الخميس، ١٨ يونيو ٢٠٢٦
الخميس، ١٨ يونيو ٢٠٢٦
facebookinstagramtwitter

عرض بالصفحات

Basmala
سُورَةُ الدُّخَانِ
وَأَن لَّا تَعۡلُواْ عَلَى ٱللَّهِۖ إِنِّيٓ ءَاتِيكُم بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ  ١٩وَإِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمۡ أَن تَرۡجُمُونِ  ٢٠وَإِن لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ لِي فَٱعۡتَزِلُونِ  ٢١فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنَّ هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمٞ مُّجۡرِمُونَ  ٢٢فَأَسۡرِ بِعِبَادِي لَيۡلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ  ٢٣وَٱتۡرُكِ ٱلۡبَحۡرَ رَهۡوًاۖ إِنَّهُمۡ جُندٞ مُّغۡرَقُونَ  ٢٤كَمۡ تَرَكُواْ مِن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ  ٢٥وَزُرُوعٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ  ٢٦وَنَعۡمَةٖ كَانُواْ فِيهَا فَٰكِهِينَ  ٢٧كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ  ٢٨فَمَا بَكَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ  ٢٩وَلَقَدۡ نَجَّيۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ  ٣٠مِن فِرۡعَوۡنَۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَالِيٗا مِّنَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ  ٣١وَلَقَدِ ٱخۡتَرۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ عِلۡمٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ  ٣٢وَءَاتَيۡنَٰهُم مِّنَ ٱلۡأٓيَٰتِ مَا فِيهِ بَلَٰٓؤٞاْ مُّبِينٌ  ٣٣إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَيَقُولُونَ  ٣٤إِنۡ هِيَ إِلَّا مَوۡتَتُنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُنشَرِينَ  ٣٥فَأۡتُواْ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ  ٣٦أَهُمۡ خَيۡرٌ أَمۡ قَوۡمُ تُبَّعٖ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ  ٣٧وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ  ٣٨مَا خَلَقۡنَٰهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ  ٣٩
تفسير سُورَةُ الدُّخَانِ
وَأَن لَّا تَعۡلُواْ عَلَى ٱللَّهِۖ إِنِّيٓ ءَاتِيكُم بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ  ١٩
التفسير الميسروألا تتكبروا على الله بتكذيب رسله، إني آتيكم ببرهان واضح على صدق رسالتي، إني استجرت بالله ربي وربكم أن تقتلوني رجمًا بالحجارة، وإن لم تصدقوني على ما جئتكم به فخلُّوا سبيلي، وكفُّوا عن أذاي.
تفسير السعدي وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ بالاستكبار عن عبادته والعلو على عباد الله، إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ أي: بحجة بينة ظاهرة وهو ما أتى به من المعجزات الباهرات والأدلة القاهرات، فكذبوه وهموا بقتله فلجأ بالله من شرهم فقال: وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ
تفسير ابن كثيروقوله : ( وأن لا تعلوا على الله ) أي : لا تستكبروا عن اتباع آياته ، والانقياد لحججه والإيمان ببراهينه ، كقوله : ( إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) [ غافر : 60 ] .( إني آتيكم بسلطان [ مبين ] ) أي : بحجة ظاهرة واضحة ، وهي ما أرسله الله به من الآيات البينات والأدلة القاطعة .
تفسير القرطبيوأن لا تعلوا على الله أي لا تتكبروا عليه ولا ترتفعوا عن طاعته . وقال قتادة : لا تبغوا على الله . ابن عباس : لا تفتروا على الله . والفرق بين البغي والافتراء : أن البغي بالفعل والافتراء بالقول . وقال ابن جريج : لا تعظموا على الله . يحيى بن سلام : لا تستكبروا على عبادة الله . والفرق بين التعظيم والاستكبار : أن التعظيم تطاول المقتدر ، والاستكبار ترفع المحتقر ، ذكره الماوردي إني آتيكم بسلطان مبين قال قتادة : بعذر بين . وقال يحيى بن سلام بحجة بينة . والمعنى واحد ، أي : برهان بين .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (19)يقول تعالى ذكره: وجاءهم رسول كريم, أن أدّوا إلي عباد الله, وبأن لا تعلوا على الله.وعنى بقوله ( وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ ) أن لا تطغوا وتبغوا على ربكم, فتكفروا به وتعصوه, فتخالفوا أمره ( إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) يقول: إني آتيكم بحجة على حقيقة ما أدعوكم إليه, وبرهان على صحته, مبين لمن تأملها وتدبرها أنها حجة لي على صحة ما أقول لكم.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ ) : أي لا تبغوا على الله ( إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) : أي بعذر مبين.حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, بنحوه.حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ ) يقول: لا تفتروا على الله.
وَإِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمۡ أَن تَرۡجُمُونِ  ٢٠
التفسير الميسروألا تتكبروا على الله بتكذيب رسله، إني آتيكم ببرهان واضح على صدق رسالتي، إني استجرت بالله ربي وربكم أن تقتلوني رجمًا بالحجارة، وإن لم تصدقوني على ما جئتكم به فخلُّوا سبيلي، وكفُّوا عن أذاي.
تفسير السعديأي: تقتلوني أشر القتلات بالرجم بالحجارة.
تفسير ابن كثير( وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون ) قال ابن عباس ، وأبو صالح : هو الرجم باللسان وهو الشتم .وقال قتادة : [ هو ] الرجم بالحجارة .أي أعوذ بالله الذي خلقني وخلقكم [ من ] أن تصلوا إلي بسوء من قول أو فعل .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون .كأنهم توعدوه بالقتل فاستجار بالله . قال قتادة : ترجمون بالحجارة . وقال ابن عباس : تشتمون ، فتقولوا ساحر كذاب . وأظهر الذال من عذت نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم ويعقوب . وأدغم الباقون . والإدغام طلبا للتخفيف ، والإظهار على الأصل . ثم قيل : إني عذت بالله فيما مضى ; لأن الله وعده فقال : فلا يصلون إليكما . وقيل : إني أعوذ ، كما تقول نشدتك بالله ، وأقسمت عليك بالله ، أي : أقسم .
تفسير الطبريوقوله ( وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ) يقول: وإني اعتصمت بربي وربكم, واستجرت به منكم أن ترجمون.واختلف أهل التأويل في معنى الرجم الذي استعاذ موسى نبيّ الله عليه السلام بربه منه, فقال بعضهم: هو الشتم باللسان.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ) قال: يعني رجم القول.حدثني ابن المثنى, قال: ثنا عثمان بن عمر بن فارس, قال: ثنا شعبة, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي صالح, في قوله ( وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ) قال: الرجم: بالقول.حدثنا أبو هشام الرفاعي, قال: ثنا يحيى بن يمان, قال: ثنا سفيان, عن إسماعيل, عن أبي صالح ( وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ) قال: أن تقولوا هو ساحر.وقال آخرون: بل هو الرجم بالحجارة.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ) : أي أن ترجمون بالحجارة.حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( أَنْ تَرْجُمُونِ ) قال: أن ترجمون بالحجارة.وقال آخرون: بل عنى بقوله ( أَنْ تَرْجُمُونِ ) : أن تقتلوني.وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما دلّ عليه ظاهر الكلام, وهو أن موسى عليه السلام استعاذ بالله من أن يرجُمه فرعون وقومه, والرجم قد يكون قولا باللسان, وفعلا باليد. والصواب أن يقال: استعاذ موسى بربه من كل معاني رجمهم الذي يصل منه إلى المرجوم أذًى ومكروه, شتما كان ذلك باللسان, أو رجما بالحجارة باليد.
وَإِن لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ لِي فَٱعۡتَزِلُونِ  ٢١
التفسير الميسروألا تتكبروا على الله بتكذيب رسله، إني آتيكم ببرهان واضح على صدق رسالتي، إني استجرت بالله ربي وربكم أن تقتلوني رجمًا بالحجارة، وإن لم تصدقوني على ما جئتكم به فخلُّوا سبيلي، وكفُّوا عن أذاي.
تفسير السعدي وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ أي: لكم ثلاث مراتب: الإيمان بي وهو مقصودي منكم فإن لم تحصل منكم هذه المرتبة فاعتزلوني لا علي ولا لي، فاكفوني شركم. فلم تحصل منهم المرتبة الأولى ولا الثانية بل لم يزالو متمردين عاتين على الله محاربين لنبيه موسى عليه السلام غير ممكنين له من قومه بني إسرائيل.
تفسير ابن كثير( وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون ) أي : فلا تتعرضوا إلي ، ودعوا الأمر بيني وبينكم مسالمة إلى أن يقضي الله بيننا . فلما طال مقامه بين أظهرهم ، وأقام حجج الله عليهم ، كل ذلك وما زادهم ذلك إلا كفرا وعنادا ، دعا ربه عليهم دعوة نفذت فيهم ، كما قال تعالى : ( وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ) [ يونس : 88 ، 89 ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون .قوله تعالى : وإن لم تؤمنوا لي أي : إن لم تصدقوني ولم تؤمنوا بالله لأجل برهاني ، فاللام في لي لام أجل . وقيل : أي : وإن لم تؤمنوا بي ، كقوله : فآمن له لوط أي : به . فاعتزلون أي : دعوني كفافا لا لي ولا علي ، قاله مقاتل . وقيل : أي : كونوا بمعزل مني وأنا بمعزل منكم إلى أن يحكم الله بيننا . وقيل : فخلوا سبيلي وكفوا عن أذاي . والمعنى متقارب ، والله أعلم .
تفسير الطبريوقوله ( وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ) يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل نبيه موسى عليه السلام لفرعون وقومه: وإن أنتم أيها القوم لم تصدّقوني على ما جئتكم به من عند ربي, فاعتزلون: يقول: فخلوا سبيلي غير مرجوم باللسان ولا باليد.كما حدثنا محمد بن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ) : أي فخلُّوا سبيلي.
فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنَّ هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمٞ مُّجۡرِمُونَ  ٢٢
التفسير الميسرفدعا موسى ربه- حين كذبه فرعون وقومه ولم يؤمنوا به- قائلا إن هؤلاء قوم مشركون بالله كافرون.
تفسير السعدي فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ أي: قد أجرموا جرما يوجب تعجيل العقوبة.فأخبر عليه السلام بحالهم وهذا دعاء بالحال التي هي أبلغ من المقال، كما قال عن نفسه عليه السلام رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ
تفسير ابن كثيروهكذا قال هاهنا : ( فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون ) فعند ذلك أمره الله تعالى أن يخرج ببني إسرائيل من بين أظهرهم من غير أمر فرعون ومشاورته واستئذانه ; ولهذا قال :
تفسير القرطبيقوله تعالى : فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون .قوله تعالى : فدعا ربه فيه حذف ، أي : فكفروا فدعا ربه . أن هؤلاء بفتح أن أي : بأن هؤلاء . قوم مجرمون أي : مشركون ، قد امتنعوا من إطلاق بني إسرائيل ومن الإيمان .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22)يقول تعالى ذكره: فدعا موسى ربه إذ كذّبوه ولم يؤمنوا به, ولم يؤدّ إليه عباد الله, وهموا بقتله بأن هؤلاء, يعني فرعون وقومه ( قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ) يعني: أنهم مشركون بالله كافرون.
فَأَسۡرِ بِعِبَادِي لَيۡلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ  ٢٣
التفسير الميسرفأَسْر- يا موسى- بعبادي- الذين صَدَّقوك، وآمنوا بك، واتبعوك، دون الذين كذبوك منهم- ليلا إنكم متبعون من فرعون وجنوده فتنجون، ويغرق فرعون وجنوده.
تفسير السعديفأمره الله أن يسري بعباده ليلا وأخبره أن فرعون وقومه سيتبعونه.
تفسير ابن كثير( فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون ) كما قال : ( ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى ) [ طه : 77 ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى : فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون .فيه مسألتان :الأولى : فأسر بعبادي ليلا أي : فأجبنا دعاءه وأوحينا إليه أن أسر بعبادي ، أي : بمن آمن بالله من بني إسرائيل . ليلا أي : قبل الصباح إنكم متبعون وقرأ أهل الحجاز ( فاسر ) بوصل الألف . وكذلك ابن كثير ، من سرى . الباقون فأسر بالقطع ، من أسرى . وقد تقدم . وتقدم خروج فرعون وراء موسى في ( البقرة والأعراف وطه والشعراء ويونس ) وإغراقه وإنجاء موسى ، فلا معنى للإعادة .الثانية : أمر موسى - عليه السلام - بالخروج ليلا . وسير الليل في الغالب إنما يكون عن خوف ، والخوف يكون بوجهين : إما من العدو فيتخذ الليل سترا مسدلا ، فهو من أستار الله تعالى . وإما من خوف المشقة على الدواب والأبدان بحر أو جدب ، فيتخذ السرى مصلحة من ذلك . وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسري ويدلج ومترفق ويستعجل ، بحسب الحاجة وما تقتضيه المصلحة . وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض وإذا سافرتم في السنة فبادروا بها نقيها . وقد مضى في أول " النحل " ، والحمد لله
تفسير الطبريوقوله ( فَأَسْرِ بِعِبَادِي ) وَفِي الكلام محذوف استغني بدلالة ما ذُكر عليه منه, وهو: فأجابه ربه بأن قال له: فأسر إذ كان الأمر كذلك بعبادي, وهم بنو إسرائيل, وإنما معنى الكلام: فأسر بعبادي الذين صدّقوك وآمنوا بك, واتبعوك دون الذين كذّبوك منهم, وأبَوْا قبول ما جئتهم به من النصيحة منك, وكان الذين كانوا بهذه الصِّفَة يومئذ بني إسرائيل. وقال: ( فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلا ) لأن معنى ذلك: سر بهم بليل قبل الصباح.وقوله ( إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ) يقول: إن فرعون وقومه من القبط متبعوكم إذا شخصتم عن بلدهم وأرضهم في آثاركم.
وَٱتۡرُكِ ٱلۡبَحۡرَ رَهۡوًاۖ إِنَّهُمۡ جُندٞ مُّغۡرَقُونَ  ٢٤
التفسير الميسرواترك البحر كما هو على حالته التي كان عليها حين سلكته، ساكنًا غير مضطرب، إن فرعون وجنوده مغرقون في البحر.
تفسير السعدي وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا أي: بحاله وذلك أنه لما سرى موسى ببني إسرائيل كما أمره الله ثم تبعهم فرعون فأمر الله موسى أن يضرب البحر فضربه فصار اثنى عشر طريقا وصار الماء من بين تلك الطرق كالجبال العظيمة فسلكه موسى وقومه.فلما خرجوا منه أمره الله أن يتركه رهوا أي: بحاله ليسلكه فرعون وجنوده إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ فلما تكامل قوم موسى خارجين منه وقوم فرعون داخلين فيه أمره الله تعالى أن يلتطم عليهم فغرقوا عن آخرهم.
تفسير ابن كثيروقوله هاهنا : ( واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون ) وذلك أن موسى ، عليه السلام ، لما جاوز هو وبنو إسرائيل البحر ، أراد موسى أن يضربه بعصاه حتى يعود كما كان ، ليصير حائلا بينهم وبين فرعون ، فلا يصل إليهم . فأمره الله أن يتركه على حاله ساكنا ، وبشره بأنهم جند مغرقون فيه ، وأنه لا يخاف دركا ولا يخشى .قال ابن عباس : ( واترك البحر رهوا ) كهيئته وامضه . وقال مجاهد ) رهوا ) طريقا يبسا كهيئته ، يقول : لا تأمره يرجع ، اتركه حتى يرجع آخرهم . وكذا قال عكرمة ، والربيع بن أنس ، والضحاك ، وقتادة ، وابن زيد وكعب الأحبار وسماك بن حرب ، وغير واحد .
تفسير القرطبيقوله تعالى : واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون .قال ابن عباس : رهوا أي : طريقا . وقال كعب والحسن . وعن ابن عباس أيضا سمتا . الضحاك والربيع : سهلا . عكرمة : يبسا ، لقوله : فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا وقيل : مفترقا . مجاهد : منفرجا . وعنه يابسا . وعنه ساكنا ، وهو المعروف في اللغة . وقاله قتادة والهروي . وقال غيرهما : منفرجا . وقال ابن عرفة : وهما يرجعان إلى معنى واحد وإن اختلف لفظاهما ، لأنه إذا سكن جريه انفرج . وكذلك كان البحر يسكن جريه وانفرج لموسى عليه السلام . والرهو عند العرب : الساكن ، يقال : جاءت الخيل رهوا ، أي : ساكنة . قال :والخيل تمزع رهوا في أعنتها كالطير تنجو من الشؤبوب ذي البردالجوهري : ويقال افعل ذلك رهوا ، أي : ساكنا على هينتك . وعيش راه ، أي : ساكن رافه . وخمس راه ، إذا كان سهلا . ورها البحر أي : سكن . وقال أبو عبيد : رها بين رجليه يرهو رهوا أي : فتح ، ومنه قوله تعالى : واترك البحر رهوا والرهو : السير السهل ، يقال : جاءت الخيل رهوا . قال ابن الأعرابي : رها يرهو في السير أي : رفق . قال القطامي في نعت الركاب :يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة ولا الصدور على الأعجاز تتكلوالرهو والرهوة : المكان المرتفع ، والمنخفض أيضا يجتمع فيه الماء ، وهو من الأضداد . وقال أبو عبيد : الرهو : الجوبة تكون في محلة القوم يسيل فيها ماء المطر وغيره . وفي الحديث أنه قضى أن ( لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقبة ولا ركح ولا رهو ) . والجمع رهاء . والرهو : المرأة الواسعة الهن . حكاه النضر بن شميل . والرهو : ضرب من الطير ، ويقال : هو الكركي . قال الهروي : ويجوز أن يكون رهوا من نعت موسى - وقاله القشيري - أي : سر ساكنا على هينتك ، فالرهو من نعت موسى وقومه لا من نعت البحر ، وعلى الأول هو من نعت البحر ، أي : اتركه ساكنا كما هو قد انفرق فلا تأمره بالانضمام . حتى يدخل فرعون وقومه . قال قتادة : أراد موسى أن يضرب البحر لما قطعه بعصاه حتى يلتئم ، وخاف أن يتبعه فرعون فقيل له هذا . وقيل : ليس الرهو من السكون بل هو الفرجة بين الشيئين ، يقال : رها ما بين الرجلين أي : فرج . فقوله : رهوا أي : منفرجا . وقال الليث : الرهو مشي في سكون ، يقال : رها يرهو رهوا فهو راه . وعيش راه : وادع خافض . وافعل ذلك سهوا رهوا ، أي : ساكنا بغير شدة . وقد ذكرناه آنفا . إنهم أي : إن فرعون وقومه . جند مغرقون أخبر موسى بذلك ليسكن قلبه .
تفسير الطبريوقوله ( وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ) يقول: وإذا قطعت البحر أنت وأصحابُك, فاتركه ساكنا على حاله التي كان عليها حين دخلته. وقيل: إن الله تعالى ذكره قال لموسى هذا القول بعد ما قطع البحر ببني إسرائيل فإذ كان ذلك كذلك, ففي الكلام محذوف, وهو: فسرَى موسى بعبادي ليلا وقطع بهم البحر, فقلنا له بعد ما قطعه, وأراد ردّ البحر إلى هيئته التي كان عليها قبل انفلاقه: اتركْه رَهْوًا.* ذكر من قال ما ذكرنا من أن الله عزّ وجلّ قال لموسى صلى الله عليه وسلم هذا القول بعد ما قطع البحر بقومه:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ) حتى بلغ ( إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ) قال: لما خرج آخر بني إسرائيل أراد نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يضرب البحر بعصاه, حتى يعود كما كان مخافة آل فرعون أن يدركوهم, فقيل له ( وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ).حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, قال: لما قطع البحر, عطف ليضرب البحر بعصاه ليلتئم, وخاف أن يتبعه فرعون وجنوده, فقيل له: ( وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ) كما هو ( إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ).واختلف أهل التأويل في معنى الرهْو, فقال بعضهم: معناه: اتركه على هيئته وحاله التي كان عليها.* ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله ( وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ) يقول: سَمْتا.حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ) قال: الرهو: أن يترك كما كان, فإنهم لن يخلُصوا من ورائه.حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, قال: أخبرنا حميد, عن إسحاق, عن عبد الله بن الحارث, عن أبيه, أن ابن عباس سأل كعبا عن قول الله ( وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ) قال: طريقا.وقال آخرون: بل معناه: اتركه سَهْلا.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد, قال: ثنا حكام, عن أبي جعفر, عن الربيع, قوله ( وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ) قال: سهلا.حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ) قال: يقال: الرهو: السهل.حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا حرميّ بن عُمارة قال: ثنا شعبة, قال: أخبرني عمارة, عن الضحاك بن مُزاحم, فى قول الله عزّ وجلّ( وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ) قال: دَمثا.حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ) قال: سهلا دمثا.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ) قال: هو السهل.وقال آخرون: بل معناه: واتركه يبسا جددا.* ذكر من قال ذلك:حدثنا محمد بن المثنى, قال: ثني عبيد الله بن معاذ, قال: ثني أبي, عن شعبة, عن سماك, عن عكرمة, في قوله ( وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ) قال: جددا.حدثنا محمد بن المثنى, قال: ثني عبيد الله بن معاذ, قال: ثنا أبي, عن شعبة, عن سماك, عن عكرمة في قوله ( وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ) قال: يابسا كهيئته بعد أن ضربه, يقول: لا تأمره يرجع, اتركه حتى يدخل آخرهم.حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله (رَهوًا) قال: طريقا يَبَسا.حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ) كما هو طريقا يابسا.وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال معناه: اتركه على هيئته كما هو على الحال التي كان عليها حين سلَكْته, وذلك أن الرهو في كلام العرب: السكون, كما قال الشاعر:كأنَّما أهْلُ حُجْرٍ يَنْظُرُونَ مَتَىيَرَوْنَنِي خارِجا طَيْرٌ يَنَادِيدطَيرٌ رأَتْ بازِيا نَضْحُ الدّماءِ بِهِوأُمُّهُ خَرَجَتْ رَهْوًا إلى عِيد (1)يعني على سكون, وإذا كان ذلك معناه كان لا شكّ أنه متروك سهلا دَمِثا, وطريقا يَبَسا لأن بني إسرائيل قطعوه حين قطعوه, وهو كذلك, فإذا ترك البحر رهوا كما كان حين قطعه موسى ساكنا لم يُهج كان لا شكّ أنه بالصفة التي وصفت.وقوله ( إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ) يقول: إن فرعون وقومه جند, الله مغرقهم في البحر.------------------------الهوامش:(1) هذا بيت من قصيدة للراعي ، مدح بها سعد بن عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، عدتها سبعة وخمسون بيتا . وقوله " ذات آثارة " أي رب ناقة ذات سمن . والأثارة ، بفتح الهمزة : شحم متصل بشحم آخر ، ويقال هي بقية من الشحم العتيق ، يقال : سمنت الناقة على أثارة ، أي على بقية شحم . وأكمته : غلفه ، جمع كمام ، وهو جمع كم بكسر الكاف ، وهو غطاء النور وغلافه . وقفارًا وقفارة : وصف للنبات : أي رعته خاليًا لها من مزاحمة غيرها في رعيه . وأصله من قولهم طعام قفار : أي أكل بلا إدام . ( انظر خزانة الأدب الكبرى للبغدادي 4 : 251 ) واستشهد بالبيت أبو عبيدة في مجاز القرآن ( الورقة 222 ) . عند قوله تعالى : " أو أثارة من علم " أي بقية من شحم أكلت عليه . ومن قال : " أثرة " فهو مصدر أثره يأثره : يذكره . وفي ( اللسان : أثر ) : وأثرة العلم وأثرته وأثارته ، بقية منه تؤثر فتذكر . وقال الزجاج أثاره : في معنى علامة . ويجوز أن يكون على معنى بقية من علم ونسب البيت للشماخ.
كَمۡ تَرَكُواْ مِن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ  ٢٥
التفسير الميسركم ترك فرعون وقومه بعد مهلكهم وإغراق الله إياهم من بساتين وجنات ناضرة، وعيون من الماء جارية، وزروع ومنازل جميلة، وعيشة كانوا فيها متنعمين مترفين.
تفسير السعديوتركوا ما متعوا به من الحياة الدنيا وأورثه الله بني إسرائيل الذين كانوا مستعبدين لهم ولهذا قال: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ
تفسير ابن كثيروهي البساتين "وعيون وزروع" والمراد بها الأنهار والآبار.
تفسير القرطبيقوله تعالى : كم تركوا من جنات وعيون.قوله تعالى : كم تركوا من جنات وعيون( كم ) للتكثير وقد مضى في معنى هذه الآية في ( الشعراء ) مستوفى .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25)يقول تعالى ذكره: كم ترك فرعون وقومه من القبط بعد مهلكهم وتغريق الله إياهم من بساتين وأشجار, وهي الجنات, وعيون, يعني: ومنابع ما كان ينفجر في جنانهم وزروع قائمة في مزارعهم .
وَزُرُوعٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ  ٢٦
التفسير الميسركم ترك فرعون وقومه بعد مهلكهم وإغراق الله إياهم من بساتين وجنات ناضرة، وعيون من الماء جارية، وزروع ومنازل جميلة، وعيشة كانوا فيها متنعمين مترفين.
تفسير السعديوتركوا ما متعوا به من الحياة الدنيا وأورثه الله بني إسرائيل الذين كانوا مستعبدين لهم ولهذا قال: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ
تفسير ابن كثير( وزروع ) والمراد بها الأنهار والآبار ، ( ومقام كريم ) وهي المساكن الكريمة الأنيقة والأماكن الحسنة .وقال مجاهد ، وسعيد بن جبير : ( ومقام كريم ) : المنابر .وقال ابن لهيعة ، عن وهب بن عبد الله المعافري ، عن عبد الله بن عمرو قال : نيل مصر سيد الأنهار ، سخر الله له كل نهر بين المشرق والمغرب ، وذلله له ، فإذا أراد الله أن يجري نيل مصر أمر كل نهر أن يمده ، فأمدته الأنهار بمائها ، وفجر الله له الأرض عيونا ، فإذا انتهى جريه إلى ما أراد الله ، أوحى الله إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره .وقال في قوله تعالى : ( كم تركوا من جنات وعيون . وزروع ومقام كريم . ونعمة كانوا فيها فاكهين ) قال : كانت الجنان بحافتي هذا النيل من أوله إلى آخره في الشقين جميعا ، ما بين أسوان إلى رشيد ، وكان له تسعة خلج : خليج الإسكندرية ، وخليج دمياط ، وخليج سردوس ، وخليج منف ، وخليج الفيوم ، وخليج المنهى ، متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء ، وزروع ما بين الجبلين ، كله من أول مصر إلى آخر ما يبلغه الماء ، وكانت جميع أرض مصر تروى من ستة عشر ذراعا ، لما قدروا ودبروا من قناطرها وجسورها وخلجها .
تفسير القرطبيمضى في معنى هذه الآية في ( الشعراء ) مستوفى .
تفسير الطبري( وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ) يقول: وموضع كانوا يقومونه شريف كريم.ثم اختلف أهل التأويل في معنى وصف الله ذلك المقام بالكرم, فقال بعضهم: وصفه بذلك لشرفه, وذلك أنه مَقام الملوك والأمراء, قالوا: وإنما أريد به المنابر.* ذكر من قال ذلك:حدثني جعفر بن ابنة إسحاق الأزرق, قال: ثنا سعيد بن محمد الثقفي, قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مُهاجر, عن أبيه, عن مجاهد, في قوله ( وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ) قال: المنابر.حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة, قال: ثنا عبد الله بن داود الواسطي, قال: ثنا شريك، عن سالم الأفطس, عن سعيد بن جُبير, في قوله ( وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ) قال: المنابر.وقال آخرون: وصف ذلك المقام بالكرم لحسنه وبهجته.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ) : أي حسن.
وَنَعۡمَةٖ كَانُواْ فِيهَا فَٰكِهِينَ  ٢٧
التفسير الميسركم ترك فرعون وقومه بعد مهلكهم وإغراق الله إياهم من بساتين وجنات ناضرة، وعيون من الماء جارية، وزروع ومنازل جميلة، وعيشة كانوا فيها متنعمين مترفين.
تفسير السعديوتركوا ما متعوا به من الحياة الدنيا وأورثه الله بني إسرائيل الذين كانوا مستعبدين لهم ولهذا قال: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ
تفسير ابن كثير( ونعمة كانوا فيها فاكهين ) أي عيشة كانوا يتفكهون فيها فيأكلون ما شاءوا ويلبسون ما أحبوا مع الأموال والجاهات والحكم في البلاد ، فسلبوا ذلك جميعه في صبيحة واحدة ، وفارقوا الدنيا وصاروا إلى جهنم وبئس المصير ، واستولى على البلاد المصرية وتلك الحواصل الفرعونية والممالك القبطية بنو إسرائيل ، كما قال تعالى : ( كذلك وأورثناها بني إسرائيل ) [ الشعراء : 59 ] وقال في موضع آخر : ( وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون ) [ الأعراف : 137 ] .
تفسير القرطبيونعمة كانوا فيها فاكهين النعمة ( بالفتح ) : التنعيم ، يقال : نعمه الله وناعمه فتنعم . وامرأة منعمة ومناعمة ، بمعنى . والنعمة ( بالكسر ) : اليد والصنيعة والمنة وما أنعم به عليك . وكذلك النعمى . فإن فتحت النون مددت وقلت : النعماء . والنعيم مثله . وفلان واسع النعمة ، أي : واسع المال ، جميعه عن الجوهري . وقال ابن عمر : المراد بالنعمة نيل مصر . ابن لهيعة : الفيوم . ابن زياد : أرض مصر لكثرة خيرها . وقيل : ما كانوا فيه من السعة والدعة . وقد يقال : نعمة ونعمة ( بفتح النون وكسرها ) ، حكاه الماوردي . قال : وفي الفرق بينهما وجهان : أحدهما : أنها بكسر النون في الملك ، وبفتحها في البدن والدين ، قاله النضر بن شميل . الثاني : أنها بالكسر من المنة وهو الإفضال والعطية ، وبالفتح من التنعيم وهو سعة العيش والراحة ، قاله ابن زياد .قلت : هذا الفرق هو الذي وقع في الصحاح وقد ذكرناه . وقرأ أبو رجاء والحسن وأبو الأشهب والأعرج وأبو جعفر وشيبة ( فكهين ) بغير ألف ، ومعناه أشرين بطرين . قال الجوهري : فكه الرجل ( بالكسر ) فهو فكه إذا كان طيب النفس مزاحا . والفكه أيضا الأشر البطر . وقرئ ( ونعمة كانوا فيها فكهين ) أي : أشرين بطرين . وفاكهين أي : ناعمين . القشيري : فاكهين لاهين مازحين ، يقال : إنه لفاكه أي : مزاح . وفيه فكاهة أي : مزح . الثعلبي : وهما لغتان كالحاذر والحذر ، والفاره والفره . وقيل : إن الفاكه هو المستمتع بأنواع اللذة كما يتمتع الآكل بأنواع الفاكهة . والفاكهة : فضل عن القوت الذي لا بد منه .
تفسير الطبريوقوله ( وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ) يقول تعالى ذكره: وأخرجوا من نعمة كانوا فيها فاكهين متفكهين ناعمين.واختلفت القرّاء في قراءة قوله ( فَاكِهِينَ ) فقرأته عامة قرّاء الأمصار خلا أبي جعفر القارئ( فَاكِهِينَ ) على المعنى الذي وصفت. وقرأه أبو رجاء العُطاردي والحسن وأبو جعفر المدنيّ( فَكِهينَ ) بمعنى: أشِرِين بَطِرين.والصواب من القراءة عندي في ذلك, القراءة التي عليها قرّاء الأمصار, وهي ( فَاكِهِينَ ) بالألف بمعنى ناعمين.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ) : ناعمين, قال: إي والله, أخرجه الله من جناته وعيونه وزروعه حتى ورّطه في البحر.
كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ  ٢٨
التفسير الميسرمثل ذلك العقاب يعاقب الله مَن كذَّب وبدَّل نعمة الله كفرًا، وأورثنا تلك النعم من بعد فرعون وقومه قومًا آخرين خلفوهم من بني إسرائيل.
تفسير السعدي[كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا أي: هذة النعمة المذكورة قَوْمًا آخَرِينَ فى الآية الأخرى كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ
تفسير ابن كثيروقال هاهنا : ( كذلك وأورثناها قوما آخرين ) وهم بنو إسرائيل ، كما تقدم .
تفسير القرطبيقوله تعالى : كذلك وأورثناها قوما آخرين .قال الزجاج : أي : الأمر كذلك ، فيوقف على ( كذلك ) وقيل : إن الكاف في موضع نصب ، على تقدير نفعل فعلا كذلك بمن نريد إهلاكه . وقال الكلبي : كذلك أفعل بمن عصاني . وقيل : كذلك كان أمرهم فأهلكوا . وأورثناها قوما آخرين يعني بنى إسرائيل ، ملكهم الله تعالى أرض مصر بعد أن كانوا فيها مستعبدين ، فصاروا لها وارثين ، لوصول ذلك إليهم كوصول الميراث . ونظيره : وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها .
تفسير الطبريوقوله ( كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ ) يقول تعالى ذكره: هكذا كما وصفت لكم أيها الناس فعلنا بهؤلاء الذي ذكرتُ لكم أمرهم, الذين كذّبوا رسولنا موسى صلى الله عليه وسلم.وقوله ( وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ ) يقول تعالى ذكره وأورثنا جناتهم وعيونهم وزروعهم ومقَاماتهم وما كانوا فيه من النعمة عنهم قوما آخرين بعد مهلكهم, وقيل: عُنِي بالقوم الآخرين بنو إسرائيل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة قوله ( كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ ) يعني بني إسرائيل.
فَمَا بَكَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ  ٢٩
التفسير الميسرفما بكت السماء والأرض حزنًا على فرعون وقومه، وما كانوا مؤخَّرين عن العقوبة التي حلَّت بهم.
تفسير السعدي فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ أي: لما أتلفهم الله وأهلكهم لم تبك عليهم السماء والأرض أي: لم يحزن عليهم ولم يؤس على فراقهم، بل كل استبشر بهلاكهم وتلفهم حتى السماء والأرض لأنهم ما خلفوا من آثارهم إلا ما يسود وجوههم ويوجب عليهم اللعنة والمقت من العالمين. وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ أي: ممهلين عن العقوبة بل اصطلمتهم في الحال.
تفسير ابن كثيروقوله : ( فما بكت عليهم السماء والأرض ) أي : لم تكن لهم أعمال صالحة تصعد في أبواب السماء فتبكي على فقدهم ، ولا لهم في الأرض بقاع عبدوا الله فيها فقدتهم ; فلهذا استحقوا ألا ينظروا ولا يؤخروا لكفرهم وإجرامهم ، وعتوهم وعنادهم .قال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده : حدثنا أحمد بن إسحاق البصري ، حدثنا مكي بن إبراهيم ، حدثنا موسى بن عبيدة ، حدثني يزيد الرقاشي ، حدثني أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " ما من عبد إلا وله في السماء بابان : باب يخرج منه رزقه ، وباب يدخل منه عمله وكلامه ، فإذا مات فقداه وبكيا عليه " وتلا هذه الآية : ( فما بكت عليهم السماء والأرض ) وذكر أنهم لم يكونوا عملوا على الأرض عملا صالحا يبكي عليهم . ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم ولا من عملهم كلام طيب ، ولا عمل صالح فتفقدهم فتبكي عليهم .ورواه ابن أبي حاتم من حديث موسى بن عبيدة وهو الربذي .وقال ابن جرير : حدثني يحيى بن طلحة ، حدثني عيسى بن يونس ، عن صفوان بن عمرو ، عن شريح بن عبيد الحضرمي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا . ألا لا غربة على مؤمن ما مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض " . ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( فما بكت عليهم السماء والأرض ) ثم قال : " إنهما لا يبكيان على الكافر " .وقال ابن أبى حاتم : حدثنا أحمد بن عصام حدثنا أبو أحمد - يعني الزبيري - حدثنا العلاء بن صالح ، عن المنهال بن عمرو ، عن عباد بن عبد الله قال : سأل رجل عليا رضي الله عنه : هل تبكي السماء والأرض على أحد ؟ فقال له : لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك ، إنه ليس [ من ] عبد إلا له مصلى في الأرض ، ومصعد عمله من السماء . وإن آل فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ، ولا عمل يصعد في السماء ، ثم قرأ علي ، رضي الله عنه ( فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين )وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا طلق بن غنام ، عن زائدة ، عن منصور ، عن منهال ، عن سعيد بن جبير قال : أتى ابن عباس رجل فقال : يا أبا عباس أرأيت قول الله : ( فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين ) فهل تبكي السماء والأرض على أحد ؟ قال : نعم إنه ليس أحد من الخلائق إلا وله باب في السماء منه ينزل رزقه ، وفيه يصعد عمله ، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله وينزل منه رزقه بكى عليه ، وإذا فقد مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها ويذكر الله فيها بكت عليه ، وإن قوم فرعون لم تكن لهم في الأرض آثار صالحة ، ولم يكن يصعد إلى الله منهم خير ، فلم تبك عليهم السماء والأرض .وروى العوفي ، عن ابن عباس ، نحو هذا .وقال سفيان الثوري ، عن أبي يحيى القتات ، عن مجاهد ، عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] قال : كان يقال : تبكي الأرض على المؤمن أربعين صباحا . وكذا قال مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وغير واحد .وقال مجاهد أيضا : ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحا ، قال : فقلت له : أتبكي الأرض ؟ فقال : أتعجب ؟ وما للأرض لا تبكي على عبد ، كان يعمرها بالركوع والسجود ؟ وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتكبيره وتسبيحه فيها دوي كدوي النحل ؟وقال قتادة : كانوا أهون على الله من أن تبكي عليهم السماء والأرض .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا عبد السلام بن عاصم ، حدثنا إسحاق بن إسماعيل ، حدثنا المستورد بن سابق ، عن عبيد المكتب ، عن إبراهيم قال : ما بكت السماء منذ كانت الدنيا إلا على اثنين قلت لعبيد : أليس السماء والأرض تبكي على المؤمن ؟ قال : ذاك مقامه حيث يصعد عمله . قال : وتدري ما بكاء السماء ؟ قلت لا قال : تحمر وتصير وردة كالدهان ، إن يحيى بن زكريا لما قتل احمرت السماء وقطرت دما . وإن حسين بن علي لما قتل احمرت السماء .وحدثنا علي بن الحسين ، حدثنا أبو غسان محمد بن عمرو - زنيج - حدثنا جرير ، عن يزيد بن أبي زياد قال : لما قتل حسين بن علي ، رضي الله عنهما ، احمرت آفاق السماء أربعة أشهر . قال يزيد : واحمرارها بكاؤها . وهكذا قال السدي الكبير .وقال عطاء الخراساني : بكاؤها : أن تحمر أطرافها .وذكروا أيضا في مقتل الحسين أنه ما قلب حجر يومئذ إلا وجد تحته دم عبيط ، وأنه كسفت الشمس ، واحمر الأفق ، وسقطت حجارة . وفي كل من ذلك نظر ، والظاهر أنه من سخف الشيعة وكذبهم ، ليعظموا الأمر - ولا شك أنه عظيم - ولكن لم يقع هذا الذي اختلقوه وكذبوه ، وقد وقع ما هو أعظم من [ ذلك ] ، قتل الحسين رضي الله عنه ولم يقع شيء مما ذكروه ، فإنه قد قتل أبوه علي بن أبي طالب ، وهو أفضل منه بالإجماع ولم يقع [ شيء من ] ذلك ، وعثمان بن عفان قتل محصورا مظلوما ، ولم يكن شيء من ذلك . وعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قتل في المحراب في صلاة الصبح ، وكأن المسلمين لم تطرقهم مصيبة قبل ذلك ، ولم يكن شيء من ذلك . وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو سيد البشر في الدنيا والآخرة يوم مات لم يكن شيء مما ذكروه . ويوم مات إبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - خسفت الشمس فقال الناس : [ الشمس ] خسفت لموت إبراهيم ، فصلى بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الكسوف ، وخطبهم وبين لهم أن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته .
تفسير القرطبيقوله تعالى : فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين .قوله تعالى : فما بكت عليهم السماء والأرض أي لكفرهم . وما كانوا منظرين أي : مؤخرين بالغرق . وكانت العرب تقول عند موت السيد منهم : بكت له السماء والأرض ، أي : عمت مصيبته الأشياء حتى بكته السماء والأرض والريح والبرق ، وبكته الليالي الشاتيات . قال الشاعر [ يزيد بن مفرغ الحميري ] :فالريح تبكي شجوها والبرق يلمع في الغمامهوقال آخر [ جرير ] :والشمس طالعة ليست بكاسفة تبكي عليك نجوم الليل والقمراوقالت الخارجية [ ليلى بنت طريف الشيباني ] :أيا شجر الخابور مالك مورقا كأنك لم تجزع على ابن طريفوذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه . والمعنى أنهم هلكوا فلم تعظم مصيبتهم ولم يوجد لهم فقد . وقيل : في الكلام إضمار ، أي : ما بكى عليهم أهل السماء والأرض من الملائكة ، كقوله تعالى : واسأل القرية بل سروا بهلاكهم ، قاله الحسن . وروى يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما من مؤمن إلا وله في السماء بابان باب ينزل منه رزقه وباب يدخل منه كلامه وعمله فإذا مات فقداه فبكيا عليه - ثم تلا - فما بكت عليهم السماء والأرض يعني أنهم لم يعملوا على الأرض عملا صالحا تبكي عليهم لأجله ، ولا صعد لهم إلى السماء عمل صالح فتبكي فقد ذلك . وقال مجاهد : إن السماء والأرض يبكيان على المؤمن أربعين صباحا . قال أبو يحيى : فعجبت من قوله فقال : أتعجب! وما للأرض لا تبكي على عبد يعمرها بالركوع والسجود! وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه وتكبيره فيها دوي كدوي النحل! . وقال علي وابن عباس - رضي الله عنهما - : إنه يبكي عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء . وتقدير الآية على هذا : فما بكت عليهم مصاعد عملهم من السماء ولا مواضع عبادتهم من الأرض . وهو معنى قول سعيد بن جبير . وفي بكاء السماء والأرض ثلاثة أوجه : أحدها أنه كالمعروف من بكاء الحيوان . ويشبه أن يكون قول مجاهد . وقال شريح الحضرمي قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء يوم القيامة قيل : من هم يا رسول الله ؟ قال - هم الذين إذا فسد الناس صلحوا - ثم قال - ألا لا غربة على مؤمن وما مات مؤمن في غربة غائبا عنه بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض - ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما بكت عليهم السماء والأرض ثم قال : ألا إنهما لا يبكيان على الكافر .قلت : وذكر أبو نعيم محمد بن معمر قال : حدثنا أبو شعيب الحراني قال حدثنا يحيى بن عبد الله قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني عطاء الخراساني قال : ما من عبد يسجد لله سجدة في بقعة من بقاع الأرض إلا شهدت له يوم القيامة وبكت عليه يوم يموت . وقيل : بكاؤهما حمرة أطرافهما ، قاله علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وعطاء والسدي والترمذي محمد بن علي وحكاه عن الحسن . قال السدي : لما قتل الحسين بن علي - رضي الله عنهما بكت عليه السماء ، وبكاؤها حمرتها . وحكى جرير عن يزيد بن أبي زياد قال : لما قتل الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهما احمر له آفاق السماء أربعة أشهر . قال يزيد : واحمرارها بكاؤها . وقال محمد بن سيرين : أخبرونا أن الحمرة التي تكون مع الشفق لم تكن حتى قتل الحسين بن علي - رضي الله عنهما - . وقال سليمان القاضي : مطرنا دما يوم قتل الحسين .قلت : روى الدارقطني من حديث مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : الشفق الحمرة . وعن عبادة بن الصامت وشداد بن أوس قالا : الشفق شفقان : الحمرة والبياض ، فإذا غابت الحمرة حلت الصلاة . وعن أبي هريرة قال : الشفق الحمرة . وهذا يرد ما حكاه ابن سيرين . وقد تقدم في ( سبحان ) عن قرة بن خالد قال : ما بكت السماء على أحد إلا على يحيى بن زكريا والحسين بن علي ، وحمرتها بكاؤها . وقال محمد بن علي الترمذي : البكاء إدرار الشيء فإذا أدرت العين بمائها قيل بكت ، وإذا أدرت السماء بحمرتها قيل بكت ، وإذا أدرت الأرض بغبرتها قيل بكت ; لأن المؤمن نور ومعه نور الله ، فالأرض مضيئة بنوره وإن غاب عن عينيك ، فإن فقدت نور المؤمن اغبرت فدرت باغبرارها ; لأنها كانت غبراء بخطايا أهل الشرك ، وإنما صارت مضيئة بنور المؤمن ، فإذا قبض المؤمن منها درت بغبرتها . وقال أنس : لما كان اليوم الذي دخل فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة أضاء كل شيء ، فلما كان اليوم الذي قبض فيه أظلم كل شيء ، وإنا لفي دفنه ما نفضنا الأيدي منه حتى أنكرنا قلوبنا . وأما بكاء السماء فحمرتها كما قال الحسن . وقال نصر بن عاصم : إن أول الآيات حمرة تظهر ، وإنما ذلك لدنو الساعة ، فتدر بالبكاء لخلائها من أنوار المؤمنين . وقيل : بكاؤها أمارة تظهر منها تدل على أسف وحزن . قلت : والقول الأول أظهر ، إذ لا استحالة في ذلك . وإذا كانت السماوات والأرض تسبح وتسمع وتتكلم كما بيناه في ( سبحان ) و ( مريم ) و ( حم ) و ( فصلت ) ) فكذلك تبكي ، مع ما جاء من الخبر في ذلك والله أعلم بصواب هذه الأقوال .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29)يقول تعالى ذكره: فما بكت على هؤلاء الذين غرّقهم الله في البحر, وهم فرعون وقومه, السماء والأرض, وقيل: إن بكاء السماء حمرة أطرافها.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسيّ, قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد, عن الحكم بن ظهير, عن السديّ قال: لما قتل الحسين بن عليّ رضوان الله عليهما بكت السماء عليه, وبكاؤها حمرتها.حدثني عليّ بن سهل, قال: ثنا حجاج, عن ابن جُرَيج, عن عطاء في قوله ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ ) قال: بكاؤها حمرة أطرافها.وقيل: إنما قيل ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ ) لأن المؤمن إذا مات, بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحا, ولم تبكيا على فرعون وقومه, لأنه لم يكن لهم عمل يَصعْد إلى الله صالح, فتبكي عليهم السماء, ولا مسجد في الأرض, فتبكي عليهم الأرض.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا طلق بن غنام, عن زائدة, عن منصور, عن المنهال, عن سعيد بن جُبير, قال: أتى ابن عباس رجل, فقال: يا أبا عباس أرأيت قول الله تبارك وتعالى ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ ) فهل تبكي السماء والأرض على أحد؟ قال: نعم إنه ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء منه ينزل رزقه, وفيه يصعد عمله, فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله, وينزل منه رزقه, بكى عليه; وإذا فقده مُصَلاه من الأرض التي كان يصلي فيها, ويذكر الله فيها بكت عليه, وإن قوم فرعون لم يكن لهم في الأرض آثار صالحة, ولم يكن يصعد إلى السماء منهم خير, قال: فلم تبك عليهم السماء والأرض.حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن ويحيى قالا ثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد, قال: كان يقال: تبكي الأرض على المؤمن أربعين صباحًا.حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن أبي يحيى القَتَّات, عن مجاهد, عن ابن عباس بمثله.حدثني يحيى بن طلحة, قال: ثنا فضيل بن عياض, عن منصور, عن مجاهد, قال: حُدثت أن المؤمن إذا مات بكت عليه الأرض أربعين صباحا.حدثنا ابن بشار, قال: ثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي, قال: ثنا بكير بن أبي السميط, قال: ثنا قتادة, عن سعيد بن جُبير أنه كان يقول: إن بقاع الأرض التي كان يصعد عمله منها إلى السماء تبكي عليه بعد موته, يعني المؤمن.حدثنا ابن حميد, قال: ثنا حكام, عن عمرو, عن منصور, عن المنهال, عن سعيد بن جُبير, عن ابن عباس ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ ) قال: إنه ليس أحد إلا له باب في السماء ينزل فيه رزقه ويصعد فيه عمله, فإذا فُقِد بكت عليه مواضعه التي كان يسجد عليها, وإن قوم فرعون لم يكن لهم في الأرض عمل صالح يقبل منهم, فيصعد إلى الله عزّ وجلّ, فقال مجاهد: تبكي الأرض على المؤمن أربعين صباحا.حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد قال: كان يقال: إن المؤمن إذا مات بكت عليه الأرض أربعين صباحا.حدثنا يحيى بن طلحة, قال: ثنا عيسى بن يونس, عن صفوان بن عمرو, عن شريح بن عبيد الحضرمي, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ الإسْلامَ بَدَأ غَرِيبا وَسَيَعُودُ غَرِيبا, ألا لا غُرْبَةَ عَلى المُؤْمِن, ما ماتَ مُؤْمِنٌ فِي غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ إلا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ والأرْضُ", ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ ), ثم قال: " إنَّهُما لا يَبْكِيانِ على الكافر ".حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ )... الآية, قال: ذلك أنه ليس على الأرض مؤمن يموت إلا بكى عليه ما كان يصلي فيه من المساجد حين يفقده, وإلا بكى عليه من السماء الموضعُ الذي كان يرفع منه كلامه, فذلك لأهل معصيته: ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ ) لأنهما يبكيان على أولياء الله.حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ ) (2)حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ ) يقول: لا تبكي السماء والأرض على الكافر, وتبكي على المؤمن الصالح معالمُه من الأرض ومقرُّ عمله من السماء.حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ ) قال: بقاع المؤمن التي كان يصلي عليها من الأرض تبكي عليه إذا مات, وبقاعه من السماء التي كان يرفع فيها عمله.حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا جرير, عن منصور, عن المنهال, عن سعيد بن جُبَير, قال: سُئل ابن عباس: هل تبكي السماء والأرض على أحد؟ فقال: نعم إنه ليس أحد, من الخلق إلا له باب في السماء يصعد فيه عمله, وينزل منه رزقه, فإذا مات بكى عليه مكانه من الأرض الذي كان يذكر الله فيه ويصلي فيه, وبكى عليه بابه الذي كان يصعد فيه عمله, وينزل منه رزقه. وأما قوم فرعون, فلم يكن لهم آثار صالحة, ولم يصعد إلى السماء منهم خير, فلم تبك عليهم السماء والأرض.وقوله ( وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ ) يقول: وما كانوا مؤخرين بالعقوبة التي حلَّت بهم, ولكنهم عوجلوا بها إذ أسخطوا ربهم عزّ وجلّ عليهم .------------------------الهوامش:(2) في الأصل: " لم يذكر لهذا السند تفسير عن قتادة والذي في الدر المنثور عنه قال: هم كانوا أهون على الله من ذلك. وقال: وكنا نحدث أن المؤمن تبكي عليه بقاعه التي يصلي فيها من الأرض ومصعد عمله من السماء ".
وَلَقَدۡ نَجَّيۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ  ٣٠
التفسير الميسرولقد نجَّينا بني إسرائيل من العذاب المُذلِّ لهم بقتل أبنائهم واستخدام نسائهم.
تفسير السعديثم امتن تعالى على بني إسرائيل فقال: وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ الذي كانوا فيه .
تفسير ابن كثيروقوله : ( ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين ) يمتن عليهم تعالى بذلك ، حيث أنقذهم مما كانوا فيه من إهانة فرعون وإذلاله لهم ، وتسخيره إياهم في الأعمال المهينة الشاقة .
تفسير القرطبييعني ما كانت القبط تفعل بهم بأمر فرعون ، من قتل الأبناء واستخدام النساء ، واستعبادهم إياهم وتكلفهم الأعمال الشاقة .
تفسير الطبري( وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ ) : يقول تعالى ذكره: ولقد نجَّينا بني إسرائيل من العذاب الذي كان فرعون وقومه يعذّبونَهُم به, المهين يعني المذلّ لهم.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ ) بقتل أبنائهم, واستحياء نسائهم.
مِن فِرۡعَوۡنَۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَالِيٗا مِّنَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ  ٣١
التفسير الميسرمن فرعون، إنه كان جبارًا من المشركين، مسرفًا في العلو والتكبر على عباد الله.
تفسير السعدي مِنْ فِرْعَوْنَ إذ يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم. إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا أي: مستكبرا في الأرض بغير الحق مِنَ الْمُسْرِفِينَ المتجاوزين لحدود الله المتجرئين على محارمه.
تفسير ابن كثيروقوله : ( من فرعون إنه كان عاليا [ من المسرفين ] ) أي : مستكبرا جبارا عنيدا ، كقوله : ( إن فرعون علا في الأرض [ وجعل أهلها شيعا ] ) [ القصص : 4 ] .
تفسير القرطبيمن فرعون بدل من العذاب المهين فلا تتعلق من بقوله : من العذاب لأنه قد وصف ، وهو لا يعمل بعد الوصف عمل الفعل . وقيل : أي : أنجيناهم من العذاب ومن فرعون . إنه كان عاليا من المسرفين أي : جبارا من المشركين . وليس هذا علو مدح بل هو علو في الإسراف . كقوله : إن فرعون علا في الأرض . وقيل : هذا العلو هو الترفع عن عبادة الله .
تفسير الطبريوقوله ( مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ ) يقول تعالى ذكره: ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب من فرعون, فقوله ( مِنْ فِرْعَوْنَ ) مكرّرة على قوله ( مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ ) مبدلة من الأولى. ويعني بقوله ( إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ ) إنه كان جبارا مستعليًا مستكبرًا على ربه,( مِنَ الْمُسْرِفِينَ ) يعني: من المتجاوزين ما ليس لهم تجاوزه. وإنما يعني جل ثناؤه أنه كان ذا اعتداء في كفره, واستكبار على ربه جلّ ثناؤه.
وَلَقَدِ ٱخۡتَرۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ عِلۡمٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ  ٣٢
التفسير الميسرولقد اصطفينا بني إسرائيل على عِلْم منا بهم على عالمي زمانهم.
تفسير السعدي وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ أي: اصطفيناهم وانتقيناهم عَلَى عِلْمٍ منا بهم وباستحقاقهم لذلك الفضل عَلَى الْعَالَمِينَ أي: عالمي زمانهم ومن قبلهم وبعدهم حتى أتى الله بأمة محمد صلى الله عليه وسلم ففضلوا العالمين كلهم وجعلهم الله خير أمة أخرجت للناس وامتن عليهم بما لم يمتن به على غيرهم.
تفسير ابن كثيروقوله : ( ولقد اخترناهم على علم على العالمين ) قال مجاهد : ( اخترناهم على علم على العالمين ) على من هم بين ظهريه . وقال قتادة : اختيروا على أهل زمانهم ذلك . وكان يقال : إن لكل زمان عالما . وهذه كقوله تعالى : ( قال ياموسى إني اصطفيتك على الناس ) [ الأعراف : 144 ] أي : أهل زمانه ، وكقوله لمريم : ( واصطفاك على نساء العالمين ) [ آل عمران : 42 ] أي : في زمانها ; فإن خديجة أفضل منها ، وكذا آسية بنت مزاحم امرأة فرعون ، أو مساوية لها في الفضل ، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ولقد اخترناهم على علم على العالمين .قوله تعالى : ولقد اخترناهم يعني بني إسرائيل . على علم أي على علم منا بهم لكثرة الأنبياء منهم . على العالمين أي عالمي زمانهم ، بدليل قوله لهذه الأمة : كنتم خير أمة أخرجت للناس . وهذا قول قتادة وغيره . وقيل : على كل العالمين بما جعل فيهم من الأنبياء . وهذا خاصة لهم وليس لغيرهم ، حكاه ابن عيسى والزمخشري وغيرهما . ويكون قوله : كنتم خير أمة أي : بعد بني إسرائيل . والله أعلم . وقيل : يرجع هذا الاختيار إلى تخليصهم من الغرق وإيراثهم الأرض بعد فرعون .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32)يقول تعالى ذكره: ولقد اخترنا بني إسرائيل على علم منا بهم على عالمي أهل زمانهم يومئذ, وذلك زمان موسى صلوات الله وسلامه عليه.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) : أي اختيروا على أهل زمانهم ذلك, ولكلّ زمان عالم.حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله ( وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) قال: عالم ذلك الزمان.حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله ( وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) قال: على من هم بين ظَهْرَانِيهِ.
وَءَاتَيۡنَٰهُم مِّنَ ٱلۡأٓيَٰتِ مَا فِيهِ بَلَٰٓؤٞاْ مُّبِينٌ  ٣٣
التفسير الميسروآتيناهم من المعجزات على يد موسى ما فيه ابتلاؤهم واختبارهم رخاء وشدة.
تفسير السعدي وَآتَيْنَاهُمْ أي: بني إسرائيل مِنَ الْآيَاتِ الباهرة والمعجزات الظاهرة. مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ أي: إحسان كثير ظاهر منا عليهم وحجة عليهم على صحة ما جاءهم به نبيهم موسى عليه السلام.
تفسير ابن كثيروقوله : ( وآتيناهم من الآيات ) أي : [ من ] الحجج والبراهين وخوارق العادات ( ما فيه بلاء مبين ) أي : اختبار ظاهر جلي لمن اهتدى به .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين .قوله تعالى : وآتيناهم من الآيات أي من المعجزات لموسى . ما فيه بلاء مبين قال قتادة : الآيات إنجاؤهم من فرعون وفلق البحر لهم ، وتظليل الغمام عليهم وإنزال المن والسلوى . ويكون هذا الخطاب متوجها إلى بني إسرائيل . وقيل : إنها العصا واليد . ويشبه أن يكون قول الفراء . ويكون الخطاب متوجها إلى قوم فرعون . وقول ثالث : إنه الشر الذي كفهم عنه والخبر الذي أمرهم به ، قاله عبد الرحمن بن زيد . ويكون الخطاب متوجها إلى الفريقين معا من قوم فرعون وبني إسرائيل . وفي قوله : بلاء مبين أربعة أوجه : أحدها : نعمة ظاهرة ، قاله الحسن وقتادة . كما قال الله تعالى : وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا . وقال زهير : .فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو.الثاني : عذاب شديد ، قاله الفراء . الثالث : اختبار يتميز به المؤمن من الكافر ، قاله عبد الرحمن بن زيد . وعنه أيضا : ابتلاؤهم بالرخاء والشدة ، ثم قرأ ونبلوكم بالشر والخير فتنة .
تفسير الطبريقوله ( وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ ) يقول تعالى ذكره: وأعطيناهم من العِبر والعِظات ما فيه اختبار يبين لمن تأمله أنه اختبار اختبرهم الله به.واختلف أهل التأويل في ذلك البلاء, فقال بعضهم: ابتلاهم بنعمه عندهم.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ ) أنجاهم الله من عدوّهم, ثم أقطعهم البحر, وظلَّل عليهم الغمام, وأنزل عليهم المنّ والسلوى.وقال آخرون: بل ابتلاهم بالرخاء والشدّة.* ذكر من قال ذلك:حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله ( وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ ), وقرأ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ وقال: بلاء مبين لمن آمن بها وكفر بها, بلوى نبتليهم بها, نمحصهم بلوى اختبار, نختبرهم بالخير والشرّ, نختبرهم لننظر فيما أتاهم من الآيات من يؤمن بها, وينتفع بها ويضيعها.وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه آتى بني إسرائيل من الآيات ما فيه ابتلاؤهم واختبارهم, وقد يكون الابتلاء والاختبار بالرخاء, ويكون بالشدّة, ولم يضع لنا دليلا من خبر ولا عقل, أنه عنى بعض ذلك دون بعض, وقد كان الله اختبرهم بالمعنيين كليهما جميعا. وجائز أن يكون عنى اختباره إياهم بهما, فإذا كان الأمر على ما وصفنا, فالصواب من القول فيه أن نقول كما قال جل ثناؤه إنه اختبرهم.
إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَيَقُولُونَ  ٣٤
التفسير الميسرإن هؤلاء المشركين مِن قومك -أيها الرسول- ليقولون: ما هي إلا موتتنا التي نموتها، وهي الموتة الأولى والأخيرة، وما نحن بعد مماتنا بمبعوثين للحساب والثواب والعقاب.
تفسير السعدييخبر تعالى إِنَّ هَؤُلَاءِ المكذبين يقولون مستبعدين للبعث والنشور: إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ أي: ما هي إلا الحياة الدنيا فلا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار.
تفسير ابن كثيريقول تعالى منكرا على المشركين في إنكارهم البعث والمعاد ، وأنه ما ثم إلا هذه الحياة الدنيا ، ولا حياة بعد الممات ، ولا بعث ولا نشور .
تفسير القرطبييعني , كفار قريش
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (34)يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل مشركي قريش لنبي الله صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء المشركين من قومك يا محمد ( لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلا مَوْتَتُنَا الأولَى ) التي نموتها, وهي الموتة الأولى ( وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ) بعد مماتنا, ولا بمبعوثين تكذيبا منهم بالبعث والثواب والعقاب.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:
إِنۡ هِيَ إِلَّا مَوۡتَتُنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُنشَرِينَ  ٣٥
التفسير الميسرإن هؤلاء المشركين مِن قومك -أيها الرسول- ليقولون: ما هي إلا موتتنا التي نموتها، وهي الموتة الأولى والأخيرة، وما نحن بعد مماتنا بمبعوثين للحساب والثواب والعقاب.
تفسير السعدييخبر تعالى إِنَّ هَؤُلَاءِ المكذبين يقولون مستبعدين للبعث والنشور: إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ أي: ما هي إلا الحياة الدنيا فلا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار
تفسير ابن كثيريقول تعالى منكرا على المشركين فى إنكارهم البعث والمعاد وأنه ما ثم إلا هذه الحياة الدنيا ولا حياة بعد الممات ولا بعث ولا نشور ويحتجون بأبائهم الماضين الذين ذهبوا فلم يرجعوا فإن كان البعث حقا "فأتوا بأبائنا إن كنتم صادقين".
تفسير القرطبيإن هي إلا موتتنا الأولى ابتداء وخبر ، مثل : إن هي إلا فتنتك ، إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمنشرين أي بمبعوثين .
تفسير الطبريحدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلا مَوْتَتُنَا الأولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ) قال: قد قال مشركو العرب ( وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ) أي: بمبعوثين.
فَأۡتُواْ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ  ٣٦
التفسير الميسرويقولون أيضًا: فَأْتِ- يا محمد أنت ومَن معك- بآبائنا الذين قد ماتوا، إن كنتم صادقين في أن الله يبعث مَن في القبور أحياء.
تفسير السعديثم قالوا -متجرئين على ربهم معجزين له-: فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وهذا من اقتراح الجهلة المعاندين في مكان سحيق، فأي ملازمة بين صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه متوقف على الإتيان بآبائهم؟ فإن الآيات قد قامت على صدق ما جاءهم به وتواترت تواترا عظيما من كل وجه.
تفسير ابن كثيروهذه حجة باطلة وشبهة فاسدة فإن المعاد إنما هو يوم القيامة لا في الدار الدنيا بل بعد انقضائها "وذهابها" وفراغها يعيد الله العالمين خلقا جديدا ويجعل الظالمين لنار جهنم وقودا يوم تكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا.
تفسير القرطبيفأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين أنشر الله الموتى فنشروا . وقد تقدم . والمنشورون المبعوثون .قيل : إن قائل هذا من كفار قريش أبو جهل ، قال : يا محمد ، إن كنت صادقا في قولك فابعث لنا رجلين من آبائنا : أحدهما : قصي بن كلاب فإنه كان رجلا صادقا ، لنسأله عما يكون بعد الموت . وهذا القول من أبي جهل من أضعف الشبهات ; لأن الإعادة إنما هي للجزاء لا للتكليف ، فكأنه قال : إن كنت صادقا في إعادتهم للجزاء فأعدهم للتكليف . وهو كقول قائل : لو قال إن كان ينشأ بعدنا قوم من الأبناء ، فلم لا يرجع من مضى من الآباء ، حكاه الماوردي . ثم قيل : فأتوا بآبائنا مخاطبة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وحده ، كقوله : رب ارجعون قاله الفراء . وقيل : مخاطبة له ولأتباعه .
تفسير الطبريوقوله ( فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) يقول تعالى ذكره: قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: فأتوا بآبائنا الذين قد ماتوا إن كنتم صادقين, أن الله باعثنا من بعد بلانا في قبورنا, ومحيينا من بعد مماتنا, وخوطب صلى الله عليه وسلم هو وحده خطاب الجميع, كما قيل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ وكما قال رَبِّ ارْجِعُونِ وقد بيَّنت ذلك في غير موضع من كتابنا.
أَهُمۡ خَيۡرٌ أَمۡ قَوۡمُ تُبَّعٖ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ  ٣٧
التفسير الميسرأهؤلاء المشركون خير أم قوم تُبَّع الحِمْيَري والذين مِن قبلهم من الأمم الكافرة بربها؟ أهلكناهم لإجرامهم وكفرهم، ليس هؤلاء المشركون بخير مِن أولئكم فنصفح عنهم، ولا نهلكهم، وهم بالله كافرون.
تفسير السعديقال تعالى: أَهُمْ خَيْرٌ أي: هؤلاء المخاطبون أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ فإنهم ليسوا خيرا منهم وقد اشتركوا في الإجرام فليتوقعوا من الهلاك ما أصاب إخوانهم المجرمين.
تفسير ابن كثيرثم قال تعالى متهددا لهم ، ومتوعدا ومنذرا لهم بأسه الذي لا يرد ، كما حل بأشباههم ونظرائهم من المشركين والمنكرين للبعث وكقوم تبع - وهم سبأ - حيث أهلكهم الله وخرب بلادهم ، وشردهم في البلاد ، وفرقهم شذر مذر ، كما تقدم ذلك في سورة سبأ ، وهي مصدرة بإنكار المشركين للمعاد . وكذلك هاهنا شبههم بأولئك ، وقد كانوا عربا من قحطان كما أن هؤلاء عرب من عدنان ، وقد كانت حمير - وهم سبأ - كلما ملك فيهم رجل سموه تبعا ، كما يقال : كسرى لمن ملك الفرس ، وقيصر لمن ملك الروم ، وفرعون لمن ملك مصر كافرا ، والنجاشي لمن ملك الحبشة ، وغير ذلك من أعلام الأجناس . ولكن اتفق أن بعض تبابعتهم خرج من اليمن وسار في البلاد حتى وصل إلى سمرقند ، واشتد ملكه وعظم سلطانه وجيشه ، واتسعت مملكته وبلاده ، وكثرت رعاياه وهو الذي مصر الحيرة فاتفق أنه مر بالمدينة النبوية وذلك في أيام الجاهلية ، فأراد قتال أهلها فمانعوه وقاتلوه بالنهار ، وجعلوا يقرونه بالليل ، فاستحيا منهم وكف عنهم ، واستصحب معه حبرين من أحبار يهود كانا قد نصحاه وأخبراه أنه لا سبيل له على هذه البلدة ; فإنها مهاجر نبي يكون في آخر الزمان ، فرجع عنها وأخذهما معه إلى بلاد اليمن ، فلما اجتاز بمكة أراد هدم الكعبة فنهياه [ عن ذلك ] أيضا ، وأخبراه بعظمة هذا البيت ، وأنه من بناية إبراهيم الخليل وأنه سيكون له شأن عظيم على يدي ذلك النبي المبعوث في آخر الزمان ، فعظمها وطاف بها ، وكساها الملاء والوصائل والحبير . ثم كر راجعا إلى اليمن ودعا أهلها إلى التهود معه ، وكان إذ ذاك دين موسى ، عليه السلام ، فيه من يكون على الهداية قبل بعثة المسيح ، عليه السلام ، فتهود معه عامة أهل اليمن . وقد ذكر القصة بطولها الإمام محمد بن إسحاق في كتابه " السيرة " وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه ترجمة حافلة ، أورد فيها أشياء كثيرة مما ذكرنا وما لم نذكر . وذكر أنه ملك دمشق ، وأنه كان إذا استعرض الخيل صفت له من دمشق إلى اليمن ، ثم ساق من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " ما أدري : الحدود طهارة لأهلها أم لا ؟ ولا أدري تبع لعينا كان أم لا ؟ ولا أدري ذو القرنين نبيا كان أم ملكا ؟ " وقال غيره : " أعزيرا كان نبيا أم لا ؟ " . وكذا رواه ابن أبي حاتم ، عن محمد بن حماد الظهراني ، عن عبد الرزاق .قال الدارقطني : تفرد به عبد الرزاق . ثم روى ابن عساكر من طريق محمد بن كريب ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، مرفوعا : " عزير لا أدري أنبيا كان أم لا ؟ ولا أدري ألعين تبع أم لا ؟ " .ثم أورد ما جاء في النهي عن سبه ولعنته ، كما سيأتي . وكأنه - والله أعلم - كان كافرا ثم أسلم وتابع دين الكليم على يدي من كان من أحبار اليهود في ذلك الزمان على الحق قبل بعثة المسيح ، عليه السلام ، وحج البيت في زمن الجرهميين ، وكساه الملاء والوصائل من الحرير والحبر ونحر عنده ستة آلاف بدنة وعظمه وأكرمه . ثم عاد إلى اليمن . وقد ساق قصته بطولها الحافظ ابن عساكر ، من طرق متعددة مطولة مبسوطة ، عن أبي بن كعب وعبد الله بن سلام ، وعبد الله بن عباس وكعب الأحبار . وإليه المرجع في ذلك كله ، وإلى عبد الله بن سلام أيضا ، وهو أثبت وأكبر وأعلم . وكذا روى قصته وهب بن منبه ، ومحمد بن إسحاق في السيرة كما هو مشهور فيها . وقد اختلط على الحافظ ابن عساكر في بعض السياقات ترجمة تبع هذا بترجمة آخر متأخر عنه بدهر طويل ، فإن تبعا هذا المشار إليه في القرآن أسلم قومه على يديه ، ثم لما مات عادوا بعده إلى عبادة الأصنام والنيران ، فعاقبهم الله تعالى كما ذكره في سورة سبأ ، وقد بسطنا قصتهم هنالك ، ولله الحمد والمنة .وقال سعيد بن جبير : كسا تبع الكعبة ، وكان سعيد ينهى عن سبه .وتبع هذا هو تبع الأوسط ، واسمه أسعد أبو كريب بن ملكيكرب اليماني ذكروا أنه ملك على قومه ثلاثمائة سنة وستا وعشرين سنة ، ولم يكن في حمير أطول مدة منه ، وتوفي قبل مبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنحو من سبعمائة عام . وذكروا أنه لما ذكر له الحبران من يهود المدينة أن هذه البلدة مهاجر نبي آخر في الزمان ، اسمه أحمد ، قال في ذلك شعرا واستودعه عند أهل المدينة . وكانوا يتوارثونه ويروونه خلفا عن سلف . وكان ممن يحفظه أبو أيوب خالد بن زيد الذي نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في داره ، وهو :شهدت على أحمد أنه رسول من الله باري النسم فلو مد عمري إلى عمرهلكنت وزيرا له وابن عم وجاهدت بالسيف أعداءهوفرجت عن صدره كل غموذكر ابن أبي الدنيا أنه حفر قبر بصنعاء في الإسلام ، فوجدوا فيه امرأتين صحيحتين ، وعند رءوسهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب : " هذا قبر حبى ولميس - وروي : حبى وتماضر - ابنتي تبع ماتتا ، وهما تشهدان أن لا إله إلا الله ولا تشركان به شيئا ، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما .وقد ذكرنا في " سورة سبأ " شعر سبأ في ذلك أيضا .قال قتادة : ذكر لنا أن كعبا كان يقول في تبع : نعت نعت الرجل الصالح ، ذم الله تعالى قومه ولم يذمه ، قال : وكانت عائشة تقول : لا تسبوا تبعا ; فإنه قد كان رجلا صالحا .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا صفوان ، حدثنا الوليد ، حدثنا عبد الله ابن لهيعة عن أبي زرعة - يعني عمرو بن جابر الحضرمي - قال : سمعت سهل بن سعد الساعدي يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تسبوا تبعا ; فإنه قد كان أسلم " .ورواه الإمام أحمد في مسنده عن حسن بن موسى ، عن ابن لهيعة ، به .وقال الطبراني : حدثنا أحمد بن علي الأبار ، حدثنا أحمد بن محمد بن أبي بزة ، حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، حدثنا سفيان ، عن سماك بن حرب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا تسبوا تبعا ; فإنه قد أسلم " .وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما أدري ، تبع نبيا كان أم غير نبي " .وتقدم بهذا السند من رواية ابن أبي حاتم كما أورده ابن عساكر : " لا أدري تبع كان لعينا أم لا ؟ " . فالله أعلم .ورواه ابن عساكر من طريق زكريا بن يحيى البدي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس موقوفا .وقال عبد الرزاق : أخبرنا عمران أبو الهذيل ، أخبرني تميم بن عبد الرحمن قال : قال عطاء بن أبي رباح : لا تسبوا تبعا ; فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن سبه .
تفسير القرطبيقوله تعالى : أهم خير أم قوم تبع هذا استفهام إنكار ، أي : إنهم مستحقون في هذا القول العذاب ، إذ ليسوا خيرا من قوم تبع والأمم المهلكة ، وإذا أهلكنا أولئك فكذا هؤلاء . وقيل : المعنى أهم أظهر نعمة وأكثر أموالا أم قوم تبع . وقيل : أهم أعز وأشد وأمنع أم قوم تبع . وليس المراد بتبع رجلا واحدا بل المراد به ملوك اليمن ، فكانوا يسمون ملوكهم التبابعة . فتبع لقب للملك منهم كالخليفة للمسلمين ، وكسرى للفرس ، وقيصر للروم . وقال أبو عبيدة : سمي كل واحد منهم تباعا لأنه يتبع صاحبه . قال الجوهري : والتبابعة ملوك اليمن ، واحدهم تبع . والتبع أيضا الظل ، وقال :يرد المياه حضيرة ونفيضة ورد القطاة إذا اسمأل التبعوالتبع أيضا ضرب من الطير . وقال السهيلي : تبع اسم لكل ملك ملك اليمن والشحر وحضرموت . وإن ملك اليمن وحدها لم يقل له تبع ، قاله المسعودي . فمن التبابعة : الحارث الرائش وهو ابن همال ذي سدد . وأبرهة ذو المنار . وعمرو ذو الأذعار . وشمر بن مالك ، الذي تنسب إليه سمرقند . وأفريقيس بن قيس ، الذي ساق البربر إلى أفريقية من أرض كنعان ، وبه سميت إفريقية .والظاهر من الآيات : أن الله سبحانه إنما أراد واحدا من هؤلاء ، وكانت العرب تعرفه بهذا الاسم أشد من معرفة غيره ، ولذلك قال - عليه السلام - : ولا أدري أتبع لعين أم لا . ثم قد روي عنه أنه قال : لا تسبوا تبعا فإنه كان مؤمنا فهذا يدلك على أنه كان واحدا بعينه ، وهو - والله أعلم - أبو كرب الذي كسا البيت بعدما أراد غزوه ، وبعدما غزا المدينة وأراد خرابها ، ثم انصرف عنها لما أخبر أنها مهاجر نبي اسمه أحمد . وقال شعرا أودعه عند أهلها ، فكانوا يتوارثونه كابرا عن كابر إلى أن هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - فأدوه إليه . ويقال : كان الكتاب والشعر عند أبي أيوب خالد بن زيد . وفيه :شهدت على أحمد أنه رسول من الله باري النسمفلو مد عمري إلى عمره لكنت وزيرا له وابن عموذكر الزجاج وابن أبي الدنيا والزمخشري وغيرهم أنه حفر قبر له بصنعاء - ويقال بناحية حمير - في الإسلام ، فوجد فيه امرأتان صحيحتان ، وعند رءوسهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب ( هذا قبر حبى ولميس ) ويروى أيضا : ( حبى وتماضر ) يروى أيضا : ( هذا قبر رضوى وقبر حبى ابنتا تبع ، ماتتا وهما يشهدان أن لا إله إلا الله ولا يشركان به شيئا ، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما ) .قلت : وروى ابن إسحاق وغيره أنه كان في الكتاب الذي كتبه : ( أما بعد ، فإني آمنت بك وبكتابك الذي أنزل عليك ، وأنا على دينك وسنتك ، وآمنت بربك ورب كل شيء ، وآمنت بكل ما جاء من ربك من شرائع الإسلام ، فإن أدركتك فبها ونعمت ، وإن لم أدركك فاشفع لي ولا تنسني يوم القيامة ، فإني من أمتك الأولين وبايعتك قبل مجيئك ، وأنا على ملتك وملة أبيك إبراهيم - عليه السلام - ثم ختم الكتاب ونقش عليه : لله الأمر من قبل ومن بعد وكتب على عنوانه ( إلى محمد بن عبد الله نبي الله ورسوله ، خاتم النبيين ورسول رب العالمين - صلى الله عليه وسلم - . من تبع الأول . وقد ذكرنا بقية خبره وأوله في ( اللمع اللؤلئية شرح العشر بينات النبوية ) للفارابي رحمه الله . وكان من اليوم الذي مات فيه تبع إلى اليوم الذي بعث فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - ألف سنة لا يزيد ولا ينقص .واختلف هل كان نبيا أو ملكا ، فقال ابن عباس : كان تبع نبيا . وقال كعب : كان تبع ملكا من الملوك ، وكان قومه كهانا وكان معهم قوم من أهل الكتاب ، فأمر الفريقين أن يقرب كل فريق منهم قربانا ففعلوا ، فتقبل قربان أهل الكتاب فأسلم ، وقالت عائشة - رضي الله عنها - : لا تسبوا تبعا فإنه كان رجلا صالحا . وحكى قتادة أن تبعا كان رجلا من حمير ، سار بالجنود حتى عبر الحيرة وأتى سمرقند فهدمها ، حكاه الماوردي . وحكى الثعلبي عن قتادة أنه تبع الحميري ، وكان سار بالجنود حتى عبر الحيرة . وبنى سمرقند وقتل وهدم البلاد . وقال الكلبي : تبع هو أبو كرب أسعد بن ملك يكرب ، وإنما سمي تبعا لأنه تبع من قبله . وقال سعيد بن جبير : هو الذي كسا البيت الحبرات . وقال كعب : ذم الله قومه ولم يذمه ، وضرب بهم لقريش مثلا لقربهم من دارهم وعظمهم في نفوسهم ، فلما أهلكهم الله تعالى ومن قبلهم - لأنهم كانوا مجرمين - كان من أجرم مع ضعف اليد وقلة العدد أحرى بالهلاك . وافتخر أهل اليمن بهذه الآية ، إذ جعل الله قوم تبع خيرا من قريش . وقيل : سمي أولهم تبعا لأنه اتبع قرن الشمس وسافر في الشرق مع العساكر .قوله تعالى : والذين من قبلهم أهلكناهم الذين في موضع رفع عطف على قوم تبع أهلكناهم صلته . ويكون من قبلهم متعلقا به . ويجوز أن يكون من قبلهم صلة الذين ويكون في الظرف عائد إلى الموصول . وإذا كان كذلك كان أهلكناهم على أحد أمرين : إما أن يقدر معه ( قد ) فيكون في موضع الحال . أو يقدر حذف موصوف ، كأنه قال : قوم أهلكناهم . والتقدير أفلا تعتبرون أنا إذا قدرنا على إهلاك هؤلاء المذكورين قدرنا على إهلاك المشركين . ويجوز أن يكون والذين من قبلهم ابتداء خبره أهلكناهم ويجوز أن يكون الذين في موضع جر عطفا على تبع كأنه قال : قوم تبع المهلكين من قبلهم . ويجوز أن يكون الذين في موضع نصب بإضمار فعل دل عليه أهلكناهم والله أعلم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (37)يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أهؤلاء المشركون يا محمد من قومك خير, أم قوم تُبَّع, يعني تُبَّعا الحِمْيريّ.كما حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن نجيح, عن مجاهد, في قول الله عزّ وجلّ( أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ) قال: الحميريّ.حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ) ذُكر لنا أن تبعا كان رجلا من حمير, سار بالجيوش حتى حير الحيرة, ثم أتى سمرقند فهدمها. وذُكر لنا أنه كان إذا كَتَب كَتَب باسم الذي تسمَّى وملك برّا وبحرا وصحا وريحا. وذُكر لنا أن كعبا كان يقول: نُعِتَ نَعْتَ الرَّجُلِ الصَّالح ذمّ الله قومَه ولم يذمه. وكانت عائشة تقول: لا تسبوا تُبَّعا, فإنه كان رجلا صالحا.حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, قال: قالت عائشة: كان تبَّع رجلا صالحا. وقال كعب: ذمّ الله قومه ولم يذمه.حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن تميم بن عبد الرحمن, عن سعيد بن جبير, أن تُبَّعا كسا البيت, ونهى سعيد عن سبه.وقوله ( وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) يقول تعالى ذكره: أهؤلاء المشركون من قريش خير أم قوم تبع والذين من قبلهم من الأمم الكافرة بربها, يقول: فليس هؤلاء بخير من أولئك, فنصفح عنهم, ولا نهلكهم, وهم بالله كافرون, كما كان الذين أهلكناهم من الأمم من قبلهم كفارا.وقوله ( إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ) يقول: إن قوم تبَّع والذين من قبلهم من الأمم الذين أهلكناهم إنما أهلكناهم لإجرامهم, وكفرهم بربهم. وقيل: إنهم كانوا مجرمين, فكُسرت ألف " إن " على وجه الابتداء, وفيها معنى الشرط استغناء بدلالة الكلام على معناها.
وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ  ٣٨
التفسير الميسروما خلقنا السماوات والأرض وبينهما لعبًا، ما خلقناهما إلا بالحق الذي هو سنة الله في خَلْقِه وتدبيرُه، ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون ذلك، فلهذا لم يتفكروا فيهما؛ لأنهم لا يرجون ثوابًا ولا يخافون عقابًا.
تفسير السعدييخبر تعالى عن كمال قدرته وتمام حكمته وأنه ما خلق السماوات والأرض لعبا ولا لهوا أو سدى من غير فائدة
تفسير ابن كثيريقول تعالى مخبرا عن عدله وتنزيهه نفسه عن اللعب والعبث والباطل ، كقوله : ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ) ، وقال ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم ) [ المؤمنون : 115 ، 116 ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين أي غافلين ، قاله مقاتل . وقيل : لاهين ، وهو قول الكلبي .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ (38)يقول تعالى ذكره: ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ ) السبع والأرضين وما بينهما من الخلق لعبا. .
مَا خَلَقۡنَٰهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ  ٣٩
التفسير الميسروما خلقنا السماوات والأرض وبينهما لعبًا، ما خلقناهما إلا بالحق الذي هو سنة الله في خَلْقِه وتدبيرُه، ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون ذلك، فلهذا لم يتفكروا فيهما؛ لأنهم لا يرجون ثوابًا ولا يخافون عقابًا.
تفسير السعديوأنه ما خلقهما إلا بالحق أي: نفس خلقهما بالحق وخلقهما مشتمل على الحق، وأنه أوجدهما ليعبدوه وحده لا شريك له وليأمر العباد وينهاهم ويثيبهم ويعاقبهم. وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ فلذلك لم يتفكروا في خلق السماوات والأرض.
تفسير ابن كثيريقول تعالى مخبرا عن عدله وتنزيهه نفسه عن اللعب والعبث والباطل ، كقوله : ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ) ، وقال ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم ) [ المؤمنون : 115 ، 116 ] .
تفسير القرطبيما خلقناهما إلا بالحق أي إلا بالأمر الحق ، قاله مقاتل . وقيل : إلا للحق ، قاله الكلبي والحسن . وقيل : إلا لإقامة الحق لإظهاره من توحيد الله والتزام طاعته . وقد مضى هذا المعنى في ( الأنبياء ) ولكن أكثرهم يعني أكثر الناس لا يعلمون ذلك .
تفسير الطبريوقوله ( مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالْحَقِّ ) يقول: ما خلقنا السموات والأرض إلا بالحقّ الذي لا يصلح التدبير إلا به.وإنما يعني بذلك تعالى ذكره التنبيه على صحة البعث والمجازاة, يقول تعالى ذكره: لم نخلق الخلق عبثا بأن نحدثهم فنحييهم ما أردنا, ثم نفنيهم من غير الامتحان بالطاعة والأمر والنهي, وغير مجازاة المطيع على طاعته, والعاصي على المعصية, ولكن خلقنا ذلك لنبتلي من أردنا امتحانه من خلقنا بما شئنا من امتحانه من الأمر والنهي لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى .( وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) يقول تعالى ذكره: ولكن أكثر هؤلاء المشركين بالله لا يعلمون أن الله خلق ذلك لهم, فهم لا يخافون على ما يأتون من سخط الله عقوبة, ولا يرجون على خير إن فعلوه ثوابا لتكذيبهم بالمعاد.
من نحن

موقع الحياة بالإسلام هو موقع إسلامي، يقدم لكم العديد من المواضيع الاسلامية على منهاج الكتاب و السنة، كما يتضمن بعض قراءات القران الكريم بالرسم العثماني بأصوات اشهر القراء حول العالم

عرض المزيد
إشارات

التين , سُورَةُ هُودٍ , سُورَةُ الجُمُعَةِ , الكوثر , معيض الحارثي , القارئ سيلمان الشبيبي , القارئ عبدالرحمن الشحات , محمد عبدالحكيم سعيد العبدالله , قراءة يعقوب الحضرمي بروايتي رويس وروح , المصحف المعلم , قالون عن نافع من طريق أبي نشيط , خلف عن حمزة ,

عرض المزيد