الاثنين، ١٦ مارس ٢٠٢٦
الاثنين، ١٦ مارس ٢٠٢٦
facebookinstagramtwitter

عرض بالصفحات

Basmala
سُورَةُ القِيَامَةِ
كـَلَّا بَلۡ تُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ  ٢٠وَتَذَرُونَ ٱلۡأٓخِرَةَ  ٢١وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ  ٢٢إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ  ٢٣وَوُجُوهٞ يَوۡمَئِذِۭ بَاسِرَةٞ  ٢٤تَظُنُّ أَن يُفۡعَلَ بِهَا فَاقِرَةٞ  ٢٥كـَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ  ٢٦وَقِيلَ مَنۡۜ رَاقٖ  ٢٧وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلۡفِرَاقُ  ٢٨وَٱلۡتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ  ٢٩إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمَسَاقُ  ٣٠فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ  ٣١وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ  ٣٢ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ يَتَمَطَّىٰٓ  ٣٣أَوۡلَىٰ لَكَ فَأَوۡلَىٰ  ٣٤ثُمَّ أَوۡلَىٰ لَكَ فَأَوۡلَىٰٓ  ٣٥أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَن يُتۡرَكَ سُدًى  ٣٦أَلَمۡ يَكُ نُطۡفَةٗ مِّن مَّنِيّٖ يُمۡنَىٰ  ٣٧ثُمَّ كَانَ عَلَقَةٗ فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ  ٣٨فَجَعَلَ مِنۡهُ ٱلزَّوۡجَيۡنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰٓ  ٣٩أَلَيۡسَ ذَٰلِكَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰ  ٤٠
سُورَةُ الإِنسَانِ
تفسير سُورَةُ القِيَامَةِ
كـَلَّا بَلۡ تُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ  ٢٠
التفسير الميسرليس الأمر كما زعمتم- يا معشر المشركين- أن لا بعث ولا جزاء، بل أنتم قوم تحبون الدنيا وزينتها، وتتركون الآخرة ونعيمها.
تفسير السعديأي: هذا الذي أوجب لكم الغفلة والإعراض عن وعظ الله وتذكيره أنكم تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وتسعون فيما يحصلها، وفي لذاتها وشهواتها، وتؤثرونها على الآخرة، فتذرون العمل لها، لأن الدنيا نعيمها ولذاتها عاجلة، والإنسان مولع بحب العاجل، والآخرة متأخر ما فيها من النعيم المقيم، فلذلك غفلتم عنها وتركتموها، كأنكم لم تخلقوا لها، وكأن هذه الدار هي دار القرار، التي تبذل فيها نفائس الأعمار، ويسعى لها آناء الليل والنهار، وبهذا انقلبت عليكم الحقيقة، وحصل من الخسار ما حصل. فلو آثرتم الآخرة على الدنيا، ونظرتم للعواقب نظر البصير العاقل لأنجحتم، وربحتم ربحا لا خسار معه، وفزتم فوزا لا شقاء يصحبه.
تفسير ابن كثيرأي إنما يحملهم على التكذيب بيوم القيامة ومخالفة ما أنزله الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم من الوحي الحق والقرآن العظيم.
تفسير القرطبيقوله تعالى : كلا قال ابن عباس : أي إن أبا جهل لا يؤمن بتفسير القرآن وبيانه . وقيل : أي ( كلا ) لا يصلون ولا يزكون يريد كفار مكة . بل تحبون أي بل تحبون يا كفار أهل مكة العاجلة أي الدار الدنيا والحياة فيها
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره لعباده المخاطبين بهذا القرآن المؤثرين زينة الحياة الدنيا على الآخرة : ليس الأمر كما تقولون أيها الناس من أنكم لا تبعثون بعد مماتكم ، ولا تجازون بأعمالكم ، لكن الذي دعاكم إلى قيل ذلك محبتكم الدنيا العاجلة ، وإيثاركم شهواتها على آجل الآخرة [ ص: 71 ] ونعيمها ، فأنتم تؤمنون بالعاجلة ، وتكذبون بالآجلة .كما حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة ) اختار أكثر الناس العاجلة ، إلا من رحم الله وعصم .
وَتَذَرُونَ ٱلۡأٓخِرَةَ  ٢١
التفسير الميسرليس الأمر كما زعمتم- يا معشر المشركين- أن لا بعث ولا جزاء، بل أنتم قوم تحبون الدنيا وزينتها، وتتركون الآخرة ونعيمها.
تفسير السعديأي: هذا الذي أوجب لكم الغفلة والإعراض عن وعظ الله وتذكيره أنكم تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وتسعون فيما يحصلها، وفي لذاتها وشهواتها، وتؤثرونها على الآخرة، فتذرون العمل لها، لأن الدنيا نعيمها ولذاتها عاجلة، والإنسان مولع بحب العاجل، والآخرة متأخر ما فيها من النعيم المقيم، فلذلك غفلتم عنها وتركتموها، كأنكم لم تخلقوا لها، وكأن هذه الدار هي دار القرار، التي تبذل فيها نفائس الأعمار، ويسعى لها آناء الليل والنهار، وبهذا انقلبت عليكم الحقيقة، وحصل من الخسار ما حصل. فلو آثرتم الآخرة على الدنيا، ونظرتم للعواقب نظر البصير العاقل لأنجحتم، وربحتم ربحا لا خسار معه، وفزتم فوزا لا شقاء يصحبه.
تفسير ابن كثيرإنهم إنما همتهم إلى الدار الدنيا العاجلة وهم لاهون متشاغلون عن الآخرة.
تفسير القرطبيوتذرون أي تدعون الآخرة والعمل لها . وفي بعض التفسير قال : الآخرة الجنة . وقرأ أهل المدينة والكوفيون بل تحبون وتذرون بالتاء فيهما على الخطاب واختاره أبو عبيد ; قال : ولولا الكراهة لخلاف هؤلاء القراء لقرأتها بالياء ; لذكر الإنسان قبل ذلك . الباقون بالياء على الخبر ، وهو اختيار أبي حاتم ، فمن قرأ بالياء فردا على قوله تعالى : ينبأ الإنسان وهو بمعنى الناس . ومن قرأ بالتاء فعلى أنه واجههم بالتقريع ; لأن ذلك أبلغ في المقصود ; نظيره : إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا .
تفسير الطبريكما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( كَلا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ ) اختار أكثر الناس العاجلة، إلا من رحم الله وعصم.
وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ  ٢٢
التفسير الميسروجوه أهل السعادة يوم القيامة مشرقة حسنة ناعمة، ترى خالقها ومالك أمرها، فتتمتع بذلك.
تفسير السعديثم ذكر ما يدعو إلى إيثار الآخرة، ببيان حال أهلها وتفاوتهم فيها، فقال في جزاء المؤثرين للآخرة على الدنيا: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ أي: حسنة بهية، لها رونق ونور، مما هم فيه من نعيم القلوب، وبهجة النفوس، ولذة الأرواح،
تفسير ابن كثيرمن النضارة أي حسنة بهية مشرقة مسرورة.
تفسير القرطبيقوله تعالى : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة الأول من النضرة التي هي الحسن والنعمة . والثاني من النظر أي وجوه المؤمنين مشرقة حسنة ناعمة ; يقال : نضرهم الله ينضرهم نضرة ونضارة وهو الإشراق والعيش والغنى ; ومنه الحديث نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها .
تفسير الطبريوقوله : ( وجوه يومئذ ناضرة ) يقول تعالى ذكره : وجوه يومئذ ، يعني يوم القيامة ناضرة : يقول حسنة جميلة من النعيم; يقال من ذلك : نضر وجه فلان : إذا حسن من النعمة ، ونضر الله وجهه : إذا حسنه كذلك .واختلف أهل التأويل في ذلك ، فقال بعضهم بالذي قلنا فيه .ذكر من قال ذلك :حدثني محمد بن إسماعيل البخاري ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا المبارك ، عن الحسن ( وجوه يومئذ ناضرة ) قال : حسنة .حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن منصور عن مجاهد ( وجوه يومئذ ناضرة ) قال : نضرة الوجوه : حسنها .حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ، مثله .حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( وجوه يومئذ ناضرة ) قال : الناضرة : الناعمة .حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد : ( وجوه يومئذ ناضرة ) قال : الوجوه الحسنة .حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ( وجوه يومئذ ناضرة ) قال : من السرور والنعيم والغبطة .وقال آخرون : بل معنى ذلك أنها مسرورة .ذكر من قال ذلك :حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : ( وجوه يومئذ ناضرة ) قال : مسرورة ( إلى ربها ناظرة ) .اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معنى ذلك : أنها تنظر إلى ربها . [ ص: 72 ]ذكر من قال ذلك :حدثنا محمد بن منصور الطوسي ، وإبراهيم بن سعيد الجوهري قالا ثنا علي بن الحسن بن شقيق ، قال : ثنا الحسين بن واقد ، عن يزيد النحوي ، عن عكرمة قال : ( تنظر إلى ربها نظرا ) .حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق ، قال : سمعت أبي يقول : أخبرني الحسين بن واقد في قوله : ( وجوه يومئذ ناضرة ) من النعيم ( إلى ربها ناظرة ) قال : أخبرني يزيد النحوي ، عن عكرمة وإسماعيل بن أبي خالد ، وأشياخ من أهل الكوفة ، قال : تنظر إلى ربها نظرا .حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري ، قال : ثنا آدم قال : ثنا المبارك عن الحسن ، في قوله : ( وجوه يومئذ ناضرة ) قال : حسنة ( إلى ربها ناظرة ) قال : تنظر إلى الخالق ، وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق .حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : ثنا خالد بن عبد الرحمن ، قال : ثنا أبو عرفجة ، عن عطية العوفي ، في قوله : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) قال : هم ينظرون إلى الله لا تحيط أبصارهم به من عظمته ، وبصره محيط بهم ، فذلك قوله : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) .وقال آخرون : بل معنى ذلك : أنها تنتظر الثواب من ربها .ذكر من قال ذلك :حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عمر بن عبيد ، عن منصور ، عن مجاهد ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) قال : تنتظر منه الثواب .قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ( إلى ربها ناظرة ) قال : تنتظر الثواب من ربها .حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ( إلى ربها ناظرة ) قال : تنتظر الثواب .حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن منصور عن مجاهد ( إلى ربها ناظرة ) قال : تنتظر الثواب من ربها ، لا يراه من خلقه شيء .حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي ، قال : ثنا أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن [ ص: 73 ] الأعمش ، عن مجاهد ( وجوه يومئذ ناضرة ) قال : نضرة من النعيم ( إلى ربها ناظرة ) قال : تنتظر رزقه وفضله .حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ، قال : كان أناس يقولون في حديث : " فيرون ربهم " فقلت لمجاهد : إن ناسا يقولون إنه يرى ، قال : يرى ولا يراه شيء .قال ثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ، في قوله : ( إلى ربها ناظرة ) قال : تنتظر من ربها ما أمر لها .حدثني أبو الخطاب الحساني ، قال : ثنا مالك ، عن سفيان ، قال : ثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي صالح ، في قوله : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) قال : تنتظر الثواب .حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا الأشجعي ، عن سفيان ، عن ثوير ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، قال : " إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى ملكه وسرره وخدمه مسيرة ألف سنة ، يرى أقصاه كما يرى أدناه ، وإن أرفع أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى وجه الله بكرة وعشية " .قال : ثنا ابن يمان ، قال : ثنا أشجع ، عن أبي الصهباء الموصلي ، قال : " إن أدنى أهل الجنة منزلة ، من يرى سرره وخدمه وملكه في مسيرة ألف سنة ، فيرى أقصاه كما يرى أدناه ، وإن أفضلهم منزلة ، من ينظر إلى وجه الله غدوة وعشية " .وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب القول الذي ذكرناه عن الحسن وعكرمة ، من أن معنى ذلك تنظر إلى خالقها ، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :حدثني علي بن الحسين بن أبجر ، قال : ثنا مصعب بن المقدام ، قال : ثنا إسرائيل بن يونس ، عن ثوير ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أدنى أهل الجنة منزلة ، لمن ينظر في ملكه ألفي سنة ، قال : وإن أفضلهم منزلة لمن ينظر في وجه الله كل يوم مرتين ; قال : ثم تلا ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) قال : بالبياض والصفاء ، قال : ( إلى ربها ناظرة ) قال : تنظر كل يوم في وجه الله عز وجل " .
إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ  ٢٣
التفسير الميسروجوه أهل السعادة يوم القيامة مشرقة حسنة ناعمة، ترى خالقها ومالك أمرها، فتتمتع بذلك.
تفسير السعدي إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ أي: تنظر إلى ربها على حسب مراتبهم: منهم من ينظره كل يوم بكرة وعشيا، ومنهم من ينظره كل جمعة مرة واحدة، فيتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم، وجماله الباهر، الذي ليس كمثله شيء، فإذا رأوه نسوا ما هم فيه من النعيم وحصل لهم من اللذة والسرور ما لا يمكن التعبير عنه، ونضرت وجوههم فازدادوا جمالا إلى جمالهم، فنسأل الله الكريم أن يجعلنا معهم.
تفسير ابن كثير( إلى ربها ناظرة ) أي : تراه عيانا ، كما رواه البخاري ، رحمه الله ، في صحيحه : " إنكم سترون ربكم عيانا " . وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله عز وجل في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح ، من طرق متواترة عند أئمة الحديث ، لا يمكن دفعها ولا منعها ; لحديثأبي سعيد وأبي هريرة‌ - وما في الصحيحين - : أن ناسا قالوا : يا رسول الله ، هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال : " هل تضارون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب؟ " قالوا : لا . قال : " فإنكم ترون ربكم كذلك " . وفي الصحيحين عن جرير قال : نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر فقال : " إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر ، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ولا قبل غروبها فافعلوا " وفي الصحيحين عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما ، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى الله إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن " . وفي أفراد مسلم ، عن صهيب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا دخل أهل الجنة الجنة " قال : " يقول الله تعالى : تريدون شيئا أزيدكم ؟ فيقولون : ألم تبيض وجوهنا ؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ " قال : " فيكشف الحجاب ، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ، وهي الزيادة " . ثم تلا هذه الآية : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) [ يونس : 26 ] .وفي أفراد مسلم ، عن جابر في حديثه : " إن الله يتجلى للمؤمنين يضحك " - يعني في عرصات القيامة - ففي هذه الأحاديث أن المؤمنين ينظرون إلى ربهم عز وجل في العرصات ، وفي روضات الجنات .وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا عبد الملك بن أبجر ، حدثنا ثوير بن أبي فاختة ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أدنى أهل الجنة منزلة لينظر في ملكه ألفي سنة ، يرى أقصاه كما يرى أدناه ، ينظر إلى أزواجه وخدمه . وإن أفضلهم منزلة لينظر إلى وجه الله كل يوم مرتين " .ورواه الترمذي ، عن عبد بن حميد ، عن شبابة ، عن إسرائيل ، عن ثوير قال : " سمعت ابن عمر . . " . فذكره ، قال : " ورواه عبد الملك بن أبجر ، عن ثوير ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، قوله " . وكذلك رواه الثوري ، عن ثوير ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، لم يرفعه ، ولولا خشية الإطالة لأوردنا الأحاديث بطرقها وألفاظها من الصحاح والحسان والمسانيد والسنن ، ولكن ذكرنا ذلك مفرقا في مواضع من هذا التفسير ، وبالله التوفيق . وهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة ، كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام . وهداة الأنام .ومن تأول ذلك بأن المراد ب ) إلى ) مفرد الآلاء ، وهي النعم ، كما قال الثوري ، عن منصور ، عن مجاهد : ( إلى ربها ناظرة ) فقال تنتظر الثواب من ربها . رواه ابن جرير من غير وجه عن مجاهد . وكذا قال أبو صالح أيضا - فقد أبعد هذا القائل النجعة ، وأبطل فيما ذهب إليه . وأين هو من قوله تعالى : ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) ؟ [ المطففين : 15 ] ، قال الشافعي ، رحمه الله : ما حجب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه عز وجل . ثم قد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما دل عليه سياق الآية الكريمة ، وهي قوله : ( إلى ربها ناظرة ) قال ابن جرير : حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري ، حدثنا آدم ، حدثنا المبارك ، عن الحسن : ( وجوه يومئذ ناضرة ) قال : حسنة ، ( إلى ربها ناظرة ) قال تنظر إلى الخالق ، وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق .
تفسير القرطبيإلى ربها إلى خالقها ومالكها ناظرة أي تنظر إلى ربها ; على هذا جمهور العلماء . وفي الباب حديث صهيب خرجه مسلم وقد مضى في ( يونس ) عند قوله تعالى : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة . وكان ابن عمر يقول : أكرم أهل الجنة على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ; ثم تلا هذه الآية : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة وروى يزيد النحوي عن عكرمة قال : تنظر إلى ربها نظرا . وكان الحسن يقول : نضرت وجوههم ونظروا إلى ربهم .وقيل : إن النظر هنا انتظار ما لهم عند الله من الثواب . وروي عن ابن عمر ومجاهد . وقال عكرمة : تنتظر أمر ربها . حكاه الماوردي عن ابن عمر وعكرمة أيضا . وليس معروفا إلا عن مجاهد وحده . واحتجوا بقوله تعالى : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهذا القول ضعيف جدا ، خارج عن مقتضى ظاهر الآية والأخبار .وفي الترمذي عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة قال هذا حديث غريب . وقد روي عن ابن عمرو ولم يرفعه .وفي صحيح مسلم عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم جل وعز إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن .وروى جرير بن عبد الله قال : كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جلوسا ، فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال : إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر ، لا تضامون في رؤيته ، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا . ثم قرأ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب متفق عليه . وخرجه أيضا أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح . وخرج أبو داود عن أبي رزين العقيلي قال : قلت : يا رسول الله ، أكلنا يرى ربه ؟ قال ابن معاذ : مخليا به يوم القيامة ؟ قال : " نعم يا أبا رزين " قال : وما آية ذلك في خلقه ؟ قال : " يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر " قال ابن معاذ : ليلة البدر مخليا به . قلنا : بلى . قال : " فالله أعظم " قال ابن معاذ قال : " فإنما هو خلق من خلق الله - يعني القمر - فالله أجل وأعظم " .وفي كتاب النسائي عن صهيب قال : فيكشف الحجاب فينظرون إليه ، فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر ، ولا أقر لأعينهم .وفي التفسير لأبي إسحاق الثعلبي عن الزبير عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يتجلى ربنا - عز وجل - حتى ينظروا إلى وجهه ، فيخرون له سجدا ، فيقول ارفعوا رؤوسكم فليس هذا بيوم عبادة " .قال الثعلبي : وقول مجاهد إنها بمعنى تنتظر الثواب من ربها ولا يراه شيء من خلقه فتأويل مدخول ، لأن العرب إذا أرادت بالنظر الانتظار قالوا نظرته ; كما قال تعالى : هل ينظرون إلا الساعة ، هل ينظرون إلا تأويله ، و ما ينظرون إلا صيحة واحدة وإذا أرادت به التفكر والتدبر قالوا : نظرت فيه ، فأما إذا كان النظر مقرونا بذكر إلى ، وذكر الوجه فلا يكون إلا بمعنى الرؤية والعيان .وقال الأزهري : إن قول مجاهد تنتظر ثواب ربها خطأ ; لأنه لا يقال نظر إلى كذا بمعنى الانتظار ، وإن قول القائل : نظرت إلى فلان ليس إلا رؤية عين ، كذلك تقوله العرب ; لأنهم يقولون نظرت إليه : إذا أرادوا نظر العين ، فإذا أرادوا الانتظار قالوا نظرته ; قال :فإنكما إن تنظراني ساعة من الدهر تنفعني لدى أم جندبلما أراد الانتظار قال تنظراني ، ولم يقل تنظران إلي ; وإذا أرادوا نظر العين قالوا : نظرت إليه ; قال :نظرت إليها والنجوم كأنها مصابيح رهبان تشب لقفالوقال آخر [ عمر بن أبي ربيعة ] :نظرت إليها بالمحصب من منى ولي نظر لولا التحرج عارموقال آخر :إني إليك لما وعدت لناظر نظر الفقير إلى الغني الموسرأي إني أنظر إليك بذل ; لأن نظر الذل والخضوع أرق لقلب المسئول ; فأما ما استدلوا به من قوله تعالى : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار فإنما ذلك في الدنيا . وقد مضى القول فيه في موضعه مستوفى . وقال عطية العوفي : ينظرون إلى الله لا تحيط أبصارهم به من عظمته ، ونظره يحيط بها ; يدل عليه : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار قال القشيري أبو نصر : وقيل : ( إلى ) واحد الآلاء ، أي : نعمه منتظرة وهذا أيضا باطل ; لأن واحد الآلاء يكتب بالألف لا بالياء ، ثم الآلاء : نعمه الدفع ، وهم في الجنة لا ينتظرون دفع نقمه عنهم ، والمنتظر للشيء متنغص العيش ، فلا يوصف أهل الجنة بذلك . وقيل : أضاف النظر إلى الوجه ; وهو كقوله تعالى : تجري من تحتها الأنهار والماء يجري في النهر لا النهر . ثم قد يذكر الوجه بمعنى العين ; قال الله تعالى : فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا أي على عينيه . ثم لا يبعد قلب العادة غدا ، حتى يخلق الرؤية والنظر في الوجه ; وهو كقوله تعالى : أفمن يمشي مكبا على وجهه ، فقيل : يا رسول الله ! كيف يمشون في النار على وجوههم ؟ قال : " الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم " .
تفسير الطبريوقوله : ( وجوه يومئذ ناضرة ) يقول تعالى ذكره : وجوه يومئذ ، يعني يوم القيامة ناضرة : يقول حسنة جميلة من النعيم; يقال من ذلك : نضر وجه فلان : إذا حسن من النعمة ، ونضر الله وجهه : إذا حسنه كذلك .واختلف أهل التأويل في ذلك ، فقال بعضهم بالذي قلنا فيه .ذكر من قال ذلك :حدثني محمد بن إسماعيل البخاري ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا المبارك ، عن الحسن ( وجوه يومئذ ناضرة ) قال : حسنة .حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن منصور عن مجاهد ( وجوه يومئذ ناضرة ) قال : نضرة الوجوه : حسنها .حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ، مثله .حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( وجوه يومئذ ناضرة ) قال : الناضرة : الناعمة .حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد : ( وجوه يومئذ ناضرة ) قال : الوجوه الحسنة .حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ( وجوه يومئذ ناضرة ) قال : من السرور والنعيم والغبطة .وقال آخرون : بل معنى ذلك أنها مسرورة .ذكر من قال ذلك :حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : ( وجوه يومئذ ناضرة ) قال : مسرورة ( إلى ربها ناظرة ) .اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معنى ذلك : أنها تنظر إلى ربها . [ ص: 72 ]ذكر من قال ذلك :حدثنا محمد بن منصور الطوسي ، وإبراهيم بن سعيد الجوهري قالا ثنا علي بن الحسن بن شقيق ، قال : ثنا الحسين بن واقد ، عن يزيد النحوي ، عن عكرمة قال : ( تنظر إلى ربها نظرا ) .حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق ، قال : سمعت أبي يقول : أخبرني الحسين بن واقد في قوله : ( وجوه يومئذ ناضرة ) من النعيم ( إلى ربها ناظرة ) قال : أخبرني يزيد النحوي ، عن عكرمة وإسماعيل بن أبي خالد ، وأشياخ من أهل الكوفة ، قال : تنظر إلى ربها نظرا .حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري ، قال : ثنا آدم قال : ثنا المبارك عن الحسن ، في قوله : ( وجوه يومئذ ناضرة ) قال : حسنة ( إلى ربها ناظرة ) قال : تنظر إلى الخالق ، وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق .حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : ثنا خالد بن عبد الرحمن ، قال : ثنا أبو عرفجة ، عن عطية العوفي ، في قوله : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) قال : هم ينظرون إلى الله لا تحيط أبصارهم به من عظمته ، وبصره محيط بهم ، فذلك قوله : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) .وقال آخرون : بل معنى ذلك : أنها تنتظر الثواب من ربها .ذكر من قال ذلك :حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عمر بن عبيد ، عن منصور ، عن مجاهد ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) قال : تنتظر منه الثواب .قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ( إلى ربها ناظرة ) قال : تنتظر الثواب من ربها .حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ( إلى ربها ناظرة ) قال : تنتظر الثواب .حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن منصور عن مجاهد ( إلى ربها ناظرة ) قال : تنتظر الثواب من ربها ، لا يراه من خلقه شيء .حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي ، قال : ثنا أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن [ ص: 73 ] الأعمش ، عن مجاهد ( وجوه يومئذ ناضرة ) قال : نضرة من النعيم ( إلى ربها ناظرة ) قال : تنتظر رزقه وفضله .حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ، قال : كان أناس يقولون في حديث : " فيرون ربهم " فقلت لمجاهد : إن ناسا يقولون إنه يرى ، قال : يرى ولا يراه شيء .قال ثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ، في قوله : ( إلى ربها ناظرة ) قال : تنتظر من ربها ما أمر لها .حدثني أبو الخطاب الحساني ، قال : ثنا مالك ، عن سفيان ، قال : ثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي صالح ، في قوله : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) قال : تنتظر الثواب .حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا الأشجعي ، عن سفيان ، عن ثوير ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، قال : " إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى ملكه وسرره وخدمه مسيرة ألف سنة ، يرى أقصاه كما يرى أدناه ، وإن أرفع أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى وجه الله بكرة وعشية " .قال : ثنا ابن يمان ، قال : ثنا أشجع ، عن أبي الصهباء الموصلي ، قال : " إن أدنى أهل الجنة منزلة ، من يرى سرره وخدمه وملكه في مسيرة ألف سنة ، فيرى أقصاه كما يرى أدناه ، وإن أفضلهم منزلة ، من ينظر إلى وجه الله غدوة وعشية " .وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب القول الذي ذكرناه عن الحسن وعكرمة ، من أن معنى ذلك تنظر إلى خالقها ، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :حدثني علي بن الحسين بن أبجر ، قال : ثنا مصعب بن المقدام ، قال : ثنا إسرائيل بن يونس ، عن ثوير ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أدنى أهل الجنة منزلة ، لمن ينظر في ملكه ألفي سنة ، قال : وإن أفضلهم منزلة لمن ينظر في وجه الله كل يوم مرتين ; قال : ثم تلا ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) قال : بالبياض والصفاء ، قال : ( إلى ربها ناظرة ) قال : تنظر كل يوم في وجه الله عز وجل " .
وَوُجُوهٞ يَوۡمَئِذِۭ بَاسِرَةٞ  ٢٤
التفسير الميسرووجوه الأشقياء يوم القيامة عابسة كالحة، تتوقع أن تنزل بها مصيبة عظيمة، تقصم فَقَار الظَّهْر.
تفسير السعديوقال في المؤثرين العاجلة على الآجلة: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ أي: معبسة ومكدرة ، خاشعة ذليلة.
تفسير ابن كثيروقوله : ( وجوه يومئذ باسرة ) هذه وجوه الفجار تكون يوم القيامة باسرة . قال قتادة : كالحة . وقال السدي : تغير ألوانها . وقال ابن زيد ( باسرة ) أي : عابسة .
تفسير القرطبيووجوه يومئذ باسرة أي وجوه الكفار يوم القيامة كالحة كاسفة عابسة . وفي الصحاح : وبسر الفحل الناقة وابتسرها : إذا ضربها من غير ضبعة . وبسر الرجل وجهه بسورا أي كلح ; يقال : عبس وبسر . وقال السدي : باسرة أي متغيرة والمعنى واحد .
تفسير الطبريوقوله : ( ووجوه يومئذ باسرة ) يقول تعالى ذكره : ووجوه يومئذ متغيرة [ ص: 74 ] الألوان ، مسودة كالحة ، يقال : بسرت وجهه أبسره بسرا : إذا فعلت ذلك ، وبسر وجهه فهو باسر بين البسور .وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .ذكر من قال ذلك :حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : ( باسرة ) قال : كاشرة .حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( ووجوه يومئذ باسرة ) أي : كالحة .حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( باسرة ) قال : عابسة .حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( باسرة ) قال : عابسة .
تَظُنُّ أَن يُفۡعَلَ بِهَا فَاقِرَةٞ  ٢٥
التفسير الميسرووجوه الأشقياء يوم القيامة عابسة كالحة، تتوقع أن تنزل بها مصيبة عظيمة، تقصم فَقَار الظَّهْر.
تفسير السعدي تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ أي: عقوبة شديدة، وعذاب أليم، فلذلك تغيرت وجوههم وعبست.
تفسير ابن كثير( تظن ) أي : تستيقن ، ( أن يفعل بها فاقرة ) قال مجاهد : داهية . وقال قتادة : شر . وقال السدي : تستيقن أنها هالكة . وقال ابن زيد : تظن أن ستدخل النار .وهذا المقام كقوله : ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) [ آل عمران : 106 ] وكقوله ( وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة ) [ عبس : 38 - 42 ] وكقوله ( وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية ) إلى قوله : ( وجوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية في جنة عالية ) [ الغاشية : 2 - 10 ] في أشباه ذلك من الآيات والسياقات .
تفسير القرطبيتظن أن يفعل بها فاقرة أي توقن وتعلم ، والفاقرة : الداهية والأمر العظيم ; يقال : فقرته الفاقرة : أي كسرت فقار ظهره . قال معناه مجاهد وغيره . وقال قتادة : الفاقرة الشر . السدي : الهلاك . ابن عباس وابن زيد : دخول النار . والمعنى متقارب وأصلها الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى يخلص إلى العظم ; قاله الأصمعي . يقال : فقرت أنف البعير : إذا حززته بحديدة ثم جعلت على موضع الحز الجرير وعليه وتر ملوي ، لتذلله بذلك وتروضه ; ومنه قولهم : قد عمل به الفاقرة . وقال النابغة :أبى لي قبر لا يزال مقابلي وضربة فأس فوق رأسي فاقرهأي كاسرة .
تفسير الطبريوقوله : ( تظن أن يفعل بها فاقرة ) يقول تعالى ذكره : تعلم أنه يفعل بها داهية ، والفاقرة : الداهية .وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .ذكر من قال ذلك :حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : ( تظن أن يفعل بها فاقرة ) قال : داهية .حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( تظن أن يفعل بها فاقرة ) أي : شر .حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( تظن أن يفعل بها فاقرة ) قال : تظن أنها ستدخل النار ، قال : تلك الفاقرة ، وأصل الفاقرة : الوسم الذي يفقر به على ألأنف .
كـَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ  ٢٦
التفسير الميسرحقًّا إذا وصلت الروح إلى أعالي الصدر، وقال بعض الحاضرين لبعض: هل مِن راق يَرْقيه ويَشْفيه مما هو فيه؟ وأيقن المحتضر أنَّ الذي نزل به هو فراق الدنيا؛ لمعاينته ملائكة الموت، واتصلت شدة آخر الدنيا بشدة أول الآخرة، إلى الله تعالى مساق العباد يوم القيامة: إما إلى الجنة وإما إلى النار.
تفسير السعدييعظ تعالى عباده بذكر حال المحتضر عند السياق ، وأنه إذا بلغت روحه التراقي، وهي العظام المكتنفة لثغرة النحر، فحينئذ يشتد الكرب، ويطلب كل وسيلة وسبب، يظن أن يحصل به الشفاء والراحة،
تفسير ابن كثيريخبر تعالى عن حالة الاحتضار وما عنده من الأهوال - ثبتنا الله هنالك بالقول الثابت - فقال تعالى : ( كلا إذا بلغت التراقي ) إن جعلنا ) كلا ) رادعة فمعناها : لست يا ابن آدم تكذب هناك بما أخبرت به ، بل صار ذلك عندك عيانا . وإن جعلناها بمعنى ( حقا ) فظاهر ، أي : حقا إذا بلغت التراقي ، أي : انتزعت روحك من جسدك وبلغت تراقيك ، والتراقي : جمع ترقوة ، وهي العظام التي بين ثغرة النحر والعاتق ، كقوله : ( فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين ) [ الواقعة : 83 - 87 ] . وهكذا قال هاهنا : ( كلا إذا بلغت التراقي ) ويذكر هاهنا حديث بسر بن جحاش الذي تقدم في سورة " يس " . والتراقي : جمع ترقوة ، وهي قريبة من الحلقوم .
تفسير القرطبيقوله تعالى : كلا إذا بلغت التراقي كلا ردع وزجر ; أي بعيد أن يؤمن الكافر بيوم القيامة ; ثم استأنف فقال : إذا بلغت التراقي أي بلغت النفس أو الروح التراقي ; فأخبر عما لم يجر له ذكر ، لعلم المخاطب به ; كقوله تعالى : حتى توارت بالحجاب وقوله تعالى : فلولا إذا بلغت الحلقوم وقد تقدم .وقيل : كلا معناه حقا ; أي حقا أن المساق إلى الله إذا بلغت التراقي أي إذا ارتقت النفس إلى التراقي .وكان ابن عباس يقول : إذا بلغت نفس الكافر التراقي . والتراقي جمع ترقوة وهي العظام المكتنفة لنقرة النحر ، وهو مقدم الحلق من أعلى الصدر ، موضع الحشرجة ; قال دريد بن الصمة :ورب عظيمة دافعت عنهم وقد بلغت نفوسهم التراقيوقد يكنى عن الإشفاء على الموت ببلوغ النفس التراقي ، والمقصود تذكيرهم شدة الحال عند نزول الموت .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره : ليس الأمر كما يظن هؤلاء المشركون من أنهم لا يعاقبون على شركهم ومعصيتهم ربهم بل إذا بلغت نفس أحدهم التراقي عند مماته وحشرج بها .وقال ابن زيد في قول الله : ( كلا إذا بلغت التراقي ) قال : التراقي : نفسه .
وَقِيلَ مَنۡۜ رَاقٖ  ٢٧
التفسير الميسرحقًّا إذا وصلت الروح إلى أعالي الصدر، وقال بعض الحاضرين لبعض: هل مِن راق يَرْقيه ويَشْفيه مما هو فيه؟ وأيقن المحتضر أنَّ الذي نزل به هو فراق الدنيا؛ لمعاينته ملائكة الموت، واتصلت شدة آخر الدنيا بشدة أول الآخرة، إلى الله تعالى مساق العباد يوم القيامة: إما إلى الجنة وإما إلى النار.
تفسير السعدي وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ أي: من يرقيه من الرقية لأنهم انقطعت آمالهم من الأسباب العادية، فلم يبق إلا الأسباب الإلهية . ولكن القضاء والقدر، إذا حتم وجاء فلا مرد له،
تفسير ابن كثير( وقيل من راق ) قال : عكرمة ، عن ابن عباس : أي من راق يرقي ؟ وكذا قال أبو قلابة : ( وقيل من راق ) أي : من طبيب شاف . وكذا قال قتادة والضحاك وابن زيد .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا نصر بن علي ، حدثنا روح بن المسيب أبو رجاء الكلبي ، حدثنا عمرو بن مالك ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس : ( وقيل من راق ) قال : قيل : من يرقى بروحه : ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب ؟ فعلى هذا يكون من كلام الملائكة .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وقيل من راق اختلف فيه ; فقيل : هو من الرقية ; عن ابن عباس وعكرمة وغيرهما . روى سماك عن عكرمة قال : من راق يرقي : أي يشفي . وروى ميمون بن مهران عن ابن عباس : أي هل من طبيب يشفيه ; وقاله أبو قلابة وقتادة ; وقال الشاعر :هل للفتى من بنات الدهر من واق أم هل له من حمام الموت من راقوكان هذا على وجه الاستبعاد واليأس ; أي من يقدر أن يرقي من الموت .وعن ابن عباس أيضا وأبي الجوزاء أنه من رقي يرقى : إذا صعد ، والمعنى : من يرقى بروحه إلى السماء ؟ أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب ؟ وقيل : إن ملك الموت يقول من راق ؟ أي من يرقى بهذه النفس ; وذلك أن نفس الكافر تكره الملائكة قربها ، فيقول ملك الموت : يا فلان اصعد بها .وأظهر عاصم وقوم النون في قوله تعالى : من راق واللام في قوله : ( بل ران ) لئلا يشبه " مراق " وهو بائع المرقة ، و ( بران ) في تثنية البر . والصحيح ترك الإظهار ، وكسرة القاف في من راق ، وفتحة النون في بل ران تكفي في زوال اللبس . وأمثل مما ذكر : قصد الوقف على ( من ) و ( بل ) ، فأظهرهما ; قاله القشيري .
تفسير الطبريحدثني بذلك يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : ( وقيل من راق ) يقول تعالى ذكره : وقال أهله : من ذا يرقيه ليشفيه مما قد نزل به ، وطلبوا له الأطباء والمداوين ، فلم يغنوا عنه من أمر الله الذي قد نزل به شيئا .واختلف أهل التأويل في معنى قوله : ( من راق ) فقال بعضهم نحو الذي قلنا في ذلك .ذكر من قال ذلك :حدثنا أبو كريب وأبو هشام ، قالا ثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ( وقيل من راق ) قال : هل من راق يرقي .حدثنا أبو كريب وأبو هشام ، قالا ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن سليمان التيمي ، عن شبيب ، عن أبي قلابة ( وقيل من راق ) قال : هل من طبيب شاف .حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران عن سفيان ، عن سليمان التيمي ، عن شبيب ، عن أبي قلابة ، مثله .حدثنا الحسن بن عرفة ، قال : ثنا مروان بن معاوية ، عن أبي بسطام ، عن الضحاك بن مزاحم في قول الله تعالى ذكره : ( وقيل من راق ) قال : هو الطبيب .حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، عن جويبر ، عن الضحاك في ( وقيل من راق ) قال : هل من مداو .حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( وقيل من راق ) أي : التمسوا له الأطباء فلم يغنوا عنه من قضاء الله شيئا .حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن يزيد في قوله : ( وقيل من راق ) قال : أين الأطباء ، والرقاة : من يرقيه من الموت . [ ص: 76 ]وقال آخرون : بل هذا من قول الملائكة بعضهم لبعض ، يقول بعضهم لبعض : من يرقى بنفسه فيصعد بها .ذكر من قال ذلك :حدثنا أبو هشام ، قال : ثنا معاذ بن هشام ، قال : ثني أبي ، عن عمرو بن مالك ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس ( كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق ) قال : إذا بلغت نفسه يرقى بها ، قالت الملائكة : من يصعد بها ، ملائكة الرحمة ، أو ملائكة العذاب ؟حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا المعتمر ، عن أبيه ، في قوله : ( وقيل من راق ) قال : بلغني عن أبي قلابة قال : هل من طبيب ؟ قال : وبلغني عن أبي الجوزاء أنه قال : قالت الملائكة بعضهم لبعض : من يرقى : ملائكة الرحمة ، أو ملائكة العذاب ؟
وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلۡفِرَاقُ  ٢٨
التفسير الميسرحقًّا إذا وصلت الروح إلى أعالي الصدر، وقال بعض الحاضرين لبعض: هل مِن راق يَرْقيه ويَشْفيه مما هو فيه؟ وأيقن المحتضر أنَّ الذي نزل به هو فراق الدنيا؛ لمعاينته ملائكة الموت، واتصلت شدة آخر الدنيا بشدة أول الآخرة، إلى الله تعالى مساق العباد يوم القيامة: إما إلى الجنة وإما إلى النار.
تفسير السعدي وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ للدنيا.
تفسير ابن كثير
تفسير القرطبيقوله تعالى : وظن أي أيقن الإنسان أنه الفراق أي فراق الدنيا والأهل والمال والولد ، وذلك حين عاين الملائكة . وقال الشاعر :فراق ليس يشبهه فراق قد انقطع الرجاء عن التلاق
تفسير الطبريوقوله : ( وظن أنه الفراق ) يقول تعالى ذكره : وأيقن الذي قد نزل ذلك به أنه فراق الدنيا والأهل والمال والولد .وبنحو الذي قلنا في ذاك قال أهل التأويل .ذكر من قال ذلك :حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( وظن أنه الفراق ) أي : استيقن أنه الفراق .حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( وظن أنه الفراق ) قال : ليس أحد من خلق الله يدفع الموت ، ولا ينكره ، ولكن لا يدري يموت من ذلك المرض أو من غيره ؟ فالظن كما هاهنا هذا .
وَٱلۡتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ  ٢٩
التفسير الميسرحقًّا إذا وصلت الروح إلى أعالي الصدر، وقال بعض الحاضرين لبعض: هل مِن راق يَرْقيه ويَشْفيه مما هو فيه؟ وأيقن المحتضر أنَّ الذي نزل به هو فراق الدنيا؛ لمعاينته ملائكة الموت، واتصلت شدة آخر الدنيا بشدة أول الآخرة، إلى الله تعالى مساق العباد يوم القيامة: إما إلى الجنة وإما إلى النار.
تفسير السعدي وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ أي: اجتمعت الشدائد والتفت، وعظم الأمر وصعب الكرب، وأريد أن تخرج الروح التي ألفت البدن ولم تزل معه،
تفسير ابن كثيروبهذا الإسناد ، عن ابن عباس في قوله : ( والتفت الساق بالساق ) قال : التفت عليه الدنيا والآخرة . وكذا قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( والتفت الساق بالساق ) يقول : آخر يوم في الدنيا ، وأول يوم من أيام الآخرة ، فتلتقي الشدة بالشدة إلا من رحم الله .وقال عكرمة : ( والتفت الساق بالساق ) الأمر العظيم بالأمر العظيم . وقال مجاهد : بلاء ببلاء . وقال الحسن البصري في قوله : ( والتفت الساق بالساق ) هما ساقاك إذا التفتا . وفي رواية عنه : ماتت رجلاه فلم تحملاه ، وقد كان عليها جوالا . وكذا قال السدي ، عن أبي مالك .وفي رواية عن الحسن : هو لفهما في الكفن .وقال الضحاك : ( والتفت الساق بالساق ) اجتمع عليه أمران : الناس يجهزون جسده ، والملائكة يجهزون روحه .
تفسير القرطبيوالتفت الساق بالساق أي فاتصلت الشدة بالشدة ; شدة آخر الدنيا بشدة أول الآخرة ; قاله ابن عباس والحسن وغيرهما .وقال الشعبي وغيره : المعنى التفت ساقا الإنسان عند الموت من شدة الكرب . وقال قتادة : أما رأيته إذا أشرف على الموت يضرب إحدى رجليه على الأخرى .وقال سعيد بن المسيب والحسن أيضا : هما ساقا الإنسان إذا التفتا في الكفن . وقال زيد بن أسلم : التفت ساق الكفن بساق الميت .وقال الحسن أيضا : ماتت رجلاه ويبست ساقاه فلم تحملاه ، ولقد كان عليهما جوالا . قال النحاس : القول الأول أحسنها .وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : والتفت الساق بالساق قال : آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة ، فتلتقي الشدة بالشدة إلا من - رحمه الله - ; أي شدة كرب الموت بشدة هول المطلع ; والدليل على هذا قوله تعالى : إلى ربك يومئذ المساق وقال مجاهد : بلاء ببلاء . يقول : تتابعت عليه الشدائد .وقال الضحاك وابن زيد : اجتمع عليه أمران شديدان : الناس يجهزون جسده ، والملائكة يجهزون روحه ، والعرب لا تذكر الساق إلا في المحن والشدائد العظام ; ومنه قولهم : قامت الدنيا على ساق ، وقامت الحرب على ساق . قال الشاعر :صبرا أمام إنه شر باق وقامت الحرب بنا على ساقوقد مضى هذا المعنى في آخر سورة ( ن والقلم ) .وقال قوم : الكافر تعذب روحه عند خروج نفسه ، فهذه الساق الأولى ، ثم يكون بعدهما ساق البعث وشدائده
تفسير الطبريوقوله : ( والتفت الساق بالساق ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معنى ذلك : والتفت شدة أمر الدنيا بشدة أمر الآخرة .ذكر من قال ذلك :حدثنا أبو هشام الرفاعي ، قال : ثنا معاذ بن هشام ، قال : ثني أبى ، عن عمرو بن مالك ، عن أبي الجوزاء عن ابن عباس ( والتفت الساق بالساق ) قال : الدنيا بالآخرة شدةحدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : ( والتفت الساق بالساق ) يقول : آخر يوم من الدنيا ، وأول يوم من الآخرة ، فتلتقي الشدة بالشدة ، إلا من رحم الله . [ ص: 77 ]حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : ( والتفت الساق بالساق ) يقول : والتفت الدنيا بالآخرة ، وذلك ساق الدنيا والآخرة ، ألم تسمع أنه يقول : ( إلى ربك يومئذ المساق ) .حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثنا الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله : ( والتفت الساق بالساق ) قال : التف أمر الدنيا بأمر الآخرة عند الموت .حدثنا أبو كريب وأبو هشام ، قالا ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد ، قال : آخر يوم من الدنيا ، وأول يوم من الآخرة .حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( والتفت الساق بالساق ) قال : قال الحسن : ساق الدنيا بالآخرة .حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن ابن مجاهد ، قال : هو أمر الدنيا والآخرة عند الموت .حدثني علي بن الحسين ، قال : ثنا يحيى بن يمان ، عن أبي سنان الشيباني ، عن ثابت ، عن الضحاك في قوله : ( والتفت الساق بالساق ) قال : أهل الدنيا يجهزون الجسد ، وأهل الآخرة يجهزون الروح .حدثنا أبو هشام ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن أبي سنان ، عن الضحاك ، مثلهحدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن الضحاك ، قال : اجتمع عليه أمران ، الناس يجهزون جسده ، والملائكة يجهزون روحه .حدثنا أبو هشام ، قال : ثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك ، قال : ساق الدنيا بساق الآخرة .حدثنا أبو هشام ، قال : ثنا جعفر بن عون ، عن أبي جعفر ، عن الربيع مثله ، وزاد : ويقال : التفافهما عند الموت .حدثنا أبو هشام ، قال : ثنا ابن يمان ، عن فضيل بن مرزوق ، عن عطية قال : الدنيا والآخرة .قال : ثنا ابن يمان ، عن عبد الوهاب بن مجاهد ، عن أبيه ، قال : أمر الدنيا بأمر الآخرة . [ ص: 78 ]حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( والتفت الساق بالساق ) قال : أمر الدنيا بأمر الآخرة .حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( والتفت الساق بالساق ) قال : الشدة بالشدة ، ساق الدنيا بساق الآخرة .حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، قال : سألت إسماعيل بن أبي خالد ، فقال : عمل الدنيا بعمل الآخرة .حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن سلمة ، عن الضحاك ، قال : هما الدنيا والآخرة .حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( والتفت الساق بالساق ) قال : العلماء يقولون فيه قولين : منهم من يقول : ساق الآخرة بساق الدنيا . وقال آخرون : قل ميت يموت إلا التفت إحدى ساقيه بالأخرى . قال ابن زيد : غير أنا لا نشك أنها ساق الآخرة ، وقرأ : ( إلى ربك يومئذ المساق ) قال : لما التفت الآخرة بالدنيا ، كان المساق إلى الله ، قال : وهو أكثر قول من يقول ذلك .وقال آخرون : بل معنى ذلك : التفت ساقا الميت إذا لفتا في الكفن .ذكر من قال ذلك :حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن يمان ، قال : ثنا بشير بن المهاجر ، عن الحسن ، في قوله : ( والتفت الساق بالساق ) قال : لفهما في الكفن .حدثنا أبو هشام ، قال : ثنا وكيع وابن اليمان ، عن بشير بن المهاجر ، عن الحسن ، قال : هما ساقاك إذا لفتا في . الكفن .حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا وكيع عن بشير بن المهاجر ، عن الحسن ، مثله .وقال آخرون : بل معنى ذلك : التفاف ساقي الميت عند الموت .ذكر من قال ذلك :حدثنا حميد بن مسعدة ، قال ثنا بشر بن المفضل ، قال : ثنا داود ، عن عامر ( والتفت الساق بالساق ) قال : ساقا الميت .حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا عبد الوهاب وعبد الأعلى ، قالا ثنا داود ، عن عامر قال : التفت ساقاه عند الموت . [ ص: 79 ]حدثنا ابن المثنى ، قال : ثني ابن أبي عدي ، عن داود ، عن الشعبي مثله .حدثني إسحاق بن شاهين ، قال : ثنا خالد ، عن داود ، عن عامر ، بنحوه .حدثنا أبو كريب وأبو هشام قالا ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن حصين عن أبي مالك ( والتفت الساق بالساق ) قال : عند الموت .حدثنا أبو هشام ، قال : ثنا عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن السدي ، عن أبي مالك ، قال : التفت ساقاك عند الموت .حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، عن الحسن ، في قوله : ( والتفت الساق بالساق ) لفهما أمر الله .حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر قال : قال الحسن : ساقا ابن آدم عند الموت .حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن إسماعيل السدي ، عن أبي مالك ( والتفت الساق بالساق ) قال : هما ساقاه إذا ضمت إحداهما بالأخرى .حدثنا ابن بشار وابن المثنى ، قالا ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن قتادة ( والتفت الساق بالساق ) قال قتادة : أما رأيته إذا ضرب برجله رجله الأخرى .حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( والتفت الساق بالساق ) ماتت رجلاه فلا يحملانه إلى شيء ، فقد كان عليهما جولا .حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن السدي ، عن أبي مالك ( والتفت الساق بالساق ) قال : ساقاه عند الموت .وقال آخرون : عني بذلك يبسهما عند الموت .ذكر من قال ذلك :حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن السدي ، عن أبي مالك ( والتفت الساق بالساق ) قال : يبسهما عند الموت .حدثنا أبو هشام ، قال : ثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن السدي ، مثله .وقال آخرون : معنى ذلك : والتف أمر بأمر .ذكر من قال ذلك :حدثنا أبو كريب وأبو هشام قالا ثنا وكيع ، قال : ثنا ابن أبي خالد ، عن [ ص: 80 ] أبي عيسى ( والتفت الساق بالساق ) قال : الأمر بالأمر .وقال آخرون : بل عني بذلك : والتف بلاء ببلاء .ذكر من قال ذلك :حدثنا أبو هشام ، قال : ثنا عبيد الله ، قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي يحيى ، عن مجاهد ، قال : بلاء ببلاء .وأولى الأقوال في ذلك بالصحة عندي قول من قال : معنى ذلك : والتفت ساق الدنيا بساق الآخرة ، وذلك شدة كرب الموت بشدة هول المطلع ، والذي يدل على أن ذلك تأويله ، قوله : ( إلى ربك يومئذ المساق ) والعرب تقول لكل أمر اشتد : قد شمر عن ساقه ، وكشف عن ساقه ، ومنه قول الشاعر :إذا شمرت لك عن ساقها فرنها ربيع ولا تسأمعني بقوله : ( التفت الساق بالساق ) التصقت إحدى الشدتين بالأخرى ، كما يقال للمرأة إذا التصقت إحدى فخذيها بالأخرى : لفاء .
إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمَسَاقُ  ٣٠
التفسير الميسرحقًّا إذا وصلت الروح إلى أعالي الصدر، وقال بعض الحاضرين لبعض: هل مِن راق يَرْقيه ويَشْفيه مما هو فيه؟ وأيقن المحتضر أنَّ الذي نزل به هو فراق الدنيا؛ لمعاينته ملائكة الموت، واتصلت شدة آخر الدنيا بشدة أول الآخرة، إلى الله تعالى مساق العباد يوم القيامة: إما إلى الجنة وإما إلى النار.
تفسير السعديفتساق إلى الله تعالى، حتى يجازيها بأعمالها، ويقررها بفعالها.فهذا الزجر، [الذي ذكره الله] يسوق القلوب إلى ما فيه نجاتها، ويزجرها عما فيه هلاكها. ولكن المعاند الذي لا تنفع فيه الآيات، لا يزال مستمرا على بغيه وكفره وعناده.
تفسير ابن كثيروقوله : ( إلى ربك يومئذ المساق ) أي : المرجع والمآب ، وذلك أن الروح ترفع إلى السماوات ، فيقول الله عز وجل : ردوا عبدي إلى الأرض ، فإني منها خلقتهم ، وفيها أعيدهم ، ومنها أخرجهم تارة أخرى . كما ورد في حديث البراء الطويل . وقد قال الله تعالى : ( وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين ) [ الأنعام : 61 ، 62 ] .
تفسير القرطبيإلى ربك أي إلى خالقك يومئذ أي يوم القيامة المساق أي المرجع . وفي بعض التفاسير قال : يسوقه ملكه الذي كان يحفظ عليه السيئات . والمساق : المصدر من ساق يسوق ، كالمقال من قال يقول .
تفسير الطبريوقوله : ( إلى ربك يومئذ المساق ) يقول : إلى ربك يا محمد يوم التفاف الساق بالساق مساقه .
فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ  ٣١
التفسير الميسرفلا آمن الكافر بالرسول والقرآن، ولا أدَّى لله تعالى فرائض الصلاة، ولكن كذَّب بالقرآن، وأعرض عن الإيمان، ثم مضى إلى أهله يتبختر مختالا في مشيته. هلاك لك فهلاك، ثم هلاك لك فهلاك.
تفسير السعدي فَلَا صَدَّقَ أي: لا آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره وَلَا صَلَّى
تفسير ابن كثيرهذا إخبار عن الكافر الذي كان في الدار الدنيا مكذبا للحق بقلبه متوليا عن العمل بقالبه فلا خير فيه باطنا ولا ظاهرا ولهذا قال تعالى "فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى".
تفسير القرطبيقوله تعالى : فلا صدق ولا صلى أي لم يصدق أبو جهل ولم يصل . وقيل : يرجع هذا إلى الإنسان في أول السورة ، وهو اسم جنس . والأول قول ابن عباس . أي لم يصدق بالرسالة ولا صلى ودعا لربه ، وصلى على رسوله .وقال قتادة : فلا صدق بكتاب الله ، ولا صلى لله . وقيل : ولا صدق بمال له ، ذخرا له عند الله ، ولا صلى الصلوات التي أمره الله بها . وقيل : فلا آمن بقلبه ولا عمل ببدنه .قال الكسائي : لا بمعنى لم ولكنه يقرن بغيره ; تقول العرب : لا عبد الله خارج ولا فلان ، ولا تقول : مررت برجل لا محسن حتى يقال ولا مجمل ، وقوله تعالى : فلا اقتحم العقبة ليس من هذا القبيل ; لأن معناه أفلا اقتحم ; أي فهلا اقتحم ، فحذف ألف الاستفهام . وقال الأخفش : فلا صدق أي لم يصدق ; كقوله : فلا اقتحم أي لم يقتحم ، ولم يشترط أن يعقبه بشيء آخر ، والعرب تقول : لا ذهب ، أي لم يذهب ، فحرف النفي ينفي الماضي كما ينفي المستقبل ; ومنه قول زهير :فلا هو أبداها ولم يتقدم
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره : فلم يصدق بكتاب الله ، ولم يصل له صلاة ، ولكنه كذب بكتاب الله ، وتولى فأدبر عن طاعة الله .وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . [ ص: 81 ]ذكر من قال ذلك :حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( فلا صدق ولا صلى ) لا صدق بكتاب الله ، ولا صلى لله
وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ  ٣٢
التفسير الميسرفلا آمن الكافر بالرسول والقرآن، ولا أدَّى لله تعالى فرائض الصلاة، ولكن كذَّب بالقرآن، وأعرض عن الإيمان، ثم مضى إلى أهله يتبختر مختالا في مشيته. هلاك لك فهلاك، ثم هلاك لك فهلاك.
تفسير السعدي[وَلَكِنْ كَذَّبَ بالحق في مقابلة التصديق، وَتَوَلَّى عن الأمر والنهي، هذا وهو مطمئن قلبه، غير خائف من ربه،
تفسير ابن كثيرهذا إخبار عن الكافر الذي كان في الدار الدنيا مكذبا للحق بقلبه متوليا عن العمل بقالبه فلا خير فيه باطنا ولا ظاهرا ولهذا قال تعالى "فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى".
تفسير القرطبيأي كذب بالقرآن وتولى عن الإيمان
تفسير الطبري( ولكن كذب وتولى ) كذب بكتاب الله ، وتولى عن طاعة الله .
ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ يَتَمَطَّىٰٓ  ٣٣
التفسير الميسرفلا آمن الكافر بالرسول والقرآن، ولا أدَّى لله تعالى فرائض الصلاة، ولكن كذَّب بالقرآن، وأعرض عن الإيمان، ثم مضى إلى أهله يتبختر مختالا في مشيته. هلاك لك فهلاك، ثم هلاك لك فهلاك.
تفسير السعديبل يذهب إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى أي: ليس على باله شيء،
تفسير ابن كثير(ثم ذهب إلى أهله يتمطى ) أي : جذلا أشرا بطرا كسلانا ، لا همة له ولا عمل ، كما قال : ( وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين ) [ المطففين : 34 ] . وقال ( إنه كان في أهله مسرورا إنه ظن أن لن يحور ) أي : يرجع ( بلى إن ربه كان به بصيرا ) [ الانشقاق : 13 - 15 ] .وقال الضحاك : عن ابن عباس : ( ثم ذهب إلى أهله يتمطى ) [ أي ] . يختال . وقال قتادة وزيد بن أسلم : يتبختر .
تفسير القرطبيثم ذهب إلى أهله يتمطى أي يتبختر ، افتخارا بذلك ; قاله مجاهد وغيره . مجاهد : المراد به أبو جهل .وقيل : يتمطى من المطا وهو الظهر ، والمعنى يلوي مطاه . وقيل : أصله يتمطط ، وهو التمدد من التكسل والتثاقل ، فهو يتثاقل عن الداعي إلى الحق ; فأبدل من الطاء ياء كراهة التضعيف ، والتمطي يدل على قلة الاكتراث ، وهو التمدد ، كأنه يمد ظهره ويلويه من التبختر . والمطيطة الماء الخاثر في أسفل الحوض ; لأنه يتمطى أي يتمدد ; وفي الخبر : " إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمتهم فارس والروم كان بأسهم بينهم " . والمطيطاء : التبختر ومد اليدين في المشي .
تفسير الطبريوقوله : ( ثم ذهب إلى أهله يتمطى ) يقول تعالى ذكره : ثم مضى إلى أهله منصرفا إليهم ، يتبختر في مشيته .وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .ذكر من قال ذلك :حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( ثم ذهب إلى أهله يتمطى ) أي : يتبختر .حدثني سعيد بن عمرو السكوني ، قال : ثنا بقية بن الوليد ، عن ميسرة بن عبيد ، عن زيد بن أسلم ، في قوله : ( ثم ذهب إلى أهله يتمطى ) قال : يتبختر ، قال : هي مشية بني مخزوم .حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن موسى بن عبيدة ، عن إسماعيل بن أمية عن مجاهد ( ذهب إلى أهله يتمطى ) قال : رأى رجلا من قريش يمشي ، فقال : هكذا كان يمشي كما يمشي هذا ، كان يتبختر .حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : ( يتمطى ) قال : يتبختر وهو أبو جهل بن هشام ، كانت مشيته .وقيل : إن هذه الآية نزلت في أبي جهل .ذكر من قال ذلك :حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : ( يتمطى ) قال : أبو جهل .حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى ) قال : هذا في أبي جهل متبخترا .[ ص: 82 ] وإنما عني بقوله : ( يتمطى ) يلوي مطاه تبخترا ، والمطا : هو الظهر ، ومنه الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا مشت أمتي المطيطاء " وذلك أن يلقي الرجل بيديه ويتكفأ .
أَوۡلَىٰ لَكَ فَأَوۡلَىٰ  ٣٤
التفسير الميسرفلا آمن الكافر بالرسول والقرآن، ولا أدَّى لله تعالى فرائض الصلاة، ولكن كذَّب بالقرآن، وأعرض عن الإيمان، ثم مضى إلى أهله يتبختر مختالا في مشيته. هلاك لك فهلاك، ثم هلاك لك فهلاك.
تفسير السعديتوعده بقوله: أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى وهذه كلمات وعيد، كررها لتكرير وعيده، ثم ذكر الإنسان بخلقه الأول
تفسير ابن كثيرال الله تعالى : ( أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى ) وهذا تهديد ووعيد أكيد منه تعالى للكافر به المتبختر في مشيته ، أي : يحق لك أن تمشي هكذا وقد كفرت بخالقك وبارئك ، كما يقال في مثل هذا على سبيل التهكم والتهديد كقوله : ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) [ الدخان : 49 ] . وكقوله : ( كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون ) [ المرسلات : 46 ] ، وكقوله ( فاعبدوا ما شئتم من دونه ) [ الزمر : 15 ] ، وكقوله ( اعملوا ما شئتم ) [ فصلت : 40 ] . إلى غير ذلك .وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان الواسطي ، حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن مهدي - ، عن إسرائيل ، عن موسى بن أبي عائشة قال : سألت سعيد بن جبير قلت : ( أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى ) ؟ قال : قاله النبي صلى الله عليه وسلم لأبي جهل ، ثم نزل به القرآن .وقال أبو عبد الرحمن النسائي : حدثنا إبراهيم بن يعقوب . حدثنا أبو النعمان ، حدثنا أبو عوانة - ( ح ) وحدثنا أبو داود : حدثنا محمد بن سليمان . حدثنا أبو عوانة - عن موسى بن أبي عائشة ، عن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس : ( أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى ) ؟ قال : قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أنزله الله عز وجل .قال ابن أبي حاتم : وحدثنا أبي ، حدثنا هشام بن خالد ، حدثنا شعيب ، عن إسحاق ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى ) وعيد على أثر وعيد ، كما تسمعون ، وزعموا أن عدو الله أبا جهل أخذ نبي الله بمجامع ثيابه ، ثم قال : " أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى " ، فقال عدو الله أبو جهل : أتوعدني يا محمد ؟ والله لا تستطيع أنت ولا ربك شيئا ، وإني لأعز من مشى بين جبليها .
تفسير القرطبيقوله تعالى : أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى تهديد بعد تهديد ، ووعيد بعد وعيد ، أي فهو وعيد أربعة لأربعة ; كما روي أنها نزلت في أبي جهل الجاهل بربه فقال : فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى أي لا صدق رسول الله ، ولا وقف بين يدي فصلى ، ولكن كذب رسولي ، وتولى عن التصلية بين يدي . فترك التصديق خصلة ، والتكذيب خصلة ، وترك الصلاة خصلة ، والتولي عن الله تعالى خصلة ; فجاء الوعيد أربعة مقابلة لترك الخصال الأربعة . والله أعلم . لا يقال : فإن قوله : ثم ذهب إلى أهله يتمطى خصلة خامسة ; فإنا نقول : تلك كانت عادته قبل التكذيب والتولي ، فأخبر عنها . وذلك بين في قول قتادة على ما نذكره . وقيل : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج من المسجد ذات يوم ، فاستقبله أبو جهل على باب المسجد ، مما يلي باب بني مخزوم ، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده ، فهزه مرة أو مرتين ثم قال : " أولى لك فأولى " فقال له أبو جهل : أتهددني ؟ فوالله إني لأعز أهل الوادي وأكرمه . ونزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قال لأبي جهل . وهي كلمة وعيد . قال الشاعر [ امرؤ القيس ] :فأولى ثم أولى ثم أولى وهل للدر يحلب من مردقال قتادة : أقبل أبو جهل بن هشام يتبختر ، فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده فقال : " أولى لك فأولى ، ثم أولى لك فأولى " . فقال : ما تستطيع أنت ولا ربك لي شيئا ، إني لأعز من بين جبليها . فلما كان يوم بدر أشرف على المسلمين فقال : لا يعبد الله بعد هذا اليوم أبدا . فضرب الله عنقه ، وقتله شر قتلة . وقيل : معناه : الويل لك ; ومنه قول الخنساء :هممت بنفسي كل الهموم فأولى لنفسي أولى لهاسأحمل نفسي على آلة فإما عليها وإما لهاالآلة : الحالة ، والآلة : السرير أيضا الذي يحمل عليه الميت ; وعلى هذا التأويل قيل : هو من المقلوب ; كأنه قيل : أويل ، ثم أخر الحرف المعتل ، والمعنى : الويل لك حيا ، والويل لك ميتا ، والويل لك يوم البعث ، والويل لك يوم تدخل النار ; وهذا التكرير كما قال :لك الويلات إنك مرجليأي لك الويل ، ثم الويل ، ثم الويل ، وضعف هذا القول . وقيل : معناه الذم لك ، أولى ، من تركه ، إلا أنه كثير في الكلام فحذف . وقيل : المعنى أنت أولى وأجدر بهذا العذاب .وقال أبو العباس أحمد بن يحيى : قال الأصمعي أولى في كلام العرب معناه مقاربة الهلاك ، كأنه يقول : قد وليت الهلاك ، قد دانيت الهلاك ; وأصله من الولي ، وهو القرب ; قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار أي يقربون منكم ; وأنشد الأصمعي :وأولى أن يكون له الولاءأي قارب أن يكون له ; وأنشد أيضا :أولى لمن هاجت له أن يكمداأي قد دنا صاحبها من الكمد . وكان أبو العباس ثعلب يستحسن قول الأصمعي ويقول : ليس أحد يفسر كتفسير الأصمعي .النحاس : العرب تقول أولى لك كدت تهلك ثم أفلت ، وكأن تقديره : أولى لك وأولى بك الهلكة .المهدوي قال : ولا تكون أولى ( أفعل منك ) ، وتكون خبر مبتدأ محذوف ، كأنه قال : الوعيد أولى له من غيره ; لأن أبا زيد قد حكى : أولاة الآن : إذا أوعدوا . فدخول علامة التأنيث دليل على أنه ليس كذلك .و ( لك ) خبر عن أولى . ولم ينصرف أولى لأنه صار علما للوعيد ، فصار كرجل اسمه أحمد . وقيل : التكرير فيه على معنى ألزم لك على عملك السيئ الأول ، ثم على الثاني ، والثالث ، والرابع ، كما تقدم .
تفسير الطبريوقوله ( أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى ) هذا وعيد من الله على وعيد لأبي جهل .كما حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى ) وعيد على وعيد ، كما تسمعون ، زعم أن هذا أنزل في عدو الله أبي جهل . ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أخذ بمجامع ثيابه فقال : ( أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى ) فقال عدو الله أبو جهل : أيوعدني محمد ؟ والله ما تستطيع لي أنت ولا ربك شيئا ، والله لأنا أعز من مشى بين جبليها .حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيده ، يعني بيد أبي جهل ، فقال : ( أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى ) فقال : يا محمد ، ما تستطيع أنت وربك في شيئا ، إني لأعز من مشى بين جبليها ، فلما كان يوم بدر أشرف عليهم فقال : لا يعبد الله بعد هذا اليوم ، وضرب الله عنقه ، وقتله شر قتلة .حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى ) قال : قال أبو جهل : إن محمدا ليوعدني ، وأنا أعز أهل مكة والبطحاء ، وقرأ : ( فليدع ناديه سندع الزبانية كلا لا تطعه واسجد واقترب ) .حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن موسى بن أبي عائشة ، قال : قلت لسعيد بن جبير : أشيء قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل نفسه ، أم أمر أمره الله به ؟ قال : بل قاله من قبل نفسه ، ثم أنزل الله : ( أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى ) .
ثُمَّ أَوۡلَىٰ لَكَ فَأَوۡلَىٰٓ  ٣٥
التفسير الميسرفلا آمن الكافر بالرسول والقرآن، ولا أدَّى لله تعالى فرائض الصلاة، ولكن كذَّب بالقرآن، وأعرض عن الإيمان، ثم مضى إلى أهله يتبختر مختالا في مشيته. هلاك لك فهلاك، ثم هلاك لك فهلاك.
تفسير السعديتوعده بقوله: أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى وهذه كلمات وعيد، كررها لتكرير وعيده، ثم ذكر الإنسان بخلقه الأول
تفسير ابن كثيرال الله تعالى : ( أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى ) وهذا تهديد ووعيد أكيد منه تعالى للكافر به المتبختر في مشيته ، أي : يحق لك أن تمشي هكذا وقد كفرت بخالقك وبارئك ، كما يقال في مثل هذا على سبيل التهكم والتهديد كقوله : ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) [ الدخان : 49 ] . وكقوله : ( كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون ) [ المرسلات : 46 ] ، وكقوله ( فاعبدوا ما شئتم من دونه ) [ الزمر : 15 ] ، وكقوله ( اعملوا ما شئتم ) [ فصلت : 40 ] . إلى غير ذلك .وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان الواسطي ، حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن مهدي - ، عن إسرائيل ، عن موسى بن أبي عائشة قال : سألت سعيد بن جبير قلت : ( أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى ) ؟ قال : قاله النبي صلى الله عليه وسلم لأبي جهل ، ثم نزل به القرآن .وقال أبو عبد الرحمن النسائي : حدثنا إبراهيم بن يعقوب . حدثنا أبو النعمان ، حدثنا أبو عوانة - ( ح ) وحدثنا أبو داود : حدثنا محمد بن سليمان . حدثنا أبو عوانة - عن موسى بن أبي عائشة ، عن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس : ( أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى ) ؟ قال : قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أنزله الله عز وجل .قال ابن أبي حاتم : وحدثنا أبي ، حدثنا هشام بن خالد ، حدثنا شعيب ، عن إسحاق ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى ) وعيد على أثر وعيد ، كما تسمعون ، وزعموا أن عدو الله أبا جهل أخذ نبي الله بمجامع ثيابه ، ثم قال : " أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى " ، فقال عدو الله أبو جهل : أتوعدني يا محمد ؟ والله لا تستطيع أنت ولا ربك شيئا ، وإني لأعز من مشى بين جبليها .
تفسير القرطبيقوله تعالى : أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى تهديد بعد تهديد ، ووعيد بعد وعيد ، أي فهو وعيد أربعة لأربعة ; كما روي أنها نزلت في أبي جهل الجاهل بربه فقال : فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى أي لا صدق رسول الله ، ولا وقف بين يدي فصلى ، ولكن كذب رسولي ، وتولى عن التصلية بين يدي . فترك التصديق خصلة ، والتكذيب خصلة ، وترك الصلاة خصلة ، والتولي عن الله تعالى خصلة ; فجاء الوعيد أربعة مقابلة لترك الخصال الأربعة . والله أعلم . لا يقال : فإن قوله : ثم ذهب إلى أهله يتمطى خصلة خامسة ; فإنا نقول : تلك كانت عادته قبل التكذيب والتولي ، فأخبر عنها . وذلك بين في قول قتادة على ما نذكره . وقيل : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج من المسجد ذات يوم ، فاستقبله أبو جهل على باب المسجد ، مما يلي باب بني مخزوم ، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده ، فهزه مرة أو مرتين ثم قال : " أولى لك فأولى " فقال له أبو جهل : أتهددني ؟ فوالله إني لأعز أهل الوادي وأكرمه . ونزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قال لأبي جهل . وهي كلمة وعيد . قال الشاعر [ امرؤ القيس ] :فأولى ثم أولى ثم أولى وهل للدر يحلب من مردقال قتادة : أقبل أبو جهل بن هشام يتبختر ، فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده فقال : " أولى لك فأولى ، ثم أولى لك فأولى " . فقال : ما تستطيع أنت ولا ربك لي شيئا ، إني لأعز من بين جبليها . فلما كان يوم بدر أشرف على المسلمين فقال : لا يعبد الله بعد هذا اليوم أبدا . فضرب الله عنقه ، وقتله شر قتلة . وقيل : معناه : الويل لك ; ومنه قول الخنساء :هممت بنفسي كل الهموم فأولى لنفسي أولى لهاسأحمل نفسي على آلة فإما عليها وإما لهاالآلة : الحالة ، والآلة : السرير أيضا الذي يحمل عليه الميت ; وعلى هذا التأويل قيل : هو من المقلوب ; كأنه قيل : أويل ، ثم أخر الحرف المعتل ، والمعنى : الويل لك حيا ، والويل لك ميتا ، والويل لك يوم البعث ، والويل لك يوم تدخل النار ; وهذا التكرير كما قال :لك الويلات إنك مرجليأي لك الويل ، ثم الويل ، ثم الويل ، وضعف هذا القول . وقيل : معناه الذم لك ، أولى ، من تركه ، إلا أنه كثير في الكلام فحذف . وقيل : المعنى أنت أولى وأجدر بهذا العذاب .وقال أبو العباس أحمد بن يحيى : قال الأصمعي أولى في كلام العرب معناه مقاربة الهلاك ، كأنه يقول : قد وليت الهلاك ، قد دانيت الهلاك ; وأصله من الولي ، وهو القرب ; قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار أي يقربون منكم ; وأنشد الأصمعي :وأولى أن يكون له الولاءأي قارب أن يكون له ; وأنشد أيضا :أولى لمن هاجت له أن يكمداأي قد دنا صاحبها من الكمد . وكان أبو العباس ثعلب يستحسن قول الأصمعي ويقول : ليس أحد يفسر كتفسير الأصمعي .النحاس : العرب تقول أولى لك كدت تهلك ثم أفلت ، وكأن تقديره : أولى لك وأولى بك الهلكة .المهدوي قال : ولا تكون أولى ( أفعل منك ) ، وتكون خبر مبتدأ محذوف ، كأنه قال : الوعيد أولى له من غيره ; لأن أبا زيد قد حكى : أولاة الآن : إذا أوعدوا . فدخول علامة التأنيث دليل على أنه ليس كذلك .و ( لك ) خبر عن أولى . ولم ينصرف أولى لأنه صار علما للوعيد ، فصار كرجل اسمه أحمد . وقيل : التكرير فيه على معنى ألزم لك على عملك السيئ الأول ، ثم على الثاني ، والثالث ، والرابع ، كما تقدم .
تفسير الطبريوقوله ( أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى ) هذا وعيد من الله على وعيد لأبي جهل .كما حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى ) وعيد على وعيد ، كما تسمعون ، زعم أن هذا أنزل في عدو الله أبي جهل . ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أخذ بمجامع ثيابه فقال : ( أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى ) فقال عدو الله أبو جهل : أيوعدني محمد ؟ والله ما تستطيع لي أنت ولا ربك شيئا ، والله لأنا أعز من مشى بين جبليها .حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيده ، يعني بيد أبي جهل ، فقال : ( أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى ) فقال : يا محمد ، ما تستطيع أنت وربك في شيئا ، إني لأعز من مشى بين جبليها ، فلما كان يوم بدر أشرف عليهم فقال : لا يعبد الله بعد هذا اليوم ، وضرب الله عنقه ، وقتله شر قتلة .حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى ) قال : قال أبو جهل : إن محمدا ليوعدني ، وأنا أعز أهل مكة والبطحاء ، وقرأ : ( فليدع ناديه سندع الزبانية كلا لا تطعه واسجد واقترب ) .حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن موسى بن أبي عائشة ، قال : قلت لسعيد بن جبير : أشيء قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل نفسه ، أم أمر أمره الله به ؟ قال : بل قاله من قبل نفسه ، ثم أنزل الله : ( أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى ) .
أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَن يُتۡرَكَ سُدًى  ٣٦
التفسير الميسرأيظنُّ هذا الإنسان المنكر للبعث أن يُترك هَمَلا لا يُؤمر ولا يُنْهى، ولا يحاسب ولا يعاقب؟ ألم يك هذا الإنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين يراق ويصب في الأرحام، ثم صار قطعة من دم جامد، فخلقه الله بقدرته وسوَّى صورته في أحسن تقويم؟ فجعل من هذا الإنسان الصنفين: الذكر والأنثى، أليس ذلك الإله الخالق لهذه الأشياء بقادر على إعادة الخلق بعد فنائهم؟ بلى إنه - سبحانه وتعالى- لقادر على ذلك.
تفسير السعدي أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى أي: معطلا ، لا يؤمر ولا ينهى، ولا يثاب ولا يعاقب؟ هذا حسبان باطل وظن بالله بغير ما يليق بحكمته.
تفسير ابن كثيروقوله : ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى ) قال السدي : يعني : لا يبعث .وقال مجاهد والشافعي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : يعني لا يؤمر ولا ينهى .والظاهر أن الآية تعم الحالين ، أي : ليس يترك في هذه الدنيا مهملا لا يؤمر ولا ينهى ، ولا يترك في قبره سدى لا يبعث ، بل هو مأمور منهي في الدنيا ، محشور إلى الله في الدار الآخرة . والمقصود هنا إثبات المعاد ، والرد على من أنكره من أهل الزيغ والجهل والعناد ، ولهذا قال مستدلا على الإعادة بالبداءة فقال .
تفسير القرطبيقوله تعالى : أيحسب الإنسان أي يظن ابن آدم أن يترك سدى أي أن يخلى مهملا ، فلا يؤمر ولا ينهى ; قاله ابن زيد ومجاهد ، ومنه إبل سدى : ترعى بلا راع . وقيل : أيحسب أن يترك في قبره كذلك أبدا لا يبعث . وقال الشاعر :فأقسم بالله جهد اليمي ن ما ترك الله شيئا سدى
تفسير الطبريوقوله: ( أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ) يقول تعالى ذكره: أيظنّ هذا الإنسان الكافر بالله أن يترك هملا أن لا يؤمر ولا ينهى، ولا يتعبد بعبادة.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله: ( أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ) يقول: هملا.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ) قال: لا يُؤمر، ولا يُنْهى.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ) قال السديّ: الذي لا يفترض عليه عمل ولا يعمل.
أَلَمۡ يَكُ نُطۡفَةٗ مِّن مَّنِيّٖ يُمۡنَىٰ  ٣٧
التفسير الميسرأيظنُّ هذا الإنسان المنكر للبعث أن يُترك هَمَلا لا يُؤمر ولا يُنْهى، ولا يحاسب ولا يعاقب؟ ألم يك هذا الإنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين يراق ويصب في الأرحام، ثم صار قطعة من دم جامد، فخلقه الله بقدرته وسوَّى صورته في أحسن تقويم؟ فجعل من هذا الإنسان الصنفين: الذكر والأنثى، أليس ذلك الإله الخالق لهذه الأشياء بقادر على إعادة الخلق بعد فنائهم؟ بلى إنه - سبحانه وتعالى- لقادر على ذلك.
تفسير السعدي أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى
تفسير ابن كثير( ألم يك نطفة من مني يمنى ) ؟ أي : أما كان الإنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين يمنى ، يراق من الأصلاب في الأرحام .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ألم يك نطفة من مني يمنى أي من قطرة ماء تمنى في الرحم ، أي تراق فيه ; ولذلك سميت ( منيا ) لإراقة الدماء . وقد تقدم .والنطفة : الماء القليل ; يقال : نطف الماء : إذا قطر . أي ألم يك ماء قليلا في صلب الرجل وترائب المرأة . وقرأ حفص من مني يمنى بالياء ، وهي قراءة ابن محيصن ومجاهد ويعقوب وعياش عن أبي عمرو ، واختاره أبو عبيد لأجل المني . الباقون بالتاء لأجل النطفة ، واختاره أبو حاتم .
تفسير الطبرييقول تعالى ذكره: ألم يك هذا المنكر قدرة الله على إحيائه من بعد مماته، وإيجاده من بعد فنائه ( نُطْفَةً ) يعني: ماء قليلا في صلب الرجل من منيّ.واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( يُمْنَى ) فقرأه عامة قرّاء المدينة والكوفة: ( تُمْنَى ) بالتاء بمعنى: تمنى النطفة، وقرأ ذلك بعض قرّاء مكة والبصرة: ( يُمْنَى ) بالياء، بمعنى: يمنى المنيّ.والصواب من القول أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
ثُمَّ كَانَ عَلَقَةٗ فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ  ٣٨
التفسير الميسرأيظنُّ هذا الإنسان المنكر للبعث أن يُترك هَمَلا لا يُؤمر ولا يُنْهى، ولا يحاسب ولا يعاقب؟ ألم يك هذا الإنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين يراق ويصب في الأرحام، ثم صار قطعة من دم جامد، فخلقه الله بقدرته وسوَّى صورته في أحسن تقويم؟ فجعل من هذا الإنسان الصنفين: الذكر والأنثى، أليس ذلك الإله الخالق لهذه الأشياء بقادر على إعادة الخلق بعد فنائهم؟ بلى إنه - سبحانه وتعالى- لقادر على ذلك.
تفسير السعدي[ ثُمَّ كَانَ بعد المني عَلَقَةً أي: دما، فَخَلَقَ الله منها الحيوان وسواه أي: أتقنه وأحكمه،
تفسير ابن كثيرأي فصار علقة ثم مضغة ثم شكل ونفخ فيه الروح فصار خلقا آخر سويا سليم الأعضاء ذكرا أو أنثى بإذن الله وتقديره؟.
تفسير القرطبيثم كان علقة أي دما بعد النطفة ، أي قد رتبه تعالى بهذا كله على خسة قدره . ثم قال : فخلق أي فقدر فسوى أي فسواه تسوية ، وعدله تعديلا ، بجعل الروح فيه
تفسير الطبريوقوله: ( ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً ) يقول تعالى ذكره: ثم كان دما من بعد ما كان نطفة، ثم علقة، ثم سوّاه بشرًا سويا، ناطقا سميعا بصيرا.
فَجَعَلَ مِنۡهُ ٱلزَّوۡجَيۡنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰٓ  ٣٩
التفسير الميسرأيظنُّ هذا الإنسان المنكر للبعث أن يُترك هَمَلا لا يُؤمر ولا يُنْهى، ولا يحاسب ولا يعاقب؟ ألم يك هذا الإنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين يراق ويصب في الأرحام، ثم صار قطعة من دم جامد، فخلقه الله بقدرته وسوَّى صورته في أحسن تقويم؟ فجعل من هذا الإنسان الصنفين: الذكر والأنثى، أليس ذلك الإله الخالق لهذه الأشياء بقادر على إعادة الخلق بعد فنائهم؟ بلى إنه - سبحانه وتعالى- لقادر على ذلك.
تفسير السعدي فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى]
تفسير ابن كثيرفصار خلقا آخر سويا سليم الأعضاء ذكرا أو أنثى بإذن الله وتقديره ولهذا قال تعالى "فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى".
تفسير القرطبيفجعل منه أي من الإنسان . وقيل : من المني . الزوجين الذكر والأنثى أي الرجل والمرأة . وقد احتج بهذا من رأى إسقاط الخنثى . وقد مضى في سورة ( الشورى ) أن هذه الآية وقرينتها إنما خرجتا مخرج الغالب . وقد مضى في أول سورة ( النساء ) أيضا القول فيه ، وذكرنا في آية المواريث حكمه ، فلا معنى لإعادته
تفسير الطبري( فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى ) يقول تعالى ذكره: فجعل من هذا الإنسان بعدما سوّاه خلقا سويا أولادًا له، ذكورا وإناثا.
أَلَيۡسَ ذَٰلِكَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰ  ٤٠
التفسير الميسرأيظنُّ هذا الإنسان المنكر للبعث أن يُترك هَمَلا لا يُؤمر ولا يُنْهى، ولا يحاسب ولا يعاقب؟ ألم يك هذا الإنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين يراق ويصب في الأرحام، ثم صار قطعة من دم جامد، فخلقه الله بقدرته وسوَّى صورته في أحسن تقويم؟ فجعل من هذا الإنسان الصنفين: الذكر والأنثى، أليس ذلك الإله الخالق لهذه الأشياء بقادر على إعادة الخلق بعد فنائهم؟ بلى إنه - سبحانه وتعالى- لقادر على ذلك.
تفسير السعدي[أَلَيْسَ ذَلِكَ الذي خلق الإنسان [وطوره إلى] هذه الأطوار المختلفة بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بلى إنه على كل شيء قدير. تم تفسير سورة القيامة، ولله الحمد والمنة، وذلك في 16 صفر سنة 1344المجلد التاسع من تيسير الكريم الرحمن في تفسير القرآن لجامعه الفقير إلى الله: عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي غفر الله له ولوالديه وللمسلمين آمين.
تفسير ابن كثيرقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا شبابة ، عن شعبة ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن آخر : أنه كان فوق سطح يقرأ ويرفع صوته بالقرآن ، فإذا قرأ : ( أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ) ؟ قال : سبحانك اللهم فبلى ، فسئل عن ذلك فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك . وقال أبو داود ، رحمه الله : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن موسى بن أبي عائشة قال : كان رجل يصلي فوق بيته ، فكان إذا قرأ : ( أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ) ؟ قال سبحانك ، فبلى ، فسألوه عن ذلك فقال : سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم .تفرد به أبو داود ولم يسم هذا الصحابي ، ولا يضر ذلك .وقال أبو داود أيضا : حدثنا عبد الله بن محمد الزهري ، حدثنا سفيان ، حدثني إسماعيل بن أمية : سمعت أعرابيا يقول : سمعت أبا هريرة‌ يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قرأ منكم بالتين والزيتون فانتهى إلى آخرها : ( أليس الله بأحكم الحاكمين ) ؟ فليقل : بلى ، وأنا على ذلك من الشاهدين . ومن قرأ : ( لا أقسم بيوم القيامة ) فانتهى إلى : ( أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ) ؟ فليقل : بلى . ومن قرأ : ( والمرسلات ) فبلغ ( فبأي حديث بعده يؤمنون ) ؟ فليقل : آمنا بالله " .ورواه أحمد ، عن سفيان بن عيينة . ورواه الترمذي ، عن ابن أبي عمر ، عن سفيان بن عيينة . وقد رواه شعبة ، عن إسماعيل بن أمية قال : قلت له : من حدثك ؟ قال رجل صدق ، عن أبي هريرة‌وقال ابن جرير : حدثنا بشر ، حدثنا يزيد ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ) ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأها قال : " سبحانك وبلى " .قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان الواسطي ، حدثنا أبو أحمد الزبيري ، حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أنه مر بهذه الآية : ( أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ) ؟ ، قال : سبحانك ; فبلى .آخر تفسير سورة " القيامة " ولله الحمد والمنة
تفسير القرطبيأليس ذلك بقادر أي أليس الذي قدر على خلق هذه النسمة من قطرة من ماء بقادر على أن يحيي الموتى أي على أن يعيد هذه الأجسام كهيئتها للبعث بعد البلى .وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا قرأها قال : " سبحانك اللهم ، بلى " وقال ابن عباس : من قرأ سبح اسم ربك الأعلى إماما كان أو غيره فليقل : ( سبحان ربي الأعلى ) ومن قرأ لا أقسم بيوم القيامة إلى آخرها إماما كان أو غيره فليقل : ( سبحانك اللهم بلى ) ذكره الثعلبي من حديث أبي إسحاق السبيعي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس . ختمت السورة والحمد لله .
تفسير الطبري( أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ) يقول تعالى ذكره: أليس الذي فعل ذلك فخلق هذا الإنسان من نطفة، ثم علقة حتى صيره إنسانا سويا، له أولاد ذكور وإناث، بقادر على أن يُحيي الموتى من مماتهم، فيوجدهم كما كانوا من قبل مماتهم. يقول: معلوم أن الذي قَدِر على خَلق الإنسان من نطفة من منيّ يمنى، حتى صيره بشرا سويًا، لا يُعجزه إحياء ميت من بعد مماته، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ ذلك قال: بلى.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ) ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأها قال: سبحانك وبلَى.
تفسير سُورَةُ الإِنسَانِ
هَلۡ أَتَىٰ عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ حِينٞ مِّنَ ٱلدَّهۡرِ لَمۡ يَكُن شَيۡـٔٗا مَّذۡكُورًا  ١
التفسير الميسرقد مضى على الإنسان وقت طويل من الزمان قبل أن تُنفَخ فيه الروح، لم يكن شيئا يُذكر، ولا يُعرف له أثر.
تفسير السعديذكر الله في هذه السورة الكريمة أول حالة الإنسان ومبتدأها ومتوسطها ومنتهاها.فذكر أنه مر عليه دهر طويل وهو الذي قبل وجوده، وهو معدوم بل ليس مذكورا.
تفسير ابن كثيرتفسير سورة الإنسان وهي مكية .قد تقدم في صحيح مسلم ، عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة " الم تنزيل " السجدة ، و " هل أتى على الإنسان "وقال عبد الله بن وهب : أخبرنا ابن زيد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه السورة : " هل أتى على الإنسان حين من الدهر " وقد أنزلت عليه وعنده رجل أسود ، فلما بلغ صفة الجنان ، زفر زفرة فخرجت نفسه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أخرج نفس صاحبكم - أو قال : أخيكم - الشوق إلى الجنة " . مرسل غريب .يقول تعالى مخبرا عن الإنسان أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئا يذكر لحقارته وضعفه ، فقال : ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ) ؟
تفسير القرطبيسورة الإنسانوهي إحدى وثلاثون آيةمكية في قول ابن عباس ومقاتل والكلبي . وقال الجمهور : مدنية . وقيل : فيها مكي ، من قوله تعالى : إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا إلى آخر السورة ، وما تقدمه مدني . وذكر ابن وهب قال : وحدثنا ابن زيد قال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليقرأ : هل أتى على الإنسان حين من الدهر وقد أنزلت عليه وعنده رجل أسود كان يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال له عمر بن الخطاب : لا تثقل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : " دعه يا بن الخطاب " قال : فنزلت عليه هذه السورة وهو عنده ، فلما قرأها عليه وبلغ صفة الجنان زفر زفرة فخرجت نفسه . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أخرج نفس صاحبكم - أو أخيكم - الشوق إلى الجنة وروي عن ابن عمر بخلاف هذا اللفظ ، وسيأتي . وقال القشيري : إن هذه السورة نزلت في علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - . والمقصود من السورة عام . وهكذا القول في كل ما يقال إنه نزل بسبب كذا وكذا .بسم الله الرحمن الرحيمهل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكوراقوله تعالى : هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا هل : بمعنى قد ; قاله الكسائي والفراء وأبو عبيدة . وقد حكي عن سيبويه هل بمعنى قد . قال الفراء : هل تكون جحدا ، وتكون خبرا ، فهذا من الخبر ; لأنك تقول : هل أعطيتك ؟ تقرره بأنك أعطيته . والجحد أن تقول : هل يقدر أحد على مثل هذا ؟ وقيل : هي بمنزلة الاستفهام ، والمعنى : أتى . والإنسان هنا آدم - عليه السلام - ، قاله قتادة والثوري وعكرمة والسدي . وروي عن ابن عباس : حين من الدهر قال ابن عباس في رواية أبي صالح : أربعون سنة مرت به ، قبل أن ينفخ فيه الروح ، وهو ملقى بين مكة والطائف وعين ابن عباس أيضا في رواية الضحاك أنه خلق من طين ، فأقام أربعين سنة ، ثم من حمإ مسنون أربعين سنة ، ثم من صلصال أربعين سنة ، فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة . وزاد ابن مسعود فقال : أقام وهو من تراب أربعين سنة ، فتم خلقه بعد مائة وستين سنة ، ثم نفخ فيه الروح .وقيل : الحين المذكور هاهنا : لا يعرف مقداره عن ابن عباس أيضا ، حكاه الماوردي . لم يكن شيئا مذكورا قال الضحاك عن ابن عباس : لا في السماء ولا في الأرض . وقيل : أي كان جسدا مصورا ترابا وطينا ، لا يذكر ولا يعرف ، ولا يدرى ما اسمه ولا ما يراد به ، ثم نفخ فيه الروح ، فصار مذكورا ; قاله الفراء وقطرب وثعلب .وقال يحيى بن سلام : لم يكن شيئا مذكورا في الخلق وإن كان عند الله شيئا مذكورا . وقيل : ليس هذا الذكر بمعنى الإخبار ، فإن إخبار الرب عن الكائنات قديم ، بل هذا الذكر بمعنى الخطر والشرف والقدر ; تقول : فلان مذكور أي له شرف وقدر . وقد قال تعالى : وإنه لذكر لك ولقومك . أي قد أتى على الإنسان حين لم يكن له قدر عند الخليقة . ثم لما عرف الله الملائكة أنه جعل آدم خليفة ، وحمله الأمانة التي عجز عنها السماوات والأرض والجبال ، ظهر فضله على الكل ، فصار مذكورا . قالالقشيري : وعلى الجملة ما كان مذكورا للخلق ، وإن كان مذكورا لله . وحكى محمد بن الجهم عن الفراء : لم يكن شيئا قال : كان شيئا ولم يكن مذكورا . وقال قوم : النفي يرجع إلى الشيء ; أي قد مضى مدد من الدهر وآدم لم يكن شيئا يذكر في الخليقة ; لأنه آخر ما خلقه من أصناف الخليقة ، والمعدوم ليس بشيء حتى يأتي عليه حين . والمعنى : قد مضت عليه أزمنة وما كان آدم شيئا ولا مخلوقا ولا مذكورا لأحد من الخليقة . وهذا معنى قول قتادة ومقاتل : قال قتادة : إنما خلق الإنسان حديثا ما نعلم من خليقة الله - جل ثناؤه - خليقة كانت بعد الإنسان . وقال مقاتل : في الكلام تقديم وتأخير ، وتقديره : هل أتى حين من الدهر لم يكن الإنسان شيئا مذكورا ; لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله ، ولم يخلق بعده حيوانا .وقد قيل : ( الإنسان ) في قوله تعالى هل أتى على الإنسان حين عني به الجنس من ذرية آدم ، وأن الحين تسعة أشهر ، مدة حمل الإنسان في بطن أمه لم يكن شيئا مذكورا : إذ كان علقة ومضغة ; لأنه في هذه الحالة جماد لا خطر له .وقال أبو بكر - رضي الله عنه - لما قرأ هذه الآية : ليتها تمت فلا نبتلى . أي ليت المدة التي أتت على آدم لم تكن شيئا مذكورا تمت على ذلك ، فلا يلد ولا يبتلى أولاده . وسمع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رجلا يقرأ هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا فقال ليتها تمت .
تفسير الطبرييعني جلّ ثناؤه بقوله: ( هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ ) قد أتى على الإنسان، وهل في هذا الموضع خبر لا جحد، وذلك كقول القائل لآخر يقرّره: هل أكرمتك؟ وقد أكرمه؛ أو هل زرتك؟ وقد زاره، وقد تكون جحدا في غير هذا الموضع، وذلك كقول القائل لآخر: هل يفعل مثل هذا أحد؟ بمعنى: أنه لا يفعل ذلك أحد. والإنسان الذي قال جل ثناؤه في هذا الموضع: ( هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ ): هو آدم صلى الله عليه وسلم كذلك.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ ) آدم أتى عليه ( حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ) إنما خلق الإنسان ها هنا حديثا، ما يعلم من خليقة الله كانت بعد الإنسان.حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله: ( هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ) قال: كان آدم صلى الله عليه وسلم آخر ما خلق من الخلق.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ( هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ ) قال: آدم.وقوله: ( حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ ) اختلف أهل التأويل في قدر هذا الحين الذي ذكره الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو أربعون سنة، وقالوا: مكثت طينة آدم مصوّرة لا تنفخ &; 24-88 &; فيها الرّوح أربعين عامًا، فذلك قدر الحين الذي ذكره الله في هذا الموضع، قالوا: ولذلك قيل: ( هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ) لأنه أتى عليه وهو جسم مصوّر لم تنفخ فيه الروح أربعون عاما، فكان شيئا، غير أنه لم يكن شيئا مذكورا، قالوا: ومعنى قوله: ( لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ) لم يكن شيئا له نباهة ولا رفعة، ولا شرف، إنما كان طينا لازبًا وحمأ مسنونا.وقال آخرون: لا حدّ للحين في هذا الموضع؛ وقد يدخل هذا القول من أن الله أخبر أنه أتى على الإنسان حين من الدهر، وغير مفهوم في الكلام أن يقال: أتى على الإنسان حين قبل أن يوجد، وقبل أن يكون شيئا، وإذا أُريد ذلك قيل: أتى حين قبل أن يُخلق، ولم يقل أتى عليه. وأما الدهر في هذا الموضع، فلا حدّ له يوقف عليه.
إِنَّا خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٍ أَمۡشَاجٖ نَّبۡتَلِيهِ فَجَعَلۡنَٰهُ سَمِيعَۢا بَصِيرًا  ٢
التفسير الميسرإنا خلقنا الإنسان من نطفة مختلطة من ماء الرجل وماء المرأة، نختبره بالتكاليف الشرعية فيما بعد، فجعلناه من أجل ذلك ذا سمع وذا بصر؛ ليسمع الآيات، ويرى الدلائل، إنا بينَّا له وعرَّفناه طريق الهدى والضلال والخير والشر؛ ليكون إما مؤمنًا شاكرًا، وإما كفورًا جاحدًا.
تفسير السعديثم لما أراد الله تعالى خلقه، خلق [أباه] آدم من طين، ثم جعل نسله متسلسلا مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ أي: ماء مهين مستقذر نَبْتَلِيهِ بذلك لنعلم هل يرى حاله الأولى ويتفطن لها أم ينساها وتغره نفسه؟فأنشأه الله، وخلق له القوى الباطنة والظاهرة، كالسمع والبصر، وسائر الأعضاء، فأتمها له وجعلها سالمة يتمكن بها من تحصيل مقاصده.
تفسير ابن كثيرثم بين ذلك فقال : ( إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج ) أي : أخلاط . والمشج والمشيج : الشيء الخليط ، بعضه في بعض .قال ابن عباس في قوله : ( من نطفة أمشاج ) يعني : ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا ، ثم ينتقل بعد من طور إلى طور ، وحال إلى حال ، ولون إلى لون . وهكذا قال عكرمة ، ومجاهد ، والحسن ، والربيع بن أنس : الأمشاج : هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة .وقوله : ( نبتليه ) أي : نختبره ، كقوله : ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) [ الملك : 2 ] . ( فجعلناه سميعا بصيرا ) أي : جعلنا له سمعا وبصرا يتمكن بهما من الطاعة والمعصية .
تفسير القرطبيقوله تعالى : إنا خلقنا الإنسان أي ابن آدم من غير خلاف من نطفة أي من ماء يقطر وهو المني ، وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة ; كقول عبد الله بن رواحة يعاتب نفسه :مالي أراك تكرهين الجنه هل أنت إلا نطفة في شنهوجمعها : نطف ونطاف . أمشاج أخلاط . واحدها : مشج ومشيج ، مثل خدن وخدين ; قال : رؤبة :يطرحن كل معجل نشاج لم يكس جلدا في دم أمشاجويقال : مشجت هذا بهذا أي خلطته ، فهو ممشوج ومشيج ; مثل : مخلوط وخليط . وقال المبرد : واحد الأمشاج : مشيج ; يقال : مشج يمشج : إذا خلط ، وهو هنا اختلاط النطفة بالدم ; قال الشماخ :طوت أحشاء مرتجة لوقت على مشج سلالته مهينوقال الفراء : أمشاج : أخلاط ماء الرجل وماء المرأة ، والدم والعلقة . ويقال للشيء من هذا إذا خلط : مشيج كقولك خليط ، وممشوج كقولك مخلوط . وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال : الأمشاج : الحمرة في البياض ، والبياض في الحمرة . وهذا قول يختاره كثير من أهل اللغة ; قال الهذلي :كأن الريش والفوقين منه خلاف النصل سيط به مشيجوعن ابن عباس أيضا قال : يختلط ماء الرجل وهو أبيض غليظ بماء المرأة وهو أصفر رقيق فيخلق منهما الولد ، فما كان من عصب وعظم وقوة فهو من ماء الرجل ، وما كان من لحم ودم وشعر فهو من ماء المرأة . وقد روي هذا مرفوعا ; ذكره البزار . وروي عن ابن مسعود : أمشاجها عروق المضغة . وعنه : ماء الرجل وماء المرأة وهما لونان . وقال مجاهد : نطفة الرجل بيضاء وحمراء ، ونطفة المرأة خضراء وصفراء . وقال ابن عباس : خلق من ألوان ; خلق من تراب ، ثم من ماء الفرج والرحم ، وهي نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظم ثم لحم . ونحوه قال قتادة : هي أطوار الخلق : طور علقة وطور مضغة وطور عظام ثم يكسو العظام لحما ; كما قال في سورة ( المؤمنون ) ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين الآية .وقال ابن السكيت : الأمشاج الأخلاط ; لأنها ممتزجة من أنواع فخلق الإنسان منها ذا طبائع مختلفة . وقال أهل المعاني : الأمشاج ما جمع وهو في معنى الواحد ; لأنه نعت للنطفة ; كما يقال : برمة أعشار وثوب أخلاق . وروي عن أبي أيوب الأنصاري قال : جاء حبر من اليهود إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : أخبرني عن ماء الرجل وماء المرأة ؟ فقال : ماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق فإذا علا ماء المرأة آنثت وإذا علا ماء الرجل أذكرت ، فقال الحبر : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله . وقد مضى هذا القول مستوفى في سورة ( البقرة ) .نبتليه أي نختبره . وقيل : نقدر فيه الابتلاء وهو الاختبار . وفيما يختبر به وجهان : أحدهما : نختبره بالخير والشر ; قاله الكلبي . الثاني : نختبر شكره في السراء وصبره في الضراء ; قاله الحسن . وقيل : نبتليه نكلفه . وفيه أيضا وجهان : أحدهما : بالعمل بعد الخلق ; قاله مقاتل . الثاني : بالدين ليكون مأمورا بالطاعة ومنهيا عن المعاصي . وروي عن ابن عباس : نبتليه : نصرفه خلقا بعد خلق ; لنبتليه بالخير والشر . وحكى محمد بن الجهم عن الفراء قال : المعنى والله أعلم فجعلناه سميعا بصيرا لنبتليه ، وهي مقدمة معناها التأخير .قلت : لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة وقيل : جعلناه سميعا بصيرا : يعني جعلنا له سمعا يسمع به الهدى ، وبصرا يبصر به الهدى .
تفسير الطبريوقوله: ( إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ )يقول تعالى ذكره: إنا خلقنا ذرّية آدم من نطفة، يعني: من ماء الرجل وماء المرأة، والنطفة: كلّ ماء قليل في وعاء كان ذلك ركية أو قربة، أو غير لك، كما قال عبد الله بن رواحة:هَلْ أنْتِ إلا نُطْفَةٌ في شَنَّه (2)وقوله: ( أمْشاجٍ ) يعني: أخلاط، واحدها: مشج ومشيج، مثل خدن وخدين؛ ومنه قول رؤبة بن العجاج:يَطْرَحْنَ كُلَّ مُعْجَلٍ نَشَّاجلَمْ يُكْسَ جِلْدًا في دَمٍ أمْشاجِ (3)&; 24-89 &;يقال منه: مشجت هذا بهذا: إذا خلطته به، وهو ممشوج به ومشيج: أي مخلوط به، كما قال أبو ذؤيب:كأنَّ الرّيشَ والفُوقَيْن مِنْهخِلالَ النَّصْل سِيطَ بِهِ مَشِيجُ (4)واختلف أهل التأويل في معنى الأمشاج الذي عني بها في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة.* ذكر من قال ذلك:حدثنا أبو كُريب وأبو هشام الرفاعي قالا ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن الأصبهاني، عن عكرِمة ( أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ ) قال: ماء الرجل وماء المرأة يمشج أحدهما بالآخر.حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن ابن الأصبهاني، عن عكرِمة قال: ماء الرجل وماء المرأة يختلطان.قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنا زكريا، عن عطية، عن ابن عباس، قال: ماء المرأة وماء الرجل يمشجان.قال: ثنا عبيد الله، قال: أخبرنا إسرائيل، عن السديّ، عمن حدّثه، عن ابن عباس، قال: ماء المرأة وماء الرجل يختلطان.قال: ثنا عبد الله، قال: أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، قال: إذا اجتمع ماء الرجل وماء المرأة فهو أمشاج.قال: ثنا أبو أُسامة، قال: ثنا المبارك، عن الحسن، قال: مُشج ماء المرأة مع ماء الرجل.&; 24-90 &;قال: ثنا عبيد الله، قال: أخبرنا عثمان بن الأسود، عن مجاهد، قال: خلق الله الولد من ماء الرجل وماء المرأة، وقد قال الله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى .قال: ثنا عبيد الله، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، قال: خلق من تارات ماء الرجل وماء المرأة.وقال آخرون: إنما عُني بذلك: إنا خلقنا الإنسان من نطفة ألوان ينتقل إليها، يكون نطفة، ثم يصير علقة، ثم مضغة، ثم عظما، ثم كسي لحما.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ ) الأمشاج: خلق من ألوان، خلق من تراب، ثم من ماء الفرج والرحم، وهي النطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظما، ثم أنشأه خلقا آخر فهو ذلك.حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن عكرِمة، في هذه الآية ( أمْشاجٍ ) قال: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظما.حدثنا الرفاعي، قال: ثنا وهب بن جرير ويعقوب الحضْرَميّ، عن شعبة، عن سماك، عن عكرِمة، قال: نطفة، ثم علقة.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ ) أطوار الخلق، طورا نطفة، وطورا علقة، وطورا مضغة، وطورا عظاما، ثم كسى الله العظام لحما، ثم أنشأه خلقا آخر، أنبت له الشعر.حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ( أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ ) قال: الأمشاج: اختلط الماء والدم، ثم كان علقة، ثم كان مضغة.وقال آخرون: عُني بذلك اختلاف ألوان النطفة.* ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ( أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ ) يقول: مختلفة الألوان.حدثنا أبو هشام، قال: ثنا يحيى بن يمان، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: ألوان النطفة.&; 24-91 &;حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: أيّ الماءين سبق أشبه عليه أعمامه وأخواله.قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ ) قال: ألوان النطفة؛ نطفة الرجل بيضاء وحمراء، ونطفة المرأة حمراء وخضراء.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.وقال آخرون: بل هي العروق التي تكون في النطفة.* ذكر من قال ذلك:حدثنا أبو كُريب وأبو هشام، قالا ثنا وكيع، قال: ثنا المسعودي، عن عبد الله بن المخارق، عن أبيه، عن عبد الله، قال: أمشاجها: عروقها.حدثنا أبو هشام، قال: ثنا يحيى بن يمان، قال: ثنا أُسامة بن زيد، عن أبيه، قال: هي العروق التي تكون في النطفة.وأشبه هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معنى ذلك ( مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ ) نطفة الرجل ونطفة المرأة، لأن الله وصف النطفة بأنها أمشاج، وهي إذا انتقلت فصارت علقة، فقد استحالت عن معنى النطفة فكيف تكون نطفة أمشاجا وهي علقة؟ وأما الذين قالوا: إن نطفة الرجل بيضاء وحمراء، فإن المعروف من نطفة الرجل أنها سحراء على لون واحد، وهي بيضاء تضرب إلى الحمرة، وإذا كانت لونا واحدا لم تكن ألوانا مختلفة، وأحسب أن الذين قالوا: هي العروق التي في النطفة قصدوا هذا المعنى.وقد حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: إنما خلق الإنسان من الشيء القليل من النطفة. ألا ترى أن الولد إذا أسكت ترى له مثل الرّير؟ وإنما خلق ابن آدم من مثل ذلك من النطفة أمشاج نبتليه.وقوله: ( نَبْتَلِيهِ ) نختبره. وكان بعض أهل العربية يقول: المعنى: جعلناه سميعًا بصيرا لنبتليه، فهي مقدّمة معناها التأخير، إنما المعنى خلقناه وجعلناه سميعًا بصيرا لنبتليه، ولا وجه عندي لما قال يصحّ، وذلك أن الابتلاء إنما هو بصحة الآلات وسلامة العقل من الآفات، وإن عدم السمع والبصر، وأما إخباره إيانا أنه جعل لنا أسماعا وأبصارا &; 24-92 &; في هذه الآية، فتذكير منه لنا بنعمه، وتنبيه على موضع الشكر؛ فأما الابتلاء فبالخلق مع صحة الفطرة، وسلامة العقل من الآفة، كما قال: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ .وقوله: ( فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ) يقول تعالى ذكره: فجعلناه ذا سمع يسمع به، وذا بصر يبصر به، إنعاما من الله على عباده بذلك، ورأفة منه لهم، وحجة له عليهم.
إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا  ٣
التفسير الميسرإنا خلقنا الإنسان من نطفة مختلطة من ماء الرجل وماء المرأة، نختبره بالتكاليف الشرعية فيما بعد، فجعلناه من أجل ذلك ذا سمع وذا بصر؛ ليسمع الآيات، ويرى الدلائل، إنا بينَّا له وعرَّفناه طريق الهدى والضلال والخير والشر؛ ليكون إما مؤمنًا شاكرًا، وإما كفورًا جاحدًا.
تفسير السعديثم أرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وهداه الطريق الموصلة إلى الله ، ورغبه فيها، وأخبره بما له عند الوصول إلى الله.ثم أخبره بالطريق الموصلة إلى الهلاك، ورهبه منها، وأخبره بما له إذا سلكها، وابتلاه بذلك، فانقسم الناس إلى شاكر لنعمة الله عليه، قائم بما حمله الله من حقوقه، وإلى كفور لنعمة الله عليه، أنعم الله عليه بالنعم الدينية والدنيوية، فردها، وكفر بربه، وسلك الطريق الموصلة إلى الهلاك.ثم ذكر تعالى حال الفريقين عند الجزاء فقال:
تفسير ابن كثيروقوله : ( إنا هديناه السبيل ) أي : بيناه له ووضحناه وبصرناه به ، كقوله : ( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ) [ فصلت : 17 ] ، وكقوله : ( وهديناه النجدين ) [ البلد : 10 ] ، أي : بينا له طريق الخير وطريق الشر . وهذا قول عكرمة وعطية وابن زيد ومجاهد - في المشهور عنه - والجمهور .وروي عن مجاهد وأبي صالح والضحاك والسدي أنهم قالوا في قوله : ( إنا هديناه السبيل ) يعني خروجه من الرحم . وهذا قول غريب ، والصحيح المشهور الأول .وقوله : ( إما شاكرا وإما كفورا ) منصوب على الحال من " الهاء " في قوله : ( إنا هديناه السبيل ) تقديره : فهو في ذلك إما شقي وإما سعيد ، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم ، عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل الناس يغدو ، فبائع نفسه فموبقها أو معتقها " . وتقدم في سورة " الروم " عند قوله : ( فطرت الله التي فطر الناس عليها ) [ الروم : 30 ] من رواية جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه ، فإذا أعرب عنه لسانه ، فإما شاكرا وإما كفورا " .وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو عامر ، حدثنا عبد الله بن جعفر ، عن عثمان بن محمد ، عن المقبري ، عن أبي هريرة‌ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما من خارج يخرج إلا ببابه رايتان : راية بيد ملك ، وراية بيد شيطان ، فإن خرج لما يحب الله اتبعه الملك برايته ، فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته . وإن خرج لما يسخط الله اتبعه الشيطان برايته ، فلم يزل تحت راية الشيطان ، حتى يرجع إلى بيته " .وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن ابن خثيم ، عن عبد الرحمن بن سابط ، عن جابر بن عبد الله : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة : " أعاذك الله من إمارة السفهاء " . قال : وما إمارة السفهاء ؟ قال : " أمراء يكونون من بعدي ، لا يهتدون بهداي ، ولا يستنون بسنتي ، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم ، فأولئك ليسوا مني ولست منهم ، ولا يردون على حوضي . ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم ، فأولئك مني وأنا منهم ، وسيردون على حوضي . يا كعب بن عجرة ، الصوم جنة ، والصدقة تطفئ الخطيئة ، والصلاة قربان - أو قال : برهان - يا كعب بن عجرة ، إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت ، النار أولى به . يا كعب ، الناس غاديان ، فمبتاع نفسه فمعتقها ، وبائع نفسه فموبقها " .ورواه عن عفان ، عن وهيب ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، به .
تفسير القرطبيقوله تعالى : إنا هديناه السبيل أي بينا له وعرفناه طريق الهدى والضلال ، والخير والشر ببعث الرسل ، فآمن أو كفر ; كقوله تعالى : وهديناه النجدين . وقال مجاهد : أي بينا له السبيل إلى الشقاء والسعادة . وقال الضحاك وأبو صالح والسدي : السبيل هنا خروجه من الرحم . وقيل : منافعه ومضاره التي يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله .إما شاكرا وإما كفورا أي أيهما فعل فقد بينا له . قال الكوفيون : إن هاهنا تكون جزاء و ( ما ) زائدة أي بينا له الطريق إن شكر أو كفر . واختاره الفراء ولم يجزه البصريون ; إذ لا تدخل إن للجزاء على الأسماء إلا أن يضمر بعدها فعل . وقيل : أي هديناه الرشد ، أي بينا له سبيل التوحيد بنصب الأدلة عليه ; ثم إن خلقنا له الهداية اهتدى وآمن ، وإن خذلناه كفر . وهو كما تقول : قد نصحت لك ، إن شئت فاقبل ، وإن شئت فاترك ; أي فإن شئت ، فتحذف الفاء . وكذا إما شاكرا والله أعلم .ويقال : هديته السبيل وللسبيل وإلى السبيل . وقد تقدم في ( الفاتحة ) وغيرها . وجمع بين الشاكر والكفور ، ولم يجمع بين الشكور والكفور مع اجتماعهما في معنى المبالغة ; نفيا للمبالغة في الشكر وإثباتا لها في الكفر ; لأن شكر الله تعالى لا يؤدى ، فانتفت عنه المبالغة ، ولم تنتف عن الكفر المبالغة ، فقل شكره ، لكثرة النعم عليه وكثرة كفره وإن قل مع الإحسان إليه . حكاه الماوردي .
تفسير الطبرييعني جلّ ثناؤه بقوله: ( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ ) إنا بينا له طريق الجنة، وعرّفناه سبيله، إن شكر، أو كفر. وإذا وُجِّه الكلام إلى هذا المعنى، كانت إما وإما في معنى الجزاء، وقد يجوز أن تكون إما وإما بمعنى واحد، كما قال: إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ فيكون قوله: ( إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ) حالا من الهاء التي في هديناه، فيكون معنى الكلام إذا وُجه ذلك إلى هذا التأويل: إنا هديناه السبيل، إما شقيا وإما سعيدا، وكان بعض نحويِّي البصرة يقول ذلك كما قال: إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ كأنك لم تذكر إما، قال: وإن شئت ابتدأت ما بعدها فرفعته.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ ) قال: الشقوة والسَّعادة.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا ) للنعم ( وَإِمَّا كَفُورًا ) لها.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ ... ) إلى ( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ ) قال: ننظر أيّ شيء يصنع، أيّ الطريقين يسلك، وأيّ الأمرين يأخذ، قال: وهذا الاختبار.
إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ سَلَٰسِلَاْ وَأَغۡلَٰلٗا وَسَعِيرًا  ٤
التفسير الميسرإنا أعتدنا للكافرين قيودًا من حديد تُشَدُّ بها أرجلهم، وأغلالا تُغلُّ بها أيديهم إلى أعناقهم، ونارًا يُحرقون بها.
تفسير السعديإلى آخر الثواب أي: إنا هيأنا وأرصدنا لمن كفر بالله، وكذب رسله، وتجرأ على المعاصي سَلَاسِلَ في نار جهنم، كما قال تعالى: ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ . وَأَغْلَالًا تغل بها أيديهم إلى أعناقهم ويوثقون بها. وَسَعِيرًا أي: نارا تستعر بها أجسامهم وتحرق بها أبدانهم، كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ وهذا العذاب دائم لهم أبدا، مخلدون فيه سرمدا.
تفسير ابن كثيريخبر تعالى عما أرصده للكافرين من خلقه به من السلاسل والأغلال والسعير ، وهو اللهب والحريق في نار جهنم ، كما قال : ( إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون ) [ غافر : 71 ، 72 ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى : إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيراقوله تعالى : إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا بين حال الفريقين ، وأنه تعبد العقلاء وكلفهم ومكنهم مما أمرهم ، فمن كفر فله العقاب ، ومن وحد وشكر فله الثواب . والسلاسل : القيود في جهنم طول كل سلسلة سبعون ذراعا كما مضى في ( الحاقة ) . وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم وهشام عن ابن عامر سلاسلا منونا . الباقون بغير تنوين . ووقف قنبل وابن كثير وحمزة بغير ألف . الباقون بالألف . فأما قوارير الأول فنونه نافع وابن كثير والكسائي وأبو بكر عن عاصم ، ولم ينون الباقون . ووقف فيه يعقوب وحمزة بغير ألف . والباقون بالألف . وأما قوارير الثانية فنونه أيضا نافع والكسائي وأبو بكر ، ولم ينون الباقون . فمن نون قرأها بالألف ، ومن لم ينون أسقط منها الألف ، واختار أبو عبيد التنوين في الثلاثة ، والوقف بالألف اتباعا لخط المصحف ; قال : رأيت في مصحف عثمان " سلاسلا " بالألف و ( وقواريرا ) الأول بالألف ، وكان الثاني مكتوبا بالألف فحكت فرأيت أثرها هناك بينا . فمن صرف فله أربع حجج : أحدها : أن الجموع أشبهت الآحاد فجمعت جمع الآحاد ، فجعلت في حكم الآحاد فصرفت . الثانية : أن الأخفش حكى عن العرب صرف جميع ما لا ينصرف إلا أفعل منك ، وكذا قال الكسائي والفراء : هو على لغة من يجر الأسماء كلها إلا قولهم هو أظرف منك فإنهم لا يجرونه ; وأنشد ابن الأنباري في ذلك قول عمرو بن كلثوم :كأن سيوفنا فينا وفيهم مخاريق بأيدي لاعبيناوقال لبيد :وجزور أيسار دعوت لحتفها بمغالق متشابه أجسامهاوقال لبيد أيضا :فضلا وذو كرم يعين على الندى سمح كسوب رغائب غنامهافصرف مخاريق ومغالق ورغائب ، وسبيلها ألا تصرف . والحجة الثالثة : أن يقول نونت قوارير الأول لأنه رأس آية ، ورؤوس الآي جاءت بالنون ، كقوله جل وعز : مذكورا ، سميعا بصيرا فنونا الأول ليوقف بين رؤوس الآي ، ونونا الثاني على الجوار للأول . والحجة الرابعة : اتباع المصاحف ، وذلك أنهما جميعا في مصاحف مكة والمدينة والكوفة بالألف . وقد احتج من لم يصرفهن بأن قال : إن كل جمع بعد الألف منه ثلاثة أحرف أو حرفان أو حرف مشدد لم يصرف في معرفة ولا نكرة ; فالذي بعد الألف منه ثلاثة أحرف قولك : قناديل ودنانير ومناديل ، والذي بعد الألف منه حرفان قول الله - عز وجل - : لهدمت صوامع لأن بعد الألف منه حرفين ، وكذلك قوله : ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا . والذي بعد الألف منه حرف مشدد شواب ودواب . وقال خلف : سمعت يحيى بن آدم يحدث عن ابن إدريس قال : في المصاحف الأول الحرف الأول بالألف والثاني بغير ألف ; فهذا حجة لمذهب حمزة . وقال خلف : رأيت في مصحف ينسب إلى قراءة ابن مسعود الأول بالألف والثاني بغير ألف . وأما أفعل منك فلا يقول أحد من العرب في شعره ولا في غيره هو أفعل منك منونا ; لأن ( من ) تقوم مقام الإضافة فلا يجمع بين تنوين وإضافة في حرف ; لأنهما دليلان من دلائل الأسماء ولا يجمع بين دليلين ; قاله الفراء وغيره .وأغلالا جمع غل تغل بها أيديهم إلى أعناقهم . وعن جبير بن نفير عن أبي الدرداء كان يقول : ارفعوا هذه الأيدي إلى الله - جل ثناؤه - قبل أن تغل بالأغلال . قال الحسن : إن الأغلال لم تجعل في أعناق أهل النار ; لأنهم أعجزوا الرب سبحانه ولكن إذلالا . ( وسعيرا ) تقدم القول فيه .
تفسير الطبريوقوله: ( إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلَ ) يقول تعالى ذكره: إنا أعتدنا لمن كفر نعمتنا وخالف أمرنا سلاسل يُسْتَوْثَق بها منهم شدّا في الجحيم ( وأغْلالا ) يقول: وتشدّ بالأغلال فيها أيديهم إلى أعناقهم.وقوله: ( وَسَعِيرًا ) يقول: ونارا تُسْعر عليهم فتتوقد.
إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ يَشۡرَبُونَ مِن كَأۡسٖ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا  ٥
التفسير الميسرإن أهل الطاعة والإخلاص الذين يؤدون حق الله، يشربون يوم القيامة مِن كأس فيها خمر ممزوجة بأحسن أنواع الطيب، وهو ماء الكافور.
تفسير السعديوأما الْأَبْرَارِ وهم الذين برت قلوبهم بما فيها من محبة الله ومعرفته، والأخلاق الجميلة، فبرت جوارحهم ، واستعملوها بأعمال البر أخبر أنهم يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ أي: شراب لذيذ من خمر قد مزج بكافور أي: خلط به ليبرده ويكسر حدته، وهذا الكافور [في غاية اللذة] قد سلم من كل مكدر ومنغص، موجود في كافور الدنيا، فإن الآفة الموجودة في الأسماء التي ذكر الله أنها في الجنة وهي في الدنيا تعدم في الآخرة .كما قال تعالى: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ .
تفسير ابن كثيرولما ذكر ما أعده لهؤلاء الأشقياء من السعير قال بعده : ( إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا ) وقد علم ما في الكافور من التبريد والرائحة الطيبة ، مع ما يضاف إلى ذلك من اللذاذة في الجنة .قال الحسن : برد الكافور في طيب الزنجبيل ; ولهذا قال :
تفسير القرطبيقوله تعالى : إن الأبرار يشربون من كأس الأبرار : أهل الصدق واحدهم بر ، وهو من امتثل أمر الله تعالى . وقيل : البر الموحد والأبرار جمع بار مثل شاهد وأشهاد ، وقيل : هو جمع بر مثل نهر وأنهار ; وفي الصحاح : وجمع البر الأبرار ، وجمع البار البررة ، وفلان يبر خالقه ويتبرره أي يطيعه ، والأم برة بولدها . وروى ابن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إنما سماهم الله - جل ثناؤه - الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء ، كما أن لوالدك عليك حقا كذلك لولدك عليك حقا " . وقال الحسن : البر الذي لا يؤذي الذر . وقال قتادة : الأبرار الذين يؤدون حق الله ويوفون بالنذر . وفي الحديث : " الأبرار الذين لا يؤذون أحدا " . يشربون من كأس أي من إناء فيه الشراب . قال ابن عباس : يريد الخمر . والكأس في اللغة الإناء فيه الشراب : وإذا لم يكن فيه شراب لم يسم كأسا . قال عمرو بن كلثوم :صددت الكأس عنا أم عمرو وكان الكأس مجراها اليميناوقال الأصمعي : يقال صبنت عنا الهدية أوما كان من معروف تصبن صبنا : بمعنى كففت ; قاله الجوهري .كان مزاجها أي شوبها وخلطها ، قال حسان :كأن سبيئة من بيت رأس يكون مزاجها عسل وماءومنه مزاج البدن وهو ما يمازجه من الصفراء والسوداء والحرارة والبرودة . كافورا قال ابن عباس : هو اسم عين ماء في الجنة ، يقال له عين الكافور . أي يمازجه ماء هذه العين التي تسمى كافورا . وقال سعيد عن قتادة : تمزج لهم بالكافور وتختم بالمسك . وقاله مجاهد . وقال عكرمة : مزاجها طعمها . وقيل : إنما الكافور في ريحها لا في طعمها . وقيل : أراد كالكافور في بياضه وطيب رائحته وبرده ; لأن الكافور لا يشرب ; كقوله تعالى : حتى إذا جعله نارا أي كنار . وقال ابن كيسان : طيب بالمسك والكافور والزنجبيل . وقال مقاتل : ليس بكافور الدنيا . ولكن سمى الله ما عنده بما عندكم حتى تهتدي لها القلوب . وقوله : كان مزاجها ( كان ) زائدة أي من كأس مزاجها كافور .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) .يقول تعالى ذكره: إن الذين برّوا بطاعتهم ربهم في أداء فرائضه، واجتناب معاصيه، يشربون من كأس، وهو كل إناء كان فيه شراب ( كَانَ مِزَاجُها ) يقول: كان مزاج ما فيها من الشراب ( كافُورًا ) يعني: في طيب رائحتها كالكافور. وقد قيل: إن الكافور اسم لعين ماء في الجنة، فمن قال ذلك، جعل نصب العين على الردّ على الكافور، تبيانا عنه، ومن جعل الكافور صفة للشراب نصبها، أعني العين عن الحال، وجعل خبر كان قوله: ( كافُورًا ) ، وقد يجوز نصب العين من وجه ثالث، وهو نصبها بإعمال يشربون فيها فيكون معنى الكلام: إن الأبرار يشربون عينا يشرب بها عباد الله، من كأس كان مزاجها كافورا. وقد يجوز أيضا نصبها على المدح، فأما عامة أهل التأويل فإنهم قالوا: الكافور صفة للشراب على ما ذكرت.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( مِزَاجُهَا كَافُورًا ) قال: تمزج.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( إِنَّ الأبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ) قال: قوم تمزج لهم بالكافور، وتختم لهم بالمسك.--------------------------------------------------------------------------------الهوامش:(1) لم أقف على قائل البيت، وقد جاءت فيه كلمة "فرنها" هكذا في المخطوطة والمطبوعة، ولم نهتد إلى تصويبها. وقد أنشده المؤلف عند تفسير قوله تعالى: والتفت الساق بالساق . قال أبو عبيدة في مجاز القرآن ( 183 ) والتفت الساق بالساق مثل: شمرت عن ساقها . ا ه . وقال الفراء في معاني القرآن ( 350 ) : أتاه أول شدة أمر الآخرة، وأشد آخر أمر الدنيا. ويقال: التفت ساقاه كما يقال للمرأة إذا التصقت فخذاها: هي لفاء.(2) البيت من مشطور الرجز لسيدنا عبد الله بن رواحة الأنصاري، من أبيات قالها في غزوة مؤتة من أرض الشام ( سيرة ابن هشام: طبعة الحلبي الأولى 4 : 21 ) والنطفة: الماء القليل الصافي. والشنة: السقاء البالي. ومعناه: فيوشك أن تهراق النطفة، أو يتخرق السقاء، ضرب ذلك مثلا لنفسه في جسده.(3) البيتان لرؤبة بن العجاج ( ديوانه 32 ) . وقبله:حتى مسيناهن بالإخداجيقذفن كل معجل نشاجوالنون: راجعة إلى النياق ومسيناهن ومسوناهن: أي أدخلنا أيدينا في حيائهن لإخراج الأجنة من بطونهن، من كل ولد ذي صوت، ولكنه لم يكس جلدا بعد، نخرجهن مع دم مختلط بغيره، مما يتجمع في الرحم والمشيمة. قال في ( اللسان: مشج ) وفي التنزيل العزيز إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج قال الفراء: الأمشاج: هي الأخلاط: ماء الرجل وماء المرأة، والدم والعلقة؛ ويقال للشيء من هذا إذا خلط: مشيج، كقولك: خليط، وممشوج: كقولك مخلوط، مشجت بدم وذلك الدم دم الحيض. وقال أبو إسحاق ( الزجاج ) أمشاج: أخلاط من مني ودم، ثم ينقل من حال إلى حال. ويقال: نطفة أمشاج: ماء الرجل يختلط بماء المرأة ودمها. ا ه .(4) البيت في ( اللسان: مشج ) ونسبه لزهير بن حرام الهذلي، وهو الملقب بالداخل. ( وانظره في شرح السكري لأشعار الهذليين طبعة لندن 269 ) . ونسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن ( 183 ) إلى أبي ذؤيب، وعنه نقل المؤلف. ونسب في الكامل للمبرد ( طبعة الحلبي 838 ) إلى الشماخ، وليس بصحيح. أما رواية البيت فتختلف ألفاظها في المراجع، وأجودها رواية الكامل، ( لسان العرب: شرخ ) وهي:كأنَّ المَتْنَ والشَّرْخَينِ مِنْهُخِلافَ النَّصْلِ سيطَ بِهِ مَشِيجقال المبرد: يريد سهما رمى به، فأنفذ الرمية، وقد اتصل به دمها. والمتن: متن السهم. وشرخ كل شيء: حده. فأراه شرخي الفوق وهما حرفاه. والمشيج: اختلاط الدم بالنطفة. هذا أصله. وفي ( اللسان: شرخ ) وشرخ كل شيء: حرفه الناتئ، كالسهم ونحوه. وشرخا الفوق: حرفاه المشرفان اللذان يقع بينهما الوتر. ا ه .
من نحن

موقع الحياة بالإسلام هو موقع إسلامي، يقدم لكم العديد من المواضيع الاسلامية على منهاج الكتاب و السنة، كما يتضمن بعض قراءات القران الكريم بالرسم العثماني بأصوات اشهر القراء حول العالم

عرض المزيد
إشارات

التين , سُورَةُ هُودٍ , سُورَةُ الجُمُعَةِ , الكوثر , معيض الحارثي , القارئ سيلمان الشبيبي , القارئ عبدالرحمن الشحات , محمد عبدالحكيم سعيد العبدالله , قراءة يعقوب الحضرمي بروايتي رويس وروح , المصحف المعلم , قالون عن نافع من طريق أبي نشيط , خلف عن حمزة ,

عرض المزيد