يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَلۡبِسُونَ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٧١التفسير الميسريا أهل التوراة والإنجيل لِمَ تخلطون الحق في كتبكم بما حرفتموه وكتبتموه من الباطل بأيديكم، وتُخْفون ما فيهما من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن دينه هو الحق، وأنتم تعلمون ذلك؟
تفسير السعديثم وبخهم على إضلالهم الخلق، فقال يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون فوبخهم على لبس الحق بالباطل وعلى كتمان الحق، لأنهم بهذين الأمرين يضلون من انتسب إليهم، فإن العلماء إذا لبسوا الحق بالباطل فلم يميزوا بينهما، بل أبقوا الأمر مبهما وكتموا الحق الذي يجب عليهم إظهاره، ترتب على ذلك من خفاء الحق وظهور الباطل ما ترتب، ولم يهتد العوام الذين يريدون الحق لمعرفته حتى يؤثروه، والمقصود من أهل العلم أن يظهروا للناس الحق ويعلنوا به، ويميزوا الحق من الباطل، ويظهروا الخبيث من الطيب، والحلال والحرام ، والعقائد الصحيحة من العقائد الفاسدة، ليهتدي المهتدون ويرجع الضالون وتقوم الحجة على المعاندين قال تعالى وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم
تفسير ابن كثير"يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون" أي تكتمون ما في كتبكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأنتم تعرفون ذلك وتتحققونه.
تفسير القرطبيقوله تعالى : يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلموناللبس الخلط ، وقد تقدم في البقرة . ومعنى هذه الآية والتي قبلها معنى ذلك وتكتمون الحق ويجوز " تكتموا " على جواب الاستفهام . وأنتم تعلمون جملة في موضع الحال .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِقال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يا أهل التوراة والإنجيل =" لم تلبسون "، يقول: لم تخلطون =" الحق بالباطل ".* * *وكان خلطهم الحقّ بالباطل، إظهارهم بألسنتهم من التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله، غيرَ الذي في قلوبهم من اليهودية والنصرانية.كما:-7223 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال عبد الله بن الصيِّف، وعدي بن زيد، والحارث بن عوف، بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غُدْوةً ونكفُر به عشيةً، حتى نلبس عليهم دينهم، لعلهم يصنعون كما نصنعُ، فيرجعوا عن دينهم! فأنزل الله عز وجل فيهم: " يا أهل الكتاب لم تلبسون الحقّ بالباطل " إلى قوله: وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ . (1)7224 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل "، يقول: لم تلبسون اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أنّ دين الله الذي لا يقبل غيرَه، الإسلام، ولا يجزي إلا به؟7225 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بمثله = إلا أنه قال: الذي لا يقبل من أحد غيرَه، الإسلامُ = ولم يقل: " ولا يجزي إلا به ". (2)7226 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل "، الإسلامَ باليهودية والنصرانية.* * *وقال آخرون: في ذلك بما:-7227 - حدثني به يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قول الله عز وجل: " لم تلبسون الحق بالباطل "، قال: " الحقّ" التوراة التي أنزل الله على موسى، و " الباطل "، الذي كتبوه بأيديهم.* * *قال أبو جعفر: وقد بينا معنى " اللبس " فيما مضى، بما أغنى عن إعادته. (3)* * *القول في تأويل قوله : وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولم تكتمون، يا أهل الكتاب، الحقّ؟ (4)* * *و " الحق " الذي كتموه: ما في كتُبهم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم ومبعثه ونبوّته، كما:-7227 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وتكتمون الحق وأنتم تعلمون "، كتموا شأنَ محمد، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وَينهاهم عن المنكر.7229 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " وتكتمون الحق وأنتم تعلمون "، يقول: يكتمون شأن محمد صلى الله عليه وسلم، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل: يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر.7230 - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " تكتمون الحق "، الإسلام، وأمرَ محمد صلى الله عليه وسلم =" وأنتم تعلمون " أنّ محمدًا رسولُ الله، وأنّ الدين الإسلامُ.* * *وأما قوله: " وأنتم تعلمون "، فإنه يعني به: وأنتم تعلمون أنّ الذي تكتمونه من الحق حقّ، وأنه من عند الله. وهذا القول من الله عز وجل، خبرٌ عن تعمُّد أهل الكتاب الكفرَ به، وكتمانِهم ما قد علموا من نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وَوَجدوه في كتبهم، وجاءَتهم به أنبياؤهم.-----------------الهوامش :(1) الأثر: 7223- سيرة ابن هشام 2: 202 ، وهو تابع الأثر السالف رقم: 7202.(2) في المطبوعة: "ولم يقبل ولا يجازى إلا به" ، قرأها الناشر كذلك لفساد خط الناسخ في كتابته ، وصواب قراءتها ما أثبت ، وفي المخطوطة"لا يجزى الآية" ، وهو تصحيف قبيح.(3) انظر ما سلف 1: 567 ، 568.(4) انظر تفسير نظيرة هذه الآية والتي قبلها فيما سلف 1: 566-572 ، والآثار التي رواها هنا قد رويت هناك في مواضعها.
وَقَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجۡهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكۡفُرُوٓاْ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٧٢التفسير الميسروقالت جماعة من أهل الكتاب من اليهود: صدِّقوا بالذي أُنزل على الذين آمنوا أول النهار واكفروا آخره؛ لعلهم يتشككون في دينهم، ويرجعون عنه.
تفسير السعديثم أخبر تعالى عن ما همت به هذه الطائفة الخبيثة، وإرادة المكر بالمؤمنين، فقال وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره أي: ادخلوا في دينهم على وجه المكر والكيد أول النهار، فإذا كان آخر النهار فاخرجوا منه لعلهم يرجعون عن دينهم، فيقولون لو كان صحيحا لما خرج منه أهل العلم والكتاب، هذا الذي أرادوه عجبا بأنفهسم وظنا أن الناس سيحسنون ظنهم بهم ويتابعونهم على ما يقولونه ويفعلونه، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
تفسير ابن كثير( وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره [ لعلهم يرجعون ] ) هذه مكيدة أرادوها ليلبسوا على الضعفاء من الناس أمر دينهم ، وهو أنهم اشتوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار ويصلوا مع المسلمين صلاة الصبح ، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس : إنما ردهم إلى دينهم اطلاعهم على نقيصة وعيب في دين المسلمين ، ولهذا قالوا : ( لعلهم يرجعون ) .قال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله تعالى إخبارا عن اليهود بهذه الآية : يعني يهود صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر وكفروا آخر النهار ، مكرا منهم ، ليروا الناس أن قد بدت لهم منه الضلالة ، بعد أن كانوا اتبعوه .وقال العوفي ، عن ابن عباس : قالت طائفة من أهل الكتاب : إذا لقيتم أصحاب محمد أول النهار فآمنوا ، وإذا كان آخره فصلوا صلاتكم ، لعلهم يقولون : هؤلاء أهل الكتاب وهم أعلم منا . [ وهكذا روي عن قتادة والسدي والربيع وأبي مالك ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعوننزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وغيرهما ، قالوا للسفلة من قومهم : آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ، يعني أوله . وسمي وجها لأنه أحسنه ، وأول ما يواجه منه أوله . قال الشاعر :وتضيء في وجه النهار منيرة كجمانة البحري سل نظامهاوقال آخر :من كان مسرورا بمقتل مالك فليأت نسوتنا بوجه نهاروهو منصوب على الظرف ، وكذلك ( آخره ) . ومذهب قتادة أنهم فعلوا ذلك ليشككوا المسلمين . والطائفة : الجماعة ، من طاف يطوف ، وقد يستعمل للواحد على معنى نفس طائفة . ومعنى الآية أن اليهود قال بعضهم لبعض : أظهروا الإيمان بمحمد في أول النهار ثم اكفروا به آخره ; فإنكم إذا فعلتم ذلك ظهر لمن يتبعه ارتياب في دينه فيرجعون عن دينه إلى دينكم ، ويقولون إن أهل الكتاب أعلم به منا . وقيل : المعنى آمنوا بصلاته في أول النهار إلى بيت المقدس فإنه الحق ، واكفروا بصلاته آخر النهار إلى الكعبة لعلهم يرجعون إلى قبلتكم ; عن ابن عباس وغيره . وقال مقاتل : معناه أنهم جاءوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - أول النهار ورجعوا من عنده فقالوا للسفلة : هو حق فاتبعوه ، ثم قالوا : حتى ننظر في التوراة ثم رجعوا في آخر النهار فقالوا : قد نظرنا في التوراة فليس هو به . يقولون إنه ليس بحق ، وإنما أرادوا أن يلبسوا على السفلة وأن يشككوا فيه .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72)قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في صفة المعنى الذي أمرت به هذه الطائفة مَنْ أمرَت به: من الإيمان وجهَ النهار، وكفرٍ آخره. (5)فقال بعضهم: كان ذلك أمرًا منهم إياهم بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم في نبوّته وما جاء به من عند الله، وأنه حق، في الظاهر = (6) من غير تصديقه في ذلك بالعزم واعتقاد القلوب على ذلك = وبالكفر به وجحود ذلك كله في آخره.ذكر من قال ذلك:7231 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: "آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره "، فقال بعضهم لبعض: أعطوهم الرضى بدينهم أوّل النهار، واكفروا آخره، فإنه أجدر أن يصدّقوكم، ويعلموا أنكم قد رأيتم فيهم ما تكرهون، وهو أجدَرُ أن يرجعوا عن دينهم.7232 - حدثني المثنى قال، حدثنا معلى بن أسد قال، حدثنا خالد، عن حصين، عن أبي مالك في قوله: "آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره "، قال: قالت اليهود: آمنوا معهم أوّل النهار، واكفروا آخره، لعلهم يرجعون معكم.7233 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون "، كان أحبارُ قُرَى عربيةَ اثني عشر حبرًا، (7) فقالوا لبعضهم: ادخلوا في دين محمد أول النهار، وقولوا: " نشهد أن محمدًا حقّ صادقٌ"، فإذا كان آخر النهار فاكفروا وقولوا: " إنا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا فسألناهم، فحدَّثونا أن محمدًا كاذب، وأنكم لستم على شيء، وقد رجعنا إلى ديننا فهو أعجب إلينا من دينكم "، لعلهم يشكّون، يقولون: هؤلاء كانوا معنا أوّل النهار، فما بالهم؟ فأخبر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك.7234 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن حصين، عن أبي مالك الغفاري قال: قالت اليهود بعضهم لبعض: أسلِموا أول النهار، وارتدُّوا آخره لعلهم يرجعون. فأطلع الله على سرّهم، فأنزل الله عز وجل: " وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ".* * *وقال آخرون: بل الذي أمرَت به من الإيمان: الصلاةُ، وحضورها معهم أول النهار، وتركُ ذلك آخرَه.ذكر من قال ذلك:7235 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: "آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار "، يهودُ تقوله. صلَّت مع محمد صلاةَ الصبح، وكفروا آخرَ النهار، مكرًا منهم، ليُرُوا الناس أن قد بدت لهم منه الضلالةُ، بعد أن كانوا اتَّبعوه.7236 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بمثله.7237 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار "، الآية، وذلك أنّ طائفة من اليهود قالوا: إذا لقيتم أصحابَ محمد صلى الله عليه وسلم أوّل النهار فآمنوا، وإذا كان آخره فصلوا صلاتكم، لعلهم يقولون: هؤلاء أهلُ الكتاب، وهم أعلم منا! لعلهم ينقلبون عن دينهم، ولا تُؤمنوا إلا لمن تَبع دينكم.* * *قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: " وقالت طائفة من أهل الكتاب "، يعني: من اليهود الذين يقرأون التوراة ="آمنوا " صدّقوا =" بالذي أنزل على الذين آمنوا "، وذلك ما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم من الدين الحقّ وشرائعه وسننه =" وجه النهار "، يعني: أوّل النهار.* * *وسمَّى أوّله " وجهًا " له، لأنه أحسنه، وأوّلُ ما يواجه الناظرَ فيراه منه، كما يقال لأول الثوب: " وجهه "، وكما قال ربيع بن زياد:مَنْ كَانَ مَسْرُورًا بمَقْتَلِ مَالِكٍفَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ (8)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.ذكر من قال ذلك:7238 - حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وجه النهار "، أوّلَ النهار.7239 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " وجه النهار "، أول النهار =" واكفروا آخره "، يقول: آخر النهار.7240 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: (آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره)، قال قال: صلوا معهم الصبح، ولا تصلّوا معهم آخرَ النهار، لعلكم تستزلُّونهم بذلك.* * *وأما قوله: " واكفروا آخره "، فإنه يعني به، أنهم قالوا: واجحدوا ما صدَّقتم به من دينهم في وَجه النهار، في آخر النهار =" لعلهم يرجعون " : يعني بذلك: لعلهم يرجعون عن دينهم معكم ويَدَعونه: كما:-7241 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " لعلهم يرجعون "، يقول: لعلهم يدَعون دينهم، ويرجعون إلى الذي أنتم عليه.7242 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.7243 - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " لعلهم يرجعون "، لعلهم ينقلبون عن دينهم.7244 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " لعلهم يرجعون "، لعلهم يشكّون.7245 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: " لعلهم يرجعون "، قال: يرجعون عن دينهم.-------------------الهوامش :(5) في المطبوعة: "والكفر آخره" غير ما في المخطوطة ، وهو صواب متمكن.(6) سياق قوله: "بتصديق النبي... في الظاهر".(7) في المطبوعة: "قرى عرينة" وهي قراءة فاسدة للمخطوطة ، إذ كانت غير منقوطة وجاءت على الصواب في الدر المنثور 2: 42. وانظر معجم ما استعجم: 929 ، فهو اسم مكان.(8) مجاز القرآن 1: 97 ، حماسة أبي تمام 3: 26 ، والأغاني 16: 27 ، والخزانة 3: 538 ، واللسان (وجه) وغيرها ، من أبياته التي قالها حين قتل حميمه مالك بن زهير ، وحمى لقتله ، واستعد لطلب ثأره ، وبعد البيت ، وهو من تمامه.يَجِدِ النَّسَاءَ حَوَاسِرًا يَنْدُبْنَهُيَبْكِينَ قَبْلَ تَبَلُّج الأسْحَارِقَدْ كُنَّ يَخْبَأْنَ الوُجُوهُ تَسَتُّرًافَالْيَوْمَ حِينَ بَرَزْنَ للنظّارِيَخْمِشنَ حُرَّاتِ الوُجُوهِ عَلَى امْرِئٍسَهْلِ الخليقةِ طَيِّبِ الأخبارِقالوا في معنى البيت الشاهد: "يقول: من كان مسرورًا بمقتل مالك ، فلا يشتمن به ، فإنا قد أدركنا ثأره به. وذلك أن العرب كانت تندب قتلاها بعد إدراك الثأر". ومعنى البيت عندي شبيه بذلك ، إلا أن قوله: "فليأت نسوتنا بوجه نهار" ، أراد به أنه مدرك ثأره من فوره ، فمن شاء أن يعرف برهان ذلك ، فليأت ليشهد المأتم قد قام يبكيه في صبيحة مقتله. يذكر تعجيله في إدراك الثأر ، كأنه قد كان. وتأويل ذلك أنه قال هذه الأبيات لامرأته قبل مخرجه إلى قتال الذين قتلوا مالكًا ، فقال لامرأته ذلك ، يعلمها أنه مجد في طلب الثأر ، وأنه لن يمرض في طلبه ، بل هو مدركه من فوره هذا.
وَلَا تُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمۡ قُلۡ إِنَّ ٱلۡهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤۡتَىٰٓ أَحَدٞ مِّثۡلَ مَآ أُوتِيتُمۡ أَوۡ يُحَآجُّوكُمۡ عِندَ رَبِّكُمۡۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡفَضۡلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٧٣التفسير الميسرولا تصدِّقوا تصديقًا صحيحًا إلا لمَن تبع دينكم فكان يهودياً، قل لهم -أيها الرسول-: إن الهدى والتوفيق هدى الله وتوفيقه للإيمان الصحيح. وقالوا: لا تظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين فيتعلمون منكم فيساووكم في العلم به، وتكون لهم الأفضلية عليكم، أو أن يتخذوه حجة عند ربكم يغلبونكم بها. قل لهم -أيها الرسول-: إن الفضل والعطاء والأمور كلها بيد الله وتحت تصرفه، يؤتيها من يشاء ممن آمن به وبرسوله. والله واسع عليم، يَسَعُ بعلمه وعطائه جميع مخلوقاته، ممن يستحق فضله ونعمه.
تفسير السعدي و قال بعضهم لبعض لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أي: لا تثقوا ولا تطمئنوا ولا تصدقوا إلا من تبع دينكم، واكتموا أمركم، فإنكم إذا أخبرتم غيركم وغير من هو على دينكم حصل لهم من العلم ما حصل لكم فصاروا مثلكم، أو حاجوكم عند ربكم وشهدوا عليكم أنها قامت عليكم الحجة وتبين لكم الهدى فلم تتبعوه، فالحاصل أنهم جعلوا عدم إخبار المؤمنين بما معهم من العلم قاطعا عنهم العلم، لأن العلم بزعمهم لا يكون إلا عندهم وموجبا للحجة عليهم، فرد الله عليهم بأن الهدى هدى الله فمادة الهدى من الله تعالى لكل من اهتدى، فإن الهدى إما علم الحق، أو إيثارة، ولا علم إلا ما جاءت به رسل الله، ولا موفق إلا من وفقه الله، وأهل الكتاب لم يؤتوا من العلم إلا قليلا، وأما التوفيق فقد انقطع حظهم منه لخبث نياتهم وسوء مقاصدهم، وأما هذه الأمة فقد حصل لهم ولله الحمد من هداية الله من العلوم والمعارف مع العمل بذلك ما فاقوا به وبرزوا على كل أحد، فكانوا هم الهداة الذين يهدون بأمر الله، وهذا من فضل الله عليها وإحسانه العظيم، فلهذا قال تعالى قل إن الفضل بيد الله أي: الله هو الذي يحسن على عباده بأنواع الإحسان يؤتيه من يشاء ممن أتى بأسبابه والله واسع الفضل كثير الإحسان عليم بمن يصلح للإحسان فيعطيه، ومن لا يستحقه فيحرمه إياه.
تفسير ابن كثيروقوله : ( ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ) أي : لا تطمئنوا وتظهروا سركم وما عندكم إلا لمن تبع دينكم ولا تظهروا ما بأيديكم إلى المسلمين ، فيؤمنوا به ويحتجوا به عليكم ، قال الله تعالى : ( قل إن الهدى هدى الله ) أي هو الذي يهدي قلوب المؤمنين إلى أتم الإيمان ، بما ينزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات البينات ، والدلائل القاطعات ، والحجج الواضحات ، وإن كتمتم - أيها اليهود - ما بأيديكم من صفة محمد في كتبكم التي نقلتموها عن الأنبياء الأقدمين .وقوله ( أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم ) يقولون : لا تظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين ، فيتعلموه منكم ، ويساووكم فيه ، ويمتازوا به عليكم لشدة الإيمان به ، أو يحاجوكم به عند الله ، أي : يتخذوه حجة عليكم مما بأيديكم ، فتقوم به عليكم الدلالة وتتركب الحجة في الدنيا والآخرة . قال الله تعالى : ( قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ) أي الأمور كلها تحت تصريفه ، وهو المعطي المانع ، يمن على من يشاء بالإيمان والعلم والتصور التام ، ويضل من يشاء ويعمي بصره وبصيرته ، ويختم على سمعه وقلبه ، ويجعل على بصره غشاوة ، وله الحجة والحكمة .( والله واسع عليم )
تفسير القرطبيقوله تعالى : ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليمقوله تعالى : ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم هذا نهي ، وهو من كلام اليهود بعضهم لبعض ، أي قال ذلك الرؤساء للسفلة . وقال السدي : من قول يهود خيبر ليهود المدينة . وهذه الآية أشكل ما في السورة . فروي عن الحسن ومجاهد أن معنى الآية ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ، ولا تؤمنوا أن يحاجوكم عند ربكم لأنهم لا حجة لهم فإنكم أصح منهم دينا . و ( أن ) و ( يحاجوكم ) في موضع خفض ، أي بأن يحاجوكم أي باحتجاجهم ، أي لا تصدقوهم في ذلك فإنهم لا حجة لهم . أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من التوراة والمن والسلوى وفرق البحر وغيرها من الآيات والفضائل . فيكون أن يؤتى مؤخرا بعد أو يحاجوكم ، وقوله إن الهدى هدى الله اعتراض بين كلامين . وقال الأخفش : المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولا تصدقوا أن يحاجوكم ; يذهب إلى أنه معطوف . وقيل : المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ; فالمد على الاستفهام أيضا تأكيد للإنكار الذي قالوه أنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتوه ; لأن علماء اليهود قالت لهم : لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ; أي لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ; فالكلام على نسقه . و ( أن ) في موضع رفع على قول من رفع في قولك أزيد ضربته ، والخبر محذوف تقديره أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم تصدقون أو تقرون ، أي إيتاء موجود مصدق أو مقر به ، أي لا تصدقون بذلك . ويجوز أن تكون أن في موضع نصب على إضمار فعل ; كما جاز في قولك أزيدا ضربته ، وهذا أقوى في العربية لأن الاستفهام بالفعل أولى ، والتقدير أتقرون أن يؤتى ، أو أتشيعون ذلك ، أو أتذكرون ذلك ونحوه . وبالمد قرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد . وقال أبو حاتم : " أن " معناه " ألأن " ، فحذفت لام الجر استخفافا وأبدلت مدة ; كقراءة من قرأ أن كان ذا مال ; أي ألأن . وقوله أو يحاجوكم على هذه القراءة رجوع إلى خطاب المؤمنين ; أو تكون ( أو ) بمعنى " أن " لأنهما حرفا شك وجزاء يوضع أحدهما موضع الآخر . وتقدير الآية : وأن يحاجوكم عند ربكم يا معشر المؤمنين ، فقل : يا محمد إن الهدى هدى الله ونحن عليه . ومن قرأ بترك المد قال : إن النفي الأول دل على إنكارهم في قولهم ولا تؤمنوا . فالمعنى أن علماء اليهود قالت لهم : لا تصدقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، أي لا إيمان لهم ولا حجة ; فعطف على المعنى من العلم والحكمة والكتاب والحجة والمن والسلوى وفلق البحر وغيرها من الفضائل والكرامات ، أي أنها لا تكون إلا فيكم فلا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا من تبع دينكم . فالكلام فيه تقديم وتأخير على هذه القراءة واللام زائدة . ومن استثنى ليس من الأول ، وإلا لم يجز الكلام . ودخلت أحد لأن أول الكلام نفي ، فدخلت في صلة ( أن ) لأنه مفعول الفعل المنفي ; فأن في موضع نصب لعدم الخافض . وقال الخليل : ( أن ) في موضع خفض بالخافض المحذوف . وقيل : إن اللام ليست بزائدة ، و تؤمنوا محمول على تقروا . وقال ابن جريج : المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم كراهية أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم . وقيل : المعنى لا تخبروا بما في كتابكم من صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا لمن تبع دينكم لئلا يكون طريقا إلى عبدة الأوثان إلى تصديقه . وقال الفراء : يجوز أن يكون قد انقطع كلام اليهود عند قوله عز وجل إلا لمن تبع دينكم ثم قال لمحمد - صلى الله عليه وسلم - قل إن الهدى هدى الله أي إن البيان الحق هو بيان الله عز وجلأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم بين ألا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، و " لا " مقدرة بعد " أن " أي لئلا يؤتى ; كقوله يبين الله لكم أن تضلوا ; أي لئلا تضلوا ، فلذلك صلح دخول " أحد " في الكلام . و " أو " بمعنى " حتى " و " إلا أن " ; كما قال امرؤ القيس :فقلت له لا تبك عينك إنما نحاول ملكا أو نموت فنعذراوقال آخر :وكنت إذا غمزت قناة قوم كسرت كعوبها أو تستقيماومثله قولهم : لا نلتقي أو تقوم الساعة ، بمعنى " حتى " أو " إلى أن " ; وكذلك مذهب الكسائي . وهي عند الأخفش عاطفة على ولا تؤمنوا وقد تقدم . أي لا إيمان لهم ولا حجة ; فعطف على المعنى . ويحتمل أن تكون الآية كلها خطابا للمؤمنين من الله تعالى على جهة التثبيت لقلوبهم والتشحيذ لبصائرهم ; لئلا يشكوا عند تلبيس اليهود وتزويرهم في دينهم . والمعنى لا تصدقوا يا معشر المؤمنين إلا من تبع دينكم ، ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الفضل والدين ، ولا تصدقوا أن يحاجكم في دينكم عند ربكم من خالفكم أو يقدر على ذلك ، فإن الهدى هدى الله وإن الفضل بيد الله . قال الضحاك : إن اليهود قالوا إنا نحاج عند ربنا من خالفنا في ديننا ; فبين الله تعالى أنهم هم المدحضون المعذبون وأن المؤمنين هم الغالبون . ومحاجتهم خصومتهم يوم القيامة . ففي الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن اليهود والنصارى يحاجونا عند ربنا فيقولون أعطيتنا أجرا واحدا وأعطيتهم أجرين فيقول هل ظلمتكم من حقوقكم شيئا قالوا لا قال فإن ذلك فضلي أوتيه من أشاء ) . قال علماؤنا : فلو علموا أن ذلك من فضل الله لم يحاجونا عند ربنا ; فأعلم الله نبيه صلى أنهم يحاجونكم يوم القيامة عند ربكم ، ثم قال : قل لهم الآن إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم . وقرأ ابن كثير ( آن يؤتى ) بالمد على الاستفهام ; كما قال الأعشى :أأن رأت رجلا أعشى أضر به ريب المنون ودهر متبل خبلوقرأ الباقون بغير مد على الخبر . وقرأ سعيد بن جبير " إن يؤتى " بكسر الهمزة ، على معنى النفي ; ويكون من كلام الله تعالى كما قال الفراء . والمعنى : قل يا محمد إن الهدى هدى الله إن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم يعني اليهود - بالباطل فيقولون نحن أفضل منكم . ونصب " أو يحاجوكم " يعني بإضمار " أن " و " أو " تضمر بعدها " أن " إذا كانت بمعنى " حتى " و " إلا أن " . وقرأ الحسن " أن يؤتي " بكسر التاء وياء مفتوحة ، على معنى أن يؤتي أحد أحدا مثل ما أوتيتم ، فحذف المفعول .قوله تعالى : قل إن الهدى هدى الله فيه قولان :( أحدهما ) إن الهدى إلى الخير والدلالة إلى الله عز وجل بيد الله جل ثناؤه يؤتيه أنبياءه ، فلا تنكروا أن يؤتى أحد سواكم مثل ما أوتيتم ، فإن أنكروا ذلك فقل لهم : إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء . ( والقول الآخر ) قل إن الهدى هدى الله الذي آتاه المؤمنين من التصديق بمحمد - صلى الله عليه وسلم - لا غيره . وقال بعض أهل الإشارات في هذه الآية : لا تعاشروا إلا من يوافقكم على أحوالكم وطريقتكم فإن من لا يوافقكم لا يرافقكم ، والله أعلم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْقال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولا تصدّقوا إلا من تبع دينكم فكان يهوديًّا.* * *وهذا خبر من الله عن قول الطائفة الذين قالوا لإخوانهم من اليهود: "آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ".* * *و " اللام " التي في قوله: " لمن تبع دينكم "، نظيرة " اللام " التي في قوله: عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ ، بمعنى: ردفكم، بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ [سورة النمل: 72].* * *وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.ذكر من قال ذلك:7246 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم "، هذا قول بعضهم لبعض.7247 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.7247 م - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم " قال: لا تؤمنوا إلا لمن تبع اليهودية.7248 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن يزيد في قوله: " ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم "، قال: لا تؤمنوا إلا لمن آمن بدينكم، ومَنْ خالفه فلا تؤمنوا له. (9)* * *القول في تأويل قوله : قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْقال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.فقال بعضهم: قوله: " قل إنّ الهدى هدى الله "، اعتراضٌ به في وسط الكلام، (10) خبرًا من الله عن أن البيان بيانُه والهدى هُداه. قالوا: وسائرُ الكلام بعدَ ذلك متصلٌ بالكلام الأول، خبرًا عن قِيل اليهود بعضها لبعض. (11) فمعنى الكلام عندهم: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم، أو أنْ يحاجُّوكم عند ربكم = أي: ولا تؤمنوا أن يحاجّكم أحدٌ عند ربكم. ثم قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد: إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ، و " إن الهدى هدى الله ".ذكر من قال ذلك:7249 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم "، حسدًا من يهود أن تكون النبوة في غيرهم، وإرادةَ أن يُتَّبعوا على دينهم.7250- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.* * *وقال آخرون: تأويل ذلك: قل يا محمد: " إن الهدى هدى الله "، إنّ البيان بيانُ الله =" أن يؤتى أحدٌ"، قالوا: ومعناه: لا يؤتى أحدٌ من الأمم مثل ما أوتيتم، كما قال: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [سورة النساء: 176]، بمعنى: لا تضلون، وكقوله: كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لا يُؤْمِنُونَ بِهِ [سورة الشعراء: 200-201]، يعني: أن لا يؤمنوا =" مثل ما أوتيتم "، يقول: مثل ما أوتيتَ، أنت يا محمد، وأمتك من الإسلام والهدى =" أو يحاجوكم عند ربكم "، قالوا: ومعنى " أو ": " إلا "، أيْ: إلا أن " يحاجوكم "، يعني: إلا أن يجادلوكم عند ربكم عند ما فَعل بهم ربُّكم. (12)ذكر من قال ذلك:7251 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: قال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم: " قل إنّ الهدى هُدَى الله أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم "، يقول، مثل ما أوتيتم يا أمة محمد =" أو يحاجوكم عند ربكم "، تقول اليهود: فعل الله بنا كذا وكذا من الكرامة، حتى أنزل علينا المن والسلوى = فإن الذي أعطيتكم أفضلُ فقولوا: إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ، الآية.* * *فعلى هذا التأويل، جميع هذا الكلام، [أمرٌ] من الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقوله لليهود، (13) وهو متلاصق بعضه ببعض لا اعتراض فيه. و " الهدى " الثاني ردّ على " الهدى " الأول، و " أن " في موضع رفع على أنه خبر عن " الهدى ".* * *وقال آخرون: بل هذا أمر من الله نبيَّه أن يقوله لليهود. (14) وقالوا: تأويله: " قل " يا محمد " إن الهدى هُدى الله أن يؤتى أحد " من الناس " مثل ما أوتيتم "، يقول: مثل الذي أوتيتموه أنتُم يا معشر اليهود من كتاب الله، ومثل نبيكم، فلا تحسدوا المؤمنين على ما أعطيتهم، مثلَ الذي أعطيتكم من فضلي، فإن الفضل بيدي أوتيه من أشاء.ذكر من قال ذلك:7252 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " قل إن الهدى هدى الله أن يؤتَى أحدٌ مثل ما أوتيتم "، يقول: لما أنزل الله كتابًا مثلَ كتابكم، وبعثَ نبيًّا مثل نبيكم، حسدتموهم على ذلك =" قلْ إنّ الفضلَ بيد الله "، الآية.7253 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.* * *وقال آخرون: بل تأويل ذلك: " قل " يا محمد: " إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم " أنتم يا معشر اليهود من كتاب الله. قالوا: وهذا آخر القول الذي أمرَ الله به نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقوله لليهود من هذه الآية. قالوا: وقوله: " أو يحاجوكم "، مردود على قوله: وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ .وتأويل الكلام - على قول أهل هذه المقالة -: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، فتتركوا الحقَّ: أنّ يحاجُّوكم به عند ربكم من اتبعتم دينه فاخترتموه: أنه محقٌّ، وأنكم تجدون نعته في كتابكم. فيكون حينئذ قوله: " أو يحاجوكم " مردودًا على جواب نهي متروك، على قول هؤلاء.ذكر من قال ذلك:7254 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم "، يقول: هذا الأمر الذي أنتم عليه: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم =" أو يحاجوكم عند ربكم "، قال: قال بعضهم لبعض: لا تخبروهم بما بيَّن الله لكم في كتابه، ليحاجُّوكم = قال: ليخاصموكم = به عند ربكم =" قل إن الهدى هدى الله ".* * *[قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يكون قوله: " قل إن الهدى هُدى الله "] = معترضًا به، (15) وسائر الكلام متَّسِقٌ على سياقٍ واحد. فيكون تأويله حينئذ: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، (16) ولا تؤمنوا أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم = بمعنى: لا يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم = (17) " أو يحاجوكم عند ربكم "، بمعنى: أو أن يحاجوكم عند ربكم . . . . . . . . (18) أحد بإيمانكم، لأنكم أكرمُ على الله بما فضلكم به عليهم. فيكون الكلام كله خبرًا عن قول الطائفة التي قال الله عز وجل: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ سوى قوله: " قلُ إن الهدى هدى الله ". ثم يكون الكلامُ مبتدأ بتكذيبهم في قولهم: " قل "، يا محمد، للقائلين ما قولوا من الطائفة التي وصفتُ لك قولها لتُبَّاعها من اليهود = (19) " إن الهدى هدى الله "، إن التوفيق توفيقُ الله والبيانَ بيانُه، (20) " وإن الفضل بيده يؤتيه من يشاء " لا ما تمنيتموه أنتم يا معشر اليهود.وإنما اخترنا ذلك من سائر الأقوال التي ذكرناها، (21) لأنه أصحها معنًى، وأحسنُها استقامةً، على معنى كلام العرب، وأشدُّها اتساقًا على نظم الكلام وسياقه. وما عدا ذلك من القول، فانتزاع يبعُد من الصحة، على استكراه شديدٍ للكلام.* * *القول في تأويل قوله : قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " قل " يا محمد، لهؤلاء اليهود الذين وصفتُ قولهم لأوليائهم =" إنّ الفضل بيد الله "، إنّ التوفيق للإيمان والهدايةَ للإسلام، (22) بيد الله وإليه، دونكم ودون سائر خلقه =" يؤتيه من يشاء " من خلقه، يعني: يعطيه من أراد من عباده، (23) تكذيبًا من الله عز وجل لهم في قولهم لتُبّاعهم: " لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ". فقال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم: ليس ذلك إليكم، إنما هو إلى الله الذي بيده الأشياء كلها، وإليه الفضل، وبيده، يُعطيه من يشاء =" والله واسع عليم "، يعني: والله ذُو سعةٍ بفضله على من يشاء أن يتفضل عليه = (24) " عليم "، ذو علم بمن هو منهم للفضل أهل. (25)7255 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك قراءةً، عن ابن جريج في قوله: " قل إنّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء "، قال: الإسلام.--------------------الهوامش :(9) في المطبوعة: "لا من خالفه فلا تؤمنوا به" بزيادة"لا" وفي المخطوطة: "من خالفه فلا تؤمنوا به" ، والصواب زيادة الواو كما أثبت ، والصواب أيضًا"تؤمنوا له" ، وذاك تصحيف من الناسخ.(10) في المطبوعة: "اعترض به في وسط الكلام ، خبر من الله. . ." والصواب ما في المخطوطة كما أثبته.(11) في المطبوعة هنا أيضًا: "خبر عن قيل اليهود" برفع الخبر ، والصواب من المخطوطة.(12) انظر تفصيل هذه المقالة في معاني القرآن للفراء 1: 222-223.(13) في المطبوعة: "جميع هذا الكلام من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم" ، وفي المخطوطة"جميع هذا الكلام من الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم" ، ولما رأى الناشر عبارة لا تستقيم ، اجتهد في إصلاحها ، والصواب القريب زيادة ما زدته بين القوسين ، سقط من الناسخ"أمر" لقرب رسمها مما بعدها وهو: "من". وقد استظهرته مما سيأتي في أول الفقرة التالية.(14) في المطبوعة: "أمر من الله لنبيه" زاد لامًا لا ضرورة لها. وانظر التعليق السالف.(15) الزيادة التي بين القوسين لا بد منها كما سترى في التعليق ص 516 ، تعليق: 3. وكان في المطبوعة"قل إن الهدى هدى الله ، معترض به" ، وهو لا يستقيم ، وفي المخطوطة مثله إلا أنه كتب"معترضًا به" بالنصب. والظاهر أن الناسخ لما بلغ"قل إن الهدى هدى الله" في الأثر السالف تخطى بصره إلى نظيرتها في كلام الطبري ، فكتب بعده: "معترضًا به" وأسقط ما بينهما كما سيتبين لك فيما بعد.(16) في المطبوعة: "اتبع دينكم" ، والصواب من المخطوطة.(17) في المطبوعة: "بمثل ما أوتيتم" زاد"باء" ، والصواب من المخطوطة.(18) موضع هذه النقط سقط ، لا أشك فيه ، وكان في المطبوعة: "أو أن يحاجكم عند ربكم أحد بإيمانكم" ، وهو غير مستقيم ، وكان في المخطوطة: "أو أن يحاجوكم عند ربكم أحد بإيمانكم" ، وهو كلام مختل ، حمل ناشر المطبوعة الأولى على تغييره ، كما رأيت. وظاهر أنه سقط من هذا الموضع ، سياق أبي جعفر لهذا التأويل الذي اختاره ، ورد فيه قوله تعالى: "قل إن الهدى هدى الله" ، إلى موضعها بعد قوله: "أو يحاجوكم به عند ربكم" ، كما هو بين من كلامه. وأنا أظن أن قوله: "أحد بايما لم" وهكذا كتبت في المخطوطة غير منقوطة ، صوابها"حسدا لما آتاكم" ، كما يستظهر من الآثار السالفة.هذا ، وإن شئت أن تجعل الكلام جاريًا كله مجرى واحدًا على هذا: "أو أن يحاجوكم عند ربكم ، حسدًا لما آتاكم ، لأنكم أكرم على الله منهم. . ." ، كان وجهًا ، غير أني لست أرتضيه ، بل أرجح أن هاهنا سقطًا لا شك فيه.(19) التباع جمع تابع ، مثل: "جاهل وجهال".(20) انظر تفسير"الهدى" فيما سلف 1: 166-170 ، 230 ، 249 ، 549-551 / 3: 101 ، 140 ، 141 ، 223 / 4: 283.(21) من ذكر الطبري اختياره ، تبين بلا ريب أن في صدر الكلام سقطًا ، كما أسلف في ص: 515 ، تعليق: 1 ، ولعل الزيادة التي أسلفتها ، قد نزلت منزلها من الصواب إن شاء الله.(22) انظر تفسير"الفضل" فيما سلف 2: 334 / 5: 571.(23) انظر تفسير: "آتى" فيما سلف 1: 574 / 2: 317 وفهارس اللغة.(24) انظر تفسير"واسع" فيما سلف 2: 537 / 5: 516 ، 575.(25) انظر تفسير"عليم" فيما سلف 1: 438 ، 496 / 2 ، 537 / 3 : 399 ، وفهارس اللغة.
يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٧٤التفسير الميسرإن الله يختص مِن خلقه مَن يشاء بالنبوة والهداية إلى أكمل الشرائع، والله ذو الفضل العظيم.
تفسير السعدي يختص برحمته من يشاء أي: برحمته المطلقة التي تكون في الدنيا متصلة بالآخرة وهي نعمة الدين ومتمماته والله ذو الفضل العظيم الذي لا يصفه الواصفون ولا يخطر بقلب بشر، بل وصل فضله وإحسانه إلى ما وصل إليه علمه، ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما.
تفسير ابن كثير( يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) أي : اختصكم - أيها المؤمنون - من الفضل بما لا يحد ولا يوصف ، بما شرف به نبيكم محمدا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء وهداكم به لأحمد الشرائع .
تفسير القرطبيقوله تعالى : يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيمأي بنبوته وهدايته ; عن الحسن ومجاهد وغيرهما . ابن جريج : بالإسلام والقرآن من يشاء . قال أبو عثمان : أجمل القول ليبقى معه رجاء الراجي وخوف الخائف . والله ذو الفضل العظيم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74)قال أبو جعفر: يعني بقوله: " يختص برحمته من يشاء "،" يفتعل " من قول القائل: " خصصت فلانًا بكذا، أخُصُّه به ". (26)* * *وأما " رحمته "، في هذا الموضع، فالإسلام والقرآن، مع النبوّة، كما:-7256 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " يختص برحمته من يشاء "، قال: النبوّة، يخصُّ بها من يشاء.7257 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.7258 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " يختص برحمته من يشاء "، قال: يختص بالنبوة من يشاء.7259 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك قراءةً، عن ابن جريج: " يختص برحمته من يشاء "، قال: القرآن والإسلام.7260 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج مثله.* * *=" والله ذو الفضل العظيم "، يقول: ذو فضل يتفضَّل به على من أحبّ وشاء من خلقه. ثم وصف فضله بالعِظَم فقال: " فضله عظيم "، لأنه غير مشبهه في عِظَم موقعه ممن أفضله عليه [فضلٌ] من إفضال خلقه، (27) ولا يقاربه في جلالة خطره ولا يُدانيه.-------------الهوامش :(26) انظر تفسير"يختص" فيما سلف أيضا 2: 471.(27) في المطبوعة: "غير مشبه... ممن أفضله عليه أفضال خلقه" ، وأما المخطوطة ففيها: " غير مشبهه... ممن أفضله عليه من أفضال خلقه" ، فرأيت أنه قد سقط من ناسخ المخطوطة ما زدته بين القوسين ليستقيم الكلام.
۞ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٥التفسير الميسرومن أهل الكتاب من اليهود مَن إنْ تأمنه على كثير من المال يؤدِّه إليك من غير خيانة، ومنهم مَن إنْ تأمنه على دينار واحد لا يؤدِّه اليك، إلا إذا بذلت غاية الجهد في مطالبته. وسبب ذلك عقيدة فاسدة تجعلهم يستحلُّون أموال العرب بالباطل، ويقولون: ليس علينا في أكل أموالهم إثم ولا حرج؛ لأن الله أحلَّها لنا. وهذا كذب على الله، يقولونه بألسنتهم، وهم يعلمون أنهم كاذبون.
تفسير السعدييخبر تعالى عن حال أهل الكتاب في الوفاء والخيانة في الأموال، لما ذكر خيانتهم في الدين ومكرهم وكتمهم الحق، فأخبر أن منهم الخائن والأمين، وأن منهم من إن تأمنه بقنطار وهو المال الكثير يؤده وهو على أداء ما دونه من باب أولى، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك وهو على عدم أداء ما فوقه من باب أولى وأحرى، والذي أوجب لهم الخيانة وعدم الوفاء إليكم بأنهم زعموا أنه ليس عليهم في الأميين سبيل أي: ليس عليهم إثم في عدم أداء أموالهم إليهم، لأنهم بزعمهم الفاسد ورأيهم الكاسد قد احتقروهم غاية الاحتقار، ورأوا أنفسهم في غاية العظمة، وهم الأذلاء الأحقرون، فلم يجعلوا للأميين حرمة، وأجازوا ذلك، فجمعوا بين أكل الحرام واعتقاد حله وكان هذا كذبا على الله، لأن العالم الذي يحلل الأشياء المحرمة قد كان عند الناس معلوم أنه يخبر عن حكم الله ليس يخبر عن نفسه، وذلك هو الكذب، فلهذا قال ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون وهذا أعظم إثما من القول على الله بلا علم، ثم رد عليهم زعمهم الفاسد.
تفسير ابن كثيريخبر تعالى عن اليهود بأن فيهم الخونة ، ويحذر المؤمنين من الاغترار بهم ، فإن منهم ( من إن تأمنه بقنطار ) أي : من المال ( يؤده إليك ) أي : وما دونه بطريق الأولى أن يؤديه إليك ( ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ) أي : بالمطالبة والملازمة والإلحاح في استخلاص حقك ، وإذا كان هذا صنيعه في الدينار فما فوقه أولى ألا يؤديه .وقد تقدم الكلام على القنطار في أول السورة ، وأما الدينار فمعروف .وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا سعيد بن عمرو السكوني ، حدثنا بقية ، عن زياد بن الهيثم ، حدثني مالك بن دينار قال : إنما سمي الدينار لأنه دين ونار . وقال : معناه : أنه من أخذه بحقه فهو دينه ، ومن أخذه بغير حقه فله النار .ومناسب أن يكون هاهنا الحديث الذي علقه البخاري في غير موضع من صحيحه ، ومن أحسنها سياقه في كتاب الكفالة حيث قال : وقال الليث : حدثني جعفر بن ربيعة ، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل سأل [ بعض ] بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار ، فقال : ائتني بالشهداء أشهدهم . فقال : كفى بالله شهيدا . قال : ائتني بالكفيل . قال : كفى بالله كفيلا . قال : صدقت . فدفعها إليه إلى أجل مسمى ، فخرج في البحر فقضى حاجته ، ثم التمس مركبا يركبها يقدم عليه للأجل الذي أجله ، فلم يجد مركبا ، فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار ، وصحيفة منه إلى صاحبه ، ثم زجج موضعها ، ثم أتى بها إلى البحر ، فقال : اللهم إنك تعلم أني استسلفت فلانا ألف دينار فسألني كفيلا فقلت : كفى بالله كفيلا ، فرضي بك . وسألني شهيدا ، فقلت : كفى بالله شهيدا ، فرضي بك ، وإني جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له فلم أقدر ، وإني استودعتكها . فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه ، ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده ، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبا يجيئه بماله ، فإذا بالخشبة التي فيها المال ، فأخذها لأهله حطبا ، فلما كسرها وجد المال والصحيفة ، ثم قدم الذي كان تسلف منه ، فأتاه بألف دينار ، وقال : والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك ، فما وجدت مركبا قبل الذي أتيت فيه . قال : هل كنت بعثت إلي بشيء ؟ قال : ألم أخبرك أني لم أجد مركبا قبل هذا ؟ قال : فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة ، فانصرف بألف دينار راشدا .هكذا رواه البخاري في موضعه معلقا بصيغة الجزم ، وأسنده في بعض المواضع من الصحيح عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه . ورواه الإمام أحمد في مسنده هكذا مطولا عن يونس بن محمد المؤدب ، عن الليث به ، ورواه البزار في مسنده ، عن الحسن بن مدرك ، عن يحيى بن حماد ، عن أبي عوانة ، عن عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ، ثم قال : لا يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد . كذا قال ، وهو خطأ ، لما تقدم .وقوله : ( ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ) أي : إنما حملهم على جحود الحق أنهم يقولون : ليس علينا في ديننا حرج في أكل أموال الأميين ، وهم العرب ، فإن الله قد أحلها لنا . قال الله تعالى : ( ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ) أي : وقد اختلقوا هذه المقالة ، وائتفكوا بهذه الضلالة ، فإن الله حرم عليهم أكل الأموال إلا بحقها ، وإنما هم قوم بهت .قال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن أبي إسحاق الهمداني ، عن [ أبي ] صعصعة بن يزيد ، أن رجلا سأل ابن عباس ، قال : إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة ؟ قال ابن عباس : فتقولون ماذا ؟ قال : نقول ليس علينا بذلك بأس . قال : هذا كما قال أهل الكتاب : ( ليس علينا في الأميين سبيل ) إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم .وكذا رواه الثوري ، عن أبي إسحاق بنحوه .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن يحيى ، أخبرنا أبو الربيع الزهراني حدثنا يعقوب ، حدثنا جعفر ، عن سعيد بن جبير قال : لما قال أهل الكتاب : ( ليس علينا في الأميين سبيل ) قال نبي الله [ صلى الله عليه وسلم ] كذب أعداء الله ، ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا الأمانة ، فإنها مؤداة إلى البر والفاجر "
تفسير القرطبيقوله تعالى : ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمونفيه ثمان مسائل :الأولى : قوله تعالى : ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك مثل عبد الله بن سلام . ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك وهو فنحاص بن عازوراء اليهودي أودعه رجل دينارا فخانه . وقيل : كعب بن الأشرف وأصحابه . وقرأ ابن وثاب والأشهب العقيلي " من إن تيمنه " على لغة من قرأ " نستعين " وهي لغة بكر وتميم . وفي حرف عبد الله " ما لك لا تيمنا على يوسف " والباقون بالألف . وقرأ نافع والكسائي ( يؤد هي ) بياء في الإدراج . قال أبو عبيد : واتفق أبو عمرو والأعمش وعاصم وحمزة في رواية أبي بكر على وقف الهاء ، فقرءوا ( يؤده إليك ) . قال النحاس : بإسكان الهاء لا يجوز إلا في الشعر عند بعض النحويين ، وبعضهم لا يجيزه ألبتة ويرى أنه غلط ممن قرأ به ، وإنه توهم أن الجزم يقع على الهاء ، وأبو عمرو أجل من أن يجوز عليه مثل هذا . والصحيح عنه أنه كان يكسر الهاء ; وهي قراءة يزيد بن القعقاع . وقال الفراء : مذهب بعض العرب يجزمون الهاء إذا تحرك ما قبلها ، يقولون : ضربته ضربا شديدا ; كما يسكنون ميم أنتم وقمتم وأصلها الرفع ; كما قال الشاعر :لما رأى ألا دعه ولا شبع مال إلى أرطاة حقف فاضطجعوقيل : إنما جاز إسكان الهاء في هذا الموضع لأنها وقعت في موضع الجزم وهي الياء الذاهبة . وقرأ أبو المنذر سلام والزهري " يؤده " بضم الهاء بغير واو . وقرأ قتادة وحميد ومجاهد " يؤدهو " بواو في الإدراج ، اختير لها الواو لأن الواو من الشفة والهاء بعيدة المخرج . قال سيبويه : الواو في المذكر بمنزلة الألف في المؤنث ويبدل منها ياء لأن الياء أخف إذا كان قبلها كسرة أو ياء ، وتحذف الياء وتبقى الكسرة لأن الياء قد كانت تحذف والفعل مرفوع فأثبتت بحالها .الثانية : أخبر تعالى أن في أهل الكتاب الخائن والأمين ، والمؤمنون لا يميزون ذلك ، فينبغي اجتناب جميعهم . وخص أهل الكتاب بالذكر وإن كان المؤمنون كذلك ; لأن الخيانة فيهم أكثر ، فخرج الكلام على الغالب ، والله أعلم . وقد مضى تفسير القنطار . وأما الدينار فأربعة وعشرون قيراطا والقيراط ثلاث حبات من وسط الشعير ، فمجموعه اثنتان وسبعون حبة ، وهو مجمع عليه . ومن حفظ الكثير وأداه فالقليل أولى ، ومن خان في اليسير أو منعه فذلك في الكثير أكثر . وهذا أدل دليل على القول بمفهوم الخطاب . وفيه بين العلماء خلاف كثير مذكور في أصول الفقه . وذكر تعالى قسمين : من يؤدي ومن لا يؤدي إلا بالملازمة عليه ; وقد يكون من الناس من لا يؤدي وإن دمت عليه قائما . فذكر تعالى القسمين لأنه الغالب والمعتاد والثالث نادر ; فخرج الكلام على الغالب . وقرأ طلحة بن مصرف وأبو عبد الرحمن السلمي وغيرهما ( دمت ) بكسر الدال وهما لغتان ، والكسر لغة أزد السراة ; من " دمت تدام " مثل خفت تخاف . وحكى الأخفش دمت تدوم ، شاذا .الثالثة : استدل أبو حنيفة على مذهبه في ملازمة الغريم بقوله تعالى : إلا ما دمت عليه قائما وأباه سائر العلماء ، وقد تقدم في البقرة . وقد استدل بعض البغداديين من علمائنا على حبس المديان بقوله تعالى : ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما فإذا كان له ملازمته ومنعه من التصرف ، جاز حبسه . وقيل : إن معنى إلا ما دمت عليه قائما أي بوجهك فيهابك ويستحي منك ، فإن الحياء في العينين ; ألا ترى إلى قول ابن عباس - رضي الله عنه - : لا تطلبوا من الأعمى حاجة فإن الحياء في العينين . وإذا طلبت من أخيك حاجة فانظر إليه بوجهك حتى يستحي فيقضيها . ويقال : قائما أي ملازما له ; فإن أنظرته أنكرك . وقيل : أراد بالقيام إدامة المطالبة لا عين القيام . والدينار أصله دنار فعوضت من إحدى النونين ياء طلبا للتخفيف لكثرة استعماله . يدل عليه أنه يجمع دنانير ويصغر دنينير .الرابعة : الأمانة عظيمة القدر في الدين ، ومن عظم قدرها أنها تقوم هي والرحم على جنبتي الصراط ; كما في صحيح مسلم . فلا يمكن من الجواز إلا من حفظهما . وروى مسلم عن حذيفة قال : حدثنا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن رفع الأمانة ، قال : ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه الحديث . وقد تقدم بكماله أول البقرة . وروى ابن ماجه حدثنا محمد بن المصفى حدثنا محمد بن حرب عن سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية عن أبي شجرة كثير بن مرة عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله عز وجل إذا أراد أن يهلك عبدا نزع منه الحياء فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتا ممقتا فإذا لم تلقه إلا مقيتا ممقتا نزعت منه الأمانة فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائنا مخونا فإذا لم تلقه إلا خائنا مخونا نزعت منه الرحمة فإذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا رجيما ملعنا فإذا لم تلقه إلا رجيما ملعنا نزعت منه ربقة الإسلام . وقد مضى في البقرة معنى قوله عليه السلام : أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ، والله أعلم .الخامسة : ليس في هذه الآية تعديل لأهل الكتاب ولا لبعضهم خلافا لمن ذهب إلى ذلك ; لأن فساق المسلمين يوجد فيهم من يؤدي الأمانة ويؤمن على المال الكثير ولا يكونون بذلك عدولا . فطريق العدالة والشهادة ليس يجزئ فيه أداء الأمانة في المال من جهة المعاملة والوديعة ; ألا ترى قولهم : ليس علينا في الأميين سبيل فكيف يعدل من يعتقد استباحة أموالنا وحريمنا بغير حرج عليه ; ولو كان ذلك كافيا في تعديلهم لسمعت شهادتهم على المسلمين .السادسة : قوله تعالى : ذلك بأنهم قالوا يعني اليهود ليس علينا في الأميين سبيل قيل : إن اليهود كانوا إذا بايعوا المسلمين يقولون : ليس علينا في الأميين سبيل - أي حرج في ظلمهم - لمخالفتهم إيانا . وادعوا أن ذلك في كتابهم ; فأكذبهم الله عز وجل ورد عليهم فقال : " بلى " أي بلى عليهم سبيل العذاب بكذبهم واستحلالهم أموال العرب . قال أبو إسحاق الزجاج : وتم الكلام . ثم قال : من أوفى بعهده واتقى ويقال : إن اليهود كانوا قد استدانوا من الأعراب أموالا فلما أسلم أرباب الحقوق قالت اليهود : ليس لكم علينا شيء ، لأنكم تركتم دينكم فسقط عنا دينكم . وادعوا أنه حكم التوراة فقال الله تعالى : بلى ردا لقولهم ليس علينا في الأميين سبيل . أي ليس كما تقولون ، ثم استأنف فقال : من أوفى بعهده واتقى الشرك فليس من الكاذبين بل يحبه الله ورسوله .السابعة : قال رجل لابن عباس : إنا نصيب في العمد من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة ونقول : ليس علينا في ذلك بأس . فقال له : هذا كما قال أهل الكتاب ليس علينا في الأميين سبيل إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا عن طيب أنفسهم ; ذكره عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق الهمداني عن صعصعة أن رجلا قال لابن عباس ; فذكره .الثامنة : قوله تعالى : ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون يدل على أن الكافر لا يجعل أهلا لقبول شهادته ; لأن الله تعالى وصفه بأنه كذاب . وفيه رد على الكفرة الذين يحرمون ويحللون غير تحريم الله وتحليله ويجعلون ذلك من الشرع . قال ابن العربي : ومن هذا يخرج الرد على من يحكم بالاستحسان من غير دليل ، ولست أعلم أحدا من أهل القبلة قاله . وفي الخبر : لما نزلت هذه الآية قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ما شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًاقال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز وجل: أنّ من أهل الكتاب - وهم اليهود من بني إسرائيل - أهلَ أمانة يؤدُّونها ولا يخونونها، ومنهم الخائن أمانته، الفاجرُ في يمينه المستحِلُّ. (28)* * *فإن قال قائل: وما وجه إخبار الله عز وجل بذلك نبيَّه صلى الله عليه وسلم، وقد علمتَ أنّ الناس لم يزالوا كذلك: منهم المؤدِّي أمانته والخائنُها؟قيل: إنما أراد جل وعز بإخباره المؤمنين خبرَهم - على ما بينه في كتابه بهذه الآيات - تحذيرَهم أن يأتمنوهم على أموالهم، (29) وتخويفهم الاغترارَ بهم، لاستحلال كثير منهم أموالَ المؤمنين.* * *فتأويل الكلام: ومن أهل الكتاب الذي إنْ تأمنه، يا محمد، على عظيم من المال كثير، يؤدِّه إليك ولا يخنْك فيه، ومنهم الذي إن تأمنه على دينار يخنْك فيه فلا يؤدِّه إليك، إلا أن تلح عليه بالتقاضي والمطالبة.* * *و " الباء " في قوله: " بدينار " و " على " يتعاقبان في هذا الموضع، كما يقال: " مررت به، ومررت عليه ". (30)* * *واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " إلا ما دمت عليه قائمًا ".فقال بعضهم: " إلا ما دمت له متقاضيًا ".ذكر من قال ذلك:7261 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " إلا ما دمت عليه قائمًا "، إلا ما طلبته واتبعته.7262 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " إلا ما دمت عليه قائمًا "، قال: تقتضيه إياه.7263 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " إلا ما دمت عليه قائمًا "، قال: مواظبًا.7264 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.* * *وقال آخرون: معنى ذلك: " إلا ما دمتَ قائمًا على رأسه ". (31)ذكر من قال ذلك:7265 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " إلا ما دمت عليه قائمًا "، يقول: يعترف بأمانته ما دمت قائمًا على رأسه، فإذا قمتَ ثم جئت تطلبهُ كافرك = (32) الذي يؤدِّي، والذي يجحد. (33)* * *قال أبو جعفر: وأولى القولين بتأويل الآية، قول من قال: " معنى ذلك: إلا ما دمت عليه قائمًا بالمطالبة والاقتضاء ". من قولهم: " قام فلان بحقي على فلان حتى استخرجه لي"، أي عمل في تخليصه، وسَعى في استخراجه منه حتى استخرجه. لأن الله عز وجل إنما وصفهم باستحلالهم أموال الأميين، وأنّ منهم من لا يقضي ما عليه إلا بالاقتضاء الشديد والمطالبة. وليس القيام على رأس الذي عليه الدين، بموجب له النقلة عما هو عليه من استحلال ما هو له مستحلّ، ولكن قد يكون - مع استحلاله الذهابَ بما عليه لربّ الحقّ - إلى استخراجه السبيلُ بالاقتضاء والمحاكمة والمخاصمة. (34) فذلك الاقتضاء، هو قيام ربِّ المال باستخراج حقه ممن هو عليه.* * *القول في تأويل قوله : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌقال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أنّ من استحلّ الخيانةَ من اليهود، وجحودَ حقوق العربيّ التي هي له عليه، فلم يؤدّ ما ائتمنه العربيُّ عليه إلا ما دامَ له متقاضيًا مطالبًا = من أجل أنه يقول: لا حرَج علينا فيما أصبنا من أموال العرب ولا إثم، لأنهم على غير الحق، وأنهم مشركون. (35)* * *واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم نحو قولنا فيه.ذكر من قال ذلك:7266 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل " الآية، قالت اليهود: ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيلٌ.7267 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " ليس علينا في الأميين سبيل "، قال: ليس علينا في المشركين سبيل = يعنون من ليس من أهل الكتاب.7268 - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل "، قال: يقال له: ما بالك لا تؤدِّي أمانتك؟ فيقول: ليس علينا حرج في أموال العرب، قد أحلَّها الله لنا! !7269 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جبير: لما نزلت " وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ"، قال النبي صلى الله عليه وسلم: كذبَ أعداءُ الله، ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدميّ، إلا الأمانة، فإنها مؤدّاةٌ إلى البر والفاجر. (36)7270- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا هشام بن عبيد الله، عن يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جبير قال: لما قالت اليهود: " ليس علينا في الأميين سبيل "، يعنون أخذَ أموالهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر نحوه = إلا أنه قال: إلا وهو تحت قدميّ هاتين، إلا الأمانة، فإنها مؤدّاةٌ = ولم يزد على ذلك.7271 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ"، وذلك أن أهل الكتاب كانوا يقولون: ليس علينا جناح فيما أصبنا من هؤلاء، لأنهم أمِّيُّون. فذلك قوله: (ليس علينا في الأميين سبيل)، إلى آخر الآية.* * *وقال آخرون في ذلك، ما:-7272 - حدثنا به القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل "، قال: بايع اليهودَ رجالٌ من المسلمين في الجاهلية، فلما أسلموا تقاضوهم ثمنَ بُيوعهم، فقالوا: ليس لكم علينا أمانةٌ، ولا قضاءَ لكم عندنا، لأنكم تركتم دينكم الذي كنتم عليه! قال: وادّعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم، (37) فقال الله عز وجل: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ .7273 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن صعصعة قال: قلت لابن عباس: إنا نغزو أهلَ الكتاب فنصيبُ من ثمارهم؟ قال: وتقولون كما قال أهلُ الكتاب: " ليس علينا في الأميين سبيل!! (38)7274 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق الهمداني، عن صعصعة: أن رجلا سأل ابن عباس فقال: إنا نصيب في الغزْو = أو: [العذق]، الشك من الحسن = من أموال أهل الذمة الدجاجةَ والشاة، فقال ابن عباس: فتقولون ماذا؟ قال نقول: ليس علينا بذلك بأس! قال: هذا كما قال أهل الكتاب: " ليس علينا في الأميين سبيل "! إنهم إذا أدّوا الجزية لم تحلّ لكم أموالهم إلا بطيِب أنفسهم. (39)* * *القول في تأويل قوله : وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إن القائلين منهم: " ليس علينا في أموال الأميين من العرب حَرَجٌ أن نختانهم إياه "، يقولون = بقيلهم إنّ الله أحل لنا ذلك، فلا حرجَ علينا في خيانتهم إياه، وترك قضائهم = (40) الكذبَ على الله عامدين الإثمَ بقيل الكذب على الله، إنه أحلّ ذلك لهم. وذلك قوله عز وجل: " وهم يعلمون "، كما:-7275 - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: فيقول على الله الكذب وهو يعلم = يعني الذي يقول منهم - إذا قيل له: ما لك لا تؤدي أمانتك؟ -: ليس علينا حرج في أموال العرب، قد أحلها الله لنا!7276 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج: " ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون "، يعني: ادّعاءهم أنهم وجدُوا في كتابهم قولهم: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ .-------------------الهوامش :(28) لعل في المخطوطة سقطًا ، صوابه: "المستحل أموال الأميين من العرب" أو "المستحل أموال المؤمنين" ، كما يتبين من بقية تفسير الآية.(29) في المخطوطة: "أن نهوهم على أموالهم" غير منقوطة ، والذي قرأه الناشر الأول جيد وهو الصواب.(30) انظر ذلك فيما سلف 1: 313.(31) في المطبوعة: "إلا ما دمت عليه قائمًا" بزيادة"عليه" ، وهي فساد ، والصواب من المخطوطة.(32) كافره حقه: جحده حقه.(33) قوله: "الذي يؤدي ، والذي يجحد" بيان عن ذكر الفريقين اللذين ذكرا في الآية ، أي: هذا الذي يؤدي ، وهذا الذي يجحد.(34) سياق العبارة: "قد يكون... إلى استخراجه السبيل بالاقتضاء..." ، وما بينهما فصل.(35) انظر تفسير"الأمي" فيما سلف 2: 257- 259 / ثم 5: 442 في كلام الطبري نفسه / ثم 6: 281 / ثم الآثار رقم: 5827 ، 6774 ، 6775.(36) الأثر: 7269-"يعقوب بن عبد الله الأشعري القمي" ، و"جعفر" هو: "جعفر ابن أبي المغيرة الخزاعي القمي" ، مضيا في رقم: 617. قال أخي السيد أحمد في مثل هذا الإسناد سالفًا: "هو حديث مرفوع ، ولكنه مرسل ، لأن سعيد بن جبير تابعي ، وإسناده إليه إسناد جيد". وخرجه ابن كثير في تفسيره 2: 169 ، 170 من تفسير ابن أبي حاتم ، وخرجه في الدر المنثور 2: 44 ، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد ، وابن المنذر.(37) في المطبوعة: "وادعوا..." ، أسقط"قال" ، وأثبتها من المخطوطة.(38) الأثر: 7273-"أبو إسحاق الهمداني" كما بين في الأثر التالي. و"صعصعة بن يزيد" ، ويقال"صعصعة بن زيد" ، وذكر البخاري الاختلاف في اسمه ، وأشار إلى رواية هذا الخبر. في الكبير 2 / 2 / 321 ، 322 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 446. وانظر التعليق على الأثر التالي.(39) الأثر: 7274- هذا طريق آخر للأثر السالف ، وبلفظ غيره. ورواه أبو عبيد القاسم ابن سلام في كتاب الأموال (ص 149 ، رقم: 415) من طريق عبد الرحمن ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن صعصعة ، بلفظ آخر. ورواه البيهقي في السنن 9: 198 من طريق"شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن صعصعة ، قال قلت لابن عباس" ، بلفظ آخر غير كل ما سلف. وخرجه ابن كثير في تفسيره 2: 169 من تفسير عبد الرزاق وفيه"عن أبي صعصعة بن يزيد" وهو خطأ صوابه"صعصعة". وقال: "وكذا رواه الثوري عن أبي إسحاق بنحوه". وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 4 ، ونسبه لابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم. وساقه الزمخشري في تفسير الآية ، بنص أبي جعفر ، والقرطبي 4: 118 ، 119 ، وأبو حيان في تفسيره من تفسير عبد الرزاق أيضًا 2: 501 ، وفي جميعها"إنا نصيب في الغزو" إلا القرطبي فإن فيه: "إنما نصيب في العمد" ، وأما البيهقي ففيه: "إنا نأتي القرية بالسواد فنستفتح الباب..." ، وفي الأموال: "إنا نسير في أرض أهل الذمة فنصيب منهم".وكان في أصل المخطوطة والمطبوعة من الطبري: "إنا نصيب في العرف ، أو العذق ، الشك من الحسن" ، ولم أجد ذلك في مكان ، وهو لا معنى له أيضًا. وقد أطبق كل من ذكرنا ممن نقل من تفسير عبد الرزاق بهذا الإسناد نفسه ، على عبارة واحدة هي"إنا نصيب في الغزو" ، فأثبتها كذلك ، أما ما شك فيه الحسن بن يحيى فقد وضعته بين قوسين ، وهو لا معنى له. وأرجح الظن عندي أنها"أو: الغزوة -الشك من الحسن" ، أو تكون: "أو: القرية- الشك من الحسن".(40) قوله: "الكذب" مفعول"يقولون" ، وما بينهما فصل.
بَلَىٰۚ مَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٧٦التفسير الميسرليس الأمر كما زعم هؤلاء الكاذبون، فإن المتقي حقاً هو من أوفى بما عاهد الله عليه من أداء الأمانة والإيمان به وبرسله والتزم هديه وشرعه، وخاف الله عز وجل فامتثل أمره وانتهى عما نهى عنه. والله يحب المتقين الذين يتقون الشرك والمعاصي.
تفسير السعديفقال بلى أي: ليس الأمر كما تزعمون أنه ليس عليكم في الأميين حرج، بل عليكم في ذلك أعظم الحرج وأشد الإثم. من أوفى بعهده واتقى والعهد يشمل العهد الذي بين العبد وبين ربه، وهو جميع ما أوجبه الله على العبد من حقه، ويشمل العهد الذي بينه وبين العباد، والتقوى تكون في هذا الموضع، ترجع إلى اتقاء المعاصي التي بين العبد وبين ربه، وبينه وبين الخلق، فمن كان كذلك فإنه من المتقين الذين يحبهم الله تعالى، سواء كانوا من الأميين أو غيرهم، فمن قال ليس علينا في الأميين سبيل، فلم يوف بعهده ولم يتق الله، فلم يكن ممن يحبه الله، بل ممن يبغضه الله، وإذا كان الأمييون قد عرفوا بوفاء العهود وبتقوى الله وعدم التجرئ على الأموال المحترمة، كانوا هم المحبوبين لله، المتقين الذين أعدت لهم الجنة، وكانوا أفضل خلق الله وأجلهم، بخلاف الذين يقولون ليس علينا في الأميين سبيل، فإنهم داخلون في قوله: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا
تفسير ابن كثيرثم قال تعالى : ( بلى من أوفى بعهده واتقى ) أي : لكن من أوفى بعهده منكم يا أهل الكتاب الذي عاهدكم الله عليه ، من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم إذا بعث ، كما أخذ العهد والميثاق على الأنبياء وأممهم بذلك ، واتقى محارم الله تعالى واتبع طاعته وشريعته التي بعث بها خاتم رسله وسيد البشر " فإن الله يحب المتقين "
تفسير القرطبيقوله تعالى : بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين" من " رفع بالابتداء وهو شرط . و أوفى في موضع جزم . و اتقى معطوف عليه ، أي واتقى الله ولم يكذب ولم يستحل ما حرم عليه . فإن الله يحب المتقين أي يحب أولئك . وقد تقدم معنى حب الله لأوليائه . والهاء في قوله بعهده راجعة إلى الله عز وجل . وقد جرى ذكره في قوله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ويجوز أن تعود على الموفي ومتقي الكفر والخيانة ونقض العهد . والعهد مصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)قال أبو جعفر: وهذا إخبار من الله عز وجل عمَّا لمنْ أدَّى أمانته إلى من ائتمنه عليها اتقاءَ الله ومراقبتَه، عنده. (41) فقال جل ثناؤه: ليس الأمر كما يقول هؤلاء الكاذبون على الله من اليهود، من أنه ليس عليهم في أموَال الأميين حرج ولا إثم، ثمّ قال: بلى، ولكن من أوفى بعهده واتقى - يعني: ولكن الذي أوفى بعهده، وذلك وصيته إياهم التي أوصاهم بها في التوراة، من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به. (42)* * *و " الهاء " في قوله: " من أوفى بعهده "، عائدة على اسم " الله " في قوله: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ .* * *يقول: بلى من أوفى بعهد الله الذي عاهده في كتابه، فآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وصَدّق به وبما جاء به من الله، من أداء الأمانة إلى من ائتمنه عليها، وغير ذلك من أمر الله ونهيه =" واتقى "، يقول: واتقى ما نهاه الله عنه من الكفر به، وسائر معاصيه التي حرّمها عليه، فاجتنبَ ذلك مراقبةَ وعيد الله وخوفَ عقابه =" فإنّ الله يحبّ المتقين "، يعني: فإن الله يحب الذين يتقونه فيخافون عقابه ويحذرون عذابه، فيجتنبون ما نهاهم عنه وحرّمه عليهم، ويطيعونه فيما أمرهم به.* * *وقد روى عن ابن عباس أنه كان يقول: هو اتقاء الشرك.7277 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " بلى من أوفى بعهده واتقى " يقول: اتقى الشرك =" فإنّ الله يحب المتقين "، يقول: الذين يتقون الشرك.* * *وقد بينا اختلافَ أهل التأويل في ذلك والصوابَ من القول فيه، بالأدلة الدّالة عليه، فيما مضى من كتابنا، بما فيه الكفاية عن إعادته. (43)-----------------------------الهوامش :(41) في المطبوعة: "هذا إخبار من الله عز وجل عمن أدى أمانته إلى من ائتمنه عليها اتقاء الله ومراقبته وعيده" ، والذي أثبت هو نص المخطوطة ، وهو الصواب المحض. والسياق: "وهذا إخبار من الله... عما لمن أدى أمانته... عنده". وقوله: "واتقاء الله ومراقبته" على النصب فيهما ، مفعول لأجله.(42) انظر بيان معنى"أوفى" فيما سلف 1: 557-559 / 3: 348. وانظر تفسير"العهد" فيما سلف 1: 410-414 ، ثم 557-559 / 3: 20-24 ، 348 ، 349.(43) انظر تفسير"اتقى" و"التقوى" فيما سلف 1: 232 ، 233 ، 364 / 2: 181 ، 457 / 4: 162 ، 244 ، 425 ، 426 / ثم 6: 261.
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشۡتَرُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَأَيۡمَٰنِهِمۡ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيۡهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٧٧التفسير الميسرإن الذين يستبدلون بعهد الله ووصيته التي أوصى بها في الكتب التي أنزلها على أنبيائهم، عوضًا وبدلا خسيسًا من عرض الدنيا وحطامها، أولئك لا نصيب لهم من الثواب في الآخرة، ولا يكلمهم الله بما يسرهم، ولا ينظر إليهم يوم القيامة بعين الرحمة، ولا يطهرهم من دنس الذنوب والكفر، ولهم عذاب موجع.
تفسير السعديالذين يقولون ليس علينا في الأميين سبيل، فإنهم داخلون في قوله: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ويدخل في ذلك كل من أخذ شيئا من الدنيا في مقابلة ما تركه من حق الله أو حق عباده، وكذلك من حلف على يمين يقتطع بها مال معصوم فهو داخل في هذه الآية، فهؤلاء لا خلاق لهم في الآخرة أي: لا نصيب لهم من الخير ولا يكلمهم الله يوم القيامة غضبا عليهم وسخطا، لتقديمهم هوى أنفسهم على رضا ربهم ولا يزكيهم أي: يطهرهم من ذنوبهم، ولا يزيل عيوبهم ولهم عذاب أليم أي: موجع للقلوب والأبدان، وهو عذاب السخط والحجاب، وعذاب جهنم، نسأل الله العافية.
تفسير ابن كثيريقول تعالى : إن الذين يعتاضون عما عهدهم الله عليه ، من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، وذكر صفته الناس ، وبيان أمره ، وعن أيمانهم الكاذبة الفاجرة الآثمة بالأثمان القليلة الزهيدة ، وهي عروض هذه الدنيا الفانية الزائلة أولئك لا خلاق لهم في الآخرة أي : لا نصيب لهم فيها ، ولا حظ لهم منها " ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة " أي : برحمة منه لهم ، بمعنى : لا يكلمهم كلام لطف بهم ، ولا ينظر إليهم بعين الرحمة " ولا يزكيهم " أي : من الذنوب والأدناس ، بل يأمر بهم إلى النار " ولهم عذاب أليم " وقد وردت أحاديث تتعلق بهذه الآية الكريمة فلنذكر ما تيسر منها :الحديث الأول : قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا شعبة قال : علي بن مدرك أخبرني قال : سمعت أبا زرعة ، عن خرشة بن الحر ، عن أبي ذر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم " قلت : يا رسول الله ، من هم ؟ خابوا وخسروا . قال : وأعاده رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ثلاث مرات قال : " المسبل ، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب ، والمنان " . ورواه مسلم ، وأهل السنن ، من حديث شعبة ، به .طريق أخرى : قال أحمد : حدثنا إسماعيل ، عن الحريري ، عن أبي العلاء بن الشخير ، عن أبي الأحمس قال : لقيت أبا ذر ، فقلت له : بلغني عنك أنك تحدث حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : أما إنه لا تخالني أكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما سمعته منه ، فما الذي بلغك عني ؟ قلت : بلغني أنك تقول : ثلاثة يحبهم الله ، وثلاثة يشنؤهم الله عز وجل . قال : قلته وسمعته . قلت : فمن هؤلاء الذين يحبهم الله ؟ قال : الرجل يلقى العدو في فئة فينصب لهم نحره حتى يقتل أو يفتح لأصحابه . والقوم يسافرون فيطول سراهم حتى يحنوا أن يمسوا الأرض فينزلون ، فيتنحى أحدهم فيصلي حتى يوقظهم لرحيلهم . والرجل يكون له الجار يؤذيه فيصبر على أذاه حتى يفرق بينهما موت أو ظعن . قلت : ومن هؤلاء الذين يشنأ الله ؟ قال : التاجر الحلاف - أو البائع الحلاف - والفقير المختال ، والبخيل المنان غريب من هذا الوجه .الحديث الثاني : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن جرير بن حازم قال : حدثنا عدي بن عدي ، أخبرني رجاء بن حيوة والعرس بن عميرة عن أبيه عدي - هو ابن عميرة الكندي - قال : خاصم رجل من كندة يقال له : امرؤ القيس بن عابس رجلا من حضرموت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض ، فقضى على الحضرمي بالبينة ، فلم يكن له بينة ، فقضى على امرئ القيس باليمين . فقال الحضرمي : إن أمكنته من اليمين يا رسول الله ذهبت ورب الكعبة أرضي . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال أحد لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان " قال رجاء : وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ) فقال امرؤ القيس : ماذا لمن تركها يا رسول الله ؟ فقال : الجنة " قال : فاشهد أني قد تركتها له كلها . ورواه النسائي من حديث عدي بن عدي ، به .الحديث الثالث : قال أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن شقيق ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من حلف على يمين هو فيها فاجر ، ليقتطع بها مال امرئ مسلم ، لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان " .فقال الأشعث : في والله كان ذلك ، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني ، فقدمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألك بينة ؟ " قلت : لا ، فقال لليهودي : " احلف " فقلت : يا رسول الله ، إذا يحلف فيذهب مالي . فأنزل الله عز وجل : ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ) [ إلى آخر ] الآية : أخرجاه من حديث الأعمش .طريق أخرى : قال أحمد : حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن شقيق بن سلمة ، حدثنا عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان " قال : فجاء الأشعث بن قيس فقال : ما يحدثكم أبو عبد الرحمن ؟ فحدثناه ، فقال : في كان هذا الحديث ، خاصمت ابن عم لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بئر لي كانت في يده ، فجحدني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بينتك أنها بئرك وإلا فيمينه " قال : قلت : يا رسول الله ، ما لي بينة ، وإن تجعلها بيمينه تذهب بئري ، إن خصمي امرؤ فاجر . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان " قال : وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا [ أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ] ) .الحديث الرابع : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن غيلان ، حدثنا رشدين عن زبان ، عن سهل بن معاذ بن أنس ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إن لله تعالى عبادا لا يكلمهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم " قيل : ومن أولئك يا رسول الله ؟ قال : " متبرئ من والديه راغب عنهما ، ومتبرئ من ولده ، ورجل أنعم عليه قوم فكفر نعمتهم وتبرأ منهم " .الحديث الخامس : قال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا هشيم ، أنبأنا العوام - يعني ابن حوشب - عن إبراهيم بن عبد الرحمن - يعني السكسكي - عن عبد الله بن أبي أوفى : أن رجلا أقام سلعة له في السوق ، فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعطه ، ليوقع فيها رجلا من المسلمين ، فنزلت هذه الآية : ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ) ورواه البخاري ، من غير وجه ، عن العوام .الحديث السادس : قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : رجل منع ابن السبيل فضل ماء عنده ، ورجل حلف على سلعة بعد العصر - يعني كاذبا - ورجل بايع إماما ، فإن أعطاه وفى له ، وإن لم يعطه لم يف له " . ورواه أبو داود ، والترمذي ، من حديث وكيع ، وقال الترمذي : حسن صحيح .
تفسير القرطبيقوله تعالى : إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليمفيه مسألتان :الأولى روى الأئمة عن الأشعث بن قيس قال : كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني فقدمته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( هل لك بينة ) ؟ قلت لا ، قال لليهودي : ( احلف ) قلت : إذا يحلف فيذهب بمالي ; فأنزل الله تعالى : إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا إلى آخر الآية . وروى الأئمة أيضا عن أبي أمامة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة . فقال له رجل : وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله ؟ قال : ( وإن كان قضيبا من أراك ) . وقد مضى في البقرة معنى لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم .الثانية : ودلت هذه الآية والأحاديث أن حكم الحاكم لا يحل المال في الباطن بقضاء الظاهر إذا علم المحكوم له بطلانه ; وقد روى الأئمة عن أم سلمة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع منكم فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة . وهذا لا خلاف فيه بين الأئمة ، وإنما ناقض أبو حنيفة وغلا وقال : إن حكم الحاكم المبني على الشهادة الباطلة يحل الفرج لمن كان محرما عليه ; كما تقدم في البقرة . وزعم أنه لو شهد شاهدا زور على رجل بطلاق زوجته وحكم الحاكم بشهادتهما فإن فرجها يحل لمتزوجها ممن يعلم أن القضية باطل . وقد شنع عليه بإعراضه عن هذا الحديث الصحيح الصريح ، وبأنه صان الأموال ولم ير استباحتها بالأحكام الفاسدة ، ولم يصن الفروج عن ذلك ، والفروج أحق أن يحتاط لها وتصان . وسيأتي بطلان قوله في آية اللعان إن شاء الله تعالى .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إنّ الذين يستبدلون - بتركهم عهد الله الذي عهد إليهم، ووصيته التي أوصاهم بها في الكتب التي أنزلها الله إلى أنبيائه، باتباع محمد وتصديقه والإقرار به وما جاء به من عند الله - وبأيمانهم الكاذبة التي يستحلون بها ما حرّم الله عليهم من أموال الناس التي ائتمنوا عليها (44) =" ثمنًا "، يعني عوضًا وبدلا خسيسًا من عرض الدنيا وحُطامها (45) =" أولئك لا خلاق لهم في الآخرة "، يقول: فإن الذين يفعلون ذلك لا حظ لهم في خيرات الآخرة، ولا نصيب لهم من نعيم الجنة وما أعدّ الله لأهلها فيها دون غيرهم. (46)* * *وقد بينا اختلاف أهل التأويل فيما مضى في معنى " الخلاق "، ودللنا على أولى أقوالهم في ذلك بالصواب، بما فيه الكفاية. (47)* * *وأما قوله: " ولا يكلمهم الله "، فإنه يعني: ولا يكلمهم الله بما يسرُّهم =" ولا ينظر إليهم "، يقول: ولا يعطف عليهم بخير، مقتًا من الله لهم، كقول القائل لآخر: " انظُر إليّ نَظر الله إليك "، بمعنى: تعطف عليّ تعطّف الله عليك بخير ورحمة = وكما يقال للرجل: " لا سمع الله لك دعاءَك "، يراد: لا استجاب الله لك، والله لا يخفى عليه خافية، وكما قال الشاعر: (48)دَعَوْتُ اللهَ حَتى خِفْتُ أَنْ لايَكْونَ اللهُ يَسْمَعُ مَا أَقُولُ (49)* * *وقوله " ولا يُزكيهم "، يعني: ولا يطهرهم من دَنس ذنوبهم وكفرهم =" ولهم عذاب أليم "، يعني: ولهم عذابٌ موجع. (50)* * *واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية، ومن عني بها.فقال بعضهم نزلت في أحبار من أحبار اليهود.ذكر من قال ذلك:7278 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قال: نزلت هذه الآية: " إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا "، في أبي رافع، وكنانة بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف، وحُييّ بن أخطب.* * *وقال آخرون: بل نزلت في الأشعث بن قيس وخصم له.ذكر من قال ذلك:7279 - حدثني أبو السائب سلم بن جنادة قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من حَلف على يمين هو فيها فاجرٌ ليقتطع بها مالَ امرئ مسلم، لقيَ اللهَ وهو عليه غضبان = فقال الأشعث بن قيس: فيّ والله كان ذلك: كان بيني وبين رجل من اليهود أرضٌ فجحدني، فقدّمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألك بيِّنة؟ قلت: لا! فقال لليهودي: " احلفْ. قلت: يا رسول الله، إذًا يحلف فيذهبَ مالي! فأنزل الله عز وجل: " إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا " الآية. (51)7280 - حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا جرير بن حازم، عن عدي بن عدي، عن رجاء بن حيوة والعُرس أنهما حدثاه، عن أبيه عدي بن عميرة قال: كان بين امرئ القيس ورجل من حضرموت خصومةٌ، فارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال للحضرمي: " بيِّنَتَك، وإلا فيمينه ". قال: يا رسول الله، إن حلف ذهب بأرضي! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها حقّ أخيه ، لقي الله وهو عليه غضبان. فقال امرؤ القيس: يا رسول الله، فما لمن تركها، وهو يعلم أنها حقّ؟ قال: الجنة. قال: فإني أشهدك أني قد تركتها = قال جرير: فكنت مع أيوب السختياني حين سمعنا هذا الحديث من عدي، فقال أيوب: إنّ عديًّا قال في حديث العُرْس بن عميرة: فنزلت هذه الآية: " إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا " إلى آخر الآية = قال جرير: ولم أحفظ يومئذ من عدي. (52)7281 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال آخرون: إن الأشعث بن قيس اختصم هو ورجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض كانت في يده لذلك الرجل، أخذها لتعزُّزه في الجاهلية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أقم بينتك. قال الرجل: ليس يشهد لي أحدٌ على الأشعث! قال: فلك يمينه. فقام الأشعث ليحلف، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، فنكلَ الأشعَث وقال: إني أشهد الله وأشهدكم أنّ خصمي صادق. فرد إليه أرضَه، وزاده من أرض نفسه زيادةً كثيرةً، مخافة أن يبقى في يده شيء من حقه، فهي لعقب ذلك الرجل بعده. (53)7282 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن شقيق، عن عبد الله قال: من حلف على يمين يستحقّ بها مالا هو فيها فاجرٌ، لقي الله وهو عليه غضبان، ثم أنزل الله تصديق ذلك: " إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا " الآية. ثم إن الأشعث بن قيس خَرَج إلينا فقال: ما حدثكم أبو عبد الرحمن؟ فحدثناه بما قال، فقال: صَدَق، لفيَّ أنزلت! كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " شاهداك أو يمينه. فقلت: إذًا يحلف ولا يُبالي! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من حلف على يمين يستحقّ بها مالا هو فيها فاجرٌ، لقي الله وهو عليه غضبان "، ثم أنزل الله عز وجل تصديقَ ذلك: " إنّ الذين يشترُون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا "، الآية. (54)* * *وقال آخرون بما:-7283 - حدثنا به محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الوهاب قال، أخبرني داود بن أبي هند، عن عامر: أنّ رجلا أقام سِلعته أوّل النهار، فلما كان آخرُه جاء رجل يساومه، فحلفَ لقد منعها أوّل النهار من كذا وكذا، ولولا المساء ما باعها به، فأنزل الله عز وجل: " إن الذي يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا " .7284 - حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن رجل، عن مجاهد نحوه.7285 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: (إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا) الآية، إلى: " ولهم عذاب أليم "، أنزلهم الله بمنزلة السَّحَرة.7286 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: أن عمران بن حصين كان يقول: من حَلفَ على يمين فاجرة يقتطع بها مالَ أخيه، فليتبوَّأ مقعده من النار. فقال له قائل: شيءٌ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال لهم: إنكم لتجدون ذلك. ثم قرأ هذه الآية: " إنّ الذين يشترُون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا " الآية. (55)7287 - حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال، حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن هشام قال، قال محمد، عن عمران بن حصين: من حلف على يمين مَصْبورَة فليتبوّأ بوجهه مقعده من النار. ثم قرأ هذه الآية كلها: " إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا ". (56)7288 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: إن اليمين الفاجرة من الكبائر. ثم تلا " إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا ".7289 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، أن عبد الله بن مسعود كان يقول: كنا نَرى ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ من الذنب الذي لا يُغفر: يمين الصَّبر، إذا فجر فيها صاحبها. (57)* * *------------------------الهوامش :(44) سياق الجملة: "إن الذين يستبدلون بتركهم عهد الله... وبأيمانهم الكاذبة... ثمنًا...(45) انظر تفسير"اشترى" فيما سلف 1: 311-315 ، 565 / 2: 316 ، 317 ثم 341 ، 342 ، ثم 452 / 3: 328.وانظر تفسير"ثمنًا قليلا" فيما سلف 2: 565 / 3: 328.(46) في المخطوطة والمطبوعة: "دون غيرها" ، والسياق يقتضي ما أثبت.(47) انظر ما سلف 2: 452-454 / 4: 201-203.(48) هو شمير بن الحارث الضبي ، ويقال"سمير" بالمهملة ، مصغرًا- وهو جاهلي.(49) نوادر أبي زيد: 124 ، والخزانة 2: 363 ، واللسان (سمع) ، وبعده:لِيَحْمِلَني عَلَى فَرَسٍ, فَإِنِّيضَعِيفُ المَشْيِ, لِلأَدْنَى حَمُولُو"يسمع ما أقول" ، يستجيب ، كقولنا: "سمع الله لمن حمده".(50) انظر تفسير"التزكية" فيما سلف 1: 573 ، 574 / 3: 88 / 5: 29 = و"أليم" 1: 283 / 2 : 140 ، 377 ، 469 ، 540 / 3: 330 ، وغيرها ، فاطلبه في فهارس اللغة.(51) الحديث: 7279- أبو وائل: هو شقيق بن سلمة الأسدي.وهذا الحديث في الحقيقة حديثان: أوله من حديث عبد الله بن مسعود ، وآخره في سبب نزول الآية من حديث الأشعث بن قيس.والأشعث بن قيس بن معد يكرب الكندي ، صحابي معروف.والحديث رواه أحمد: 3597 ، 4049 ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، بهذا الإسناد.ثم رواه بالإسناد نفسه ، في مسند"الأشعث بن قيس" ، ج 5 ص 211 (حلبي).وكذلك رواه البخاري 5: 53 ، 206 (فتح الباري) ، من طريق أبي معاوية.ورواه مسلم 1: 49-50 ، من طريق أبي معاوية ووكيع - كلاهما عن الأعمش.ورواه أحمد مختصرًا ، عن ابن مسعود وحده ، من أوجه أخر: 3576 ، 3946 ، 4212.ورواه أيضًا ، مختصرًا ومطولا ، في مسند الأشعث بن قيس ، من ثلاثة أوجه أخر ، ج 5 ص 211-212 (حلبي).وكذلك رواه البخاري من أوجه ، مختصرًا ومطولا ، في مواضع غير الموضعين السابقين 5: 25 ، 207 ، 211 ، و 11: 473 ، 485-490 (وهنا شرحه الحافظ شرحًا وافيًا) ، و 13: 156 ، 364.ورواه مسلم من وجهين أيضًا 1: 50.وذكره ابن كثير 2: 172: 173 ، من رواية المسند عن أبي معاوية ، ثم ذكره من روايته الأخيرة في مسند الأشعث بن قيس.وذكره السيوطي 2: 44 ، وزاد نسبته لعبد الرزاق ، وسعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وأبي داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في الشعب.وسيأتي أيضًا: 7282 ، من رواية منصور ، عن شقيق ، وهو أبو وائل ، به ، نحوه.(52) الحديث: 7280- عدي بن عدي بن عميرة الكندي: تابعي ثقة معروف ، قال البخاري في الكبير 4 / 1 / 44: "سيد أهل الجزيرة". وهو يروي عن أبيه ، ولكنه روى عنه هنا بواسطة عمه العرس بن عميرة ورجاء بن حيوة.رجاء بن حيوة - بفتح الحاء المهملة والواو بينهما تحتية ساكنة: تابعي ثقة كثير العلم والحديث. وهو من رهط امرئ القيس بن عابس الكندي صاحب هذه الحادثة. جدهما الأعلى: "امرؤ القيس ابن عمرو بن معاوية الأكرمين الكندي".العرس - بضم العين المهملة وسكون الراء وآخره سين مهملة: هو ابن عميرة الكندي ، وهو صحابي ، جزم البخاري بصحبته ، وروى له حديثًا في الكبير 4 / 1 / 87. وهو أخو عدي بن عميرة ، وعم عدي ابن عدي.عدي بن عميرة بن فروة الكندي: صحابي معروف ، يكنى"أبا زرارة" ، له أحاديث في صحيح مسلم ، كما قال الحافظ في الإصابة.و"عميرة": بفتح العين وكسر الميم ، كما نص عليه في المشتبه للذهبي وغيره. وضبط في طبقات ابن سعد 6: 36 بضمة فوق العين. وهو خطأ صرف ، فإن اسم"عميرة" بالضم - من أسماء النساء. وضبط في الطبقات على الصواب في ترجمة أخرى لعدي 7 / 2 / 176.ووقع في المخطوطة هنا"عدي بن عمير" و"العرس بن عمير" - بدون هاء في آخره فيهما. وهو خطأ.والحديث رواه أحمد في المسند 4: 191-192 (حلبي) ، عن يحيى بن سعيد ، عن جرير ابن حازم ، بهذا الإسناد ، نحوه.ثم رواه ، ص: 192 ، عن يزيد ، وهو ابن هارون ، "حدثنا جرير بن حازم" ، بهذا الإسناد. ولم يذكر لفظ الحديث كله. ووقع في نسخة المسند المطبوعة في هذا الموضع سقط قول أحمد: "حدثنا يزيد" ، وهو خطأ واضح. وثبت على الصواب في مخطوطة المسند المرموز لها بحرف"م".وذكره ابن كثير 2: 172 ، من رواية المسند الأولى ، ثم قال: "ورواه النسائي ، من حديث عدي بن عدي ، به" ، وهو يريد بذلك السنن الكبرى ، فإنه ليس في السنن الصغرى.ولذلك ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 4: 178 ، وقال: "رواه أحمد ، والطبراني في الكبير ، ورجالهما ثقات".وهو في الدر المنثور 2: 44 ، وزاد نسبته لعبد بن حميد ، وابن المنذر ، والبيهقي في الشعب ، وابن عساكر.(53) الحديث: 7281- هذا حديث مرسل ، لم يذكر ابن جريج من حدثه به. فهو ضعيف الإسناد.وقول ابن جريج"قال آخرون" - هو ثابت في المخطوطة والمطبوعة. ولم يذكره السيوطي ، فلعله اختصره.ومعناه أن ابن جريج كان يتحدث في شأن نزول الآية ، والظاهر أنه تحدث بخبر قبل هذا ، ثم قال: "وقال آخرون" - فذكر هذا الحديث. ولعله ذكر الآية الماضية: 7279- ، أو الآتية: 7282 ، أو نحو ذلك ، ثم أتى بروايته هذه المرسلة.وهي ضعيفة الإسناد كما قلنا لإرسالها. ثم هي ضعيفة لما فيها من منافاة لتينك الروايتين الصحيحتين:أن الخصومة كانت بين الأشعث ورجل يهودي ، وأن اليهودي كان المدعى عليه الذي عليه اليمين ، وأن الأشعث قال: "إذن يحلف". فهي ضعيفة الإسناد ، ضعيفة السياق.وهذه الرواية ذكرها السيوطي 2: 44 ، ولم ينسبها لغير الطبري.وقوله: "فقام الأشعث ليحلف" - هذا هو الثابت في المطبوعة ، وهو الصواب إن شاء الله. وفي المخطوطة: "فحلف" ، وهو خطأ ، يدل على غلطه قوله بعد"فنكل". والنكول إنما يكون عند عرض اليمين أو الهم بالحلف. أما بعد الحلف فلا يكون نكول ، بل رجوع إلى الحق ، أو إقرار به ، ولا يسمى نكولا. وفي الدر المنثور: "فقال الأشعث: نحلف" - والظاهر أنه تصحيف.(54) الحديث: 7282- جرير: هو ابن عبد الحميد الضبي. ومنصور: هو ابن المعتمر. وشقيق: هو أبو وائل.وهذا الحديث هو الحديث السابق: 7279 ، بنحوه. ذاك من رواية الأعمش عن أبي وائل ، وهذا من رواية منصور عن أبي وائل. وقد بينا تخريجه هناك.ونذكر هنا أن من روايات البخاري إياه ، روايته في 5: 207 (فتح) ، عن عثمان بن أبي شيبة ، عن جرير بهذا الإسناد.وكذلك رواه مسلم 1: 50 ، عن إسحاق بن إبراهيم -وهو ابن راهويه- عن جرير ، به ، ولم يذكر لفظه.ورواه أحمد في المسند 5: 211 (حلبي) ، عن زياد البكائي عن منصور.ورواه البخاري 11: 473 ، من طريق شعبة ، عن سليمان - وهو الأعمش - ومنصور ، كلاهما عن أبي وائل.ورواه أيضًا 13: 156 ، من طريق سفيان ، وهو الثوري عن منصور.(55) الحديث: 7286- هذا إسناد مرسل ، قتادة -وهو ابن دعامة-: لم يدرك عمران ابن حصين ، مات عمران سنة 52 ، وولد قتادة سنة 61.وسيأتي الحديث عقب هذا بإسناد آخر متصل.(56) الحديث: 7287- موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، وحسين بن علي الجعفي: ترجمنا لهما فيما مضى: 174.زائدة: هو ابن قدامة الثقفي ، مضى في: 4897.هشام: هو ابن حسان.محمد: هو ابن سيرين. ووقع هنا في المخطوطة والمطبوعة: "قال محمد بن عمران بن حصين"! وهو خطأ صرف ، حرفت كلمة"عن" إلى"بن". والصواب ما أثبتنا: "محمد ، عن عمران بن حصين". وهكذا مخرج الحديث ، كما سيأتي.وهذا الحديث ظاهره هنا أنه موقوف. ولكنه في الحقيقة مرفوع ، حتى لو كان موقوفًا لفظًا ، فإنه - على اليقين- مرفوع حكمًا ، لأن الوعيد الذي فيه ليس مما يعرف بالرأي ولا القياس ، ولا مما يدرك بالاستنباط من القرآن. ثم قد ثبت رفعه صريحًا ، من هذا الوجه:فرواه أحمد في المسند 4: 436 ، 441 ، عن يزيد ، وهو ابن هارون: "أخبرنا هشام ، عن محمد ، عن عمران بن حصين ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: "من حلف على يمين كاذبة مصبورة متعمدًا فليتبوأ بوجهه مقعده من النار". ولم يذكر فيه الاستشهاد بالآية.وكذلك رواه أبو داود: 3242 ، عن محمد بن الصباح البزاز ، عن يزيد بن هارون به ، نحوه.وكذلك رواه الحاكم في المستدرك 4: 294 ، من طريق يزيد بن هارون ، به. وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.وذكره المنذري في الترغيب والترهيب 3: 47 ، من رواية أبي داود والحاكم.وذكره السيوطي 2: 46 ، بنحو رواية الطبري هنا: موقوفًا لفظًا مع الاستشهاد بالآية - ونسبه لعبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وأبي داود ، وابن جرير ، والحاكم ، مع اختلاف السياق بين الروايتين ، كما هو ظاهر. وذلك منه دلالة على أنه لا فرق بين رفعه ووقفه لفظًا ، إذ كان مرفوعًا حكمًا ولا بد."اليمين المصبورة" و"يمين الصبر" - قال القاضي عياض في المشارق 2: 38"من الحبس والقهر" ، بمعنى"إلزامها والإجبار عليها".وقال الخطابي في معالم السنن ، رقم: 3115 من تهذيب السنن: "اليمين المصبورة ، هي اللازمة لصاحبها من جهة الحكم ، فيصبر من أجلها ، أي يحبس. وهي يمين الصبر ، وأصل الصبر: الحبس. ومن هذا قولهم: قتل فلان صبرًا ، أي حبسًا على القتل وقهرًا عليه".(57) الحديث: 7289- هذا إسناد مرسل. فإن قتادة لم يدرك ابن مسعود. ولد بعد موته بنحو 29 سنة.والحديث لم أجده إلا عند السيوطي 2: 46 ونسبه لابن جرير فقط.