وَنَبِّئۡهُمۡ أَنَّ ٱلۡمَآءَ قِسۡمَةُۢ بَيۡنَهُمۡۖ كُلُّ شِرۡبٖ مُّحۡتَضَرٞ ٢٨التفسير الميسروأخبرهم أن الماء مقسوم بين قومك والناقة: للناقة يوم، ولهم يوم، كل شِرْب يحضره مَن كانت قسمته، ويُحظر على من ليس بقسمة له.
تفسير السعدي وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ أي: وأخبرهم أن الماء أي: موردهم الذي يستعذبونه، قسمة بينهم وبين الناقة، لها شرب يوم ولهم شرب يوم آخر معلوم، كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ أي: يحضره من كان قسمته، ويحظر على من ليس بقسمة له.
تفسير ابن كثير( ونبئهم أن الماء قسمة بينهم ) أي : يوم لهم ويوم للناقة ; كقوله : ( قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ) [ الشعراء : 155 ] .وقوله : ( كل شرب محتضر ) قال مجاهد : إذا غابت حضروا الماء ، وإذا جاءت حضروا اللبن .
تفسير القرطبيونبئهم أي أخبرهم أن الماء قسمة بينهم أي بين آل ثمود وبين الناقة ، لها يوم ولهم يوم ، كما قال تعالى : لها شرب ولكم شرب يوم معلوم . قال ابن عباس : كان يوم شربهم لا تشرب الناقة شيئا من الماء وتسقيهم لبنا وكانوا في نعيم ، وإذا كان يوم الناقة شربت الماء كله فلم تبق لهم شيئا . وإنما قال : بينهم لأن العرب إذا أخبروا عن بني آدم مع البهائم غلبوا بني آدم . وروى أبو الزبير عن جابر قال : لما نزلنا الحجر في مغزى رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك ، قال : أيها الناس لا تسألوا في هذه الآيات ، هؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث الله لهم ناقة فبعث الله عز وجل إليهم الناقة فكانت ترد من ذلك الفج فتشرب ماءهم يوم وردها ويحلبون منها مثل الذي كانوا يشربون يوم غبها وهو معنى قوله تعالى : ونبئهم أن الماء قسمة بينهم .كل شرب محتضر الشرب - بالكسر - الحظ من الماء ; وفي المثل : ( آخرها أقلها شربا ) وأصله في سقي الإبل ، لأن آخرها يرد وقد نزف الحوض . ومعنى محتضر أي يحضره من هو له ; فالناقة تحضر الماء يوم وردها ، وتغيب عنهم يوم وردهم ; قاله مقاتل . وقال مجاهد : إن ثمود يحضرون الماء يوم غبها فيشربون ، ويحضرون اللبن يوم وردها فيحتلبون .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (28)وقوله ( وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ) يقول تعالى ذكره: نبئهم: أخبرهم أن الماء قسمة بينهم, يوم غبّ الناقة, وذلك أنها كانت ترد الماء يوما, وتغبّ يوما, فقال جلّ ثناؤه لصالح: أخبر قومك من ثمود أن الماء يوم غبّ الناقة قسمة بينهم, فكانوا يقتسمون ذلك يوم غبها, فيشربون منه ذلك اليوم, ويتزوّدون فيه منه ليوم ورودها.وقد وجه تأويل ذلك قوم إلى أن الماء قسمة بينهم وبين الناقة يوما لهم ويوما لها, وأنه إنما قيل بينهم, والمعنى: ما ذكرت عندهم, لأن العرب إذا أرادت الخبر عن فعل جماعة بني آدم مختلطا بهم البهائم, جعلوا الفعل خارجا مخرج فعل جماعة بني آدم, لتغليبهم فعل بني آدم على فعل البهائم.وقوله ( كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ) يقول تعالى ذكره: كلّ شرب من ماء يوم غبّ الناقة, ومن لبن يوم ورودها محتضر يحتضرونه.كما حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله ( كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ) قال: يحضرون بهم الماء إذا غابت, واذا جاءت حضروا اللبن.حدثني الحارث, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله ( كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ) قال: يحضرون بهم الماء إذا غابت, وإذا جاءت حضروا اللبن.
فَنَادَوۡاْ صَاحِبَهُمۡ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ ٢٩التفسير الميسرفنادوا صاحبهم بالحض على عقرها، فتناول الناقة بيده، فنحرها فعاقَبْتُهم، فكيف كان عقابي لهم على كفرهم، وإنذاري لمن عصى رسلي؟
تفسير السعدي فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ الذي باشر عقرها، الذي هو أشقى القبيلة فَتَعَاطَى أي: انقاد لما أمروه به من عقرها فَعَقَرَ
تفسير ابن كثيرثم قال تعالى : ( فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر ) قال المفسرون : هو عاقر الناقة ، واسمه قدار بن سالف ، وكان أشقى قومه . كقوله : ( إذ انبعث أشقاها ) [ الشمس : 12 ] . ) فتعاطى ) أي : فجسر
تفسير القرطبيقوله تعالى : فنادوا صاحبهم يعني بالحض على عقرها فتعاطى عقرها فعقرها ، ومعنى تعاطى تناول الفعل ; من قولهم : عطوت أي تناولت ; ومنه قول حسان :كلتاهما حلب العصير فعاطني بزجاجة أرخاهما للمفصلقال محمد بن إسحاق : فكمن لها في أصل شجرة على طريقها فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها ، ثم شد عليها بالسيف فكشف عرقوبها ، فخرت ورغت رغاءة واحدة تحدر سقبها من بطنها ثم نحرها ، وانطلق سقبها حتى أتى صخرة في رأس جبل فرغا ثم لاذ بها ، فأتاهم صالح عليه السلام ; فلما رأى الناقة قد عقرت بكى وقال : قد انتهكتم حرمة الله فأبشروا بعذاب الله . وقد مضى في ( الأعراف ) بيان هذا المعنى . قال ابن عباس : وكان الذي عقرها أحمر أزرق أشقر أكشف أقفى . ويقال في اسمه قدار بن سالف . وقال الأفوه الأودي :أو قبله كقدار حين تابعه على الغواية أقوام فقد بادواوالعرب تسمي الجزار قدارا تشبيها بقدار بن سالف مشئوم آل ثمود ; قال مهلهل :إنا لنضرب بالسيوف رءوسهم ضرب القدار نقيعة القداموذكره زهير فقال :فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم كأحمر عاد ثم ترضع فتفطميريد الحرب ; فكنى عن ثمود بعاد .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (29)يقول تعالى ذكره: فنادت ثمود صاحبهم عاقر الناقة قدار بن سالف ليعقر الناقة حضّا منهم له على ذلك.وقوله ( فَتَعَاطَى فَعَقَرَ ) يقول: فتناول الناقة بيده فعقرها.
فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ٣٠التفسير الميسرفنادوا صاحبهم بالحض على عقرها، فتناول الناقة بيده، فنحرها فعاقَبْتُهم، فكيف كان عقابي لهم على كفرهم، وإنذاري لمن عصى رسلي؟
تفسير السعدي فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ كان أشد عذاب
تفسير ابن كثيرأي فعاقبتهم فكيف كان عقابي لهم على كفرهم بي وتكذيبهم رسولي.
تفسير القرطبيأي إنذاري ; قال الفراء : إنذاري ; قال مصدران .وقيل : " نذر " جمع نذير ونذير بمعنى الإنذار كنكير بمعنى الإنكار .
تفسير الطبريوقوله ( فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ) يقول جلّ ثناؤه لقريش: فكيف كان عذابي إياهم معشر قريش حين عذبتهم ألم أهلكهم بالرجفة. ونُذُر: يقول: فكيف كان إنذاري من أنذرت من الأمم بعدهم بما فعلت بهم وأحللت بهم من العقوبة.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد, قال: ثنى أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس , قوله ( فَتَعَاطَى فَعَقَرَ ) قال: تناولها بيده ( فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ) قال: يقال: إنه ولد زنية فهو من التسعة الذين كانوا يُفسدون في الأرض, ولا يصلحون, وهم الذين قالوا لصالح لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ولنقتلنهم.
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلۡمُحۡتَظِرِ ٣١التفسير الميسرإنا أرسلنا عليهم جبريل، فصاح بهم صيحة واحدة، فبادوا عن آخرهم، فكانوا كالزرع اليابس الذي يُجْعل حِظارًا على الإبل والمواشي.
تفسير السعديأرسل الله عليهم صيحة ورجفة أهلكتهم عن آخرهم، ونجى الله صالحا ومن آمن معه
تفسير ابن كثير( إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر ) أي : فبادوا عن آخرهم لم تبق منهم باقية ، وخمدوا وهمدوا كما يهمد يبيس الزرع والنبات . قاله غير واحد من المفسرين . والمحتظر - قال السدي - : هو المرعى بالصحراء حين يبس وتحرق ونسفته الريح .وقال ابن زيد : كانت العرب يجعلون حظارا على الإبل والمواشي من يبيس الشوك ، فهو المراد من قوله : ( كهشيم المحتظر ) .وقال سعيد بن جبير : ( كهشيم المحتظر ) : هو التراب المتناثر من الحائط . وهذا قول غريب ، والأول أقوى ، والله أعلم .
تفسير القرطبيقوله تعالى : إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة يريد صيحة جبريل عليه السلام ، وقد مضى في " هود " .فكانوا كهشيم المحتظر وقرأ الحسن وقتادة وأبو العالية " المحتظر " بفتح الظاء أرادوا الحظيرة . الباقون بالكسر أرادوا صاحب الحظيرة . وفي الصحاح : والمحتظر الذي يعمل الحظيرة . وقرئ " كهشيم المحتظر " فمن كسره جعله الفاعل ومن فتحه جعله المفعول به . ويقال للرجل القليل الخير : إنه لنكد الحظيرة . قال أبو عبيد : أراه سمى أمواله حظيرة لأنه حظرها عنده ومنعها ، وهي فعيلة بمعنى مفعولة . المهدوي : من فتح الظاء من " المحتظر " فهو مصدر ، والمعنى كهشيم الاحتظار . ويجوز أن يكون " المحتظر " هو الشجر المتخذ منه الحظيرة . قال ابن عباس : المحتظر هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة بالشجر والشوك ; فما سقط من ذلك وداسته الغنم فهو الهشيم . قال :أثرن عجاجة كدخان نار تشب بغرقد بال هشيموعنه : كحشيش تأكله الغنم . وعنه أيضا : كالعظام النخرة المحترقة ، وهو قول قتادة . وقال سعيد بن جبير : هو التراب المتناثر من الحيطان في يوم ريح . وقال سفيان الثوري : هو ما تناثر من الحظيرة إذا ضربتها بالعصا ، وهو فعيل بمعنى مفعول ، وقال ابن زيد : العرب تسمي كل شيء كان رطبا فيبس هشيما . والحظر المنع ، والمحتظر المفتعل يقال منه : احتظر على إبله وحظر أي جمع الشجر ووضع بعضه فوق بعض ليمنع برد الريح والسباع عن إبله ; قال الشاعر :ترى جيف المطي بجانبيه كأن عظامها خشب الهشيموعن ابن عباس : أنهم كانوا مثل القمح الذي ديس وهشم ; فالمحتظر على هذا الذي يتخذ حظيرة على زرعه ، والهشيم فتات السنبلة والتبن .
تفسير الطبريوقوله ( إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً ) وقد بيَّنا فيما مضى أمر الصيحة, وكيف أتتهم, وذكرنا ما روي في ذلك من الآثار, فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.وقوله ( فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ) يقول تعالى ذكره فكانوا بهلاكهم بالصيحة بعد نضارتهم أحياء, وحسنهم قبل بوارهم كيبس الشجر الذي حظرته بحظير حظرته بعد حُسن نباته, وخضرة ورقه قبل يُبسه.وقد اختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله ( كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ) فقال بعضهم: عني بذلك: العظام المحترقة, وكأنهم وجهوا معناه إلى أنه مَثَّلَ هؤلاء القوم بعد هلاكهم وبلائهم بالشيء الذي أحرقه محرق في حظيرته.* ذكر من قال ذلك:حدثني سليمان بن عبد الجبار, قال: ثنا محمد بن الصلت, قال ثنا أبو كُدينة, قال: ثنا قابوس, عن أبيه, عن ابن عباس ( كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ) &; 22-594 &; قال: كالعظام المحترقة.حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثنى أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ) قال: المحترق . ولا بيان عندنا في هذا الخبر عن ابن عباس, كيف كانت قراءته ذلك, إلا أنا وجهنا معنى قوله هذا على النحو الذي جاءنا من تأويله قوله ( كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ) إلى أنه كان يقرأ ذلك كنحو قراءة الأمصار, وقد يحتمل تأويله ذلك كذلك أن يكون قراءته كانت بفتح الظاء من المحتظر, على أن المحتظر نعت للهشيم, أضيف إلى نعته, كما قيل : إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ قد ذُكر عن الحسن وقتادة أنهما كانا يقرآن ذلك كذلك, ويتأوّلانه هذا التأويل الذي ذكرناه عن ابن عباس.حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث, قال: ثني أبي, عن الحسن, قال: كان قتادة يقرأ ( كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ) يقول: المحترق.حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ) يقول: كهشيم محترق.وقال آخرون: بل عنى بذلك التراب . الذي يتناثر من الحائط.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بن حميد, قال: ثنا مهران, عن يعقوب, عن جعفر, عن سعيد بن جبير ( كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ) قال: التراب الذي يتناثر من الحائط.وقال آخرون: بل هو حظيرة الراعي للغنم.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن أبي إسحاق وأسنده, قال ( الْمُحْتَظِرِ ) حظيرة الراعي للغنم.حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: &; 22-595 &; سمعت الضحاك يقول في قوله ( كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ) المحتظر: الحظيرة تتخذ للغنم فتيبس, فتصير كهشيم المحتظر, قال: هو الشوك الذي تحظر به العرب حول مواشيها من السباع والهشيم: يابس الشجر الذي فيه شوك ذلك الهشيم.وقال آخرون: بل عني به هشيم الخيمة, وهو ما تكسَّر من خشبها.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى, عن مجاهد, في قوله ( كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ) قال: الرجل يهشِم الخيمة.وحدثني الحارث, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله ( كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ) الهشيم: الخيمة.وقال آخرون: بل هو الورق الذي يتناثر من خشب الحطب.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان ( كَهَشِيمِ ) قال: الهشيم: إذا ضربت الحظيرة بالعصا تهشم ذاك الورق فيسقط. والعرب تسمي كل شيء كان رطبا فيبس هشيما.
وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ٣٢التفسير الميسرولقد سَهَّلْنا لفظ القرآن للتلاوة والحفظ، ومعانيه للفهم والتدبر لمن أراد أن يتذكر ويعتبر، فهل مِن متعظ به؟
تفسير السعدي وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
تفسير ابن كثيرأي سهلنا لفظه ويسرنا معناه لمن أراده ليتذكر الناس كما قال "كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب" وقال تعالى "فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا".قال مجاهد "ولقد يسرنا القرآن للذكر" يعني هونا قراءته وقال السدي يسرنا تلاوته على الألسن وقال الضحاك عن ابن عباس لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله عز وجل قلت ومن تيسيره تعالى على الناس تلاوة القرآن ما تقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف" وأوردنا الحديث بطرقه وألفاظه بما أغنى عن إعادته ههنا ولله الحمد والمنة وقوله "فهل من مدكر" أي فهل من متذكر بهذا القرآن الذي قد يسر الله حفظه ومعناه؟ وقال محمد بن كعب القرظي فهل من منزجر عن المعاصي؟ وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا الحسن بن رافع حدثنا ضمرة عن ابن شوذب عن مطر هو الوراق في قوله تعالى "فهل من مدكر" هل من طالب علم فيعان عليه وكذا علقه البخاري بصيغة الجزم عن مطر الوراق ورواه ابن جرير وروى عن قتادة مثله.
تفسير القرطبيوَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِأي سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه ; فهل من طالب لحفظه فيعان عليه ؟ ويجوز أن يكون المعنى : ولقد هيأناه للذكر مأخوذ من يسر ناقته للسفر : إذا رحلها ويسر فرسه للغزو إذا أسرجه وألجمه ; قال : وقمت إليه باللجام ميسرا هنالك يجزيني الذي كنت أصنع وقال سعيد بن جبير : ليس من كتب الله كتاب يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن ; وقال غيره : ولم يكن هذا لبني إسرائيل , ولم يكونوا يقرءون التوراة إلا نظرا , غير موسى وهارون ويوشع بن نون وعزير صلوات الله عليهم , ومن أجل ذلك افتتنوا بعزير لما كتب لهم التوراة عن ظهر قلبه حين أحرقت ; على ما تقدم بيانه في سورة " التوبة " فيسر الله تعالى على هذه الأمة حفظ كتابه ليذكروا ما فيه ; أي يفتعلوا الذكر , والافتعال هو أن ينجع فيهم ذلك حتى يصير كالذات وكالتركيب .فيهم .فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍقارئ يقرؤه .وقال أبو بكر الوراق وابن شوذب : فهل من طالب خير وعلم فيعان عليه , وكرر في هذه السورة للتنبيه والإفهام .وقيل : إن الله تعالى اقتص في هذه السورة على هذه الأمة أنباء الأمم وقصص المرسلين , وما عاملتهم به الأمم , وما كان من عقبى أمورهم وأمور المرسلين ; فكان في كل قصة ونبأ ذكر للمستمع أن لو ادكر , وإنما كرر هذه الآية عند ذكر كل قصة بقوله : " فهل من مدكر " لأن " هل " كلمة استفهام تستدعي أفهامهم التي ركبت في أجوافهم وجعلها حجة عليهم ; فاللام من " هل " للاستعراض والهاء للاستخراج .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (32)يقول تعالى ذكره: ولقد هوّنا القرآن بيَّناه للذكر: يقول: لمن أراد أن يتذكر به فيتعظ ( فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) يقول: فهل من متَّعظ به ومعتبر فيعتبر به, فيرتدع عما يكرهه الله منه.
كَذَّبَتۡ قَوۡمُ لُوطِۭ بِٱلنُّذُرِ ٣٣التفسير الميسركذَّبت قوم لوط بآيات الله التي أنذِروا بها.
تفسير السعديأي: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ لوطا عليه السلام، حين دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن الشرك والفاحشة التي ما سبقهم بها أحد من العالمين،
تفسير ابن كثيريقول تعالى مخبرا عن قوم لوط كيف كذبوا رسولهم وخالفوه ، وارتكبوا المكروه من إتيان الذكور ، وهي الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين ; ولهذا أهلكهم الله هلاكا لم يهلكه أمة من الأمم ، فإنه تعالى أمر جبريل عليه السلام ، فحمل مدائنهم حتى وصل بها إلى عنان السماء ، ثم قلبها عليهم وأرسلها ، وأتبعت بحجارة من سجيل منضود ; ولهذا قال هاهنا .
تفسير القرطبيأخبر عن قوم لوط أيضا لما كذبوا لوطا .
تفسير الطبريوقوله ( كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ ) يقول تعالى ذكره: كذّبت قوم لوط بآيات الله التي أنذرهم وذكرهم بها.
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ حَاصِبًا إِلَّآ ءَالَ لُوطٖۖ نَّجَّيۡنَٰهُم بِسَحَرٖ ٣٤التفسير الميسرإنا أرسلنا عليهم حجارةً إلا آل لوط، نجَّيناهم من العذاب في آخر الليل، نعمة من عندنا عليهم، كما أثبنا لوطًا وآله وأنعمنا عليهم، فأنجيناهم مِن عذابنا، نُثيب مَن آمن بنا وشكرنا.
تفسير السعديإِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ ۖ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ
تفسير ابن كثير( إنا أرسلنا عليهم حاصبا ) وهي : الحجارة ، ( إلا آل لوط نجيناهم بسحر ) أي : خرجوا من آخر الليل فنجوا مما أصاب قومهم ، ولم يؤمن بلوط من قومه أحد ولا رجل واحد حتى ولا امرأته ، أصابها ما أصاب قومها ، وخرج نبي الله لوط وبنات له من بين أظهرهم سالما لم يمسسه سوء ; ولهذا قال تعالى :
تفسير القرطبيإنا أرسلنا عليهم حاصبا أي ريحا ترميهم بالحصباء وهي الحصى ; قال النضر : الحاصب : الحصباء في الريح . وقال أبو عبيدة : الحاصب : الحجارة . وفي الصحاح : والحاصب الريح الشديدة التي تثير الحصباء وكذلك الحصبة ; قال لبيد :جرت عليها أن خوت من أهلها أذيالها كل عصوف حصبهعصفت الريح أي : اشتدت فهي ريح عاصف وعصوف . وقال الفرزدق :مستقبلين شمال الشام تضربنا بحاصب كنديف القطن منثورإلا آل لوط يعني من تبعه على دينه ولم يكن إلا بنتاه نجيناهم بسحر قال الأخفش : إنما أجراه لأنه نكرة ، ولو أراد " سحر " يوما بعينه لما أجراه ، ونظيره : اهبطوا مصرا لما نكره ، فلما عرفه في قوله : ادخلوا مصر إن شاء الله لم يجره ، وكذا قال الزجاج : " سحر " إذا كان نكرة يراد به سحر من الأسحار يصرف ، تقول أتيته سحرا ، فإذا أردت سحر يومك لم تصرفه ، تقول : أتيته سحر يا هذا ، وأتيته بسحر . والسحر : هو ما بين آخر الليل وطلوع الفجر ، وهو في كلام العرب اختلاط سواد الليل ببياض أول النهار ; لأن في هذا الوقت يكون مخاييل الليل ومخاييل النهار .
تفسير الطبريوقوله ( إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا ) يقول تعالى ذكره: إنا أرسلنا عليهم حجارة.وقوله ( إِلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ ) يقول: غير آل لوط الذين صدّقوه واتبعوه على دينه فإنا نجيناهم من العذاب الذي عذّبنا به قومه الذين كذبوه, والحاصب الذي حصبناهم به بسحر: بنعمة من عندنا: يقول: نعمة أنعمناها على لوط وآله, وكرامة أكرمناهم بها من عندنا.
نِّعۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَاۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَن شَكَرَ ٣٥التفسير الميسرإنا أرسلنا عليهم حجارةً إلا آل لوط، نجَّيناهم من العذاب في آخر الليل، نعمة من عندنا عليهم، كما أثبنا لوطًا وآله وأنعمنا عليهم، فأنجيناهم مِن عذابنا، نُثيب مَن آمن بنا وشكرنا.
تفسير السعدي
تفسير ابن كثير
تفسير القرطبينعمة من عندنا إنعاما منا على لوط وابنتيه ; فهو نصب لأنه مفعول به .كذلك نجزي من شكر أي من آمن بالله وأطاعه .
تفسير الطبريوقوله ( كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ) يقول: وكما أثبنا لوطًا وآله, وأنعمنا عليه, فأنجيناهم من عذابنا بطاعتهم إيانا كذلك نثيب من شكرنا على نعمتنا عليه, فأطاعنا وانتهى إلى أمرنا ونهينا من جميع خلقنا. وأجرى قوله بسحر, لأنه نكرة, وإذا قالوا: فعلت هذا سحر بغير باء لم يجروه.
وَلَقَدۡ أَنذَرَهُم بَطۡشَتَنَا فَتَمَارَوۡاْ بِٱلنُّذُرِ ٣٦التفسير الميسرولقد خوَّف لوط قومه بأس الله وعذابه، فلم يسمعوا له، بل شكُّوا في ذلك، وكذَّبوه.
تفسير السعديفكذبوه واستمروا على شركهم وقبائحهم، حتى إن الملائكة الذين جاءوه بصورة أضياف حين سمع بهم قوم لوط، جاؤوهم مسرعين، يريدون إيقاع الفاحشة فيهم، لعنهم الله وقبحهم، وراودوه عنهم،فأمر الله جبريل عليه السلام، فطمس أعينهم بجناحه، وأنذرهم نبيهم بطشة الله وعقوبته فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ
تفسير ابن كثيرأي : ولقد كان قبل حلول العذاب بهم قد أنذرهم بأس الله وعذابه ، فما التفتوا إلى ذلك ، ولا أصغوا إليه ، بل شكوا فيه وتماروا به ،
تفسير القرطبيولقد أنذرهم يعني لوطا خوفهم بطشتنا عقوبتنا وأخذنا إياهم بالعذاب فتماروا بالنذر أي شكوا فيما أنذرهم به الرسول ولم يصدقوه ، وهو تفاعل من المرية .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36)يقول تعالى ذكره: ولقد أنذر لوط قومه بطشتنا التي بطشناها قبل ذلك ( فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ ) يقول: فكذّبوا بإنذاره ما أنذرهم من ذلك شكا منهم فيه .وقوله ( فَتَمَارَوْا ) تفاعلوا من المرية.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل:* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ ) لم يصدّقوه، وقوله ( وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ ) يقول جلّ ثناؤه: ولقد راود لوطا قومه عن ضيفه الذين نزلوا به حين أراد الله إهلاكهم ( فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ ) يقول: فطمسنا على أعينهم حتى صيرناها كسائر الوجه لا يرى لها شقّ, فلم يبصروا ضيفه. والعرب تقول: قد طمست الريح الأعلام: إذا دفنتها بما تسفي عليها من التراب, كما قال كعب بن زُهَير:مِنْ كُلّ نَصَّاخَةِ الذّفْرَى إذَا أعْتَرَقَتْعُرْضَتها طامِسُ الأعْلام مَجْهُولُ (1)يعني بقوله ( طامِسُ الأعْلامِ ) : مندفن الأعلام.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:------------------------الهوامش:(1) البيت : لكعب بن زهير من لاميته المشهورة " بانت سعاد " التي مدح بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد شرحناه ثلاث مرات في ( 2 : 402 ، 5 : 123 ، 9 : 157 ) من هذه الطبعة ، فراجعه في أحد هذه المواضع ، أو فيها كلها، لزيادة الفائدة .
وَلَقَدۡ رَٰوَدُوهُ عَن ضَيۡفِهِۦ فَطَمَسۡنَآ أَعۡيُنَهُمۡ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ ٣٧التفسير الميسرولقد طلبوا منه أن يفعلوا الفاحشة بضيوفه من الملائكة، فطمسنا أعينهم فلم يُبصروا شيئًا، فقيل لهم: ذوقوا عذابي وإنذاري الذي أنذركم به لوط عليه السلام.
تفسير السعدي
تفسير ابن كثير( ولقد راودوه عن ضيفه ) وذلك ليلة ورد عليه الملائكة : جبريل ، وميكائيل ، وإسرافيل في صورة شباب مرد حسان محنة من الله بهم ، فأضافهم لوط [ عليه السلام ] وبعثت امرأته العجوز السوء إلى قومها ، فأعلمتهم بأضياف لوط ، فأقبلوا يهرعون إليه من كل مكان ، فأغلق لوط دونهم الباب ، فجعلوا يحاولون كسر الباب ، وذلك عشية ، ولوط ، عليه السلام ، يدافعهم ويمانعهم دون أضيافه ، ويقول لهم : ( هؤلاء بناتي ) يعني : نساءهم ، ( إن كنتم فاعلين ) [ الحجر : 71 ] ( قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق ) أي : ليس لنا فيهن أرب ، ( وإنك لتعلم ما نريد ) [ هود : 79 ] فلما اشتد الحال وأبوا إلا الدخول ، خرج عليهم جبريل ، عليه السلام ، فضرب أعينهم بطرف جناحه ، فانطمست أعينهم . يقال : إنها غارت من وجوههم . وقيل : إنه لم تبق لهم عيون بالكلية
تفسير القرطبيولقد راودوه عن ضيفه أي أرادوا منه تمكينهم ممن كان أتاه من الملائكة في هيئة الأضياف طلبا للفاحشة على ما تقدم . يقال : راودته على كذا مراودة وروادا أي أردته . وراد الكلأ يروده رودا وريادا ، وارتاده ارتيادا بمعنى أي طلبه ; وفي الحديث : إذا بال أحدكم فليرتد لبوله أي يطلب مكانا لينا أو منحدرا .فطمسنا أعينهم يروى أن جبريل عليه السلام ضربهم بجناحه فعموا . وقيل : صارت أعينهم كسائر الوجه لا يرى لها شق ، كما تطمس الريح الأعلام بما تسفي عليها من التراب . وقيل : لا ، بل أعماهم الله مع صحة أبصارهم فلم يروهم . قال الضحاك : طمس الله على أبصارهم فلم يروا الرسل ; فقالوا : لقد رأيناهم حين دخلوا البيت فأين ذهبوا ؟ فرجعوا ولم يروهم .فذوقوا عذابي ونذر أي فقلنا لهم ذوقوا ، والمراد من هذا الأمر الخبر ; أي : فأذقتهم عذابي الذي أنذرهم به لوط .
تفسير الطبريحدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ ) قال: عمى الله عليهم الملائكة حين دخلوا على لوط.حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ ) وذُكر لنا أن جبريل عليه السلام استأذن ربه في عقوبتهم ليلة أتوا لوطا, وأنهم عالجوا الباب ليدخلوا عليه, فصفقهم بجناحه, وتركهم عميا يتردّدون.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قول الله ( وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ ) قال: هؤلاء قوم لوط حين راودوه عن ضيفه, طمس الله أعينهم, فكان ينهاهم عن عملهم الخبيث الذي كانوا يعملون, فقالوا: إنا لا نترك عملنا فإياك أن تُنزل أحدا أو تُضيفه, أو تدعه ينزل عليك, فإنا لا نتركه ولا نترك عملنا. قال: فلما جاءه المرسلون, خرجت امرأته الشقية من الشقّ, فأتتهم فدعتهم, وقالت لهم: تعالوا فإنه قد جاء قوم لم أر قطّ أحسن وجوها منهم, ولا أحسن ثيابًا, ولا أطيب أرواحا منهم, قال: فجاءوه يهرعون إليه, فقال: إن هؤلاء ضيفي, فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي, قالوا: أولم ننهك عن العالمين؟ أليس قد تقدمنا إليك وأعذرنا فيما بيننا بينك؟ قال: هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم فقال له جبريل عليه السلام: ما يهولك من هؤلاء؟ قال: أما ترى ما يريدون؟ فقال: إنا رسل ربك لن يصلوا إليك, لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك, لتصنعن هذا الأمر سرّا, وليكوننّ فيه بلاء; قال: فنشر جبريل عليه السلام جناحا من أجنحته, فاختلس به أبصارهم, فطمس أعينهم, فجعلوا يجول بعضهم في بعض, فذلك قول الله ( فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ ) .حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ ) جاءت الملائكة في صور الرجال, وكذلك كانت تجيء, فرآهم قوم لوط حين دخلوا القرية. وقيل: إنهم نزلوا بلوط, فأقبلوا إليهم يريدونهم, فتلقَّاهم لوط يناشدهم الله أن لا يخزوه في ضيفه, فأبوا عليه وجاءوا ليدخلوا عليه, فقالت الرسل للوط خلّ بينهم وبين الدخول, فإنا رسل ربك, لن يصلوا إليك, فدخلوا البيت, وطمس الله على أبصارهم, فلم يروهم; وقالوا: قد رأيناهم حين دخلوا البيت, فأين ذهبوا؟ فلم يروهم ورجعوا.وقوله ( فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ ) يقول تعالى ذكره: فذوقوا معشر قوم لوط من سدوم, عذابي الذي حلّ بكم, وإنذاري الذي أنذرت به غيركم من الأمم من النكال والمثلات.
وَلَقَدۡ صَبَّحَهُم بُكۡرَةً عَذَابٞ مُّسۡتَقِرّٞ ٣٨التفسير الميسرولقد جاءهم وقت الصباح عذاب دائم استقر فيهم حتى يُفضي بهم إلى عذاب الآخرة، وذلك العذاب هو رجمهم بالحجارة وقلب قُراهم وجعل أعلاها أسفلها، فقيل لهم: ذوقوا عذابي الذي أنزلته بكم؛ لكفركم وتكذيبكم، وإنذاري الذي أنذركم به لوط عليه السلام.
تفسير السعدي وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ قلب الله عليهم ديارهم، وجعل أسفلها أعلاها، وتتبعهم بحجارة من سجيل منضود، مسومة عند ربك للمسرفين، ونجى الله لوطا وأهله من الكرب العظيم، جزاء لهم على شكرهم لربهم، وعبادته وحده لا شريك له.
تفسير ابن كثيرقال الله تعالى : ( ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر ) أي : لا محيد لهم عنه ، ولا انفكاك لهم منه
تفسير القرطبيولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر أي دائم عام استقر فيهم حتى يفضي بهم إلى عذاب الآخرة . وذلك العذاب قلب قريتهم عليهم وجعل أعلاها أسفلها . و " بكرة " هنا نكرة فلذلك صرفت .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (38)يقول تعالى ذكره: ولقد صُبِّحَ قوْمُ لوط بُكْرةً ذكر أن ذلك كان عند طلوع الفجر.حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان ( بُكْرَةً ) قال: عند طلوع الفجر.وقوله ( عَذَابِ ) وذلك قلب الأرض بهم, وتصيير أعلاها أسفلها بهم, ثم إتباعهم بحجارة من سجيل منضود.كما حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان ( وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ ) قال: حجارة رموا بها.وقوله ( مُسْتَقِرّ ) يقول: استقرّ ذلك العذاب فيهم إلى يوم القيامة حتى يوافوا عذاب الله الأكبر في جهنم.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ ) يقول: صبحهم عذاب مستقرّ, استقرّ بهم إلى نار جهنم.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً ) ... الآية, قال: ثم صبحهم بعد هذا, يعني بعد أن طمس الله أعينهم, فهم من ذلك العذاب إلى يوم القيامة, قال: وكل قومه كانوا كذلك, ألا تسمع قوله حين يقول : أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ .حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان ( مُسْتَقِرّ ) استقرّ.
فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ ٣٩التفسير الميسرولقد جاءهم وقت الصباح عذاب دائم استقر فيهم حتى يُفضي بهم إلى عذاب الآخرة، وذلك العذاب هو رجمهم بالحجارة وقلب قُراهم وجعل أعلاها أسفلها، فقيل لهم: ذوقوا عذابي الذي أنزلته بكم؛ لكفركم وتكذيبكم، وإنذاري الذي أنذركم به لوط عليه السلام.
تفسير السعدي
تفسير ابن كثيرفَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ
تفسير القرطبيفذوقوا عذابي ونذر العذاب الذي نزل بهم من طمس الأعين غير العذاب الذي أهلكوا به ، فلذلك حسن التكرير .
تفسير الطبريوقوله ( فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ ) يقول تعالى ذكره لهم: فذوقوا معشر قوم لوط عذابي الذي أحللته بكم, بكفركم بالله وتكذيبكم رسوله, وإنذاري بكم الأمم سواكم بما أنزلته بكم من العقاب.
وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ٤٠التفسير الميسرولقد سَهَّلْنا لفظ القرآن للتلاوة والحفظ، ومعانيه للفهم والتدبر لمن أراد أن يتذكر، فهل مِن متعظ به؟
تفسير السعديسبق تفسيرها
تفسير ابن كثيرأي سهلنا لفظه ويسرنا معناه لمن أراده ليتذكر الناس كما قال "كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب" وقال تعالى "فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا".قال مجاهد "ولقد يسرنا القرآن للذكر" يعني هونا قراءته وقال السدي يسرنا تلاوته على الألسن وقال الضحاك عن ابن عباس لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله عز وجل قلت ومن تيسيره تعالى على الناس تلاوة القرآن ما تقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف" وأوردنا الحديث بطرقه وألفاظه بما أغنى عن إعادته ههنا ولله الحمد والمنة وقوله "فهل من مدكر" أي فهل من متذكر بهذا القرآن الذي قد يسر الله حفظه ومعناه؟ وقال محمد بن كعب القرظي فهل من منزجر عن المعاصي؟ وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا الحسن بن رافع حدثنا ضمرة عن ابن شوذب عن مطر هو الوراق في قوله تعالى "فهل من مدكر" هل من طالب علم فيعان عليه وكذا علقه البخاري بصيغة الجزم عن مطر الوراق ورواه ابن جرير وروى عن قتادة مثله.
تفسير القرطبيوَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِأي سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه ; فهل من طالب لحفظه فيعان عليه ؟ ويجوز أن يكون المعنى : ولقد هيأناه للذكر مأخوذ من يسر ناقته للسفر : إذا رحلها ويسر فرسه للغزو إذا أسرجه وألجمه ; قال : وقمت إليه باللجام ميسرا هنالك يجزيني الذي كنت أصنع وقال سعيد بن جبير : ليس من كتب الله كتاب يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن ; وقال غيره : ولم يكن هذا لبني إسرائيل , ولم يكونوا يقرءون التوراة إلا نظرا , غير موسى وهارون ويوشع بن نون وعزير صلوات الله عليهم , ومن أجل ذلك افتتنوا بعزير لما كتب لهم التوراة عن ظهر قلبه حين أحرقت ; على ما تقدم بيانه في سورة " التوبة " فيسر الله تعالى على هذه الأمة حفظ كتابه ليذكروا ما فيه ; أي يفتعلوا الذكر , والافتعال هو أن ينجع فيهم ذلك حتى يصير كالذات وكالتركيب فيهم .فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍقارئ يقرؤه .وقال أبو بكر الوراق وابن شوذب : فهل من طالب خير وعلم فيعان عليه , وكرر في هذه السورة للتنبيه والإفهام .وقيل : إن الله تعالى اقتص في هذه السورة على هذه الأمة أنباء الأمم وقصص المرسلين , وما عاملتهم به الأمم , وما كان من عقبى أمورهم وأمور المرسلين ; فكان في كل قصة ونبأ ذكر للمستمع أن لو ادكر , وإنما كرر هذه الآية عند ذكر كل قصة بقوله : " فهل من مدكر " لأن " هل " كلمة استفهام تستدعي أفهامهم التي ركبت في أجوافهم وجعلها حجة عليهم ; فاللام من " هل " للاستعراض والهاء للاستخراج .
تفسير الطبريوقوله ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) يقول تعالى ذكره: ولقد سهَّلنا القرآن للذكر لمن أراد التذكر به فهل من متعظ ومعتبر به فينزجر به عما نهاه الله عنه إلى ما أمره به وأذن له فيه.
وَلَقَدۡ جَآءَ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ ٱلنُّذُرُ ٤١التفسير الميسرولقد جاء أتباعَ فرعون وقومَه إنذارُنا بالعقوبة لهم على كفرهم.
تفسير السعديأي: وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ أي: فرعون وقومه النُّذُرُ فأرسل الله إليهم موسى الكليم، وأيده بالآيات الباهرات، والمعجزات القاهرات
تفسير ابن كثيريقول تعالى مخبرا عن فرعون وقومه إنهم جاءهم رسول الله موسى وأخوه هارون بالبشارة إن آمنوا ، والنذارة إن كفروا ، وأيدهما بمعجزات عظيمة وآيات متعددة ، فكذبوا بها كلها ، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر ، أي : فأبادهم الله ولم يبق منهم مخبرا ولا عينا ولا أثرا .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ولقد جاء آل فرعون النذر يعني القبط والنذر موسى وهارون . وقد يطلق لفظ الجمع على الاثنين .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41)يقول تعالى ذكره: ولقد جاء أتباع فرعون وقومه إنذارنا بالعقوبة بكفرهم بنا وبرسولنا موسى .
كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذۡنَٰهُمۡ أَخۡذَ عَزِيزٖ مُّقۡتَدِرٍ ٤٢التفسير الميسركذَّبوا بأدلتنا كلها الدالة على وحدانيتنا ونبوة أنبيائنا، فعاقبناهم بالعذاب عقوبة عزيز لا يغالَب، مقتدر على ما يشاء.
تفسير السعديوأشهدهم من العبر ما لم يشهد عليه أحدا غيرهم فكذبوا بآيات الله كلها، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر، فأغرقهم في اليم هو وجنوده والمراد من ذكر هذه القصص تحذير [الناس و] المكذبين لمحمد صلى الله عليه وسلم.
تفسير ابن كثيريقول تعالى مخبرا عن فرعون وقومه إنهم جاءهم رسول الله موسى وأخوه هارون بالبشارة إن آمنوا ، والنذارة إن كفروا ، وأيدهما بمعجزات عظيمة وآيات متعددة ، فكذبوا بها كلها ، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر ، أي : فأبادهم الله ولم يبق منهم مخبرا ولا عينا ولا أثرا .
تفسير القرطبيكذبوا بآياتنا معجزاتنا الدالة على توحيدنا ونبوة أنبيائنا ; وهي العصا ، واليد ، والسنون ، والطمسة ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم . وقيل : النذر : الرسل ; فقد جاءهم يوسف وبنوه إلى أن جاءهم موسى . وقيل : النذر الإنذار .فأخذناهم أخذ عزيز أي غالب في انتقامه مقتدر أي قادر على ما أراد .
تفسير الطبري( كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا ) يقول جلّ ثناؤه كذّب آل فرعون بأدلتنا التي جاءتهم من عندنا, وحججنا التي أتتهم بأنه لا إله إلا الله وحده كلها( فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ) يقول تعالى ذكره: فعاقبناهم بكفرهم بالله عقوبة شديد لا يغلب, مقتدر على ما يشاء, غير عاجز ولا ضعيف.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتاده, قوله ( فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ) يقول: عزيز في نقمته إذا انتقم.
أَكُفَّارُكُمۡ خَيۡرٞ مِّنۡ أُوْلَٰٓئِكُمۡ أَمۡ لَكُم بَرَآءَةٞ فِي ٱلزُّبُرِ ٤٣التفسير الميسرأكفاركم- يا معشر قريش- خير مِنَ الذين تقدَّم ذكرهم ممن هلكوا بسبب تكذيبهم، أم لكم براءة مِن عقاب الله في الكتب المنزلة على الأنبياء بالسلامة من العقوبة؟
تفسير السعدي أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أي: هؤلاء الذين كذبوا أفضل الرسل، خير من أولئك المكذبين، الذين ذكر الله هلاكهم وما جرى عليهم؟ فإن كانوا خيرا منهم، أمكن أن ينجوا من العذاب، ولم يصبهم ما أصاب أولئك الأشرار، وليس الأمر كذلك، فإنهم إن لم يكونوا شرا منهم، فليسوا بخير منهم، أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ أي: أم أعطاكم الله عهدا وميثاقا في الكتب التي أنزلها على الأنبياء، فتعتقدون حينئذ أنكم الناجون بإخبار الله ووعده؟ وهذا غير واقع، بل غير ممكن عقلا وشرعا، أن تكتب براءتهم في الكتب الإلهية المتضمنة للعدل والحكمة، فليس من الحكمة نجاة أمثال هؤلاء المعاندين المكذبين، لأفضل الرسل وأكرمهم على الله، فلم يبق إلا أن يكون بهم قوة ينتصرون بها،
تفسير ابن كثيرثم قال : ( أكفاركم ) أي : أيها المشركون من كفار قريش ( خير من أولئكم ) يعني : من الذين تقدم ذكرهم ممن أهلكوا بسبب تكذيبهم الرسل ، وكفرهم بالكتب : أأنتم خير أم أولئك ؟ ( أم لكم براءة في الزبر ) أي : أم معكم من الله براءة ألا ينالكم عذاب ولا نكال ؟ .
تفسير القرطبيقوله تعالى : أكفاركم خير من أولئكم خاطب العرب . وقيل : أراد كفار أمة محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : استفهام ، وهو استفهام إنكار ومعناه النفي ; أي ليس كفاركم خيرا من كفار من تقدم من الأمم الذين أهلكوا بكفرهم .أم لكم براءة في الزبر أي في الكتب المنزلة على الأنبياء بالسلامة من العقوبة . وقال ابن عباس : أم لكم في اللوح المحفوظ براءة من العذاب .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43)يقول تعالى ذكره لكفار قريش الذين أخبر الله عنهم أنهم وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ أكفاركم معشر قريش خير من أولئكم الذين أحللت بهم نقمتي من قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وآل فرعون, فهم يأملون أن ينجوا من عذابي, ونقمي على كفرهم بي, وتكذيبهم رسولي. يقول: إنما أنتم في كفركم بالله وتكذيبهم رسوله, كبعض هذه الأمم التي وصفت لكم أمرهم, وعقوبة الله بكم نازلة على كفركم به, كالذي نزل بهم إن لم تتوبوا وتنيبوا.كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ ) : أي من مضى.حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا الحسن, عن يزيد النحويّ, عن عكرِمة ( أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ ) يقول: أكفاركم يا معشر قريش خير من أولئكم الذين مضوا.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ ) يقول: أكفاركم خير من الكفار الذين عذبناهم على معاصي الله ، وهؤلاء الكفار خير من أولئك. وقال ( أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ ) استنفاها.حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال. ثني أبي عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ ) يقول: ليس كفاركم خيرا من قوم نوح وقوم لوط.حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن أبي جعفر, عن الربيع بن أنس ( أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ ) قال: كفار هذه الأمة.وقوله ( أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ ) يقول جلّ ثناؤه: أم لكم براءة من عقاب الله معشر قريش, أن تصيبكم بكفركم بما جاءكم به الوحي من الله في الزبر, وهي الكتب.كما حدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا أبو عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( الزُّبُرِ ) يقول: الكتب.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ ) في كتاب الله براءة مما تخافون.حدثنا ابن حميد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا الحسين, عن يزيد, عن عكرمة ( أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ ) يعني في الكتب.
أَمۡ يَقُولُونَ نَحۡنُ جَمِيعٞ مُّنتَصِرٞ ٤٤التفسير الميسربل أيقول كفار "مكة": نحن أولو حزم ورأي وأمرنا مجتمع، فنحن جماعة منتصرة لا يغلبنا من أرادنا بسوء؟
تفسير السعديفأخبر تعالى أنهم يقولون: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ
تفسير ابن كثيرثم قال مخبرا عنهم : ( أم يقولون نحن جميع منتصر ) أي : يعتقدون أنهم مناصرون بعضهم بعضا ، وأن جمعهم يغني عنهم من أرادهم بسوء
تفسير القرطبيأم يقولون نحن جميع منتصر أي جماعة لا تطاق لكثرة عددهم وقوتهم ، ولم يقل منتصرين اتباعا لرءوس الآي ; فرد الله عليهم فقال :
تفسير الطبريوقوله ( أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ) يقول تعالى ذكره: أيقول هؤلاء الكفار من قريش: نحن جميع منتصر ممن قصدنا بسوء ومكروه, وأراد حربنا وتفريق جمعنا, فقال الله جلّ ثناؤه: سيهزم الجمع يعني جمع كفار قريش ( وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) يقول: ويولون أدبارهم المؤمنين بالله عن انهزامهم عنه. وقيل: الدبر فوحد والمراد به الجمع كما يقال ضربنا منهم الرأس: أي ضربنا منهم الرءوس: إذ كان الواحد يؤدي عن معنى جمعه, ثم إن الله تعالى ذكره صدّق وعده المؤمنين به فهزم المشركين به من قريش يوم بدر وولوهم الدُّبر.
سَيُهۡزَمُ ٱلۡجَمۡعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ٤٥التفسير الميسرسيهزم جمع كفار "مكة" أمام المؤمنين، ويولُّون الأدبار، وقد حدث هذا يوم "بدر".
تفسير السعديقال تعالى مبينا لضعفهم، وأنهم مهزومون: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ فوقع كما أخبر، هزم الله جمعهم الأكبر يوم بدر، وقتل من صناديدهم وكبرائهم ما ذلوا به ونصر الله دينه ونبيه وحزبه المؤمنين.
تفسير ابن كثيرقال الله تعالى : ( سيهزم الجمع ويولون الدبر ) أي : سيتفرق شملهم ويغلبون .قال البخاري : حدثنا إسحاق ، حدثنا خالد ، عن خالد - وقال أيضا : حدثنا محمد ، حدثنا عفان بن مسلم ، عن وهيب ، عن خالد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ; أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال - وهو في قبة له يوم بدر - : " أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا " . فأخذ أبو بكر رضي الله عنه بيده وقال : حسبك يا رسول الله ! ألححت على ربك . فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول : ( سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ) .وكذا رواه البخاري والنسائي في غير موضع ، من حديث خالد - وهو ابن مهران الحذاء - به .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو الربيع الزهراني ، حدثنا حماد عن أيوب ، عن عكرمة ، قال : لما نزلت ( سيهزم الجمع ويولون الدبر ) [ قال ] قال عمر : أي جمع يهزم ؟ أي جمع يغلب ؟ قال عمر : فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب في الدرع ، وهو يقول : ( سيهزم الجمع ويولون الدبر ) فعرفت تأويلها يومئذ .
تفسير القرطبيسيهزم الجمع أي جمع كفار مكة ، وقد كان ذلك يوم بدر وغيره . وقراءة العامة سيهزم بالياء على ما لم يسم فاعله " الجمع " بالرفع . وقرأ رويس عن يعقوب " سنهزم " بالنون وكسر الزاي " الجمع " نصبا .ويولون الدبر قراءة العامة بالياء على الخبر عنهم . وقرأ عيسى وابن إسحاق ورويس عن يعقوب " وتولون " بالتاء على الخطاب . و " الدبر " اسم جنس كالدرهم والدينار فوحد والمراد الجمع لأجل رءوس الآي . وقال مقاتل : ضرب أبو جهل فرسه يوم بدر فتقدم من الصف وقال : نحن ننتصر اليوم من محمد وأصحابه ; فأنزل الله تعالى : نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر . وقال سعيد بن جبير : قال سعد بن أبي وقاص : لما نزل قوله تعالى : سيهزم الجمع ويولون الدبر كنت لا أدري أي الجمع ينهزم ، فلما كان يوم بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع ويقول : اللهم إن قريشا جاءتك تحادك وتحاد رسولك بفخرها وخيلائها فأخنهم الغداة ثم قال : سيهزم الجمع ويولون الدبر فعرفت تأويلها . وهذا من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ; لأنه أخبر عن غيب فكان كما أخبر . أخنى عليه الدهر : أي أتى عليه وأهلكه ، ومنه قول النابغة :أخنى عليه الذي أخنى على لبدوأخنيت عليه : أفسدت . قال ابن عباس : كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبع سنين ; فالآية على هذا مكية . وفي البخاري عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : لقد أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بمكة وإني لجارية ألعب : بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر . وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو في قبة له يوم بدر : أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا فأخذ أبو بكر رضي الله عنه بيده وقال : حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك ; وهو في الدرع فخرج وهو يقول : سيهزم الجمع ويولون الدبر
تفسير الطبريكما حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن أيوب قال: لا أعلمه إلا عن عكرمة أن عمر قال لما نزلت ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ) جعلت أقول: أيّ جمع يهزم؟ فلما كان يوم بدر رأيت النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يثب في الدرع ويقول : ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) .حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن أبي جعفر, عن الربيع بن أنس ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) قال: يوم بدر.قال ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا الحسين, عن يزيد, عن عكرِمة, قوله ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ) يعني جمع بدر ( وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) .حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ) ...الآية ذُكر لنا أن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال يوم بدر " هزموا وولوا الدبر ".حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) قال: هذا يوم بدر.حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, قال: ثنا أيوب, عن عكرِمة, أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم : " كان يثب في الدرع ويقول: هُزِمَ الجَمْعُ وَوَلَّوُا الدُّبُرَ".حدثني إسحاق بن شاهين, قال: ثنا خالد بن عبد الله, عن داود, عن عليّ بن أبي طلحة, عن ابن عباس ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) قال: كان ذلك يوم بدر. قال: قالوا نحن جمع منتصر, قال: فنزلت هذه الآية.
بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوۡعِدُهُمۡ وَٱلسَّاعَةُ أَدۡهَىٰ وَأَمَرُّ ٤٦التفسير الميسروالساعة موعدهم الذي يُجازون فيه بما يستحقون، والساعة أعظم وأقسى مما لحقهم من العذاب يوم "بدر".
تفسير السعديومع ذلك، فلهم موعد يجمع به أولهم وآخرهم، ومن أصيب في الدنيا منهم، ومن متع بلذاته، ولهذا قال: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ الذي يحازون به، ويؤخذ منهم الحق بالقسط، وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ أي: أعظم وأشق، وأكبر من كل ما يتوهم، أو يدور بالبال
تفسير ابن كثيروقال البخاري : حدثنا إبراهيم بن موسى ، حدثنا هشام بن يوسف ; أن ابن جريج أخبرهم : أخبرني يوسف بن ماهك قال : إني عند عائشة أم المؤمنين ، قالت : نزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - بمكة - وإني لجارية ألعب -( بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ) هكذا رواه هاهنا مختصرا . ورواه في فضائل القرآن مطولا ، ولم يخرجه مسلم .
تفسير القرطبيبل الساعة موعدهم يريد القيامة .والساعة أدهى وأمر أي أدهى وأمر مما لحقهم يوم بدر . وأدهى من الداهية وهي الأمر العظيم ; يقال : دهاه أمر كذا - أي أصابه - دهوا ودهيا . وقال ابن السكيت : دهته داهية دهواء ودهياء وهي توكيد لها .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (46)يقول تعالى ذكره: ما الأمر كما يزعم هؤلاء المشركون من أنهم لا يبعثون بعد مماتهم ( بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ ) للبعث والعقاب ( وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ) عليهم من الهزيمة التي يهزمونها عند التقائهم مع المؤمنين ببدر.حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا جرير, عن مغيرة, عن عمرو بن مرّة, عن شهر بن حوشب, قال: إن هذه الآية نزلت بهلاك إنما موعدهم الساعة, ثم قرأ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ ... إلى قوله ( وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ) .
إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي ضَلَٰلٖ وَسُعُرٖ ٤٧التفسير الميسرإن المجرمين في تيه عن الحق وعناء وعذاب. يوم يُجرُّون في النار على وجوههم، ويقال لهم: ذوقوا شدة عذاب جهنم.
تفسير السعدي إِنَّ الْمُجْرِمِينَ أي: الذين أكثروا من فعل الجرائم، وهي الذنوب العظيمة من الشرك وغيره، من المعاصي فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ أي: هم ضالون في الدنيا، ضلال عن العلم، وضلال عن العمل، الذي ينجيهم من العذاب، ويوم القيامة في العذاب الأليم، والنار التي تتسعر بهم، وتشتعل في أجسامهم، حتى تبلغ أفئدتهم.
تفسير ابن كثيريخبرنا تعالى عن المجرمين أنهم في ضلال عن الحق ، وسعر مما هم فيه من الشكوك والاضطراب في الآراء ، وهذا يشمل كل من اتصف بذلك من كافر ومبتدع من سائر الفرق .
تفسير القرطبيقوله تعالى : إن المجرمين في ضلال وسعرقوله تعالى : إن المجرمين في ضلال وسعر أي في حيدة عن الحق و " سعر " أي : احتراق . وقيل : جنون على ما تقدم في هذه السورة .
تفسير الطبريوقوله ( إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ) يقول تعالى ذكره: إن المجرمين في ذهاب عن الحقّ, وأخذ على غير هدى ( وَسُعُرٍ ) يقول: في احتراق من شدّة العناء والنصب في الباطل.كما حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله ( فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ) قال: في عناء.
يَوۡمَ يُسۡحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ ٤٨التفسير الميسرإن المجرمين في تيه عن الحق وعناء وعذاب. يوم يُجرُّون في النار على وجوههم، ويقال لهم: ذوقوا شدة عذاب جهنم.
تفسير السعدي يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ التي هي أشرف ما بهم من الأعضاء، وألمها أشد من ألم غيرها، فيهانون بذلك ويخزون، ويقال لهم: ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ أي: ذوقوا ألم النار وأسفها وغيظها ولهبها.
تفسير ابن كثيرثم قال : ( يوم يسحبون في النار على وجوههم ) أي : كما كانوا في سعر وشك وتردد أورثهم ذلك النار ، وكما كانوا ضلالا سحبوا فيها على وجوههم ، لا يدرون أين يذهبون ، ويقال لهم تقريعا وتوبيخا : ( ذوقوا مس سقر ) .
تفسير القرطبييوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر فنزلت : يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر خرجه الترمذي أيضا وقال حديث حسن صحيح . وروى مسلم عن طاوس قال : أدركت ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون : كل شيء بقدر . قال : وسمعت عبد الله بن عمر يقول : قال النبي صلى الله عليه وسلم : كل شيء بقدر حتى العجز والكيس - أو - الكيس والعجز وهذا إبطال لمذهب القدرية . ذوقوا أي يقال لهم ذوقوا ، ومسها : ما يجدون من الألم عند الوقوع فيها . و " سقر " اسم من أسماء جهنم لا ينصرف ; لأنه اسم مؤنث معرفة ، وكذا لظى وجهنم . وقال عطاء : سقر الطبق السادس من جهنم . وقال قطرب : سقر من سقرته الشمس وصقرته لوحته . ويوم مسمقر ومصمقر : شديد الحر .
تفسير الطبريوقوله ( يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ) يقول تعالى ذكره: يوم يُسحب هؤلاء المجرمون في النار على وجوههم. وقد تأوّل بعضهم قوله ( فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ) إلى النار. وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله ( يَوْمَ يُسْحَبُونَ إِلَى النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ).وقوله ( ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ) يقول تعالى ذكره: يوم يُسحبون في النار على وجوههم, يقال لهم: ذوقوا مَسَّ سقَر, وترك ذكر " يقال لهم " استغناء بدلالة الكلام عليه من ذكره.فإن قال قائل: كيف يُذاق مسّ سقر, أوَله طعم فيُذاق؟ فإن ذلك مختلف فيه; فقال بعضهم: قيل ذلك كذلك على مجاز الكلام, كما يقال: كيف وجدت طعم الضرب وهو مجاز؟ وقال آخر: ذلك كما يقال: وجدتُ مسّ الحمى يُراد به أوّل ما نالني منها, وكذلك وجدت طعم عفوك. وأما سَقَرُ فإنها اسم باب من أبواب جهنم (2) وترك إجراؤها لأنها اسم لمؤنث معرفة.------------------------الهوامش:(2) الذي في كتب اللغة ، أنها اسم جهنم .
إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ ٤٩التفسير الميسرإنَّا كل شيء خلقناه بمقدار قدرناه وقضيناه، وسبق علمنا به، وكتابتنا له في اللوح المحفوظ.
تفسير السعدي إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وهذا شامل للمخلوقات والعوالم العلوية والسفلية، أن الله تعالى وحده خلقها لا خالق لها سواه، ولا مشارك له في خلقهاوخلقها بقضاء سبق به علمه، وجرى به قلمه، بوقتها ومقدارها، وجميع ما اشتملت عليه من الأوصاف، وذلك على الله يسير،
تفسير ابن كثيروقوله : ( إنا كل شيء خلقناه بقدر ) ، كقوله : ( وخلق كل شيء فقدره تقديرا ) [ الفرقان : 2 ] وكقوله : ( سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى ) [ الأعلى : 1 - 3 ] أي : قدر قدرا ، وهدى الخلائق إليه ; ولهذا يستدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة على إثبات قدر الله السابق لخلقه ، وهو علمه الأشياء قبل كونها وكتابته لها قبل برئها ، وردوا بهذه الآية وبما شاكلها من الآيات ، وما ورد في معناها من الأحاديث الثابتات على الفرقة القدرية الذين نبغوا في أواخر عصر الصحابة . وقد تكلمنا على هذا المقام مفصلا وما ورد فيه من الأحاديث في شرح " كتاب الإيمان " من " صحيح البخاري " رحمه الله ، ولنذكر هاهنا الأحاديث المتعلقة بهذه الآية الكريمة :قال أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان الثوري ، عن زياد بن إسماعيل السهمي ، عن محمد بن عباد بن جعفر ، عن أبي هريرة قال : جاء مشركو قريش إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يخاصمونه في القدر ، فنزلت : ( يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر ) .وهكذا رواه مسلم والترمذي وابن ماجه ، من حديث وكيع ، عن سفيان الثوري ، به .وقال البزار : حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا الضحاك بن مخلد ، حدثنا يونس بن الحارث ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : ما نزلت هذه الآيات : ( إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر ) ، إلا في أهل القدر .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا سهل بن صالح الأنطاكي ، حدثني قرة بن حبيب ، عن كنانة حدثنا جرير بن حازم ، عن سعيد بن عمرو بن جعدة ، عن ابن زرارة ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه تلا هذه الآية : ( ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر ) ، قال : " نزلت في أناس من أمتي يكونون في آخر الزمان يكذبون بقدر الله " .وحدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا مروان بن شجاع الجزري ، عن عبد الملك بن جريج ، عن عطاء بن أبي رباح ، قال : أتيت ابن عباس وهو ينزع من زمزم ، وقد ابتلت أسافل ثيابه ، فقلت له : قد تكلم في القدر . فقال : أو [ قد ] فعلوها ؟ قلت : نعم . قال : فوالله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم : ( ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر ) ، أولئك شرار هذه الأمة ، فلا تعودوا مرضاهم ولا تصلوا على موتاهم ، إن رأيت أحدا منهم فقأت عينيه بأصبعي هاتين .وقد رواه الإمام أحمد من وجه آخر ، وفيه مرفوع ، فقال :حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا الأوزاعي ، عن بعض إخوته ، عن محمد بن عبيد المكي ، عن عبد الله بن عباس ، قال : قيل له : إن رجلا قدم علينا يكذب بالقدر فقال : دلوني عليه - وهو أعمى - قالوا : وما تصنع به يا أبا عباس قال : والذي نفسي بيده لئن استمكنت منه لأعضن أنفه حتى أقطعه ، ولئن وقعت رقبته في يدي لأدقنها ; فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " كأني بنساء بني فهر يطفن بالخزرج ، تصطفق ألياتهن مشركات ، هذا أول شرك هذه الأمة ، والذي نفسي بيده لينتهين بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يكون قدر خيرا ، كما أخرجوه من أن يكون قدر شرا " .ثم رواه أحمد عن أبي المغيرة ، عن الأوزاعي ، عن العلاء بن الحجاج ، عن محمد بن عبيد ، فذكر مثله . لم يخرجوه .وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن يزيد ، حدثنا سعيد بن أبي أيوب ، حدثني أبو صخر ، عن نافع قال : كان لابن عمر صديق من أهل الشام يكاتبه ، فكتب إليه عبد الله بن عمر : إنه بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر ، فإياك أن تكتب إلي ، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر " .رواه أبو داود ، عن أحمد بن حنبل ، به .وقال أحمد : حدثنا أنس بن عياض ، حدثنا عمر بن عبد الله مولى غفرة ، عن عبد الله بن عمر ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لكل أمة مجوس ، ومجوس أمتي الذين يقولون : لا قدر . إن مرضوا فلا تعودوهم ، وإن ماتوا فلا تشهدوهم " .لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه .وقال أحمد : حدثنا قتيبة ، حدثنا رشدين ، عن أبي صخر حميد بن زياد ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " سيكون في هذه الأمة مسخ ، ألا وذاك في المكذبين بالقدر والزنديقية " .ورواه الترمذي وابن ماجه ، من حديث أبي صخر حميد بن زياد ، به . وقال الترمذي : حسن صحيح غريب .وقال أحمد : حدثنا إسحاق بن الطباع ، أخبرني مالك ، عن زياد بن سعد ، عن عمرو بن مسلم ، عن طاوس اليماني قال : سمعت ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " كل شيء بقدر ، حتى العجز والكيس " .ورواه مسلم منفردا به ، من حديث مالك .وفي الحديث الصحيح : " استعن بالله ولا تعجز ، فإن أصابك أمر فقل : قدر الله وما شاء فعل ، ولا تقل : لو أني فعلت لكان كذا ، فإن لو تفتح عمل الشيطان " .وفي حديث ابن عباس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له : " واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء ، لم يكتبه الله لك ، لم ينفعوك ، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء ، لم يكتبه الله عليك ، لم يضروك . جفت الأقلام وطويت الصحف " .وقال الإمام أحمد : حدثنا الحسن بن سوار ، حدثنا الليث ، عن معاوية ، عن أيوب بن زياد ، حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة ، حدثني أبي قال : دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت ، فقلت : يا أبتاه ، أوصني واجتهد لي . فقال : أجلسوني . فلما أجلسوه قال : يا بني ، إنك لما تطعم طعم الإيمان ، ولم تبلغ حق حقيقة العلم بالله ، حتى تؤمن بالقدر خيره وشره . قلت : يا أبتاه ، وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره ؟ قال : تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك ، وما أصابك لم يكن ليخطئك . يا بني ، إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن أول ما خلق الله القلم . ثم قال له : اكتب . فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة " يا بني ، إن مت ولست على ذلك دخلت النار .ورواه الترمذي عن يحيى بن موسى البلخي ، عن أبي داود الطيالسي ، عن عبد الواحد بن سليم ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن الوليد بن عبادة ، عن أبيه ، به . وقال : حسن صحيح غريب .وقال سفيان الثوري ، عن منصور ، عن ربعي بن خراش ، عن رجل ، عن علي بن أبي طالب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع : يشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله ، بعثني بالحق ، ويؤمن بالموت ، ويؤمن بالبعث بعد الموت ، ويؤمن بالقدر خيره وشره " .وكذا رواه الترمذي من حديث النضر بن شميل ، عن شعبة ، عن منصور ، به . ورواه من حديث أبي داود الطيالسي ، عن شعبة ، عن منصور ، عن ربعي ، عن علي ، فذكره وقال : " هذا عندي أصح " . وكذا رواه ابن ماجه من حديث شريك ، عن منصور ، عن ربعي ، عن علي ، به .وقد ثبت في صحيح مسلم من رواية عبد الله بن وهب وغيره ، عن أبي هانئ الخولاني ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة " زاد ابن وهب : ( وكان عرشه على الماء ) [ هود : 7 ] . ورواه الترمذي وقال : حسن صحيح غريب .
تفسير القرطبيالثانية : قوله تعالى : إنا كل شيء قراءة العامة كل بالنصب . وقرأ أبو السمال " كل " بالرفع على الابتداء . ومن نصب فبإضمار فعل وهو اختيار الكوفيين ; لأن " إن " تطلب الفعل فهي به أولى ، والنصب أدل على العموم في المخلوقات لله تعالى ; لأنك لو حذفت " خلقناه " المفسر وأظهرت الأول لصار إنا خلقنا كل شيء بقدر . ولا يصح كون خلقناه صفة لشيء ; لأن الصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف ، ولا تكون تفسيرا لما يعمل فيما قبله .الذي عليه أهل السنة أن الله سبحانه قدر الأشياء ; أي علم مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها ، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه ، فلا يحدث حدث في العالم العلوي والسفلي إلا وهو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته دون خلقه ، وأن الخلق ليس لهم فيها إلا نوع اكتساب ومحاولة ونسبة وإضافة ، وأن ذلك كله إنما حصل لهم بتيسير الله تعالى وبقدرته وتوفيقه وإلهامه ، سبحانه لا إله إلا هو ، ولا خالق غيره ; كما نص عليه القرآن والسنة ، لا كما قالت القدرية وغيرهم من أن الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا .قال أبو ذر رضي الله عنه : قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا ; فنزلت هذه الآيات إلى قوله : إنا كل شيء خلقناه بقدر فقالوا : يا محمد يكتب علينا الذنب ويعذبنا ؟ فقال : أنتم خصماء الله يوم القيامة .روى أبو الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن مجوس هذه الأمة المكذبون بأقدار الله إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم وإن لقيتموهم فلا تسلموا عليهم . خرجه ابن ماجه في سننه . وخرج أيضا عن ابن عباس وجابر قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صنفان من أمتي ليس لهم في الإسلام نصيب : أهل الإرجاء والقدر . وأسند النحاس : وحدثنا إبراهيم بن شريك الكوفي قال حدثنا عقبة بن مكرم الضبي قال حدثنا يونس بن بكير عن سعيد بن ميسرة عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : القدرية الذين يقولون الخير والشر بأيدينا ليس لهم في شفاعتي نصيب ولا أنا منهم ولا هم مني . وفي صحيح مسلم أن ابن عمر تبرأ منهم ولا يتبرأ إلا من كافر ، ثم أكد هذا بقوله : والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر . وهذا مثل قوله تعالى في المنافقين : وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله وهذا واضح . وقال أبو هريرة : قال النبي صلى الله عليه وسلم : الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن .
تفسير الطبريوقوله ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) يقول تعالى ذكره: إنا خلقنا كل شيء بمقدار قدرناه وقضيناه, وفي هذا بيان, أن الله جلّ ثناؤه, توعد هؤلاء المجرمين على تكذيبهم في القدر مع كفرهم به.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني يونس بن عبد الأعلى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: ثنا هشام بن سعد, عن أبي ثابت, عن إبراهيم بن محمد, عن أبيه, عن ابن عباس أنه كان يقول: إني أجد في كتاب الله قوما يسحبون في النار على وجوههم, يقال لهم ( ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ) لأنهم كانوا يكذّبون بالقَدَرِ, وإني لا أراهم, فلا أدري أشيء كان قبلنا, أم شيء فيما بقي.حدثنا ابن بشار وابن المثنى, قالا ثنا عبد الرحمن بن مهدي, قال: ثنا سفيان, عن زياد بن إسماعيل السَّهْمِيّ, عن محمد بن عباد بن جعفر, عن أبي هريرة أن مشركي قريش خاصمت النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في القَدَر, فأنزل الله ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) .حدثنا ابن بشار وابن المثنى وأبو كُرَيب, قالوا: ثنا وكيع بن الجرّاح, قال: ثنا سفيان, عن زياد بن إسماعيل السَّهميّ, عن محمد بن عباد بن جعفر المخزوميّ, عن أبي هريرة, قال: جاء مشركو قريش إلى النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يخاصمونه في القَدَرِ, فنزلت ( إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ) .حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا أبو عاصم, عن سفيان, عن زياد بن إسماعيل السهمي, عن محمد بن عباد بن جعفر المخزوميّ, عن أبى هريرة, بنحوه .حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا حصين, عن سعد بن عبيدة, عن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ, قال: ولما نزلت هذه الآية ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) قال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ أفي شيء نستأنفه, أو في شيء قد فرغ منه؟ قال: فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: اِعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلقَ لَهُ, سنُيسِّرُهُ للْيُسْرَى, وَسَنُيَسِّرُهُ للعُسْرَى ".حدثنا ابن أبي الشوارب, قال: ثنا عبد الواحد بن زياد, قال: ثنا خصيف, قال: سمعت محمد بن كعب القرظيّ يقول: لما تكلم الناس في القَدَرِ نظرت, فإذا هذه الآية أنزلت فيهم ( إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ) ... إلى قوله ( خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) .حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أبو عاصم ويزيد بن هارون, قالا ثنا سفيان, عن سالم, عن محمد بن كعب, قال: ما نزلت هذه الآية إلا تعبيرا لأهل القدر (ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) .حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن سالم بن أبي حفصة, عن محمد بن كعب القُرَظي ( ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ) قال: نزلت تعييرا لأهل القَدَرِ.قال : ثنا مهران, عن سفيان, عن زياد بن إسماعيل السَّهمي, عن محمد بن عباد بن جعفر المخزوميّ, عن أبي هريرة, قال: جاء مشركو قريش إلى النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يخاصمونه في القدر, فنزلت ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) .قال: ثنا مهران, عن حازم, عن أسامة, عن محمد بن كعب القُرَظِيّ مثله.حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) قال: خلق الله الخلق كلهم بقدر, وخلق لهم الخير والشرّ بقدر, فخير الخير السعادة, وشرّ الشرّ الشقاء, بئس الشرّ الشقاء .واختلف أهل العربية في وجه نصب قوله ( كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) فقال بعض نحويي البصرة: نصب كلّ شيء في لغة من قال: عبد الله ضربته; قال: وهي في كلام العرب كثير. قال: وقد رفعت كلّ في لغة من رفع, ورفعت على وجه آخر. قال ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) فجعل خلقناه من صفة الشيء; وقال غيره: إنما نصب كل لأن قوله خلقناه فعل, لقوله (إِنَّا), وهو أولى بالتقديم إليه من المفعول, فلذلك اختير النصب, وليس قيل عبد الله في قوله: عبد الله ضربته شيء هو أولى بالفعل, وكذلك إنا طعامك, أكلناه الاختيارُ النصب لأنك تريد: إنا أكلنا طعامك الأكل, أولى بأنا من الطعام. قال: وأما قول من قال: خلقناه وصف للشيء فبعيد, لأن المعنى: إنا خلقناه كلّ شيء بقدر, وهذا القول الثاني أولى بالصواب عندي من الأوّل للعلل التي ذكرت لصاحبها.