السبت، ٢٧ يونيو ٢٠٢٦
السبت، ٢٧ يونيو ٢٠٢٦
facebookinstagramtwitter

عرض بالصفحات

Basmala
سُورَةُ الشُّورَىٰ
ذَٰلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِي ٱلۡقُرۡبَىٰۗ وَمَن يَقۡتَرِفۡ حَسَنَةٗ نَّزِدۡ لَهُۥ فِيهَا حُسۡنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ شَكُورٌ  ٢٣أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗاۖ فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخۡتِمۡ عَلَىٰ قَلۡبِكَۗ وَيَمۡحُ ٱللَّهُ ٱلۡبَٰطِلَ وَيُحِقُّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ  ٢٤وَهُوَ ٱلَّذِي يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَعۡفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ وَيَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ  ٢٥وَيَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۚ وَٱلۡكَٰفِرُونَ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞ  ٢٦۞ وَلَوۡ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزۡقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٖ مَّا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرُۢ بَصِيرٞ  ٢٧وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ مِنۢ بَعۡدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحۡمَتَهُۥۚ وَهُوَ ٱلۡوَلِيُّ ٱلۡحَمِيدُ  ٢٨وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٖۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمۡعِهِمۡ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٞ  ٢٩وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ  ٣٠وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ  ٣١
تفسير سُورَةُ الشُّورَىٰ
ذَٰلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِي ٱلۡقُرۡبَىٰۗ وَمَن يَقۡتَرِفۡ حَسَنَةٗ نَّزِدۡ لَهُۥ فِيهَا حُسۡنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ شَكُورٌ  ٢٣
التفسير الميسرذلك الذي أخبرتكم به- أيها الناس- من النعيم والكرامة في الآخرة هو البشرى التي يبشر الله بها عباده الذين آمنوا به في الدنيا وأطاعوه. قل -أيها الرسول- للذين يشكون في الساعة من مشركي قومك: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه من الحق الذي جئتكم به عوضًا من أموالكم، إلا أن تَوَدُّوني في قرابتي منكم، وتَصِلوا الرحم التي بيني وبينكم. ومن يكتسب حسنة نضاعفها له بعشر فصاعدًا. إن الله غفور لذنوب عباده، شكور لحسناتهم وطاعتهم إياه.
تفسير السعدي ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أي: هذه البشارة العظيمة، التي هي أكبر البشائر على الإطلاق، بشر بها الرحيم الرحمن، على يد أفضل خلقه لأهل الإيمان والعمل الصالح، فهي أجل الغايات، والوسيلة الموصلة إليها أفضل الوسائل. قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أي: على تبليغي إياكم هذا القرآن ودعوتكم إلى أحكامه. أَجْرًا فلست أريد أخذ أموالكم، ولا التولي عليكم والترأس، ولا غير ذلك من الأغراض إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى يحتمل أن المراد: لا أسألكم عليه أجرا إلا أجرا واحدا هو لكم، وعائد نفعه إليكم، وهو أن تودوني وتحبوني في القرابة، أي: لأجل القرابة. ويكون على هذا المودة الزائدة على مودة الإيمان، فإن مودة الإيمان بالرسول، وتقديم محبته على جميع المحاب بعد محبة الله، فرض على كل مسلم، وهؤلاء طلب منهم زيادة على ذلك أن يحبوه لأجل القرابة، لأنه صلى الله عليه وسلم، قد باشر بدعوته أقرب الناس إليه، حتى إنه قيل: إنه ليس في بطون قريش أحد، إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيه قرابة.ويحتمل أن المراد إلا مودة الله تعالى الصادقة، وهي التي يصحبها التقرب إلى الله، والتوسل بطاعته الدالة على صحتها وصدقها، ولهذا قال: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى أي: في التقرب إلى الله، وعلى كلا القولين، فهذا الاستثناء دليل على أنه لا يسألهم عليه أجرا بالكلية، إلا أن يكون شيئا يعود نفعه إليهم، فهذا ليس من الأجر في شيء، بل هو من الأجر منه لهم صلى الله عليه وسلم، كقوله تعالى: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ وقولهم: "ما لفلان ذنب عندك، إلا أنه محسن إليك" وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً من صلاة، أو صوم، أو حج، أو إحسان إلى الخلق نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا بأن يشرح الله صدره، وييسر أمره، وتكون سببا للتوفيق لعمل آخر، ويزداد بها عمل المؤمن، ويرتفع عند الله وعند خلقه، ويحصل له الثواب العاجل والآجل. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ يغفر الذنوب العظيمة ولو بلغت ما بلغت عند التوبة منها، ويشكر على العمل القليل بالأجر الكثير، فبمغفرته يغفر الذنوب ويستر العيوب، وبشكره يتقبل الحسنات ويضاعفها أضعافا كثيرة.
تفسير ابن كثيريقول تعالى لما ذكر روضات الجنة ، لعباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات : ( ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) أي : هذا حاصل لهم كائن لا محالة ، ببشارة الله لهم به .وقوله : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) أي : قل يا محمد لهؤلاء المشركين من كفار قريش : لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح لكم ما لا تعطونيه ، وإنما أطلب منكم أن تكفوا شركم عني وتذروني أبلغ رسالات ربي ، إن لم تنصروني فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة .قال البخاري : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن عبد الملك بن ميسرة قال : سمعت طاوسا عن ابن عباس : أنه سئل عن قوله تعالى : ( إلا المودة في القربى ) فقال سعيد بن جبير : قربى آل محمد . فقال ابن عباس : عجلت إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة ، فقال : إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة . انفرد به البخاري .ورواه الإمام أحمد ، عن يحيى القطان ، عن شعبة به . وهكذا روى عامر الشعبي ، والضحاك ، وعلي بن أبي طلحة ، والعوفي ، ويوسف بن مهران وغير واحد ، عن ابن عباس ، مثله . وبه قال مجاهد ، وعكرمة ، وقتادة ، والسدي ، وأبو مالك ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وغيرهم .وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا هاشم بن يزيد الطبراني وجعفر القلانسي قالا حدثنا آدم بن أبي إياس ، حدثنا شريك ، عن خصيف ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني في نفسي لقرابتي منكم ، وتحفظوا القرابة التي بيني وبينكم " .وروى الإمام أحمد ، عن حسن بن موسى : حدثنا قزعة يعني ابن سويد - وابن أبي حاتم - عن أبيه ، عن مسلم بن إبراهيم ، عن قزعة بن سويد - عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ; أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا أسألكم على ما آتيتكم من البينات والهدى أجرا ، إلا أن توادوا الله ، وأن تقربوا إليه بطاعته " .وهكذا روى قتادة عن الحسن البصري ، مثله .وهذا كأنه تفسير بقول ثان ، كأنه يقول : ( إلا المودة في القربى ) أي : إلا أن تعملوا بالطاعة التي تقربكم عند الله زلفى .وقول ثالث : وهو ما حكاه البخاري وغيره ، رواية عن سعيد بن جبير ، ما معناه أنه قال : معنى ذلك أن تودوني في قرابتي ، أي : تحسنوا إليهم وتبروهم .وقال السدي ، عن أبي الديلم قال : لما جيء بعلي بن الحسين أسيرا ، فأقيم على درج دمشق ، قام رجل من أهل الشام فقال : الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم ، وقطع قرني الفتنة . فقال له علي بن الحسين : أقرأت القرآن ؟ قال : نعم . قال : أقرأت آل حم ؟ قال : قرأت القرآن ، ولم أقرأ آل حم . قال : ما قرأت : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) ؟ قال : وإنكم أنتم هم ؟ قال : نعم .وقال : أبو إسحاق السبيعي : سألت عمرو بن شعيب عن قوله تعالى : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) فقال : قربى النبي - صلى الله عليه وسلم - . رواهما ابن جرير .ثم قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا مالك بن إسماعيل ، حدثنا عبد السلام ، حدثني يزيد بن أبي زياد ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : قالت الأنصار : فعلنا وفعلنا ، وكأنهم فخروا فقال ابن عباس - أو : العباس ، شك عبد السلام - : لنا الفضل عليكم . فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتاهم في مجالسهم فقال : " يا معشر الأنصار ، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بي ؟ " قالوا : بلى ، يا رسول الله . قال : ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي ؟ " قالوا : بلى يا رسول الله قال : " أفلا تجيبوني ؟ " قالوا : ما نقول يا رسول الله ؟ قال : " ألا تقولون : ألم يخرجك قومك فآويناك ؟ أولم يكذبوك فصدقناك ؟ أولم يخذلوك فنصرناك " ؟ قال : فما زال يقول حتى جثوا على الركب ، وقالوا : أموالنا وما في أيدينا لله ولرسوله . قال : فنزلت : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) .وهكذا رواه ابن أبي حاتم ، عن علي بن الحسين ، عن عبد المؤمن بن علي ، عن عبد السلام ، عن يزيد بن أبي زياد - وهو ضعيف - بإسناده مثله ، أو قريبا منه .وفي الصحيحين - في قسم غنائم حنين - قريب من هذا السياق ، ولكن ليس فيه ذكر نزول هذه الآية . وذكر نزولها في المدينة فيه نظر ; لأن السورة مكية ، وليس يظهر بين هذه الآية الكريمة وبين السياق مناسبة ، والله أعلم .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا رجل سماه ، حدثنا حسين الأشقر ، عن قيس ، عن الأعمش ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) قالوا : يا رسول الله ، من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم ؟ قال : " فاطمة وولدها ، عليهم السلام " .وهذا إسناد ضعيف ، فيه مبهم لا يعرف ، عن شيخ شيعي متخرق ، وهو حسين الأشقر ، ولا يقبل خبره في هذا المحل . وذكر نزول هذه الآية في المدينة بعيد ; فإنها مكية ولم يكن إذ ذاك لفاطمة أولاد بالكلية ، فإنها لم تتزوج بعلي إلا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة .والحق تفسيرها بما فسرها به الإمام حبر الأمة ، وترجمان القرآن ، عبد الله بن عباس ، كما رواه عنه البخاري [ رحمه الله ] ولا تنكر الوصاة بأهل البيت ، والأمر بالإحسان إليهم ، واحترامهم وإكرامهم ، فإنهم من ذرية طاهرة ، من أشرف بيت وجد على وجه الأرض ، فخرا وحسبا ونسبا ، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية ، كما كان عليه سلفهم ، كالعباس وبنيه ، وعلي وأهل بيته وذريته ، رضي الله عنهم أجمعين .[ وقد ثبت ] في الصحيح : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في خطبته بغدير خم : " إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي ، وإنهما لم يفترقا حتى يردا علي الحوض " .وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الله بن الحارث ، عن العباس بن عبد المطلب قال : قلت : يا رسول الله ، إن قريشا إذا لقي بعضهم بعضا لقوهم ببشر حسن ، وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها ؟ قال : فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - غضبا شديدا ، وقال : " والذي نفسي بيده ، لا يدخل قلب الرجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله " .ثم قال أحمد حدثنا جرير ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الله بن الحارث ، عن عبد المطلب بن ربيعة قال : دخل العباس على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إنا لنخرج فنرى قريشا تحدث ، فإذا رأونا سكتوا . فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودر عرق بين عينه ، ثم قال : " والله لا يدخل قلب امرئ إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي " .وقال البخاري : حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب ، حدثنا خالد ، حدثنا شعبة ، عن واقد قال : سمعت أبي يحدث عن ابن عمر ، عن أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه ، قال : ارقبوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - في أهل بيته .وفي الصحيح أن الصديق قال لعلي ، رضي الله عنهما : والله لقرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحب إلي أن أصل من قرابتي .وقال عمر بن الخطاب للعباس ، رضي الله عنهما : والله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم ; لأن إسلامك كان أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب .فحال الشيخين ، رضي الله عنهما ، هو الواجب على كل أحد أن يكون كذلك ; ولهذا كانا أفضل المؤمنين بعد النبيين والمرسلين ، رضي الله عنهما ، وعن سائر الصحابة أجمعين .وقال الإمام أحمد ، رحمه الله : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن أبي حيان التيمي ، حدثني يزيد بن حيان قال : انطلقت أنا وحسين بن ميسرة ، وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم ، فلما جلسنا إليه قال له حصين : لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا ، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسمعت حديثه وغزوت معه ، وصليت معه . لقد رأيت يازيد خيرا كثيرا . حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقال : يا ابن أخي ، والله كبرت سني ، وقدم عهدي ، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما حدثتكم فاقبلوه ، وما لا فلا تكلفونيه . ثم قال : قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما خطيبا فينا ، بماء يدعى خما - بين مكة والمدينة - فحمد الله وأثنى عليه ، وذكر ووعظ ، ثم قال : " أما بعد ، ألا أيها الناس ، إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب ، وإني تارك فيكم الثقلين ، أولهما : كتاب الله ، فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به " فحث على كتاب الله ورغب فيه ، وقال : " وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي " فقال له حصين : ومن أهل بيته يا زيد ؟ أليس نساؤه من أهل بيته ؟ قال : إن نساءه من أهل بيته ، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده قال : ومن هم ؟ قال : هم آل علي ، وآل عقيل ، وآل جعفر ، وآل العباس ، قال : أكل هؤلاء حرم الصدقة ؟ قال : نعم .وهكذا رواه مسلم [ في الفضائل ] والنسائي من طرق عن يزيد بن حيان به .وقال أبو عيسى الترمذي حدثنا علي بن المنذر الكوفي ، حدثنا محمد بن فضيل ، حدثنا الأعمش ، عن عطية ، عن أبي سعيد - والأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن زيد بن أرقم - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، والآخر عترتي : أهل بيتي ، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما "تفرد بروايته الترمذي ثم قال : هذا حديث حسن غريب .وقال الترمذي أيضا حدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي ، حدثنا زيد بن الحسن ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجته يوم عرفة ، وهو على ناقته القصواء يخطب ، فسمعته يقول : " يا أيها الناس ، إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي "تفرد به الترمذي أيضا ، وقال : حسن غريب . وفي الباب عن أبي ذر ، وأبي سعيد ، وزيد بن أرقم ، وحذيفة بن أسيد .ثم قال الترمذي : حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث ، حدثنا يحيى بن معين ، حدثنا هشام بن يوسف ، عن عبد الله بن سليمان النوفلي ، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، عن أبيه ، عن جده عبد الله بن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أحبوا الله لما يغذوكم من نعمه ، وأحبوني بحب الله ، وأحبوا أهل بيتي بحبي "ثم قال حسن غريب إنما نعرفه من هذا الوجه .وقد أوردنا أحاديث أخر عند قوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) [ الأحزاب : 33 ] ، بما أغنى عن إعادتها هاهنا ، ولله الحمد والمنة .وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا سويد بن سعيد ، حدثنا مفضل بن عبد الله ، عن أبي إسحاق ، عن حنش قال : سمعت أبا ذر وهو آخذ بحلقة الباب يقول : يا أيها الناس ، من عرفني فقد عرفني ، ومن أنكرني فأنا أبو ذر ، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إنما مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح ، من دخلها نجا ، ومن تخلف عنها هلك " .هذا بهذا الإسناد ضعيف .وقوله : ( ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ) أي : ومن يعمل حسنة ( نزد له فيها حسنا ) أي : أجرا وثوابا ، كقوله ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ) [ النساء : 40 ] .وقال بعض السلف : [ إن ] من ثواب الحسنة الحسنة بعدها ، ومن جزاء السيئة ( السيئة ) بعدها .وقوله : ( إن الله غفور شكور ) أي : يغفر الكثير من السيئات ، ويكثر القليل من الحسنات ، فيستر ويغفر ، ويضاعف فيشكر .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور .قوله تعالى : ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا قرئ يبشر من بشره ، ( ويبشر ) من أبشره ، ( ويبشر ) من بشره ، وفيه حذف ، أي : يبشر الله به عباده المؤمنين ليتعجلوا السرور ويزدادوا منه وجدا في الطاعة .قوله تعالى : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى .فيه مسألتان : الأولى : قوله تعالى : قل لا أسألكم عليه أجرا أي : قل يا محمد لا أسألكم على تبليغ الرسالة جعلا . ( إلا المودة في القربى ) قال الزجاج : إلا المودة استثناء ليس من الأول ، أي : إلا أن تودوني لقرابتي فتحفظوني . والخطاب لقريش خاصة ، قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد وأبو مالك والشعبي وغيرهم . قال الشعبي : أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عنها ، فكتب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أوسط الناس في قريش ، فليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده ، فقال الله له : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى إلا أن تودوني في قرابتي منكم ، أي : تراعوا ما بيني وبينكم فتصدقوني . ف القربى هاهنا قرابة الرحم ، كأنه قال : اتبعوني للقرابة إن لم تتبعوني للنبوة . قال عكرمة : وكانت قريش تصل أرحامها فلما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - قطعته ، فقال : صلوني كما كنتم تفعلون . فالمعنى على هذا : قل لا أسألكم عليه أجرا لكن أذكركم قرابتي ، على استئناء ليس من أول ، ذكره النحاس . وفي البخاري عن طاوس عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى : إلا المودة في القربى فقال سعيد بن جبير : قربى آل محمد ، فقال ابن عباس : عجلت! إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة ، فقال : إلا أن تصلوا ما بينكم من القرابة . فهذا قول . وقيل : القربى قرابة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، أي : لا أسألكم أجرا إلا أن تودوا قرابتي وأهل بيتي ، كما أمر بإعظامهم ذوي القربى . وهذا قول علي بن حسين وعمرو بن شعيب والسدي . وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس : لما أنزل الله - عز وجل - : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) قالوا : يا رسول الله ، من هؤلاء الذين نودهم ؟ قال : علي وفاطمة وأبناؤهما . ويدل عليه أيضا ما روي عن علي - رضي الله عنه - قال : شكوت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حسد الناس لي . فقال : أما ترضى أن تكون رابع أربعة ؛ أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذريتنا خلف أزواجنا . وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غدا إذا لقيني يوم القيامة . وقال الحسن وقتادة : المعنى إلا أن يتوددوا إلى الله - عز وجل - ويتقربوا إليه بطاعته . فالقربى على هذا بمعنى القربة . يقال : قربة وقربى بمعنى ، ، كالزلفة والزلفى . وروى قزعة بن سويد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( قل لا أسألكم على ما آتيتكم به أجرا إلا أن توادوا وتقربوا إليه بالطاعة ) . وروى منصور وعوف عن الحسن قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى قال : يتوددون إلى الله - عز وجل - ويتقربون منه بطاعته . وقال قوم : الآية منسوخة وإنما نزلت بمكة ، وكان المشركون يؤذون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية ، وأمرهم الله بمودة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وصلة رحمه ، فلما هاجر آوته الأنصار ونصروه ، وأراد الله أن يلحقه بإخوانه من الأنبياء حيث قالوا : ( وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ) فأنزل الله تعالى : قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله فنسخت بهذه الآية وبقوله : قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين وقوله . أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير ، وقوله : أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون قاله الضحاك والحسين بن الفضل . ورواه جويبر عن الضحاك عن ابن عباس . قال الثعلبي : وليس بالقوي ، وكفى قبحا بقول من يقول : إن التقرب إلى الله بطاعته ومودة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته منسوخ ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من مات على حب آل محمد مات شهيدا . ومن مات على حب آل محمد جعل الله زوار قبره الملائكة والرحمة . ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه أيس اليوم من رحمة الله . ومن مات على بغض آل محمد لم يرح رائحة الجنة . ومن مات على بغض آل بيتي فلا نصيب له في شفاعتي .قلت : وذكر هذا الخبر الزمخشري في تفسيره بأطول من هذا فقال : وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من مات على حب آل محمد مات شهيدا ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنا مستكمل الإيمان . ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير . ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها ، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنة . ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة . ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة . ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله . ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافرا . ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة . قال النحاس : ومذهب عكرمة ليست بمنسوخة ، قال : كانوا يصلون أرحامهم فلما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - قطعوه فقال : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني وتحفظوني لقرابتي ولا تكذبوني .قلت : وهذا هو معنى قول ابن عباس في البخاري والشعبي عنه بعينه ، وعليه لا نسخ . قال النحاس : وقول الحسن حسن ، ويدل على صحته الحديث المسند عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما حدثنا أحمد بن محمد الأزدي قال أخبرنا الربيع بن سليمان المرادي قال أخبرنا أسد بن موسى قال حدثنا قزعة - وهو ابن يزيد البصري - قال حدثنا عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا أسألكم على ما أنبئكم به من البينات والهدى أجرا إلا أن توادوا الله - عز وجل - وأن تتقربوا إليه بطاعته . فهذا المبين عن الله - عز وجل - قد قال هذا ، وكذا قالت الأنبياء - صلى الله عليهم - قبله : إن أجري إلا على الله .الثانية : واختلفوا في سبب نزولها ، فقال ابن عباس : لما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة كانت تنوبه نوائب وحقوق لا يسعها ما في يديه ، فقالت الأنصار : إن هذا الرجل هداكم الله به وهو ابن أخيكم ، وتنوبه نوائب وحقوق لا يسعها ما في يديه فنجمع له ، ففعلوا ، ثم أتوه به فنزلت . وقال الحسن : نزلت حين تفاخرت الأنصار والمهاجرون ، فقالت الأنصار نحن فعلنا ، وفخرت المهاجرون بقرابتهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . روى مقسم عن ابن عباس قال : سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا فخطب فقال للأنصار : ألم تكونوا أذلاء فأعزكم الله بي . ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي . ألم تكونوا خائفين فأمنكم الله بي ، ألا تردون علي ؟ فقالوا : بم نجيبك ؟ قال : تقولون ألم يطردك قومك فآويناك . ألم يكذبك قومك فصدقناك . . . فعدد عليهم . قال فجثوا على ركبهم فقالوا : أنفسنا وأموالنا لك ، فنزلت : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى وقال قتادة : قال المشركون لعل محمدا فيما يتعاطاه يطلب أجرا ، فنزلت هذه الآية ، ليحثهم على مودته ومودة أقربائه . قال الثعلبي : وهذا أشبه بالآية ، لأن السورة مكية .قوله تعالى : ومن يقترف حسنة أي يكتسب . وأصل القرف الكسب ، يقال : فلان يقرف لعياله ، أي : يكسب . والاقتراف الاكتساب ، وهو مأخوذ من قولهم رجل قرفة ، إذا كان محتالا . وقد مضى في ( الأنعام ) القول فيه . وقال ابن عباس : ومن يقترف حسنة قال المودة لآل محمد صلى الله عليه وسلم . نزد له فيها حسنا أي نضاعف له الحسنة بعشر فصاعدا . إن الله غفور شكور قال قتادة : غفور للذنوب شكور للحسنات . وقال السدي : غفور لذنوب آل محمد - عليه السلام - ، شكور لحسناتهم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23)يقول تعالى ذكره: هذا الذي أخبرتكم أيها الناس أني أعددته للذين آمنوا وعملوا الصالحات في الآخرة من النعيم والكرامة, البشرى التي يبشر الله عباده الذين آمنوا به في الدنيا, وعملوا بطاعته فيها.( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قل يا محمد للذين يمارونك في الساعة من مشركي قومك: لا أسألكم أيها القوم على دعايتكم إلى ما أدعوكم إليه من الحق الذي جئتكم به, والنصيحة التي أنصحكم ثوابا وجزاء, وعوضا من أموالكم تعطوننيه ( إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ).واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ( إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ). فقال بعضهم: معناه: إلا أن تودّوني في قرابتي منكم, وتصلوا رحمي بيني وبينكم.* ذكر من قال ذلك:حدثنا أبو كريب ويعقوب, قالا ثنا إسماعيل بن إبراهيم, عن داود بن أبي هند, عن الشعبي, عن ابن عباس, في قوله: ( لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال: لم يكن بطن من بطون قريش إلا وبين رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وبينهم قرابة, فقال: " قل لا أسألكم عليه أجرا أن تودّوني في القرابة التي بيني وبينكم ".حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا أبو أسامة, قال: ثنا شعبة, عن عبد الملك بن ميسرة عن طاوس, في قوله: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال: سئل عنها ابن عباس, فقال ابن جبير: هم قربى آل محمد, فقال ابن عباس: عجلت, إن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لم يكن بطن من بطون قريش إلا وله فيهم قرابة, قال: فنزلت ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال: " إلا القرابة التي بيني وبينكم أن تصلوها ".حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال: كان لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قرابة في جميع قريش, فلما كذبوه وأبوا أن يبايعوه قال: " يا قوم إذا أبيتم أن تبايعوني فاحفظوا قرابتي فيكم لا يكن غيركم من العرب أولى بحفظي ونُصرتي منكم ".حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) يعني محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, قال لقريش: " لا أسألكم من أموالكم شيئا, ولكن أسألكم أن لا تؤذوني لقرابة ما بيني وبينكم, فإنكم قومي وأحقّ من أطاعني وأجابني".حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن مغيرة, عن عكرمة, قال: إن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كان واسطا من قريش, كان له في كلّ بطن من قريش نسب, فقال: " ولا أسْألُكُمْ على ما أدْعُوكُمْ إلَيْهِ إلا أنْ تَحْفظُوني في قَرَابَتِي, قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ".حدثني يعقوب, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا حصين, عن أبي مالك, قال: كان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم واسط النسب من قريش, ليس حيّ من أحياء قريش إلا وقد ولدوه; قال: فقال الله عز وجل: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) : " إلا أن تودّوني لقرابتي منكم وتحفظوني".حدثنا أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس, قال: ثنا عبثر, قال: ثنا حصين, عن أبي مالك في هذه الآية: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال: كان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من بني هاشم وأمه من بني زهرة وأم أبيه من بني مخزوم, فقال: " احفظوني في قرابتي".حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا حرمي, قال: ثنا شعبة, قال: أخبرني عمارة, عن عكرمة, في قوله: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال: تعرفون قرابتي, وتصدّقونني بما جئت به, وتمنعوني.حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) وإن الله تبارك وتعالى أمر محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن لا يسأل الناس على هذا القرآن أجرا إلا أن يصلوا ما بينه وبينهم من القرابة, وكلّ بطون قريش قد ولدته وبينه وبينهم قرابة.حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) أن تتبعوني, وتصدقوني وتصلوا رحمي.حدثنا محمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, فى قوله: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال: لم يكن بطن من بطون قريش إلا لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فيهم ولادة, فقال: قل لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني لقرابتي منكم.حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) يعني قريشا. يقول: إنما أنا رجل منكم, فأعينوني على عدويّ, واحفظوا قرابتي, وإن الذي جئتكم به لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى, أن تودّوني لقرابتي, وتعينوني على عدويّ.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال: يقول: إلا أن تودّوني لقرابتي كما توادّون في قرابتكم وتواصلون بها, ليس هذا الذي جئت به يقطع ذلك عني, فلست أبتغي على الذي جئت به أجرا آخذه على ذلك منكم.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني سعيد بن أبي أيوب, عن عطاء بن دينار, في قوله: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) يقول: لا أسألكم على ما جئتكم به أجرا, إلا أن تودّوني في قرابتي منكم, وتمنعوني من الناس.حدثنا محمد بن عبد الأعلى, قال: ثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال: كل قريش كانت بينهم وبين رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قرابة, فقال: قل لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني بالقرابة التي بيني وبينكم.وقال آخرون: بل معنى ذلك: قل لمن تبعك من المؤمنين: لا أسألكم على ما جئتكم به أجرا إلا أن تودّوا قرابتي.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمارة, قال: ثنا إسماعيل بن أبان, قال: ثنا الصباح بن يحيى المريّ, عن السديّ, عن أبي الديلم قال: لما جيء بعليّ بن الحسين رضي الله عنهما أسيرا, فأقيم على درج دمشق, قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم, وقطع قربى الفتنة, فقال له عليّ بن الحسين رضي الله عنهما: أقرأت القرآن؟ قال: نعم, قال: أقرأت آل حم؟ قال: قرأت القرآن ولم أقرأ آل حم, قال: ما قرأت ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ؟ قال: وإنكم لأنتم هم؟ قال نعم.حدثنا أبو كُرَيب قال: ثنا مالك بن إسماعيل, قال: ثنا عبد السلام, قال: ثنا يزيد بن أبي زياد, عن مقسم, عن ابن عباس, قال: قالت الأنصار: فعلنا وفعلنا, فكأنهم فخروا, قال ابن عباس, أو العباس, شكّ عبد السلام: لنا الفضل عليكم, فبلغ ذلك رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فأتاهم في مجالسهم, فقال: " يا مَعْشَرَ الأنْصَارِ ألَمْ تَكُونُوا أذِلَّةً فأعَزَّكُمُ الله بِي؟" قالوا: بلى يا رسول الله, قال: " ألَمْ تَكُونُوا ضُلالا فَهَدَاكُمْ الله بِي؟" قالوا: بلى يا رسول الله, قال: " أفلا تُجِيبُونِي؟" قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: " ألا تقولون: ألَمْ يُخْرِجْكَ قَوْمُكَ فآوَيْناكَ, أوَلَمْ يُكَذِّبُوكَ فَصَدَّقْنَاكَ, أوَلَمْ يَخْذُلُوكَ فَنَصَرْنَاكَ؟" قال: فما زال يقول حتى جثوا على الركب, وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لله ولرسوله, قال: فنزلت ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ).حدثني يعقوب, قال: ثنا مروان, عن يحيى بن كثير, عن أبي العالية, عن سعيد بن جُبير, في قوله: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال: هي قُربى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.حدثني محمد بن عمارة الأسدي ومحمد بن خلف قالا ثنا عبيد الله قال: أخبرنا إسرائيل, عن أبي إسحاق قال: سألت عمرو بن شعيبٍ, عن قول الله عزّ وجلّ: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال: قُربى النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.وقال آخرون: بل معنى ذلك: قل لا أسألكم أيها الناس على ما جئتكم به أجرا إلا أن تودّدوا إلى الله, وتتقربوا بالعمل الصالح والطاعة.* ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ بن داود ومحمد بن داود أخوه أيضًا قالا ثنا عاصم بن عليّ, قال: ثنا قزعة بن سويد, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, عن ابن عباس, عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " قل لا أسألُكُمْ على ما أَتَيْتُكُمْ بِهِ مِنَ البَيِّنَاتِ والهُدَى أجْرًا إلا أنْ تَوَدَّدُوا الله وتَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بطاعَتِهِ".حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن منصور بن زاذان, عن الحسن أنه قال في هذه الآية ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال: القُربى إلى الله.حدثني يعقوب, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا عوف, عن الحسن, في قوله: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال: إلا التقرّب إلى الله, والتودّد إليه بالعمل الصالح.بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قال: قال الحسن: في قوله: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قل لا أسألكم على ما جئتكم به, وعلى هذا الكتاب أجرا, إلا المودّة في القربى, إلا أن تودّدوا إلى الله بما يقرّبكم إليه, وعمل بطاعته.قال بشر: قال يزيد: وحدثنيه يونس, عن الحسن, حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) إلا أن توددوا إلى الله فيما يقرّبكم إليه.وقال آخرون: بل معنى ذلك: إلا أن تصلوا قرابتكم.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا أبو عامر, قال: ثنا قرة, عن عبد الله بن القاسم, في قوله: ( إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال: أمرت أن تصل قرابتك.وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب, وأشبهها بظاهر التنزيل قول من قال: معناه: قل لا أسألكم عليه أجرا يا معشر قريش, إلا أن تودّوني في قرابتي منكم, وتصلوا الرحم التي بيني وبينكم.وإنما قلت: هذا التأويل أولى بتأويل الآية لدخول " في" في قوله: ( إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) , ولو كان معنى ذلك على ما قاله من قال: إلا أن تودوا قرابتي, أو تقربوا إلى الله, لم يكن لدخول " في" في الكلام في هذا الموضع وجه معروف, ولكان التنزيل: إلا مودّة القُربى إن عُنِي به الأمر بمودّة قرابة رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, أو إلا المودّة بالقُرْبَى, أو ذا القربى إن عُنِي به التودّد والتقرب. وفي دخول " في" في الكلام أوضح الدليل على أن معناه: إلا مودّتي في قرابتي منكم, وأن الألف واللام فى المودّة أدخلتا بدلا من الإضافة, كما قيل: فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى وقوله: " إلا " في هذا الموضع استثناء منقطع. ومعنى الكلام: قل لا أسألكم عليه أجرا, لكني أسألكم المودّة في القُربى, فالمودّة منصوبة على المعنى الذي ذكرت. وقد كان بعض نحويي البصرة يقول: هي منصوبة بمضمر من الفعل, بمعنى: إلا أن أذكر مودّة قرابتي.وقوله: ( وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نزدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ) يقول تعالى ذكره: ومن يعمل حسنة, وذلك أن يعمل عملا يطيع الله فيه من المؤمنين ( نزدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ) يقول: نضاعف عمله ذلك الحسن, فنجعل له مكان الواحد عشرا إلى ما شئنا من الجزاء والثواب.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قول الله عز وجل: ( وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً ) قال: يعمل حسنة.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نزدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ) قال: من يعمل خيرا نزد له. الاقتراف: العمل.وقوله: ( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ) يقول: إن الله غفور لذنوب عباده, شكور لحسناتهم وطاعتهم إياه.كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة: ( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ) للذنوب ( شَكُورٌ ) للحسنات يضاعفها.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ) قال: غفر لهم الذنوب, وشكر لهم نعما هو أعطاهم إياها, وجعلها فيهم.
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗاۖ فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخۡتِمۡ عَلَىٰ قَلۡبِكَۗ وَيَمۡحُ ٱللَّهُ ٱلۡبَٰطِلَ وَيُحِقُّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ  ٢٤
التفسير الميسربل أيقول هؤلاء المشركون: اختلق محمد الكذب على الله، فجاء بالذي يتلوه علينا اختلاقًا من عند نفسه؟ فإن يشأ الله يطبع على قلبك -أيها الرسول- لو فعلت ذلك. ويُذْهِبُ الله الباطل فيمحقه، ويحق الحق بكلماته التي لا تتبدل ولا تتغيَّر، وبوعده الصادق الذي لا يتخلف. إن الله عليم بما في قلوب العباد، لا يخفى عليه شيء منه.
تفسير السعدييعني أم يقول المكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم جرأة منهم وكذبا: افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فرموك بأشنع الأمور وأقبحها، وهو الافتراء على الله بادعاء النبوة والنسبة إلى الله ما هو بريء منه، وهم يعلمون صدقك وأمانتك، فكيف يتجرأون على هذا الكذب الصراح؟بل تجرأوا بذلك على الله تعالى، فإنه قدح في الله، حيث مكنك من هذه الدعوة العظيمة، المتضمنة -على موجب زعمهم- أكبر الفساد في الأرض، حيث مكنه الله من التصريح بالدعوة، ثم بنسبتها إليه، ثم يؤيده بالمعجزات الظاهرات، والأدلة القاهرات، والنصر المبين، والاستيلاء على من خالفه، وهو تعالى قادر على حسم هذه الدعوة من أصلها ومادتها، وهو أن يختم على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يعي شيئا ولا يدخل إليه خير، وإذا ختم على قلبه انحسم الأمر كله وانقطع.فهذا دليل قاطع على صحة ما جاء به الرسول، وأقوى شهادة من الله له على ما قال، ولا يوجد شهادة أعظم منها ولا أكبر، ولهذا من حكمته ورحمته، وسنته الجارية، أنه يمحو الباطل ويزيله، وإن كان له صولة في بعض الأوقات، فإن عاقبته الاضمحلال. وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ الكونية، التي لا تغير ولا تبدل، ووعده الصادق، وكلماته الدينية التي تحقق ما شرعه من الحق، وتثبته في القلوب، وتبصر أولي الألباب، حتى إن من جملة إحقاقه تعالى الحق، أن يُقَيِّضَ له الباطل ليقاومه، فإذا قاومه، صال عليه الحق ببراهينه وبيناته، فظهر من نوره وهداه ما به يضمحل الباطل وينقمع، ويتبين بطلانه لكل أحد، ويظهر الحق كل الظهور لكل أحد. إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أي: بما فيها، وما اتصفت به من خير وشر، وما أكنته ولم تبده.
تفسير ابن كثيروقوله : ( أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ) أي : لو افتريت عليه كذبا كما يزعم هؤلاء الجاهلون ( يختم على قلبك ) أي : لطبع على قلبك وسلبك ما كان آتاك من القرآن ، كقوله تعالى : ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين ) [ الحاقة : 44 - 47 ] أي : لانتقمنا منه أشد الانتقام ، وما قدر أحد من الناس أن يحجز عنه .وقوله : ( ويمح الله الباطل ) ليس معطوفا على قوله : ( يختم ) فيكون مجزوما ، بل هو مرفوع على الابتداء ، قاله ابن جرير ، قال : وحذفت من كتابته " الواو " في رسم المصحف الإمام ، كما حذفت في قوله : ( سندع الزبانية ) [ العلق : 18 ] وقوله : ( ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير ) [ الإسراء : 11 ] .وقوله : ( ويحق الحق بكلماته ) معطوف على ( ويمح الله الباطل ويحق الحق ) أي : يحققه ويثبته ويبينه ويوضحه بكلماته ، أي : بحججه وبراهينه ، ( إنه عليم بذات الصدور ) أي : بما تكنه الضمائر ، وتنطوي عليه السرائر .
تفسير القرطبيقوله تعالى : أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور .قوله تعالى : أم يقولون افترى على الله كذبا الميم صلة ، والتقدير : أيقولون افترى . واتصل الكلام بما قبل ; لأن الله تعالى لما قال : وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وقال : الله الذي أنزل الكتاب بالحق قال إتماما للبيان : أم يقولون افترى على الله كذبا يعني كفار قريش قالوا : إن محمدا اختلق الكذب على الله .فإن يشإ الله يختم شرط وجوابه ، ( على قلبك ) قال قتادة : يطبع على قلبك فينسيك القرآن ، فأخبرهم الله أنه لو افترى عليه لفعل بمحمد ما أخبرهم به في هذه الآية . وقال مجاهد ومقاتل : إن يشإ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يدخل قلبك مشقة من قولهم . وقيل : المعنى إن يشأ يزل تمييزك . وقيل : المعنى لو حدثت نفسك أن تفتري على الله كذبا لطبع على قلبك ، قاله ابن عيسى . وقيل : فإن يشإ الله يختم على قلوب الكفار وعلى ألسنتهم وعاجلهم بالعقاب . فالخطاب له والمراد الكفار ، ذكره القشيري . ثم ابتدأ فقال : ويمح الله الباطل قال ابن الأنباري : يختم على قلبك تام . وقال الكسائي : فيه تقديم وتأخير ، مجازه : والله يمحو الباطل ، فحذف منه الواو في المصحف ، وهو في موضع رفع . كما حذفت من قوله : سندع الزبانية ، ويدع الإنسان ولأنه عطف على قوله : يختم على قلبك وقال الزجاج : قوله : أم يقولون افترى على الله كذبا تمام ، وقوله : ويمح الله الباطل احتجاج على من أنكر ما أتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أي : لو كان ما أتى به باطلا لمحاه كما جرت به عادته في المفترين . ويحق الحق أي الإسلام فيثبته ( بكلماته ) أي بما أنزله من القرآن . إنه عليم بذات الصدور عام ، أي : بما في قلوب العباد . وقيل : خاص . والمعنى أنك لو حدثت نفسك أن تفتري على الله كذبا لعلمه وطبع على قلبك .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (24)يقول تعالى ذكره: أم يقول هؤلاء المشركون بالله: ( افْتَرَى ) محمد ( عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ) فجاء بهذا الذي يتلوه علينا اختلاقا من قبل نفسه. وقوله: ( فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ ) يا محمد يطبع على قلبك, فتنس هذا القرآن الذي أُنزل إليك.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة: ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ ) فينسيك القرآن.حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, فى قوله: ( فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ ) قال: إن يشأ الله أنساك ما قد أتاك.حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قول الله عزّ وجلّ: ( فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ ) قال: يطبع.وقوله: ( وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ ) يقول: ويذهب الله بالباطل فيمحقه.( وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ) التي أنزلها إليك يا محمد فيثبته.وقوله: ( وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ ) في موضع رفع بالابتداء, ولكنه حُذفت منه الواو في المصحف, كما حُذفت من قوله: سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ومن قوله: وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ وليس بجزم على العطف على يختم.وقوله: ( إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) يقول تعالى ذكره: إن الله ذو علم بما في صدور خلقه, وما تنطوي عليه ضمائرهم, لا يخفى عليه من أمورهم شيء, يقول لنبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: لو حدّثت نفسك أن تفتري على الله كذبا, لطبعت على قلبك, وأذهبت الذي أتيتك من وحيي, لأني أمحو الباطل فأذهبه, وأحقّ الحقّ, وإنما هذا إخبار من الله الكافرين به, الزاعمين أن محمدا افترى هذا القرآن من قبل نفسه, فأخبرهم أنه إن فعل لفعل به ما أخبر به في هذه الآية.
وَهُوَ ٱلَّذِي يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَعۡفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ وَيَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ  ٢٥
التفسير الميسروالله سبحانه وتعالى هو الذي يقبل التوبة عن عباده إذا رجعوا إلى توحيد الله وطاعته، ويعفو عن السيئات، ويعلم ما تصنعون من خير وشر، لا يخفى عليه شيء من ذلك، وهو مجازيكم به.
تفسير السعديهذا بيان لكمال كرم الله تعالى وسعة جوده وتمام لطفه، بقبول التوبة الصادرة من عباده حين يقلعون عن ذنوبهم ويندمون عليها، ويعزمون على أن لا يعاودوها، إذا قصدوا بذلك وجه ربهم، فإن الله يقبلها بعد ما انعقدت سببا للهلاك، ووقوع العقوبات الدنيوية والدينية. وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ ويمحوها، ويمحو أثرها من العيوب، وما اقتضته من العقوبات، ويعود التائب عنده كريما، كأنه ما عمل سوءا قط، ويحبه ويوفقه لما يقر به إليه.ولما كانت التوبة من الأعمال العظيمة، التي قد تكون كاملة بسبب تمام الإخلاص والصدق فيها، وقد تكون ناقصة عند نقصهما، وقد تكون فاسدة إذا كان القصد منها بلوغ غرض من الأغراض الدنيوية، وكان محل ذلك القلب الذي لا يعلمه إلا الله، ختم هذه الآية بقوله: وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ فالله تعالى، دعا جميع العباد إلى الإنابة إليه والتوبة من التقصير، فانقسموا -بحسب الاستجابة له- إلى قسمين: مستجيبين وصفهم بقوله وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
تفسير ابن كثيريقول تعالى ممتنا على عباده بقبول توبتهم إليه إذا تابوا ورجعوا إليه : أنه من كرمه وحلمه أنه يعفو ويصفح ويستر ويغفر ، كقوله : ( ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ) [ النساء : 110 ] وقد ثبت في صحيح مسلم ، رحمه الله ، حيث قال :حدثنا محمد بن الصباح وزهير بن حرب قال حدثنا عمر بن يونس ، حدثنا عكرمة بن عمار ، حدثنا إسحاق بن أبي طلحة ، حدثني أنس بن مالك - وهو عمه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه ، من أحدكم كان راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه ، وعليها طعامه وشرابه ، فأيس منها ، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها ، قد أيس من راحلته ، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده ، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي وأنا ربك - أخطأ من شدة الفرح " .وقد ثبت أيضا في الصحيح من رواية عبد الله بن مسعود نحوه .وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري في قوله : ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ) : إن أبا هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في المكان الذي يخاف أن يقتله العطش فيه " .وقال همام بن الحارث : سئل ابن مسعود عن الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها ؟ قال : لا بأس به ، وقرأ : ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ) الآية رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم من حديث شريك القاضي ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن إبراهيم النخعي ، عن همام فذكره .وقوله : ( ويعفو عن السيئات ) أي : يقبل التوبة في المستقبل ويعفو عن السيئات في الماضي ، ( ويعلم ما تفعلون ) أي : هو عالم بجميع ما فعلتم وصنعتم وقلتم ، ومع هذا يتوب على من تاب إليه .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون .قوله تعالى : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده قال ابن عباس : لما نزل قوله تعالى قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى قال قوم في نفوسهم : ما يريد إلا أن يحثنا على أقاربه من بعده ، فأخبر جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأنهم قد اتهموه فأنزل : أم يقولون افترى على الله كذبا الآية ، فقال القوم : يا رسول الله ، فإنا نشهد أنك صادق ونتوب . فنزلت : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده قال ابن عباس : أي : عن أوليائه وأهل طاعته . والآية عامة . وقد مضى الكلام في معنى التوبة وأحكامها ، ومضى هذا اللفظ في ( براءة ) . ويعفو عن السيئات أي عن الشرك قبل الإسلام . ويعلم ما تفعلون أي من الخير والشر . وقرأ حمزة والكسائي وحفص وخلف بالتاء على الخطاب ، وهي قراءة ابن مسعود ، وأصحابه . الباقون بالياء على الخبر ، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ; لأنه بين خبرين : الأول وهو الذي يقبل التوبة عن عباده والثاني ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25)يقول تعالى ذكره: والله الذي يقبل مراجعة العبد إذا رجع إلى توحيد الله وطاعته من بعد كفره ( وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ ) يقول: ويعفو له أن يعاقبه على سيئاته من الأعمال, وهي معاصيه التي تاب منها( وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) اختلف القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة " يَفْعَلُونَ" بالياء, بمعنى: ويعلم ما يفعل عباده, وقرأته عامة قراء الكوفة ( تَفْعَلُونَ ) بالتاء على وجه الخطاب.والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار متقاربتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب, غير أن الياء أعجب إلي, لأن الكلام من قبل ذلك جرى على الخبر, وذلك قوله: ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ) ويعني جلّ ثناؤه بقوله: ( وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) ويعلم ربكم أيها الناس ما تفعلون من خير وشر, لا يخفى عليه من ذلك شيء, وهو مجازيكم على كل ذلك جزاءه, فاتقوا الله في أنفسكم, واحذروا أن تركبوا ما تستحقون به منه العقوبة.حدثنا تميم بن المنتصر, قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف, عن شريك عن إبراهيم بن مهاجر, عن إبراهيم النخعي, عن همام بن الحارث, قال: أتينا عبد الله نسأله عن هذه الآية: ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) قال: فوجدنا عنده أناسا أو رجالا يسألونه عن رجل أصاب من امرأة حراما, ثم تزوجها, فتلا هذه الآية ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ).
وَيَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۚ وَٱلۡكَٰفِرُونَ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞ  ٢٦
التفسير الميسرويستجيب الذين آمنوا بالله ورسوله لربهم لِمَا دعاهم إليه وينقادون له، ويزيدهم من فضله توفيقًا ومضاعفة في الأجر والثواب. والكافرون بالله ورسوله لهم يوم القيامة عذاب شديد موجع مؤلم.
تفسير السعديأي: يستجيبون لربهم لما دعاهم إليه وينقادون له ويلبون دعوته، لأن ما معهم من الإيمان والعمل الصالح يحملهم على ذلك، فإذا استجابوا له، شكر الله لهم، وهو الغفور الشكور.وزادهم من فضله توفيقا ونشاطا على العمل، وزادهم مضاعفة في الأجر زيادة عن ما تستحقه أعمالهم من الثواب والفوز العظيم.وأما غير المستجيبين للّه وهم المعاندون الذين كفروا به وبرسله، ف لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ في الدنيا والآخرة، ثم ذكر أن من لطفه بعباده، أنه لا يوسع عليهم الدنيا سعة، تضر بأديانهم فقال: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ
تفسير ابن كثيروقوله : ( ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) قال السدي : يعني يستجيب لهم . وكذا قال ابن جرير : معناه يستجيب الدعاء لهم [ لأنفسهم ] ولأصحابهم وإخوانهم . وحكاه عن بعض النحاة ، وأنه جعلها كقوله : ( فاستجاب لهم ربهم ) [ آل عمران : 195 ] .ثم روى هو وابن أبي حاتم ، من حديث الأعمش ، عن شقيق بن سلمة ، عن سلمة بن سبرة قال : خطبنا معاذ بالشام فقال : أنتم المؤمنون ، وأنتم أهل الجنة . والله إني أرجو أن يدخل الله من تسبون من فارس والروم الجنة ، وذلك بأن أحدكم إذا عمل له - يعني أحدهم - عملا قال : أحسنت رحمك الله ، أحسنت بارك الله فيك ، ثم قرأ : ( ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله )وحكى ابن جرير عن بعض أهل العربية أنه جعل [ مثل ] قوله : ( ويستجيب الذين آمنوا ) كقوله : ( الذين يستمعون القول ) [ الزمر : 18 ] أي : هم الذين يستجيبون للحق ويتبعونه ، كقوله تبارك وتعالى : ( إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ) [ الأنعام : 36 ] والمعنى الأول أظهر ; لقوله تعالى : ( ويزيدهم من فضله ) أي : يستجيب دعاءهم ويزيدهم فوق ذلك ; ولهذا قال ابن أبي حاتم :حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا محمد بن المصفى ، حدثنا بقية ، حدثنا إسماعيل بن عبد الله الكندي ، حدثنا الأعمش ، عن شقيق عن عبد الله قال : قال : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله : ( ويزيدهم من فضله ) قال : " الشفاعة لمن وجبت له النار ، ممن صنع إليهم معروفا في الدنيا " .وقال قتادة عن إبراهيم النخعي اللخمي في قوله تعالى : ( ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) قال : يشفعون في إخوانهم ، ( ويزيدهم من فضله ) قال : يشفعون في إخوان إخوانهم .وقوله : ( والكافرون لهم عذاب شديد ) لما ذكر المؤمنين وما لهم من الثواب الجزيل ، ذكر الكافرين وما لهم عنده يوم القيامة من العذاب الشديد الموجع المؤلم يوم معادهم وحسابهم .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد .( الذين ) في موضع نصب ، أي : ويستجيب الله الذين آمنوا ، أي : يقبل عبادة من أخلص له بقلبه وأطاع ببدنه . وقيل : يعطيهم مسألتهم إذا دعوه . وقيل : ويجيب دعاء المؤمنين بعضهم لبعض ، يقال : أجاب واستجاب بمعنى ، وقد مضى في ( البقرة ) وقال ابن عباس : ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات يشفعهم في إخوانهم . ويزيدهم من فضله قال : يشفعهم في إخوان إخوانهم . وقال المبرد : معنى ويستجيب الذين آمنوا وليستدع الذين آمنوا الإجابة ؛ هكذا حقيقة معنى استفعل . ف ( الذين ) في موضع رفع . والكافرون لهم عذاب شديد .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (26)يقول تعالى ذكره: ويجيب الذين آمنوا بالله ورسوله, وعملوا بما أمرهم الله به, وانتهوا عما نهاهم عنه لبعضهم دعاء بعض.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا أبو كريب, قال: ثنا عثام, قال: ثنا الأعمش, عن شقيق بن سلمة, عن سلمة بن سبرة, قال: خطبنا معاذ, فقال: أنتم المؤمنون, وأنتم أهل الجنة, والله إني لأرجو أن من تصيبون من فارس والروم يدخلون الجنة, ذلك بأن أحدهم إذا عمل لأحدكم العمل قال: أحسنت رحمك الله, أحسنت غفر الله لك, ثم قرأ: ( وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ).وقوله: ( وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) يقول تعالى ذكره: ويزيد الذين آمنوا وعملوا الصالحات مع إجابته إياهم دعاءهم, وإعطائه إياهم مسألتهم من فضله على مسألتهم إياه, بأن يعطيهم ما لم يسألوه. وقيل: إن ذلك الفضل الذي ضمن جلّ ثناؤه أن يزيدهموه, هو أن يشفعهم في إخوان إخوانهم إذا هم شفعوا في إخوانهم, فشفعوا فيهم.* ذكر من قال ذلك:حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي, قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة, عن سعيد بن بشير, عن قتادة, عن إبراهيم النخعيّ في قول الله عزّ وجلّ: ( وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) قال: يُشَفَّعُون في إخوانهم, ويزيدهم من فضله, قال: يشفعون في إخوان إخوانهم.وقوله: ( وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ) يقول جلّ ثناؤه: والكافرون بالله لهم يوم القيامة عذاب شديد على كفرهم به.واختلف أهل العربية في معنى قوله ( وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا ) فقال بعضهم: أي استجاب فجعلهم هم الفاعلين, فالذين في قوله رفع والفعل لهم. وتأويل الكلام على هذا المذهب: واستجاب الذين آمنوا وعملوا الصالحات لربهم إلى الإيمان به, والعمل بطاعته إذا دعاهم إلى ذلك.وقال آخر منهم: بل معنى ذلك: ويجيب الذين آمنوا. وهذا القول يحتمل وجهين: أحدهما الرفع، بمعنى ويجيب الله الذين آمنوا. والآخر ما قاله صاحب القول الذي ذكرنا.وقال بعض نحوي الكوفة ( وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا ) يكون " الَّذِينَ" في موضع نصب بمعنى: ويجيب الله الذين آمنوا. وقد جاء في التنزيل فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ والمعنى: فأجاب لهم ربهم, إلا أنك إذا قلت استجاب, أدخلت اللام في المفعول؛ وإذا قلت أجاب حذفت اللام, ويكون استجابهم بمعنى: استجاب لهم، كما قال جلّ ثناؤه: وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ والمعنى والله أعلم: وإذا كالوا لهم, أو وزنوا لهم يُخْسِرُونَ . قال: ويكون " الَّذِينَ" في موضع رفع إن يجعل الفعل لهم, أي الذين آمنوا يستجيبون لله, ويزيدهم على إجابتهم, والتصديق به من فضله. وقد بيَّنا الصواب في ذلك من القول على ما تأوّله معاذ ومن ذكرنا قوله فيه.
۞ وَلَوۡ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزۡقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٖ مَّا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرُۢ بَصِيرٞ  ٢٧
التفسير الميسرولو بسط الله الرزق لعباده فوسَّعه عليهم، لبغوا في الأرض أشَرًا وبطرًا، ولطغى بعضهم على بعض، ولكن الله ينزل أرزاقهم بقدر ما يشاء لكفايتهم. إنه بعباده خبير بما يصلحهم، بصير بتدبيرهم وتصريف أحوالهم.
تفسير السعديأي: لغفلوا عن طاعة الله، وأقبلوا على التمتع بشهوات الدنيا، فأوجبت لهم الإكباب على ما تشتهيه نفوسهم، ولو كان معصية وظلما. وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ بحسب ما اقتضاه لطفه وحكمته إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ كما في بعض الآثار أن الله تعالى يقول: "إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة، ولو أمرضته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا المرض ولو عافيته لأفسده ذلك، إني أدبر أمر عبادي بعلمي بما في قلوبهم، إني خبير بصير "
تفسير ابن كثيروقوله : ( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ) أي : لو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق ، لحملهم ذلك على البغي والطغيان من بعضهم على بعض ، أشرا وبطرا .وقال قتادة : كان يقال : خير العيش ما لا يلهيك ولا يطغيك . وذكر قتادة حديث : " إنما أخاف عليكم ما يخرج الله من زهرة الحياة الدنيا " وسؤال السائل : أيأتي الخير بالشر ؟ الحديث .وقوله : ( ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير ) أي : ولكن يرزقهم من الرزق ما يختاره مما فيه صلاحهم ، وهو أعلم بذلك فيغني من يستحق الغنى ، ويفقر من يستحق الفقر . كما جاء في الحديث المروي : " إن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الغنى ، ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه ، وإن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الفقر ، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه "
تفسير القرطبيقوله تعالى : ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير .فيه مسألتان : الأولى : في نزولها ، قيل : إنها نزلت في قوم من أهل الصفة تمنوا سعة الرزق . وقال خباب بن الأرت : فينا نزلت ، نظرنا إلى أموال بني النضير وقريظة وبني قينقاع فتمنيناها فنزلت . ولو بسط معناه وسع . وبسط الشيء نشره . وبالصاد أيضا . لبغوا في الأرض طغوا وعصوا . وقال ابن عباس : بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة ودابة بعد دابة ومركبا بعد مركب وملبسا بعد ملبس . وقيل : أراد لو أعطاهم الكثير لطلبوا ما هو أكثر منه ، لقوله : ( لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثا ) وهذا هو البغي ، وهو معنى قول ابن عباس . وقيل : لو جعلناهم سواء في المال لما انقاد بعضهم لبعض ، ولتعطلت الصنائع . وقيل : أراد بالرزق المطر الذي هو سبب الرزق ، أي : لو أدام المطر لتشاغلوا به عن الدعاء ، فيقبض تارة ليتضرعوا ويبسط أخرى ليشكروا . وقيل : كانوا إذا أخصبوا أغار بعضهم على بعض ، فلا يبعد حمل البغي على هذا . الزمخشري : لبغوا من البغي وهو الظلم ، أي : لبغى هذا على ذاك وذاك على هذا ; لأن الغنى مبطرة مأشرة ، وكفى بقارون عبرة . ومنه قوله - عليه السلام - : أخوف ما أخاف على أمتي زهرة الدنيا وكثرتها . ولبعض العرب :وقد جعل الوسمي ينبت بيننا وبين بني دودان نبعا وشوحطايعني أنهم أحيوا فحدثوا أنفسهم بالبغي والتغابن . أو من البغي وهو البذخ والكبر ، أي : لتكبروا في الأرض وفعلوا ما يتبع الكبر من العلو فيها والفساد . ولكن ينزل بقدر ما يشاء أي : ينزل أرزاقهم بقدر ما يشاء لكفايتهم وقال مقاتل : ينزل بقدر ما يشاء يجعل من يشاء غنيا ومن يشاء فقيرا .الثانية : قال علماؤنا : أفعال الرب سبحانه لا تخلو عن مصالح وإن لم يجب على الله الاستصلاح ، فقد يعلم من حال عبد أنه لو بسط عليه قاده ذلك إلى الفساد فيزوي عنه الدنيا ، مصلحة له . فليس ضيق الرزق هوانا ولا سعة الرزق فضيلة ، وقد أعطى أقواما مع علمه أنهم يستعملونه في الفساد ، ولو فعل بهم خلاف ما فعل لكانوا أقرب إلى الصلاح . والأمر على الجملة مفوض إلى مشيئته ، ولا يمكن التزام مذهب الاستصلاح في كل فعل من أفعال الله تعالى . وروى أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال : ( من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ، وإني لأسرع شيء إلى نصرة أوليائي ، وإني لأغضب لهم كما يغضب الليث الحرد . وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره إساءته ولا بد له منه . وما تقرب إلي عبدي المؤمن بمثل أداء ما افترضت عليه . وما يزال عبدي المؤمن يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا فإن سألني أعطيته وإن دعاني أجبته . وإن من عبادي المؤمنين من يسألني الباب من العبادة وإني عليم أن لو أعطيته إياه لدخله العجب فأفسده . وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده الفقر . وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده الغنى . وإني لأدبر عبادي لعلمي بقلوبهم فإني عليم خبير ) . ثم قال أنس : اللهم إني من عبادك المؤمنين الذين لا يصلحهم إلا الغنى ، فلا تفقرني برحمتك .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27)ذكر أن هذه الآية نزلت من أجل قوم من أهل الفاقة من المسلمين تمنوا سعة الدنيا والغنى, فمال جلّ ثناؤه: ولو بسط الله الرزق لعباده, فوسعه وكثره عندهم لبغوا, فتجاوزوا الحدّ الذي حدّه الله لهم إلى غير الذي حدّه لهم في بلاده بركوبهم في الأرض ما حظره عليهم, ولكنه ينزل رزقهم بقدر لكفايتهم الذي يشاء منه.* ذكر من قال ذلك:يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال أبو هانئ: سمعت عمرو بن حريث وغيره يقولون: إنما أزلت هذه الآية في أصحاب الصُّفَّة ( وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأرْضِ وَلَكِنْ يُنزلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ ) ذلك بأنهم قالوا: لو أن لنا, فتمنوا.* حدثنا محمد بن سنان القزاز, قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقري, قال: ثنا حيوة, قال: أخبرني أبو هانئ, أنه سمع عمرو بن حريث يقول: إنما نزلت هذه الآية, ثم ذكر مثله.حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأرْضِ ) ... الآية قال: كان يقال: خير الرزق ما لا يُطغيك ولا يُلهيك.وذُكر لنا أن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: " أخْوَفُ ما أخافُ على أمَّتِي زَهْرَةُ الدُّنْيا وكَثْرَتُها ". فقال له قاتل: يا نبيّ الله هل يأتي الخير بالشرّ؟ فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " وهَلْ يَأتِي الخَيْرُ بالشَّرِّ؟" فأنزل الله عليه عند ذلك, وكان إذا نزل عليه كرب (1) لذلك, وتربَّد وجهه, حتى إذا سرّي عن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: " هَلْ يَأْتِي الخَيْرُ بالشَّرِّ" يقولها ثلاثا: " إنَّ الخَيْرَ لا يأتِي إلا بالخَيْرِ", يقولها ثلاثا. وكان صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وتر الكلام: ولكنه والله ما كان ربيع قط إلا أحبط أو ألمّ فأما عبد أعطاه الله مالا فوضعه فى سبيل الله التي افترض وارتضى, فذلك عبد أريد به خير, وعزم له على الخير, وأما عبد أعطاه الله مالا فوضعه في شهواته ولذّاته, وعدل عن حقّ الله عليه, فذلك عبد أريد به شرّ, وعزم له على شرّ.وقوله: ( إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ) يقول تعالى ذكره: إن الله بما يصلح عباده ويفسدهم من غنى وفقر وسعة وإقتار, وغير ذلك من مصالحهم ومضارهم, ذو خبرة, وعلم, بصير بتدبيرهم, وصرفهم فيما فيه صلاحهم.------------------------الهوامش:(1) في ( اللسان : كرب ) : وفي الحديث : كان إذا أتاه الوحي كرب له ، أي أصابه الكرب فهو مكروب .
وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ مِنۢ بَعۡدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحۡمَتَهُۥۚ وَهُوَ ٱلۡوَلِيُّ ٱلۡحَمِيدُ  ٢٨
التفسير الميسروالله وحده هو الذي ينزل المطر من السماء، فيغيثهم به من بعد ما يئسوا من نزوله، وينشر رحمته في خلقه، فيعمهم بالغيث، وهو الوليُّ الذي يتولى عباده بإحسانه وفضله، الحميد في ولايته وتدبيره.
تفسير السعدي وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ أي: المطر الغزير الذي به يغيث البلاد والعباد، مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وانقطع عنهم مدة ظنوا أنه لا يأتيهم، وأيسوا وعملوا لذلك الجدب أعمالا، فينزل الله الغيث وَيَنْشُرُ به رَحْمَتَهُ من إخراج الأقوات للآدميين وبهائمهم، فيقع عندهم موقعا عظيما، ويستبشرون بذلك ويفرحون. وَهُوَ الْوَلِيُّ الذي يتولى عباده بأنواع التدبير، ويتولى القيام بمصالح دينهم ودنياهم. الْحَمِيدُ في ولايته وتدبيره، الحميد على ما له من الكمال، وما أوصله إلى خلقه من أنواع الإفضال.
تفسير ابن كثيروقوله : ( وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا ) أي : من بعد إياس الناس من نزول المطر ، ينزله عليهم في وقت حاجتهم وفقرهم إليه ، كقوله : ( وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين ) [ الروم : 49 ] .وقوله : ( وينشر رحمته ) أي : يعم بها الوجود على أهل ذلك القطر وتلك الناحية .قال قتادة : ذكر لنا أن رجلا قال لعمر بن الخطاب : يا أمير المؤمنين ، قحط المطر وقنط الناس ؟ فقال عمر ، رضي الله عنه : مطرتم ، ثم قرأ : ( وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته ) .( وهو الولي الحميد ) أي : هو المتصرف لخلقه بما ينفعهم في دنياهم وأخراهم ، وهو المحمود العاقبة في جميع ما يقدره ويفعله .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد .قرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد ومجاهد وأبو عمرو ويعقوب وابن وثاب والأعمش وغيرهما والكسائي ( ينزل ) مخففا . الباقون بالتشديد . وقرأ ابن وثاب أيضا والأعمش وغيرهما ( قنطوا ) بكسر النون ، وقد تقدم جميع هذا . والغيث المطر ، وسمي الغيث غيثا لأنه يغيث الخلق . وقد غاث الغيث الأرض أي : أصابها . وغاث الله البلاد يغيثها غيثا . وغيثت الأرض تغاث غيثا فهي أرض مغيثة ومغيوثة . وعن الأصمعي قال : مررت ببعض قبائل العرب وقد مطروا فسألت عجوزا منهم : أتاكم المطر ؟ فقالت : غثنا ما شئنا غيثا ، أي : مطرنا . وقال ذو الرمة : قاتل الله أمة بني فلان ما أفصحها! قلت لها كيف كان المطر عندكم ؟ فقالت : غثنا ما شئنا . ذكر الأول الثعلبي والثاني الجوهري . وربما سمي السحاب والنبات غيثا . والقنوط الإياس ، قاله قتادة وغيره . قال قتادة : ذكر أن رجلا قال لعمر بن الخطاب : يا أمير المؤمنين ، قحط المطر وقل الغيث وقنط الناس ؟ فقال : مطرتم إن شاء الله ، ثم قرأ : وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا والغيث ما كان نافعا في وقته ، والمطر قد يكون نافعا وضارا في وقته وغير وقته ، قاله الماوردي . وينشر رحمته قيل المطر ، وهو قول السدي . وقيل : ظهور الشمس بعد المطر ، ذكره المهدوي . وقال مقاتل : نزلت في حبس المطر عن أهل مكة سبع سنين حتى قنطوا ، ثم أنزل الله المطر . وقيل : نزلت في الأعرابي سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المطر يوم الجمعة في خبر الاستسقاء ، ذكره القشيري ، والله أعلم . وهو الولي الحميد ( الولي ) الذي ينصر أولياءه . ( الحميد ) المحمود بكل لسان .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28)يقول تعالى ذكره: والله الذي ينزل المطر من السماء فيغيثكم به أيها الناس ( مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا ) يقول: من بعد ما يئس من نزوله ومجيئه.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة: أنه قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: أجدبت الأرض, وقنط الناس, قال: مطروا إذن.حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا ) قال: يئسوا.حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلا أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه, فقال: يا أمير المؤمنين قحط المطر, وقنط الناس قال: مطرتم ( وَهُوَ الَّذِي يُنزلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ ).وقوله: ( وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ) يقول: وهو الذي يليكم بإحسانه وفضله, الحميد بأياديه عندكم, ونعمه عليكم في خلقه.
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٖۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمۡعِهِمۡ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٞ  ٢٩
التفسير الميسرومن آياته الدالة على عظمته وقدرته وسلطانه، خَلْقُ السموات والأرض على غير مثال سابق، وما نشر فيهما من أصناف الدواب، وهو على جَمْع الخلق بعد موتهم لموقف القيامة إذا يشاء قدير، لا يتعذر عليه شيء.
تفسير السعديأي: ومن أدلة قدرته العظيمة، وأنه سيحيي الموتى بعد موتهم، خَلْقُ هذه السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ على عظمهما وسعتهما، الدال على قدرته وسعة سلطانه، وما فيهما من الإتقان والإحكام دال على حكمته وما فيهما من المنافع والمصالح دال على رحمته، وذلك يدل على أنه المستحق لأنواع العبادة كلها، وأن إلهية ما سواه باطلة. وَمَا بَثَّ فِيهِمَا أي: نشر في السماوات والأرض من أصناف الدواب التي جعلها اللّه مصالح ومنافع لعباده. وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ أي: جمع الخلق بعد موتهم لموقف القيامة إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ فقدرته ومشيئته صالحان لذلك، ويتوقف وقوعه على وجود الخبر الصادق، وقد علم أنه قد تواترت أخبار المرسلين وكتبهم بوقوعه.
تفسير ابن كثيريقول تعالى : ( ومن آياته ) الدالة على عظمته وقدرته العظيمة وسلطانه القاهر ( خلق السموات والأرض وما بث فيهما ) أي : ذرأ فيهما ، أي : في السموات والأرض ، ( من دابة ) وهذا يشمل الملائكة والجن والإنس وسائر الحيوانات ، على اختلاف أشكالهم وألوانهم ولغاتهم ، وطباعهم وأجناسهم ، وأنواعهم ، وقد فرقهم في أرجاء أقطار الأرض والسموات ، ( وهو ) مع هذا كله ( على جمعهم إذا يشاء قدير ) أي : يوم القيامة يجمع الأولين والآخرين وسائر الخلائق في صعيد واحد ، يسمعهم الداعي ، وينفذهم البصر ، فيحكم فيهم بحكمه العدل الحق .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير .قوله تعالى : ومن آياته خلق السماوات والأرض أي علاماته الدالة على قدرته . وما بث فيهما من دابة قال مجاهد : يدخل في هذا الملائكة والناس ، وقد قال تعالى : ويخلق ما لا تعلمون . وقال الفراء أراد ما بث في الأرض دون السماء ، كقوله : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان وإنما يخرج من الملح دون العذب . وقال أبو علي : تقديره وما بث في أحدهما ، فحذف المضاف . وقوله : يخرج منهما أي : من أحدهما . وهو على جمعهم أي يوم القيامة . إذا يشاء قدير .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (29)يقول تعالى ذكره: ومن حججه عليكم أيها الناس أنه القادر على إحيائكم بعد فنائكم, وبعثكم من قبوركم من بعد بلائكم, خلقه السموات والأرض. وما بثّ فيهما من دابة,يعني وما فرّق في السموات والأرض من دابة.كما حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ ) قال: الناس والملائكة.يقول: وهو على جمع ما بث فيهما من دابة إذا شاء جمعه, ذو قدرة لا يتعذر عليه, كما لم يتعذر عليه خلقه وتفريقه, يقول تعالى ذكره: فكذلك هو القادر على جمع خلقه بحشر يوم القيامة بعد تفرق أوصالهم في القبور.
وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ  ٣٠
التفسير الميسروما أصابكم- أيها الناس- من مصيبة في دينكم ودنياكم فبما كسبتم من الذنوب والآثام، ويعفو لكم ربكم عن كثير من السيئات، فلا يؤاخذكم بها.
تفسير السعدييخبر تعالى، أنه ما أصاب العباد من مصيبة في أبدانهم وأموالهم وأولادهم وفيما يحبون ويكون عزيزا عليهم، إلا بسبب ما قدمته أيديهم من السيئات، وأن ما يعفو اللّه عنه أكثر، فإن اللّه لا يظلم العباد، ولكن أنفسهم يظلمون وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وليس إهمالا منه تعالى تأخير العقوبات ولا عجزا.
تفسير ابن كثيروقوله : ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ) أي : مهما أصابكم أيها الناس من المصائب فإنما هو عن سيئات تقدمت لكم ( ويعفو عن كثير ) أي : من السيئات ، فلا يجازيكم عليها بل يعفو عنها ، ( ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ) [ فاطر : 45 ] وفي الحديث الصحيح : " والذي نفسي بيده ، ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ، إلا كفر الله عنه بها من خطاياه ، حتى الشوكة يشاكها " .وقال ابن جرير : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، حدثنا أيوب قال : قرأت في كتاب أبي قلابة قال : نزلت : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) [ الزلزلة : 7 ، 8 ] وأبو بكر يأكل ، فأمسك وقال : يا رسول الله ، إني لراء ما عملت من خير وشر ؟ فقال : " أرأيت ما رأيت مما تكره ، فهو من مثاقيل ذر الشر ، وتدخر مثاقيل الخير حتى تعطاه يوم القيامة " قال : قال أبو إدريس : فإني أرى مصداقها في كتاب الله : ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ) .ثم رواه من وجه آخر ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، قال : والأول أصح .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع ، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري ، حدثنا الأزهر بن راشد الكاهلي ، عن الخضر بن القواس البجلي ، عن أبي سخيلة عن علي ، رضي الله عنه قال : ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله عز وجل ، وحدثنا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ) . وسأفسرها لك يا علي : " ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا ، فبما كسبت أيديكم والله تعالى أحلم من أن يثني عليه العقوبة في الآخرة ، وما عفا الله عنه في الدنيا فالله تعالى أكرم من أن يعود بعد عفوه "وكذا رواه الإمام أحمد ، عن مروان بن معاوية وعبدة ، عن أبي سخيلة قال : قال علي . . . فذكر نحوه مرفوعا .ثم روى ابن أبي حاتم [ نحوه ] من وجه آخر موقوفا فقال : حدثنا أبي ، حدثنا منصور بن أبي مزاحم ، حدثنا أبو سعيد بن أبي الوضاح ، عن أبي الحسن ، عن أبي جحيفة قال : دخلت على علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، فقال : ألا أحدثكم بحديث ينبغي لكل مؤمن أن يعيه ؟ قال : فسألناه فتلا هذه الآية : ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ) قال : ما عاقب الله به في الدنيا فالله أحلم من أن يثني عليه العقوبة يوم القيامة ، وما عفا الله عنه في الدنيا فالله أكرم من أن يعود في عفوه يوم القيامة .وقال الإمام أحمد : حدثنا يعلى بن عبيد ، حدثنا طلحة - يعني ابن يحيى - عن أبي بردة ، عن معاوية - هو ابن أبي سفيان ، رضي الله عنهما ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " ما من شيء يصيب المؤمن في جسده يؤذيه إلا كفر الله عنه به من سيئاته " .وقال أحمد أيضا : حدثنا حسين ، عن زائدة ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا كثرت ذنوب العبد ، ولم يكن له ما يكفرها ، ابتلاه الله بالحزن ليكفرها " .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي ، حدثنا أبو أسامة ، عن إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن - هو البصري - قال في قوله : ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ) قال : لما نزلت قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " والذي نفس محمد بيده ، ما من خدش عود ، ولا اختلاج عرق ، ولا عثرة قدم ، إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر " .وقال أيضا : حدثنا أبي ، حدثنا عمر بن علي ، حدثنا هشيم ، عن منصور ، عن الحسن ، عن عمران بن حصين ، رضي الله عنه ، قال : دخل عليه بعض أصحابه وقد كان ابتلي في جسده ، فقال له بعضهم إنا لنبتئس لك لما نرى فيك . قال : فلا تبتئس بما ترى ، فإن ما ترى بذنب ، وما يعفو الله عنه أكثر ، ثم تلا هذه الآية : ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير )[ قال : ] وحدثنا أبي : حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني ، حدثنا جرير عن أبي البلاد قال : قلت للعلاء بن بدر : ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ) ، وقد ذهب بصري وأنا غلام ؟ قال : فبذنوب والديك .وحدثنا أبي : حدثنا علي بن محمد الطنافسي ، حدثنا وكيع ، عن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن الضحاك قال : ما نعلم أحدا حفظ القرآن ثم نسيه إلا بذنب ، ثم قرأ الضحاك : ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ) . ثم يقول الضحاك : وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير .قوله تعالى : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت قرأ نافع وابن عامر ( بما كسبت ) بغير فاء . الباقون ( فبما ) بالفاء ، واختاره أبو عبيد ، وأبو حاتم للزيادة في الحرف والأجر . قال المهدوي : إن قدرت أن ( ما ) الموصولة جاز حذف الفاء وإثباتها ، والإثبات أحسن . وإن قدرتها التي للشرط لم يجز الحذف عند سيبويه ، وأجازه الأخفش واحتج بقوله تعالى : وإن أطعتموهم إنكم لمشركون والمصيبة هنا الحدود على المعاصي ، قاله الحسن . وقال الضحاك : ما تعلم رجل القرآن ثم نسيه إلا بذنب ، قال الله تعالى : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ثم قال : وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن ، ذكره ابن المبارك عن عبد العزيز بن أبي رواد . قال أبو عبيد : إنما هذا على الترك ، فأما الذي هو دائب في تلاوته حريص على حفظه إلا أن النسيان يغلبه فليس من ذلك في شيء . ومما يحقق ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينسى الشيء من القرآن حتى يذكره ، من ذلك حديث عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : سمع قراءة رجل في المسجد فقال : ما له رحمه الله! لقد أذكرني آيات كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا . وقيل : ( ما ) بمعنى الذي ، والمعنى الذي أصابكم فيما مضى بما كسبت أيديكم . وقال علي - رضي الله عنه - : هذه الآية أرجى آية في كتاب الله عز وجل . وإذا كان يكفر عني بالمصائب ويعفو عن كثير فما يبقى بعد كفارته وعفوه! وقد روي هذا المعنى مرفوعا عنه - رضي الله عنه - ، قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - : ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله حدثنا بها النبي - صلى الله عليه وسلم - : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم الآية : ( يا علي ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم . والله أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة وما عفا عنه في الدنيا فالله أحلم من أن يعاقب به بعد عفوه ) . وقال الحسن : لما نزلت هذه الآية قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ما من اختلاج عرق ولا خدش عود ولا نكبة حجر إلا بذنب ولما يعفو الله عنه أكثر . وقال الحسن : دخلنا على عمران بن حصين فقال رجل : لا بد أن أسألك عما أرى بك من الوجع ، فقال عمران : يا أخي لا تفعل! فوالله إني لأحب الوجع ومن أحبه كان أحب الناس إلى الله ، قال الله تعالى : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير فهذا مما كسبت يدي ، وعفو ربي عما بقي أكثر . وقال مرة الهمداني : رأيت على ظهر كف شريح قرحة فقلت : يا أبا أمية ، ما هذا ؟ قال : هذا بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير . وقال ابن عون : إن محمد بن سيرين لما ركبه الدين اغتم لذلك فقال : إني لأعرف هذا الغم ، هذا بذنب أصبته منذ أربعين سنة . وقال أحمد بن أبي الحواري قيل لأبي سليمان الداراني : ما بال العقلاء أزالوا اللوم عمن أساء إليهم ؟ فقال : لأنهم علموا أن الله تعالى إنما ابتلاهم بذنوبهم ، قال الله تعالى : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير وقال عكرمة : ما من نكبة أصابت عبدا فما فوقها إلا بذنب لم يكن الله ليغفره له إلا بها أو لينال درجة لم يكن يوصله إليها إلا بها . وروي أن رجلا قال لموسى : يا موسى ، سل الله لي في حاجة يقضيها لي هو أعلم بها ، ففعل موسى ، فلما نزل إذ هو بالرجل قد مزق السبع لحمه وقتله ، فقال موسى : ما بال هذا يا رب ؟ فقال الله تبارك وتعالى له : ( يا موسى إنه سألني درجة علمت أنه لم يبلغها بعمله فأصبته بما ترى لأجعلها وسيلة له في نيل تلك الدرجة ) . فكان أبو سليمان الداراني إذا ذكر هذا الحديث يقول : سبحان من كان قادرا على أن ينيله تلك الدرجة بلا بلوى! ولكنه يفعل ما يشاء .قلت : ونظير هذه الآية في المعنى قوله تعالى : من يعمل سوءا يجز به وقد مضى القول فيه . قال علماؤنا : وهذا في حق المؤمنين ، فأما الكافر فعقوبته مؤخرة إلى الآخرة . وقيل : هذا خطاب للكفار ، وكان إذا أصابهم شر قالوا : هذا بشؤم محمد ، فرد عليهم وقال بل ذلك بشؤم كفركم . والأول أكثر وأظهر وأشهر . وقال ثابت البناني : إنه كان يقال ساعات الأذى يذهبن ساعات الخطايا . ثم فيها قولان : أحدهما : أنها خاصة في البالغين أن تكون عقوبة لهم ، وفي الأطفال أن تكون مثوبة لهم . الثاني : أنها عقوبة عامة للبالغين في أنفسهم والأطفال في غيرهم من والد ووالدة . ويعفو عن كثير أي : عن كثير من المعاصي ألا يكون عليها حدود ، وهو مقتضى قول الحسن . وقيل : أي : يعفو عن كثير من العصاة ألا يعجل عليهم بالعقوبة .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)يقول تعالى ذكره: وما يصيبكم أيها الناس من مصيبة في الدنيا في أنفسكم وأهليكم وأموالكم ( فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) يقول: فإنما يصيبكم ذلك عقوبة من الله لكم بما اجترمتم من الآثام فيما بينكم وبين ربكم ويعفو لكم ربكم عن كثير من إجرامكم, فلا يعاقبكم بها.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, قال: ثنا أيوب, قال: قرأت في كتاب أبي قلابة, قال: نزلت: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ وأبو بكر رضي الله عنه يأكل, فأمسك فقال: يا رسول الله إني لراء ما عملت من خير أو شر؟ فقال: " أرَأيْتَ ما رَأَيْتَ مِمَّا تَكْرَهُ فَهُوَ مِنْ مَثَاقِيلِ ذَرّ الشَّرّ, وَتَدَّخِر مَثاقِيلَ الخَيْرِ حتى تُعْطاهُ يَوْمَ القِيامَةِ", قال: قال أبو إدريس: فأرى مصداقها في كتاب الله, قال: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ).قال أبو جعفر: حدّث هذا الحديث الهيثم بن الربيع, فقال فيه أيوب عن أبي قلابة, عن أنس, أن أبا بكر رضي الله عنه كان جالسا عند النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فذكر الحديث, وهو غلط, والصواب عن أبي إدريس.حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ).... الآية ذُكر لنا أن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كان يقول: " لا يُصِيبُ ابْنُ آدَمَ خَدْش عُودٍ, ولا عَثْرَةُ قَدَم, ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ إلا بذَنْب, ومَا يَعْفُو عَنْهُ أكْثَرُ".حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ).... الآية, قال: يعجل للمؤمنين عقوبتهم بذنوبهم ولا يؤاخذون بها في الآخرة.وقال آخرون: بل عنى بذلك: وما عوقبتم في الدنيا من عقوبة بحدّ حددتموه على ذنب استوجبتموه عليه فبما كسبت أيديكم يمول: فيما عملتم من معصية الله (وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) فلا يوجب عليكم فيها حدّا.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن الحسن (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ)... الآية, قال: هذا في الحدود. وقال قتادة: بلغنا أنه ما من رجل يصيبه عثرة قدم ولا خدش عود أو كذا وكذا إلا بذنب, أو يعفو, وما يعفو أكثر.
وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ  ٣١
التفسير الميسروما أنتم- أيها الناس- بمعجزين قدرة الله عليكم، ولا فائتيه، وما لكم من دون الله مِن وليٍّ يتولى أموركم، فيوصل لكم المنافع، ولا نصير يدفع عنكم المضارَّ.
تفسير السعدي وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ أي: معجزين قدرة اللّه عليكم، بل أنتم عاجزون في الأرض، ليس عندكم امتناع عما ينفذه اللّه فيكم. وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ يتولاكم، فيحصل لكم المنافع وَلَا نَصِيرٍ يدفع عنكم المضار.
تفسير ابن كثير
تفسير القرطبيوما أنتم بمعجزين في الأرض أي بفائتين الله ، أي : لن تعجزوه ولن تفوتوه وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير تقدم في غير موضع .
تفسير الطبريوقوله: ( وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ ) يقول: وما أنتم أيها الناس بمفيتي ربكم بأنفسكم إذا أراد عقوبتكم على ذنوبكم التي أذنبتموها, ومعصيتكم إياه التي ركبتموها هربا في الأرض, فمعجزيه, حتى لا يقدر عليكم, ولكنكم حيث كنتم في سلطانه وقبضته, جارية فيكم مشيئته ( وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ ) يليكم بالدفاع عنكم إذا أراد عقوبتكم على معصيتكم إياه ( وَلا نَصِيرٍ ) يقول: ولا لكم من دونه نصير ينصركم إذا هو عاقبكم, فينتصر لكم منه, فاحذروا أيها الناس معاصيه, واتقوه أن تخالفوه فيما أمركم أو نهاكم, فإنه لا دافع لعقوبته عمن أحلها به.
من نحن

موقع الحياة بالإسلام هو موقع إسلامي، يقدم لكم العديد من المواضيع الاسلامية على منهاج الكتاب و السنة، كما يتضمن بعض قراءات القران الكريم بالرسم العثماني بأصوات اشهر القراء حول العالم

عرض المزيد
إشارات

التين , سُورَةُ هُودٍ , سُورَةُ الجُمُعَةِ , الكوثر , معيض الحارثي , القارئ سيلمان الشبيبي , القارئ عبدالرحمن الشحات , محمد عبدالحكيم سعيد العبدالله , قراءة يعقوب الحضرمي بروايتي رويس وروح , المصحف المعلم , قالون عن نافع من طريق أبي نشيط , خلف عن حمزة ,

عرض المزيد