الجمعة، ١٧ أبريل ٢٠٢٦
الجمعة، ١٧ أبريل ٢٠٢٦
facebookinstagramtwitter

عرض بالصفحات

Basmala
سُورَةُ الأَحۡقَافِ
وَإِذۡ صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓاْ أَنصِتُواْۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوۡاْ إِلَىٰ قَوۡمِهِم مُّنذِرِينَ  ٢٩قَالُواْ يَٰقَوۡمَنَآ إِنَّا سَمِعۡنَا كِتَٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٖ مُّسۡتَقِيمٖ  ٣٠يَٰقَوۡمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِۦ يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُجِرۡكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ  ٣١وَمَن لَّا يُجِبۡ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيۡسَ بِمُعۡجِزٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَيۡسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءُۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ  ٣٢أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَلَمۡ يَعۡيَ بِخَلۡقِهِنَّ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ  ٣٣وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَلَيۡسَ هَٰذَا بِٱلۡحَقِّۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَاۚ قَالَ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ  ٣٤فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسۡتَعۡجِل لَّهُمۡۚ كَأَنَّهُمۡ يَوۡمَ يَرَوۡنَ مَا يُوعَدُونَ لَمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّن نَّهَارِۭۚ بَلَٰغٞۚ فَهَلۡ يُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ  ٣٥
تفسير سُورَةُ الأَحۡقَافِ
وَإِذۡ صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓاْ أَنصِتُواْۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوۡاْ إِلَىٰ قَوۡمِهِم مُّنذِرِينَ  ٢٩
التفسير الميسرواذكر -أيها الرسول- حين بعثنا إليك، طائفة من الجن يستمعون منك القرآن، فلما حضروا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ، قال بعضهم لبعض: أنصتوا؛ لنستمع القرآن، فلما فرغ الرسول من تلاوة القرآن، وقد وعَوه وأثَّر فيهم، رجعوا إلى قومهم منذرين ومحذرين لهم بأس الله، إن لم يؤمنوا به.
تفسير السعديكان الله تعالى قد أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الخلق إنسهم وجنهم وكان لا بد من إبلاغ الجميع لدعوة النبوة والرسالة.فالإنس يمكنه عليه الصلاة والسلام دعوتهم وإنذارهم، وأما الجن فصرفهم الله إليه بقدرته وأرسل إليه نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا أي: وصى بعضهم بعضا بذلك، فَلَمَّا قُضِي وقد وعوه وأثر ذلك فيهم وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ نصحا منهم لهم وإقامة لحجة الله عليهم وقيضهم الله معونة لرسوله صلى الله عليه وسلم في نشر دعوته في الجن.
تفسير ابن كثيرقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، حدثنا عمرو : سمعت عكرمة ، عن الزبير : ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ) قال : بنخلة ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي العشاء الآخرة ، ( كادوا يكونون عليه لبدا ) [ الجن : 19 ] ، قال سفيان : اللبد : بعضهم على بعض ، كاللبد بعضه على بعض .تفرد به أحمد ، وسيأتي من رواية ابن جرير ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أنهم سبعة من جن نصيبين .وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا أبو عوانة ( ح ) - وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه " دلائل النبوة " : أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان ، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار ، حدثنا إسماعيل القاضي ، أخبرنا مسدد ، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : ما قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الجن ولا رآهم ، انطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء ، وأرسلت عليهم الشهب ، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا : ما لكم ؟ فقالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء ، وأرسلت علينا الشهب . قالوا : ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث ، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها وانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء . فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء ، فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بنخلة عامدا إلى سوق عكاظ ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر ، فلما سمعوا القرآن استمعوا له ، فقالوا : هذا - والله - الذي حال بينكم وبين خبر السماء ، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم ، قالوا : يا قومنا ، إنا سمعنا قرآنا عجبا ، يهدي إلى الرشد فآمنا به ، ولن نشرك بربنا أحدا ، وأنزل الله على نبيه : ( قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ) [ الجن : 1 ] ، وإنما أوحي إليه قول الجن .رواه البخاري عن مسدد بنحوه ، وأخرجه مسلم عن شيبان بن فروخ ، عن أبي عوانة ، به . ورواه الترمذي والنسائي في التفسير ، من حديث أبي عوانة .وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا أبو أحمد ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كان الجن يستمعون الوحي ، فيسمعون الكلمة فيزيدون فيها عشرا ، فيكون ما سمعوا حقا وما زادوا باطلا وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك ، فلما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رمي بشهاب يحرق ما أصاب ، فشكوا ذلك إلى إبليس فقال : ما هذا إلا من أمر قد حدث . فبث جنوده ، فإذا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي بين جبلي نخلة ، فأتوه فأخبروه ، فقال : هذا الحدث الذي حدث في الأرض .ورواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننيهما ، من حديث إسرائيل به وقال الترمذي : حسن صحيح .وهكذا رواه أيوب عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس . وكذا رواه العوفي ، عن ابن عباس أيضا ، بمثل هذا السياق بطوله ، وهكذا قال الحسن البصري : إنه ، عليه السلام ، ما شعر بأمرهم حتى أنزل الله عليه بخبرهم .وذكر محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن رومان ، عن محمد بن كعب القرظي قصة خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف ودعائه إياهم إلى الله عز وجل ، وإبائهم عليه . فذكر القصة بطولها ، وأورد ذلك الدعاء الحسن : " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي " إلى آخره . قال : فلما انصرف عنهم بات بنخلة ، فقرأ تلك الليلة من القرآن فاستمعه الجن من أهل نصيبين .وهذا صحيح ، ولكن قوله : " إن الجن كان استماعهم تلك الليلة " . فيه نظر ; لأن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء ، كما دل عليه حديث ابن عباس المذكور ، وخروجه ، عليه السلام ، إلى الطائف كان بعد موت عمه ، وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين ، كما قرره ابن إسحاق وغيره [ والله أعلم ] .وقال أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، حدثنا سفيان ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله بن مسعود قال : هبطوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة ، فلما سمعوه قالوا : أنصتوا . قال صه ، وكانوا تسعة أحدهم زوبعة ، فأنزل الله عز وجل : ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين ) إلى : ( ضلال مبين ) .فهذا مع الأول من رواية ابن عباس يقتضي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يشعر بحضورهم في هذه المرة وإنما استمعوا قراءته ، ثم رجعوا إلى قومهم ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالا قوما بعد قوم ، وفوجا بعد فوج ، كما سيأتي بذلك الأخبار في موضعها والآثار ، مما سنوردها هاهنا إن شاء الله تعالى وبه الثقة .فأما ما رواه البخاري ومسلم جميعا ، عن أبي قدامة عبيد الله بن سعيد السرخسي ، عن أبي أسامة حماد بن أسامة ، عن مسعر بن كدام ، عن معن بن عبد الرحمن قال : سمعت أبي قال : سألت مسروقا : من آذن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة استمعوا القرآن ؟ فقال : حدثني أبوك - يعني ابن مسعود - أنه آذنته بهم شجرة - فيحتمل أن يكون هذا في المرة الأولى ، ويكون إثباتا مقدما على نفي ابن عباس ، ويحتمل أن يكون هذا في بعض المرات المتأخرات ، والله أعلم . ويحتمل أن يكون في الأولى ولكن لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذنته بهم الشجرة ، أي : أعلمته باستماعهم ، والله أعلم .قال الحافظ البيهقي : وهذا الذي حكاه ابن عباس رضي الله عنهما ، إنما هو في أول ما سمعت الجن قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلمت حاله ، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم ، ثم بعد ذلك أتاه داعي الجن فقرأ عليهم القرآن ، ودعاهم إلى الله ، عز وجل ، كما رواه عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه .ذكر الرواية عنه بذلك :قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدثنا داود عن الشعبي - وابن أبي زائدة ، أخبرنا داود ، عن الشعبي - عن علقمة قال : قلت لعبد الله بن مسعود : هل صحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة الجن منكم أحد ؟ فقال : ما صحبه منا أحد ، ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة ، فقلنا : اغتيل ؟ استطير ؟ ما فعل ؟ قال : فبتنا بشر ليلة بات بها قوم ، فلما كان في وجه الصبح - أو قال : في السحر - إذا نحن به يجيء من قبل حراء ، فقلنا : يا رسول الله - فذكروا له الذي كانوا فيه - فقال : " إنه أتاني داعي الجن ، فأتيتهم فقرأت عليهم " . قال : فانطلق ، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم - قال : وقال الشعبي : سألوه الزاد - قال عامر : سألوه بمكة ، وكانوا من جن الجزيرة ، فقال : " كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان عليه لحما ، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم - قال - فلا تستنجوا بهما ، فإنهما زاد إخوانكم من الجن " .وهكذا رواه مسلم في صحيحه ، عن علي بن حجر ، عن إسماعيل ابن علية ، به نحوه .وقال مسلم أيضا : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا عبد الأعلى ، حدثنا داود - وهو ابن أبي هند - عن عامر قال : سألت علقمة : هل كان ابن مسعود ، رضي الله عنه ، شهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة الجن ؟ قال : فقال علقمة : أنا سألت ابن مسعود ; فقلت : هل شهد أحد منكم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة الجن ؟ قال : لا ولكنا كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب ، فقلنا : استطير ؟ اغتيل ؟ قال : فبتنا بشر ليلة بات بها قوم ، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء ، قال : فقلنا : يا رسول الله ، فقدناك فطلبناك فلم نجدك ، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم . فقال : " أتاني داعي الجن ، فذهبت معهم ، فقرأت عليهم القرآن " . قال : فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم ، وسألوه الزاد فقال : " كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما ، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم " . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " فلا تستنجوا بهما ، فإنهما طعام إخوانكم " .طريق أخرى عن ابن مسعود : قال أبو جعفر بن جرير : حدثني أحمد بن عبد الرحمن ، حدثني عمي ، حدثني يونس ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ; أن ابن مسعود قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " بت الليلة أقرأ على الجن ربعا بالحجون " .طريق أخرى : فيها أنه كان معه ليلة الجن ، قال ابن جرير رحمه الله : حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، حدثنا عمي عبد الله بن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن أبي عثمان بن سنة الخزاعي - وكان من أهل الشام - أن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه وهو بمكة : " من أحب منكم أن يحضر أمر الجن الليلة فليفعل " . فلم يحضر منهم أحد غيري ، قال : فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة خط لي برجله خطا ، ثم أمرني أن أجلس فيه ، ثم انطلق حتى قام ، فافتتح القرآن فغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه ، حتى ما أسمع صوته ، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين ، حتى بقي منهم رهط ، ففرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع الفجر ، فانطلق فتبرز ، ثم أتاني فقال : " ما فعل الرهط ؟ " فقلت : هم أولئك يا رسول الله ، فأعطاهم عظما وروثا زادا ، ثم نهى أن يستطيب أحد بروث أو عظم .ورواه ابن جرير عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، عن أبي زرعة وهب الله بن راشد ، عن يونس بن يزيد الأيلي ، به .ورواه البيهقي في الدلائل ، من حديث عبد الله بن صالح - كاتب الليث - عن الليث ، عن يونس به .وقد روى إسحاق بن راهويه ، عن جرير ، عن قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه ، عن ابن مسعود ، فذكر نحو ما تقدم .ورواه الحافظ أبو نعيم ، من طريق موسى بن عبيدة ، عن سعيد بن الحارث ، عن أبي المعلى ، عن ابن مسعود فذكر نحوه أيضا .طريق أخرى : قال أبو نعيم : حدثنا أبو بكر بن مالك ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي قال : حدثنا عفان وعكرمة قالا حدثنا معتمر قال : قال أبي : حدثني أبو تميمة ، عن عمرو - ولعله قد يكون قال : البكالي - يحدثه عمرو ، عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، قال : استتبعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانطلقنا حتى أتينا مكان كذا وكذا ، فخط لي خطا فقال : " كن بين ظهر هذه لا تخرج منها ; فإنك إن خرجت منها هلكت " فذكر الحديث بطوله وفيه غرابة شديدة .طريق أخرى : قال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى ، حدثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي أنه قال لابن مسعود : حدثت أنك كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة وفد الجن ؟ قال : أجل . قال : فكيف كان ؟ فذكر الحديث كله ، وذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خط عليه خطا ، وقال : " لا تبرح منها " فذكر مثل العجاجة السوداء غشيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذعر ثلاث مرات ، حتى إذا كان قريبا من الصبح ، أتاني النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : " أنمت ؟ " فقلت : لا والله ، ولقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك ، تقول : " اجلسوا " فقال : " لو خرجت لم آمن أن يخطفك بعضهم " . ثم قال : " هل رأيت شيئا ؟ " فقلت : نعم رأيت رجالا سودا مستشعرين ثيابا بياضا . قال : " أولئك جن نصيبين سألوني المتاع - والمتاع : الزاد - فمتعتهم بكل عظم حائل ، أو بعرة أو روثة " - فقلت : يا رسول الله ، وما يغني ذلك عنهم ؟ فقال : " إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل ، ولا روثا إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت ، فلا يستنقين أحد منكم إذا خرج من الخلاء بعظم ولا بعرة ولا روثة " .طريق أخرى : قال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي وأبو نصر بن قتادة قالا : أخبرنا أبو محمد يحيى بن منصور القاضي ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي ، حدثنا روح بن صلاح ، حدثنا موسى بن علي بن رباح ، عن أبيه ، عن عبد الله بن مسعود قال : استتبعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " إن نفرا من الجن - خمسة عشر بني إخوة وبني عم - يأتونني الليلة ، فأقرأ عليهم القرآن " ، فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد ، فخط لي خطا وأجلسني فيه ، وقال لي : " لا تخرج من هذا " . فبت فيه حتى أتاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع السحر في يده عظم حائل وروثة حممة فقال لي : " إذا ذهبت إلى الخلاء فلا تستنج بشيء من هؤلاء " . قال : فلما أصبحت قلت : لأعلمن علمي حيث كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ، فذهبت فرأيت موضع مبرك ستين بعيرا .طريق أخرى : قال البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو العباس الأصم ، حدثنا العباس بن محمد الدوري ، حدثنا عثمان بن عمر ، عن المستمر بن الريان ، عن أبي الجوزاء ، عن عبد الله بن مسعود قال : انطلقت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة الجن ، حتى أتى الحجون ، فخط لي خطا ، ثم تقدم إليهم فازدحموا عليه ، فقال سيد لهم يقال له : " وردان " : أنا أرحلهم عنك . فقال : إني لن يجيرني من الله أحد .طريق أخرى : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا سفيان ، عن أبي فزارة العبسي ، حدثنا أبو زيد - مولى عمرو بن حريث - عن ابن مسعود قال : لما كان ليلة الجن قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أمعك ماء ؟ " قلت : ليس معي ماء ، ولكن معي إداوة فيها نبيذ . فقال النبي : " تمرة طيبة وماء طهور " فتوضأ .ورواه أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه من حديث أبي زيد به .طريق أخرى : قال أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق ، أخبرنا ابن لهيعة ، عن قيس بن الحجاج ، عن حنش الصنعاني ، عن ابن عباس ، عن عبد الله بن مسعود أنه كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة الجن ، فقال رسول الله : " يا عبد الله ، أمعك ماء ؟ " قال : معي نبيذ في إداوة ، فقال اصبب علي " . فتوضأ ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " يا عبد الله شراب وطهور " .تفرد به أحمد من هذا الوجه ، وقد أورده الدارقطني من طريق آخر ، عن ابن مسعود [ به ] .طريق أخرى : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرني أبي عن ميناء ، عن عبد الله قال : كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة وفد الجن ، فلما انصرف تنفس ، فقلت : ما شأنك ؟ قال : " نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود " .هكذا رأيته في المسند مختصرا ، وقد رواه الحافظ أبو نعيم في كتابه " دلائل النبوة " ، فقال : حدثنا سليمان بن أحمد بن أيوب ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم - وحدثنا أبو بكر بن مالك ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثنا أبي قالا : حدثنا عبد الرزاق ، عن أبيه ، عن ميناء ، عن ابن مسعود قال : كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة وفد الجن ، فتنفس ، فقلت : ما لك يا رسول الله ؟ قال : " نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود " . قلت : استخلف . قال : " من ؟ " قلت : أبا بكر . فسكت ، ثم مضى ساعة فتنفس ، فقلت : ما شأنك بأبي أنت وأمي يا رسول الله ؟ قال : " نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود " . قلت : استخلف . قال : " من ؟ " قلت : عمر [ بن الخطاب ] . فسكت ، ثم مضى ساعة ، ثم تنفس فقلت : ما شأنك ؟ قال : " نعيت إلي نفسي " . قلت : فاستخلف . قال - صلى الله عليه وسلم - : " من ؟ " قلت : علي بن أبي طالب . قال - صلى الله عليه وسلم - : " أما والذي نفسي بيده ، لئن أطاعوه ليدخلن الجنة أجمعين أكتعين . .[ ص: 2 95 ]وهو حديث غريب جدا ، وأحرى به ألا يكون محفوظا ، وبتقدير صحته فالظاهر أن هذا بعد وفودهم إليه بالمدينة على ما سنورده ، فإن في ذلك الوقت في آخر الأمر لما فتحت مكة ، ودخل الناس والجان أيضا في دين الله أفواجا ، نزلت سورة ( إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ) ، وهي السورة التي نعيت نفسه الكريمة فيها إليه ، كما قد نص على ذلك ابن عباس ، ووافقه عمر بن الخطاب عليه ، وقد ورد في ذلك حديث سنورده عند تفسيرها ، والله أعلم . وقد رواه أبو نعيم أيضا ، عن الطبراني ، عن محمد بن عبد الله الحضرمي ، عن علي بن الحسين بن أبي بردة ، عن يحيى بن سعيد الأسلمي ، عن حرب بن صبيح ، عن سعيد بن مسلمة ، عن أبي مرة الصنعاني ، عن أبي عبد الله الجدلي ، عن ابن مسعود ، فذكره ، وذكر فيه قصة الاستخلاف ، وهذا إسناد غريب ، وسياق عجيب .طريق أخرى : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو سعيد ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن أبي رافع ، عن ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خط حوله ، فكان أحدهم مثل سواد النحل ، وقال لي : " لا تبرح مكانك " ، فأقرأهم كتاب الله " ، فلما رأى الزط قال : كأنهم هؤلاء . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أمعك ماء ؟ " قلت : لا . قال : " أمعك نبيذ ؟ " قلت : نعم . فتوضأ به .طريق أخرى مرسلة : قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو عبد الله الظهراني ، أخبرنا حفص بن عمر العدني ، حدثنا الحكم بن أبان ، عن عكرمة في قوله تعالى : ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ) قال : هم اثنا عشر ألفا جاءوا من جزيرة الموصل ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن مسعود : " أنظرني حتى آتيك " ، وخط عليه خطا ، وقال : " لا تبرح حتى آتيك " . فلما خشيهم ابن مسعود كاد أن يذهب ، فذكر قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يبرح ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لو ذهبت ما التقينا إلى يوم القيامة " .طريق أخرى مرسلة أيضا : قال سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة في قوله تعالى : ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ) قال : ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من نينوى ، وأن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إني أمرت أن أقرأ على الجن فأيكم يتبعني ؟ " فأطرقوا ، ثم استتبعهم فأطرقوا ، ثم استتبعهم الثالثة فقال رجل : يا رسول الله ، إن ذاك لذو ندبة فأتبعه ابن مسعود أخو هذيل ، قال : فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - شعبا يقال له : " شعب الحجون " ، وخط عليه ، وخط على ابن مسعود ليثبته بذلك ، قال : فجعلت أهال وأرى أمثال النسور تمشي في دفوفها ، وسمعت لغطا شديدا ، حتى خفت على نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ثم تلا القرآن ، فلما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلت : يا رسول الله ، ما اللغط الذي سمعت ؟ قال : " اختصموا في قتيل ، فقضي بينهم بالحق " . رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم .فهذه الطرق كلها تدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - ذهب إلى الجن قصدا ، فتلا عليهم القرآن ، ودعاهم إلى الله ، عز وجل ، وشرع الله لهم على لسانه ما هم محتاجون إليه في ذلك الوقت . وقد يحتمل أن أول مرة سمعوه يقرأ القرآن [ و ] لم يشعر بهم ، كما قاله ابن عباس ، رضي الله عنهما ، ثم بعد ذلك وفدوا إليه كما رواه ابن مسعود . وأما ابن مسعود فإنه لم يكن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حال مخاطبته الجن ودعائه إياهم ، وإنما كان بعيدا منه ، ولم يخرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد سواه ، ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة ، هذه طريقة البيهقي .وقد يحتمل أن يكون أول مرة خرج إليهم لم يكن معه ابن مسعود ولا غيره ، كما هو ظاهر سياق الرواية الأولى من طريق الإمام أحمد ، وهي عند مسلم . ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى ، والله أعلم ، كما روى ابن أبي حاتم في تفسير : ( قل أوحي ) ، من حديث ابن جريج قال : قال عبد العزيز بن عمر : أما الجن الذين لقوه بنخلة فجن نينوى ، وأما الجن الذين لقوه بمكة فجن نصيبين ، وتأوله البيهقي على أنه يقول : " فبتنا بشر ليلة بات بها قوم " على غير ابن مسعود ممن لم يعلم بخروجه - صلى الله عليه وسلم - إلى الجن ، وهو محتمل على بعد ، والله أعلم .وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب ، أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي ، أخبرنا الحسن بن سفيان ، حدثني سويد بن سعيد ، حدثنا عمرو بن يحيى ، عن جده سعيد بن عمرو ، قال كان أبو هريرة يتبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإداوة لوضوئه وحاجته ، فأدركه يوما فقال : " من هذا ؟ " قال : أنا أبو هريرة قال : " ائتني بأحجار أستنج بها ، ولا تأتني بعظم ولا روثة " . فأتيته بأحجار في ثوبي ، فوضعتها إلى جنبه حتى إذا فرغ وقام اتبعته ، فقلت : يا رسول الله ، ما بال العظم والروثة ؟ قال : " أتاني وفد جن نصيبين ، فسألوني الزاد ، فدعوت الله لهم ألا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوه طعاما " .أخرجه البخاري في صحيحه ، عن موسى بن إسماعيل ، عن عمرو بن يحيى بإسناده قريبا منه فهذا يدل مع ما تقدم على أنهم وفدوا عليه بعد ذلك . وسنذكر ما يدل على تكرار ذلك .وقد روي عن ابن عباس غير ما ذكر عنه أولا من وجه جيد ، فقال ابن جرير :حدثنا أبو كريب ، حدثنا عبد الحميد الحماني ، حدثنا النضر بن عربي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ) الآية ، [ قال ] كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين فجعلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رسلا إلى قومهم .فهذا يدل على أنه قد روى القصتين .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا سويد بن عبد العزيز ، حدثنا رجل سماه ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ) الآية ، قال : كانوا سبعة نفر ، ثلاثة من أهل حران ، وأربعة من أهل نصيبين ، وكانت أسماؤهم حيى وحسى ومسى ، وشاصر وناصر ، والأرد وإبيان والأحقم .وذكر أبو حمزة الثمالي أن هذا الحي من الجن كان يقال لهم : بنو الشيصبان ، وكانوا أكثر الجن عددا وأشرفهم نسبا ، وهم كانوا عامة جنود إبليس .وقال سفيان الثوري ، عن عاصم ، عن ذر ، عن ابن مسعود : كانوا تسعة ، أحدهم زوبعة ، أتوه من أصل نخلة .وتقدم عنه أنهم كانوا خمسة عشر ، وفي رواية : أنهم كانوا على ستين راحلة ، وتقدم عنه أن اسم سيدهم وردان ، وقيل : كانوا ثلاثمائة ، وتقدم عن عكرمة أنهم كانوا اثني عشر ألفا ، فلعل هذا الاختلاف دليل على تكرر وفادتهم عليه صلوات الله وسلامه عليه ، ومما يدل على ذلك ما قاله البخاري في صحيحه :حدثنا يحيى بن سليمان ، حدثني ابن وهب ، حدثني عمر - هو ابن محمد - أن سالما حدثه ، عن عبد الله بن عمر قال : ما سمعت عمر يقول لشيء قط : " إني لأظنه كذا " إلا كان كما يظن ، بينما عمر بن الخطاب جالس إذ مر به رجل جميل ، فقال : لقد أخطأ ظني - أو : إن هذا على دينه في الجاهلية - أو لقد كان كاهنهم - علي بالرجل ، فدعي له ، فقال له ذلك ، فقال : ما رأيت كاليوم استقبل له رجل مسلم . قال : فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني . قال : كنت كاهنهم في الجاهلية . قال : فما أعجب ما جاءتك به جنيتك ؟ قال : بينما أنا يوما في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع ، فقالت :ألم تر الجن وإبلاسها ويأسها من بعد إنكاسهاولحوقها بالقلاص وأحلاسهاقال عمر : صدق ، بينما أنا نائم عند آلهتهم ، إذ جاء رجل بعجل فذبحه ، فصرخ به صارخ ، لم أسمع صارخا قط أشد صوتا منه يقول : يا جليح ، أمر نجيح ، رجل فصيح يقول : " لا إله إلا الله " فوثب القوم ، فقلت : لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا ؟ ثم نادى يا جليح ، أمر نجيح ، رجل فصيح يقول : " لا إله إلا الله " . فقمت ، فما نشبنا أن قيل : هذا نبي .هذا سياق البخاري ، وقد رواه البيهقي من حديث ابن وهب بنحوه ، ثم قال : " وظاهر هذه الرواية يوهم أن عمر بنفسه سمع الصارخ يصرخ من العجل الذي ذبح ، وكذلك هو صريح في رواية ضعيفة عن عمر في إسلامه ، وسائر الروايات تدل على أن هذا الكاهن هو الذي أخبر بذلك عن رؤيته وسماعه ، والله أعلم " .وهذا الذي قاله البيهقي هو المتجه وهذا الرجل هو سواد بن قارب ، وقد ذكرت هذا مستقصى في سيرة عمر ، رضي الله عنه ، فمن أراده فليأخذه من ثم ، ولله الحمد [ والمنة ] .قال البيهقي : " حديث سواد بن قارب ، ويشبه أن يكون هذا هو الكاهن الذي لم يذكر اسمه في الحديث الصحيح " .أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب المفسر من أصل سماعه ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار الأصبهاني ، قراءة عليه ، حدثنا أبو جعفر أحمد بن موسى الحمار الكوفي بالكوفة ، حدثنا زياد بن يزيد بن بادويه أبو بكر القصري ، حدثنا محمد بن النواس الكوفي ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق ، عن البراء [ رضي الله عنه ] قال : بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ قال : أيها الناس ، أفيكم سواد بن قارب ؟ قال : فلم يجبه أحد تلك السنة ، فلما كانت السنة المقبلة قال : أيها الناس ، أفيكم سواد بن قارب ؟ قال : فقلت : يا أمير المؤمنين ، وما سواد بن قارب ؟ قال : فقال له عمر : إن سواد بن قارب كان بدء إسلامه شيئا عجيبا ، قال : فبينا نحن كذلك إذ طلع سواد بن قارب ، قال : فقال له عمر : يا سواد حدثنا ببدء إسلامك ، كيف كان ؟ قال سواد : فإني كنت نازلا بالهند ، وكان لي رئي من الجن ، قال : فبينا أنا ذات ليلة نائم ، إذ جاءني في منامي ذلك . قال : قم فافهم واعقل إن كنت تعقل ، قد بعث رسول من لؤي بن غالب ، ثم أنشأ يقول :عجبت للجن وأنجاسها وشدها العيس بأحلاسهاتهوي إلى مكة تبغي الهدى ما مؤمنو الجن كأرجاسهافانهض إلى الصفوة من هاشم واسم بعينيك إلى راسهاقال : ثم أنبهني فأفزعني ، وقال : يا سواد بن قارب ، إن الله بعث نبيا فانهض إليه تهتد وترشد . فلما كان من الليلة الثانية أتاني فأنبهني ، ثم أنشأ يقول كذلك :عجبت للجن وتطلابها وشدها العيس بأقتابهاتهوي إلى مكة تبغي الهدى ليس قداماها كأذنابهافانهض إلى الصفوة من هاشم واسم بعينيك إلى نابهافلما كان في الليلة الثالثة أتاني فأنبهني ، ثم قال :عجبت للجن وتخبارها وشدها العيس بأكوارهاتهوي إلى مكة تبغي الهدى ليس ذوو الشر كأخيارهافانهض إلى الصفوة من هاشم ما مؤمنو الجن ككفارهاقال : فلما سمعته تكرر ليلة بعد ليلة ، وقع في قلبي حب الإسلام من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما شاء الله ، قال : فانطلقت إلى رحلي فشددته على راحلتي ، فما حللت [ عليه ] نسعة ولا عقدت أخرى حتى أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا هو بالمدينة - يعني مكة - والناس عليه كعرف الفرس ، فلما رآني النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " مرحبا بك يا سواد بن قارب ، قد علمنا ما جاء بك " . قال : قلت : يا رسول الله ، قد قلت شعرا ، فاسمعه مني . قال سواد : فقلت :أتاني رئي بعد ليل وهجعة ولم يك فيما قد بلوت بكاذبثلاث ليال قوله كل ليلة أتاك رسول من لؤي بن غالبفشمرت عن ساقي الإزار ووسطت بي الدعلب الوجناء عند السباسبفأشهد أن الله لا شيء غيره وأنك مأمون على كل غائبوأنك أدنى المرسلين شفاعة إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايبفمرنا بما يأتيك يا خير مرسل وإن كان فيما جاء شيب الذوائبوكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة سواك بمغن عن سواد بن قاربقال : فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه ، وقال لي : " أفلحت يا سواد " : فقال له عمر : هل يأتيك رئيك الآن ؟ فقال : منذ قرأت القرآن لم يأتني ، ونعم العوض كتاب الله من الجن .ثم أسنده البيهقي من وجهين آخرين . ومما يدل على وفادتهم إليه ، عليه السلام ، بعد ما هاجر إلى المدينة ، الحديث الذي رواه الحافظ أبو نعيم في كتاب " دلائل النبوة " [ فقال ] :حدثنا سليمان بن أحمد ، حدثنا محمد بن عبدة المصيصي ، حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع ، حدثنا معاوية بن سلام ، عن زيد بن أسلم : أنه سمع أبا سلام يقول : حدثني من حدثه عمرو بن غيلان الثقفي قال : أتيت عبد الله بن مسعود فقلت له : حدثت أنك كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة وفد الجن ؟ قال : أجل ، قلت : حدثني كيف كان شأنه ؟ فقال : إن أهل الصفة أخذ كل رجل منهم رجل يعشيه ، وتركت فلم يأخذني أحد منهم ، فمر بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " من هذا ؟ " فقلت : أنا ابن مسعود . فقال : " ما أخذك أحد يعشيك ؟ " فقلت : لا . قال : " فانطلق لعلي أجد لك شيئا " . قال : فانطلقنا حتى أتى حجرة أم سلمة فتركني ودخل إلى أهله ، ثم خرجت الجارية فقالت : يا ابن مسعود ، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يجد لك عشاء ، فارجع إلى مضجعك . قال : فرجعت إلى المسجد ، فجمعت حصباء المسجد فتوسدته ، والتففت بثوبي ، فلم ألبث إلا قليلا حتى جاءت الجارية ، فقالت : أجب رسول الله . فاتبعتها وأنا أرجو العشاء ، حتى إذا بلغت مقامي ، خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي يده عسيب من نخل ، فعرض به على صدري فقال : " أتنطلق أنت معي حيث انطلقت ؟ " قلت : ما شاء الله . فأعادها علي ثلاث مرات ، كل ذلك أقول : ما شاء الله . فانطلق وانطلقت معه ، حتى أتينا بقيع الغرقد ، فخط بعصاه خطا ، ثم قال : " اجلس فيها ، ولا تبرح حتى آتيك " . ثم انطلق يمشي وأنا أنظر إليه خلال النخل ، حتى إذا كان من حيث لا أراه ثارت العجاجة السوداء ، ففرقت فقلت : ألحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإني أظن أن هوازن مكروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليقتلوه ، فأسعى إلى البيوت ، فأستغيث الناس . فذكرت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوصاني : أن لا أبرح مكاني الذي أنا فيه ، فسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرعهم بعصاه ويقول : " اجلسوا " . فجلسوا حتى كاد ينشق عمود الصبح ، ثم ثاروا وذهبوا ، فأتاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " أنمت بعدي ؟ " فقلت : لا ، ولقد فزعت الفزعة الأولى ، حتى رأيت أن آتي البيوت فأستغيث الناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك ، وكنت أظنها هوازن ، مكروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليقتلوه . فقال : " لو أنك خرجت من هذه الحلقة ما آمنهم عليك أن يختطفك بعضهم ، فهل رأيت من شيء منهم ؟ " فقلت : رأيت رجالا سودا مستشعرين بثياب بيض ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أولئك وفد جن نصيبين ، أتوني فسألوني الزاد والمتاع ، فمتعتهم بكل عظم حائل أو روثة أو بعرة " . قلت : وما يغني عنهم ذلك ؟ قال : " إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أكل ، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها الذي كان فيها يوم أكلت ، فلا يستنقي أحد منكم بعظم ولا بعرة " .وهذا إسناد غريب جدا ، ولكن فيه رجل مبهم لم يسم [ والله أعلم ] . وقد روى الحافظ أبو نعيم من حديث بقية بن الوليد ، حدثني نمير بن زيد القنبر ، حدثنا أبي ، حدثنا قحافة بن ربيعة ، حدثني الزبير بن العوام قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح في مسجد المدينة ، فلما انصرف قال : " أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة ؟ " فأسكت القوم ثلاثا ، فمر بي فأخذ بيدي ، فجعلت أمشي معه حتى حبست عنا جبال المدينة كلها ، وأفضينا إلى أرض براز ، فإذا برجال طوال كأنهم الرماح ، مستشعرين بثيابهم من بين أرجلهم ، فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة ، ثم ذكر نحو حديث ابن مسعود المتقدم ، وهذا حديث غريب ، والله أعلم .ومما يتعلق بوفود الجن ما رواه الحافظ أبو نعيم : حدثنا أبو محمد بن حيان ، حدثنا أبو الطيب أحمد بن روح ، حدثنا يعقوب الدورقي ، حدثنا الوليد بن بكير التميمي ، حدثنا حصين بن عمر أخبرني عبيد المكتب ، عن إبراهيم قال : خرج نفر من أصحاب عبد الله يريدون الحج ، حتى إذا كانوا في بعض الطريق ، إذا هم بحية تنثني على الطريق أبيض ، ينفخ منه ريح المسك ، فقلت لأصحابي : امضوا ، فلست ببارح حتى أنظر إلى ما يصير إليه أمر هذه الحية . قال : فما لبثت أن ماتت ، فعمدت إلى خرقة بيضاء فلففتها فيها ، ثم نحيتها عن الطريق فدفنتها ، وأدركت أصحابي في المتعشى . قال : فوالله إنا لقعود إذ أقبل أربع نسوة من قبل المغرب ، فقالت واحدة منهن : أيكم دفن عمرا ؟ قلنا : ومن عمرو ؟ قالت : أيكم دفن الحية ؟ قال : قلت : أنا . قالت : أما والله لقد دفنت صواما قواما ، يأمر بما أنزل الله ، ولقد آمن بنبيكم ، وسمع صفته من السماء قبل أن يبعث بأربعمائة عام . قال الرجل : فحمدنا الله ، ثم قضينا حجتنا ، ثم مررت بعمر بن الخطاب في المدينة ، فأنبأته بأمر الحية ، فقال : صدقت ، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " لقد آمن بي قبل أن أبعث بأربعمائة سنة " .وهذا حديث غريب جدا ، والله أعلم .قال أبو نعيم : وقد روى الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن الشعبي ، عن رجل من ثقيف ، بنحوه . وروى عبد الله بن أحمد والظهراني ، عن صفوان بن المعطل - هو الذي نزل ودفن تلك الحية من بين الصحابة - وأنهم قالوا : أما إنه آخر التسعة موتا الذين أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستمعون القرآن .وروى أبو نعيم من حديث الليث بن سعد ، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ، عن عمه ، عن معاذ بن عبيد الله بن معمر قال : كنت جالسا عند عثمان بن عفان ، فجاء رجل فقال : يا أمير المؤمنين ، إني كنت بفلاة من الأرض ، فذكر أنه رأى ثعبانين اقتتلا ثم قتل أحدهما الآخر ، قال : فذهبت إلى المعترك ، فوجدت حيات كثيرة مقتولة ، وإذ ينفح من بعضها ريح المسك ، فجعلت أشمها واحدة واحدة ، حتى وجدت ذلك من حية صفراء رقيقة ، فلففتها في عمامتي ودفنتها . فبينا أنا أمشي إذ ناداني مناد : يا عبد الله ، لقد هديت ! هذان حيان من الجن بنو أشعيبان وبنو أقيش التقوا ، فكان من القتلى ما رأيت ، واستشهد الذي دفنته ، وكان من الذين سمعوا الوحي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قال : فقال عثمان لذلك الرجل : إن كنت صادقا فقد رأيت عجبا ، وإن كنت كاذبا فعليك كذبك .فقوله تعالى : ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ) أي : طائفة من الجن ، ( يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا ) أي : استمعوا وهذا أدب منهم .وقد قال الحافظ البيهقي : حدثنا الإمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان ، أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبد الله الدقاق ، حدثنا محمد بن إبراهيم البوشنجي ، حدثنا هشام بن عمار الدمشقي ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن زهير بن محمد ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله قال : قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سورة " الرحمن " حتى ختمها ، ثم قال : " ما لي أراكم سكوتا ، للجن كانوا أحسن منكم ردا ، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة : ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) إلا قالوا : ولا بشيء من آلائك - أو نعمك - ربنا نكذب ، فلك الحمد " .ورواه الترمذي في التفسير ، عن أبي مسلم عبد الرحمن بن واقد ، عن الوليد بن مسلم به . قال : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه ، فقرأ عليهم سورة الرحمن ، فذكره ، ثم قال الترمذي : " غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد ، عن زهير " كذا قال . وقد رواه البيهقي من حديث مروان بن محمد الطاطري ، عن زهير بن محمد ، به مثله .وقوله : ( فلما قضي ) أي : فرغ . كقوله : ( فإذا قضيت الصلاة ) [ الجمعة : 10 ] ، ( فقضاهن سبع سماوات في يومين ) [ فصلت : 12 ] ، ( فإذا قضيتم مناسككم ) [ البقرة : 200 ] ( ولوا إلى قومهم منذرين ) أي : رجعوا إلى قومهم فأنذروهم ما سمعوه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كقوله : ( ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) [ التوبة : 122 ] .وقد استدل بهذه الآية على أنه في الجن نذر ، وليس فيهم رسل : ولا شك أن الجن لم يبعث الله منهم رسولا ; لقوله : ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ) [ يوسف : 109 ] ، وقال ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ) [ الفرقان : 20 ] ، وقال عن إبراهيم الخليل : ( وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب ) [ العنكبوت : 27 ] .فكل نبي بعثه الله بعد إبراهيم فمن ذريته وسلالته ، فأما قوله تعالى في [ سورة ] الأنعام : ( يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم ) [ الأنعام : 130 ] ، فالمراد من مجموع الجنسين ، فيصدق على أحدهما وهو الإنس ، كقوله : ( يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ) [ الرحمن : 22 ] أي : أحدهما .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين .قوله تعالى : وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن هذا توبيخ لمشركي قريش ، أي : إن الجن سمعوا القرآن فآمنوا به وعلموا أنه من عند الله وأنتم معرضون مصرون على الكفر . ومعنى : صرفنا وجهنا إليك وبعثنا . وذلك أنهم صرفوا عن استراق السمع من السماء برجوم الشهب - على ما يأتي - ولم يكونوا بعد عيسى قد صرفوا عنه إلا عند مبعث النبي صلى الله عليه وسلم . قال المفسرون ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وغيرهم : لما مات أبو طالب خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصرة فقصد عبد ياليل ومسعودا وحبيبا وهم إخوة - بنو عمرو بن عمير - وعندهم امرأة من قريش من بني جمح ، فدعاهم إلى الإيمان وسألهم أن ينصروه على قومه فقال أحدهم : هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك وقال الآخر : ما وجد الله أحدا يرسله غيرك وقال الثالث : والله لا أكلمك كلمة أبدا ، إن كان الله أرسلك كما تقول فأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ، وإن كنت تكذب فما ينبغي لي أن أكلمك . ثم أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويضحكون به ، حتى اجتمع عليه الناس وألجئوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة . فقال للجمحية : [ ماذا لقينا من أحمائك ] ؟ ثم قال : اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي ، لمن تكلني إلى عبد يتجهمني ، أو إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك من أن ينزل بي غضبك ، أو يحل علي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك . فرحمه ابنا ربيعة وقالا لغلام لهما نصراني يقال له عداس : خذ قطفا من العنب وضعه في هذا الطبق ثم ضعه بين يدي هذا الرجل ، فلما وضعه بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : باسم الله ثم أكل ، فنظر عداس إلى وجهه ثم قال : والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من أي البلاد أنت يا عداس وما دينك قال : أنا نصراني من أهل نينوى . فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى ؟ فقال : وما يدريك ما يونس بن متى ؟ قال : ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي فانكب عداس حتى قبل رأس النبي - صلى الله عليه وسلم - ويديه ورجليه . فقال له ابنا ربيعة : لم فعلت هكذا ؟ فقال : يا سيدي ما في الأرض خير من هذا ، أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي .ثم انصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - حين يئس من خير ثقيف ، حتى إذا كان ببطن نخلة قام من الليل يصلي فمر به نفر من جن أهل نصيبين . وكان سبب ذلك أن الجن كانوا يسترقون السمع ، فلما حرست السماء ورموا بالشهب قال إبليس : إن هذا الذي حدث في السماء لشيء حدث في الأرض ، فبعث سراياه ليعرف الخبر ، أولهم ركب نصيبين وهم أشراف الجن إلى تهامة ، فلما بلغوا بطن نخلة سمعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي صلاة الغداة ببطن نخلة ويتلو القرآن ، فاستمعوا له وقالوا : أنصتوا .وقالت طائفة : بل أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينذر الجن ويدعوهم إلى الله تعالى ويقرأ عليهم القرآن ، فصرف الله - عز وجل - إليه نفرا من الجن من نينوى وجمعهم له ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إني أريد أن أقرأ القرآن على الجن الليلة فأيكم يتبعني ؟ فأطرقوا ، ثم قال الثانية فأطرقوا ، ثم قال الثالثة فأطرقوا ، فقال ابن مسعود : أنا يا رسول الله ، قال ابن مسعود : ولم يحضر معه أحد غيري ، فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - شعبا يقال له ( شعب الحجون ) وخط لي خطا وأمرني أن أجلس فيه وقال : لا تخرج منه حتى أعود إليك . ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن ، فجعلت أرى أمثال النسور تهوي وتمشي في رفرفها ، وسمعت لغطا وغمغمة حتى خفت على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته ، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين ، ففرغ النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الفجر فقال : أنمت ؟ قلت : لا والله ، ولقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول اجلسوا ، فقال : لو خرجت لم آمن عليك أن يخطفك بعضهم ثم قال : هل رأيت شيئا ؟ قلت : نعم يا رسول الله ، رأيت رجالا سودا مستثفري ثيابا بيضا ، فقال : أولئك جن نصيبين سألوني المتاع والزاد فمتعتهم بكل عظم حائل وروثة وبعرة . فقالوا : يا رسول الله يقذرها الناس علينا . فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستنجى بالعظم والروث .قلت : يا نبي الله ، وما يغني ذلك عنهم قال : إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل ، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها يوم أكل فقلت : يا رسول الله ، لقد سمعت لغطا شديدا ؟ فقال : إن الجن تدارأت في قتيل بينهم فتحاكموا إلي فقضيت بينهم بالحق . ثم تبرز النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم أتاني فقال : هل معك ماء ؟ فقلت يا نبي الله ، معي إداوة فيها شيء من نبيذ التمر فصببت على يديه فتوضأ فقال : تمرة طيبة وماء طهور روى معناه معمر عن قتادة وشعبة أيضا عن ابن مسعود . وليس في حديث معمر ذكر نبيذ التمر .روي عن أبي عثمان النهدي أن ابن مسعود أبصر زطا فقال : ما هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الزط . قال : ما رأيت شبههم إلا الجن ليلة الجن فكانوا مستفزين يتبع بعضهم بعضا . وذكر الدارقطني عن عبد الله بن لهيعة حدثني قيس بن الحجاج عن حنش عن ابن عباس عن ابن مسعود أنه وضأ النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة الجن بنبيذ فتوضأ به وقال : شراب وطهور . ابن لهيعة لا يحتج به . وبهذا السند عن ابن مسعود : أنه خرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة الجن ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أمعك ماء يا بن مسعود ؟ فقال : معي نبيذ في إداوة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : صب علي منه . فتوضأ وقال : هو شراب وطهور تفرد به ابن لهيعة وهو ضعيف الحديث .قال الدارقطني : وقيل إن ابن مسعود لم يشهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة الجن . كذلك رواه علقمة بن قيس وأبو عبيدة بن عبد الله وغيرهما عنه أنه قال : ما شهدت ليلة الجن . حدثنا أبو محمد بن صاعد حدثنا أبو الأشعث حدثنا بشر بن المفضل حدثنا داود بن أبي هند عن عامر عن علقمة بن قيس قال قلت لعبد الله بن مسعود : أشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحد منكم ليلة أتاه داعي الجن ؟ قال لا . قال الدارقطني : هذا إسناد صحيح لا يختلف في عدالة راويه . وعن عمرو بن مرة قال قلت لأبي عبيدة : حضر عبد الله بن مسعود ليلة الجن ؟ فقال لا . قال ابن عباس : كان الجن سبعة نفر من جن نصيبين فجعلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - رسلا إلى قومهم . وقال زر بن حبيش : كانوا تسعة أحدهم زوبعة . وقال قتادة : إنهم من أهل نينوى . وقال مجاهد : من أهل حران . وقال عكرمة : من جزيرة الموصل . وقيل : إنهم كانوا سبعة ، ثلاثة من أهل نجران وأربعة من أهل نصيبين . وروى ابن أبي الدنيا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في هذا الحديث وذكر فيه نصيبين فقال : رفعت إلي حتى رأيتها فدعوت الله أن يكثر مطرها وينضر شجرها وأن يغزو نهرها . وقال السهيلي : ويقال كانوا سبعة ، وكانوا يهودا فأسلموا ، ولذلك قالوا : أنزل من بعد موسى وقيل في أسمائهم : شاصر وماصر ومنشى وماشي والأحقب ، ذكر هؤلاء الخمسة ابن دريد . ومنهم عمرو بن جابر ، ذكره ابن سلام من طريق أبي إسحاق السبيعي عن أشياخه عن ابن مسعود أنه كان في نفر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يمشون فرفع لهم إعصار ثم جاء إعصار أعظم منه فإذا حية قتيل ، فعمد رجل منا إلى ردائه فشقه وكفن الحية ببعضه ودفنها ، فلما جن الليل إذا امرأتان تسألان : أيكم دفن عمرو بن جابر ؟ فقلنا : ما ندري من عمرو بن جابر فقالتا : إن كنتم ابتغيتم الأجر فقد وجدتموه ، إن فسقة الجن اقتتلوا مع المؤمنين فقتل عمرو ، وهو الحية التي رأيتم ، وهو من النفر الذين استمعوا القرآن من محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم ولوا إلى قومهم منذرين . وذكر ابن سلام رواية أخرى : أن الذي كفنه هو صفوان بن المعطل .قلت : وذكر هذا الخبر الثعلبي بنحوه فقال : وقال ثابت بن قطبة جاء أناس إلى ابن مسعود فقالوا : إنا كنا في سفر فرأينا حية متشحطة في دمائها ، فأخذها رجل منا فواريناها ، فجاء أناس فقالوا : أيكم دفن عمرا ؟ قلنا وما عمرو ؟ قالوا الحية التي دفنتم في مكان كذا ، أما إنه كان من النفر الذين سمعوا القرآن من النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان بين حيين من الجن مسلمين وكافرين قتال فقتل . ففي هذا الخبر أن ابن مسعود لم يكن في سفر ولا حضر الدفن ، والله أعلم .وذكر ابن أبي الدنيا عن رجل من التابعين سماه : أن حية دخلت عليه في خبائه تلهث عطشا فسقاها ثم أنها ماتت فدفنها ، فأتي من الليل فسلم عليه وشكر ، وأخبر أن تلك الحية كانت رجلا من جن نصيبين اسمه زوبعة . قال السهيلي : وبلغنا في فضائل عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - مما حدثنا به أبو بكر بن طاهر الأشبيلي أن عمر بن عبد العزيز كان يمشي بأرض فلاة ، فإذا حية ميتة فكفنها بفضلة من ردائه ودفنها ، فإذا قائل يقول : يا سرق ، أشهد لسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : [ ستموت بأرض فلاة فيكفنك رجل صالح ] . فقال : ومن أنت يرحمك الله ؟ فقال : رجل من الجن الذين استمعوا القرآن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يبق منهم إلا أنا وسرق ، وهذا سرق قد مات .وقد قتلت عائشة رضي الله عنها حية رأتها في حجرتها تستمع وعائشة تقرأ ، فأتيت في المنام فقيل لها : إنك قتلت رجلا مؤمنا من الجن الذين قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت : لو كان مؤمنا ما دخل على حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقيل لها : ما دخل عليك إلا وأنت متقنعة ، وما جاء إلا ليستمع الذكر . فأصبحت عائشة فزعة ، واشترت رقابا فأعتقتهم .قال السهيلي : وقد ذكرنا من أسماء هؤلاء الجن ما حضرنا ، فإن كانوا سبعة فالأحقب منهم وصف لأحدهم ، وليس باسم علم ، فإن الأسماء التي ذكرناها آنفا ثمانية بالأحقب . والله أعلم .قلت : وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه : هامة بن الهيم بن الأقيس بن إبليس ، قيل : إنه من مؤمني الجن وممن لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلمه سورة ( إذا وقعت الواقعة ) و ( المرسلات ) و ( عم يتساءلون ) و ( إذا الشمس كورت ) و ( الحمد ) و ( المعوذتين ) وذكر أنه حضر قتل هابيل وشرك في دمه وهو غلام ابن أعوام ، وأنه لقي نوحا وتاب على يديه ، وهودا وصالحا ويعقوب ويوسف وإلياس وموسى بن عمران وعيسى ابن مريم عليهم السلام . وقد ذكر الماوردي أسماءهم عن مجاهد فقال : حسى ومسى ومنشى وشاصر وماصر والأرد وأنيان والأحقم . وذكرها أبو عمرو عثمان بن أحمد المعروف بابن السماك قال : حدثنا محمد بن البراء قال حدثنا الزبير بن بكار قال : كان حمزة بن عتبة بن أبي لهب يسمي جن نصيبين الذين قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول : حسى ومسى وشاصر وماصر والأفخر والأرد وأنيال .قوله تعالى : فلما حضروه أي حضروا النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو من باب تلوين الخطاب . وقيل : لما حضروا القرآن واستماعه . قالوا أنصتوا أي قال بعضهم لبعض اسكتوا لاستماع القرآن . قال ابن مسعود : هبطوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة ، فلما سمعوه قالوا أنصتوا قالوا صه . وكانوا سبعة : أحدهم زوبعة ، فأنزل الله تعالى : وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا الآية إلى قوله : في ضلال مبين وقيل : أنصتوا لسماع قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والمعنى متقارب . فلما قضي وقرأ لاحق بن حميد وخبيب بن عبد الله بن الزبير ( فلما قضى ) بفتح القاف والضاد ، يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الصلاة . وذلك أنهم خرجوا حين حرست السماء من استراق السمع ليستخبروا ما أوجب ذلك ؟ فجاءوا وادي نخلة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في صلاة الفجر ، وكانوا سبعة ، فسمعوه وانصرفوا إلى قومهم منذرين ، ولم يعلم بهم النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل : بل أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينذر الجن ويقرأ عليهم القرآن ، فصرف الله إليه نفرا من الجن ليستمعوا منه وينذروا قومهم ، فلما تلا عليهم القرآن وفرغ انصرفوا بأمره قاصدين من وراءهم من قومهم من الجن ، منذرين لهم مخالفة القرآن ومحذرين إياهم بأس الله إن لم يؤمنوا . وهذا يدل على أنهم آمنوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأنه أرسلهم . ويدل على هذا قولهم : ياقومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به ولولا ذلك لما أنذروا قومهم . وقد تقدم عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعلهم رسلا إلى قومهم ، فعلى هذا ليلة الجن ليلتان ، وقد تقدم هذا المعنى مستوفى . وفي صحيح مسلم ما يدل على ذلك على ما يأتي بيانه في ( قل أوحي إلي ) . وفي صحيح مسلم عن معن قال : سمعت أبي قال سألت مسروقا : من آذن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجن ليلة استمعوا القرآن ؟ فقال : حدثني أبوك - يعني ابن مسعود - أنه آذنته بهم شجرة .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29)يقول تعالى ذكره مقرّعا كفار قريش بكفرهم بما آمنت به الجنّ( وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ ) يا محمد ( نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ) ذكر أنهم صرفوا إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بالحادث الذي حدث من رَجْمِهم بالشهب.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا جرير, عن مغيرة, عن زياد, عن سعيد بن جُبير, قال: " كانت الجن تستمع, فلما رُجِموا قالوا: إن هذا الذي حدث في السماء لشيء حدث في الأرض, فذهبوا يطلبون حتى رأوا النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم خارجا من سوق عكاظ يصلي بأصحابه الفجر, فذهبوا إلى قومهم ".حدثنا محمد بن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن أيوب, عن سعيد بن جُبير, قال: " ولما بعث النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حُرِست السماء, فقال الشيطان: ما حُرِست إلا لأمر قد حدث في الأرض فبعث سراياه في الأرض , فوجدوا النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قائما يصلي صلاة الفجر بأصحابه بنَخْلة, وهو يقرأ. فاستمعوا حتى إذا فرغ ( وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ )... إلى قوله مُسْتَقِيمٍ .حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ )... إلى آخر الآية, قال: لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , وكانوا يقعدون مقاعد للسمع; فلما بعث الله محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حرست السماء حرسا شديدا, ورُجِمت الشياطين, فأنكروا ذلك, وقالوا: لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا فقال إبليس: لقد حدث في الأرض حدث, واجتمعت إليه الجنّ, فقال: تفرّقوا في الأرض, فأخبروني ما هذا الخبر الذي حدث في السماء, وكان أوّل بعث ركب من أهل نصيبين, وهي أشراف الجنّ وساداتهم, فبعثهم إلى تهامة, فاندفعوا حتى بلغوا الوادي, وادي نخلة, فوجدوا نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يصلي صلاة الغداة ببطن نخلة, فاستمعوا; فلما سمعوه يتلو القرآن, قالوا: أنصتوا, ولم يكن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم علم أنهم استمعوا إليه وهو يقرأ القرآن; فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين .واختلف أهل التأويل في مبلغ عدد النفر الذين قال الله ( وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ ) فقال بعضهم: كانوا سبعة نفر.* ذكر من قال ذلك:حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا عبد الحميد, قال: ثنا النضر بن عربيّ, عن عكرمة, عن ابن عباس ( وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ )... الآية, قال: كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين, فجعلهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم رسلا إلى قومهم.وقال آخرون: بل كانوا تسعة. نفر.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن بشار, قال: ثنا يحيى, عن سفيان, عن عاصم, عن زِرّ( وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ) قال: كانوا تسعة نفر فيهم زَوْبعة.حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أبو احمد, قال: ثنا سفيان, عن عاصم, عن زِرّ بن حبيش, قال: " أنزل على النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وهو ببطن نخلة,( فَلَمَّا حَضَرُوهُ ) قال: كانوا تسعة أحدهم زَوْبَعَة ".وقوله ( فَلَمَّا حَضَرُوهُ ) يقول: فلما حضر هؤلاء النفر من الجنّ الذين صرفهم الله إلى رسوله نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم .واختلف أهل العلم في صفة حضورهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , فقال بعضهم: حضروا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , يتعرّفون الأمر الذي حدث من قبله ما حدث في السماء, ورسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لا يشعر بمكانهم, كما قد ذكرنا عن ابن عباس قبل.وكما حدثنا ابن بشار, قال: ثنا هوذة, قال: ثنا عوف, عن الحسن, في قوله ( وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ ) قال: ما شعر بهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حتى جاءوا, فأوحى الله عزّ وجلّ إليه فيهم, وأخبر عنهم.وقال آخرون: بل أمر نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يقرأ عليهم القرآن, وأنهم جمعوا له بعد أن تقدّم الله إليه بإنذارهم, وأمره بقراءة القرآن عليهم.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ) قال: " ذكر لنا أنهم صرفُوا إليه من نِينَوَى, قال: فإن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , قال: إني أمرت أن أقرأ القرآن على الجنّ, فأيكم يتبعني" ؟ فأطرقوا, ثم استتبعهم فأطرقوا, ثم استتبعهم الثالثة فأطرقوا, فقال رجل: يا رسول الله إنك لذو بدئه, (1) فاتبعه عبد الله بن مسعود, فدخل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم شعبا يقال له شعب الحجون. قال: وخطّ نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على عبد الله خطا ليثبته به, قال: فجعلت تهوي بي وأرى أمثال النسور تمشي في دفوفها, وسمعت لغطا شديدا, حتى خفت على نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , ثم تلا القرآن; فلما رجع نبيّ الله قلت: يا نبيّ الله ما اللغط الذي سمعت؟ قال: اجتمعوا إليّ في قتيل كان بينهم, فقُضي بينهم بالحقّ .وذُكر لنا أن ابن مسعود لما قَدِم الكوفة رأى شيوخا شُمطا من الزُّط, فراعوه, قال: من هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء نفر من الأعاجم, قال: ما أريت للذين قرأ عليهم النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم الإسلام من الجنّ شبها أدنى من هؤلاء.حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, أن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ذهب وابن مسعود ليلة دعا الجنّ, فخطَّ النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على ابن مسعود خطا, ثم قال له: لا تخرج منه ثم ذهب النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى الجنّ, فقرأ عليهم القرآن, ثم رجع إلى ابن مسعود فقال: وهل رأيت شيئا؟ قال: سمعت لغَطا شديدا, قال: إن الجنّ تدارأت في قتيل قُتل بينها, فقُضِي بينهم بالحقّ, وسألوه الزاد, فقال: وكل عظم لكم عرق, وكلّ روث لكم خُضْرة. قالوا: يا رسول الله تقذّرها الناس علينا, فنهى النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يستنجي بأحدهما; فلما قدم ابن مسعود الكوفة رأى الزُّطّ, وهم قوم طوال سود, فأفزعوه, فقال: أظَهَرُوا؟ فقيل له: إن هؤلاء قوم من الزُّطّ, فقال ما أشبههم بالنفر الذين صُرِفوا إلى النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم .قال : ثنا ابن ثور, عن معمر. عن يحيى بن أبي كثير, عن عبد الله بن عمرو بن غَيلان الثقفيّ أنه قال لابن مسعود: " حُدثت أنك كنت مع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ليلة وفد الجنّ, قال: أجَل, قال: فكيف كان؟ فذكر الحديث كله. وذُكِر أن النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم خطّ عليه خطا وقال: ولا تبرح منها, فذكر أن مثل العجاجة السوداء غشيت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , فذُعِر ثلاث مرّات, حتى إذا كان قريبا من الصبح, أتاني رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , فقال: أنِمْتَ؟ قلت: لا والله, ولقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول: واجلسوا, قال: ولو خرجتَ لم آمن أن يختطفك بعضهم, ثم قال: وهل رأيت شيئا؟ قال: نعم رأيت رجالا سودا مستشعري ثياب بيض, قال: أولئك جنّ نصيبين, سألوني المتاع, والمتاع الزاد, فمتعتهم بكلّ عظم حائل أو بعرة أو روثة, فقلت: يا رسول الله, وما يغني ذلك عنهم؟ قال: إِنَّهُمْ لَنْ يَجِدوُا عَظْما إلا وَجَدُوا عَلَيْهِ لَحْمَه يَوْمَ أُكِل, وَلا رَوْثَةً إلا وَجَدُوا فِيها حَبَّها يَوْمَ أُكِلَتْ, فَلا يَسْتَنْقِيَنَّ أحَدٌ مِنْكُمْ إذَا خَرَجَ مِنَ الخَلاءِ بعَظْمٍ وَلا بَعْرَةٍ وَلا رَوْثَةٍ" .حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم, قال: أخبرنا أبو زُرْعة وهب بن راشد, قال: قال يونس, قال ابن شهاب: أخبرني أبو عثمان بن شبة الخزاعي, وكان من أهل الشام " أن ابن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لأصحابه وهو بمكة: مَنْ أَحَبَّ منْكُمْ أنْ يَحْضُرَ أمْرَ الجنّ اللَّيْلَةَ فَلْيَفْعَلْ" . فلم يحضر منهم أحد غيري, قال: فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة, خطّ لي برجله خطا, ثم أمرني أن أجلس فيه, ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن, فغشيته أسودة كبيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته, ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين, حتى بقي منهم رهط, ففرغ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم مع الفجر, فانطلق متبرّزا, ثم أتاني فقال: وما فَعَلَ الرَّهْطُ ؟ قلت: هم أولئك يا رسول الله, فأخذ عظما أو روثا أو جمجمة فأعطاهم إياه زادا, ثم نهى أن يستطيب أحد بعظم أو روث ".حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب, قال: ثنا عمي عبد الله بن وهب, قال: أخبرني يونس, عن ابن شهاب, عن أبي عثمان بن شبة الخزاعي, وكان من أهل الشأم, أن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , فذكر مثله سواء, إلا أنه قال: فأعطاهم روثا أو عظما زادا, ولم يذكر الجمجمة.حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب, قال: ثني عمي, قال: أخبرني يونس, عن الزهريّ, عن عبيد الله بن عبد الله, أن ابن مسعود, قال: سمعت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: " بِتُّ اللًّيْلَةَ أقْرأُ عَلى الجِنّ رُبُعا بالحَجُونِِ" .واختلفوا في الموضع الذي تلا عليهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فيه القرآن, فقال عبد الله بن مسعود قرأ عليهم بالحَجون, وقد ذكرنا الرواية عنه بذلك.وقال آخرون: قرأ عليهم بنخلة, وقد ذكرنا بعض من قال ذلك, ونذكر من لم نذكره.حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا خلاد, عن زهير بن معاوية, عن جابر الجعفي, عن عكرمة, عن ابن عباس " أن النفر الذين أتوا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من جنّ نصيبين أتوه وهو بنخلة ".حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ ) قال: لقيهم بنخلة ليلتئذ. وقوله ( فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا ) يقول تعالى ذكره: فلما حضروا القرآن ورسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يقرأ, قال بعضهم لبعض: أنصتوا لنستمع القرآن.كما حدثنا ابن بشار, قال: ثنا يحيى, عن سفيان, عن عاصم, عن زِرّ( فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا ) قالوا: صَهْ.قال: ثنا أبو أحمد, قال: ثنا سفيان, عن عاصم, عن زِرّ بن حُبَيْش, مثله.حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, في قوله ( فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا ) قد علم القوم أنهم لن يعقلوا حتى ينصتوا.وقوله ( فَلَمَّا قُضِيَ ) يقول: فلما فرغ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من القراءة وتلاوة القرآن.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثنى عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,( فَلَمَّا قُضِيَ ) يقول: فلما فرغ من الصلاة.( وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ) . وقوله ( وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ) يقول: انصرفوا منذرين عذاب الله على الكفر به.وذُكر عن ابن عباس أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم جعلهم رسلا إلى قومهم.حدثنا بذلك أبو كُرَيب, قالا ثنا عبد الحميد الحِمَّانيّ, قال: ثنا النضر, عن عكرمة, عن ابن عباس. وهذا القول خلاف القول الذي روي عنه أنه قال: لم يكن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم علم أنهم استمعوا إليه وهو يقرأ القرآن, لأنه محال أن يرسلهم إلى آخرين إلا بعد علمه بمكانهم, إلا أن يقال: لم يعلم بمكانهم في حال استماعهم للقرآن, ثم علم بعد قبل انصرافهم إلى قومهم, فأرسلهم رسلا حينئذ إلى قومهم, وليس ذلك في الخبر الذي روي.-----------------------الهوامش:(1) في ابن كثير " لذو ندبة " ، وكأن الرجل يتعجب من نشاط رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسراعه لما ندب أصحابه إليه فأحجموا . ولعله مأخوذ من قولهم " رجل ندب " أي خفيف سريع في الحاجة .
قَالُواْ يَٰقَوۡمَنَآ إِنَّا سَمِعۡنَا كِتَٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٖ مُّسۡتَقِيمٖ  ٣٠
التفسير الميسرقالوا: يا قومنا إنا سمعنا كتابًا أنزل من بعد موسى، مصدقًا لما قبله من كتب الله التي أنزلها على رسله، يهدي إلى الحق والصواب، وإلى طريق صحيح مستقيم.
تفسير السعدي قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى لأن كتاب موسى أصل للإنجيل وعمدة لبني إسرائيل في أحكام الشرع، وإنما الإنجيل متمم ومكمل ومغير لبعض الأحكام. مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي هذا الكتاب الذي سمعناه إِلَى الْحَقِّ وهو الصواب في كل مطلوب وخبر وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ موصل إلى الله وإلى جنته من العلم بالله وبأحكامه الدينية وأحكام الجزاء.
تفسير ابن كثيرثم إنه تعالى فسر إنذار الجن لقومهم فقال مخبرا عنهم : ( قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى [ مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق ] ) ، ولم يذكروا عيسى ; لأن عيسى ، عليه السلام ، أنزل عليه الإنجيل فيه مواعظ وترقيقات وقليل من التحليل والتحريم ، وهو في الحقيقة كالمتمم لشريعة التوراة ، فالعمدة هو التوراة ; فلهذا قالوا : أنزل من بعد موسى . وهكذا قال ورقة بن نوفل ، حين أخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - بقصة نزول جبريل [ عليه السلام ] عليه أول مرة ، فقال : بخ بخ ، هذا الناموس الذي كان يأتي موسى ، يا ليتني أكون فيها جذعا .( مصدقا لما بين يديه ) أي : من الكتب المنزلة قبله على الأنبياء . وقولهم : ( يهدي إلى الحق ) أي : في الاعتقاد والإخبار ، ( وإلى طريق مستقيم ) في الأعمال ، فإن القرآن يشتمل على شيئين خبر وطلب ، فخبره صدق ، وطلبه عدل ، كما قال : ( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ) [ الأنعام : 115 ] ، وقال ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ) [ التوبة : 33 ] ، فالهدى هو : العلم النافع ، ودين الحق : هو العمل الصالح . وهكذا قالت الجن : ( يهدي إلى الحق ) في الاعتقادات ، ( وإلى طريق مستقيم ) أي : في العمليات .
تفسير القرطبيقوله تعالى : قالوا ياقومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى أي القرآن ، وكانوا مؤمنين بموسى . قال عطاء : كانوا يهودا فأسلموا ، ولذلك قالوا : أنزل من بعد موسى وعن ابن عباس : أن الجن لم تكن سمعت بأمر عيسى ، فلذلك قالت : أنزل من بعد موسىمصدقا لما بين يديه يعني ما قبله من التوراة . يهدي إلى دين الحق . وإلى طريق مستقيم دين الله القويم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30)يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل هؤلاء الذين صُرفوا إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من الجن لقومهم لما انصرفوا إليهم من عند رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم : ( يَا قَوْمَنَا ) مِنَ الْجِنِّ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزلَ مِنْ بَعْدِ كِتَابٌ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ) يقول: يصدق ما قبله من كتب الله التي أنزلها على رُسله (2) .وقوله ( يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ) يقول: يرشد إلى الصواب, ويدّل على ما فيه لله رضا( وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ) يقول: وإلى طريق لا اعوجاج فيه, وهو الإسلام.وكان قتادة يقول في ذلك ما حدثنا بشر, قال: ثنا سعيد عن قتادة أنه قرأ ( قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ) فقال: ما أسرع ما عقل القوم, ذُكر لنا أنهم صُرِفوا إليه من نينوى.-----------------الهوامش:(2)في الأصل : رسوله : ولعله تحريف من النسخ .
يَٰقَوۡمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِۦ يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُجِرۡكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ  ٣١
التفسير الميسريا قومنا أجيبوا رسول الله محمدًا إلى ما يدعوكم إليه، وصدِّقوه واعملوا بما جاءكم به، يغفر الله لكم من ذنوبكم وينقذكم من عذاب مؤلم موجع.
تفسير السعديفلما مدحوا القرآن وبينوا محله ومرتبته دعوهم إلى الإيمان به، فقالوا: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ أي: الذي لا يدعو إلا إلى ربه لا يدعوكم إلى غرض من أغراضه ولا هوى وإنما يدعوكم إلى ربكم ليثيبكم ويزيل عنكم كل شر ومكروه، ولهذا قالوا: يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وإذا أجارهم من العذاب الأليم فما ثم بعد ذلك إلا النعيم فهذا جزاء من أجاب داعي الله.
تفسير ابن كثير( يا قومنا أجيبوا داعي الله ) فيه دلالة على أنه تعالى أرسل محمدا صلوات الله وسلامه عليه إلى الثقلين الإنس والجن حيث دعاهم إلى الله ، وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب الفريقين ، وتكليفهم ووعدهم ووعيدهم ، وهي سورة الرحمن ; ولهذا قال ( أجيبوا داعي الله وآمنوا به )وقوله : ( يغفر لكم من ذنوبكم ) قيل : إن " من " هاهنا زائدة وفيه نظر ; لأن زيادتها في الإثبات قليل ، وقيل : إنها على بابها للتبعيض ، ( ويجركم من عذاب أليم ) أي : ويقيكم من عذابه الأليم .وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الجن المؤمنين لا يدخلون الجنة ، وإنما جزاء صالحيهم أن يجاروا من عذاب النار يوم القيامة ; ولهذا قالوا هذا في هذا المقام ، وهو مقام تبجح ومبالغة فلو كان لهم جزاء على الإيمان أعلى من هذا لأوشك أن يذكروه .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي قال : حدثت عن جرير ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : لا يدخل مؤمنو الجن الجنة ; لأنهم من ذرية إبليس ، ولا تدخل ذرية إبليس الجنة .والحق أن مؤمنهم كمؤمني الإنس يدخلون الجنة ، كما هو مذهب جماعة من السلف ، وقد استدل بعضهم لهذا بقوله : ( لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ) [ الرحمن : 74 ] ، وفي هذا الاستدلال نظر ، وأحسن منه قوله تعالى : ( ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان ) [ الرحمن : 46 ، 47 ] ، فقد امتن تعالى على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة ، وقد قابلت الجن هذه الآية بالشكر القولي أبلغ من الإنس ، فقالوا : " ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب ، فلك الحمد " فلم يكن تعالى ليمتن عليهم بجزاء لا يحصل لهم ، وأيضا فإنه إذا كان يجازي كافرهم بالنار - وهو مقام عدل - فلأن يجازي مؤمنهم بالجنة - وهو مقام فضل - بطريق الأولى والأحرى . ومما يدل أيضا على ذلك عموم قوله تعالى : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا ) [ الكهف : 107 ] ، وما أشبه ذلك من الآيات . وقد أفردت هذه المسألة في جزء على حدة ، ولله الحمد والمنة . وهذه الجنة لا يزال فيها فضل حتى ينشئ الله لها خلقا ، أفلا يسكنها من آمن به وعمل له صالحا ؟ وما ذكروه هاهنا من الجزاء على الإيمان من تكفير الذنوب والإجارة من العذاب الأليم ، هو يستلزم دخول الجنة ; لأنه ليس في الآخرة إلا الجنة أو النار ، فمن أجير من النار دخل الجنة لا محالة . ولم يرد معنا نص صريح ولا ظاهر عن الشارع أن مؤمني الجن لا يدخلون الجنة وإن أجيروا من النار ، ولو صح لقلنا به ، والله أعلم . وهذا نوح ، عليه السلام ، يقول لقومه : ( يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى ) [ نوح : 4 ] ، ولا خلاف أن مؤمني قومه في الجنة ، فكذلك هؤلاء . وقد حكي فيهم أقوال غريبة فعن عمر بن عبد العزيز : أنهم لا يدخلون بحبوحة الجنة ، وإنما يكونون في ربضها وحولها وفي أرجائها . ومن الناس من زعم أنهم في الجنة يراهم بنو آدم ولا يرون بني آدم عكس ما كانوا عليه في الدار الدنيا . ومن الناس من قال : لا يأكلون في الجنة ولا يشربون ، وإنما يلهمون التسبيح والتحميد والتقديس ، عوضا عن الطعام والشراب كالملائكة ، لأنهم من جنسهم . وكل هذه الأقوال فيها نظر ، ولا دليل عليها .
تفسير القرطبييا قومنا أجيبوا داعي يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا يدل على أنه كان مبعوثا إلى الجن والإنس . قال مقاتل : ولم يبعث الله نبيا إلى الجن والإنس قبل محمد صلى الله عليه وسلم .قلت : يدل على قوله ما في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر وأعطيت الشفاعة . قال مجاهد : الأحمر والأسود : الجن والإنس . وفي رواية من حديث أبي هريرة وبعثت إلى الخلق كافة وختم بي النبيونوآمنوا به أي بالداعي ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : به أي : بالله ، لقوله : يغفر لكم من ذنوبكم قال ابن عباس : فاستجاب لهم من قومهم سبعون رجلا ، فرجعوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فوافقوه بالبطحاء ، فقرأ عليهم القرآن وأمرهم ونهاهم .مسألة : هذه الآي تدل على أن الجن كالإنس في الأمر والنهي والثواب والعقاب . وقال الحسن : ليس لمؤمني الجن ثواب غير نجاتهم من النار ، يدل عليه قوله تعالى : يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم وبه قال أبو حنيفة قال : ليس ثواب الجن إلا أن يجاروا من النار ، ثم يقال لهم : كونوا ترابا مثل البهائم . وقال آخرون : إنهم كما يعاقبون في الإساءة يجازون في الإحسان مثل الإنس . وإليه ذهب مالك والشافعي وابن أبي ليلى . وقد قال الضحاك : الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون . قال القشيري : والصحيح أن هذا مما لم يقطع فيه بشيء ، والعلم عند الله .قلت : قوله تعالى : ولكل درجات مما عملوا يدل على أنهم يثابون ويدخلون الجنة ; لأنه قال في أول الآية : يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي إلى أن قال ولكل درجات مما عملوا . والله أعلم ، وسيأتي لهذا في سورة ( الرحمن ) مزيد بيان إن شاء الله تعالى .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31)يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هؤلاء النفر من الجنّ( يَا قَوْمَنَا ) مِنَ الْجِنِّ ( أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ ) قالوا: أجيبوا رسول الله محمدا إلى ما يدعوكم إليه من طاعة الله ( وَآمِنُوا بِهِ ) يقول: وصدّقوه فيما جاءكم به وقومه من أمر الله ونهيه, وغير ذلك مما دعاكم إلى التصديق به ( يَغْفِرْ لَكُمْ ) يقول: يتغمد لكم ربكم من ذنوبكم فيسترها لكم ولا يفضحكم بها في الآخرة بعقوبته إياكم عليها( وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) يقول: وينقذكم من عذاب موجع إذا أنتم تبتم من ذنوبكم, وأنبتم من كفركم إلى الإيمان بالله وبداعيه.
وَمَن لَّا يُجِبۡ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيۡسَ بِمُعۡجِزٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَيۡسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءُۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ  ٣٢
التفسير الميسرومن لا يُجِبْ رسول الله إلى ما دعا إليه فليس بمعجز الله في الأرض إذا أراد عقوبته، وليس له من دون الله أنصار يمنعونه من عذابه، أولئك في ذَهاب واضح عن الحق.
تفسير السعدي وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ فإن الله على كل شيء قدير فلا يفوته هارب ولا يغالبه مغالب. وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ وأي ضلال أبلغ من ضلال من نادته الرسل ووصلت إليه النذر بالآيات البينات، والحجج المتواترات فأعرض واستكبر؟"
تفسير ابن كثيرثم قال مخبرا عنه : ( ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض ) أي : بل قدرة الله شاملة له ومحيطة به ، ( وليس له من دونه أولياء ) أي : لا يجيرهم منه أحد ( أولئك في ضلال مبين ) وهذا مقام تهديد وترهيب ، فدعوا قومهم بالترغيب والترهيب ; ولهذا نجع في كثير منهم ، وجاءوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفودا وفودا ، كما تقدم بيانه .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين .قوله تعالى : ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض أي لا يفوت الله ولا يسبقه وليس له من دونه أولياء أي أنصار يمنعونه من عذاب الله . أولئك في ضلال مبين
تفسير الطبريوقوله ( وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأرْضِ ) يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هؤلاء النفر لقومهم: ومن لا يجب أيُّها القوم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم محمدا, وداعيه إلى ما بعثه بالدعاء إليه من توحيده, والعمل بطاعته ( فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأرْضِ ) يقول: فليس بمعجز ربه بهربه, إذا أراد عقوبته على تكذيبه داعيه, وتركه تصديقه وإن ذهب في الأرض هاربا, لأنه حيث كان فهو في سلطانه وقبضته ( وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ ) يقول: وليس لمن لم يحب داعي الله من دون ربه نُصراء ينصرونه من الله إذا عاقبه ربه على كفره به وتكذيبه داعيه.وقوله ( أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) يقول: هؤلاء الذين لم يجيبوا داعي الله فيصدّقوا به, وبما دعاهم إليه من توحيد الله, والعمل بطاعته في جور عن قصد السبيل, وأخذ على غير استقامة,( مُبِينٍ ) : يقول: يبين لمن تأمله أنه ضلال, وأخذ على غير قصد.
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَلَمۡ يَعۡيَ بِخَلۡقِهِنَّ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ  ٣٣
التفسير الميسرأغَفَلوا ولم يعلموا أنَّ الله الذي خلق السموات والأرض على غير مثال سبق، ولم يعجز عن خلقهن، قادر على إحياء الموتى الذين خلقهم أوّلا؟ بلى، ذلك أمر يسير على الله تعالى الذي لا يعجزه شيء، إنه على كل شيء قدير.
تفسير السعديهذا استدلال منه تعالى على الإعادة بعد الموت بما هو أبلغ منها، وهو أنه الذي خلق السماوات والأرض على عظمهما وسعتهما وإتقان خلقهما من دون أن يكترث بذلك ولم يعي بخلقهن فكيف تعجزه إعادتكم بعد موتكم وهو على كل شيء قدير؟"
تفسير ابن كثيريقول تعالى : ( أولم يروا ) أي : هؤلاء المنكرون للبعث يوم القيامة ، المستبعدون لقيام الأجساد يوم المعاد ( أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن ) أي : ولم يكرثه خلقهن ، بل قال لها : " كوني " فكانت ، بلا ممانعة ولا مخالفة ، بل طائعة مجيبة خائفة وجلة ، أفليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ؟ كما قال في الآية الأخرى : ( لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) [ غافر : 57 ] ، ولهذا قال : ( بلى إنه على كل شيء قدير ) .
تفسير القرطبيقوله تعالى : أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير .قوله تعالى : أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض الرؤية هنا بمعنى العلم . وأن واسمها وخبرها سدت مسد مفعولي الرؤية . ومعنى لم يعي يعجز ويضعف عن إبداعهن . يقال : عي بأمره وعيي إذا لم يهتد لوجهه ، والإدغام أكثر . وتقول في الجمع عيوا ، مخففا ، وعيوا أيضا بالتشديد . قالعيوا بأمرهم كما عيت ببيضتها الحمامةوعييت بأمري إذا لم تهتد لوجهه . وأعياني هو . وقرأ الحسن ( ولم يعي ) بكسر العين وإسكان الياء ، وهو قليل شاذ ، لم يأت إعلال العين وتصحيح اللام إلا في أسماء قليلة ، نحو غاية وآية . ولم يأت في الفعل سوى بيت أنشده الفراء ، وهو قول الشاعر :فكأنها بين النساء سبيكة تمشي بسدة بيتها فتعيبقادر قال أبو عبيدة والأخفش : الباء زائدة للتوكيد كالباء في قوله : وكفى بالله شهيدا وقوله : تنبت بالدهن . وقال الكسائي والفراء والزجاج : الباء فيه خلف الاستفهام والجحد في أول الكلام . قال الزجاج : والعرب تدخلها مع الجحد تقول : ما ظننت أن زيدا بقائم . ولا تقول : ظننت أن زيدا بقائم . وهو لدخول ما ودخول أن للتوكيد . والتقدير : أليس الله بقادر ، كقوله تعالى : أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر . وقرأ ابن مسعود والأعرج والجحدري وابن أبي إسحاق ويعقوب ( يقدر ) واختاره أبو حاتم ; لأن دخول الباء في خبر ( أن ) قبيح . واختار أبو عبيد قراءة العامة ; لأنها في قراءة عبد الله ( خلق السماوات والأرض قادر ) بغير باء . والله أعلم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33)يقول تعالى ذكره: أولم ينظر هؤلاء المنكرون إحياء الله خلقه من بعد وفاتهم, وبعثه إياهم من قبورهم بعد بلائهم, القائلون لآبائهم وأمهاتهم أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي فلم يبعثوا بأبصار قلوبهم, فيروا ويعلموا أن الله الذي خلق السموات السبع والأرض, فابتدعهنّ من غير شيء, ولم يعي بإنشائهنّ, فيعجز عن اختراعهنّ وإحداثهنّ( بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ) فيخرجهم من بعد بلائهم في قبورهم أحياء كهيئتهم قبل وفاتهم.واختلف أهل العربية في وجه دخول الباء في قوله ( بِقَادِرٍ ) فقال بعض نحويي البصرة: هذه الباء كالباء في قوله كَفَى بِاللَّهِ وهو مثل تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وقال بعض نحويي الكوفة: دخلت هذه الباء للمَ; قال: والعرب تدخلها مع الجحود إذا كانت رافعة لما قبلها, وتدخلها إذا وقع عليها فعل يحتاج إلى اسمين مثل قولك: ما أظنك بقائم, وما أظنّ أنك بقائم, وما كنت بقائم, فإذا خلعت الباء نصبت الذي كانت تعمل فيه, بما تعمل فيه من الفعل, قال: ولو ألقيت الباء من قادر في هذا الموضع رفع, لأنه خبر لأن, قال: وأنشدني بعضهم:فَمَا رَجَعَتْ بخائِبَةٍ رِكابٌحَكِيمُ بنُ المُسيِّبِ مُنْتهَاها (3)فأدخل الباء في فعل لو ألقيت منه نصب بالفعل لا بالباء, يقاس على هذا ما أشبهه.وقال بعض من أنكر قول البصريّ الذي ذكرنا قوله: هذه الباء دخلت للجحد, لأن المجحود في المعنى وإن كان قد حال بينهما بأنّ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ) قال: فإنَّ اسم يَرَوْا وما بعدها في صلتها, ولا تدخل فيه الباء, ولكن معناه جحد, فدخلت للمعنى.وحُكي عن البصريّ أنه كان يأبى إدخال إلا وأن النحويين من أهل الكوفة يجيزونه, ويقولون: ما ظننت أن زيدا إلا قائما, وما ظننت أن زيدا بعالم. وينشد:وَلَسْتُ بِحالِفٍ لَوَلَدْتُ مِنْهُمْعَلى عَمِّيَّةٍ إلا زِيادًا (4)قال: فأدخل إلا بعد جواب اليمين, قال: فأما كَفَى بِاللَّهِ , فهذه لم تدخل إلا لمعنى صحيح, وهي للتعجب, كما تقول لظَرُفَ بزيد. قال: وأما تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ فأجمعوا على أنها صلة. وأشبه الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: دخلت الباء في قوله (بقادِرٍ) للجَحْد, لما ذكرنا لقائلي ذلك من العلل.واختلفت القرّاء في قراءة قوله ( بِقَادِرٍ ) فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار, عن أبي إسحاق والجَحْدريّ والأعرج ( بقادِرٍ ) وهي الصحيحة عندنا لإجماع قرّاء الأمصار عليها. وأما الآخرون الذين ذكرتهم فإنهم فيما ذُكر عنهم كانوا يقرءون ذلك " يقدر " بالياء. وقد ذُكر أنه في قراءة عبد الله بن مسعود ( أنَّ الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ قَادِرٌ ) بغير باء, ففي ذلك حجة لمن قرأه " بقادِرٍ" بالباء والألف. وقوله ( بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) يقول تعالى ذكره: بلى, يقدر الذي خلق السموات والأرض على إحياء الموتى: أي الذي خلق ذلك على كلّ شيء شاء خلقه, وأراد فعله, ذو قدرة لا يعجزه شيء أراده, ولا يُعييه شيء أراد فعله, فيعييه إنشاء الخلق بعد الفناء, لأن من عجز عن ذلك فضعيف, فلا ينبغي أن يكون إلها من كان عما أراد ضعيفا.-----------------الهوامش:(3) البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن ( الورقة 303 ) قال : وقوله تعالى : " أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض بقادر " : دخلت الباء للم . والعرب تدخلها مع الجحود إذا كانت رافعة لما قبلها ، أو يدخلونها إذا وقع عليها فعل محتاج إلى اسمين مثل قولك : ما أظنك بقائم ، وما أظن بقائم ، وما كنت بقائم ، فإذا خلعت الباء ، نصبت الذي كانت تعمل فيه بما تعمل فيه من الفعل . ولو ألقيت الباء من " قادر " في هذا الموضع رفع، لأنه خبر لأن ، وأنشدني بعضهم : " فما رجعت بخائبة ... البيت " . فادخل الباء في فعل لو ألقيت منه ، نصب بالفعل لا بالباء . يقاس على هذا ما أشبهه ؛ وقد ذكر عن بعض القراء أنه قرأ " يقدر " مكان " بقادر " ، كما قرأ حمزة : " وما أنت بهادي العمي " ، وقراءة العوام " بهاد العمي " . أ ه .(4) هذا بيت لم ينسبه المؤلف ، ونقله عن بعض النحويين . وليس في معاني القرآن للفراء . وهو موضع خلاف بين البصريين والكوفيين . فالبصريون يأبون دخول ( إلا ) بعد جواب اليمين ، والكوفيون يجيزونه ويستشهدون بالبيت على ذلك ، كما قال المؤلف .
وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَلَيۡسَ هَٰذَا بِٱلۡحَقِّۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَاۚ قَالَ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ  ٣٤
التفسير الميسرويوم القيامة يُعْرَض الذين كفروا على نار جهنم للعذاب فيقال لهم: أليس هذا العذاب بالحق؟ فيجيبون قائلين: بلى وربنا هو الحق، فيقال لهم: فذوقوا العذاب بما كنتم تجحدون عذاب النار وتنكرونه في الدنيا.
تفسير السعدييخبر تعالى عن حال الكفار الفظيعة عند عرضهم على النار التي كانوا يكذبون بها وأنهم يوبخون ويقال لهم: أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ فقد حضرتموه وشاهدتموه عيانا؟ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا فاعترفوا بذنبهم وتبين كذبهم قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي: عذابا لازما دائما كما كان كفركم صفة لازمة.
تفسير ابن كثيرثم قال متهددا ومتوعدا لمن كفر به : ( ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق ) أي : يقال لهم : أما هذا حق ؟ أفسحر هذا ؟ أم أنتم لا تبصرون ؟ ( قالوا بلى وربنا ) أي : لا يسعهم إلا الاعتراف ، ( قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) ثم قال تعالى آمرا رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالصبر على تكذيب من كذبه من قومه
تفسير القرطبيقوله تعالى : ويوم يعرض الذين كفروا على النار أي ذكرهم يوم يعرضون فيقال لهم : أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا فيقول لهم المقرر : فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون بكفركم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (34)يقول تعالى ذكره: ويوم يعرض هؤلاء المكذّبون بالبعث, وثواب الله عباده على أعمالهم الصالحة, وعقابه إياهم على أعمالهم السيئة, على النار, نار جهنم, يقال لهم حينئذ: أليس هذا العذاب الذي تعذّبونه اليوم, وقد كنتم تكذّبون به في الدنيا بالحقّ, توبيخا من الله لهم على تكذيبهم به, كان في الدنيا( قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا ) يقول: فيجيب هؤلاء الكفرة من فورهم بذلك, بأن يقولوا بلى هو الحق والله قال : ( فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) يقول: فقال لهم المقرّر بذلك: فذوقوا عذاب النار الآن بما كنتم تجحدونه في الدنيا, وتنكرونه, وتأبون الإقرار إذا دُعيتم إلى التصديق به.
فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسۡتَعۡجِل لَّهُمۡۚ كَأَنَّهُمۡ يَوۡمَ يَرَوۡنَ مَا يُوعَدُونَ لَمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّن نَّهَارِۭۚ بَلَٰغٞۚ فَهَلۡ يُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ  ٣٥
التفسير الميسرفاصبر -أيها الرسول- على ما أصابك مِن أذى قومك المكذبين لك، كما صبر أولو العزم من الرسل من قبلك- وهم، على المشهور: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وأنت منهم- ولا تستعجل لقومك العذاب؛ فحين يقع ويرونه كأنهم لم يمكثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار، هذا بلاغ لهم ولغيرهم. ولا يُهْلَكُ بعذاب الله إلا القوم الخارجون عن أمره وطاعته.
تفسير السعديثم أمر تعالى رسوله أن يصبر على أذية المكذبين المعادين له وأن لا يزال داعيا لهم إلى الله وأن يقتدي بصبر أولي العزم من المرسلين سادات الخلق أولي العزائم والهمم العالية الذين عظم صبرهم، وتم يقينهم، فهم أحق الخلق بالأسوة بهم والقفو لآثارهم والاهتداء بمنارهم.فامتثل صلى الله عليه وسلم لأمر ربه فصبر صبرا لم يصبره نبي قبله حتى رماه المعادون له عن قوس واحدة، وقاموا جميعا بصده عن الدعوة إلى الله وفعلوا ما يمكنهم من المعاداة والمحاربة، وهو صلى الله عليه وسلم لم يزل صادعا بأمر الله مقيما على جهاد أعداء الله صابرا على ما يناله من الأذى، حتى مكن الله له في الأرض وأظهر دينه على سائر الأديان وأمته على الأمم، فصلى الله عليه وسلم تسليما.وقوله: وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ أي: لهؤلاء المكذبين المستعجلين للعذاب فإن هذا من جهلهم وحمقهم فلا يستخفنك بجهلهم ولا يحملك ما ترى من استعجالهم على أن تدعو الله عليهم بذلك فإن كل ما هو آت قريب، و كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا في الدنيا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فلا يحزنك تمتعهم القليل وهم صائرون إلى العذاب الوبيل. بَلَاغٌ أي: هذه الدنيا متاعها وشهوتها ولذاتها بلغة منغصة ودفع وقت حاضر قليل.أو هذا القرآن العظيم الذي بينا لكم فيه البيان التام بلاغ لكم، وزاد إلى الدار الآخرة، ونعم الزاد والبلغة زاد يوصل إلى دار النعيم ويعصم من العذاب الأليم، فهو أفضل زاد يتزوده الخلائق وأجل نعمة أنعم الله بها عليهم. فَهَلْ يُهْلَكُ بالعقوبات إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ أي: الذين لا خير فيهم وقد خرجوا عن طاعة ربهم ولم يقبلوا الحق الذي جاءتهم به الرسل.وأعذر الله لهم وأنذرهم فبعد ذلك إذ يستمرون على تكذيبهم وكفرهم نسألالله العصمة.آخر تفسير سورة الأحقاف، والحمد لله رب العالمين
تفسير ابن كثير( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ) أي : على تكذيب قومهم لهم . وقد اختلفوا في تعداد أولي العزم على أقوال ، وأشهرها أنهم : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، وخاتم الأنبياء كلهم محمد - صلى الله عليه وسلم - قد نص الله على أسمائهم من بين الأنبياء في آيتين من سورتي " الأحزاب " و " الشورى " ، وقد يحتمل أن يكون المراد بأولي العزم جميع الرسل ، وتكون ) من ) في قوله : ( من الرسل ) لبيان الجنس ، والله أعلم . وقد قال ابن أبي حاتم :حدثنا محمد بن الحجاج الحضرمي ، حدثنا السري بن حيان ، حدثنا عباد بن عباد ، حدثنا مجالد بن سعيد ، عن الشعبي ، عن مسروق قال : قالت لي عائشة [ رضي الله عنها ] : ظل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صائما ثم طواه ، ثم ظل صائما ثم طواه ، ثم ظل صائما ، [ ثم ] قال : " يا عائشة ، إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد . يا عائشة ، إن الله لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها والصبر عن محبوبها ، ثم لم يرض مني إلا أن يكلفني ما كلفهم ، فقال : ( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ) وإني - والله - لأصبرن كما صبروا جهدي ، ولا قوة إلا بالله "( ولا تستعجل لهم ) أي : لا تستعجل لهم حلول العقوبة بهم ، كقوله : ( وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا ) [ المزمل : 11 ] ، وكقوله ( فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ) [ الطارق : 17 ] .( كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ) ، كقوله ( كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ) [ النازعات : 46 ] ، وكقوله ( ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين ) [ يونس : 45 ] ، [ وحاصل ذلك أنهم استقصروا مدة لبثهم في الدنيا وفي البرزخ حين عاينوا يوم القيامة وشدائدها وطولها ] .وقوله : ( بلاغ ) قال ابن جرير : يحتمل معنيين ، أحدهما : أن يكون تقديره : وذلك لبث بلاغ . والآخر : أن يكون تقديره : هذا القرآن بلاغ .وقوله : ( فهل يهلك إلا القوم الفاسقون ) أي : لا يهلك على الله إلا هالك ، وهذا من عدله تعالى أنه لا يعذب إلا من يستحق العذاب .آخر تفسير سورة الأحقاف .
تفسير القرطبيقوله تعالى : فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون .قوله تعالى : فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل وقال ابن عباس : ذوو الحزم والصبر ، قال مجاهد : هم خمسة : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد عليهم الصلاة والسلام . وهم أصحاب الشرائع . وقال أبو العالية : إن أولي العزم : نوح ، وهود ، وإبراهيم . فأمر الله - عز وجل - نبيه عليه الصلاة والسلام أن يكون رابعهم . وقال السدي : هم ستة : إبراهيم ، وموسى ، وداود ، وسليمان ، وعيسى ، ومحمد ، صلوات الله عليهم أجمعين . وقيل : نوح ، وهود ، وصالح ، وشعيب ، ولوط ، وموسى ، وهم المذكورون على النسق في سورتي ( الأعراف والشعراء ) وقال مقاتل : هم ستة : نوح صبر على أذى قومه مدة . وإبراهيم صبر على النار . وإسحاق صبر على الذبح . ويعقوب صبر على فقد الولد وذهاب البصر . ويوسف صبر على البئر والسجن . وأيوب صبر على الضر . وقال ابن جريج : إن منهم إسماعيل ويعقوب وأيوب ، وليس منهم يونس ولا سليمان ولا آدم . وقال الشعبي والكلبي ومجاهد أيضا : هم الذين أمروا بالقتال فأظهروا المكاشفة وجاهدوا الكفرة . وقيل : هم نجباء الرسل المذكورون في سورة ( الأنعام ) وهم ثمانية عشر : إبراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب ، ونوح ، وداود ، وسليمان ، وأيوب ، ويوسف ، وموسى ، وهارون ، وزكرياء ، ويحيى ، وعيسى ، وإلياس ، وإسماعيل ، واليسع ، ويونس ، ولوط . واختاره الحسن بن الفضل لقوله في عقبه : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده وقال ابن عباس أيضا : كل الرسل كانوا أولي عزم . واختاره علي بن مهدي الطبري ، قال : وإنما دخلت من للتجنيس لا للتبعيض ، كما تقول : اشتريت أردية من البز وأكسية من الخز . أي : اصبر كما صبر الرسل . وقيل : كل الأنبياء أولو عزم إلا يونس بن متى ، ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يكون مثله ، لخفة وعجلة ظهرت منه حين ولى مغاضبا لقومه ، فابتلاه الله بثلاث : سلط عليه العمالقة حتى أغاروا على أهله وماله ، وسلط الذئب على ولده فأكله ، وسلط عليه الحوت فابتلعه ، قال أبو القاسم الحكيم . وقال بعض العلماء : أولو العزم اثنا عشر نبيا أرسلوا إلى بني إسرائيل بالشام فعصوهم ، فأوحى الله إلى الأنبياء أني مرسل عذابي إلى عصاة بني إسرائيل ، فشق ذلك على المرسلين فأوحى الله إليهم اختاروا لأنفسكم ، إن شئتم أنزلت بكم العذاب وأنجيت بني إسرائيل ، وإن شئتم نجيتكم وأنزلت العذاب ببني إسرائيل ، فتشاوروا بينهم فاجتمع رأيهم على أن ينزل بهم العذاب وينجي الله بني إسرائيل ، فأنجى الله بني إسرائيل وأنزل بأولئك العذاب . وذلك أنه سلط عليهم ملوك الأرض ، فمنهم من نشر بالمناشير ، ومنهم من سلخ جلدة رأسه ووجهه ، ومنهم من صلب على الخشب حتى مات ، ومنهم من حرق بالنار . والله أعلم .وقال الحسن : أولو العزم أربعة : إبراهيم ، وموسى ، وداود ، وعيسى ، فأما إبراهيم فقيل له : أسلم قال أسلمت لرب العالمين ثم ابتلي في ماله وولده ووطنه ونفسه ، فوجد صادقا وافيا في جميع ما ابتلي به . وأما موسى فعزمه حين قال له قومه : إنا لمدركون . قال كلا إن معي ربي سيهدين وأما داود فأخطأ خطيئته فنبه عليها ، فأقام يبكي أربعين سنة حتى نبتت من دموعه شجرة ، فقعد تحت ظلها . وأما عيسى فعزمه أنه لم يضع لبنة على لبنة وقال : ( إنها معبرة فاعبروها ولا تعمروها ) فكأن الله تعالى يقول لرسوله - صلى الله عليه وسلم - : اصبر ، أي : كن صادقا فيما ابتليت به مثل صدق إبراهيم ، واثقا بنصرة مولاك مثل ثقة موسى ، مهتما بما سلف من هفواتك مثل اهتمام داود ، زاهدا في الدنيا مثل زهد عيسى . ثم قيل هي : منسوخة بآية السيف . وقيل : محكمة ، والأظهر أنها منسوخة ; لأن السورة مكية . وذكر مقاتل : أن هذه الآية نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد ، فأمره الله - عز وجل - أن يصبر على ما أصابه كما صبر أولو العزم من الرسل ، تسهيلا عليه وتثبيتا له . والله أعلم .ولا تستعجل لهم قال مقاتل : بالدعاء عليهم . وقيل : في إحلال العذاب بهم ، فإن أبعد غاياتهم يوم القيامة . ومفعول الاستعجال محذوف ، وهو العذاب . كأنهم يوم يرون ما يوعدون قال يحيى : من العذاب . النقاش : من الآخرة . لم يلبثوا أي في الدنيا حتى جاءهم العذاب ، وهو مقتضى قول يحيى . وقال النقاش : في قبورهم حتى بعثوا للحساب . إلا ساعة من نهار يعني في جنب يوم القيامة . وقيل : نساهم هول ما عاينوا من العذاب طول لبثهم في الدنيا . بلاغ أي هذا القرآن بلاغ ، قاله الحسن . فبلاغ رفع على إضمار مبتدإ ، دليله قوله تعالى : هذا بلاغ للناس ولينذروا به وقوله : إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين . والبلاغ بمعنى التبليغ . وقيل : أي : إن ذلك اللبث بلاغ ، قاله ابن عيسى ، فيوقف على هذا على بلاغ وعلى نهار وذكر أبو حاتم أن بعضهم وقف على ولا تستعجل ثم ابتدأ لهم على معنى لهم بلاغ . قال ابن الأنباري : وهذا خطأ ، لأنك قد فصلت بين البلاغ وبين اللام ، - وهي رافعة - بشيء ليس منهما . ويجوز في العربية : بلاغا وبلاغ ، النصب على معنى إلا ساعة بلاغا ، على المصدر أو على النعت للساعة . والخفض على معنى من نهار بلاغ . وبالنصب قرأ عيسى بن عمر والحسن . وروي عن بعض القراء ( بلغ ) على الأمر ، فعلى هذه القراءة يكون الوقف على من نهار ثم يبتدئ ( بلغ )فهل يهلك إلا القوم الفاسقون أي الخارجون عن أمر الله ، قاله ابن عباس وغيره . وقرأ ابن محيصن ( فهل يهلك إلا القوم ) على إسناد الفعل إلى القوم . وقال ابن عباس : إذا عسر على المرأة ولدها تكتب هاتين الآيتين والكلمتين في صحيفة ثم تغسل وتسقى منها ، وهي : بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله العظيم الحليم الكريم ، سبحان الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها . كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون صدق الله العظيم . وعن قتادة : لا يهلك الله إلا هالكا مشركا . وقيل : هذه أقوى آية في الرجاء . والله أعلم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35)يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , مثبته على المضيّ لما قلَّده من عبْء الرسالة, وثقل أحمال النبوّة صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , وآمره بالائتساء في العزم على النفوذ لذلك بأولي العزم من قبله من رسله الذين صبروا على عظيم ما لَقُوا فيه من قومهم من المكاره, ونالهم فيه منهم من الأذى والشدائد ( فَاصْبِرْ ) يا محمد على ما أصابك في الله من أذى مكذّبيك من قومك الذين أرسلناك إليهم بالإنذار ( كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) على القيام بأمر الله, والانتهاء إلى طاعته من رسله الذين لم ينههم عن النفوذ لأمره, ما نالهم فيه من شدّة. وقيل: إن أولي العزم منهم, كانوا الذين امتُحِنوا في ذات الله في الدنيا بِالمحَن, فلم تزدهم المحن إلا جدّا في أمر الله, كنوح وإبراهيم وموسى ومن أشبههم.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: ثنى ثوابة بن مسعود, عن عطاء الخُراسانيّ, أنه قال ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) كنا نحدث أن إبراهيم كان منهم.وكان ابن زيد يقول في ذلك ما حدثني به يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) قال: كلّ الرسل كانوا أولي عزم لم يتخذ الله رسولا إلا كان ذا عزم, فاصبر كما صبروا.حدثنا ابن سنان القزّاز, قال: ثنا عبد الله بن رجاء, قال: ثنا إسرائيل, عن سالم, عن سعيد بن جُبير, في قوله ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) قال: سماه الله من شدته العزم.وقوله ( وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ) يقول: ولا تستعجل عليهم بالعذاب, يقول: لا تعجل بمسألتك ربك ذلك لهم فإن ذلك نازل بهم لا محالة ( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ) يقول: كأنهم يوم يرون عذاب الله الذي يعدهم أنه منزله بهم, لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار, لأنه ينسيهم شدّة ما ينزل بهم من عذابه, قدر ما كانوا في الدنيا لبثوا, ومبلغ ما فيها مكثوا من السنين والشهور, كما قال جل ثناؤه: قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ .وقوله بَلاغٌ ) فيه وجهان: أحدهما أن يكون معناه: لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ذلك لبث بلاغ, بمعنى: ذلك بلاغ لهم في الدنيا إلى أجلهم, ثم حذفت ذلك لبث, وهي مرادة في الكلام اكتفاء بدلالة ما ذكر من الكلام عليها. والآخر: أن يكون معناه: هذا القرآن والتذكير بلاغ لهم وكفاية , إن فكَّروا واعتبروا فتذكروا.وقوله ( فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ ) يقول تعالى ذكره: فهل يهلك الله بعذابه إذا أنزله إلا القوم الذين خالفوا أمره, وخرجوا عن طاعته وكفروا به. ومعنى الكلام: وما يهلك الله إلا القوم الفاسقين وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, في قوله ( فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ ) تعلموا ما يهلك على الله إلا هالك ولى الإسلام ظهرَه أو منافق صدّق بلسانه وخالف بعمله. ذُكر لنا أن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كان يقول: " أَيُّمَا عَبْدٍ مِنْ أُمَّتِي هَمَّ بِحَسَنَةٍ كُتِبَتْ لَهُ وَاحِدَةٌ, وَإِنْ عَملها كُتِبَتْ لَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا. وَأَيُّمَا عَبْدٍ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ, فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً, ثُمَّ كَانَ يَتْبَعُهَا, وَيَمْحُوهَا اللَّهُ وَلا يَهْلِكُ إلا هَالِكٌ".آخر تفسير سورة الأحقاف
من نحن

موقع الحياة بالإسلام هو موقع إسلامي، يقدم لكم العديد من المواضيع الاسلامية على منهاج الكتاب و السنة، كما يتضمن بعض قراءات القران الكريم بالرسم العثماني بأصوات اشهر القراء حول العالم

عرض المزيد
إشارات

التين , سُورَةُ هُودٍ , سُورَةُ الجُمُعَةِ , الكوثر , معيض الحارثي , القارئ سيلمان الشبيبي , القارئ عبدالرحمن الشحات , محمد عبدالحكيم سعيد العبدالله , قراءة يعقوب الحضرمي بروايتي رويس وروح , المصحف المعلم , قالون عن نافع من طريق أبي نشيط , خلف عن حمزة ,

عرض المزيد