وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡلَا نُزِّلَتۡ سُورَةٞۖ فَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ مُّحۡكَمَةٞ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلۡقِتَالُ رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ نَظَرَ ٱلۡمَغۡشِيِّ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَأَوۡلَىٰ لَهُمۡ ٢٠التفسير الميسرويقول الذين آمنوا بالله ورسوله: هلا نُزِّلت سورة من الله تأمرنا بجهاد الكفار، فإذا أُنزِلت سورة محكمة بالبيان والفرائض وذُكر فيها الجهاد، رأيت الذين في قلوبهم شك في دين الله ونفاق ينظرون إليك -أيها النبي- نظر الذي قد غُشِيَ عليه خوفَ الموت، فأولى لهؤلاء الذين في قلوبهم مرض أن يطيعوا الله، وأن يقولوا قولا موافقًا للشرع. فإذا وجب القتال وجاء أمر الله بِفَرْضه كره هؤلاء المنافقون ذلك، فلو صدقوا الله في الإيمان والعمل لكان خيرًا لهم من المعصية والمخالفة.
تفسير السعدييقول تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا استعجالا ومبادرة للأوامر الشاقة: لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ أي: فيها الأمر بالقتال. فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ أي: ملزم العمل بها، وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ الذي هو أشق شيء على النفوس، لم يثبت ضعفاء الإيمان على امتثال هذه الأوامر، ولهذا قال: رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ من كراهتهم لذلك، وشدته عليهم.وهذا كقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً
تفسير ابن كثيريقول تعالى مخبرا عن المؤمنين أنهم تمنوا شرعية الجهاد ، فلما فرضه الله - عز وجل - وأمر به نكل عنه كثير من الناس ، كقوله تعالى : ( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا ) [ النساء : 77 ] .وقال هاهنا : ( ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة ) أي : مشتملة على حكم القتال ; ولهذا قال : ( فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ) أي : من فزعهم ورعبهم وجبنهم من لقاء الأعداء . ثم قال مشجعا لهم : ( فأولى لهم)
تفسير القرطبيقوله تعالى : ويقول الذين آمنوا أي المؤمنون المخلصون . لولا نزلت سورة اشتياقا للوحي وحرصا على الجهاد وثوابه . ومعنى لولا هلا . فإذا أنزلت سورة محكمة لا نسخ فيها . قال قتادة : كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة ، وهي أشد القرآن على المنافقين . وفي قراءة عبد الله ( فإذا أنزلت سورة محدثة ) أي : محدثة النزول . وذكر فيها القتال أي فرض فيها الجهاد . وقرئ ( فإذا أنزلت سورة وذكر فيها القتال ) على البناء للفاعل ونصب القتال . رأيت الذين في قلوبهم مرض أي شك ونفاق . ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت أي نظر مغموصين مغتاظين بتحديد وتحديق ، كمن يشخص بصره عند الموت ، وذلك لجبنهم عن القتال جزعا وهلعا ، ولميلهم في السر إلى الكفار .قوله تعالى : فأولى لهم طاعة وقول معروف فأولى لهم قال الجوهري : وقولهم : أولى لك ، تهديد ووعيد . قال الشاعر :فأولى ثم أولى ثم أولى وهل للدر يحلب من مردقال الأصمعي : معناه قاربه ما يهلكه ، أي : نزل به . وأنشد :فعادى بين هاديتين منها وأولى أن يزيد على الثلاثأي : قارب أن يزيد . قال ثعلب : ولم يقل أحد في أولى أحسن مما قال الأصمعي . وقال المبرد : يقال لمن هم بالعطب ثم أفلت : أولى لك ، أي : قاربت العطب . كما روي أن أعرابيا كان يوالي رمي الصيد فيفلت منه فيقول : أولى لك . ثم رمى صيدا فقاربه ثم أفلت منه فقال :فلو كان أولى يطعم القوم صدتهم ولكن أولى يترك القوم جوعاوقيل : هو كقول الرجل لصاحبه : يا محروم ، أي شيء فاتك وقال الجرجاني : هو مأخوذ من الويل ، فهو أفعل ، ولكن فيه قلب ، وهو أن عين الفعل وقع موقع اللام . وقد تم الكلام على قوله : فأولى لهم قال قتادة : كأنه قال العقاب أولى لهم . وقيل : أي : وليهم المكروه .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20)يقول تعالى ذكره: ويقول الذين صدّقوا الله ورسوله: هلا نزلت سورة من الله تأمرنا بجهاد أعداء الله من الكفار ( فَإِذَا أُنزلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ ) يعني: أنها محكمة بالبيان والفرائض. وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله ( فَإِذَا أُنزلَتْ سُورَةٌ مُحْدَثَةٌ ) .وقوله ( وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ ) يقول: وذُكر فيها الأمر بقتال المشركين.وكان قتادة يقول في ذلك ما حدثني بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نزلَتْ &; 22-175 &; سُورَةٌ فَإِذَا أُنزلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ ) قال: كلّ سورة ذُكر فيها الجهاد فهي محكمة, وهي أشدّ القرآن على المنافقين.حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ ) قال كل سورة ذُكر فيها القتال فهي محكمة.وقوله ( رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) يقول: رأيت الذين في قلوبهم شك في دين الله وضعف ( يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ ) يا محمد,( نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ) , خوفا أن تغزيهم وتأمرهم بالجهاد مع المسلمين, فهم خوفا من ذلك وتجبنا عن لقاء العدوّ ينظرون إليك نظر المغشيّ عليه الذي قد صرع. وإنما عنى بقوله ( مِنَ الْمَوْتِ ) من خوف الموت, وكان هذا فعل أهل النفاق.كالذي حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ) قال: هؤلاء المنافقون طبع الله على قلوبهم, فلا يفقهون ما يقول النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.وقوله ( فَأَوْلَى لَهُمْ ) يقول تعالى ذكره: فأولى لهؤلاء الذين في قلوبهم مرض.وقوله ( فَأَوْلَى لَهُمْ ) وعيد توعَّد الله به هؤلاء المنافقين.كما حدثنا محمد بن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( فَأَوْلَى لَهُمْ ) قال: هذه وعيد, فأولى لهم, ثم انقطع الكلام فقال: ( طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ).حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( فَأَوْلَى لَهُمْ ) قال: وعيد كما تسمعون.
طَاعَةٞ وَقَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞۚ فَإِذَا عَزَمَ ٱلۡأَمۡرُ فَلَوۡ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ ٢١التفسير الميسرويقول الذين آمنوا بالله ورسوله: هلا نُزِّلت سورة من الله تأمرنا بجهاد الكفار، فإذا أُنزِلت سورة محكمة بالبيان والفرائض وذُكر فيها الجهاد، رأيت الذين في قلوبهم شك في دين الله ونفاق ينظرون إليك -أيها النبي- نظر الذي قد غُشِيَ عليه خوفَ الموت، فأولى لهؤلاء الذين في قلوبهم مرض أن يطيعوا الله، وأن يقولوا قولا موافقًا للشرع. فإذا وجب القتال وجاء أمر الله بِفَرْضه كره هؤلاء المنافقون ذلك، فلو صدقوا الله في الإيمان والعمل لكان خيرًا لهم من المعصية والمخالفة.
تفسير السعديثم ندبهم تعالى إلى ما هو الأليق بحالهم، فقال: فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أي: فأولى لهم أن يمتثلوا الأمر الحاضر المحتم عليهم، ويجمعوا عليه هممهم، ولا يطلبوا أن يشرع لهم ما هو شاق عليهم، وليفرحوا بعافية الله تعالى وعفوه. فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ أي: جاءهم الأمر جد، وأمر محتم، ففي هذه الحال لو صدقوا الله بالاستعانة به، وبذل الجهد في امتثاله لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ من حالهم الأولى، وذلك من وجوه:منها: أن العبد ناقص من كل وجه، لا قدرة له إلا إن أعانه الله، فلا يطلب زيادة على ما هو قائم بصدده.ومنها: أنه إذا تعلقت نفسه بالمستقبل، ضعف عن العمل، بوظيفة وقته، وبوظيفة المستقبل، أما الحال، فلأن الهمة انتقلت عنه إلى غيره، والعمل تبع للهمة، وأما المستقبل، فإنه لا يجيء حتى تفتر الهمة عن نشاطها فلا يعان عليه.ومنها: أن العبد المؤمل للآمال المستقبلة، مع كسله عن عمل الوقت الحاضر، شبيه بالمتألي الذي يجزم بقدرته، على ما يستقبل من أموره، فأحرى به أن يخذل ولا يقوم بما هم به ووطن نفسه عليه، فالذي ينبغي أن يجمع العبد همه وفكرته ونشاطه على وقته الحاضر، ويؤدي وظيفته بحسب قدرته، ثم كلما جاء وقت استقبله بنشاط وهمة عالية مجتمعة غير متفرقة، مستعينا بربه في ذلك، فهذا حري بالتوفيق والتسديد في جميع أموره.
تفسير ابن كثيرأي : وكان الأولى بهم أن يسمعوا ويطيعوا ، أي : في الحالة الراهنة ، ( فإذا عزم الأمر ) أي : جد الحال ، وحضر القتال ، ( فلو صدقوا الله ) أي : أخلصوا له النية ، ( لكان خيرا لهم )
تفسير القرطبيثم قال : طاعة وقول معروف أي طاعة وقول معروف أمثل وأحسن ، وهو مذهب سيبويه والخليل . وقيل : إن التقدير أمرنا طاعة وقول معروف ، فحذف المبتدأ فيوقف على فأولى لهم وكذا من قدر يقولون منا طاعة . وقيل : إن الآية الثانية متصلة بالأولى . واللام في قوله : لهم بمعنى الباء ، أي : الطاعة أولى وأليق بهم ، وأحق لهم من ترك امتثال أمر الله . وهي قراءة أبي ( يقولون طاعة ) وقيل : إن : طاعة نعت لسورة ، على تقدير : فإذا أنزلت سورة ذات طاعة ، فلا يوقف على هذا على فأولى لهم قال ابن عباس : إن قولهم طاعة إخبار من الله - عز وجل - عن المنافقين . والمعنى لهم طاعة وقول معروف ، قيل : وجوب الفرائض عليهم ، فإذا أنزلت الفرائض شق عليهم نزولها . فيوقف على هذا على فأولىقوله تعالى : فإذا عزم الأمر أي جد القتال ، أو وجب فرض القتال ، كرهوه . فكرهوه جواب إذا وهو محذوف . وقيل : المعنى فإذا عزم أصحاب الأمر . لو صدقوا الله أي في الإيمان والجهاد . لكان خيرا لهم من المعصية والمخالفة .
تفسير الطبريوقوله ( طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ) وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قيل هؤلاء المنافقين من قبل أن تنزل سورة محكمة, ويذكر فيها القتال, وأنهم إذا قيل لهم: إن الله مفترض عليكم الجهاد, قالوا: سمع وطاعة, فقال الله عزّ وجلّ لهم ( فَإِذَا أُنزلَتْ سُورَةٌ ) وفرض القتال فيها عليهم, فشقّ ذلك عليهم, وكرهوه ( طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ) قبل وجوب الفرض عليكم, فإذا عزم الأمر كرهتموه وشقّ عليكم.وقوله ( طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ) مرفوع بمضمر, وهو قولكم قبل نزول فرض القتال ( طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ).ورُوي عن ابن عباس بإسناد غير مرتضى أنه قال: قال الله تعالى ( فَأَوْلَى لَهُمْ ) ثم قال للذين آمنوا منهم ( طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ) فعلى هذا القول تمام الوعيد فأولى, ثم يستأنف بعد, فيقال لهم ( طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ) فتكون الطاعة مرفوعة بقوله ( لهم ).وكان مجاهد يقول في ذلك كما حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ) قال: أمر الله بذلك المنافقين.وقوله ( فَإِذَا عَزَمَ الأمْرُ ) يقول: فإذا وجب القتال وجاء أمر الله بفرض ذلك كرهتموه.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( فَإِذَا عَزَمَ الأمْرُ ) قال: إذا جد الأمر, هكذا قال محمد بن عمرو في حديثه, عن أبي عاصم, وقال الحارث في حديثه, عن الحسن يقول: جدّ الأمر.وقوله ( فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ) يقول تعالى ذكره: فلو صدقوا الله ما وعدوه قبل نزول السورة بالقتال بقولهم: إذ قيل لهم: إن الله سيأمركم بالقتال طاعة, فَوَفَّوا له بذلك, لكان خيرا لهم في عاجل دنياهم, وآجل معادهم.كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( فَإِذَا عَزَمَ الأمْرُ ) يقول: طواعيه الله ورسوله, وقول معروف عند حقائق الأمور خير لهم.حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن مَعمر, عن قتادة يقول: طاعة الله وقول بالمعروف عند حقائق الأمور خير لهم.
فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن تَوَلَّيۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ ٢٢التفسير الميسرفلعلكم إن أعرضتم عن كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن تعصوا الله في الأرض، فتكفروا به وتسفكوا الدماء وتُقَطِّعوا أرحامكم.
تفسير السعديثم ذكر تعالى حال المتولي عن طاعة ربه، وأنه لا يتولى إلى خير، بل إلى شر، فقال: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أي: فهما أمران، إما التزام لطاعة الله، وامتثال لأوامره، فثم الخير والرشد والفلاح، وإما إعراض عن ذلك، وتولٍ عن طاعة الله، فما ثم إلا الفساد في الأرض بالعمل بالمعاصي وقطيعة الأرحام.
تفسير ابن كثيروقوله : ( فهل عسيتم إن توليتم ) أي : عن الجهاد ونكلتم عنه ، ( أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ) أي : تعودوا إلى ما كنتم فيه من الجاهلية الجهلاء ، تسفكون الدماء وتقطعون الأرحام
تفسير القرطبيقوله تعالى : قوله تعالى : فهل عسيتم إن توليتم اختلف في معنى إن توليتم فقيل : هو من الولاية . قال أبو العالية : المعنى فهل عسيتم إن توليتم الحكم فجعلتم حكاما أن تفسدوا في الأرض بأخذ الرشا . وقال الكلبي : أي : فهل عسيتم إن توليتم أمر الأمة أن تفسدوا في الأرض بالظلم . وقال ابن جريج : المعنى فهل عسيتم إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي وقطع الأرحام . وقال كعب : المعنى فهل عسيتم إن توليتم الأمر أن يقتل بعضكم بعضا . وقيل : من الإعراض عن الشيء . قال قتادة : أي : فهل عسيتم إن توليتم عن كتاب الله أن تفسدوا في الأرض بسفك الدماء الحرام ، وتقطعوا أرحامكم . وقيل : فهل عسيتم أي : فلعلكم إن أعرضتم عن القرآن وفارقتم أحكامه أن تفسدوا في الأرض فتعودوا إلى جاهليتكم . وقرئ بفتح السين وكسرها . وقد مضى في ( البقرة ) القول فيه مستوفى . وقال بكر المزني : إنها نزلت في الحرورية والخوارج ، وفيه بعد . والأظهر أنه إنما عني بها المنافقون . وقال ابن حيان : قريش . ونحوه قال المسيب بن شريك والفراء ، قالا : نزلت في بني أمية وبني هاشم ، ودليل هذا التأويل ما روى عبد الله بن مغفل قال سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : [ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض - ثم قال - هم هذا الحي من قريش أخذ الله عليهم إن ولوا الناس ألا يفسدوا في الأرض ولا يقطعوا أرحامهم ] . وقرأ علي بن أبي طالب ( إن توليتم أن تفسدوا في الأرض ) بضم التاء والواو وكسر اللام . وهي قراءة ابن أبي إسحاق ، ورواها رويس عن يعقوب . يقول : إن وليتكم ولاة جائرة خرجتم معهم في الفتنة وحاربتموهم . وتقطعوا أرحامكم بالبغي والظلم والقتل . وقرأ يعقوب وسلام وعيسى وأبو حاتم ( وتقطعوا ) بفتح التاء وتخفيف القاف ، من القطع ، اعتبارا بقوله تعالى : ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل . وروى هذه القراءة هارون عن أبى عمرو .وقرأ الحسن ( وتقطعوا ) مفتوحة الحروف مشددة ، اعتبارا بقوله تعالى : وتقطعوا أمرهم بينهم . الباقون وتقطعوا بضم التاء مشددة الطاء ، من التقطيع على التكثير ، وهو اختيار أبي عبيد . وتقدم ذكر عسيتم في ( البقرة ) . وقال الزجاج في قراءة نافع : لو جاز هذا لجاز ( عسي ) بالكسر . قال الجوهري : ويقال عسيت أن أفعل ذلك ، وعسيت بالكسر . وقرئ ( فهل عسيتم ) بالكسر .قلت : ويدل قوله هذا على أنهما لغتان . وقد مضى القول فيه في ( البقرة ) مستوفى .في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت هذا مقام العائذ من القطيعة قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت بلى قال فذاك لك - ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - اقرءوا إن شئتم فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم . أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم . أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها . وظاهر الآية أنها خطاب لجميع الكفار .وقال قتادة وغيره : معنى الآية فلعلكم ، أو يخاف عليكم ، إن أعرضتم عن الإيمان أن تعودوا إلى الفساد في الأرض لسفك الدماء . قال قتادة : كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله تعالى ألم يسفكوا الدماء الحرام ويقطعوا الأرحام وعصوا الرحمن . فالرحم على هذا رحم دين الإسلام والإيمان ، التي قد سماها الله إخوة بقوله تعالى : إنما المؤمنون إخوة وعلى قول الفراء أن الآية نزلت في بني هاشم وبني أمية ، والمراد من أضمر منهم نفاقا ، فأشار بقطع الرحم إلى ما كان بينهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - من القرابة بتكذيبهم النبي - صلى الله عليه وسلم - . وذلك يوجب القتال .وبالجملة فالرحم على وجهين : عامة وخاصة ، فالعامة رحم الدين ، ويوجب مواصلتها بملازمة الإيمان والمحبة لأهله ونصرتهم ، والنصيحة وترك مضارتهم والعدل بينهم ، والنصفة في معاملتهم والقيام بحقوقهم الواجبة ، كتمريض المرضى وحقوق الموتى من غسلهم والصلاة عليهم ودفنهم ، وغير ذلك من الحقوق المترتبة لهم . وأما الرحم الخاصة وهي رحم القرابة من طرفي الرجل أبيه وأمه ، فتجب لهم الحقوق الخاصة وزيادة ، كالنفقة وتفقد أحوالهم ، وترك . التغافل عن تعاهدهم في أوقات ضروراتهم ، وتتأكد في حقهم حقوق الرحم العامة ، حتى إذا تزاحمت الحقوق بدئ بالأقرب فالأقرب . وقال بعض أهل العلم : إن الرحم التي تجب صلتها هي كل رحم محرم وعليه فلا تجب في بني الأعمام وبني الأخوال .وقيل : بل هذا في كل رحم ممن ينطلق عليه ذلك من ذوي الأرحام في المواريث ، محرما كان أو غير محرم . فيخرج من هذا أن رحم الأم التي لا يتوارث بها لا تجب صلتهم ولا يحرم قطعهم . وهذا ليس بصحيح ، والصواب أن كل ما يشمله ويعمه الرحم تجب صلته على كل حال ، قربة ودينية ، على ما ذكرناه أولا والله أعلم .قد روى أبو داود الطيالسي في مسنده قال : حدثنا شعبة قال أخبرني محمد بن عبد الجبار قال سمعت محمد بن كعب القرظي يحدث عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن للرحم لسانا يوم القيامة تحت العرش يقول يا رب قطعت يا رب ظلمت يا رب أسيء إلي فيجيبها ربها ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك . وفي صحيح مسلم عن جبير بن مطعم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يدخل الجنة قاطع . قال ابن أبي عمر قال سفيان : يعني قاطع رحم . ورواه البخاري .قوله - عليه السلام - : إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم . . . خلق بمعنى اخترع وأصله التقدير ، كما تقدم . والخلق هنا بمعنى المخلوق . ومنه قوله تعالى : هذا خلق الله أي : مخلوقه . ومعنى فرغ منهم كمل خلقهم . لا أنه اشتغل بهم ثم فرغ من شغله بهم ، إذ ليس فعله بمباشرة ولا مناولة ، ولا خلقه بآلة ولا محاولة ، تعالى عن ذلك . وقوله : قامت الرحم فقالت يحمل على أحد وجهين : أحدهما : أن يكون الله تعالى أقام من يتكلم عن الرحم من الملائكة فيقول ذلك ، وكأنه وكل بهذه العبادة من يناضل عنها ويكتب ثواب من وصلها ووزر من قطعها ، كما وكل الله بسائر الأعمال كراما كاتبين ، وبمشاهدة أوقات الصلوات ملائكة متعاقبين . وثانيهما : أن ذلك على جهة التقدير والتمثيل المفهم للإعياء وشدة الاعتناء . فكأنه قال : لو كانت الرحم ممن يعقل ويتكلم لقالت هذا الكلام ، كما قال تعالى : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ثم قال وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون . وقوله : فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة مقصود هذا الكلام الإخبار بتأكد أمر صلة الرحم ، وأن الله سبحانه قد نزلها بمنزلة من استجار به فأجاره ، وأدخله في ذمته وخفارته . وإذا كان كذلك فجار الله غير مخذول وعهده غير منقوض ، ولذلك قال مخاطبا للرحم : ( أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ) . وهذا كما قال - عليه السلام - : ومن صلى الصبح فهو في ذمة الله تعالى فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فإنه من يطلبه بذمته بشيء يدركه ثم يكبه في النار على وجهه .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22)يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين وصف أنهم إذا نزلت سورة محكمة, وذُكر فيها القتال نظروا إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم نظر المغشيّ عليه ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ ) أيها القوم, يقول: فلعلكم إن توليتم عن تنزيل الله جلّ ثناؤه, وفارقتم أحكام كتابه, وأدبرتم عن محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وعما جاءكم به ( أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ ) يقول: أن تعصوا الله في الأرض, فتكفروا به, وتسفكوا فيها الدماء ( وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) وتعودوا لما كنتم عليه في جاهليتكم من التشتت والتفرّق بعد ما قد جمعكم الله بالإسلام, وألَّف به بين قلوبكم.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ )... الآية. يقول: فهل عسيتم كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله, ألم يسفكوا الدم الحرام, وقطَّعوا الأرحام, وعَصَوا الرحمن.حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) قال: فعلوا.حدثني محمد بن عبد الرحيم البرقي, قال: ثنا ابن أبي مريم, قال: أخبرنا محمد بن جعفر وسليمان بن بلال, قالا ثنا معاوية بن أبي المزرّد المديني, عن سعيد بن يسار, عن أبي هريرة, عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أنه قال: " خَلَقَ اللّهُ الخَلْقَ, فَلَمَّا فَرغ مِنْهُمْ تَعَلَّقَتِ الرَّحِمُ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ فَقالَ مَهْ: فَقالَتْ: هَذَا مَقامُ العائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ, قالَ: أَفمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ, وَأصِلَ مَنْ وَصَلَكِ؟ قالَتْ: نَعَمْ, قالَ: فَذلكِ لَكِ".قال سليمان في حديثه: قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) وقد تأوّله بعضهم: فهل عسيتم إن توليتم أمور الناس أن تفسدوا في الأرض بمعنى الولاية, وأجمعت القرّاء غير نافع على فتح السين من عَسَيتم , وكان نافع يكسرها عَسِيتم.والصواب عندنا قراءة ذلك بفتح السين لإجماع الحجة من القرّاء عليها, وأنه لم يسمع في الكلام: عَسِيَ أخوك يقوم, بكسر السين وفتح الياء; ولو كان صوابا كسرها إذا اتصل بها مكنّى, جاءت بالكسر مع غير المكنّى, وفي إجماعهم على فتحها مع الاسم الظاهر, الدليل الواضح على أنها كذلك مع المكنّى, وإن التي تَلِي عسيتم مكسورة, وهي حرف حزاء, و " أن " التي مع تفسدوا في موضع نصب بعسيتم.
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمۡ وَأَعۡمَىٰٓ أَبۡصَٰرَهُمۡ ٢٣التفسير الميسرأولئك الذين أبعدهم الله من رحمته، فجعلهم لا يسمعون ما ينفعهم ولا يبصرونه، فلم يتبينوا حجج الله مع كثرتها.
تفسير السعدي أُولَئِكَ الَّذِينَ أفسدوا في الأرض، وقطعوا أرحامهم لَعَنَهُمُ اللَّهُ بأن أبعدهم عن رحمته، وقربوا من سخط الله. فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ أي: جعلهم لا يسمعون ما ينفعهم ولا يبصرونه، فلهم آذان، ولكن لا تسمع سماع إذعان وقبول، وإنما تسمع سماعا تقوم به حجة الله عليها، ولهم أعين، ولكن لا يبصرون بها العبر والآيات، ولا يلتفتون بها إلى البراهين والبينات.
تفسير ابن كثيرولهذا قال : ( أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ) وهذا نهي عن الإفساد في الأرض عموما ، وعن قطع الأرحام خصوصا ، بل قد أمر [ الله ] تعالى بالإصلاح في الأرض وصلة الأرحام ، وهو الإحسان إلى الأقارب في المقال والأفعال وبذل الأموال . وقد وردت الأحاديث الصحاح والحسان بذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من طرق عديدة ، ووجوه كثيرة .قال البخاري : حدثنا خالد بن مخلد ، حدثنا سليمان ، حدثني معاوية بن أبي مزرد ، عن سعيد بن يسار ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " خلق الله الخلق ، فلما فرغ منه قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن عز وجل ، فقال : مه ! فقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة ، فقال : ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ؟ قالت : بلى ، قال : فذاك . قال أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم : ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ) .ثم رواه البخاري من طريقين آخرين ، عن معاوية بن أبي مزرد به . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اقرءوا إن شئتم : ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم . ) ورواه مسلم من حديث معاوية بن أبي مزرد به .وقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل أخبرنا عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن ، عن أبيه ، عن أبي بكرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما من ذنب أحرى أن يعجل الله عقوبته في الدنيا - مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة - من البغي وقطيعة الرحم " .رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث إسماعيل - هو ابن علية - به . وقال الترمذي : هذا حديث صحيح .وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا ميمون أبو محمد المرئي ، حدثنا محمد بن عباد المخزومي ، عن ثوبان ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من سره النساء في الأجل ، والزيادة في الرزق ، فليصل رحمه " ، تفرد به أحمد ، وله شاهد في الصحيح .وقال أحمد أيضا : حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا حجاج بن أرطاة ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله إن لي ذوي أرحام ، أصل ويقطعون ، وأعفو ويظلمون ، وأحسن ويسيئون ، أفأكافئهم ؟ قال : " لا إذن تتركون جميعا ، ولكن جد بالفضل وصلهم ; فإنه لن يزال معك ظهير من الله - عز وجل - ما كنت على ذلك " .تفرد به من هذا الوجه ، وله شاهد من وجه آخر .وقال الإمام أحمد : حدثنا يعلى ، حدثنا فطر ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الرحم معلقة بالعرش ، وليس الواصل بالمكافئ ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها " ، رواه البخاري .وقال أحمد : حدثنا بهز ، حدثنا حماد بن سلمة ، أخبرنا قتادة ، عن أبي ثمامة الثقفي ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " توضع الرحم يوم القيامة لها حجنة كحجنة المغزل ، تتكلم بلسان طلق ذلق ، فتصل من وصلها وتقطع من قطعها " .وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، حدثنا عمرو ، عن أبي قابوس ، عن عبد الله بن عمرو - يبلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " الراحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء ، والرحم شجنة من الرحمن ، من وصلها وصلته ، ومن قطعها بتته " .وقد رواه أبو داود والترمذي من حديث سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار به . وهذا هو الذي يروى بتسلسل الأولية ، وقال الترمذي : حسن صحيح .وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا هشام الدستوائي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ أن أباه حدثه : أنه دخل على عبد الرحمن بن عوف وهو مريض ، فقال له عبد الرحمن : وصلتك رحم ، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " قال الله عز وجل : أنا الرحمن ، خلقت الرحم وشققت لها من اسمي ، فمن يصلها أصله ، ومن يقطعها أقطعه فأبته - أو قال : من يبتها أبته " .تفرد به من هذا الوجه . ورواه أحمد أيضا من حديث الزهري ، عن أبي سلمة ، عن الرداد - أو أبي الرداد - عن عبد الرحمن بن عوف به . ورواه أبو داود والترمذي من رواية أبي سلمة ، عن أبيه . والأحاديث في هذا كثيرة .وقال الطبراني : حدثنا علي بن عبد العزيز ، حدثنا محمد بن عمار الموصلي ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن محمد بن عبد الله بن علاثة ، عن الحجاج بن الفرافصة ، عن أبي عمر البصري ، عن سلمان قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف " .وبه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا ظهر القول ، وخزن العمل ، وائتلفت الألسنة ، وتباغضت القلوب ، وقطع كل ذي رحم رحمه ، فعند ذلك لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم " .
تفسير القرطبيأولئك الذين لعنهم الله أي طردهم وأبعدهم من رحمته . فأصمهم عن الحق . وأعمى أبصارهم أي قلوبهم عن الخير . فأتبع الأخبار بأن من فعل ذلك حقت عليه لعنته ، وسلبه الانتفاع بسمعه وبصره حتى لا ينقاد للحق وإن سمعه ، فجعله كالبهيمة التي لا تعقل . وقال : فهل عسيتم ثم قال : أولئك الذين لعنهم الله فرجع من الخطاب إلى الغيبة على عادة العرب في ذلك .
تفسير الطبريوقوله ( أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ) يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين يفعلون هذا, يعني الذين يفسدون ويقطعون الأرحام الذين لعنهم الله, فأبعدهم من رحمته فأصمهم ، يقول: فسلبهم فَهْمَ ما يسمعون بآذانهم من مواعظ الله في تنزيله ( وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) يقول: وسلبهم عقولهم, فلا يتبيَّنون حُجج الله, ولا يتذكَّرون ما يرون من عبره وأدلته.
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ ٢٤التفسير الميسرأفلا يتدبر هؤلاء المنافقون مواعظ القرآن ويتفكرون في حججه؟ بل هذه القلوب مغلَقة لا يصل إليها شيء من هذا القرآن، فلا تتدبر مواعظ الله وعبره.
تفسير السعديأي: فهلا يتدبر هؤلاء المعرضون لكتاب الله، ويتأملونه حق التأمل، فإنهم لو تدبروه، لدلهم على كل خير، ولحذرهم من كل شر، ولملأ قلوبهم من الإيمان، وأفئدتهم من الإيقان، ولأوصلهم إلى المطالب العالية، والمواهب الغالية، ولبين لهم الطريق الموصلة إلى الله، وإلى جنته ومكملاتها ومفسداتها، والطريق الموصلة إلى العذاب، وبأي شيء تحذر، ولعرفهم بربهم، وأسمائه وصفاته وإحسانه، ولشوقهم إلى الثواب الجزيل، ورهبهم من العقاب الوبيل. أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا أي: قد أغلق على ما فيها من الشر وأقفلت، فلا يدخلها خير أبدا؟ هذا هو الواقع.
تفسير ابن كثيريقول تعالى آمرا بتدبر القرآن وتفهمه ، وناهيا عن الإعراض عنه ، فقال : ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) أي : بل على قلوب أقفالها ، فهي مطبقة لا يخلص إليها شيء من معانيه .قال ابن جرير : حدثنا بشر ، قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد قال : حدثنا حماد بن زيد ، حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه قال : تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما : ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) ، فقال شاب من أهل اليمن : بل عليها أقفالها حتى يكون الله عز وجل يفتحها أو يفرجها . فما زال الشاب في نفس عمر - رضي الله عنه - حتى ولي ، فاستعان به .
تفسير القرطبيقوله تعالى : أفلا يتدبرون القرآن أي يتفهمونه فيعلمون ما أعد الله للذين لم يتولوا عن الإسلام . أم على قلوب أقفالها أي بل على قلوب أقفال أقفلها الله - عز وجل - عليهم فهم لا يعقلون . وهذا يرد على القدرية والإمامية مذهبهم . وفي حديث مرفوع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : [ إن عليها أقفالا كأقفال الحديد حتى يكون الله يفتحها ] . وأصل القفل اليبس والصلابة . ويقال لما يبس من الشجر : القفل . والقفيل مثله . والقفيل أيضا نبت . والقفيل : الصوت . قال الراجز :لما أتاك يابسا قرشبا قمت إليه بالقفيل ضرباكيف قريت شيخك الأزباالقرشب ( بكسر القاف ) المسن ، عن الأصمعي . وأقفله الصوم أي : أيبسه ، قاله القشيري والجوهري . فالأقفال هاهنا إشارة إلى ارتجاج القلب وخلوه عن الإيمان . أي : لا يدخل قلوبهم الإيمان ولا يخرج منها الكفر ; لأن الله تعالى طبع على قلوبهم وقال : على قلوب لأنه لو قال على قلوبهم لم يدخل قلب غيرهم في هذه الجملة . والمراد أم على قلوب هؤلاء وقلوب من كانوا بهذه الصفة أقفالها .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)يقول تعالى ذكره: أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون مواعظ الله التي يعظهم بها في آي القرآن الذي أنزله على نبيه عليه الصلاة والسلام , ويتفكَّرون في حُججه التي بيَّنها لهم في تنزيله فيعلموا بها خطأ ما هم عليه مقيمون ( أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) يقول: أم أقفل الله على قلوبهم فلا يعقلون ما أنزل الله في كتابه من المواعظ والعِبَر.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) إذا والله يجدون في القرآن زاجرا عن معصية الله, لو تدبره القوم فعقلوه, ولكنهم أخذوا بالمتشابه فهلكوا عند ذلك.حدثنا إسماعيل بن حفص الأيلي, قال: ثنا الوليد بن مسلم, عن ثور بن يزيد, عن خالد بن مَعدان, قال: ما من آدميّ إلا وله أربع أعين: عينان في رأسه لدنياه, وما يصلحه من معيشته, وعينان في قلبه لدينه, وما وعد الله من الغيب, فإذا أراد الله بعبد خيرا أبصرت عيناه اللتان في قلبه, وإذا أراد الله به غير ذلك طَمسَ عليهما, فذلك قوله ( أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ).حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا ثور بن يزيد, قال: ثنا خالد بن معدان, قال: ما من الناس أحد إلا وله أربع أعين, عينان في وجهه لمعيشته, وعينان في قلبه, وما من أحد إلا وله شيطان متبطن فقار ظهره, عاطف عنقه على عنقه, فاغر فاه إلى ثمرة قلبه, فإذا أراد الله بعبد خيرا أبصرت عيناه اللتان في قلبه ما وعد الله من الغيب, فعمل به, وهما غيب, فعمل بالغيب, وإذا أراد الله بعبد شرّا تركه, ثم قرأ ( أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ).حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا الحكم, قال: ثنا عمرو, عن ثور, عن خالد بن مَعدَان بنحوه, إلا أنه قال: ترك القلب على ما فيه.حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, قال: ثنا حماد بن زيد, قال: ثنا هشام بن عروة, عن أبيه قال: " تلا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يوما( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) فقال شاب من أهل اليمن: بل عليها أقفالها, حتى يكون الله عزّ وجلّ يفتحها أو يفرجها, فما زال الشاب في نفس عمر رضي الله عنه حتى ولي فاستعان به ".
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَى ٱلشَّيۡطَٰنُ سَوَّلَ لَهُمۡ وَأَمۡلَىٰ لَهُمۡ ٢٥التفسير الميسرإن الذين ارتدُّوا عن الهدى والإيمان، ورجعوا على أعقابهم كفارًا بالله من بعد ما وَضَح لهم الحق، الشيطان زيَّن لهم خطاياهم، ومدَّ لهم في الأمل.
تفسير السعدييخبر تعالى عن حالة المرتدين عن الهدى والإيمان على أعقابهم إلى الضلال والكفران، ذلك لا عن دليل دلهم ولا برهان، وإنما هو تسويل من عدوهم الشيطان وتزيين لهم، وإملاء منه لهم: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا
تفسير ابن كثيرثم قال تعالى : ( إن الذين ارتدوا على أدبارهم ) أي : فارقوا الإيمان ورجعوا إلى الكفر ، ( من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم ) أي : زين لهم ذلك وحسنه ، ( وأملى لهم ) أي : غرهم وخدعهم
تفسير القرطبيقوله تعالى : إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم .قال قتادة : هم كفار أهل الكتاب ، كفروا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بعدما عرفوا نعته عندهم ، قاله ابن جريج . وقال ابن عباس والضحاك والسدي : هم المنافقون ، قعدوا عن القتال بعدما علموه في القرآن .الشيطان سول لهم أي زين لهم خطاياهم ، قاله الحسن . وأملى لهم أي مد لهم الشيطان في الأمل ووعدهم طول العمر ، عن الحسن أيضا . وقال : إن الذي أملى لهم في الأمل ومد في آجالهم هو الله عز وجل ، قاله الفراء والمفضل . وقال الكلبي ومقاتل : إن معنى أملى لهم أمهلهم ، فعلى هذا يكون الله تعالى أملى لهم بالإمهال في عذابهم . وقرأ أبو عمرو وابن إسحاق وعيسى بن عمرو وأبو جعفر وشيبة ( وأملي لهم ) بضم الهمزة وكسر اللام وفتح الياء ، على ما لم يسم فاعله . وكذلك قرأ ابن هرمز ومجاهد والجحدري ويعقوب ، إلا أنهم سكنوا الياء على وجه الخبر من الله تعالى عن نفسه أنه يفعل ذلك بهم ، كأنه قال : وأنا أملي لهم . واختاره أبو حاتم ، قال : لأن فتح الهمزة يوهم أن الشيطان يملي لهم ، وليس كذلك ، فلهذا عدل إلى الضم . قال المهدوي : ومن قرأ وأملى لهم فالفاعل اسم الله تعالى . وقيل : الشيطان . واختار أبو عبيد قراءة العامة ، قال : لأن المعنى معلوم ، لقوله : لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه رد التسبيح على اسم الله ، والتوقير والتعزير على اسم الرسول .
تفسير الطبريوقوله ( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ) يقول الله عزّ وجلّ إن الذين رجعوا القهقرى على أعقابهم كفارا بالله من بعد ما تبين لهم الحقّ وقصد السبيل, فعرفوا واضح الحجة, ثم آثروا الضلال على الهدى عنادا لأمر الله تعالى ذكره من بعد العلم.كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ) هم أعداء الله أهل الكتاب, يعرفون بعث محمد نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وأصحابه عندهم, ثم يكفرون به.حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ) إنهم يجدونه مكتوبا عندهم.وقال آخرون: عنى بذلك أهل النفاق.* ذكر من قال ذلك:حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ )... إلى قوله فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ هم أهل النفاق.حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثنى عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ )... إلى إِسْرَارَهُمْ هم أهل النفاق. وهذه الصفة بصفة أهل النفاق عندنا, أشبه منها بصفة أهل الكتاب, وذلك أن الله عزّ وجلّ أخبر أن ردّتهم كانت بقيلهم لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ ولو كانت من صفة أهل الكتاب, لكان في وصفهم بتكذيب محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم الكفاية من الخبر عنهم بأنهم إنما ارتدّوا من أجل قيلهم ما قالوا.وقوله ( الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ) يقول تعالى ذكره: الشيطان زين لهم ارتدادهم على أدبارهم, من بعد ما تبين لهم الهدى.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ) يقول: زين لهم.حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( سَوَّلَ لَهُمْ ) يقول: زين لهم.وقوله ( وَأَمْلَى لَهُمْ ) يقول: ومدّ الله لهم في آجالهم مُلاوة من الدهر, ومعنى الكلام: الشيطان سوّل لهم, والله أملى لهم.واختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء الحجاز والكوفة ( وَأَمْلَى لَهُمْ ) بفتح الألف منها بمعنى: وأملى الله لهم. وقرأ ذلك بعض أهل المدينة والبصرة ( وَأُمْلِيَ لَهُمْ ) على وجه ما لم يسمّ فاعله. وقرأ مجاهد فيما ذُكر عنه ( وَأُمْلِي ) بضم الألف وإرسال الياء على وجه الخبر من الله جلّ ثناؤه عن نفسه أنه يفعل ذلك بهم.وأولى هذه القراءات بالصواب, التي عليها عامة قرّاء الحجاز والكوفة من &; 22-182 &; فتح الألف في ذلك, لأنها القراءة المستفيضة في قراءة الأمصار, وإن كان يجمعها مذهب تتقارب معانيها فيه.
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمۡ فِي بَعۡضِ ٱلۡأَمۡرِۖ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِسۡرَارَهُمۡ ٢٦التفسير الميسرذلك الإمداد لهم حتى يتمادوا في الكفر؛ بسبب أنهم قالوا لليهود الذين كرهوا ما نزل الله: سنطيعكم في بعض الأمر الذي هو خلاف لأمر الله وأمر رسوله، والله تعالى يعلم ما يخفيه هؤلاء ويسرونه، فليحذر المسلم من طاعة غير الله فيما يخالف أمر الله سبحانه، وأمر رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
تفسير السعديوذلك أنهم قد تبين لهم الهدى، فزهدوا فيه ورفضوه، و قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ من المبارزين العداوة لله ولرسوله سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ أي: الذي يوافق أهواءهم، فلذلك عاقبهم الله بالضلال، والإقامة على ما يوصلهم إلى الشقاء الأبدي، والعذاب السرمدي. وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ فلذلك فضحهم، وبينها لعباده المؤمنين، لئلا يغتروا بها.
تفسير ابن كثير( ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر ) أي : مالئوهم وناصحوهم في الباطن على الباطل ، وهذا شأن المنافقين يظهرون خلاف ما يبطنون ; ولهذا قال الله عز وجل : ( والله يعلم إسرارهم ) أي : [ يعلم ] ما يسرون وما يخفون ، الله مطلع عليه وعالم به ، كقوله : ( والله يكتب ما يبيتون ) [ النساء : 81 ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم .قوله تعالى : ذلك بأنهم قالوا أي ذلك الإملاء لهم حتى يتمادوا في الكفر بأنهم قالوا ، يعني المنافقين واليهود . للذين كرهوا ما نزل الله وهم المشركون . سنطيعكم في بعض الأمر أي في مخالفة محمد والتظاهر على عداوته ، والقعود عن الجهاد معه وتوهين أمره في السر . وهم إنما قالوا ذلك سرا فأخبر الله نبيه . وقراءة العامة ( أسرارهم ) بفتح الهمزة جمع سر ، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم . وقرأ الكوفيون وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم ( إسرارهم ) بكسر الهمزة على المصدر ، نحو قوله تعالى : وأسررت لهم إسرارا جمع لاختلاف ضروب السر .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26)يقول تعالى ذكره: أملى الله لهؤلاء المنافقين وتركهم, والشيطان سول لهم, فلم يوفقهم للهدى من أجل أنهم ( قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نزلَ اللَّهُ ) من الأمر بقتال أهل الشرك به من المنافقين: ( سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأمْرِ ) الذي هو خلاف لأمر الله تبارك وتعالى , وأمر رسوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نزلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأمْرِ ) فهؤلاء المنافقون ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ) يقول تعالى ذكره: والله يعلم إسرار هذين الحزبين المتظاهرين من أهل النفاق, على خلاف أمر الله وأمر رسوله, إذ يتسارّون فيما بينهم بالكفر بالله ومعصية الرسول, ولا يخفى عليه ذلك ولا غيره من الأمور كلها.واختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة ( أَسْرَارَهُمْ ) بفتح الألف من أسرارهم على وجه جماع سرّ. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة ( إِسْرَارَهُمْ ) بكسر الألف على أنه مصدر من أسررت إسرارا.والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
فَكَيۡفَ إِذَا تَوَفَّتۡهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ ٢٧التفسير الميسرفكيف حالهم إذا قبضت الملائكة أرواحهم وهم يضربون وجوههم وأدبارهم؟
تفسير السعدي فَكَيْفَ ترى حالهم الشنيعة، ورؤيتهم الفظيعة إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَة الموكلون بقبض أرواحهم، يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ بالمقامع الشديدة؟!.
تفسير ابن كثيرثم قال : ( فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ) أي : كيف حالهم إذا جاءتهم الملائكة لقبض أرواحهم وتعصت الأرواح في أجسادهم ، واستخرجتها الملائكة بالعنف والقهر والضرب ، كما قال : ( ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ) الآية [ الأنفال : 50 ] ، وقال : ( ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم ) أي : بالضرب ( أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ) [ الأنعام : 93 ] ; ولهذا قال هاهنا : ( ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم )
تفسير القرطبيقوله تعالى : ( فكيف ) أي فكيف تكون حالهم . ( إذا توفتهم الملائكة يضربون ) أي ضاربين ، فهو في موضع الحال . ومعنى الكلام التخويف والتهديد ، أي : إن تأخر عنهم العذاب فإلى انقضاء العمر . وقد مضى في ( الأنفال ) و ( النحل ) وقال ابن عباس : لا يتوفى أحد على معصية إلا بضرب شديد لوجهه وقفاه . وقيل : ذلك عند القتال نصرة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، بضرب الملائكة وجوههم عند الطلب وأدبارهم عند الهرب . وقيل : ذلك في القيامة عند سوقهم إلى النار .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27)يقول تعالى ذكره: والله يعلم إسرار هؤلاء المنافقين, فكيف لا يعلم حالهم إذا توفتهم الملائكة, وهم يضربون وجوههم وأدبارهم, يقول: فحالهم أيضا لا يخفى عليه في ذلك الوقت ويعني بالأدبار: الأعجاز, وقد ذكرنا الرواية في ذلك فيما مضى قبل.
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسۡخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضۡوَٰنَهُۥ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٢٨التفسير الميسرذلك العذاب الذي استحقوه ونالوه؛ بسبب أنهم اتبعوا ما أسخط الله عليهم من طاعة الشيطان، وكرهوا ما يرضيه عنهم من العمل الصالح، ومنه قتال الكفار بعدما افترضه عليهم، فأبطل الله ثواب أعمالهم من صدقة وصلة رحم وغير ذلك.
تفسير السعدي ذَلِكَ العذاب الذي استحقوه ونالوه ب سبب أنهم اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ من كل كفر وفسوق وعصيان. وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فلم يكن لهم رغبة فيما يقربهم إليه، ولا يدنيهم منه، فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ أي: أبطلها وأذهبها، وهذا بخلاف من اتبع ما يرضي الله وكره سخطه، فإنه سيكفر عنه سيئاته، ويضاعف أجره وثوابه.
تفسير ابن كثير
تفسير القرطبيقوله تعالى : ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم .قوله تعالى : ( ذلك ) أي ذلك جزاؤهم . بأنهم اتبعوا ما أسخط الله قال ابن عباس : هو كتمانهم ما في التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم . وإن حملت على المنافقين فهو إشارة إلى ما أضمروا عليه من الكفر . وكرهوا رضوانه يعني الإيمان . فأحبط أعمالهم أي ما عملوه من صدقة وصلة رحم وغير ذلك ، على ما تقدم .
تفسير الطبريوقوله ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ ) يقول تعالى ذكره: تفعل الملائكة هذا الذي وصفت بهؤلاء المنافقين من أجل أنهم اتبعوا ما أسخط الله, فأغضبه عليهم من طاعة الشيطان ( وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ ) يقول: وكرهوا ما يرضيه عنهم من قتال الكفار به, بعد ما افترضه عليهم.وقوله ( فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ) يقول: فأبطل الله ثواب أعمالهم وأذهبه, لأنها عملت في غير رضاه ولا محبته, فبطلت, ولم تنفع عاملها.
أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخۡرِجَ ٱللَّهُ أَضۡغَٰنَهُمۡ ٢٩التفسير الميسربل أظنَّ المنافقون أن الله لن يُخْرِج ما في قلوبهم من الحسد والحقد للإسلام وأهله؟ بلى فإن الله يميز الصادق من الكاذب.
تفسير السعدييقول تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ من شبهة أو شهوة، بحيث تخرج القلب عن حال صحته واعتداله، أن الله لا يخرج ما في قلوبهم من الأضغان والعداوة للإسلام وأهله؟ هذا ظن لا يليق بحكمة الله، فإنه لا بد أن يميز الصادق من الكاذب، وذلك بالابتلاء بالمحن، التي من ثبت عليها، ودام إيمانه فيها، فهو المؤمن حقيقة، ومن ردته على عقبيه فلم يصبر عليها، وحين أتاه الامتحان، جزع وضعف إيمانه، وخرج ما في قلبه من الضغن، وتبين نفاقه، هذا مقتضى الحكمة الإلهية، مع أنه تعالى قال: وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ
تفسير ابن كثيريقول تعالى : ( أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ) أي : اعتقد المنافقون أن الله لا يكشف أمرهم لعباده المؤمنين ؟ بل سيوضح أمرهم ويجليه حتى يفهمهم ذوو البصائر ، وقد أنزل تعالى في ذلك سورة " براءة " ، فبين فيها فضائحهم وما يعتمدونه من الأفعال الدالة على نفاقهم ; ولهذا إنما كانت تسمى الفاضحة . والأضغان : جمع ضغن ، وهو ما في النفوس من الحسد والحقد للإسلام وأهله والقائمين بنصره .
تفسير القرطبيقوله تعالى : أم حسب الذين في قلوبهم مرض نفاق وشك ، يعني المنافقين . أن لن يخرج الله أضغانهم الأضغان : ما يضمر من المكروه . واختلف في معناه ، فقال السدي : غشهم . وقال ابن عباس : حسدهم . وقال قطرب : عداوتهم ، وأنشد قول الشاعر :قل لابن هند ما أردت بمنطق ساء الصديق وشيد الأضغاناوقيل : أحقادهم . واحدها ضغن . قال :وذي ضغن كففت النفس عنهوقد تقدم . وقال عمرو بن كلثوم :وإن الضغن بعد الضغن يفشو عليك ويخرج الداء الدفيناقال الجوهري : الضغن والضغينة : الحقد . وقد ضغن عليه ( بالكسر ) ضغنا . وتضاغن القوم واضطغنوا : أبطنوا على الأحقاد . واضطغنت الصبي إذا أخذته تحت حضنك . وأنشد الأحمر :كأنه مضطغن صبياأي : حامله في حجره . وقال ابن مقبل :إذا اضطغنت سلاحي عند مغرضها ومرفق كرئاس السيف إذ شسفاوفرس ضاغن : لا يعطي ما عنده من الجري إلا بالضرب . والمعنى : أم حسبوا أن لن يظهر الله عداوتهم وحقدهم لأهل الإسلام .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29)يقول تعالى ذكره: أحسب هؤلاء المنافقون الذين في قلوبهم شكّ في دينهم, وضعف في يقينهم, فهم حيارى في معرفة الحقّ أن لن يُخرج الله ما في قلوبهم من الأضغان على المؤمنين, فيبديه لهم ويظهره, حتى يعرفوا نفاقهم, وحيرتهم في دينهم.