة مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ أي: من بعد ما استجاب للّه أولو الألباب والعقول، لما بين لهم من الآيات القاطعة، والبراهين الساطعة، فهؤلاء المجادلون للحق من بعد ما تبين حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ أي: باطلة مدفوعة عِنْدَ رَبِّهِمْ لأنها مشتملة على رد الحق وكل ما خالف الحق، فهو باطل. وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ لعصيانهم وإعراضهم عن حجج اللّه وبيناته وتكذيبها. وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ هو أثر غضب اللّه عليهم، فهذه عقوبة كل مجادل للحق بالباطل.
تفسير ابن كثيريقول تعالى - متوعدا الذين يصدون عن سبيل الله من آمن به - : ( والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له ) أي : يجادلون المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله ، ليصدوهم عما سلكوه من طريق الهدى ، ( حجتهم داحضة عند ربهم ) أي : باطلة عند الله ، ( وعليهم غضب ) أي : منه ، ( ولهم عذاب شديد ) أي : يوم القيامة .قال ابن عباس ، ومجاهد : جادلوا المؤمنين بعد ما استجابوا لله ولرسوله ؛ ليصدوهم عن الهدى ، وطمعوا أن تعود الجاهلية .وقال قتادة : هم اليهود والنصارى ، قالوا لهم : ديننا خير من دينكم ، ونبينا قبل نبيكم ، ونحن خير منكم ، وأولى بالله منكم . وقد كذبوا في ذلك .
تفسير القرطبيقوله تعالى : والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد .قوله تعالى : والذين يحاجون في الله رجع إلى المشركين . ( من بعد ما استجيب له ) قال مجاهد : من بعد ما أسلم الناس . قال : وهؤلاء قد توهموا أن الجاهلية تعود . وقال قتادة : الذين يحاجون في الله اليهود والنصارى ، ومحاجتهم قولهم : نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ، وكانوا يرون لأنفسهم الفضيلة بأنهم أهل الكتاب وأنهم أولاد الأنبياء . وكان المشركون يقولون : أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا فقال الله تعالى : والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم أي : لا ثبات لها كالشيء الذي يزل عن موضعه . والهاء في ( له ) يجوز أن يكون لله - عز وجل - ، أي : من بعد ما وحدوا الله وشهدوا له بالوحدانية . ويجوز أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم ، أي : من بعد ما استجيب محمد - صلى الله عليه وسلم - في دعوته من أهل بدر ونصر الله المؤمنين . يقال : دحضت حجته دحوضا بطلت . وأدحضها الله . والإدحاض : الإزلاق . ومكان دحض ودحض أيضا ( بالتحريك ) أي : زلق . ودحضت رجله تدحض دحضا زلقت . ودحضت الشمس عن كبد السماء زالت . وعليهم غضب يريد في الدنيا . ولهم عذاب شديد يريد في الآخرة عذاب دائم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (16)يقول تعالى ذكره: والذين يخاصمون في دين الله الذي ابتعث به نبيه محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من بعد ما استجاب له الناس, فدخلوا فيه من الذين أورثوا الكتاب ( حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ ) يقول: خصومتهم التي يخاصمون فيه باطلة ذاهبة عند ربهم ( وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ) يقول: وعليهم من الله غضب, ولهم في الآخرة عذاب شديد, وهو عذاب النار.وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من اليهود خاصموا أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في دينهم, وطمعوا أن يصدوهم عنه, ويردوهم عن الإسلام إلى الكفر.* ذكر الرواية عمن ذكر ذلك عنه:حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ) قال: هم أهل الكتاب كانوا يجادلون المسلمين, ويصدّونهم عن الهدى من بعد ما استجابوا لله. وقال: هم أهل الضلالة كان استجيب لهم على ضلالتهم, وهم يتربصون بأن تأتيهم الجاهلية.حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ ) قال: طمع رجال بأن تعود الجاهلية.حدثنا محمد بن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن منصور, عن مجاهد, أنه قال في هذه الآية ( وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ ) قال: بعد ما دخل الناس في الإسلام.حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) قال: هم اليهود والنصارى, قالوا: كتابنا قبل كتابكم, ونبينا قبل نبيكم, ونحن خير منكم.حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ )..... الآية, قال: هم اليهود والنصارى حاجوا أصحاب نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فقالوا: كتابنا قبل كتابكم, ونبينا قبل نبيكم, ونحن أولى بالله منكم.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ ).... إلى آخر الآية, قال: نهاه عن الخصومة.
ٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ وَٱلۡمِيزَانَۗ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٞ  ١٧
التفسير الميسرالله الذي أنزل القرآن وسائر الكتب المنزلة بالصدق، وأنزل الميزان وهو العدل؛ ليحكم بين الناس بالإنصاف. وأي شيء يدريك ويُعْلمك لعل الساعة التي تقوم فيها القيامة قريب؟
تفسير السعديلما ذكر تعالى أن حججه واضحة بينة، بحيث استجاب لها كل من فيه خير، ذكر أصلها وقاعدتها، بل جميع الحجج التي أوصلها إلى العباد، فقال: اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ فالكتاب هو هذا القرآن العظيم، نزل بالحق، واشتمل على الحق والصدق واليقين، وكله آيات بينات، وأدلة واضحات، على جميع المطالب الإلهية والعقائد الدينية، فجاء بأحسن المسائل وأوضح الدلائل.وأما الميزان، فهو العدل والاعتبار بالقياس الصحيح والعقل الرجيح، فكل الدلائل العقلية، من الآيات الآفاقية والنفسية، والاعتبارات الشرعية، والمناسبات والعلل، والأحكام والحكم، داخلة في الميزان الذي أنزله الله تعالى ووضعه بين عباده، ليزنوا به ما اشتبه من الأمور، ويعرفوا به صدق ما أخبر به وأخبرت رسله، مما خرج عن هذين الأمرين عن الكتاب والميزان مما قيل إنه حجة أو برهان أو دليل أو نحو ذلك من العبارات، فإنه باطل متناقض، قد فسدت أصوله، وانهدمت مبانيه وفروعه، يعرف ذلك من خبر المسائل ومآخذها، وعرف التمييز بين راجح الأدلة من مرجوحها، والفرق بين الحجج والشبه، وأما من اغتر بالعبارات المزخرفة، والألفاظ المموهة، ولم تنفذ بصيرته إلى المعنى المراد، فإنه ليس من أهل هذا الشأن، ولا من فرسان هذا الميدان، فوفاقه وخلافه سيان.ثم قال تعالى مخوفا للمستعجلين لقيام الساعة المنكرين لها، فقال: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ أي: ليس بمعلوم بعدها، ولا متى تقوم، فهي في كل وقت متوقع وقوعها، مخوف وجبتها.
تفسير ابن كثيرثم قال : ( الله الذي أنزل الكتاب بالحق ) يعني : الكتب المنزلة من عنده على أنبيائه ( والميزان ) ، وهو : العدل والإنصاف ، قاله مجاهد ، وقتادة . وهذه كقوله تعالى : ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ) [ الحديد : 25 ] وقوله : ( والسماء رفعها ووضع الميزان . ألا تطغوا في الميزان . وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان ) [ الرحمن : 7 - 9 ] .وقوله : ( وما يدريك لعل الساعة قريب ) فيه ترغيب فيها ، وترهيب منها ، وتزهيد في الدنيا .
تفسير القرطبيقوله تعالى : الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب .قوله تعالى : الله الذي أنزل الكتاب يعني القرآن وسائر الكتب المنزلة . ( بالحق ) أي : بالصدق . والميزان أي : العدل ، قاله ابن عباس وأكثر المفسرين . والعدل يسمى ميزانا ; لأن الميزان آلة الإنصاف والعدل . وقيل : الميزان ما بين في الكتب مما يجب على الإنسان أن يعمل به . وقال قتادة : الميزان العدل فيما أمر به ونهى عنه . وهذه الأقوال متقاربة المعنى . وقيل : هو الجزاء على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب . وقيل : إنه الميزان نفسه الذي يوزن به ، أنزله من السماء وعلم العباد الوزن به ، لئلا يكون بينهم تظالم وتباخس ، قال الله تعالى : لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط . قال مجاهد : هو الذي يوزن به . ومعنى أنزل الميزان ، هو إلهامه للخلق أن يعلموه ويعملوا به . وقيل : الميزان محمد - صلى الله عليه وسلم - يقضي بينكم بكتاب الله . وما يدريك لعل الساعة قريب فلم يخبره بها . يحضه على العمل بالكتاب والعدل والسوية ، والعمل بالشرائع قبل أن يفاجئ اليوم الذي يكون فيه المحاسبة ووزن الأعمال ، فيوفي لمن أوفى ويطفف لمن طفف . ف لعل الساعة قريب أي : منك وأنت لا تدري . وقال : ( قريب ) ولم يقل قريبة ; لأن تأنيثها غير حقيقي لأنها كالوقت ؛ قاله الزجاج . والمعنى : لعل البعث أو لعل مجيء الساعة قريب . وقال الكسائي : ( قريب ) نعت ينعت به المذكر والمؤنث والجمع بمعنى ولفظ واحد ، قال الله تعالى : إن رحمة الله قريب من المحسنين قال الشاعر :وكنا قريبا والديار بعيدة فلما وصلنا نصب أعينهم غبنا
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17)يقول تعالى ذكره: (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ) هذا(الْكِتَابَ) يعني القرآن ( بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ) يقول: وأنزل الميزان وهو العدل, ليقضي بين الناس بالإنصاف, ويحكم فيهم بحكم الله الذي أمر به في كتابه.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثنا الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( أَنزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ) قال: العدل.حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله: ( الَّذِي أَنزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ) قال: الميزان: العدل.وقوله: ( وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ) يقول تعالى ذكره: وأيّ شيء يدريك ويعلمك, لعل الساعة التي تقوم فيها القيامة قريب .
يَسۡتَعۡجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِهَاۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشۡفِقُونَ مِنۡهَا وَيَعۡلَمُونَ أَنَّهَا ٱلۡحَقُّۗ أَلَآ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فِي ٱلسَّاعَةِ لَفِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٍ  ١٨
التفسير الميسريستعجل بمجيء الساعة الذين لا يؤمنون بها؛ تهكمًا واستهزاءً، والذين آمنوا بها خائفون من قيامها، ويعلمون أنها الحق الذي لا شك فيه. ألا إن الذين يخاصمون في قيام الساعة لفي ضلال بعيد عن الحق.
تفسير السعدي يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا عنادا وتكذيبا، وتعجيزا لربهم. وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا أي: خائفون، لإيمانهم بها، وعلمهم بما تشتمل عليه من الجزاء بالأعمال، وخوفهم، لمعرفتهم بربهم، أن لا تكون أعمالهم منجية لهم ولا مسعدة، ولهذا قال: وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ الذي لا مرية فيه، ولا شك يعتريه أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ أي: بعد ما امتروا فيها، ماروا الرسل وأتباعهم بإثباتها فهم في شقاق بعيد، أي: معاندة ومخاصمة غير قريبة من الصواب، بل في غاية البعد عن الحق، وأيُّ بعد أبعد ممن كذب بالدار التي هي الدار على الحقيقة، وهي الدار التي خلقت للبقاء الدائم والخلود السرمد، وهي دار الجزاء التي يظهر الله فيها عدله وفضله وإنما هذه الدار بالنسبة إليها، كراكب قال في ظل شجرة ثم رحل وتركها، وهي دار عبور وممر، لا محل استقرار.فصدقوا بالدار المضمحلة الفانية، حيث رأوها وشاهدوها، وكذبوا بالدار الآخرة، التي تواترت بالإخبار عنها الكتب الإلهية، والرسل الكرام وأتباعهم، الذين هم أكمل الخلق عقولا، وأغزرهم علما، وأعظمهم فطنة وفهما.
تفسير ابن كثيروقوله : ( يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ) أي : يقولون : ( متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) [ سبأ : 29 ] ، وإنما يقولون ذلك تكذيبا واستبعادا ، وكفرا وعنادا ، ( والذين آمنوا مشفقون منها ) أي : خائفون وجلون من وقوعها ( ويعلمون أنها الحق ) أي : كائنة لا محالة ، فهم مستعدون لها عاملون من أجلها .وقد روي من طرق تبلغ درجة التواتر ، في الصحاح والحسان ، والسنن والمسانيد ، وفي بعض ألفاظه ; أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصوت جهوري ، وهو في بعض أسفاره فناداه فقال : يا محمد . فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوا من صوته " هاؤم " . فقال : متى الساعة ؟ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ويحك ، إنها كائنة ، فما أعددت لها ؟ " فقال : حب الله ورسوله . فقال : " أنت مع من أحببت .فقوله في الحديث : " المرء مع من أحب " ، هذا متواتر لا محالة ، والغرض أنه لم يجبه عن وقت الساعة ، بل أمره بالاستعداد لها .وقوله : ( ألا إن الذين يمارون في الساعة ) أي : يحاجون في وجودها ويدفعون وقوعها ، ( لفي ضلال بعيد ) أي : في جهل بين ; لأن الذي خلق السموات والأرض قادر على إحياء الموتى بطريق الأولى والأحرى ، كما قال : ( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ) [ الروم : 27 ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى : يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها يعني على طريق الاستهزاء ، ظنا منهم أنها غير آتية ، أو إيهاما للضعفة أنها لا تكون . والذين آمنوا مشفقون منها أي خائفون وجلون لاستقصارهم أنفسهم مع الجهد في الطاعة ؛ كما قال : والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون . ويعلمون أنها الحق أي التي لا شك فيها . ألا إن الذين يمارون في الساعة أي يشكون ويخاصمون في قيام الساعة . لفي ضلال بعيد أي عن الحق وطريق الاعتبار ، إذ لو تذكروا لعلموا أن الذي أنشأهم من تراب ثم من نطفة إلى أن بلغوا ما بلغوا ، قادر على أن يبعثهم .
تفسير الطبري( يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا ): يقول: يستعجلك يا محمد بمجيئها الذين لا يوقنون بمجيئها, ظنا منهم أنها غير جائية ( وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا ) يقول: والذين صدّقوا بمجيئها, ووعد الله إياهم الحشر فيها,( مُشْفِقُونَ مِنْهَا ) يقول: وَجِلون من مجيئها, خائفون من قيامها, لأنهم لا يدرون ما الله فاعل بهم فيها( وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ ) يقول: ويوقنون أن مجيئها الحقّ اليقين, لا يمترون في مجيئها( أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ ) يقول تعالى ذكره: ألا إن الذين يخاصمون في قيام الساعة ويجادلون فيه ( لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ) يقول: لفي جَور عن طريق الهدى, وزيغ عن سبيل الحقّ والرشاد, بعيد من الصواب.
ٱللَّهُ لَطِيفُۢ بِعِبَادِهِۦ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُ  ١٩
التفسير الميسرالله لطيف بعباده، يوسِّع الرزق على مَن يشاء، ويضيِّقه على مَن يشاء وَفْق حكمته سبحانه، وهو القوي الذي له القوة كلها، العزيز في انتقامه من أهل معاصيه.
تفسير السعدييخبر تعالى بلطفه بعباده ليعرفوه ويحبوه، ويتعرضوا للطفه وكرمه، واللطف من أوصافه تعالى معناه: الذي يدرك الضمائر والسرائر، الذي يوصل عباده -وخصوصا المؤمنين- إلى ما فيه الخير لهم من حيث لا يعلمون ولا يحتسبون.فمن لطفه بعبده المؤمن، أن هداه إلى الخير هداية لا تخطر بباله، بما يسر له من الأسباب الداعية إلى ذلك، من فطرته على محبة الحق والانقياد له وإيزاعه تعالى لملائكته الكرام، أن يثبتوا عباده المؤمنين، ويحثوهم على الخير، ويلقوا في قلوبهم من تزيين الحق ما يكون داعيا لاتباعه.ومن لطفه أن أمر المؤمنين، بالعبادات الاجتماعية، التي بها تقوى عزائمهم وتنبعث هممهم، ويحصل منهم التنافس على الخير والرغبة فيه، واقتداء بعضهم ببعض.ومن لطفه، أن قيض لعبده كل سبب يعوقه ويحول بينه وبين المعاصي، حتى إنه تعالى إذا علم أن الدنيا والمال والرياسة ونحوها مما يتنافس فيه أهل الدنيا، تقطع عبده عن طاعته، أو تحمله على الغفلة عنه، أو على معصية صرفها عنه، وقدر عليه رزقه، ولهذا قال هنا: يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بحسب اقتضاء حكمته ولطفه وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ الذي له القوة كلها، فلا حول ولا قوة لأحد من المخلوقين إلا به، الذي دانت له جميع الأشياء.
تفسير ابن كثيريقول تعالى مخبرا عن لطفه بخلقه في رزقه إياهم عن آخرهم ، لا ينسى أحدا منهم ، سواء في رزقه البر والفاجر ، كقوله تعالى : ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين ) [ هود : 6 ] ولها نظائر كثيرة .وقوله : ( يرزق من يشاء ) أي : يوسع على من يشاء ، ( وهو القوي العزيز ) أي : لا يعجزه شيء .
تفسير القرطبيقوله تعالى : الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز .قوله تعالى : الله لطيف بعباده قال ابن عباس : حفي بهم . وقال عكرمة : بار بهم . وقال السدي : رفيق بهم . وقال مقاتل : لطيف بالبر والفاجر ، حيث لم يقتلهم جوعا بمعاصيهم . وقال القرظي : لطيف ، بهم في العرض والمحاسبة . قال :غدا عند مولى الخلق للخلق موقف يسائلهم فيه الجليل ويلطفوقال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين : يلطف بهم في الرزق من وجهين : أحدهما : أنه جعل رزقك من الطيبات . والثاني : أنه لم يدفعه إليك مرة واحدة فتبذره . وقال الحسين بن الفضل : لطيف بهم في القرآن وتفصيله وتفسيره . وقال الجنيد : لطيف بأوليائه حتى عرفوه ، ولو لطف بأعدائه لما جحدوه . وقال محمد بن علي الكتاني : اللطيف بمن لجأ إليه من عباده إذا يئس من الخلق توكل ورجع إليه ، فحينئذ يقبله ويقبل عليه . وجاء في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن الله تعالى يطلع على القبور الدوارس فيقول - جل وعز - امحت آثارهم واضمحلت صورهم وبقي عليهم العذاب وأنا اللطيف وأنا أرحم الراحمين خففوا عنهم العذاب فيخفف عنهم العذاب . قال أبو علي الثقفي - رضي الله عنه - :أمر بأفناء القبور كأنني أخو فطنة والثواب فيه نحيفومن شق فاه الله قدر رزقه وربي بمن يلجأ إليه لطيفوقيل : اللطيف الذي ينشر من عباده المناقب ويستر عليهم المثالب ، وعلى هذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : يا من أظهر الجميل وستر القبيح . وقيل : هو الذي يقبل القليل ويبذل الجزيل . وقيل : هو الذي يجبر الكسير وييسر العسير . وقيل : هو الذي لا يخاف إلا عدله ولا يرجى إلا فضله . وقيل : هو الذي يبذل لعبده النعمة فوق الهمة ويكلفه الطاعة فوق الطاقة ، قال تعالى : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ، وقال : وما جعل عليكم في الدين من حرج ، يريد الله أن يخفف عنكم . وقيل : هو الذي يعين على الخدمة ويكثر المدحة . وقيل : هو الذي لا يعاجل من عصاه ولا يخيب من رجاه . وقيل : هو الذي لا يرد سائله ولا يوئس آمله . وقيل : هو الذي يعفو عمن يهفو . وقيل : هو الذي يرحم من لا يرحم نفسه . وقيل . هو الذي أوقد في أسرار العارفين من المشاهدة سراجا ، وجعل الصراط المستقيم لهم منهاجا ، وأجزل لهم من سحائب بره ماء ثجاجا . وقد مضى في ( الأنعام ) قول أبي العالية والجنيد أيضا . وقد ذكرنا جميع هذا في ( الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ) عند اسمه اللطيف ، والحمد لله . ( يرزق من يشاء ) ويحرم من يشاء . وفي تفضيل قوم بالمال حكمة ، ليحتاج البعض إلى البعض ، كما قال : ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ، فكان هذا لطفا بالعباد . وأيضا ليمتحن الغني بالفقير والفقير بالغني ، كما قال : ( وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون ) على ما تقدم بيانه . وهو القوي العزيز
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19)يقول تعالى ذكره: الله ذو لطف بعباده, يرزق من يشاء فيوسع عليه ويقتر على من يشاء منهم.(وَهُوَ الْقَوِيُّ) الذي لا يغلبه ذو أيد لشدته, ولا يمتنع عليه إذا أراد عقابه بقدرته (الْعَزِيزُ) في انتقامه إذا انتقم من أهل معاصيه.
مَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلۡأٓخِرَةِ نَزِدۡ لَهُۥ فِي حَرۡثِهِۦۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ  ٢٠
التفسير الميسرمن كان يريد بعمله ثواب الآخرة فأدى حقوق الله وأنفق في الدعوة إلى الدين، نزد له في عمله الحسن، فنضاعف له ثواب الحسنة إلى عشر أمثالها إلى ما شاء الله من الزيادة، ومن كان يريد بعمله الدنيا وحدها، نؤته منها ما قسمناه له، وليس له في الآخرة شيء من الثواب.
تفسير السعديثم قال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ أي: أجرها وثوابها، فآمن بها وصدق، وسعى لها سعيها نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ بأن نضاعف عمله وجزاءه أضعافا كثيرة، كما قال تعالى: وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ومع ذلك، فنصيبه من الدنيا لا بد أن يأتيه. وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا بأن: كانت الدنيا هي مقصوده وغاية مطلوبه، فلم يقدم لآخرته، ولا رجا ثوابها، ولم يخش عقابها. نُؤْتِهِ مِنْهَا نصيبه الذي قسم له، وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ قد حرم الجنة ونعيمها، واستحق النار وجحيمها.وهذه الآية، شبيهة بقوله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ إلى آخر الآيات.
تفسير ابن كثيرثم قال : ( من كان يريد حرث الآخرة ) أي : عمل الآخرة ( نزد له في حرثه ) أي : نقويه ونعينه على ما هو بصدده ، ونكثر نماءه ، ونجزيه بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، إلى ما يشاء الله ( ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ) أي : ومن كان إنما سعيه ليحصل له شيء من الدنيا ، وليس له إلى الآخرة همة ألبتة بالكلية ، حرمه الله الآخرة والدنيا إن شاء أعطاه منها ، وإن لم يشأ لم يحصل له لا هذه ولا هذه ، وفاز هذا الساعي بهذه النية بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة .والدليل على هذا أن هذه الآية هاهنا مقيدة بالآية التي في " سبحان " وهي قوله تعالى : ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ) [ الإسراء : 18 - 21 ] .وقال الثوري ، عن مغيرة ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب [ رضي الله عنه ] قال : قال : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة ، والنصر والتمكين في الأرض ، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا ، لم يكن له في الآخرة من نصيب " .
تفسير القرطبيقوله تعالى : من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب .قوله تعالى : من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه الحرث العمل والكسب . ومنه قول عبد الله بن عمر : واحرث لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا . ومنه سمي الرجل حارثا . والمعنى أي : من طلب بما رزقناه حرثا لآخرته ، فأدى حقوق الله وأنفق في إعزاز الدين ، فإنما نعطيه ثواب ذلك للواحد عشرا إلى سبعمائة فأكثر . ومن كان يريد حرث الدنيا أي : طلب بالمال الذي آتاه الله رياسة الدنيا والتوصل إلى المحظورات ، فإنا لا نحرمه الرزق أصلا ، ولكن لا حظ له في الآخرة من ماله ، قال الله تعالى : من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا وقيل : نزد له في حرثه نوفقه للعبادة ونسهلها عليه . وقيل : حرث الآخرة الطاعة ، أي : من أطاع فله الثواب . قيل : نزد له في حرثه أي : نعطه الدنيا مع الآخرة . وقيل : الآية في الغزو ، أي : من أراد بغزوه الآخرة أوتي الثواب ، ومن أراد بغزوه الغنيمة أوتي منها . قال القشيري : والظاهر أن الآية في الكافر ، يوسع له في الدنيا ، أي : لا ينبغي له أن يغتر بذلك لأن الدنيا لا تبقى . وقال قتادة : إن الله يعطي على نية الآخرة ما شاء من أمر الدنيا ، ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا . وقال أيضا : يقول الله تعالى : ( من عمل لآخرته زدناه في عمله وأعطيناه من الدنيا ما كتبنا له ومن آثر دنياه على آخرته لم نجعل له نصيبا في الآخرة إلا النار ولم يصب من الدنيا إلا رزقا قد قسمناه له لا بد أن كان يؤتاه مع إيثار أو غير إيثار ) . وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال : وقوله - عز وجل - : من كان يريد حرث الآخرة من كان من الأبرار يريد بعمله الصالح ثواب الآخرة نزد له في حرثه أي : في حسناته .ومن كان يريد حرث الدنيا أي : من كان من الفجار يريد بعمله الحسن الدنيا نؤته منها ثم نسخ ذلك في الإسراء سبحان : ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ) . والصواب أن هذا ليس بنسخ ; لأن هذا خبر والأشياء كلها بإرادة الله عز وجل . ألا ترى أنه قد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت ، اللهم ارحمني إن شئت . وقد قال قتادة ما تقدم ذكره ، وهو يبين لك أن لا نسخ . وقد ذكرنا في ( هود ) أن هذا من باب المطلق والمقيد ، وأن النسخ لا يدخل في الأخبار . والله المستعان .مسألة : هذه الآية تبطل مذهب أبي حنيفة في قوله : إنه من توضأ تبردا أنه يجزيه عن فريضة الوضوء الموظف عليه ، فإن فريضة الوضوء من حرث الآخرة والتبرد من حرث الدنيا ، فلا يدخل أحدهما على الآخر ، ولا تجزي نيته عنه بظاهر هذه الآية ، قاله ابن العربي .
تفسير الطبري( مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ) يقول تعالى ذكره: من كان يريد بعمله الآخرة نزد له في حرثه: يقول: نزد له في عمله الحسن, فنجعل له بالواحدة عشرا, إلى ما شاء ربنا من الزيادة ( وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ) يقول: ومن كان يريد بعمله الدنيا ولها يسعى لا للآخرة, نؤته منها ما قسمنا له منها.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ )... إلى ( وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ) قال: يقول: من كان إنما يعمل للدنيا نؤته منها.حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا ) .... الآية, يقول: من آثر دنياه على آخرته لم نجعل له نصيبا في الآخرة إلا النار, ولم نزده بذلك من الدنيا شيئا إلا رزقا قد فرغ منه وقسم له.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ) قال: من كان يريد الآخرة وعملها نزد له في عمله ( وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا )... إلى آخر الآية, قال: من أراد الدنيا وعملها آتيناه منها, ولم نجعل له في الآخرة من نصيب, الحرث العمل, من عمل للآخرة أعطاه الله, ومن عمل للدنيا أعطاه الله.حدثني محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قوله: ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ) قال: من كان يريد عمل الآخرة نزد له في عمله.وقوله: ( وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ) قال: للكافر عذاب أليم.
أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةُ ٱلۡفَصۡلِ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ  ٢١
التفسير الميسربل ألهؤلاء المشركين بالله شركاء في شركهم وضلالتهم، ابتدعوا لهم من الدين والشرك ما لم يأذن به الله؟ ولولا قضاء الله وقدره بإمهالهم، وأن لا يعجل لهم العذاب في الدنيا، لقضي بينهم بتعجيل العذاب لهم. وإن الكافرين بالله لهم يوم القيامة عذاب مؤلم موجع.
تفسير السعدييخبر تعالى أن المشركين اتخذوا شركاء يوالونهم ويشتركون هم وإياهم في الكفر وأعماله، من شياطين الإنس، الدعاة إلى الكفر شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ من الشرك والبدع، وتحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله ونحو ذلك مما اقتضته أهواؤهم.مع أن الدين لا يكون إلا ما شرعه الله تعالى، ليدين به العباد ويتقربوا به إليه، فالأصل الحجر على كل أحد أن يشرع شيئا ما جاء عن الله وعن رسوله، فكيف بهؤلاء الفسقة المشتركين هم وأباؤهم على الكفر. وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي: لولا الأجل المسمى الذي ضربه الله فاصلا بين الطوائف المختلفة، وأنه سيؤخرهم إليه، لقضي بينهم في الوقت الحاضر بسعادة المحق وإهلاك المبطل، لأن المقتضي للإهلاك موجود، ولكن أمامهم العذاب الأليم في الآخرة، هؤلاء وكل ظالم.
تفسير ابن كثيروقوله : ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) أي : هم لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم ، بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس ، من تحريم ما حرموا عليهم ، من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، وتحليل الميتة والدم والقمار ، إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة ، التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم ، من التحليل والتحريم ، والعبادات الباطلة ، والأقوال الفاسدة .وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " رأيت عمرو بن لحي بن قمعة يجر قصبه في النار " لأنه أول من سيب السوائب . وكان هذا الرجل أحد ملوك خزاعة ، وهو أول من فعل هذه الأشياء ، وهو الذي حمل قريشا على عبادة الأصنام ، لعنه الله وقبحه ; ولهذا قال تعالى : ( ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم ) أي : لعوجلوا بالعقوبة ، لولا ما تقدم من الإنظار إلى يوم المعاد ، ( وإن الظالمين لهم عذاب أليم ) أي : شديد موجع في جهنم وبئس المصير .
تفسير القرطبيقوله تعالى : أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم .قوله تعالى : أم لهم شركاء أي : ألهم! والميم صلة والهمزة للتقريع . وهذا متصل بقوله : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ، وقوله تعالى : الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان كانوا لا يؤمنون به ، فهل لهم آلهة شرعوا لهم الشرك الذي لم يأذن به الله! وإذا استحال هذا فالله لم يشرع الشرك ، فمن أين يدينون به . ولولا كلمة الفصل يوم القيامة حيث قال : ( بل الساعة موعدهم ) لقضي بينهم في الدنيا ، فعاجل الظالم بالعقوبة وأثاب الطائع . وإن الظالمين أي المشركين . ( لهم عذاب أليم ) في الدنيا القتل والأسر والقهر ، وفي الآخرة عذاب النار . وقرأ ابن هرمز ( وأن ) بفتح الهمزة على العطف على ( ولولا كلمة ) والفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجواب ( لولا ) جائز . ويجوز أن يكون موضع ( أن ) رفعا على تقدير : وجب أن الظالمين لهم عذاب أليم ، فيكون منقطعا مما قبله كقراءة الكسر ، فاعلمه .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (21)يقول تعالى ذكره: أم لهؤلاء المشركين بالله شركاء في شركهم وضلالتهم ( شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ) يقول: ابتدعوا لهم من الدين ما لم يبح الله لهم ابتداعه ( وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) يقول تعالى ذكره: ولولا السابق من الله في أنه لا يعجل لهم العذاب في الدنيا, وأنه مضى من قيله إنهم مؤخرون بالعقوبة إلى قيام الساعة, لفرغ من الحكم بينكم وبينهم بتعجيله العذاب لهم في الدنيا, ولكن لهم في الآخرة من العذاب الأليم, كما قال جلّ ثناؤه: ( وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) يقول: وإن الكافرين بالله لهم يوم القيامة عذاب مؤلم مُوجع.
تَرَى ٱلظَّٰلِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعُۢ بِهِمۡۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فِي رَوۡضَاتِ ٱلۡجَنَّاتِۖ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ  ٢٢
التفسير الميسرترى -أيها الرسول- الكافرين يوم القيامة خائفين من عقاب الله على ما كسبوا في الدنيا من أعمال خبيثة، والعذاب نازل بهم، وهم ذائقوه لا محالة، والذين آمنوا بالله وأطاعوه في بساتين الجنات وقصورها ونعيم الآخرة، لهم ما تشتهيه أنفسهم عند ربهم، ذلك الذي أعطاه الله لهم من الفضل والكرامة هو الفضل الذي لا يوصف، ولا تهتدي إليه العقول.
تفسير السعديوفي ذلك اليوم تَرَى الظَّالِمِينَ أنفسهم بالكفر والمعاصي مُشْفِقِينَ أي: خائفين وجلين مِمَّا كَسَبُوا أن يعاقبوا عليه.ولما كان الخائف قد يقع به ما أشفق منه وخافه، وقد لا يقع، أخبر أنه وَاقِعٌ بِهِمْ العقاب الذي خافوه، لأنهم أتوا بالسبب التام الموجب للعقاب، من غير معارض، من توبة ولا غيرها، ووصلوا موضعا فات فيه الإنظار والإمهال. وَالَّذِينَ آمَنُوا بقلوبهم بالله وبكتبه ورسله وما جاءوا به، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يشمل كل عمل صالح من أعمال القلوب، وأعمال الجوارح من الواجبات والمستحبات، فهؤلاء فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ أي: الروضات المضافة إلى الجنات، والمضاف يكون بحسب المضاف إليه، فلا تسأل عن بهجة تلك الرياض المونقة، وما فيها من الأنهارالمتدفقة، والفياض المعشبة، والمناظر الحسنة، والأشجار المثمرة، والطيور المغردة، والأصوات الشجية المطربة، والاجتماع بكل حبيب، والأخذ من المعاشرة والمنادمة بأكمل نصيب، رياض لا تزداد على طول المدى إلا حسنا وبهاء، ولا يزداد أهلها إلا اشتياقا إلى لذاتها وودادا، لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فيها، أي: في الجنات، فمهما أرادوا فهو حاصل، ومهما طلبوا حصل، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ وهل فوز أكبر من الفوز برضا الله تعالى، والتنعم بقربه في دار كرامته؟
تفسير ابن كثيرثم قال تعالى : ( ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا ) أي : في عرصات القيامة ، ( وهو واقع بهم ) أي : الذي يخافون منه واقع بهم لا محالة ، هذا حالهم يوم معادهم ، وهم في هذا الخوف والوجل ، ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ) فأين هذا من هذا : أين من هو في العرصات في الذل والهوان والخوف المحقق عليه بظلمه ، ممن هو في روضات الجنات ، فيما يشاء من مآكل ومشارب وملابس ومساكن ومناظر ومناكح وملاذ ، فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .قال : الحسن بن عرفة : حدثنا عمر بن عبد الرحمن الأبار ، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري عن أبي طيبة ، قال : إن الشرب من أهل الجنة لتظلهم السحابة فتقول : ما أمطركم ؟ قال : فما يدعو داع من القوم بشيء إلا أمطرتهم ، حتى إن القائل منهم ليقول : أمطرينا كواعب أترابا .رواه ابن جرير ، عن الحسن بن عرفة ، به .ولهذا قال تعالى : ( ذلك هو الفضل الكبير ) أي : الفوز العظيم ، والنعمة التامة السابغة الشاملة العامة .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير .قوله تعالى : ترى الظالمين مشفقين أي خائفين مما كسبوا أي من جزاء ما كسبوا . والظالمون هاهنا الكافرون ، بدليل التقسيم بين المؤمن والكافر . ( وهو واقع بهم ) أي نازل بهم . والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات الروضة : الموضع النزه الكثير الخضرة . وقد مضى في ( الروم ) .لهم ما يشاءون عند ربهم أي من النعيم والثواب الجزيل . ذلك هو الفضل الكبير أي لا يوصف ولا تهتدي العقول إلى كنه صفته ; لأن الحق إذا قال ( كبير ) فمن ذا الذي يقدر قدره .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (22)يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ترى يا محمد الكافرين بالله يوم القيامة ( مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا ) يقول: وَجِلين خائفين من عقاب الله على ما كسبوا في الدنيا من أعمالهم الخبيثة.( وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ ) يقول: والذين هم مشفقون منه من عذاب الله نازل بهم, وهم ذائقوه لا محالة.وقوله: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ ) يقول تعالى ذكره: والذين آمنوا بالله وأطاعوه فيما أمر ونهى في الدنيا في روضات البساتين في الآخرة. ويعني بالروضات: جمع روضة, وهي المكان الذي يكثر نبته, ولا تقول العرب لمواضع الأشجار رياض; ومنه قول أبي النجم.والنَّغضَ مِثْلَ الأجْرَبِ المُدَّجَّلِحَدائِقَ الرَّوْضِ التي لَمْ تُحْلَلِ (1)يعني بالروض: جمع روضة. وإنما عنى جل ثناؤه بذلك: الخبر عما هم فيه من السرور والنعيم.كما: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ ) إلى آخر الآية. قال في رياض الجنة ونعيمها.وقوله: ( لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) يقول للذين آمنوا وعملوا الصالحات عند ربهم في الآخرة ما تشتهيه أنفسهم, وتلذّه أعينهم, ذلك هوالفوز الكبير, يقول تعالى ذكره: هذا الذي أعطاهم الله من هذا النعيم, وهذه الكرامة في الآخرة: هو الفضل من الله عليهم, الكبير الذي يفضل كلّ نعيم وكرامة في الدنيا من بعض أهلها على بعض.------------------------الهوامش:(1) هذان بيتان من مشطور الرجز ، لأبي النجم الفضل بن قدامة العجلي والأرجوزة بتمامها في مجلة المجمع العلمي ( مجلد 8 : 472 ) وروى البيت الأول منهما وفسره ابن قتيبة في كتابه ( المعاني الكبير ، طبع الهند 332 - 333) والنغض من أسماء الظليم ، لأنه يحرك رأسه إذا عدا . والمدجل : المهنوء بالقطران . وشبهه بالأجرب ، لأنه قد أسن وذهب ريشه من أرفاغه . وفي ( اللسان : دجل) : شدة طلي الجرب بالقطران . والمدجل : المهنوء بالقطران . ونغض برأسه ينغض نغضا : حركه . وإنما سمي الظليم نغضا ، لأنه إذا عجل في مشيته ارتفع وانخفض . ا ه . والنغض منصوب بالفعل" راعت" في البيت قبله ، أي راقبته ونظرت إليه . والحدائق : جمع حديقة ، وهي القطعة من الزرع ؛ وكل بستان كان عليه حائط فهو حديقة . وما لم يكن عليه حائط ، لم يقل له حديقة . وقال الزجاج : الحدائق البساتين والشجر الملتف . وحدائق الروض : ما أعشب منه والتف . يقال : روضة بني فلان ما هي إلا حديقة . وإذا لم يكن فيها عشب فهي روضة ( اللسان : حدق ) ونصب قوله حدائق بقوله" تبقلت من أول التبقل" وهو بيت في أول الأرجوزة . والتي لم تحال : التي لم توطأ ولم ترعها الحيوانات ، فيقل نبتها .
من نحن

موقع الحياة بالإسلام هو موقع إسلامي، يقدم لكم العديد من المواضيع الاسلامية على منهاج الكتاب و السنة، كما يتضمن بعض قراءات القران الكريم بالرسم العثماني بأصوات اشهر القراء حول العالم

عرض المزيد
إشارات

التين , سُورَةُ هُودٍ , سُورَةُ الجُمُعَةِ , الكوثر , معيض الحارثي , القارئ سيلمان الشبيبي , القارئ عبدالرحمن الشحات , محمد عبدالحكيم سعيد العبدالله , قراءة يعقوب الحضرمي بروايتي رويس وروح , المصحف المعلم , قالون عن نافع من طريق أبي نشيط , خلف عن حمزة ,

عرض المزيد