لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ ٥التفسير الميسرعذابٌ شديد للذين يبخسون المكيال والميزان، الذين إذا اشتروا من الناس مكيلا أو موزونًا يوفون لأنفسهم، وإذا باعوا الناس مكيلا أو موزونًا يُنْقصون في المكيال والميزان، فكيف بحال من يسرقهما ويختلسهما، ويبخس الناس أشياءهم؟ إنه أولى بالوعيد من مطففي المكيال والميزان. ألا يعتقد أولئك المطففون أن الله تعالى باعثهم ومحاسبهم على أعمالهم في يوم عظيم الهول؟ يوم يقوم الناس بين يدي الله، فيحاسبهم على القليل والكثير، وهم فيه خاضعون لله رب العالمين.
تفسير السعديثم توعد تعالى المطففين، وتعجب من حالهم وإقامتهم على ما هم عليه، فقال: أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ فالذي جرأهم على التطفيف عدم إيمانهم باليوم الآخر، وإلا فلو آمنوا به، وعرفوا أنهم يقومون بين يدى الله، يحاسبهم على القليل والكثير، لأقلعوا عن ذلك وتابوا منه.
تفسير ابن كثيرفي يوم عظيم الهول كثير الفزع جليل الخطب من خسر فيه أدخل نارا حامية
تفسير القرطبيشأنه وهو يوم القيامة .
تفسير الطبريليوم عظيم شأنه: هائل أمره، فظيع هوله.
يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦التفسير الميسرعذابٌ شديد للذين يبخسون المكيال والميزان، الذين إذا اشتروا من الناس مكيلا أو موزونًا يوفون لأنفسهم، وإذا باعوا الناس مكيلا أو موزونًا يُنْقصون في المكيال والميزان، فكيف بحال من يسرقهما ويختلسهما، ويبخس الناس أشياءهم؟ إنه أولى بالوعيد من مطففي المكيال والميزان. ألا يعتقد أولئك المطففون أن الله تعالى باعثهم ومحاسبهم على أعمالهم في يوم عظيم الهول؟ يوم يقوم الناس بين يدي الله، فيحاسبهم على القليل والكثير، وهم فيه خاضعون لله رب العالمين.
تفسير السعديثم توعد تعالى المطففين، وتعجب من حالهم وإقامتهم على ما هم عليه، فقال: أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ فالذي جرأهم على التطفيف عدم إيمانهم باليوم الآخر، وإلا فلو آمنوا به، وعرفوا أنهم يقومون بين يدى الله، يحاسبهم على القليل والكثير، لأقلعوا عن ذلك وتابوا منه.
تفسير ابن كثيروقوله ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) أي يقومون حفاة عراة غرلا في موقف صعب حرج ضيق ضنك على المجرم ويغشاهم من أمر الله ما تعجز القوى والحواس عنهقال الإمام مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيهرواه البخاري من حديث مالك وعبد الله بن عون كلاهما عن نافع به . ورواه مسلم من الطريقين أيضا وكذلك رواه صالح وثابت بن كيسان وأيوب بن يحيى وعبد الله وعبيد الله ابنا عمر ومحمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر به .ولفظ الإمام أحمد حدثنا يزيد أخبرنا ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ) يوم يقوم الناس لرب العالمين ) لعظمة الرحمن عز وجل يوم القيامة حتى إن العرق ليلجم الرجال إلى أنصاف آذانهم "حديث آخر قال الإمام أحمد حدثنا إبراهيم بن إسحاق حدثنا ابن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثني سليم بن عامر حدثني المقداد يعني ابن الأسود الكندي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم - يقول إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون قيد ميل أو ميلين قال فتصهرهم الشمس فيكونون في العرق كقدر أعمالهم منهم من يأخذه إلى عقبيه ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه ومنهم من يأخذه إلى حقويه ومنهم من يلجمه إلجامارواه مسلم عن الحكم بن موسى عن يحيى بن حمزة والترمذي عن سويد عن ابن المبارك كلاهما عن ابن جابر به .حديث آخر قال الإمام أحمد حدثنا الحسن بن سوار حدثنا الليث بن سعد عن معاوية بن صالح أن أبا عبد الرحمن حدثه ، عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال تدنو الشمس يوم القيامة على قدر ميل ويزاد في حرها كذا وكذا تغلي منها الهوام كما تغلي القدور يعرقون فيها على قدر خطاياهم منهم من يبلغ إلى كعبيه ومنهم من يبلغ إلى ساقيه ومنهم من يبلغ إلى وسطه ومنهم من يلجمه العرق انفرد به أحمد .حديث آخر قال الإمام أحمد حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثنا أبو عشانة حي بن يؤمن أنه سمع عقبة بن عامر يقول سمعت رسول صلى الله عليه وسلم - يقول تدنو الشمس من الأرض فيعرق الناس فمن الناس من يبلغ عرقه عقبيه ومنهم من يبلغ إلى نصف الساق ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه ومنهم من يبلغ العجز ومنهم من يبلغ الخاصرة ومنهم من يبلغ منكبيه ومنهم من يبلغ وسط فيه وأشار بيده فألجمها فاه رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير هكذا ومنهم من يغطيه عرقه وضرب بيده إشارة انفرد به أحمد .وفي حديث أنهم يقومون سبعين سنة لا يتكلمون وقيل يقومون ثلاثمائة سنة وقيل يقومون أربعين ألف سنة ويقضى بينهم في مقدار عشرة آلاف سنة كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعا : في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة "وقد قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي ، حدثنا أبو عون الزيادي أخبرنا عبد السلام بن عجلان سمعت أبا يزيد المدني عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لبشير الغفاري كيف أنت صانع في يوم يقوم الناس فيه ثلاثمائة سنة لرب العالمين من أيام الدنيا لا يأتيهم فيه خبر من السماء ولا يؤمر فيه بأمر قال بشير المستعان الله . قال فإذا أويت إلى فراشك فتعوذ بالله من كرب يوم القيامة وسوء الحسابورواه ابن جرير من طريق عبد السلام به .وفي سنن أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بالله من ضيق المقام يوم القيامة .وعن ابن مسعود يقومون أربعين سنة رافعي رءوسهم إلى السماء لا يكلمهم أحد قد ألجم العرق برهم وفاجرهموعن ابن عمر يقومون مائة سنة رواهما ابن جرير .وفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه من حديث زيد بن الحباب عن معاوية بنصالح عن أزهر بن سعيد الحواري عن عاصم بن حميد عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفتتح قيام الليل يكبر عشرا ويحمد عشرا ويسبح عشرا ويستغفر عشرا ، ويقول اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة .
تفسير القرطبيقوله تعالى : يوم يقوم الناس لرب العالمين فيه أربع مسائل :الأولى : العامل في ( يوم ) فعل مضمر ، دل عليه مبعوثون والمعنى يبعثون يوم يقوم الناس لرب العالمين . ويجوز أن يكون بدلا من يوم في ليوم عظيم ، وهو مبني . وقيل : هو في موضع خفض ; لأنه أضيف إلى غير متمكن . وقيل : هو منصوب على الظرف أي في يوم ، ويقال : أقم إلى يوم يخرج فلان ، فتنصب يوم ، فإن أضافوا إلى الاسم فحينئذ يخفضون ويقولون : أقم إلى يوم خروج فلان . وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، التقدير إنهم مبعوثون يوم يقوم الناس لرب العالمين ليوم عظيم .الثانية : وعن عبد الملك بن مروان : أن أعرابيا قال له : قد سمعت ما قال الله تعالى في المطففين ; أراد بذلك أن المطففين قد توجه عليهم هذا الوعيد العظيم الذي سمعت به ، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن . وفي هذا الإنكار والتعجيب وكلمة الظن ، ووصف اليوم بالعظيم ، وقيام الناس فيه لله خاضعين ، ووصف ذاته برب العالمين بيان بليغ لعظم الذنب ، وتفاقم الإثم في التطفيف ، وفيما كان في مثل حاله من الحيف ، وترك القيام بالقسط ، والعمل على التسوية والعدل في كل أخذ وإعطاء ، بل في كل قول وعمل .الثالثة : قرأ ابن عمر : ويل للمطففين حتى بلغ يوم يقوم الناس لرب العالمين فبكى حتى سقط ، وامتنع من قراءة ما بعده ، ثم قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " يوم يقوم الناس لرب العالمين ، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، فمنهم من يبلغ العرق كعبيه ، ومنهم من يبلغ ركبتيه ، ومنهم من يبلغ حقويه ، ومنهم من يبلغ صدره ، ومنهم من يبلغ أذنيه ، حتى إن أحدهم ليغيب في رشحه كما يغيب الضفدع " . وروى ناس عن ابن عباس قال : يقومون مقدار ثلاثمائة سنة . قال : ويهون على المؤمنين قدر صلاتهم الفريضة . وروي عن عبد الله بن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " يقومون ألف عام في الظلة " . وروى مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " يوم يقوم الناس لرب العالمين حتى إن أحدهم ليقوم في رشحه إلى أنصاف أذنيه " . وعنه أيضا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " يقوم مائة سنة " . وقال أبو هريرة قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لبشير الغفاري : " كيف أنت صانع في يوم يقوم الناس فيه مقدار ثلاثمائة سنة لرب العالمين ، لا يأتيهم فيه خبر ، ولا يؤمر فيه بأمر " قال بشير : المستعان الله .قلت : قد ذكرناه مرفوعا من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إنه ليخفف عن المؤمن ، حتى يكون أخف عليه من صلاة المكتوبة يصليها في الدنيا " في ( سأل سائل ) . وعن ابن عباس : يهون على المؤمنين قدر صلاتهم الفريضة . وقيل : إن ذلك المقام على المؤمن كزوال الشمس ; والدليل على هذا من الكتاب قوله الحق : ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ثم وصفهم فقال : الذين آمنوا وكانوا يتقون جعلنا الله منهم بفضله وكرمه وجوده . ومنه آمين . وقيل : المراد بالناس جبريل - عليه السلام - يقوم لرب العالمين ; قاله ابن جبير وفيه بعد ; لما ذكرنا من الأخبار في ذلك ، وهي صحيحة ثابتة ، وحسبك بما في صحيح مسلم ، والبخاري والترمذي من حديث ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم يقوم الناس لرب العالمين قال : " يقوم أحدهم في رشحه إلى نصف أذنيه " . ثم قيل : هذا القيام يوم يقومون من قبورهم . وقيل : في الآخرة بحقوق عباده في الدنيا . وقال يزيد الرشك : يقومون بين يديه للقضاء .الرابعة : القيام لله رب العالمين سبحانه حقير بالإضافة إلى عظمته وحقه ، فأما قيام الناس بعضهم لبعض فاختلف فيه الناس ; فمنهم من أجازه ، ومنهم من منعه . وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام إلى جعفر بن أبي طالب واعتنقه ، وقام طلحة لكعب بن مالك يوم تيب عليه . وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للأنصار حين طلع عليه سعد بن معاذ : " قوموا إلى سيدكم " . وقال أيضا : " من سره أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار " . وذلك يرجع إلى حال الرجل ونيته ، فإن انتظر ذلك واعتقده لنفسه ، فهو ممنوع ، وإن كان على طريق البشاشة والوصلة فإنه جائز ، وخاصة عند الأسباب ، كالقدوم من السفر ونحوه . وقد مضى في آخر سورة ( يوسف ) شيء من هذا .
تفسير الطبريوقوله: ( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) فيوم يقوم تفسير عن اليوم الأول المخفوض، ولكنه لما لم يعد عليه اللام ردّ إلى " مبعوثون "، فكأنه قال: ألا يظنّ أولئك &; 24-279 &; أنهم مبعوثون يوم يقوم الناس وقد يجوز نصبه وهو بمعنى الخفض، لأنها إضافة غير محضة، ولو خفض ردّا على اليوم الأوّل لم يكن لحنا، ولو رفع جاز، كما قال الشاعر:وكُنتُ كَذي رِجْلَينِ: رِجلٍ صَحِيحةٍوَرِجْلٍ رمَى فِيها الزَّمان فشُلَّتِ (3)وذُكر أن الناس يقومون لربّ العالمين يوم القيامة حتى يلجمهم العرق، فبعض يقول: مقدار ثلثمائة عام، وبعض يقول: مقدار أربعين عاما.* ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ بن سعيد الكنديّ، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، في قوله: ( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) قال: يقوم أحدكم في رشحه إلى أنصاف أذنيه.حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم "( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) قال: يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه " .حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا ابن عون، عن نافع، قال: قال ابن عمر: ( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) حتى يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه.حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " إنَّ النَّاس يُوقَفُون يَوْمَ الْقِيامَةِ لِعَظَمَةِ اللهِ، حتى إنَّ الْعَرَقَ لَيُلْجِمُهُمْ إلى أنْصَافِ آذَانِهِمْ".حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: "( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) يَوْم الْقِيامَةِ لِعَظَمَة الرَّحْمَنِ"، ثم ذكر مثله.حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثنا آدم، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع عن ابن عمر قال: " تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) قال: يَقُومُونَ حتى يَبْلُغَ الرَّشْحُ إلى أنْصَاف آذانِهِمْ ".حدثنا أحمد بن محمد بن حبيب، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا أبي، عن صالح، قال: ثنا نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) يَوْمَ الْقِيامَةِ، حتى يَغِيبَ أحَدُهُمْ إلى أنصَافِ أذُنَيْهِ فِي رَشْحِهِ".حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة بن سعيد، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر، في قوله: ( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) قال: يقومون مئة سنة.حدثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: ( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) يَوْمَ الْقِيامَةِ، حتَّى إنَّ الْعَرَقَ لَيُلْجِمُ الرجل إلى أنْصَافِ أُذُنَيْهِ".حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، بنحوه.حدثنا ابن المثنى وابن وكيع، قالا ثنا يحيى، عن عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " يَقُومُ النَّاسُ لِربّ الْعالمِين حتى يَقُومَ أحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إلى أنْصَافِ أُذُنَيْهِ".حدثني محمد بن إبراهيم السليمي المعروف بابن صدران، قال: ثنا يعقوب بن إسحاق قال: ثنا عبد السلام بن عجلان، قال: ثنا يزيد المدني، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبشير الغفاري: " كَيْفَ أنْتَ صَانِعٌ فِي: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِربّ الْعَالمِين مِقْدَارَ ثَلثِمائَةِ سَنَةٍ مِنْ أيَّامِ الدُّنْيا، لا يأتِيُهْم خَبرٌ مِنَ السَّماءِ، وَلا يُؤْمَرُ فِيهِمْ بأمْر " ، قال بشير: المستعان الله يا رسول الله، قال: " إذَا أنْتَ أوَيْتَ إلى فِراشِكَ فَتَعَوَّذْ بالله مِنْ كُرَب يَوْمِ القِيامَة، وَسُوءِ الْحِساب ".حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا شريك، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن مسعود، في قوله: ( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) قال: يمكثون أربعين عاما رافعي رءوسهم إلى السماء، لا يكلمهم أحد، قد ألجم العرق كلّ برّ وفاجر، قال: فينادي مناد: أليس عدلا من ربكم أن خلقكم ثم صوّركم، ثم رزقكم، ثم توليتم غيره أن يولي كلّ عبد منكم ما تولى في الدنيا؟ قالوا: بلى، ثم ذكر الحديث بطوله.حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن سكن، قال: حدث عبد الله، وهو عند عمر ( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) قال: إذا كان يوم القيامة يقوم الناس بين يدي ربّ العالمين أربعين عاما، شاخصة أبصارهم إلى السماء حفاة عراة يلجمهم العرق، ولا يكلّمهم بشر أربعين عاما، ثم ذكر نحوه.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) قال: ذُكر لنا أن كعبا كان يقول: يقومون ثلثمائة سنة.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران وسعيد، عن قتادة ( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) قال: كان كعب يقول: يقومون مقدار ثلثمائة سنة.قال: قتادة: وحدثنا العلاء بن زياد العدويّ، قال: بلغني أن يوم القيامة يقصر على المومن حتى يكون كإحدى صلاته المكتوبة.قال: ثنا مهران، قال: ثنا العمريّ، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: ( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) قال: يَقُومُ الرَّجُلُ فِي رَشْحِهِ إلى أنْصَافِ أُذُنَيهِ".حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، قال: "( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) حتى يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه.قال يعقوب، قال إسماعيل: قلت لابن عون: ذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث قال: " نَعَمْ إنْ شاءَ اللهُ ".حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثني عمي، قال: أخبرني مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ، حتى إنَّ أحَدَهُمْ لَيَغِيبُ فِي رَشْحِهِ إلى نِصْف أُذُنَيْهِ".------------------------الهوامش:(3) البيت لكثير عزة وقد استشهد به المؤلف في الجزء ( 3 : 194 ) وأنشده الفراء في معاني القرآن ( 361 ) قال : وقوله : يوم يقوم الناس هو تفسير اليوم المخفوض ، لما ألقى اللام من الثاني رده إلى " مبعوثون " يوم يقوم الناس ؛ فلو خفضت يوم بالرد على البيت الأول ؛ كان صوابا وقد يكون في موضع خفض ، إلا أنها أضيفت إلى " يفعل " فنصبت إذا أضيفت إلى غير مخفوض ولو رفع على ذلك يوم يقوم كما قال الشاعر " وكنت كذى رجلين ... " ا ه . وانظر ديوان كثير طبع بالجزائر ( 1 : 49 )
كـَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٖ ٧التفسير الميسرحقا إن مصير الفُجَّار ومأواهم لفي ضيق، وما أدراك ما هذا الضيق؟ إنه سجن مقيم وعذاب أليم، وهو ما كتب لهم المصير إليه، مكتوب مفروغ منه، لا يزاد فيه ولا يُنقص.
تفسير السعدييقول تعالى: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ [وهذا شامل لكل فاجر] من أنواع الكفرة والمنافقين، والفاسقين لَفِي سِجِّينٍ
تفسير ابن كثيريقول تعالى حقا" إن كتاب الفجار لفي سجين"أي أن مصيرهم ومأواهم لفي سجين فعيل من السجن وهو الضيق كما يقال فسيق وشريب وخمير وسكير ونحو ذلك.
تفسير القرطبيقوله تعالى : كلا إن كتاب الفجار لفي سجين قال قوم من أهل العلم بالعربية : ( كلا ) ردع وتنبيه ، أي ليس الأمر على ما هم عليه من تطفيف الكيل والميزان ، أو تكذيب بالآخرة ، فليرتدعوا عن ذلك . فهي كلمة ردع وزجر ، ثم استأنف فقال : إن كتاب الفجار . وقال الحسن : كلا بمعنى حقا . وروى ناس عن ابن عباس كلا قال : ألا تصدقون ; فعلى هذا : الوقف " لرب العالمين . وفي تفسير مقاتل : إن أعمال الفجار . وروى ناس عن ابن عباس قال : إن أرواح الفجار وأعمالهم لفي سجين . وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : سجين صخرة تحت الأرض السابعة ، تقلب فيجعل كتاب الفجار تحتها . ونحوه عن ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير ومقاتل وكعب ; قال كعب : تحتها أرواح الكفار تحت خد إبليس . وعن كعب أيضا قال : سجين صخرة سوداء تحت الأرض السابعة ، مكتوب فيها اسم كل شيطان ، تلقى أنفس الكفار عندها .وقال سعيد بن جبير : سجين تحت خد إبليس . يحيى بن سلام : حجر أسود تحت الأرض ، يكتب فيه أرواح الكفار . وقال عطاء الخراساني : هي الأرض السابعة السفلى ، وفيها إبليس وذريته . وعن ابن عباس قال : إن الكافر يحضره الموت ، وتحضره رسل الله ، فلا يستطيعون لبغض الله له وبغضهم إياه ، أن يؤخروه ولا يعجلوه حتى تجيء ساعته ، فإذا جاءت ساعته قبضوا نفسه ، ورفعوه إلى ملائكة العذاب ، فأروه ما شاء الله أن يروه من الشر ، ثم هبطوا به إلى الأرض السابعة ، وهي سجين ، وهي آخر سلطان إبليس ، فأثبتوا فيها كتابه . وعن كعب الأحبار في هذه الآية قال : إن روح الفاجر إذا قبضت يصعد بها إلى السماء ، فتأبى السماء أن تقبلها ، ثم يهبط بها إلى الأرض ، فتأبى الأرض أن تقبلها ، فتدخل في سبع أرضين ، حتى ينتهى بها إلى سجين ، وهو خد إبليس . فيخرج لها من سجين من تحت خد إبليس رق ، فيرقم فيوضع تحت خد إبليس . وقال الحسن : سجين في الأرض السابعة . وقيل : هو ضرب مثل وإشارة إلى أن الله تعالى يرد أعمالهم التي ظنوا أنها تنفعهم .قال مجاهد : المعنى عملهم تحت الأرض السابعة لا يصعد منها شيء . وقال : سجين صخرة في الأرض السابعة . وروى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " سجين جب في جهنم وهو مفتوح " وقال في الفلق : " إنه جب مغطى " . وقال أنس : هي دركة في الأرض السفلى . وقال أنس قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " سجين أسفل الأرض السابعة " . وقال عكرمة : " سجين : خسار وضلال " ; كقولهم لمن سقط قدره : قد زلق بالحضيض . وقال أبو عبيدة والأخفش والزجاج : لفي سجين لفي حبس وضيق شديد ، فعيل من السجن ; كما يقول : فسيق وشريب ; قال ابن مقبل :ورفقة يضربون البيض ضاحية ضربا تواصت به الأبطال سجيناوالمعنى : كتابهم في حبس ; جعل ذلك دليلا على خساسة منزلتهم ، أو لأنه يحل من الإعراض عنه والإبعاد له محل الزجر والهوان . وقيل : أصله سجيل ، فأبدلت اللام نونا . وقد تقدم ذلك . وقال زيد بن أسلم : سجين في الأرض السافلة ، وسجيل في السماء الدنيا . القشيري : سجين : موضع في السافلين ، يدفن فيه كتاب هؤلاء ، فلا يظهر بل يكون في ذلك الموضع كالمسجون . وهذا دليل على خبث أعمالهم ، وتحقير الله إياها ; ولهذا قال في كتاب الأبرار : يشهده المقربون .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : كَلا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7)يقول تعالى ذكره: ( كَلا ) ، أي ليس الأمر كما يظنّ هؤلاء الكفار، أنهم غير مبعوثين ولا معذّبين، إن كتابهم الذي كتب فيه أعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا( لَفِي سِجِّينٍ ) وهي الأرض السابعة السفلى، وهو " فعيل " من السجن، كما قيل: رجل سِكِّير من السكر، وفِسيق من الفسق.وقد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: مثل الذي قلنا في ذلك.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن مغيث بن سميّ : ( إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ) قال: في الأرض السابعة.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن مغيث بن سميّ، قال: ( إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ) قال: الأرض السفلى، قال: إبليس مُوثَق بالحديد والسلاسل في الأرض السفلى.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني جرير بن حازم، عن سليمان الأعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف، قال: كنا جلوسا إلى كعب أنا وربيع بن خيثم وخالد بن عُرْعرة، ورهط من أصحابنا، فأقبل ابن عباس، فجلس إلى جنب كعب، فقال: يا كعب أخبرني عن سِجِّين، فقال كعب: أما سجِّين: فإنها الأرض السابعة السفلى، وفيها أرواح الكفار تحت حدّ إبليس.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ) ذُكر أن عبد الله بن عمرو كان يقول: هي الأرض السفلى فيها أرواح الكفار، وأعمالهم أعمال السوء.حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( فِي سِجِّينٍ ) قال: في أسفل الأرض السابعة.حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ( إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ) يقول: أعمالهم في كتاب في الأرض السفلى.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( لَفِي سِجِّينٍ ) قال: عملهم في الأرض السابعة لا يصعد.حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. (1)حدثني عمر بن إسماعيل بن مجالد، قال: ثنا مطرِّف بن مازن قاضي اليمن، عن معمر، عن قتادة قال: ( سِجِّينٍ ) الأرض السابعة.حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( لَفِي سِجِّينٍ ) يقول: في الأرض السفلى.حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، قال: ثنا قتادة، في قوله: ( إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ) قال: الأرض السابعة السفلى.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( كَلا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ) قال: يقال سجين: الأرض السافلة، وسجين: بالسماء الدنيا.وقال آخرون: بل ذلك حدّ إبليس.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القُمِّي، عن حفص بن حميد، عن شمر، قال: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار، فقال له ابن عباس: حدِّثني عن قول الله: ( إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ... ) الآية، قال كعب: إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ويُهبط بها إلى الأرض فتأبى الأرض أن تقبلها، فتهبط فتدخل تحت سبع أرضين، حتى ينتهي بها إلى سجين، وهو حدّ إبليس، فيخرج لها من سجين من تحت حدّ إبليس، رَقّ فيرقم ويختم ويوضع تحت حدّ إبليس بمعرفتها الهلاك إلى يوم القيامة.حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد، في قوله: ( إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ) قال: تحت حدّ إبليس.وقال آخرون: هو جبّ في جهنم مفتوح، ورووا في ذلك خبرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.حدثنا به إسحاق بن وهب الواسطي، قال: ثنا مسعود بن مسكان الواسطي، قال: ثنا نضر بن خُزيمة الواسطي، عن شعيب بن صفوان، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الفَلَقُ جُبّ فِي جَهَنَّمَ مُغَطًّى، وأما سِجِّينٌ فمَفْتُوحٌ".وقال بعض أهل العربية: ذكروا أن سجين: الصخرة التي تحت الأرض، قال: ويُرَى أن سجين صفة من صفاتها، لأنه لو كان لها اسما لم يجر، قال: وإن قلت: أجريته لأني ذهبت بالصخرة إلى أنها الحجر الذي فيه الكتاب كان وجها.وإنما اخترت القول الذي اخترت في معنى قوله: ( سِجِّينٍ ) لما حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، قال: ثنا الأعمش، قال: ثنا المنهال بن عمرو، عن زاذان أبي عمرو، عن البراء، قال: ( سِجِّينٍ ) الأرض السفلى.حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن المنهال، عن زاذان، عن البراء، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وذكر نفس الفاجر، وأنَّهُ يُصعَدُ بها إلى السَّماء، قال: " فَيَصْعَدُون بها فَلا يمُرُّونَ بِها عَلى مَلإ مِنَ المَلائِكَة إلا قالُوا: ما هَذَا الرُّوحُ الخَبِيثُ؟ قال: فَيَقُولُونَ: فُلانٌ بأقْبَحِ أسمَائِهِ التي كان يُسَمَّى بها في الدنيا حتى يَنْتَهوا بِهَا إلى السَّماء الدُّنْيا، فيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ. فَلا يُفْتَحُ لَهُ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ فَيَقُولُ اللهُ: اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي أسْفَلِ الأرْضِ فِي سجِّينٍ فِي الأرْضِ السُّفْلَى ".حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثنا يحيى بن سليم، قال: ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( كَلا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ) قال: سجين: صخرة في الأرض السابعة، فيجعل كتاب الفجار تحتها.------------------------الهوامش :(1) هذا الإسناد جاء في الأصل مرتين : مرة هنا ، ومرة في الذي قبله .
وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا سِجِّينٞ ٨التفسير الميسرحقا إن مصير الفُجَّار ومأواهم لفي ضيق، وما أدراك ما هذا الضيق؟ إنه سجن مقيم وعذاب أليم، وهو ما كتب لهم المصير إليه، مكتوب مفروغ منه، لا يزاد فيه ولا يُنقص.
تفسير السعدي وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ كِتَابٌ مَرْقُومٌ أي: كتاب مذكور فيه أعمالهم الخبيثة، والسجين: المحل الضيق الضنك، و سجين ضد عليين الذي هو محل كتاب الأبرار، كما سيأتي.وقد قيل: إن سجين هو أسفل الأرض السابعة، مأوى الفجار ومستقرهم في معادهم.
تفسير ابن كثيرولهذا عظم أمره فقال ( وما أدراك ما سجين ) ؟ أي هو أمر عظيم وسجن مقيم وعذاب أليمثم قد قال قائلون هي تحت الأرض السابعة وقد تقدم في حديث البراء بن عازب في حديثه الطويل يقول الله عز وجل في روح الكافر اكتبوا كتابه في سجينوسجين هي تحت الأرض السابعة وقيل صخرة تحت السابعة خضراء وقيل بئر في جهنموقد روى ابن جرير في ذلك حديثا غريبا منكرا لا يصح فقال حدثنا إسحاق بن وهب الواسطي حدثنا مسعود بن موسى بن مشكان الواسطي حدثنا نصر بن خزيمة الواسطي عن شعيب بن صفوان عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الفلق جب في جهنم مغطى وأما سجين فمفتوح "والصحيح أن سجينا مأخوذ من السجن وهو الضيق فإن المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق وكل ما تعالى منها اتسع فإن الأفلاك السبعة كل واحد منها أوسع وأعلى من الذي دونه وكذلك الأرضون كل واحدة أوسع من التي دونها حتى ينتهي السفول المطلق والمحل الأضيق إلى المركز في وسط الأرض السابعة ولما كان مصير الفجار إلى جهنم وهي أسفل السافلين كما قال تعالى ( ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) التين 5 ، 6 وقال هاهنا ( كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين ) وهو يجمع الضيق والسفول كما قال ) وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا ) الفرقان : 13
تفسير القرطبيوما أدراك ما سجين أي ليس ذلك مما كنت تعلمه يا محمد أنت ولا قومك .وليس في قوله : وما أدراك ما سجين ما يدل على أن لفظ سجين ليس عربيا ، كما لا يدل في قوله : القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة بل هو تعظيم لأمر سجين ، وقد مضى في مقدمة الكتاب - والحمد لله - أنه ليس في القرآن غير عربي .
تفسير الطبريوقوله: ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وأيّ شيء أدراك يا محمد، أيّ شيء ذلك الكتاب، ثم بين ذلك تعالى ذكره.
كِتَٰبٞ مَّرۡقُومٞ ٩التفسير الميسرحقا إن مصير الفُجَّار ومأواهم لفي ضيق، وما أدراك ما هذا الضيق؟ إنه سجن مقيم وعذاب أليم، وهو ما كتب لهم المصير إليه، مكتوب مفروغ منه، لا يزاد فيه ولا يُنقص.
تفسير السعدي وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ كِتَابٌ مَرْقُومٌ أي: كتاب مذكور فيه أعمالهم الخبيثة، والسجين: المحل الضيق الضنك، و سجين ضد عليين الذي هو محل كتاب الأبرار، كما سيأتي.وقد قيل: إن سجين هو أسفل الأرض السابعة، مأوى الفجار ومستقرهم في معادهم.
تفسير ابن كثيروقوله ( كتاب مرقوم ) ليس تفسيرا لقوله ( وما أدراك ما سجين ) وإنما هو تفسير لما كتب لهم من المصير إلى سجين أي مرقوم مكتوب مفروغ منه لا يزاد فيه أحد ولا ينقص منه أحد قاله محمد بن كعب القرظي
تفسير القرطبيكتاب مرقوم أي مكتوب كالرقم في الثوب ، لا ينسى ولا يمحى . وقال قتادة : مرقوم أي مكتوب ، رقم لهم بشر : لا يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم أحد . وقال الضحاك : مرقوم : مختوم ، بلغة حمير ; وأصل الرقم الكتابة ; قال :سأرقم في الماء القراح إليكم على بعدكم إن كان للماء راقم
تفسير الطبريفقال: هو ( كِتَابٌ مَرْقُومٌ ) وعنى بالمرقوم: المكتوب.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة فِي ( كِتَابٌ مَرْقُومٌ ) قال: كتاب مكتوب.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ ) قال: رقم لهم بشرٍّ.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( كِتَابٌ مَرْقُومٌ ) قال: المرقوم: المكتوب.
وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ١٠التفسير الميسرعذاب شديد يومئذ للمكذبين، الذين يكذبون بوقوع يوم الجزاء، وما يكذِّب به إلا كل ظالم كثير الإثم، إذا تتلى عليه آيات القرآن قال: هذه أباطيل الأولين. ليس الأمر كما زعموا، بل هو كلام الله ووحيه إلى نبيه، وإنما حجب قلوبهم عن التصديق به ما غشاها من كثرة ما يرتكبون من الذنوب. ليس الأمر كما زعم الكفار، بل إنهم يوم القيامة عن رؤية ربهم- جل وعلا- لمحجوبون، (وفي هذه الآية دلالة على رؤية المؤمنين ربَّهم في الجنة) ثم إنهم لداخلو النار يقاسون حرها، ثم يقال لهم: هذا الجزاء الذي كنتم به تكذبون.
تفسير السعدي وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
تفسير ابن كثيرثم قال ( ويل يومئذ للمكذبين ) أي إذا صاروا يوم القيامة إلى ما أوعدهم الله من السجن والعذاب المهين وقد تقدم الكلام على قوله : ( ويل ) بما أغنى عن إعادته وأن المراد من ذلك الهلاك والدمار كما يقال ويل لفلان وكما جاء في المسند والسنن من رواية بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك الناس ويل له ويل له "
تفسير القرطبيأي شدة وعذاب يوم القيامة للمكذبين .ثم بين تعالى أمرهم فقال : " الذين يكذبون بيوم الدين "
تفسير الطبريوقوله: ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) يقول تعالى ذكره: ويل يومئذ للمكذبين بهذه الآيات، ( الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ )، يقول: الذين يكذبون بيوم الحساب والمجازاة.
ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ ١١التفسير الميسرعذاب شديد يومئذ للمكذبين، الذين يكذبون بوقوع يوم الجزاء، وما يكذِّب به إلا كل ظالم كثير الإثم، إذا تتلى عليه آيات القرآن قال: هذه أباطيل الأولين. ليس الأمر كما زعموا، بل هو كلام الله ووحيه إلى نبيه، وإنما حجب قلوبهم عن التصديق به ما غشاها من كثرة ما يرتكبون من الذنوب. ليس الأمر كما زعم الكفار، بل إنهم يوم القيامة عن رؤية ربهم- جل وعلا- لمحجوبون، (وفي هذه الآية دلالة على رؤية المؤمنين ربَّهم في الجنة) ثم إنهم لداخلو النار يقاسون حرها، ثم يقال لهم: هذا الجزاء الذي كنتم به تكذبون.
تفسير السعديثم بين المكذبين بأنهم الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ أي: يوم الجزاء، يوم يدين الله فيه الناس بأعمالهم.
تفسير ابن كثيرأي لا يصدقون بوقوعه ولا يعتقدون كونه ويستبعدون أمره.
تفسير القرطبيأي بيوم الحساب والجزاء والفصل بين العباد .
تفسير الطبريحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ) قال: أهل الشرك يكذّبون بالدين، وقرأ: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ ... إلى آخر الآية.
وَمَا يُكَذِّبُ بِهِۦٓ إِلَّا كُلُّ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ ١٢التفسير الميسرعذاب شديد يومئذ للمكذبين، الذين يكذبون بوقوع يوم الجزاء، وما يكذِّب به إلا كل ظالم كثير الإثم، إذا تتلى عليه آيات القرآن قال: هذه أباطيل الأولين. ليس الأمر كما زعموا، بل هو كلام الله ووحيه إلى نبيه، وإنما حجب قلوبهم عن التصديق به ما غشاها من كثرة ما يرتكبون من الذنوب. ليس الأمر كما زعم الكفار، بل إنهم يوم القيامة عن رؤية ربهم- جل وعلا- لمحجوبون، (وفي هذه الآية دلالة على رؤية المؤمنين ربَّهم في الجنة) ثم إنهم لداخلو النار يقاسون حرها، ثم يقال لهم: هذا الجزاء الذي كنتم به تكذبون.
تفسير السعدي وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ على محارم الله، متعد من الحلال إلى الحرام. أَثِيمٍ أي كثير الإثم، فهذا الذي يحمله عدوانه على التكذيب، ويحمله [عدوانه على التكذيب ويوجب له] كبره رد الحق،
تفسير ابن كثيرأي معتد في أفعاله من تعاطي الحرام والمجاوزة في تناول المباح والأثيم في أقواله إن حدث كذب وإن وعد أخلف وإن خاصم فجر.
تفسير القرطبيأي فاجر جائز عن الحق , معتد على الخلق في معاملته إياهم وعلى نفسه , وهو أثيم في ترك أمر الله .وقيل هذا في الوليد بن المغيرة وأبي جهل ونظرائهما
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12)يقول تعالى ذكره: وما يُكذّبُ بيوم الدين ( إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ ) اعتدى على الله في قوله، فخالف أمره ( أثِيمٍ ) بربه.كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ قال الله: ( وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ) أي بيوم الدين، إلا كلّ معتد في قوله، أثيم بربه.
إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣التفسير الميسرعذاب شديد يومئذ للمكذبين، الذين يكذبون بوقوع يوم الجزاء، وما يكذِّب به إلا كل ظالم كثير الإثم، إذا تتلى عليه آيات القرآن قال: هذه أباطيل الأولين. ليس الأمر كما زعموا، بل هو كلام الله ووحيه إلى نبيه، وإنما حجب قلوبهم عن التصديق به ما غشاها من كثرة ما يرتكبون من الذنوب. ليس الأمر كما زعم الكفار، بل إنهم يوم القيامة عن رؤية ربهم- جل وعلا- لمحجوبون، (وفي هذه الآية دلالة على رؤية المؤمنين ربَّهم في الجنة) ثم إنهم لداخلو النار يقاسون حرها، ثم يقال لهم: هذا الجزاء الذي كنتم به تكذبون.
تفسير السعديولهذا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا الدالة على الحق، و[على] صدق ما جاءت به رسله، كذبها وعاندها، و قَالَ هذه أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي: من ترهات المتقدمين، وأخبار الأمم الغابرين، ليس من عند الله تكبرا وعنادا.
تفسير ابن كثيروقوله ( إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ) أي إذا سمع كلام الله من الرسول يكذب به ويظن به ظن السوء فيعتقد أنه مفتعل مجموع من كتب الأوائل كما قال تعالى ( وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين ) النحل 24 وقال ( وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ) الفرقان : 5
تفسير القرطبيوقراءة العامة " تتلى " بتاءين , وقراءة أبي حيوة وأبي سماك وأشهب العقيلي والسلمي : " إذا يتلى " بالياء .وأساطير الأولين : أحاديثهم وأباطيلهم التي كتبوها وزخرفوها .واحدها أسطورة وإسطارة , وقد تقدم .
تفسير الطبري( إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا ) يقول تعالى ذكره: إذا قُرئ عليه حججنا وأدلتنا التي بيَّنَاها في كتابنا الذي أنزلناه إلى محمد صلى الله عليه وسلم ( قَالَ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ ) يقول: قال: هذا ما سطَّره الأوّلون فكتبوه، من الأحاديث والأخبار.
كـَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٤التفسير الميسرعذاب شديد يومئذ للمكذبين، الذين يكذبون بوقوع يوم الجزاء، وما يكذِّب به إلا كل ظالم كثير الإثم، إذا تتلى عليه آيات القرآن قال: هذه أباطيل الأولين. ليس الأمر كما زعموا، بل هو كلام الله ووحيه إلى نبيه، وإنما حجب قلوبهم عن التصديق به ما غشاها من كثرة ما يرتكبون من الذنوب. ليس الأمر كما زعم الكفار، بل إنهم يوم القيامة عن رؤية ربهم- جل وعلا- لمحجوبون، (وفي هذه الآية دلالة على رؤية المؤمنين ربَّهم في الجنة) ثم إنهم لداخلو النار يقاسون حرها، ثم يقال لهم: هذا الجزاء الذي كنتم به تكذبون.
تفسير السعديوأما من أنصف، وكان مقصوده الحق المبين، فإنه لا يكذب بيوم الدين، لأن الله قد أقام عليه من الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة، ما يجعله حق اليقين، وصار لقلوبهم مثل الشمس للأبصار ، بخلاف من ران على قلبه كسبه، وغطته معاصيه،
تفسير ابن كثير( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) أي ليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا إن هذا القرآن أساطير الأولين بل هو كلام الله ووحيه وتنزيله على رسوله صلى الله عليه وسلم وإنما حجب قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الرين الذي قد لبس قلوبهم من كثرة الذنوب والخطايا ولهذا قال تعالى ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) والرين يعتري قلوب الكافرين والغيم للأبرار والغين للمقربينوقد روى ابن جرير والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن العبد إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب منها صقل قلبه وإن زاد زادت فذلك قول الله ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) .وقال الترمذي حسن صحيح ولفظ النسائي إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فهو الران الذي قال الله ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون )وقال أحمد : حدثنا صفوان بن عيسى أخبرنا ابن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه فإن زاد زادت حتى تعلو قلبه وذاك الران الذي ذكر الله في القرآن ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) " .وقال الحسن البصري : هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب فيموت وكذا قال مجاهد بن جبر وقتادة وابن زيد وغيرهم .
تفسير القرطبيقوله تعالى : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون : كلا : ردع وزجر ، أي ليس هو أساطير الأولين . وقال الحسن : معناها حقا ران على قلوبهم . وقيل : في الترمذي : عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء ، فإذا هو نزع واستغفر الله وتاب ، صقل قلبه ، فإن عاد زيد . فيها ، حتى تعلو على قلبه ، وهو الران الذي ذكر الله في كتابه : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون . قال : هذا حديث حسن صحيح . وكذا قال المفسرون : هو الذنب على الذنب حتى يسود القلب .قال مجاهد : هو الرجل يذنب الذنب ، فيحيط الذنب بقلبه ، ثم يذنب الذنب فيحيط الذنب بقلبه ، حتى تغشي الذنوب قلبه . قال مجاهد : هي مثل الآية التي في سورة البقرة : بلى من كسب سيئة الآية . ونحوه عن الفراء ; قال : يقول كثرت المعاصي منهم والذنوب ، فأحاطت بقلوبهم ، فذلك الرين عليها . وروي عن مجاهد أيضا قال : القلب مثل الكهف ورفع كفه ، فإذا أذنب العبد الذنب انقبض ، وضم إصبعه ، فإذا أذنب الذنب انقبض ، وضم أخرى ، حتى ضم أصابعه كلها ، حتى يطبع على قلبه . قال : وكانوا يرون أن ذلك هو الرين ، ثم قرأ : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون . ومثله عن حذيفة - رضي الله عنه - سواء . وقال بكر بن عبد الله : إن العبد إذا أذنب صار في قلبه كوخزة الإبرة ، ثم صار إذا أذنب ثانيا صار كذلك ، ثم إذا كثرت الذنوب صار القلب كالمنخل ، أو كالغربال ، لا يعي خيرا ، ولا يثبت فيه صلاح . وقد بينا في ( البقرة ) القول في هذا المعنى بالأخبار الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلا معنى لإعادتها .وقد روى عبد الغني بن سعيد عن موسى بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ، وعن موسى عن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس شيئا الله أعلم بصحته ; قال : هو الران الذي يكون على الفخذين والساق والقدم ، وهو الذي يلبس في الحرب .قال : وقال آخرون : الران : الخاطر الذي يخطر بقلب الرجل . وهذا مما لا يضمن عهدة صحته . فالله أعلم .فأما عامة أهل التفسير فعلى ما قد مضى ذكره قبل هذا . وكذلك أهل اللغة عليه ; يقال : ران على قلبه ذنبه يرين رينا وريونا أي غلب . قال أبو عبيدة في قوله : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون أي غلب ; وقال أبو عبيد : كل ما غلبك وعلاك فقد ران بك ، ورانك ، وران عليك ; وقال الشاعر :وكم ران من ذنب على قلب فاجر فتاب من الذنب الذي ران وانجلىورانت الخمر على عقله : أي غلبته ، وران عليه النعاس : إذا غطاه ; ومنه قول عمر في الأسيفع - أسيفع جهينة - : فأصبح قد رين به . أي غلبته الديون ، وكان يدان ; ومنه قول أبي زبيد يصف رجلا شرب حتى غلبه الشراب سكرا ، فقال :ثم لما رآه رانت به الخم ر وأن لا ترينه باتقاءفقوله : رانت به الخمر ، أي غلبت على عقله وقلبه . وقال الأموي : قد أران القوم فهم مرينون : إذا هلكت مواشيهم وهزلت . وهذا من الأمر الذي أتاهم مما يغلبهم ، فلا يستطيعون احتماله . قال أبو زيد يقال : قد رين بالرجل رينا : إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه ، ولا قبل له وقال أبو معاذ النحوي : الرين : أن يسود القلب من الذنوب ، والطبع أن يطبع على القلب ، وهذا أشد من الرين ، والإقفال أشد من الطبع . الزجاج : الرين : هو كالصدأ يغشي القلب كالغيم الرقيق ، ومثله الغين ، يقال : غين على قلبه : غطي . والغين : شجر ملتف ، الواحدة غيناء ، أي خضراء ، كثيرة الورق ، ملتفة الأغصان . وقد تقدم قول الفراء : إنه إحاطة الذنب بالقلوب . وذكر الثعلبي عن ابن عباس : ران على قلوبهم : أي غطى عليها . وهذا هو الصحيح عنه إن شاء الله . وقرأ حمزة والكسائي والأعمش وأبو بكر والمفضل ( ران ) بالإمالة ; لأن فاء الفعل الراء ، وعينه الألف منقلبة من ياء ، فحسنت الإمالة لذلك . ومن فتح فعلى الأصل ; لأن باب فاء الفعل في ( فعل ) الفتح ، مثل كال وباع ونحوه . واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ووقف حفص ( بل ) ثم يبتدئ ( ران ) وقفا يبين اللام ، لا للسكت .
تفسير الطبريوقوله: ( كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ) يقول تعالى ذكره مكذّبا لهم في قيلهم ذلك: ( كَلا )، ما ذلك كذلك، ولكنه ( رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ). يقول: غلب على قلوبهم وغَمَرها وأحاطت بها الذنوب فغطتها، يقال منه: رانت الخمر على عقله، فهي تَرِين عليه رَيْنا، وذلك إذا سكر، فغلبت على عقله؛ ومنه قول أبي زُبيد الطائي:ثُمَّ لَمَّا رآهُ رَانَتْ بِهِ الخَمرُ وأن لا تَرِينَهُ باتِّقاء (2)يعني: ترينه بمخافة، يقول: سكر فهو لا ينتبه؛ ومنه قول الراجز:لم نَروَ حتى هَجَّرَت وَرِينَ بيوَرِينَ بالسَّاقي الَّذي أمْسَى مَعِي (3)وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاء الأثَر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.* ذكر من قال ذلك:حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا أبو خالد، عن ابن عجلان، عن القَعْقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذَا أذنَبَ العَبْدُ نُكِتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَة سَوْدَاءُ، فإنْ تابَ صُقِلَ مِنْها، فإنْ عادَ عادَتْ حتى تَعْظُمَ فِي قَلْبِهِ، فذلكَ الرَّانُ الَّذي قَالَ الله: ( كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )".حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا صفوان بن عيسى، قال: ثنا ابن عَجلان، عن القَعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ المُؤْمَنَ إذَا أذْنَبَ ذَنْبًا كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فإن تابَ وَنزعَ وَاسْتَغْفَرَ صَقَلَتْ قَلْبَهُ، فإنْ زَادَ زَادَتْ حتى تَعْلُو قَلْبَهُ، فَذَلكَ الرَّانُ الَّذي قال الله: ( كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )".حدثني عليّ بن سهيل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن محمد بن عَجْلان، عن القَعقَاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " إنَّ الْعَبْدَ إذَا أذْنَبَ ذَنْبًا كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فإنْ تابَ مِنْهَا صُقِلَ قَلْبُهُ، فإنْ زَادَ زَادَتْ فَذلكَ قَوْلُ اللهِ: ( كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) ".حدثني أبو صالح الضَّراري محمد بن إسماعيل، قال: أخبرني طارق بن عبد العزيز، عن ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول إلله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ الْعَبْدَ إذَا أخْطأَ خَطِيئَةً كَانَتْ نُكْتَةٌ فِي قَلْبِهِ، فإنْ تَاب واسْتَغْفَرَ وَنزعَ صَقَلَتْ قَلْبَهُ، وَذَلكَ الرَّانُ الَّذِي قَالَ اللهُ: ( كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) قال: أبو صالح: كذا قال: صقلت، وقال غيره: سَقَلت.حدثني عليّ بن سهيل الرمليّ، قال: ثنا الوليد، عن خُلَيد، عن الحسن، قال: وقرأ ( كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) قال: الذنب على الذنب حتى يموت قلبه.حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: ( كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) قال: الذنب على الذنب حتى يَعمى القلب فيموت.حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن مجاهد ( كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) قال: العبد يعمل بالذنوب فتحيط بالقلب، ثم ترتفع، حتى تغشى القلب.حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، قال: أرانا مجاهد بيده، قال: كانوا يرون القلب في مثل هذا يعني: الكفّ، فإذا أذنب العبد ذنبا ضم منه، وقال بأصبعه الخنصر هكذا فإذا أذنب ضمّ أصبعا أخرى، فإذا أذنب ضمّ أصبعا أخرى، حتى ضمّ أصابعه كلها، ثم يطبع عليه بطابع، قال مجاهد: وكانوا يرون أن ذلك الرَّيْن.حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، قال: القلب مثل الكفّ، فإذا أذنب الذنب قبض أصبعا، حتى يقبض أصابعه كلها، وإن أصحابنا يرون أنه الران.حدثنا أبو كُرَيب مرة أخرى بإسناده عن مجاهد قال: القلب مثل الكفّ، وإذا أذنب انقبض وقبض أصبعه، فإذا أذنب انقبض حتى ينقبض كله، ثم يطبع عليه، فكانوا يرون أن ذلك هو الران ( كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) .حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ) قال: الخطايا حتى غمرته.حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ) انبثت على قلبه الخطايا حتى غمرته.حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ) يقول: يطبع.حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) قال: طبع على قلوبهم ما كسبوا.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن طلحة، عن عطاء ( كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) قال: غشيت على قلوبهم فهوت بها، فلا يفزعون، ولا يتحاشون.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الحسن ( كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) قال: هو الذنب حتى يموت القلب.قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ) قال: الران: الطبع يطبع القلب مثل الراحة، فيذنب الذنب فيصير هكذا، وعقد سفيان الخنصر، ثم يذنب الذنب فيصير هكذا، وقَبض سفيان كفه، فيطبع عليه.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) أعمال السوء، أي والله ذنب على ذنب، وذنب على ذنب حتى مات قلبه واسودّ.حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ( كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ) قال: هذا الذنب على الذنب، حتى يَرِين على القلب فيسودّ.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ) قال: غلب على قلوبهم ذُنُوبهم، فَلا يخْلُص إليها معها خير.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ( كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) قال: الرجل يذنب الذنب، فيحيط الذنب بقلبه حتى تغشى الذنوب عليه. قال مجاهد: وهي مثل الآية التي في سورة البقرة بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ .
كـَلَّآ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّمَحۡجُوبُونَ ١٥التفسير الميسرعذاب شديد يومئذ للمكذبين، الذين يكذبون بوقوع يوم الجزاء، وما يكذِّب به إلا كل ظالم كثير الإثم، إذا تتلى عليه آيات القرآن قال: هذه أباطيل الأولين. ليس الأمر كما زعموا، بل هو كلام الله ووحيه إلى نبيه، وإنما حجب قلوبهم عن التصديق به ما غشاها من كثرة ما يرتكبون من الذنوب. ليس الأمر كما زعم الكفار، بل إنهم يوم القيامة عن رؤية ربهم- جل وعلا- لمحجوبون، (وفي هذه الآية دلالة على رؤية المؤمنين ربَّهم في الجنة) ثم إنهم لداخلو النار يقاسون حرها، ثم يقال لهم: هذا الجزاء الذي كنتم به تكذبون.
تفسير السعديفإنه محجوب عن الحق، ولهذا جوزي على ذلك، بأن حجب عن الله، كما حجب قلبه في الدنيا عن آيات الله،
تفسير ابن كثيروقوله ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) أي لهم يوم القيامة منزل ونزل سجين ثم هم يوم القيامة مع ذلك محجوبون عن رؤية ربهم وخالقهمقال الإمام أبو عبد الله الشافعي في هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه عز وجل يومئذ .وهذا الذي قاله الإمام الشافعي رحمه الله في غاية الحسن وهو استدلال بمفهوم هذه الآية كما دل عليه منطوق قوله ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) القيامة 22 ، 23 وكما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربهم عز وجل في الدار الآخرة رؤية بالأبصار في عرصات القيامة وفي روضات الجنان الفاخرةوقد قال ابن جرير محمد بن عمار الرازي : حدثنا أبو معمر المنقري حدثنا عبد الوارث بن سعيد عن عمرو بن عبيد عن الحسن في قوله ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) قال يكشف الحجاب فينظر إليه المؤمنون والكافرون ثم يحجب عنه الكافرون وينظر إليه المؤمنون كل يوم غدوة وعشية أو كلاما هذا معناه
تفسير القرطبيقوله تعالى : ( كلا ) أي حقا إنهم يعني الكفار عن ربهم يومئذ أي يوم القيامة لمحجوبون . وقيل : كلا ردع وزجر ، أي ليس كما يقولون ، بل إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون . قال الزجاج : في هذه الآية دليل على أن الله - عز وجل - يرى في القيامة ، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة ، ولا خست منزلة الكفار بأنهم يحجبون . وقال جل ثناؤه : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة فأعلم الله - جل ثناؤه - أن المؤمنين ينظرون إليه ، وأعلم أن الكفار محجوبون عنه ، وقال مالك بن أنس في هذه الآية : لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه . وقال الشافعي : لما حجب قوما بالسخط ، دل على أن قوما يرونه بالرضا . ثم قال : أما والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد لما عبده في الدنيا . وقال الحسين بن الفضل : لما حجبهم في الدنيا عن نور توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته . وقال مجاهد في قوله تعالى : لمحجوبون : أي عن كرامته ورحمته ممنوعون . وقال قتادة : هو أن الله لا ينظر إليهم برحمته ، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم . وعلى الأول الجمهور ، وأنهم محجوبون عن رؤيته فلا يرونه .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)يقول تعالى ذكره: ما الأمر كما يقول هؤلاء المكذّبون بيوم الدين، من أن لهم عند الله زُلْفة، إنهم يومئذ عن ربهم لمحجوبون، فلا يرونه، ولا يرون شيئا من كرامته يصل إليهم.وقد اختلف أهل التأويل في معنى قوله: ( إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) فقال بعضهم: معنى ذلك: إنهم محجوبون عن كرامته.* ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن خليد، عن قتادة ( كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) هو لا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم.حدثني سعيد بن عمرو السكوني، قال: ثنا بقية بن الوليد، قال: ثنا جرير، قال: ثني نمران أبو الحسن الذماري، عن ابن أبي مليكة أنه كان يقول في هذه الآية ( إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) قال: المنان والمختال والذي يقتطع أموال الناس بيمينه بالباطل.وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنهم محجوبون عن رؤية ربهم.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمار الرازي، قال: ثنا أبو معمر المنقري، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن في قوله: ( كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) قال: يكشف الحجاب فينظر إليه المؤمنون كلّ يوم غُدْوة وعشية، أو كلاما هذا معناه.وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء القوم أنهم عن رؤيته محجوبون. ويُحتمل أن يكون مرادًا به الحجاب عن كرامته، وأن يكون مرادًا به الحجاب عن ذلك كله، ولا دلالة في الآية تدلّ على أنه مراد بذلك الحجاب عن معنى منه دون معنى، ولا خبر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قامت حجته. فالصواب أن يقال: هم محجوبون عن رؤيته، وعن كرامته إذ كان الخبر عاما، لا دلالة على خصوصه.
ثُمَّ إِنَّهُمۡ لَصَالُواْ ٱلۡجَحِيمِ ١٦التفسير الميسرعذاب شديد يومئذ للمكذبين، الذين يكذبون بوقوع يوم الجزاء، وما يكذِّب به إلا كل ظالم كثير الإثم، إذا تتلى عليه آيات القرآن قال: هذه أباطيل الأولين. ليس الأمر كما زعموا، بل هو كلام الله ووحيه إلى نبيه، وإنما حجب قلوبهم عن التصديق به ما غشاها من كثرة ما يرتكبون من الذنوب. ليس الأمر كما زعم الكفار، بل إنهم يوم القيامة عن رؤية ربهم- جل وعلا- لمحجوبون، (وفي هذه الآية دلالة على رؤية المؤمنين ربَّهم في الجنة) ثم إنهم لداخلو النار يقاسون حرها، ثم يقال لهم: هذا الجزاء الذي كنتم به تكذبون.
تفسير السعدي ثُمَّ إِنَّهُمْ مع هذه العقوبة البليغة لَصَالُوا الْجَحِيمِ
تفسير ابن كثيرقوله ( ثم إنهم لصالو الجحيم ) أي ثم هم مع هذا الحرمان عن رؤية الرحمن من أهل النيران
تفسير القرطبيثم إنهم لصالو الجحيم أي ملازموها ، ومحترقون فيها غير خارجين منها ، كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها و كلما خبت زدناهم سعيرا . ويقال : الجحيم الباب الرابع من النار .
تفسير الطبريوقوله: ( إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ) يقول تعالى ذكره: ثم إنهم لوَارِدُو الجحيم، فمشويُّون فيها.
ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ١٧التفسير الميسرعذاب شديد يومئذ للمكذبين، الذين يكذبون بوقوع يوم الجزاء، وما يكذِّب به إلا كل ظالم كثير الإثم، إذا تتلى عليه آيات القرآن قال: هذه أباطيل الأولين. ليس الأمر كما زعموا، بل هو كلام الله ووحيه إلى نبيه، وإنما حجب قلوبهم عن التصديق به ما غشاها من كثرة ما يرتكبون من الذنوب. ليس الأمر كما زعم الكفار، بل إنهم يوم القيامة عن رؤية ربهم- جل وعلا- لمحجوبون، (وفي هذه الآية دلالة على رؤية المؤمنين ربَّهم في الجنة) ثم إنهم لداخلو النار يقاسون حرها، ثم يقال لهم: هذا الجزاء الذي كنتم به تكذبون.
تفسير السعديثم يقال لهم توبيخا وتقريعًا: هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ فذكر لهم ثلاثة أنواع من العذاب: عذاب الجحيم، وعذاب التوبيخ، واللوم.وعذاب الحجاب من رب العالمين، المتضمن لسخطه وغضبه عليهم، وهو أعظم عليهم من عذاب النار، ودل مفهوم الآية، على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وفي الجنة، ويتلذذون بالنظر إليه أعظم من سائر اللذات، ويبتهجون بخطابه، ويفرحون بقربه، كما ذكر الله ذلك في عدة آيات من القرآن، وتواتر فيه النقل عن رسول الله.وفي هذه الآيات، التحذير من الذنوب، فإنها ترين على القلب وتغطيه شيئا فشيئا، حتى ينطمس نوره، وتموت بصيرته، فتنقلب عليه الحقائق، فيرى الباطل حقًا، والحق باطلًا، وهذا من بعض عقوبات الذنوب.
تفسير ابن كثير( ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون ) أي يقال لهم ذلك على وجه التقريع والتوبيخ والتصغير والتحقير .
تفسير القرطبيثم يقال لهم أي تقول لهم خزنة جهنم هذا الذي كنتم به تكذبون رسل الله في الدنيا .
تفسير الطبريثم يقال: ( هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ) يقول جلّ ثناؤه: ثم يقال لهؤلاء المكذّبين بيوم الدين: هذا العذاب الذي أنتم فيه اليوم، هو العذاب الذي كنتم في الدنيا تخبرون أنكم ذائقوه، فتكذّبون به، وتنكرونه، فذوقوه الآن، فقد صَلَيْتُم به.
كـَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡأَبۡرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ١٨التفسير الميسرحقا إن كتاب الأبرار -وهم المتقون- لفي المراتب العالية في الجنة. وما أدراك -أيها الرسول- ما هذه المراتب العالية؟ كتاب الأبرار مكتوب مفروغ منه، لا يزاد فيه ولا يُنقص، يَطَّلِع عليه المقربون من ملائكة كل سماء.
تفسير السعديلما ذكر أن كتاب الفجار في أسفل الأمكنة وأضيقها، ذكر أن كتاب الأبرار في أعلاها وأوسعها، وأفسحها
تفسير ابن كثيريقول تعالى حقا ( إن كتاب الأبرار ) وهم بخلاف الفجار ( لفي عليين ) أي مصيرهم إلى عليين وهو بخلاف سجينقال الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف قال : سأل ابن عباس كعبا وأنا حاضر عن سجين قال هي الأرض السابعة وفيها أرواح الكفار وسأله عن عليين فقال هي السماء السابعة وفيها أرواح المؤمنين وهكذا قال غير واحد إنها السماء السابعةوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ( كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين ) يعني الجنةوفي رواية العوفي عنه أعمالهم في السماء عند الله وكذا قال الضحاكوقال قتادة عليون ساق العرش اليمنى وقال غيره عليون عند سدرة المنتهىوالظاهر أن عليين مأخوذ من العلو وكلما علا الشيء وارتفع عظم واتسع
تفسير القرطبيقوله تعالى : كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين كلا بمعنى حقا ، والوقف على تكذبون . وقيل أي ليس الأمر كما يقولون ولا كما ظنوا بل كتابهم في سجين ، وكتاب المؤمنين في عليين . وقال مقاتل : كلا ، أي لا يؤمنون بالعذاب الذي يصلونه . ثم استأنف فقال : إن كتاب الأبرار مرفوع في عليين على قدر مرتبتهم . قال ابن عباس : أي في الجنة . وعنه أيضا قال : أعمالهم في كتاب الله في السماء . وقال الضحاك ومجاهد وقتادة : يعني السماء السابعة فيها أرواح المؤمنين . وروى ابن الأجلح عن الضحاك قال : هي سدرة المنتهى ، ينتهي إليها كل شيء من أمر الله لا يعدوها ، فيقولون : رب عبدك فلان ، وهو أعلم به منهم ، فيأتيه كتاب من الله - عز وجل - مختوم بأمانه من العذاب . فذلك قوله تعالى : كلا إن كتاب الأبرار . وعن كعب الأحبار قال : إن روح المؤمن إذا قبضت صعد بها إلى السماء ، وفتحت لها أبواب السماء ، وتلقتها الملائكة بالبشرى ، ثم يخرجون معها حتى ينتهوا إلى العرش ، فيخرج لهم من تحت العرش رق فيرقم ويختم فيه النجاة من الحساب يوم القيامة ويشهده المقربون . وقال قتادة أيضا : في عليين هي فوق السماء السابعة عند قائمة العرش اليمنى . وقال البراء بن عازب قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " عليون في السماء السابعة تحت العرش " .وعن ابن عباس أيضا : هو لوح من زبرجدة خضراء معلق بالعرش ، أعمالهم مكتوبة فيه . وقال الفراء : عليون ارتفاع بعد ارتفاع . وقيل : عليون أعلى الأمكنة . وقيل : معناه علو في علو مضاعف ، كأنه لا غاية له ; ولذلك جمع بالواو والنون . وهو معنى قول الطبري . قال الفراء : هو اسم موضوع على صفة الجمع ، ولا واحد له من لفظه ; كقولك : عشرون وثلاثون ، والعرب إذا جمعت جمعا ولم يكن له بناء من واحده ولا تثنية ، قالوا في المذكر والمؤنث بالنون . وهي معنى قول الطبري .وقال الزجاج : إعراب هذا الاسم كإعراب الجمع ، كما تقول : هذه قنسرون ، ورأيت قنسرين . وقال يونس النحوي واحدها : علي وعلية . وقال أبو الفتح : عليين : جمع علي ، وهو فعيل من العلو . وكان سبيله أن يقول علية كما قالوا للغرفة علية ; لأنها من العلو ، فلما حذف التاء من علية عوضوا منها الجمع بالواو والنون ، كما قالوا في أرضين . وقيل : إن عليين صفة للملائكة ، فإنهم الملأ الأعلى ; كما يقال : فلان في بني فلان ; أي هو في جملتهم وعندهم . والذي في الخبر من حديث ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن أهل عليين لينظرون إلى الجنة من كذا ، فإذا أشرف رجل من أهل عليين أشرقت الجنة لضياء وجهه ، فيقولون : ما هذا النور ؟ فيقال أشرف رجل من أهل عليين الأبرار أهل الطاعة والصدق " . وفي خبر آخر : " إن أهل الجنة ليرون أهل عليين كما يرى الكوكب الدري في أفق السماء " يدل على أن عليين اسم الموضع المرتفع . وروى ناس عن ابن عباس في قوله عليين قال : أخبر أن أعمالهم وأرواحهم في السماء الرابعة .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : كَلا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18)يقول تعالى ذكره: ( كَلا إِنَّ كِتَابَ الأبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ) والأبرار: جمع برّ، وهم الذين برّوا الله بأداء فرائضه، واجتناب محارمه. وقد كان الحسن يقول: هم الذين لا يؤذون شيئًا حتى الذَّرّ.حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا هشام، عن شيخ، عن الحسن، قال: سُئل عن الأبرار، قال: الذين لا يؤذون الذرّ.حدثنا إسحاق بن زيد الخطابي، قال: ثنا الفريابي، عن السري بن يحيى، عن الحسن، قال: الأبرار: هم الذين لا يؤذون الذرّ.وقوله: ( لَفِي عِلِّيِّينَ ) اختلف أهل التأويل في معنى عليين، فقال بعضهم: هي السماء السابعة.* ذكر من قال ذلك:حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني جرير بن حازم، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف، قال: سأل ابن عباس كعبًا وأنا حاضر عن العليين، فقال كعب: هي السماء السابعة، وفيها أرواح المؤمنين.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد الله - يعني: الْعَتَكي - عن قتادة، في قوله: ( إِنَّ كِتَابَ الأبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ) قال: في السماء العليا.حدثني عليّ بن الحسين الأزدي، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن أُسامة بن زيد، عن أبيه، في قوله: ( إِنَّ كِتَابَ الأبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ) قال: في السماء السابعة.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( عِلِّيِّينَ ) قال: السماء السابعة.حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( لَفِي عِلِّيِّينَ ) في السماء عند الله.وقال آخرون: بل العِليُّون: قائمة العرش اليمنى.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( كَلا إِنَّ كِتَابَ الأبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ) ذُكر لنا أن كعبًا كان يقول: هي قائمة العرش اليمنى.حدثني عمر بن إسماعيل بن مجالد، قال: ثنا مُطَرِّف بن مازن، قاضي اليمن، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ( إِنَّ كِتَابَ الأبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ) قال: عليون: قائمة العرش اليمنى.حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( فِي عِلِّيِّينَ) قال: فوق السماء السابعة، عند قائمة العرش اليمنى.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القُمِّي، عن حفص، عن شمر بن عطية، قال: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فسأله، فقال: حدثْنِي عن قول الله: ( إِنَّ كِتَابَ الأبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ... ) الآية، فقال كعب: إن الروح المؤمنة إذا قُبِضت، صُعد بها، فَفُتحت لها أبواب السماء، وتلقَّتها الملائكة بالبُشرَى، ثم عَرَجُوا معها حتى ينتهوا إلى العرش، فيخرج لها من عند العرش فيُرقَم رَقّ، ثم يختم بمعرفتها النجاة بحساب يوم القيامة، وتشهد الملائكة المقرّبون.وقال آخرون: بل عُنِي بالعليين: الجَنَّة.* ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( إِنَّ كِتَابَ الأبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ) قال: الجنة.وقال آخرون: عند سِدْرَةِ المنتهى.* ذكر من قال ذلك:حدثني جعفر بن محمد البزوري من أهل الكوفة، قال: ثنا يعلى بن عبيد، عن الأجلح، عن الضحاك قال: إذا قبض روح العبد المؤمن عرج به إلى السماء، فتنطلق معه المقرّبون إلى السماء الثانية، قال الأجلح: قلت: وما المقرّبون؟ قال: أقربهم إلى السماء الثانية، فتنطلق معه المقرّبون إلى السماء الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة، حتى تنتهي به إلى سِدْرَة المنتهى. قال الأجلح: قلت للضحاك: لِمَ تُسمَّى سِدْرَة المنتهى؟ قال: لأنه يَنْتَهِي إليها كلّ شيء من أمر الله، لا يعدوها، فتقول: ربّ عبدك فلان، وهو أعلم به منهم، فيبعث الله إليهم بصَكّ مختوم يؤمِّنه من العذاب، فذلك قول الله: ( كَلا إِنَّ كِتَابَ الأبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) .وقال آخرون: بل عُنِي بالعِلِّيِّينَ: في السماء عند الله.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( إِنَّ كِتَابَ الأبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ) يقول: أعمالُهُم في كتاب عند الله في السماء.والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن كتاب الأبرار في عليين؛ والعليون: جمع معناه: شيء فوق شيء، وعلوّ فوق علوّ، وارتفاع بعد ارتفاع، فلذلك جُمعت بالياء والنون، كجمع الرجال، إذا لم يكن له بناء من واحده واثنيه، كما حُكِيَ عن بعض العرب سماعًا أطْعَمَنَا مَرَقَةَ مَرَقَيْنِ: يعني اللحم المطبوخ (4) كما قال الشاعر:قَدْ رَوَيَتْ إلا الدُّهَيْدِهِينَاقَلَيُّصَاتٍ وَأُبَيْكِرِينَا (5)فقال: وأبيكرينا، فجمعها بالنون إذ لم يقصد عددًا معلومًا من البكارة، بل أراد عددًا لا يحدّ آخره، وكما قال الآخر:فَأَصْبَحَتِ المَذَاهِبُ قَدْ أذَاعَتْبِهَا الإعْصَارُ بَعْدَ الْوَابِلينَا (6)يعني: مطرًا بعد مطر غير محدود العدد، وكذلك تفعل العرب في كلّ جمع لم يكن بناء له من واحده واثنيه، فجمعه في جميع الإناث والذكران بالنون على ما قد بيَّنا، ومن ذلك قولهم للرجال والنساء: عشرون وثلاثون. فإذا كان ذلك كالذي ذكرنا، فبين أنّ قوله: ( لَفِي عِلِّيِّينَ ) معناه: في علوّ وارتفاع في سماء فوق سماء، وعلوّ فوق علوّ وجائز أن يكون ذلك إلى السماء السابعة، وإلى سدرة المنتهى، وإلى قائمة العرش، ولا خبر يقطع العذر بأنه معنيّ به بعض ذلك دون بعض.والصواب أن يقال في ذلك، كما قال جلّ ثناؤه: إن كتاب أعمال الأبرار لفي ارتفاع إلى حدّ قد علم الله جلّ وعزّ منتهاه، ولا علم عندنا بغايته، غير أن ذلك لا يقصر عن السماء السابعة، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك.--------------------الهوامش :(2) البيت لأبي زبيد الطائي . قال أبو عبيدة في مجاز القرآن : كلا بل ران على قلوبهم غلب على قلبه . والخمر ترين على عقل السكران . والموت يرين على الميت . قال أبو زبيد : " ثم لما رآه ... " البيت . وفي ( اللسان : ران ) الرين : الطبع والدنس . والرين : الصدأ الذي يعلو السيف والمرآة . وفي التنزيل : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون أي : غلب وطبع وختم . وقال الحسن : هو الذنب على الذنب حتى يسود القلب . ا ه .(3) البيت مما رواه ابن الأعرابي عن العرب ولم ينسبه . وفي ( اللسان : ران ) قال أبو عبيدة : كل ما غلبك وعلاك فقد ران بك ، ورانك ، وران عليك . ورانت نفسه : غثت . ورين به : مات . ورين به رينا : وقع في غم ؛ وقيل : رين به : انقطع به ، وهو نحو ذلك ، أنشد ابن الأعرابي :ضَحَّيْتُ حتى أظْهَرتُ ورِين بِيوَرِينَ بالسَّاقي الَّذِي كان معي(4) في ( اللسان: مرق ) يريد اللحم إذا طبخ ، ثم طبخ لحم آخر بذلك الماء .(5) البيتان من مشطور الرجز ولم ينسبا . قال الفراء في معاني القرآن ( 361 ) وقوله : ( كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين ) يقول القائل : كيف جمعت عليون بالنون ، وبهذا من جمع الرجال ؟ فإن العرب إذا جمعت جمعا لا يذهبون فيه إلى أن له بناء من واحد واثنين ، فقالوه في المؤنث والمذكر بالنون ، فمن ذلك هذا ، وهو شيء فوق شيء غير معروف واحده ولا أنثاه ، وسمعت بعض العرب يقول : أطعمنا مرقة مرقين ، يريد الألحم إذا طبخت بمرق واحد ، قال الشاعر : " قد رويت إلا ... " البيتين . فجمع بالنون ، لأنه أراد العدد الذي لا يحد . ا ه . وفي ( اللسان : دهده ) والدهداه ؛ صغار الإبل . قال : قد رويت ... " البيتين . جمع الدهداه بالواو والنون وحذف الهاء من الدهين للضرورة . وقال الجوهري : كأنه جمع الدهداه على دهاده ، ثم صغر دهاده ، فقال : دهيده ، ثم جمع دهيدها بالياء والنون . وكذلك أبكر جمع بكر ، ثم صغر أبيكر . ثم جمعه بالياء والنون . ا ه . وقال البغدادي في الخزانة ( 3 : 410 ) : وهذا الرجز مع كثر الاستشهاد به لم يعرف قائله . ا ه .(6) قال الفراء بعد كلامه في الشاهد قبله : وكذلك قول الشاعر : " فأصبحت " أراد المطر بعد المطر غير محدود . ونرى أن منه قول العرب عشرون وثلاثون ، وإذ جعل للرجال والنساء العدد الذي يشبه هذا النوع ، وكذلك عليون : ارتفاع بعد ارتفاع ، وكأنه لا غاية له . ا ه . وفي ( اللسان : وبل ) فأما قوله : " وأصبحت المذاهب قد أذاعت ... " البيت . فإن شئت جعلت الوابلين الرجال الممدوحين يصفهم بالوبل ، لسعة عطاياهم . وإن شئت جعلته وبلا بعد وبل ، فكان جمعا لم يقصد به قصد كثرة ولا قلة . ا ه . والمذاهب في البيت : المسالك والطرق . وأذاعت بها : ذهبت وغيرتها . والإعصار : الريح الشديدة . ا ه .
وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا عِلِّيُّونَ ١٩التفسير الميسرحقا إن كتاب الأبرار -وهم المتقون- لفي المراتب العالية في الجنة. وما أدراك -أيها الرسول- ما هذه المراتب العالية؟ كتاب الأبرار مكتوب مفروغ منه، لا يزاد فيه ولا يُنقص، يَطَّلِع عليه المقربون من ملائكة كل سماء.
تفسير السعديوَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ
تفسير ابن كثيرولهذا قال معظما أمره ومفخما شأنه ( وما أدراك ما عليون )
تفسير القرطبيأي ما الذي أعلمك يا محمد أي شيء عليون ؟ على جهة التفخيم والتعظيم له في المنزلة الرفيعة .ثم فسره له فقال : " كتاب مرقوم يشهده المقربون " .
تفسير الطبريوقوله: ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، مُعَجِّبه من عليين: وأيّ شيء أشعرك يا محمد ما عليون.
كِتَٰبٞ مَّرۡقُومٞ ٢٠التفسير الميسرحقا إن كتاب الأبرار -وهم المتقون- لفي المراتب العالية في الجنة. وما أدراك -أيها الرسول- ما هذه المراتب العالية؟ كتاب الأبرار مكتوب مفروغ منه، لا يزاد فيه ولا يُنقص، يَطَّلِع عليه المقربون من ملائكة كل سماء.
تفسير السعدي
تفسير ابن كثيرثم قال مؤكدا لما كتب لهم ( كتاب مرقوم )
تفسير القرطبيكتاب مرقوم يشهده المقربون .وقيل إن كتاب مرقوم ليس تفسيرا لعليين ، بل تم الكلام عند قوله ( عليون ) ثم ابتدأ وقال : كتاب مرقوم أي كتاب الأبرار كتاب مرقوم ولهذا عكس الرقم في كتاب الفجار ; قاله القشيري . وروي : أن الملائكة تصعد بعمل العبد ، فيستقبلونه فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله من سلطانه أوحى إليهم : إنكم الحفظة على عبدي ، وأنا الرقيب على ما في قلبه ، وإنه أخلص لي عمله ، فاجعلوه في عليين ، فقد غفرت له ، وإنها لتصعد بعمل العبد ، فيتركونه فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله أوحى إليهم : أنتم الحفظة على عبدي وأنا الرقيب على ما في قلبه ، وإنه لم يخلص لي عمله ، فاجعلوه في سجين .
تفسير الطبريوقوله: ( كِتَابٌ مَرْقُومٌ ) يقول جلّ ثناؤه: إن كتاب الأبرار لفي عليين، ( كتاب مرقوم ): أي مكتوب بأمان من الله إياه من النار يوم القيامة، والفوز بالجنة، كما قد ذكرناه قبل عن كعب الأحبار والضحاك بن مُزَاحم.وكما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( كِتَابٌ مَرْقُومٌ ) رقم.
يَشۡهَدُهُ ٱلۡمُقَرَّبُونَ ٢١التفسير الميسرحقا إن كتاب الأبرار -وهم المتقون- لفي المراتب العالية في الجنة. وما أدراك -أيها الرسول- ما هذه المراتب العالية؟ كتاب الأبرار مكتوب مفروغ منه، لا يزاد فيه ولا يُنقص، يَطَّلِع عليه المقربون من ملائكة كل سماء.
تفسير السعديوأن كتابهم المرقوم يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ من الملائكة الكرام، وأرواح الأنبياء، والصديقين والشهداء، وينوه الله بذكرهم في الملأ الأعلى، و عليون اسم لأعلى الجنة،
تفسير ابن كثيريشهده المقربون ) وهم الملائكة قاله قتادةوقال العوفي عن ابن عباس يشهده من كل سماء مقربوها .
تفسير القرطبيقوله تعالى : يشهده المقربون أي يشهد عمل الأبرار مقربو كل سماء من الملائكة . وقال وهب وابن إسحاق : المقربون هنا إسرافيل - عليه السلام - ، فإذا عمل المؤمن عمل البر ، صعدت الملائكة بالصحيفة وله نور يتلألأ في السماوات كنور الشمس في الأرض ، حتى ينتهى بها إلى إسرافيل ، فيختم عليها ويكتب فهو قوله : يشهده المقربون أي يشهد كتابتهم .
تفسير الطبريوقوله: ( يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) يقول: يشهد ذلك الكتاب المكتوب بأمان الله للبَرّ من عباده من النار، وفوزه بالجنة، المقرّبون من ملائكته من كلّ سماء من السموات السبع.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) قال: كلّ أهل السماء.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) من ملائكة الله.حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) قال: يشهده مقرّبو أهل كلّ سماء.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) قال: الملائكة.
إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ٢٢التفسير الميسرإن أهل الصدق والطاعة لفي الجنة يتنعمون، على الأسرَّة ينظرون إلى ربهم، وإلى ما أعدَّ لهم من خيرات، ترى في وجوههم بهجة النعيم، يُسْقَون من خمر صافية محكم إناؤها، آخره رائحة مسك، وفي ذلك النعيم المقيم فليتسابق المتسابقون. وهذا الشراب مزاجه وخلطه من عين في الجنة تُعْرَف لعلوها بـ "تسنيم"، عين أعدت؛ ليشرب منها المقربون، ويتلذذوا بها.
تفسير السعديفلما ذكر كتابهم، ذكر أنهم في نعيم، وهو اسم جامع لنعيم القلب والروح والبدن،
تفسير ابن كثيرأي يوم القيامة هم في نعيم مقيم وجنات فيها فضل عميم.
تفسير القرطبيقوله تعالى : إن الأبرار أي أهل الصدق والطاعة . لفي نعيم أي نعمة ، والنعمة بالفتح : التنعيم ; يقال : نعمه الله وناعمه فتنعم وامرأة منعمة ومناعمة بمعنى . أي إن الأبرار في الجنات يتنعمون .
تفسير الطبريوقوله: ( إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ) يقول تعالى ذكره: إن الأبرار الذين بَرّوا باتقاء الله وأداء فرائضه، لفي نعيم دائم، لا يزول يوم القيامة، وذلك نعيمهم في الجنان.
عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ ٢٣التفسير الميسرإن أهل الصدق والطاعة لفي الجنة يتنعمون، على الأسرَّة ينظرون إلى ربهم، وإلى ما أعدَّ لهم من خيرات، ترى في وجوههم بهجة النعيم، يُسْقَون من خمر صافية محكم إناؤها، آخره رائحة مسك، وفي ذلك النعيم المقيم فليتسابق المتسابقون. وهذا الشراب مزاجه وخلطه من عين في الجنة تُعْرَف لعلوها بـ "تسنيم"، عين أعدت؛ ليشرب منها المقربون، ويتلذذوا بها.
تفسير السعدي عَلَى الْأَرَائِكِ أي: [على] السرر المزينة بالفرش الحسان. يُنْظَرُونَ إلى ما أعد الله لهم من النعيم, وينظرون إلى وجه ربهم الكريم،
تفسير ابن كثير( على الأرائك ) وهي السرر تحت الحجال ، ( ينظرون ) قيل : معناه ينظرون في ملكهم وما أعطاهم الله من الخير والفضل الذي لا ينقضي ولا يبيد وقيل معناه ( على الأرائك ينظرون ) إلى الله عز وجل وهذا مقابلة لما وصف به أولئك الفجار ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) فذكر عن هؤلاء أنهم يباحون النظر إلى الله عز وجل وهم على سررهم وفرشهم كما تقدم في حديث ابن عمر إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه وإن أعلاه لمن ينظر إلى الله في اليوم مرتين "
تفسير القرطبيعلى الأرائك وهي الأسرة في الحجال ينظرون أي إلى ما أعد الله لهم من الكرامات ; قاله عكرمة وابن عباس ومجاهد . وقال مقاتل : ينظرون إلى أهل النار . وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ينظرون إلى أعدائهم في النار " ذكره المهدوي . وقيل : على أرائك أفضاله ينظرون إلى وجهه وجلاله .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (23)يعني تعالى ذكره بقوله: ( عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ ) على السرر في الحجال من اللؤلؤ والياقوت ينظرون إلى ما أعطاهم الله من الكرامة والنعيم، والحَبْرة في الجنان.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال:ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( عَلَى الأرَائِكِ ) قال: من اللؤلؤ والياقوت.قال: ثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس ( الأرَائِكِ ) السُّررُ في الحَجال.
تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِهِمۡ نَضۡرَةَ ٱلنَّعِيمِ ٢٤التفسير الميسرإن أهل الصدق والطاعة لفي الجنة يتنعمون، على الأسرَّة ينظرون إلى ربهم، وإلى ما أعدَّ لهم من خيرات، ترى في وجوههم بهجة النعيم، يُسْقَون من خمر صافية محكم إناؤها، آخره رائحة مسك، وفي ذلك النعيم المقيم فليتسابق المتسابقون. وهذا الشراب مزاجه وخلطه من عين في الجنة تُعْرَف لعلوها بـ "تسنيم"، عين أعدت؛ ليشرب منها المقربون، ويتلذذوا بها.
تفسير السعدي تَعْرِفُ أيها الناظر إليهم فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ أي: بهاء النعيم ونضارته ورونقه، فإن توالي اللذة والسرور يكسب الوجه نورًا وحسنًا وبهجة.
تفسير ابن كثيرأي تعرف إذا نظرت إليهم في وجوههم نضرة النعيم أي صفة الترافة والحشمة والسرور والدعة والرياسة مما هم فيه من النعيم العظيم.
تفسير القرطبيأي بهجته وغضارته ونوره ; يقال : نضر النبات : إذا أزهر ونور .وقراءة العامة " تعرف " بفتح التاء وكسر الراء " نضرة " نصبا ; أي تعرف يا محمد .وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ويعقوب وشيبة وابن أبي إسحاق : " تعرف " بضم التاء وفتح الراء على الفعل المجهول " نضرة " رفعا .
تفسير الطبريوقوله: ( تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ) يقول تعالى ذكره: تعرف في الأبرار الذين وصف الله صفتهم ( نضرة النعيم ) ، يعني: حُسنه وبريقه وتلألؤه.واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( تَعْرِفُ ) فقرأته عامة قرّاء الأمصار سوى أبي جعفر القارئ( تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ ) بفتح التاء من تعرف على وجه الخطاب ( نَضْرَةَ النَّعِيمِ ) بنصب نضرة. وقرأ ذلك أبو جعفر: ( تُعْرَفُ ) بضم التاء على وجه ما لم يسمّ فاعله ( فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةُ النَّعِيمِ ) برفع نضرة.والصواب من القراءة في ذلك عندنا: ما عليه قرّاء الأمصار، وذلك فتح التاء من ( تَعْرِفُ ) ونصب ( نَضْرَةَ ).
يُسۡقَوۡنَ مِن رَّحِيقٖ مَّخۡتُومٍ ٢٥التفسير الميسرإن أهل الصدق والطاعة لفي الجنة يتنعمون، على الأسرَّة ينظرون إلى ربهم، وإلى ما أعدَّ لهم من خيرات، ترى في وجوههم بهجة النعيم، يُسْقَون من خمر صافية محكم إناؤها، آخره رائحة مسك، وفي ذلك النعيم المقيم فليتسابق المتسابقون. وهذا الشراب مزاجه وخلطه من عين في الجنة تُعْرَف لعلوها بـ "تسنيم"، عين أعدت؛ ليشرب منها المقربون، ويتلذذوا بها.
تفسير السعدي يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ وهو من أطيب ما يكون من الأشربة وألذها، مَخْتُومٍ
تفسير ابن كثيروقوله ( يسقون من رحيق مختوم ) أي يسقون من خمر من الجنة والرحيق من أسماء الخمر قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وابن زيدقال الإمام أحمد حدثنا حسن حدثنا زهير عن سعد أبي المجاهد الطائي عن عطية بن سعد العوفي عن أبي سعيد الخدري أراه قد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال أيما مؤمن سقى مؤمنا شربة على ظمأ سقاه الله تعالى يوم القيامة من الرحيق المختوم وأيما مؤمن أطعم مؤمنا على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة وأيما مؤمن كسا مؤمنا ثوبا على عري كساه الله من خضر الجنة "
تفسير القرطبييسقون من رحيق أي من شراب لا غش فيه . قاله الأخفش والزجاج . وقيل ، الرحيق الخمر الصافية . وفي الصحاح : الرحيق صفوة الخمر . والمعنى واحد . الخليل : أقصى الخمر وأجودها . وقال مقاتل وغيره : هي الخمر العتيقة البيضاء الصافية من الغش النيرة ، قال حسان :يسقون من ورد البريص عليهم بردى يصفق بالرحيق السلسلوقال آخر :أم لا سبيل إلى الشباب وذكره أشهى إلي من الرحيق السلسلمختوم
تفسير الطبريوقوله: ( يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ) يقول: يُسقى هؤلاء الأبرار من خمر صرف لا غشّ فيها.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ( يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ) قال: من الخمر.حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ) يعني بالرحيق: الخمر.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ) قال: خمر.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: الرحيق: الخمر.حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( رَحِيقٍ ) قال: هو الخمر.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ) يقول: الخمر.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ) الرحيق المختوم: الخمر، قال حسان:يَسْقُونَ مَنْ وَرَدَ البَرِيصَ عَلَيْهِمُبَرَدَى يُصَفَّقُ بالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ (7)حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: ( يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ) قال: هو الخمر.حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله قال: الرحيق: الخمر.------------------الهوامش :(7) البيت لحسان بن ثابت يمدح أولاد جفنة ملوك الشام ( اللسان : صفق ) قال : صفق الشراب : مزجه ، فهو مصفق ، وصفقه وصفقه ( الثانية بتشديد الفاء ) وأصفقه : حوله من إناء إلى إناء ليصفو ، قال حسان : " يسقون من ورد ... " البيت . واستشهد المؤلف بالبيت عند قوله تعالى : يسقون من رحيق مختوم وقال : إن الرحيق المختوم الخمر . ا ه . وفي رواية عن مجاهد أنها الخمر العتيقة البيضاء الصافية . ومنه قول حسان ... " إلخ . وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن ( 185 ) الرحيق : الذي ليس فيه غش . والبيت في ديوان حسان طبعة ليدن (1910 ص 17 ) .
خِتَٰمُهُۥ مِسۡكٞۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ ٢٦التفسير الميسرإن أهل الصدق والطاعة لفي الجنة يتنعمون، على الأسرَّة ينظرون إلى ربهم، وإلى ما أعدَّ لهم من خيرات، ترى في وجوههم بهجة النعيم، يُسْقَون من خمر صافية محكم إناؤها، آخره رائحة مسك، وفي ذلك النعيم المقيم فليتسابق المتسابقون. وهذا الشراب مزاجه وخلطه من عين في الجنة تُعْرَف لعلوها بـ "تسنيم"، عين أعدت؛ ليشرب منها المقربون، ويتلذذوا بها.
تفسير السعديذلك الشراب خِتَامُهُ مِسْكٌ يحتمل أن المراد مختوم عن أن يداخله شيء ينقص لذته، أو يفسد طعمه، وذلك الختام، الذي ختم به, مسك.ويحتمل أن المراد أنه [الذي] يكون في آخر الإناء، الذي يشربون منه الرحيق حثالة، وهي المسك الأذفر، فهذا الكدر منه، الذي جرت العادة في الدنيا أنه يراق, يكون في الجنة بهذه المثابة، وَفِي ذَلِكَ النعيم المقيم، الذي لا يعلم حسنه ومقداره إلا الله، فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ أي: يتسابقوا في المبادرة إليه بالأعمال الموصلة إليه، فهذا أولى ما بذلت فيه نفائس الأنفاس، وأحرى ما تزاحمت للوصول إليه فحول الرجال.
تفسير ابن كثيروقال ابن مسعود في قوله ( ختامه مسك ) أي خلطه مسكوقال العوفي عن ابن عباس طيب الله لهم الخمر فكان آخر شيء جعل فيها مسك ختم بمسك وكذا قال قتادة والضحاكوقال إبراهيم والحسن ( ختامه مسك ) أي عاقبته مسكوقال ابن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا يحيى بن واضح حدثنا أبو حمزة عن جابر عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي الدرداء ( ختامه مسك ) قال شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم ولو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد طيبها .وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد ( ختامه مسك ) قال طيبه مسكوقوله ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) أي وفي مثل هذا الحال فليتفاخر المتفاخرون ، وليتباه ويكاثر ويستبق إلى مثله المستبقون كقوله ( لمثل هذا فليعمل العاملون ) الصافات : 61
تفسير القرطبيختامه مسك قال مجاهد : يختم به آخر جرعة . وقيل : المعنى إذا شربوا هذا الرحيق ففني ما في الكأس ، انختم ذلك بخاتم المسك . وكان ابن مسعود يقول : يجدون عاقبتها طعم المسك . ونحوه عن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي قالا : ختامه آخر طعمه . وهو حسن ; لأن سبيل الأشربة أن يكون الكدر في آخرها ، فوصف شراب أهل الجنة بأن رائحة آخره رائحة المسك . وعن مسروق عن عبد الله قال : المختوم الممزوج . وقيل : مختوم أي ختمت ومنعت عن أن يمسها ماس إلى أن يفك ختامها الأبرار . وقرأ علي وعلقمة وشقيق والضحاك وطاوس والكسائي ( خاتمه ) بفتح الخاء والتاء وألف بينهما . قاله علقمة : أما رأيت المرأة تقول للعطار : اجعل خاتمه مسكا ، تريد آخره . والخاتم والختام متقاربان في المعنى ، إلا أن الخاتم الاسم ، والختام المصدر ; قاله الفراء . وفي الصحاح : والختام : الطين الذي يختم به . وكذا قال مجاهد وابن زيد : ختم إناؤه بالمسك بدلا من الطين . حكاه المهدوي . وقال الفرزدق :وبت أفض أغلاق الختاموقال الأعشى :وأبرزها وعليها ختمأي عليها طينة مختومة ; مثل نفض بمعنى منفوض ، وقبض بمعنى مقبوض . وذكر ابن المبارك وابن وهب ، واللفظ لابن وهب ، عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى : ختامه مسك : خلطه ، ليس بخاتم يختم ، ألا ترى إلى قول المرأة من نسائكم : إن خلطه من الطيب كذا وكذا . إنما خلطه مسك ; قال : شراب أبيض مثل الفضة يختمون به آخر أشربتهم ، لو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل فيه يده ثم أخرجها ، لم يبق ذو روح إلا وجد ريح طيبها . وروى أبي بن كعب قال : قيل يا رسول الله ما الرحيق المختوم ؟ قال : " غدران الخمر " . وقيل : مختوم في الآنية ، وهو غير الذي يجري في الأنهار . فالله أعلم .وفي ذلك أي وفي الذي وصفناه من أمر الجنة فليتنافس المتنافسون أي فليرغب الراغبون يقال : ( نفست عليه الشيء أنفسه نفاسة : أي ضننت به ، ولم أحب أن يصير إليه . وقيل : الفاء بمعنى إلى ، أي وإلى ذلك فليتبادر المتبادرون في العمل ; نظيره : لمثل هذا فليعمل العاملون ) .
تفسير الطبريوأما قوله: ( مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ ) فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معنى ذلك: ممزوج مخلوط، مِزاجه وخِلطه مِسك.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن يزيد بن معاوية، وعلقمة عن عبد الله بن مسعود ( خِتَامُهُ مِسْكٌ ) قال: ليس بخاتم، ولكن خلط.حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن، قالا ثنا سفيان، عن أشعث بن سليم، عن يزيد بن معاوية، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود ( خِتَامُهُ مِسْكٌ ) قال: أما إنه ليس بالخاتم الذي يختم، أما سمعتم المرأة من نسائكم تقول: طيب كذا وكذا خلطه مسك.حدثني محمد بن عبيد المحاربيّ، قال: ثنا أيوب، عن أشعث بن أبي الشعثاء عمن ذكره عن علقمة، في قوله: ( خِتَامُهُ مِسْكٌ ) قال: خلطه مسك.حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله ( مختوم ) قال: ممزوج ( خِتَامُهُ مِسْكٌ ) قال: طعمه وريحه.قال: ثنا وكيع، عن أبيه، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن يزيد بن معاوية، عن علقمة ( خِتَامُهُ مِسْكٌ ) قال: طعمه وريحه مسك.وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن آخر شرابهم يُخْتم بمسك يجعل فيه.* ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ ) يقول: الخمر خُتِمَ بالمسك.حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( خِتَامُهُ مِسْكٌ ) قال: طيَّب الله لهم الخمر، فكان آخر شيء جعل فيها حتى تختم المسك.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( خِتَامُهُ مِسْكٌ ) قال: عاقبته مسك قوم تُمزَج لهم بالكافور، وتختم بالمسك.حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( خِتَامُهُ مِسْكٌ ) قال: عاقبته مِسك.حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( خِتَامُهُ مِسْكٌ ) قال: طيَّب الله لهم الخمر، فوجدوا فيها في آخر شيء منها ريح المسك.حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا حاتم بن وردان، قال: ثنا أبو حمزة، عن إبراهيم والحسن في هذه الآية: ( خِتَامُهُ مِسْكٌ ) قال: عاقبته مسك.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو حمزة، عن جابر عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي الدرداء ( خِتَامُهُ مِسْكٌ ) فالشراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم، ولو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها، لم يبق ذو روح إلا وجد طيبها.وقال آخرون: عُنِي بقوله: ( مَخْتُومٍ ) مُطَيَّن ( خِتَامُهُ مِسْكٌ ) طينه مسك.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح. عن مجاهد، قوله: ( مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ ) قال: طينه مسك.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( مَخْتُومٍ ) الخمر ( خِتَامُهُ مِسْكٌ ) : ختامه عند الله مسك، وختامها اليوم في الدنيا طين.وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال: معنى ذلك: آخره وعاقبته مسك: أي هي طيبة الريح، إن ريحها في آخر شربهم يختم لها بريح المسك.وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصحة؛ لأنه لا وجه للختم في كلام العرب إلا الطبع والفراغ، كقولهم: ختم فلان القرآن: إذا أتى على آخره، فإذا كان لا وجه للطبع على شراب أهل الجنة، يفهم إذا كان شرابهم جاريًا، جري الماء في الأنهار، ولم يكن معتقًا في الدنان فيطين عليها وتختم، تعين أن الصحيح من ذلك الوجه الآخر وهو العاقبة والمشروب آخرًا، وهو الذي ختم به الشراب. وأما الختم بمعنى: المزج، فلا نعلمه مسموعًا من كلام العرب.وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار: ( خِتَامُهُ مِسْكٌ ) سوى الكسائيّ، فإنه كان يقرأه ( خاتَمَهُ مِسْكٌ ) .والصواب من القول عندنا في ذلك ما عليه قرأة الأمصار، وهو ( خِتَامُهُ ) لإجماع الحجة من القرّاء عليه، والختام والخاتم وإن اختلفا في اللفظ، فإنهما متقاربان في المعنى غير أن الخاتم اسم، والختام مصدر؛ ومنه قول الفرزدق.فَبِتْنَ بِجَانبيَّ مُصَرَّعاتٍوَبِتُّ أفُضُّ أغْلاقَ الخِتامِ (8)ونظير ذلك قولهم: هو كريم الطبائع والطباع.----------------الهوامش :(8) البيت للفرزدق ( ديوان طبعة الصاوي 836 ) من قصيدة يمدح بها هشام بن عبد الملك . روى الفراء في معاني القرآن عند قوله تعالى : ختامه مسك بإسناد له إلى علي بن أبي طالب أنه قرأ خاتمه مسك . وبإسناد آخر له عن علقمة وقيس : خاتمه مسك . وقال أما رأيت المرأة تقول للعطار : اجعل لي خاتمة مسكا ، تريد آخره . والخاتم والختام : متقاربان في المعنى ، إلا أن الخاتم الاسم ، والختام : المصدر . وقال الفرزدق : " فبتن ... " البيت . ومثل الخاتم قولك للرجل : هو كريم الطابع والطباع . وتفسير ذلك أن أحدهم إذا شرب ، وجد آخر كأسه ريح المسك . ا ه . وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن ( 185 ) مختوم : له ختام . ا ه .وقوله: ( وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ) يقول تعالى ذكره: وفي هذا النعيم الذي وصف جل ثناؤه أنه أعطى هؤلاء الأبرار في القيامة، فليتنافس المتنافسون. والتنافس: أن يَنفِس الرجل على الرجل بالشيء يكون له، ويتمنى أن يكون له دونه، وهو مأخوذ من الشيء النفيس، وهو الذي تحرص عليه نفوس الناس، وتطلبه وتشتهيه، وكان معناه في ذلك. فليجدّ الناس فيه، وإليه فليستبقوا في طلبه، ولتحرص عليه نفوسهم.
وَمِزَاجُهُۥ مِن تَسۡنِيمٍ ٢٧التفسير الميسرإن أهل الصدق والطاعة لفي الجنة يتنعمون، على الأسرَّة ينظرون إلى ربهم، وإلى ما أعدَّ لهم من خيرات، ترى في وجوههم بهجة النعيم، يُسْقَون من خمر صافية محكم إناؤها، آخره رائحة مسك، وفي ذلك النعيم المقيم فليتسابق المتسابقون. وهذا الشراب مزاجه وخلطه من عين في الجنة تُعْرَف لعلوها بـ "تسنيم"، عين أعدت؛ ليشرب منها المقربون، ويتلذذوا بها.
تفسير السعديومزاج هذا الشراب من تسنيم،
عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا ٱلۡمُقَرَّبُونَ ٢٨التفسير الميسرإن أهل الصدق والطاعة لفي الجنة يتنعمون، على الأسرَّة ينظرون إلى ربهم، وإلى ما أعدَّ لهم من خيرات، ترى في وجوههم بهجة النعيم، يُسْقَون من خمر صافية محكم إناؤها، آخره رائحة مسك، وفي ذلك النعيم المقيم فليتسابق المتسابقون. وهذا الشراب مزاجه وخلطه من عين في الجنة تُعْرَف لعلوها بـ "تسنيم"، عين أعدت؛ ليشرب منها المقربون، ويتلذذوا بها.
تفسير السعديوهي عين يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ صرفا، وهي أعلى أشربة الجنة على الإطلاق، فلذلك كانت خالصة للمقربين، الذين هم أعلى الخلق منزلة، وممزوجة لأصحاب اليمين أي: مخلوطة بالرحيق وغيره من الأشربة اللذيذة.
تفسير ابن كثيرأي يشربها المقربون صرفا وتمزج لأصحاب اليمين مزجا قاله ابن مسعود وابن عباس ومسروق وقتادة وغيرهم.
تفسير القرطبيعينا يشرب بها المقربون أي يشرب منها أهل جنة عدن ، وهم أفاضل أهل الجنة صرفا ، وهي لغيرهم مزاج . و ( عينا ) نصب على المدح . وقال الزجاج : نصب على الحال من تسنيم ، وتسنيم معرفة ، ليس يعرف له اشتقاق ، وإن جعلته مصدرا مشتقا من السنام ف ( عينا ) نصب ; لأنه مفعول به ; كقوله تعالى : أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما وهذا قول الفراء إنه منصوب بتسنيم . وعند الأخفش ب " يسقون " أي يسقون عينا أو من عين . وعند المبرد بإضمار أعني على المدح .
تفسير الطبريحدثني يونس. قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ) قال: بلغنا أنها عين تخرج من تحت العرش، وهي مزاج هذه الخمر، يعني مزاج الرحيق.حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( مِنْ تَسْنِيمٍ ) شراب اسمه تسنيم وهو من أشرف الشراب. فتأويل الكلام: ومزاج الرحيق من عين تُسَنَّم عليهم من فوقهم، فتنصبّ عليهم ( يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ) من الله صرفا، وتمزج لأهل الجنة.واختلفت أهل العربية في وجه نصب قوله: ( عَيْنًا ) قال بعض نحويي البصرة: إن شئت جعلت نصبه على يسقون عينا، وإن شئت جعلته مدحا، فيقطع من أوّل الكلام، فكأنك تقول: أعني: عينا.وقال بعض نحويي الكوفة: نصب العين على وجهين: أحدهما: أن ينوي من تسنيم عَيْن، فإذا نوَّنت نصبت، كما قال: أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا وكما قال: أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً . والوجه الآخر: أن ينوي من ماء سُنِّم عينًا، كقولك: رفع عينا يشرب بها. قال: وإن لم يكن التسنيم اسما للماء فالعين نكرة، والتسنيم معرفة، وإن كان اسمًا للماء فالعين نكرة (9) فخرجت نصبا. وقال آخر من البصريين: ( مِنْ تَسْنِيمٍ ) معرفة، ثم قال: ( عَيْنا ) فجاءت نكرة، فنصبتها صفة لها. وقال آخر نُصبت بمعنى: من ماء يَتَسَنَّم عينا.والصواب من القول في ذلك عندنا أن التسنيم اسم معرفة والعين نكرة، فنصبت لذلك إذ كانت صفة له.وإنما قلنا: ذلك هو الصواب لما قد قدّمنا من الرواية عن أهل التأويل، أن التسنيم هو العين، فكان معلومًا بذلك أن العين إذ كانت منصوبة وهي نكرة، وأن التسنيم معرفة.------------------------الهوامش:(9) عبارة الفراء : وإن لم يكن التسنيم اسما للماء ، فالعين نكرة والتسنيم معرفة إن كان اسما للماء والعين إلخ .
إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضۡحَكُونَ ٢٩
تفسير ابن كثيريخبر تعالى عن المجرمين أنهم كانوا في الدار الدنيا يضحكون من المؤمنين أي يستهزئون بهم ويحتقرونهم.
تفسير الطبريوقوله: ( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ) يقول تعالى ذكره: إن الذين اكتسبوا المآثم، فكفروا بالله في الدنيا، كانوا فيها من الذين أقرّوا بوحدانية الله، وصدّقوا به ( يضحكون ) ، استهزاء منهم بهم.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ) في الدنيا، يقولون: والله إن هؤلاء لكذَبة وما هم على شيء استهزاء بهم.