السبت، ١٦ مايو ٢٠٢٦
السبت، ١٦ مايو ٢٠٢٦
facebookinstagramtwitter

عرض بالصفحات

Basmala
سُورَةُ الفَجۡرِسُورَةُ البَلَدِ
تفسير سُورَةُ الفَجۡرِ
وَجِاْيٓءَ يَوۡمَئِذِۭ بِجَهَنَّمَۚ يَوۡمَئِذٖ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكۡرَىٰ  ٢٣
التفسير الميسرما هكذا ينبغي أن يكون حالكم. فإذا زلزلت الأرض وكَسَّر بعضُها بعضًا، وجاء ربُّك لفصل القضاء بين خلقه، والملائكة صفوفًا صفوفًا، وجيء في ذلك اليوم العظيم بجهنم، يومئذ يتعظ الكافر ويتوب، وكيف ينفعه الاتعاظ والتوبة، وقد فرَّط فيهما في الدنيا، وفات أوانهما؟
تفسير السعدي وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ تقودها الملائكة بالسلاسل.فإذا وقعت هذه الأمور ف يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ ما قدمه من خير وشر. وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى فقد فات أوانها، وذهب زمانها.
تفسير ابن كثيروقوله : ( وجيء يومئذ بجهنم ) قال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه : حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، حدثنا أبي ، عن العلاء بن خالد الكاهلي ، عن شقيق ، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام ، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها " .وهكذا رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، عن عمر بن حفص ، به ورواه أيضا عن عبد بن حميد ، عن أبي عامر ، عن سفيان الثوري ، عن العلاء بن خالد ، عن شقيق بن سلمة - وهو أبو وائل - عن عبد الله بن مسعود ، قوله ولم يرفعه وكذا رواه ابن جرير ، عن الحسن بن عرفة ، عن مروان بن معاوية الفزاري ، عن العلاء بن خالد ، عن شقيق ، عن عبد الله ، قوله .وقوله : ( يومئذ يتذكر الإنسان ) أي : عمله وما كان أسلفه في قديم دهره وحديثه ، ( وأنى له الذكرى ) أي : وكيف تنفعه الذكرى ؟
تفسير القرطبيوجيء يومئذ بجهنم قال ابن مسعود ومقاتل : تقاد جهنم بسبعين ألف زمام ، كل زمام بيد سبعين ألف ملك ، لها تغيظ وزفير ، حتى تنصب عن يسار العرش . وفي صحيح ، مسلم عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يؤتى بجهنم ، لها سبعون ألف زمام ، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها . وقال أبو سعيد الخدري : لما نزلت وجيء يومئذ بجهنم تغير لون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعرف في وجهه . حتى اشتد على أصحابه ، ثم قال : " أقرأني جبريل كلا إذا دكت الأرض دكا دكا الآية وجيء يومئذ بجهنم " . قال علي - رضي الله عنه - : قلت : يا رسول الله ، كيف يجاء بها ؟ قال : " تؤتى بها تقاد بسبعين ألف زمام ، يقود بكل زمام سبعون ألف ملك ، فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع ثم تعرض لي جهنم فتقول : ما لي ولك يا محمد ، إن الله قد حرم لحمك علي " فلا يبقى أحد إلا قال نفسي نفسي ! إلا محمد - صلى الله عليه وسلم - فإنه يقول : رب أمتي ! رب أمتي !قوله تعالى : يومئذ يتذكر الإنسان أي يتعظ ويتوب . وهو الكافر ، أو من همته معظم الدنيا .وأنى له الذكرى أي ومن أين له الاتعاظ والتوبة وقد فرط فيها في الدنيا . ويقال : أي ومن أين له منفعة الذكرى . فلا بد من تقدير حذف المضاف ، وإلا فبين يومئذ يتذكر وبين وأنى له الذكرى تناف ، قاله الزمخشري .
تفسير الطبريوقوله: ( وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ) يقول تعالى ذكره: وجاء الله يومئذ بجهنم.كما حدثنا الحسن بن عرفة قال: ثنا مروان الفزاريّ، عن العلاء بن خالد الأسديّ، عن شقيق بن سلمة، قال: قال عبد الله بن مسعود، في قوله: ( وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ) قال: جيء بها تُقاد بسبعين ألف زمام، مع كلّ زمام سبعون ألف ملك يقودونها.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل ( وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ) قال: يُجاء بها يوم القيامة تُقاد بسبعين ألف زمام، مع كلّ زمام سبعون ألف ملك.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو بن قيس، عن قتادة، قال: جَنْبتيه: الجنة والنار؛ قال: هذا حين ينزل من عرشه إلى كرسيه لحساب خلقه، وقرأ: ( وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ) .حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ) قال: جيء بها مزمومة.وقوله: ( يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسَانُ ) يقول تعالى ذكره: يومئذ يتذكر الإنسان تفريطه في الدنيا في طاعة الله، وفيما يقرّب إليه من صالح الأعمال ( وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ) يقول: من أيّ وجه له التذكير.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ) يقول: وكيف له
يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي قَدَّمۡتُ لِحَيَاتِي  ٢٤
التفسير الميسريقول: يا ليتني قدَّمتُ في الدنيا من الأعمال ما ينفعني لحياتي في الآخرة.
تفسير السعدييقول متحسرًا على ما فرط في جنب الله: يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي الدائمة الباقية، عملًا صالحًا، كما قال تعالى: يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا .وفي الآية دليل على أن الحياة التي ينبغي السعي في أصلها وكمالها ، وفي تتميم لذاتها، هي الحياة في دار القرار، فإنها دار الخلد والبقاء.
تفسير ابن كثير( يقول ياليتني قدمت لحياتي ) يعني : يندم على ما كان سلف منه من المعاصي - إن كان عاصيا - ويود لو كان ازداد من الطاعات - إن كان طائعا - كما قال الإمام أحمد بن حنبل :حدثنا علي بن إسحاق ، حدثنا عبد الله - يعني ابن المبارك - حدثنا ثور بن يزيد ، عن خالد بن معدان ، عن جبير بن نفير ، عن محمد بن أبي عميرة - وكان من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لو أن عبدا خر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرما في طاعة الله ، لحقره يوم القيامة ، ولود أنه يرد إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب .ورواه بحير بن سعد ، عن خالد بن معدان ، عن عتبة بن عبد ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
تفسير القرطبيقوله تعالى : يقول ياليتني قدمت لحياتيأي في حياتي . فاللام بمعنى في . وقيل : أي قدمت عملا صالحا لحياتي ، أي لحياة لا موت فيها . وقيل : حياة أهل النار ليست هنيئة ، فكأنهم لا حياة لهم فالمعنى : يا ليتني قدمت من الخير لنجاتي من النار ، فأكون فيمن له حياة هنيئة .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24)وقوله: ( يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ) يقول تعالى ذكره مخبرا عن تلهُّف ابن آدم يوم القيامة، وتندّمه على تفريطه في الصَّالِحات من الأعمال في الدنيا التي تورثه بقاء الأبد في نعيم لا انقطاع له، يا ليتني قدمت لحياتي في الدنيا من صالح الأعمال لحياتي هذه، التي لا موت بعدها، ما ينجيني من غضب الله، ويوجب لي رضوانه.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هَوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي قال: علم الله أنه صادق، هناك حياة طويلة لا موت فيها آخر ما عليه.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ) هُناكُم والله الحياة الطويلة.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ) قال: الآخرة.
فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ أَحَدٞ  ٢٥
التفسير الميسرففي ذلك اليوم العصيب لا يستطيع أحدٌ ولا يقدر أن يُعذِّبَ مثل تعذيب الله من عصاه، ولا يستطيع أحد أن يوثِقَ مثل وثاق الله، ولا يبلغ أحدٌ مبلغه في ذلك.
تفسير السعدي فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ لمن أهمل ذلك اليوم ونسي العمل له.
تفسير ابن كثيرأي ليس أحد أشد عذابا من تعذيب الله من عصاه.
تفسير القرطبيقوله تعالى : فيومئذ لا يعذب عذابه أحد أي لا يعذب كعذاب الله أحد ، ولا يوثق كوثاقه أحد . والكناية ترجع إلى الله تعالى . وهو قول ابن عباس والحسن . وقرأ الكسائي ( لا يعذب ) ( ولا يوثق ) بفتح الذال والثاء ، أي لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله الكافر يومئذ ، ولا يوثق كما يوثق الكافر . والمراد إبليس ; لأن الدليل قام على أنه أشد الناس عذابا ، لأجل إجرامه فأطلق الكلام لأجل ما صحبه من التفسير . وقيل : إنه أمية بن خلف حكاه الفراء . يعني أنه لا يعذب كعذاب هذا الكافر المعين أحد ، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال كوثاقه أحد لتناهيه في كفره وعناده . وقيل : أي لا يعذب مكانه أحد ، فلا يؤخذ منه فداء . والعذاب بمعنى التعذيب ، والوثاق بمعنى الإيثاق . ومنه قول الشاعر :[ أكفرا بعد رد الموت عني ] وبعد عطائك المائة الرتاعاوقيل : لا يعذب أحد ليس بكافر عذاب الكافر . واختار أبو عبيد وأبو حاتم فتح الذال والثاء . وتكون الهاء ضمير الكافر ; لأن ذلك معروف : أنه لا يعذب أحد كعذاب الله . وقد روى أبو قلابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قرأ بفتح الذال والثاء . وروي أن أبا عمرو رجع إلى قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال أبو علي : يجوز أن يكون الضمير للكافر على قراءة الجماعة أي لا يعذب أحد أحدا مثل تعذيب هذا الكافر فتكون الهاء للكافر . والمراد ب أحد الملائكة الذين يتولون تعذيب أهل النار .
تفسير الطبريوقوله: (فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) أجمعت القرّاء قرّاء الأمصار في قراءة ذلك على كسر الذال من يعذّب، والثاء من يوثق، خلا الكسائي، &; 24-422 &; فإنه قرأ ذلك بفتح الذال والثاء اعتلالا منه بخبر - رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأه كذلك - واهي الإسناد.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن خارجة، عن خالد الحذّاء، عن أبي قِلابة، قال: ثني من أقرأه النبيّ صلى الله عليه وسلم ( فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ) .والصواب من القول في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار، وذلك كسر الذال والثاء لإجماع الحجة من القرّاء عليه. فإذَا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: فيومئذ لا يعذَّب بعذاب الله أحد في الدنيا، ولا يوثق كوثاقه يومئذ أحد في الدنيا. وكذلك تأوّله قارئو ذلك كذلك من أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ) ولا يوثِق كوثاق الله أحد.حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن (فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) قال: قد علم الله أن في الدنيا عذابا وَوَثاقا، فقال: فيومئذ لا يعذّب عذابه أحد في الدنيا، ولا يُوثِق وثاقه أحد في الدنيا.وأما الذي قرأ ذلك بالفتح، فإنه وجَّه تأويله إلى: فيومئذ لا يعذَّب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد في الدنيا كوثاقه يومئذ. وقد تأوّل ذلك بعض من قرأ ذلك كذلك بالفتح من المتأخرين، فيومئذ لا يعذَّب عذاب الكافر أحَد ولا يُوثَق وثاق الكافر أحد. وقال: كيف يجوز الكسر، ولا معذّب يومئذ سوى الله وهذا من التأويل غلط؛ لأن أهل التأويل تأوّلوه بخلاف ذلك، مع إجماع الحجة من القرّاء على قراءته بالمعنى الذي جاء به تأويل أهل التأويل، وما أحسبه دعاه إلى قراءة ذلك كذلك، إلا ذهابه عن وجه صحته في التأويل.
وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُۥٓ أَحَدٞ  ٢٦
التفسير الميسرففي ذلك اليوم العصيب لا يستطيع أحدٌ ولا يقدر أن يُعذِّبَ مثل تعذيب الله من عصاه، ولا يستطيع أحد أن يوثِقَ مثل وثاق الله، ولا يبلغ أحدٌ مبلغه في ذلك.
تفسير السعدي وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ فإنهم يقرنون بسلاسل من نار، ويسحبون على وجوههم في الحميم، ثم في النار يسجرون، فهذا جزاء المجرمين.
تفسير ابن كثيرأي وليس أحد أشد قبضا ووثقا من الزبانية لمن كفر بربهم عز وجل وهذا في حق المجرمين من الخلائق والظالمين.
تفسير القرطبيولا يوثق كوثاقه أحد . والكناية ترجع إلى الله تعالى . وهو قول ابن عباس والحسن . وقرأ الكسائي ( لا يعذب ) ( ولا يوثق ) بفتح الذال والثاء ، أي لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله الكافر يومئذ ، ولا يوثق كما يوثق الكافر . والمراد إبليس ; لأن الدليل قام على أنه أشد الناس عذابا ، لأجل إجرامه فأطلق الكلام لأجل ما صحبه من التفسير . وقيل : إنه أمية بن خلف حكاه الفراء . يعني أنه لا يعذب كعذاب هذا الكافر المعين أحد ، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال كوثاقه أحد لتناهيه في كفره وعناده . وقيل : أي لا يعذب مكانه أحد ، فلا يؤخذ منه فداء . والعذاب بمعنى التعذيب ، والوثاق بمعنى الإيثاق . ومنه قول الشاعر :[ أكفرا بعد رد الموت عني ] وبعد عطائك المائة الرتاعاوقيل : لا يعذب أحد ليس بكافر عذاب الكافر . واختار أبو عبيد وأبو حاتم فتح الذال والثاء . وتكون الهاء ضمير الكافر ; لأن ذلك معروف : أنه لا يعذب أحد كعذاب الله . وقد روى أبو قلابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قرأ بفتح الذال والثاء . وروي أن أبا عمرو رجع إلى قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال أبو علي : يجوز أن يكون الضمير للكافر على قراءة الجماعة أي لا يعذب أحد أحدا مثل تعذيب هذا الكافر فتكون الهاء للكافر . والمراد ب أحد الملائكة الذين يتولون تعذيب أهل النار .
تفسير الطبريوقوله: (فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) أجمعت القرّاء قرّاء الأمصار في قراءة ذلك على كسر الذال من يعذّب، والثاء من يوثق، خلا الكسائي، فإنه قرأ ذلك بفتح الذال والثاء اعتلالا منه بخبر - رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأه كذلك - واهي الإسناد.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن خارجة، عن خالد الحذّاء، عن أبي قِلابة، قال: ثني من أقرأه النبيّ صلى الله عليه وسلم ( فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ) .والصواب من القول في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار، وذلك كسر الذال والثاء لإجماع الحجة من القرّاء عليه. فإذَا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: فيومئذ لا يعذَّب بعذاب الله أحد في الدنيا، ولا يوثق كوثاقه يومئذ أحد في الدنيا. وكذلك تأوّله قارئو ذلك كذلك من أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ) ولا يوثِق كوثاق الله أحد.حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن (فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) قال: قد علم الله أن في الدنيا عذابا وَوَثاقا، فقال: فيومئذ لا يعذّب عذابه أحد في الدنيا، ولا يُوثِق وثاقه أحد في الدنيا.وأما الذي قرأ ذلك بالفتح، فإنه وجَّه تأويله إلى: فيومئذ لا يعذَّب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد في الدنيا كوثاقه يومئذ. وقد تأوّل ذلك بعض من قرأ ذلك كذلك بالفتح من المتأخرين، فيومئذ لا يعذَّب عذاب الكافر أحَد ولا يُوثَق وثاق الكافر أحد. وقال: كيف يجوز الكسر، ولا معذّب يومئذ سوى الله وهذا من التأويل غلط؛ لأن أهل التأويل تأوّلوه بخلاف ذلك، مع إجماع الحجة من القرّاء على قراءته بالمعنى الذي جاء به تأويل أهل التأويل، وما أحسبه دعاه إلى قراءة ذلك كذلك، إلا ذهابه عن وجه صحته في التأويل.
يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ  ٢٧
التفسير الميسريا أيتها النفس المطمئنة إلى ذِكر الله والإيمان به، وبما أعدَّه من النعيم للمؤمنين، ارجعي إلى ربك راضية بإكرام الله لك، والله سبحانه قد رضي عنك، فادخلي في عداد عباد الله الصالحين، وادخلي معهم جنتي.
تفسير السعديوأما من اطمأن إلى الله وآمن به وصدق رسله، فيقال له: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ إلى ذكر الله، الساكنة [إلى] حبه، التي قرت عينها بالله.
تفسير ابن كثيروهي الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق.
تفسير القرطبيقوله تعالى : ياأيتها النفس المطمئنة لما ذكر حال من كانت همته الدنيا فاتهم الله في إغنائه ، وإفقاره ، ذكر حال من اطمأنت نفسه إلى الله تعالى . فسلم لأمره ، واتكل عليه . وقيل : هو من قول الملائكة لأولياء الله - عز وجل - . والنفس المطمئنة " الساكنة الموقنة أيقنت أن الله ربها ، فأخبتت لذلك قاله مجاهد وغيره . وقال ابن عباس : أي المطمئنة بثواب الله . وعنه المؤمنة . وقال الحسن : المؤمنة الموقنة . وعن مجاهد أيضا : الراضية بقضاء الله ، التي علمت أن ما أخطأها لم يكن ليصيبها ، وأن ما أصابها لم يكن ليخطئها . وقال مقاتل : الآمنة من عذاب الله . وفي حرف أبي بن كعب ( يأيتها النفس الآمنة المطمئنة ) . وقيل : التي عملت على يقين بما وعد الله في كتابه . وقال ابن كيسان : المطمئنة هنا : المخلصة . وقال ابن عطاء : العارفة التي لا تصبر عنه طرفة عين . وقيل : المطمئنة بذكر الله تعالى بيانه الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله . وقيل : المطمئنة بالإيمان ، المصدقة بالبعث والثواب . وقال ابن زيد : المطمئنة ; لأنها بشرت بالجنة عند الموت ، وعند البعث ، ويوم الجمع . وروى عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : يعني نفس حمزة . والصحيح أنها عامة في كل نفس مؤمن مخلص طائع .قال الحسن البصري : إن الله تعالى إذا أراد أن يقبض روح عبده المؤمن ، اطمأنت النفس إلى الله تعالى ، واطمأن الله إليها . وقال عمرو بن العاص : إذا توفي المؤمن أرسل الله إليه ملكين ، وأرسل معهما تحفة من الجنة ، فيقولان لها : اخرجي أيتها النفس المطمئنة راضية مرضية ، ومرضيا عنك ، اخرجي إلى روح وريحان ، ورب راض غير غضبان ، فتخرج كأطيب ريح المسك وجد أحد من أنفه على ظهر الأرض . وذكر الحديث . وقال سعيد بن زيد : قرأ رجل عند النبي - صلى الله عليه وسلم - يا أيتها النفس المطمئنة ، فقال أبو بكر : ما أحسن هذا يا رسول الله فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إن الملك يقولها لك يا أبا بكر " .وقال سعيد بن جبير : مات ابن عباس بالطائف ، فجاء طائر لم ير على خلقته طائر قط ، فدخل نعشه ، ثم لم ير خارجا منه ، فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر - لا يدرى من تلاها - : يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية . وروى الضحاك أنها نزلت في عثمان بن عفان - رضي الله عنه - حين وقف بئر رومة . وقيل : نزلت في خبيب بن عدي الذي صلبه أهل مكة ، وجعلوا وجهه إلى المدينة فحول الله وجهه نحو القبلة . والله أعلم .
تفسير الطبريوقوله: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةَ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً) يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الملائكة لأوليائه يوم القيامة: يا أيتها النفس المطمئنة، يعني بالمطمئنة: التي اطمأنت إلى وعد الله الذي وعد أهل الإيمان به في الدنيا من الكرامة في الآخرة، فصدّقت بذلك.وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك فقال بعضهم نحو الذي قلنا فيه.* ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ) يقول: المصدّقة.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ) هو المؤمن اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله.حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة والحسن، في قوله: ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ) قال: المطمئنة إلى ما قال الله، والمصدّقة بما قال.وقال آخرون: بل معنى ذلك: المصدّقة الموقِنة بأن الله ربها، المسلمة لأمره فيما هو فاعل بها.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ) قال: النفس التي أيقنت أن الله ربها، وضربت جأشا لأمره وطاعته.حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ) قال: أيقنت بأن الله ربها، وضربت لأمره جأشا.حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ) قال: المنيبة المخبتة التي قد أيقنت أن الله ربها، وضربت لأمره جأشا.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ) قال: أيقنت بأن الله ربها، وضربت لأمره جأشا.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( المُطْمَئِنَّةُ ) قال: المُخبِتة والمطمئنة إلى الله.حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ) قال: التي قد أيقنت بأن الله ربها، وضربت لأمره جأشا.حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُليَّة، قال: ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ) قال: المخبِتة.حدثني سعيد بن الرييع الرازيّ، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد &; 24-424 &; ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ) قال: التي أيقنت بلقاء الله، وضربت له جأشا.وُذكر أن ذلك في قراءة أُبيّ( يا أيَّتُها النَّفْسُ الآمِنَةُ ) .* ذكر الرواية بذلك:حدثنا خلاد بن أسلم قال: أخبرنا النضر، عن هارون القاري قال: ثني هلال، عن أبي شيخ الهنائي في قراءة أُبيّ( يا أيَّتُها النَّفْسُ الآمِنَةُ المُطْمَئِنَّةُ ) وقال الكلبي: إن الآمنة في هذا الموضع، يعني به: المؤمنة.وقيل: إن ذلك قول الملك للعبد عند خروج نفسه مبشرة برضا ربه عنه، وإعداده ما أعدّ له من الكرامة عنده.* ذكر من قال ذلك:حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن جعفر، عن سعيد، قال: قُرئت: ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ *ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً) عند النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: إن هذا لحسن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما إنَّ المَلَكَ سَيَقُولُهَا لَكَ عِنْدَ المَوتِ".حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح ( ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ) قال هذا عند الموت ( فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ) قال هذا يوم القيامة.وقال آخرون في ذلك بما حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن أُسامة بن زيد، عن أبيه في قوله: ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ) قال: بُشِّرت بالجنة عند الموت، ويوم الجمع، وعند البعث.
ٱرۡجِعِيٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةٗ مَّرۡضِيَّةٗ  ٢٨
التفسير الميسريا أيتها النفس المطمئنة إلى ذِكر الله والإيمان به، وبما أعدَّه من النعيم للمؤمنين، ارجعي إلى ربك راضية بإكرام الله لك، والله سبحانه قد رضي عنك، فادخلي في عداد عباد الله الصالحين، وادخلي معهم جنتي.
تفسير السعدي ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ الذي رباك بنعمته، وأسدى عليك من إحسانه ما صرت به من أوليائه وأحبابه رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً أي: راضية عن الله، وعن ما أكرمها به من الثواب، والله قد رضي عنها.
تفسير ابن كثيرأي إلى جواره وثوابه وما أعد لعباده في جنته راضية أي في نفسها مرضية أي قد رضيت عن الله ورضي عنها وأرضاها.
تفسير القرطبيمعنى إلى ربك أي إلى صاحبك وجسدك قاله ابن عباس وعكرمة وعطاء . واختاره الطبري ودليله قراءة ابن عباس فادخلي في عبدي على التوحيد ، فيأمر الله تعالى الأرواح غدا أن ترجع إلى الأجساد . وقرأ ابن مسعود ( في جسد عبدي ) . وقال الحسن : ارجعي إلى ثواب ربك وكرامته . وقال أبو صالح : المعنى : ارجعي إلى الله . وهذا عند الموت .
تفسير الطبريوقوله: ( ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ ) اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: هذا خبر من الله جلّ ثناؤه عن قيل الملائكة لنفس المؤمن عند البعث، تأمرها أن ترجع في جسد صاحبها؛ قالوا: وعُنِيَ بالردّ هاهنا صاحبها.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً) قال: تردّ الأرواح المطمئنة يوم القيامة في الأجساد.حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي) يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد، فيأتون الله كما خلقهم أول مرّة.حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، عن عكرِمة في هذه الآية ( ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ) إلى الجسد.وقال آخرون: بل يقال ذلك لها عند الموت.* ذكر من قال ذلك:
فَٱدۡخُلِي فِي عِبَٰدِي  ٢٩
التفسير الميسريا أيتها النفس المطمئنة إلى ذِكر الله والإيمان به، وبما أعدَّه من النعيم للمؤمنين، ارجعي إلى ربك راضية بإكرام الله لك، والله سبحانه قد رضي عنك، فادخلي في عداد عباد الله الصالحين، وادخلي معهم جنتي.
تفسير السعدي فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي وهذا تخاطب به الروح يوم القيامة، وتخاطب به حال الموت [والحمد لله رب العالمين].
تفسير ابن كثيرأي في جملتهم.
تفسير القرطبيفادخلي في عبادي أي في أجساد عبادي دليله قراءة ابن عباس وابن مسعود . قال ابن عباس : هذا يوم القيامة وقاله الضحاك . والجمهور على أن الجنة هي دار الخلود التي هي مسكن الأبرار ، ودار الصالحين والأخيار . ومعنى في عبادي أي في الصالحين من عبادي كما قال : لندخلنهم في الصالحين . وقال الأخفش : في عبادي أي في حزبي والمعنى واحد . أي انتظمي في سلكهم .
تفسير الطبريحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح ( ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ) قال: هذا عند الموت ( فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ) قال: هذا يوم القيامة.وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي ذكرناه عن ابن عباس والضحاك، أن ذلك إنما يقال لهم عند ردّ الأرواح في الأجساد يوم البعث لدلالة قوله: (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي).اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: فادخلي في عبادي الصالحين، وادخلي جنتي.* ذكر من قال ذلك:
وَٱدۡخُلِي جَنَّتِي  ٣٠
التفسير الميسريا أيتها النفس المطمئنة إلى ذِكر الله والإيمان به، وبما أعدَّه من النعيم للمؤمنين، ارجعي إلى ربك راضية بإكرام الله لك، والله سبحانه قد رضي عنك، فادخلي في عداد عباد الله الصالحين، وادخلي معهم جنتي.
تفسير السعدي فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي وهذا تخاطب به الروح يوم القيامة، وتخاطب به حال الموت [والحمد لله رب العالمين].
تفسير ابن كثير( وادخلي جنتي ) وهذا يقال لها عند الاحتضار ، وفي يوم القيامة أيضا ، كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره وعند قيامه من قبره ، وكذلك هاهنا .ثم اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية ، فروى الضحاك ، عن ابن عباس : نزلت في عثمان بن عفان . وعن بريدة بن الحصيب : نزلت في حمزة بن عبد المطلب ، رضي الله عنه .وقال العوفي ، عن ابن عباس : يقال للأرواح المطمئنة يوم القيامة : ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك ) يعني : صاحبك ، وهو بدنها الذي كانت تعمره في الدنيا ، ( راضية مرضية )وروي عنه أنه كان يقرؤها : " فادخلي في عبدي وادخلي جنتي " . وكذا قال عكرمة والكلبي ، واختاره ابن جرير ، وهو غريب ، والظاهر الأول ; لقوله : ( ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ) [ الأنعام : 62 ] ( وأن مردنا إلى الله ) [ غافر : 43 ] أي : إلى حكمه والوقوف بين يديه .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي ، حدثنا أبي ، عن أبيه ، عن أشعث ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية ) قال : نزلت وأبو بكر جالس ، فقال : يا رسول الله ، ما أحسن هذا . فقال : " أما إنه سيقال لك هذا " .ثم قال : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا ابن يمان ، عن أشعث ، عن سعيد بن جبير قال : قرأت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية ) فقال أبو بكر ، رضي الله عنه : إن هذا حسن . فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أما إن الملك سيقول لك هذا عند الموت " .وكذا رواه ابن جرير ، عن أبي كريب ، عن ابن يمان ، به . وهذا مرسل حسن .ثم قال ابن أبي حاتم : وحدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا مروان بن شجاع الجزري ، عن سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير قال : مات ابن عباس بالطائف ، فجاء طير لم ير على خلقه فدخل نعشه ، ثم لم ير خارجا منه فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر ، ما يدرى من تلاها : ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ) .رواه الطبراني عن عبد الله بن أحمد عن أبيه ، عن مروان بن شجاع ، عن سالم بن عجلان الأفطس ، به فذكره .وقد ذكر الحافظ محمد بن المنذر الهروي - المعروف بشكر - في كتاب " العجائب " بسنده عن قباث بن رزين أبي هاشم قال : أسرت في بلاد الروم ، فجمعنا الملك وعرض علينا دينه ، على أن من امتنع ضربت عنقه . فارتد ثلاثة ، وجاء الرابع فامتنع ، فضربت عنقه ، وألقي رأسه في نهر هناك ، فرسب في الماء ثم طفا على وجه الماء ، ونظر إلى أولئك الثلاثة فقال : يا فلان ، ويا فلان ، ويا فلان - يناديهم بأسمائهم - قال الله تعالى في كتابه : ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ) ثم غاص في الماء ، [ قال ] فكادت النصارى أن يسلموا ، ووقع سرير الملك ، ورجع أولئك الثلاثة إلى الإسلام . قال : وجاء الفداء من عند الخليفة أبي جعفر المنصور فخلصنا .وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة رواحة بنت أبي عمرو الأوزاعي ، عن أبيها : حدثني سليمان بن حبيب المحاربي ، حدثني أبو أمامة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل : " قل اللهم ، إني أسألك نفسا بك مطمئنة ، تؤمن بلقائك ، وترضى بقضائك ، وتقنع بعطائك "ثم روى عن أبي سليمان بن زبر أنه قال : حديث رواحة هذا واحد أمه .آخر تفسير سورة " الفجر " ولله الحمد [ والمنة ] .
تفسير القرطبيوادخلي جنتي معهم .
تفسير الطبريحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ) قال: ادخلي في عبادي الصالحين ( وَادْخُلِي جَنَّتِي ) .وقال آخرون: معنى ذلك: فادْخُلِي فِي طاعَتِي وادْخُلِي جَنَّتِي .* ذكر من قال ذلك:حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن نعيم بن ضمضم، عن محمد بن مزاحم أخي الضحاك بن مُزاحم ( فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ) قال: في طاعتي ( وَادْخُلِي جَنَّتِي ) قال: في رحمتي.وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يوجِّه معنى قوله: ( فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ) إلى: فادخلي في حزبي.وكان بعض أهل العربية من أهل الكوفة يتأوّل ذلك ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ) بالإيمان والمصدقة بالثواب والبعث ارجعي، تقول لهم الملائكة: إذا أُعطوا كتبهم بأيمانهم ( ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ ) إلى ما أعدّ الله لك من الثواب؛ قال: وقد يكون أن تقول لهم: شِبْه هذا القول ينوون ارجعوا من الدنيا إلى هذا المرجع؛ قال: وأنت تقول للرجل ممن أنت؟ فيقول: مُضَريّ، فتقول: كن تميميا أو قيسيا، أي: أنت من أحد هذين، فتكون كن صلة، كذلك الرجوع يكون صلة، لأنه قد صار إلى يوم القيامة، فكان الأمر بمعنى الخبر، كأنه قال: أيتها النفس أنت راضية مرضية.وقد رُوي عن بعض السلف أنه كان يقرأ ذلك: ( فادْخُلِي فِي عبدِي وَادْخُلِي جَنَّتِي ) .* ذكر من قال ذلك:حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا حجاج، عن هارون، عن أبان بن أبي عياش، عن سليمان بن قَتَّةَ عن ابن عباس، أنه قرأها( فادْخُلِي فِي عَبْدي ) على التوحيد.حدثني خلاد بن أسلم، قال: أخبرنا النضر بن شميل، عن هارون القاري، قال: ثني هلال، عن أبي الشيخ الهنائي ( فادْخُلِي فِي عَبْدِي ) . وفي قول الكلبي ( فادْخُلِي فِي عَبْدِي وَادْخُلِي فِي جَنَّتِي ) يعني: الروح ترجع في الجسد.والصواب من القراءة في ذلك ( فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ) بمعنى: فادخلي في عبادي الصالحين. لإجماع الحجة من القرّاء عليه.آخر تفسير سورة والفجر
تفسير سُورَةُ البَلَدِ
لَآ أُقۡسِمُ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ  ١
التفسير الميسرأقسم الله بهذا البلد الحرام، وهو "مكة"، وأنت -أيها النبي- مقيم في هذا "البلد الحرام"، وأقسم بوالد البشرية- وهو آدم عليه السلام- وما تناسل منه من ولد، لقد خلقنا الإنسان في شدة وعناء من مكابدة الدنيا.
تفسير السعدييقسم تعالى بِهَذَا الْبَلَدِ الأمين، الذي هو مكة المكرمة، أفضل البلدان على الإطلاق، خصوصًا وقت حلول الرسول صلى الله عليه وسلم فيها.
تفسير ابن كثيرهذا قسم من الله تبارك وتعالي بمكة أم القرى في حال كون الساكن فيها حلالا لينبه على عظمة قدرها في حال إحرام أهلها قال خصيف عن مجاهد "لا أقسم بهذا البلد" لا رد عليهم أقسم بهذا اتفسير سورة البلد وهي مكية .هذا قسم من الله - عز وجل - بمكة أم القرى في حال كون الساكن فيها حالا ; لينبه على عظمة قدرها في حال إحرام أهلها .قال خصيف ، عن مجاهد : ( لا أقسم بهذا البلد ) لا رد عليهم ; أقسم بهذا البلد .وقال شبيب بن بشر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( لا أقسم بهذا البلد ) يعني : مكة ،
تفسير القرطبيسورة البلدمكية باتفاق . وهي عشرون آيةبسم الله الرحمن الرحيملا أقسم بهذا البلديجوز أن تكون لا زائدة ، كما تقدم في لا أقسم بيوم القيامة قاله الأخفش . أي أقسم ; لأنه قال : بهذا البلد وقد أقسم به في قوله : وهذا البلد الأمين فكيف يجحد القسم به وقد أقسم به . قال الشاعر :تذكرت ليلى فاعترتني صبابة وكاد صميم القلب لا يتقطعأي يتقطع ، ودخل حرف ( لا ) صلة ومنه قوله تعالى : ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك بدليل قوله تعالى في ( ص ) : ما منعك أن تسجد . وقرأ الحسن والأعمش وابن كثير ( لأقسم ) من غير ألف بعد اللام إثباتا . وأجاز الأخفش أيضا أن تكون بمعنى ( ألا ) . وقيل : ليست بنفي القسم ، وإنما هو كقول العرب : لا والله لا فعلت كذا ، ولا والله ما كان كذا ، ولا والله لأفعلن كذا . وقيل : هي نفي صحيح والمعنى : لا أقسم بهذا البلد إذا لم تكن فيه ، بعد خروجك منه . حكاه مكي . ورواه ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : لا رد عليهم . وهذا اختيار ابن العربي ; لأنه قال : وأما من قال إنها رد ، فهو قول ليس له رد ; لأنه يصح به المعنى ، ويتمكن اللفظ والمراد . فهو رد لكلام من أنكر البعث ثم ابتدأ القسم . وقال القشيري : قوله لا رد لما توهم الإنسان المذكور في هذه السورة ، المغرور بالدنيا . أي ليس الأمر كما يحسبه ، من أنه لن يقدر عليه أحد ، ثم ابتدأ القسم . و ( البلد ) : هي مكة ، أجمعوا عليه . أي أقسم بالبلد الحرام الذي أنت فيه ، لكرامتك علي وحبي لك . وقال الواسطي أي نحلف لك بهذا البلد الذي شرفته بمكانك فيه حيا ، وبركتك ميتا ، يعني المدينة . والأول أصح ; لأن السورة نزلت بمكة باتفاق .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1)يقول تعالى ذكره: أقسم يا محمد بهذا البلد الحرام، وهو مكة، وكذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ( لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ) يعني: مكة.حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ) قال: مكة.حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ) قال: الحرام.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ) قال: مكة.حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ) قال: البلد مكة.حدثنا سوار بن عبد الله، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الملك، عن عطاء، في قوله: ( لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ) يعني مكة.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: ( لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ) قال: مكة.
وَأَنتَ حِلُّۢ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ  ٢
التفسير الميسرأقسم الله بهذا البلد الحرام، وهو "مكة"، وأنت -أيها النبي- مقيم في هذا "البلد الحرام"، وأقسم بوالد البشرية- وهو آدم عليه السلام- وما تناسل منه من ولد، لقد خلقنا الإنسان في شدة وعناء من مكابدة الدنيا.
تفسير السعديوَأَنتَ حِلٌّ بِهَٰذَا الْبَلَدِ
تفسير ابن كثير( وأنت حل بهذا البلد ) قال : أنت - يا محمد - يحل لك أن تقابل به . وكذا روي عن سعيد بن جبير ، وأبي صالح ، وعطية ، والضحاك ، وقتادة ، والسدي ، وابن زيد .وقال مجاهد : ما أصبت فيه فهو حلال لك .وقال قتادة : ( وأنت حل بهذا البلد ) قال : أنت به من غير حرج ولا إثم .وقال الحسن البصري : أحلها الله له ساعة من نهار .وهذا المعنى الذي قالوه قد ورد به الحديث المتفق على صحته : " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، لا يعضد شجره ولا يختلى خلاه . وإنما أحلت لي ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، ألا فليبلغ الشاهد الغائب " . وفي لفظ [ آخر ] فإن أحد ترخص بقتال رسول الله فقولوا : إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم " .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وأنت حل بهذا البلديعني في المستقبل مثل قوله تعالى : إنك ميت وإنهم ميتون . ومثله واسع في كلام العرب . تقول لمن تعده الإكرام والحباء : أنت مكرم محبو . وهو في كلام الله واسع ; لأن الأحوال المستقبلة عنده كالحاضرة المشاهدة وكفاك دليلا قاطعا على أنه للاستقبال ، وأن تفسيره بالحال محال : أن السورة باتفاق مكية قبل الفتح . فروى منصور عن مجاهد : وأنت حل قال : ما صنعت فيه من شيء فأنت في حل . وكذا قال ابن عباس : أحل له يوم دخل مكة أن يقتل من شاء ، فقتل ابن خطل ومقيس بن صبابة وغيرهما . ولم يحل لأحد من الناس أن يقتل بها أحدا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وروى السدي قال : أنت في حل ممن قاتلك أن تقتله . وروى أبو صالح عن ابن عباس قال : أحلت له ساعة من نهار ، ثم أطبقت وحرمت إلى يوم القيامة ، وذلك يوم فتح مكة . وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، فهي حرام إلى أن تقوم الساعة ، فلم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار " الحديث . وقد تقدم في سورة ( المائدة ) .ابن زيد : لم يكن بها أحد حلالا غير النبي - صلى الله عليه وسلم - : وقيل : وأنت مقيم فيه وهو محلك . وقيل : وأنت فيه محسن ، وأنا عنك فيه راض . وذكر أهل اللغة أنه يقال : رجل حل وحلال ومحل ، ورجل حرام ومحل ، ورجل حرام ومحرم . وقال قتادة : أنت حل به : لست بآثم . وقيل : هو ثناء على النبي - صلى الله عليه وسلم - أي إنك غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليك ارتكابه ، معرفة منك بحق هذا البيت لا كالمشركين الذين يرتكبون الكفر بالله فيه . أي أقسم بهذا البيت المعظم الذي قد عرفت حرمته ، فأنت مقيم فيه معظم له ، غير مرتكب فيه ما يحرم عليك .وقال شرحبيل بن سعد : وأنت حل بهذا البلد أي حلال أي هم يحرمون مكة أن يقتلوا بها صيدا أو يعضدوا بها شجرة ، ثم هم مع هذا يستحلون إخراجك وقتلك .
تفسير الطبريوقوله: ( وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ) يعني: بمكة؛ يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وأنت يا محمد حِلٌّ بهذا البلد، يعني بمكة؛ يقول: أنت به حلال تصنع فيه من قَتْلِ من أردت قتلَه، وأَسْرِ من أردت أسره، مُطْلَقٌ ذلك لك؛ يقال منه: هو حِلّ، وهو حلال، وهو حِرْم، وهو حرام، وهو محلّ، وهو محرم، وأحللنا، وأحرمنا.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ) يعني بذلك: نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، أحلّ الله له يوم دخل مكة أن يقتل من شاء، ويستحْيِي من شاء؛ فقتل يومئذ ابن خَطَل صَبْرا وهو آخذ بأستار الكعبة، فلم تحِل لأحد من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل فيها حراما حرّمه الله، فأحلّ الله له ما صنع بأهل مكة، ألم تسمع أن الله قال في تحريم الحرم: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا يعني بالناس أهل القبلة.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ) قال: ما صنعت فأنت في حلّ من أمر القتال.حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ) قال: أحلّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع فيه ساعة.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد ( وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ) قال: أحل له أن يصنع فيه ما شاء.حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور ( وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ) قال: أُحِلَّت للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: اصنع فيها ما شئت.حدثني موسى بن عبد الرحمن، قال: ثنا حسين الجُعْفِيّ، عن زائدة، عن منصور، عن مجاهد، في قول الله ( وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ) قال: أنت حِلّ مما صنعت فيه.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد ( وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ) قال: أحلّ الله لك يا محمد ما صنعت في هذا البلد من شيء، يعني مكة.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ) قال: لا تؤاخَذ بما عملت فيه، وليس عليك فيه ما على الناس.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ) يقول: بريء عن الحرج والإثم.حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ) يقول: أنت به حلّ لست بآثم.حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ) قال: لم يكن بها أحد حلا غير النبيّ صلى الله عليه وسلم، كلّ من كان بها حراما، لم يحلّ لهم أن يقاتلوا فيها، ولا يستحلوا حرمه، فأحله الله لرسوله، فقاتل المشركين فيه.حدثنا سوار بن عبد الله، قال حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الملك، عن عطاء ( وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ) قال: إن الله حرّم مكة، لم تحلّ لنبيّ إلا نبيكم ساعة من نهار.حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ) يعني محمدا، يقول: أنت حلّ بالحرم، فاقتل إن شئت، أو دع.
وَوَالِدٖ وَمَا وَلَدَ  ٣
التفسير الميسرأقسم الله بهذا البلد الحرام، وهو "مكة"، وأنت -أيها النبي- مقيم في هذا "البلد الحرام"، وأقسم بوالد البشرية- وهو آدم عليه السلام- وما تناسل منه من ولد، لقد خلقنا الإنسان في شدة وعناء من مكابدة الدنيا.
تفسير السعدي وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ أي: آدم وذريته.
تفسير ابن كثيروقوله : ( ووالد وما ولد ) قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا ابن عطية ، عن شريك ، عن خصيف ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : ( ووالد وما ولد ) الوالد : الذي يلد ، وما ولد : العاقر الذي لا يولد له .ورواه [ ابن جرير و ] ابن أبي حاتم ، من حديث شريك - وهو ابن عبد الله القاضي - به .وقال عكرمة : الوالد : العاقر ، وما ولد : الذي يلد . رواه ابن أبي حاتم .وقال مجاهد ، وأبو صالح ، وقتادة ، والضحاك ، وسفيان الثوري ، وسعيد بن جبير ، والسدي ، والحسن البصري ، وخصيف ، وشرحبيل بن سعد وغيرهم : يعني بالوالد آدم ، وما ولد ولده .وهذا الذي ذهب إليه مجاهد وأصحابه حسن قوي ; لأنه تعالى لما أقسم بأم القرى وهي المساكن أقسم بعده بالساكن ، وهو آدم أبو البشر وولده .وقال أبو عمران الجوني : هو إبراهيم وذريته . رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم .واختار ابن جرير أنه عام في كل والد وولده . وهو محتمل أيضا .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ووالد وما ولدقال مجاهد وقتادة والضحاك والحسن وأبو صالح : ووالد آدم : - عليه السلام - . وما ولد أي وما نسل من ولده . أقسم بهم ; لأنهم أعجب ما خلق الله تعالى على وجه الأرض لما فيهم من البيان والنطق والتدبير ، وفيهم الأنبياء والدعاة إلى الله تعالى . وقيل : هو إقسام بآدم والصالحين من ذريته ، وأما غير الصالحين فكأنهم بهائم . وقيل : الوالد إبراهيم . وما ولد : ذريته قال أبو عمران الجوني . ثم يحتمل أنه يريد جميع ذريته . ويحتمل أنه يريد المسلمين من ذريته . قال الفراء : وصلحت ما للناس كقوله : ما طاب لكم وكقوله : وما خلق الذكر والأنثى وهو الخالق للذكر والأنثى ، وقيل : ما مع ما بعدها في موضع المصدر أي ووالد وولادته كقوله تعالى : والسماء وما بناها . وقال عكرمة وسعيد بن جبير : ووالد : يعني الذي يولد له ، وما ولد : يعني العاقر الذي لا يولد له وقاله ابن عباس . وما على هذا نفي . وهو بعيد ولا يصح إلا بإضمار الموصول أي ووالد والذي ما ولد ، وذلك لا يجوز عند البصريين . وقيل : هو عموم في كل والد وكل مولود قاله عطية العوفي . وروي معناه عن ابن عباس أيضا . وهو اختيار الطبري . قال الماوردي : ويحتمل أن الوالد النبي - صلى الله عليه وسلم - لتقدم ذكره ، وما ولد أمته : لقوله - عليه السلام - : "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم " . فأقسم به وبأمته بعد أن أقسم ببلده مبالغة في تشريفه - عليه السلام - .
تفسير الطبريوقوله: ( وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ) يقول تعالى ذكره: فأقسم بوالد وبولده الذي وَلَد.ثم اختلف أهل التأويل في المعنّي بذلك من الوالد وما ولد، فقال بعضهم: عُنِي بالوالد: كلّ والد، وما ولد: كلّ عاقر لم يلد.* ذكر من قال ذلك:حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن عطية، عن شريك، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس في: ( وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ) قال: الوالد: الذي يلد، وما ولد: العاقر الذي لا يولد له.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس ( وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ) قال: العاقر، والتي تلد.حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن النضر بن عربي، عن عكرِمة ( وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ) قال: العاقر، والتي تلد.حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ) قال: هو الوالد وولده.وقال آخرون: عُنِي بذلك: آدم وولده.* ذكر من قال ذلك:حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ) قال: الوالد: آدم، وما ولد: ولده.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ) قال: ولده.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ) قال: آدم وما ولد .حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ) قال: آدم وما ولد.حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن ابن أبي خالد، عن أبي صالح في قول الله ( وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ) قال: آدم وما ولد.حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ( وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ) قال: الوالد: آدم، وما ولد: ولده.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، قوله: ( وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ) قال: آدم وما ولد.حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله: ( وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ) قال: آدم وما ولد.وقال آخرون: عُنِي بذلك: إبراهيم وما ولد.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن موسى الحَرَشيّ، قال: ثنا جعفر بن سليمان، قال: سمعت أبا عمران الجَوْنِيّ يقرأ: ( وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ) قال: إبراهيم وما ولد.والصواب من القول في ذلك: ما قاله الذي قالوا: إن الله أقسم بكلّ والد وولده، لأن الله عم كلّ والد وما ولد. وغير جائز أن يخصّ ذلك إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر، أو عقل، ولا خبر بخصوص ذلك، ولا برهان يجب التسليم له بخصوصه، فهو على عمومه كما عمه.
لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِي كَبَدٍ  ٤
التفسير الميسرأقسم الله بهذا البلد الحرام، وهو "مكة"، وأنت -أيها النبي- مقيم في هذا "البلد الحرام"، وأقسم بوالد البشرية- وهو آدم عليه السلام- وما تناسل منه من ولد، لقد خلقنا الإنسان في شدة وعناء من مكابدة الدنيا.
تفسير السعديوالمقسم عليه قوله: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ يحتمل أن المراد بذلك ما يكابده ويقاسيه من الشدائد في الدنيا، وفي البرزخ، ويوم يقوم الأشهاد، وأنه ينبغي له أن يسعى في عمل يريحه من هذه الشدائد، ويوجب له الفرح والسرور الدائم.وإن لم يفعل، فإنه لا يزال يكابد العذاب الشديد أبد الآباد.ويحتمل أن المعنى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، وأقوم خلقة، مقدر على التصرف والأعمال الشديدة، ومع ذلك، [فإنه] لم يشكر الله على هذه النعمة [العظيمة]، بل بطر بالعافية وتجبر على خالقه، فحسب بجهله وظلمه أن هذه الحال ستدوم له، وأن سلطان تصرفه لا ينعزل،
تفسير ابن كثيروقوله : ( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) روي عن ابن مسعود ، وابن عباس ، وعكرمة ، ومجاهد ، وإبراهيم النخعي ، وخيثمة ، والضحاك ، وغيرهم : يعني منتصبا - زاد ابن عباس في رواية عنه - في بطن أمه .والكبد : الاستواء والاستقامة . ومعنى هذا القول : لقد خلقنا الإنسان سويا مستقيما كقوله : ( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك ) [ الانفطار : 6 ، 7 ] ، وكقوله ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) [ التين : 4 ] .وقال ابن [ أبي نجيح ] عن جريج وعطاء عن ابن عباس : في كبد ، قال : في شدة خلق ، ألم تر إليه . . وذكر مولده ونبات أسنانه .قال مجاهد : ( في كبد ) نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة يتكبد في الخلق - قال مجاهد : وهو كقوله : ( حملته أمه كرها ووضعته كرها ) وأرضعته كرها ، ومعيشته كره ، فهو يكابد ذلك .وقال سعيد بن جبير : ( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) في شدة وطلب معيشة . وقال عكرمة : في شدة وطول . وقال قتادة : في مشقة .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن عصام ، حدثنا أبو عاصم ، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر ، سمعت محمد بن علي أبا جعفر الباقر سأل رجلا من الأنصار عن قول الله : ( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) قال : في قيامه واعتداله . فلم ينكر عليه أبو جعفر .وروى من طريق أبي مودود : سمعت الحسن قرأ هذه الآية : ( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) قال : يكابد أمرا من أمر الدنيا ، وأمرا من أمر الآخرة - وفي رواية : يكابد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة .وقال ابن زيد : ( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) قال : آدم خلق في السماء ، فسمي ذلك الكبد .واختار ابن جرير أن المراد [ بذلك ] مكابدة الأمور ومشاقها .
تفسير القرطبيقوله تعالى : لقد خلقنا الإنسان في كبدإلى هنا انتهى القسم وهذا جوابه . ولله أن يقسم بما يشاء من مخلوقاته لتعظيمها ، كما تقدم . والإنسان هنا ابن آدم . في كبد أي في شدة وعناء من مكابدة الدنيا . وأصل الكبد الشدة . ومنه تكبد اللبن : غلظ وخثر واشتد . ومنه الكبد ; لأنه دم تغلظ واشتد . ويقال : كابدت هذا الأمر : قاسيت شدته : قال لبيد :يا عين هلا بكيت أربد إذ قمنا وقام الخصوم في كبدقال ابن عباس والحسن : في كبد أي في شدة ونصب . وعن ابن عباس أيضا : في شدة من حمله وولادته ورضاعه ونبت أسنانه ، وغير ذلك من أحواله . وروى عكرمة عنه قال : منتصبا في بطن أمه . والكبد : الاستواء والاستقامة . فهذا امتنان عليه في الخلقة . ولم يخلق الله - جل ثناؤه - دابة في بطن أمها إلا منكبة على وجهها إلا ابن آدم ، فإنه منتصب انتصابا وهو قول النخعي ومجاهد وغيرهما . ابن كيسان : منتصبا رأسه في بطن أمه فإذا أذن الله أن يخرج من بطن أمه قلب رأسه إلى رجلي أمه .وقال الحسن : يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة . وعنه أيضا : يكابد الشكر على السراء ويكابد الصبر على الضراء ; لأنه لا يخلو من أحدهما . ورواه ابن عمر . وقال يمان : لم يخلق الله خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم وهو مع ذلك أضعف الخلق . قال علماؤنا : أول ما يكابد قطع سرته ، ثم إذا قمط قماطا ، وشد رباطا ، يكابد الضيق والتعب ، ثم يكابد الارتضاع ، ولو فاته لضاع ، ثم يكابد نبت أسنانه ، وتحرك لسانه ، ثم يكابد الفطام ، الذي هو أشد من اللطام ، ثم يكابد الختان ، والأوجاع والأحزان ، ثم يكابد المعلم وصولته ، والمؤدب وسياسته ، والأستاذ وهيبته ، ثم يكابد شغل التزويج والتعجيل فيه ، ثم يكابد شغل الأولاد ، والخدم والأجناد ، ثم يكابد شغل الدور ، وبناء القصور ، ثم الكبر والهرم ، وضعف الركبة والقدم ، في مصائب يكثر تعدادها ، ونوائب يطول إيرادها ، من صداع الرأس ، ووجع الأضراس ، ورمد العين ، وغم الدين ، ووجع السن ، وألم الأذن . ويكابد محنا في المال والنفس ، مثل الضرب والحبس ، ولا يمضي عليه يوم إلا يقاسي فيه شدة ، ولا يكابد إلا مشقة ، ثم الموت بعد ذلك كله ، ثم مساءلة الملك ، وضغطة القبر وظلمته ثم البعث والعرض على الله ، إلى أن يستقر به القرار ، إما في الجنة وإما في النار قال الله تعالى : لقد خلقنا الإنسان في كبد ، فلو كان الأمر إليه لما اختار هذه الشدائد . ودل هذا على أن له خالقا دبره ، وقضى عليه بهذه الأحوال فليمتثل أمره . وقال ابن زيد : الإنسان هنا آدم . وقوله : في كبد أي في وسط السماء . وقال الكلبي : إن هذا نزل في رجل من بني جمح كان يقال له أبو الأشدين ، وكان يأخذ الأديم العكاظي فيجعله تحت قدميه ، فيقول : من أزالني عنه فله كذا . فيجذبه عشرة حتى يتمزق ولا تزول قدماه وكان من أعداء النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه نزل أيحسب أن لن يقدر عليه أحد يعني : لقوته . وروي عن ابن عباس . في كبد أي شديدا ، يعني شديد الخلق وكان من أشد رجال قريش . وكذلك ركانة بن هشام بن عبد المطلب ، وكان مثلا في البأس والشدة . وقيل : في كبد أي جريء القلب ، غليظ الكبد ، مع ضعف خلقته ، ومهانة مادته . ابن عطاء : في ظلمة وجهل . الترمذي : مضيعا ما يعنيه ، مشتغلا بما لا يعنيه .
تفسير الطبريوقوله: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ ) وهذا هو جواب القسم.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: وقع ها هنا القسم ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ ) .واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: لقد خلقنا ابن آدم في شدّة وعناء ونصب.* ذكر من قال ذلك:حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ ) يقول: في نَصَب.حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا سعيد، عن منصور بن زاذان، عن الحسن، أنه قال في هذه الآية: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ ) يقول: في شدّة.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ ) حين خُلِق في مشقة لا يُلَقى ابن آدم إلا مكابد أمر الدنيا والآخرة.حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ( فِي كَبَدٍ ) قال: يكابد أمر الدنيا والآخرة.وقال بعضهم: خُلِق خَلْقا لم نَخْلق خلقه شيئا.* ذكر من قال ذلك:حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن عليّ بن رفاعة، قال: سمعت الحسن يقول: لم يخلق الله خلقا يكابد ما يُكابد ابن آدم.قال: ثنا وكيع، عن عليّ بن رفاعة، قال: سمعت سعيد بن أبي الحسن يقول: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ ) قال: يكابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة.قال: ثنا وكيع، عن النضر، عن عكرِمة قال: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ ) قال: في شدّة.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ ) قال: في شدّة.قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: في شدّة معيشته، وحمله وحياته، ونبات أسنانه.قال: ثنا مهران، عن سفيان، قال: قال مجاهد ( الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ ) قال: شدة خروج أسنانه.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ ) قال: شدّة.وقال آخرون: معنى ذلك أنه خُلِق منتصبا معتدل القامة.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ ) قال: في انتصاب، ويقال: في شدّة.حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا حرمى بن عمارة، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني عمارة، عن عكرِمة، في قوله: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ ) قال: في انتصاب، يعني القامة.حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ ) قال: منتصبا.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران؛ وحدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، جميعا عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، مثله.حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن شَدَّاد، في قوله: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ ) قال: معتدلا بالقامة، قال أبو صالح: معتدلا في القامة.حدثنا يحيى بن داود الواسطي، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن إسماعيل، عن أبي صالح ( خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ ) قال: قائما.حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ( فِي كَبَدٍ ) خُلِق منتصبا على رجلين، لم تخلق دابة على خلقهحدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مُغيرة، عن مجاهد ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ ) قال: في صَعَد.وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنه خُلق في السماء.* ذكر من قال ذلك:حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ ) قال: في السماء، يسمى ذلك الكَبَد.وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: معنى ذلك أنه خلق يُكابد الأمور ويُعالجها، فقوله: ( فِي كَبَدٍ ) معناه: في شدّة.وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب؛ لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب من معاني الكَبَد، ومنه قول لبيد بن ربيعة:عَيْنِ هَلا بَكَيْتِ أرْبَدَ إذْقُمْنا وَقَامَ الخُصُومِ فِي كَبَد (1)------------------------الهوامش:(1) ‌البيت للبيد يرثى أخاه أربد ، وقد هلك على دين الجاهلية . قال أبو عبيدة في مجاز القرآن ( 187 ) : خلقنا الإنسان في كبد . في شدة . قال لبيد : " عين هلا ... " البيت . وفي ( اللسان : كبد ) الرجل يكابد الليل : إذا ركب هوله وصعوبته . ويقال : كابدت ظلمة الليلة مكابدة شديدة . وقال لبيد : " عين هلا ... " البيت أي في شدة وعناء . ويقال : تكبده الأمر : قصدته . ا ه .
أَيَحۡسَبُ أَن لَّن يَقۡدِرَ عَلَيۡهِ أَحَدٞ  ٥
التفسير الميسرأيظنُّ بما جمعه من مال أن الله لن يقدر عليه؟
تفسير السعدي أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ويطغى ويفتخر بما أنفق من الأموال على شهوات نفسه.
تفسير ابن كثيروقوله : ( أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ) قال الحسن البصري : يعني أيحسب أن لن يقدر عليه أحد يأخذ ماله .وقال قتادة : ( أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ) قال : ابن آدم يظن أن لن يسأل عن هذا المال : من أين اكتسبه ؟ وأين أنفقه ؟وقال السدي : ( أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ) قال : الله - عز وجل - .
تفسير القرطبيأي أيظن ابن آدم أن لن يعاقبه الله عز وجل
تفسير الطبريوقوله: ( أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ) ذُكر أن ذلك نزل في رجل بعينه من بني جُمح، كان يُدعى أبا الأشدّ، وكان شديدًا، فقال جلّ ثناؤه: أيحسب هذا القويّ بجَلَده وقوّته، أن لن يقهره أحد ويغلبه، فالله غالبه وقاهره.
يَقُولُ أَهۡلَكۡتُ مَالٗا لُّبَدًا  ٦
التفسير الميسريقول متباهيًا: أنفقت مالا كثيرًا. أيظنُّ في فعله هذا أن الله عز وجل لا يراه، ولا يحاسبه على الصغير والكبير؟
تفسير السعديف يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا أي: كثيًرا، بعضه فوق بعض.وسمى الله تعالى الإنفاق في الشهوات والمعاصي إهلاكًا، لأنه لا ينتفع المنفق بما أنفق، ولا يعود عليه من إنفاقه إلا الندم والخسار والتعب والقلة، لا كمن أنفق في مرضاة الله في سبيل الخير، فإن هذا قد تاجر مع الله، وربح أضعاف أضعاف ما أنفق.
تفسير ابن كثيرقوله تعالى "يقول أهلكت مالا لبدا" أي يقول ابن آدم أنفقت مالا لبدا أي كثيرا قاله مجاهد والحسن وقتادة والسدي وغيرهم.
تفسير القرطبييقول أهلكت أي أنفقت . مالا لبدا أي كثيرا مجتمعا .
تفسير الطبريوقوله: ( يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا ) يقول هذا الجليد الشديد: أهلكت مالا كثيرا، في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم، فأنفقت ذلك فيه، وهو كاذب في قوله ذلك، وهو فعل من التلبُّد، وهو الكثير، بعضه على بعض، يقال منه: لبد بالأرض يَلْبُد: إذا لصق بها.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ( مَالا لُبَدًا ) يعني باللبد: المال الكثير.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( مَالا لُبَدًا ) قال: كثيرا.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مسلم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا ). قال: مالا كثيرا.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا ) : أي كثيرا.حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( مَالا لُبَدًا ) قال: اللبد: الكثير.واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار: ( مَالا لُبَدًا ) بتخفيف الباء. وقرأه أبو جعفر بتشديدها.والصواب بتخفيفها، لإجماع الحجة عليه.
أَيَحۡسَبُ أَن لَّمۡ يَرَهُۥٓ أَحَدٌ  ٧
التفسير الميسريقول متباهيًا: أنفقت مالا كثيرًا. أيظنُّ في فعله هذا أن الله عز وجل لا يراه، ولا يحاسبه على الصغير والكبير؟
تفسير السعديقال الله متوعدًا هذا الذي يفتخر بما أنفق في الشهوات: أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ أي: أيحسب في فعله هذا، أن الله لا يراه ويحاسبه على الصغير والكبير؟بل قد رآه الله، وحفظ عليه أعماله، ووكل به الكرام الكاتبين، لكل ما عمله من خير وشر.
تفسير ابن كثيرقال مجاهد أي أيحسب أن لم يره الله عز وجل وكذا قال غيره من السلف.
تفسير القرطبيأيحسب أي أيظن . أن لم يره أي أن لم يعاينه أحد بل علم الله - عز وجل - ذلك منه ، فكان كاذبا في قوله : أهلكت ولم يكن أنفقه . وروى أبو هريرة قال : يوقف العبد ، فيقال ماذا عملت في المال الذي رزقتك ؟ فيقول : أنفقته وزكيته . فيقال : كأنك إنما فعلت ذلك ليقال سخي ، فقد قيل ذلك . ثم يؤمر به إلى النار . وعن سعيد عن قتادة : إنك مسئول عن مالك من أين جمعت ؟ وكيف أنفقت ؟ وعن ابن عباس قال : كان أبو الأشدين يقول : أنفقت في عداوة محمد مالا كثيرا وهو في ذلك كاذب . وقال مقاتل : نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل ، أذنب فاستفتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمره أن يكفر . فقال : لقد ذهب مالي في الكفارات والنفقات ، منذ دخلت في دين محمد . وهذا القول منه يحتمل أن يكون استطالة بما أنفق ، فيكون طغيانا منه ، أو أسفا عليه ، فيكون ندما منه .وقرأ أبو جعفر مالا لبدا بتشديد الباء مفتوحة ، على جمع لابد مثل راكع وركع ، وساجد وسجد ، وشاهد وشهد ، ونحوه . وقرأ مجاهد وحميد بضم الباء واللام مخففا ، جمع لبود . الباقون بضم اللام وكسرها وفتح الباء مخففا ، جمع لبدة ولبدة ، وهو ما تلبد يريد الكثرة . وقد مضى في سورة ( الجن ) القول فيه .وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقرأ أيحسب بضم السين في الموضعين . وقال الحسن : يقول أتلفت مالا كثيرا ، فمن يحاسبني به ، دعني أحسبه . ألم يعلم أن الله قادر على محاسبته ، وأن الله - عز وجل - يرى صنيعه .
تفسير الطبريوقوله: ( أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ) يقول تعالى ذكره: أيظن هذا القائل ( أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا ) أن لم يره أحد في حال إنفاقه يزعم أنه أنفقه.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ) ابن آدم إنك مسئول عن هذا المال، من أين اكتسبته، وأين أنفقته.حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.
أَلَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ عَيۡنَيۡنِ  ٨
التفسير الميسرألم نجعل له عينين يبصر بهما، ولسانًا وشفتين ينطق بها، وبينَّا له سبيلَي الخير والشر؟
تفسير السعديثم قرره بنعمه، فقال: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ للجمال والبصر والنطق، وغير ذلك من المنافع الضرورية فيها، فهذه نعم الدنيا.
تفسير ابن كثيرأى يبصر بهما فانظر بعينيك إلى ما أحللت لك وإن رأيت ما حرمت عليك فأطبق عليهما غطاءهما.
تفسير القرطبيثم عدد عليه نعمه فقال : " ألم نجعل له عينين " يبصر بهما .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8)يقول تعالى ذكره: ألم نجعل لهذا القائل أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا عينين يبصر بهما حجج الله عليه، ولسانا يعبر به عن نفسه ما أراد، وشفتين، نعمة منا بذلك عليه.
وَلِسَانٗا وَشَفَتَيۡنِ  ٩
التفسير الميسرألم نجعل له عينين يبصر بهما، ولسانًا وشفتين ينطق بها، وبينَّا له سبيلَي الخير والشر؟
تفسير السعديثم قرره بنعمه، فقال: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ للجمال والبصر والنطق، وغير ذلك من المنافع الضرورية فيها، فهذه نعم الدنيا.
تفسير ابن كثير( ولسانا ) أي : ينطق به ، فيعبر عما في ضميره ، ( وشفتين ) يستعين بهما على الكلام وأكل الطعام ، وجمالا لوجهه وفمه .وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي الربيع الدمشقي ، عن مكحول قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " يقول الله تعالى : يا ابن آدم ، قد أنعمت عليك نعما عظاما لا تحصي عددها ولا تطيق شكرها ، وإن مما أنعمت عليك أن جعلت لك عينين تنظر بهما ، وجعلت لهما غطاء ، فانظر بعينيك إلى ما أحللت لك ، وإن رأيت ما حرمت عليك فأطبق عليهما غطاءهما . وجعلت لك لسانا ، وجعلت له غلافا ، فانطق بما أمرتك وأحللت لك ، فإن عرض لك ما حرمت عليك فأغلق عليك لسانك . وجعلت لك فرجا ، وجعلت لك سترا ، فأصب بفرجك ما أحللت لك ، فإن عرض لك ما حرمت عليك فأرخ عليك سترك . يا ابن آدم ، إنك لا تحمل سخطي ، ولا تطيق انتقامي " .
تفسير القرطبيولسانا ينطق به . وشفتين يستر بهما ثغره . والمعنى : نحن فعلنا ذلك ، ونحن نقدر على أن نبعثه ونحصي عليه ما عمله . وقال أبو حازم : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله تعالى قال : يا ابن آدم ، إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك ، فقد أعنتك عليه بطبقين ، فأطبق وإن نازعك بصرك فيما حرمت عليك ، فقد أعنتك عليه بطبقين ، فأطبق وإن نازعك فرجك إلى ما حرمت عليك ، فقد أعنتك عليه بطبقين ، فأطبق " .والشفة : أصلها شفهة ، حذفت منها الهاء ، وتصغيرها : شفيهة ، والجمع : شفاه . ويقال : شفهات وشفوات ، والهاء أقيس ، والواو أعم ، تشبيها بالسنوات . وقال الأزهري : يقال هذه شفة في الوصل وشفه ، بالتاء والهاء . وقال قتادة : نعم الله ظاهرة ، يقررك بها حتى تشكر .
تفسير الطبريحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ) نِعَم من الله متظاهرة، يقررك بها كيما تشكره.
وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ  ١٠
التفسير الميسرألم نجعل له عينين يبصر بهما، ولسانًا وشفتين ينطق بها، وبينَّا له سبيلَي الخير والشر؟
تفسير السعديثم قال في نعم الدين: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْن أي: طريقي الخير والشر، بينا له الهدى من الضلال، والرشد من الغي.فهذه المنن الجزيلة، تقتضي من العبد أن يقوم بحقوق الله، ويشكر الله على نعمه، وأن لا يستعين بها على معاصيه ، ولكن هذا الإنسان لم يفعل ذلك.
تفسير ابن كثير( وهديناه النجدين ) قال سفيان الثوري ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله - هو ابن مسعود - : ( وهديناه النجدين ) قال : الخير والشر . وكذا روي عن علي ، وابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وأبي وائل ، وأبي صالح ، ومحمد بن كعب ، والضحاك ، وعطاء الخراساني في آخرين .وقال عبد الله بن وهب : أخبرني ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن سنان بن سعد ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " هما نجدان ، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير " .تفرد به سنان بن سعد - ويقال : سعد بن سنان - وقد وثقه ابن معين . وقال الإمام أحمد والنسائي والجوزجاني : منكر الحديث . وقال أحمد : تركت حديثه لاضطرابه . وروى خمسة عشر حديثا منكرة كلها ، ما أعرف منها حديثا واحدا . يشبه حديثه حديث الحسن - يعني البصري - لا يشبه حديث أنس .وقال ابن جرير : حدثني يعقوب ، حدثنا ابن علية ، عن أبي رجاء قال : سمعت الحسن يقول : ( وهديناه النجدين ) قال : ذكر لنا أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : " يا أيها الناس ، إنهما النجدان ، نجد الخير ونجد الشر ، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير " .وكذا رواه حبيب بن الشهيد ، ويونس بن عبيد ، وأبو وهب ، عن الحسن مرسلا . وهكذا أرسله قتادة .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري ، حدثنا أبو أحمد الزبيري ، حدثنا عيسى بن عقال عن أبيه ، عن ابن عباس في قوله : ( وهديناه النجدين ) قال : الثديين .وروي عن الربيع بن خثيم وقتادة وأبي حازم ، مثل ذلك . ورواه ابن جرير عن أبي كريب ، عن وكيع ، عن عيسى بن عقال ، به . ثم قال : والصواب القول الأول .ونظير هذه الآية قوله : ( إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ) [ سورة الإنسان : 2 ، 3 ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وهديناه النجدينيعني الطريقين : طريق الخير وطريق الشر . أي بيناهما له بما أرسلناه من الرسل . والنجد . الطريق في ارتفاع . وهذا قول ابن عباس وابن مسعود وغيرهما . وروى قتادة قال : ذكر لنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : " يا أيها الناس ، إنما هما النجدان : نجد الخير ، ونجد الشر ، فلم تجعل نجد الشر أحب إليك من نجد الخير " . وروي عن عكرمة قال : النجدان : الثديان . وهو قول سعيد بن المسيب والضحاك ، وروي عن ابن عباس وعلي - رضي الله عنهما - ; لأنهما كالطريقين لحياة الولد ورزقه . فالنجد : العلو ، وجمعه نجود ومنه سميت نجد ، لارتفاعها عن انخفاض تهامة . فالنجدان : الطريقان العاليان . قال امرؤ القيس :فريقان منهم جازع بطن نخلة وآخر منهم قاطع نجد كبكب
تفسير الطبريوقوله: ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) يقول تعالى ذكره: وهديناه الطريقين، ونجد: طريق في ارتفاع.واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: عُنِي بذلك: نَجْد الخير، ونَجْد الشرّ، كما قال: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا .* ذكر من قال ذلك:حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) قال: الخير والشرّ.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله، مثله.حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن منذر، عن أبيه، عن الربيع بن خثيم، قال: ليسا بالثديين.حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان؛ وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عمران، جميعا عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) قال: نجد الخير، ونجد الشرّ.حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا هشام بن عبد الملك، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني عاصم، قال: سمعت أبا وائل يقول: كان عبد الله يقول في: ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) قال: نجد الخير، ونجد الشرّ.حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) يقول: الهدى والضلالة.حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) يقول: سبيل الخير والشرّ.حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرِمة، في قوله: ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) قال: الخير والشرّ.حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عبد الله بن الربيع بن خثيم، عن أبي بُردة، قال: مرّ بنا الربيع بن خثيم، فسألناه عن هذه الآية: ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) فقال: أما إنهما ليسا بالثديين.حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: الخير والشرّ.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) قال: سبيل الخير والشرّ.حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) نجد الخير، ونجد الشرّ.حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا يونس، عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هُمَا نَجْدَانِ: نَجْدُ خَيْرٍ، وَنَجْدُ شَرّ، فَمَا جَعَلَ نَجْدَ الشَّرّ أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنْ نَجْدِ الخَيْرِ".حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا عطية أبو وهب، قال: سمعت الحسن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا إنَّمَا هُمَا نَجْدَانِ: نَجْدُ الخَيْرِ، وَنَجْدُ الشَّرّ، فَمَا يَجَعَلُ نَجْدَ الشَّرِّ أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنْ نَجْدِ الخَيْرِ".حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا هشام بن عبد الملك، قال: ثنا شعبة، عن حبيب، عن الحسن، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، نحوه.حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، قال: سمعت الحسن يقول ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) قال: ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " يا أيُّها النَّاسُ إنَّمَا هُمَا النَجْدَانِ: نَجْدُ الخَيْرِ، وَنَجْدُ الشَّرّ، فَمَا جَعَلَ نَجْدَ الشَّرّ أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنْ نَجْدِ الخَيْرِ".حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) : ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " أيُّها النَّاسُ إنَّمَا هُمَا النَجْدَانِ: نَجْدُ الخَيْرِ، وَنَجْدُ الشَّرّ، فَمَا جَعَلَ نَجْدَ الشَّرّ أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنْ نَجْدِ الخَيْرِ".حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، في قوله: ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: إنَّمَا هُمَا نَجْدَانِ، فَمَا جَعَلَ نَجْدَ الشَّرّ أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنْ نَجْدِ الخَيْرِ".حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) قاطع طريق الخير والشرّ. وقرأ قول الله: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ .وقال آخرون: بل معنى ذلك: وهديناه الثَّديين: سبيلي اللبن الذي يتغذّى به، وينبت عليه لحمه وجسمه.* ذكر من قال ذلك:حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا عيسى بن عقال، عن أبيه، عن ابن عباس ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) قال: هما الثديان.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن المبارك بن مجاهد، عن جُويبر، عن الضحاك، قال: الثديان.وأولى القولين بالصواب في ذلك عندنا: قول من قال: عُنِي بذلك طريق الخير والشرّ، وذلك أنه لا قول في ذلك نعلمه غير القولين اللذين ذكرنا، والثديان وإن كانا سبيلي اللبن، فإن الله تعالى ذكْره إذ عدّد على العبد نِعَمه بقوله: إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إنما عدّد عليه هدايته إياه إلى سبيل الخير من نعمه، فكذلك قوله: ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ).
فَلَا ٱقۡتَحَمَ ٱلۡعَقَبَةَ  ١١
التفسير الميسرفهلا تجاوز مشقة الآخرة بإنفاق ماله، فيأمن.
تفسير السعدي فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ أي: لم يقتحمها ويعبر عليها، لأنه متبع لشهواته .
تفسير ابن كثيرقال ابن جرير حدثني عمر بن إسماعيل بن مجالد حدثنا عبدالله بن إدريس عن أبيه عن أبي عطية عن ابن عمر في قوله تعالى "فلا اقتحم" أي دخل "العقبة" قال جبل في جهنم وقال كعب الأحبار "فلا اقتحم العقبة" هو سبعون درجة في جهنم وقال الحسن البصري "فلا اقتحم العقبة" قال عقبة في جهنم وقال قتادة إنها عقبة قحمة شديدة فاقتحموها.
تفسير القرطبيقوله تعالى : فلا اقتحم العقبةأي فهلا أنفق ماله الذي يزعم أنه أنفقه في عداوة محمد ، هلا أنفقه لاقتحام العقبة فيأمن والاقتحام : الرمي بالنفس في شيء من غير روية يقال منه : قحم في الأمر قحوما : أي رمى بنفسه فيه من غير روية . وقحم الفرس فارسه . تقحيما على وجهه : إذا رماه . وتقحيم النفس في الشيء : إدخالها فيه من غير روية . والقحمة ( بالضم ) المهلكة ، والسنة الشديدة . يقال : أصابت الأعراب القحمة : إذا أصابهم قحط ، فدخلوا الريف . والقحم : صعاب الطريق . وقال الفراء والزجاج : وذكر ( لا ) مرة واحدة ، والعرب لا تكاد تفرد ( لا ) مع الفعل الماضي في مثل هذا الموضع ، حتى يعيدوها في كلام آخر كقوله تعالى : فلا صدق ولا صلى ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون . وإنما أفردوها لدلالة آخر الكلام على معناه فيجوز أن يكون قوله : ثم كان من الذين آمنوا قائما مقام التكرير كأنه قال : فلا اقتحم العقبة ولا آمن . وقيل : هو جار مجرى الدعاء كقوله : لا نجا ولا سلم .وما أدراك ما العقبة قال سفيان ابن عيينة : كل شيء قال فيه وما أدراك ؟ فإنه أخبر به ، وكل شيء قال فيه وما يدريك ؟ فإنه لم يخبر به . وقال : معنى فلا اقتحم العقبة أي فلم يقتحم العقبة ، كقول زهير :وكان طوى كشحا على مستكنة فلا هو أبداها ولم يتقدمأي فلم يبدها ولم يتقدم . وكذا قال المبرد وأبو علي : ( لا ) : بمعنى لم . وذكره البخاري عن مجاهد . أي فلم يقتحم العقبة في الدنيا ، فلا يحتاج إلى التكرير . ثم فسر العقبة وركوبها فقال فك رقبة وكذا وكذا فبين وجوها من القرب المالية . وقال ابن زيد وجماعة من المفسرين : معنى الكلام الاستفهام الذي معناه الإنكار تقديره : أفلا اقتحم العقبة أو هلا اقتحم العقبة . يقول : هلا أنفق ماله في فك الرقاب ، وإطعام السغبان ، ليجاوز به العقبة ، فيكون خيرا له من إنفاقه في عداوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم قيل : اقتحام العقبة هاهنا ضرب مثل ، أي هل تحمل عظام الأمور في إنفاق ماله في طاعة ربه ، والإيمان به . وهذا إنما يليق بقول من حمل فلا اقتحم العقبة على الدعاء أي فلا نجا ولا سلم من لم ينفق ماله في كذا وكذا . وقيل : شبه عظم الذنوب وثقلها وشدتها بعقبة ، فإذا أعتق رقبة وعمل صالحا ، كان مثله كمثل من اقتحم العقبة ، وهي الذنوب التي تضره وتؤذيه وتثقله .قال ابن عمر : هذه العقبة جبل في جهنم . وعن أبي رجاء قال : بلغنا أن العقبة مصعدها سبعة آلاف سنة ، ومهبطها سبعة آلاف سنة . وقال الحسن وقتادة : هي عقبة شديدة في النار دون الجسر ، فاقتحموها بطاعة الله . وقال مجاهد والضحاك والكلبي : هي الصراط يضرب على جهنم كحد السيف ، مسيرة ثلاثة آلاف سنة ، سهلا وصعودا وهبوطا . واقتحامه على المؤمن كما بين صلاة العصر إلى العشاء . وقيل : اقتحامه عليه قدر ما يصلي صلاة المكتوبة . وروي عن أبي الدرداء أنه قال : إن وراءنا عقبة ، أنجى الناس منها أخفهم حملا . وقيل : النار نفسها هي العقبة . فروى أبو رجاء عن الحسن قال : بلغنا أنه ما من مسلم يعتق رقبة إلا كانت فداءه من النار .وعن عبد الله بن عمر قال : من أعتق رقبة أعتق الله - عز وجل - بكل عضو منها عضوا منه . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا من أعضائه من النار ، حتى فرجه بفرجه . وفي الترمذي عن أبي أمامة وغيره من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أيما امرئ مسلم أعتق امرأ مسلما ، كان فكاكه من النار ، يجزي كل عضو منه عضوا منه ، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة ، كانت فكاكها من النار ، يجزي كل عضو منها عضوا منها . قال : هذا حديث حسن صحيح غريب . وقيل : العقبة خلاصه من هول العرض . وقال قتادة وكعب : هي نار دون الجسر . وقال الحسن : هي والله عقبة شديدة : مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه الشيطان . وأنشد بعضهم :إني بليت بأربع يرمينني بالنبل قد نصبوا علي شراكاإبليس والدنيا ونفسي والهوى من أين أرجو بينهن فكاكايا رب ساعدني بعفو إنني أصبحت لا أرجو لهن سواكا
تفسير الطبريوقوله: ( فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ) يقول تعالى ذكره: فلم يركب العقبة فيقطعها ويحوزها.وذُكر أن العقبة: جبل في جهنم.* ذكر من قال ذلك:حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا يحيى بن كثير، قال: ثنا شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قول الله: ( فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ) قال: عَقَبةٌ في جهنم.حدثني عمر بن إسماعيل بن مجالد، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن أبيه، عن عطية، عن ابن عمر، في قوله: ( فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ) جبل من جهنم.حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَيَّة، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: ( فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ) قال: جهنم.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ) إنها قحمة شديدة، فاقتحموها بطاعة الله.حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ) قال: للنار عقبة دون الجسر.حدثنا ابن بشار، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا أبي، قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدّث عن يزيد بن أبى حبيب، عن شعيب بن زُرْعة، عن حنش، عن كعب، أنه قال: ( فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ) قال: هو سبعون درجة في جهنم.وأفرد قوله: ( فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ) بذكر " لا " مرّة واحدة، والعرب لا تكاد تفردها في كلام في مثل هذا الموضع، حتى يكرّرها مع كلام آخر، كما قال: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وإنما فعل ذلك كذلك في هذا الموضع، استغناء بدلالة آخر الكلام على معناه، من إعادتها مرّة أخرى، وذلك قوله إذ فسَّر اقتحام العقبة، فقال: فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ، ففسر ذلك بأشياء ثلاثة، فكان كأنه في أوّل الكلام، قال: فلا فَعَل ذا وَلا ذا ولا ذا. وتأوّل ذلك ابن زيد، بمعنى: أفلا ومن تأوّله كذلك، لم يكن به حاجة إلى أن يزعم أن في الكلام متروكا. * ذكر الخبر بذلك عن ابن زيد:حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وقرأ قول الله: ( فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ) قال: أفلا سلك الطريق التي منها النجاة والخير، ثم قال: ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ) .
وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡعَقَبَةُ  ١٢
التفسير الميسروأيُّ شيء أعلمك: ما مشقة الآخرة، وما يعين على تجاوزها؟
تفسير السعديوَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ
تفسير ابن كثيروقال قتادة "وما أدراك ما العقبة".ثم أخبر تعالى عن اقتحامها.
تفسير القرطبيقوله تعالى : وما أدراك ما العقبة فيه حذف ، أي وما أدراك ما اقتحام العقبة . وهذا تعظيم لالتزام أمر الدين ; والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ليعلمه اقتحام العقبة . قال القشيري : وحمل العقبة على عقبة جهنم بعيد إذ أحد في الدنيا لم يقتحم عقبة جهنم إلا أن يحمل على أن المراد فهلا صير نفسه بحيث يمكنه اقتحام عقبة جهنم غدا . واختار البخاري قول مجاهد : إنه لم يقتحم العقبة في الدنيا . قال ابن العربي : وإنما اختار ذلك لأجل أنه قال بعد ذلك في الآية الثانية : وما أدراك ما العقبة ؟ ثم قال في الآية الثالثة : فك رقبة ، وفي الآية الرابعة أو إطعام في يوم ذي مسغبة ، ثم قال في الآية الخامسة : يتيما ذا مقربة ، ثم قال في الآية السادسة : أو مسكينا ذا متربة فهذه الأعمال إنما تكون في الدنيا . المعنى : فلم يأت في الدنيا بما يسهل عليه سلوك العقبة في الآخرة .
تفسير الطبريوقوله: ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ) يقول تعالى ذكره: وأيّ شيء أشعرك يا محمد ما العقبة.ثم بين جلّ ثناؤه له، ما العقبة، وما النجاة منها، وما وجه اقتحامها؟ فقال: اقتحامها وقطعها فكّ رقبة من الرقّ، وأسر العبودة.كما حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُليَّة، عن أبي رجاء، عن الحسن (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ) قال: ذُكر لنا أنه ليس مسلم يعتق رقبة مسلمة، إلا كانت فداءه من النار.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ) ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن الرقاب أيها أعظم أجرا؟ قال: " أكثرها ثمنا ".حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ثنا سالم بن أبي الجعد، عن مَعْدانِ بن أبي طلحة، عن أبي نجيح، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أيُّمَا مُسْلِمٍ أَعْتَقَ رَجُلا مُسْلِمًا، فإنَّ اللهَ جَاعِلٌ وَفَاءَ كُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهِ، عَظْما مِنْ عِظامِ مُحَرّرِهِ مِنْ النَّار؛ وأيُّمَا امْرأةٍ مُسْلِمَةٍ أعْتَقَتِ امْرَأةً مُسْلِمَةً، فإنَّ اللهَ جَاعِلٌ وَفَاءَ كُلِّ عَظْمٍ مِنَ عِظَامِهَا، عَظْما مِنَ عِظامِ مُحَرّرِها مِنَ النَّار ".قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن قيس الجذاميّ، عن عقبة بن عامر الجهنيّ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " مَنْ أعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، فَهِيَ فِدَاؤُهُ مِنَ النَّارِ ".
فَكُّ رَقَبَةٍ  ١٣
التفسير الميسرإنه عتق رقبة مؤمنة من أسر الرِّق.
تفسير السعديوهذه العقبة شديدة عليه، ثم فسر [هذه] العقبة فَكُّ رَقَبَةٍ أي: فكها من الرق، بعتقها أو مساعدتها على أداء كتابتها، ومن باب أولى فكاك الأسير المسلم عند الكفار.
تفسير ابن كثيرفقال : ( فك رقبة أو إطعام )وقال ابن زيد : ( اقتحم العقبة ) أي : أفلا سلك الطريق التي فيها النجاة والخير . ثم بينها فقال : ( وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام )قرئ : ( فك رقبة ) بالإضافة ، وقرئ على أنه فعل ، وفيه ضمير الفاعل والرقبة مفعوله وكلتا القراءتين معناهما متقارب .قال الإمام أحمد : حدثنا علي بن إبراهيم ، حدثنا عبد الله - يعني ابن سعيد بن أبي هند - عن إسماعيل بن أبي حكيم - مولى آل الزبير - عن سعيد بن مرجانة : أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إرب منها إربا منه من النار ، حتى إنه ليعتق باليد اليد ، وبالرجل الرجل ، وبالفرج الفرج " . فقال علي بن الحسين : أنت سمعت هذا من أبي هريرة ؟ فقال سعيد : نعم . فقال علي بن الحسين لغلام له - أفره غلمانه - : ادع مطرفا . فلما قام بين يديه قال : اذهب فأنت حر لوجه الله .وقد رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ، من طرق ، عن سعيد بن مرجانة ، به وعند مسلم أن هذا الغلام الذي أعتقه علي بن الحسين زين العابدين كان قد أعطي فيه عشرة آلاف درهم .وقال قتادة ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن معدان بن أبي طلحة ، عن أبي نجيح قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " أيما مسلم أعتق رجلا مسلما ، فإن الله جاعل وفاء كل عظم من عظامه عظما من عظام محرره من النار ، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة ، فإن الله جاعل وفاء كل عظم من عظامها عظما من عظامها من النار " .رواه ابن جرير هكذا وأبو نجيح هذا هو عمرو بن عبسة السلمي ، رضي الله عنه .قال الإمام أحمد : حدثنا حيوة بن شريح ، حدثنا بقية ، حدثني بحير بن سعد ، عن خالد بن معدان ، عن كثير بن مرة ، عن عمرو بن عبسة أنه حدثهم : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من بنى مسجدا ليذكر الله فيه ، بنى الله له بيتا في الجنة . ومن أعتق نفسا مسلمة ، كانت فديته من جهنم . ومن شاب شيبة في الإسلام ، كانت له نورا يوم القيامة " .طريق أخرى : قال أحمد : حدثنا الحكم بن نافع ، حدثنا حريز ; عن سليم بن عامر : أن شرحبيل بن السمط قال لعمرو بن عبسة حدثنا حديثا ليس فيه تزيد ولا نسيان . قال عمرو : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " من أعتق رقبة مسلمة كانت فكاكه من النار ، عضوا بعضو . ومن شاب شيبة في سبيل الله ، كانت له نورا يوم القيامة ، ومن رمى بسهم فبلغ فأصاب أو أخطأ ، كان كمعتق رقبة من بني إسماعيل " .وروى أبو داود ، والنسائي بعضه .طريق أخرى : قال أحمد : حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا الفرج ، حدثنا لقمان ، عن أبي أمامة ، عن عمرو بن عبسة قال السلمي قلت له : حدثنا حديثا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس فيه انتقاص ولا وهم . قال : سمعته يقول : " من ولد له ثلاثة أولاد في الإسلام فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث ، أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم ، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورا يوم القيامة ، ومن رمى بسهم في سبيل الله ، بلغ به العدو ، أصاب أو أخطأ ، كان له عتق رقبة . ومن أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار ، ومن أنفق زوجين في سبيل الله ، فإن للجنة ثمانية أبواب ، يدخله الله من أي باب شاء منها " .وهذه أسانيد جيدة قوية ، ولله الحمد [ والمنة ] .حديث آخر : قال أبو داود : حدثنا عيسى بن محمد الرملي ، حدثنا ضمرة ، عن ابن أبي عبلة ، عن الغريف بن الديلمي قال : أتينا واثلة بن الأسقع فقلنا له : حدثنا حديثا ليس فيه زيادة ولا نقصان . فغضب وقال : إن أحدكم ليقرأ ومصحفه معلق في بيته ، فيزيد وينقص . قلنا : إنما أردنا حديثا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قال : أتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صاحب لنا قد أوجب - يعني النار - بالقتل ، فقال : " أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار " .وكذا رواه النسائي من حديث إبراهيم بن أبي عبلة ، عن الغريف بن عياش الديلمي ، عن واثلة ، به .حديث آخر : قال أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا هشام ، عن قتادة ، عن قيس الجذامي ، عن عقبة بن عامر الجهني : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من أعتق رقبة مسلمة فهو فداؤه من النار " .وحدثنا عبد الوهاب الخفاف ، عن سعيد ، عن قتادة قال : ذكر أن قيسا الجذامي حدث عن عقبة بن عامر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من أعتق رقبة مؤمنة فهي فكاكه من النار " .تفرد به أحمد من هذا الوجه .حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن آدم وأبو أحمد قالا حدثنا عيسى بن عبد الرحمن البجلي - من بني بجيلة - من بني سليم - عن طلحة - قال أبو أحمد : حدثنا طلحة بن مصرف - عن عبد الرحمن بن عوسجة ، عن البراء بن عازب قال : جاء أعرابي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، علمني عملا يدخلني الجنة . فقال : " لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة . أعتق النسمة ، وفك الرقبة " . فقال : يا رسول الله ، أوليستا بواحدة ؟ قال : " لا إن عتق النسمة أن تنفرد بعتقها ، وفك الرقبة أن تعين في عتقها . والمنحة الوكوف ، والفيء على ذي الرحم الظالم ; فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع ، واسق الظمآن ، وأمر بالمعروف ، وانه عن المنكر ، فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من الخير " .
تفسير القرطبيقوله تعالى : فك رقبة فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : فك رقبة فكها : خلاصها من الأسر . وقيل : من الرق . وفي الحديث : [ وفك الرقبة أن تعين في ثمنها ] . من حديث البراء ، وقد تقدم في سورة ( التوبة ) . والفك : هو حل القيد والرق قيد . وسمي المرقوق رقبة ; لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته . وسمي عتقها فكا كفك الأسير من الأسر . قال حسان :كم من أسير فككناه بلا ثمن وجز ناصية كنا مواليهاوروى عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من أعتق رقبة مؤمنة كانت فداءه من النار قال الماوردي : ويحتمل ثانيا أنه أراد فك رقبته وخلاص نفسه ، باجتناب المعاصي ، وفعل الطاعات ولا يمتنع الخبر من هذا التأويل ، وهو أشبه بالصواب .الثانية : قوله تعالى : رقبة قال أصبغ : الرقبة الكافرة ذات الثمن أفضل في العتق من الرقبة المؤمنة القليلة الثمن لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل أي الرقاب أفضل ؟ قال : " أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها " .ابن العربي : والمراد في هذا الحديث : من المسلمين بدليل قوله - عليه السلام - : من أعتق امرأ مسلما ومن أعتق رقبة مؤمنة . وما ذكره أصبغ وهلة وإنما نظر إلى تنقيص المال ، والنظر إلى تجريد المعتق للعبادة ، وتفريغه للتوحيد ، أولى .الثالثة : العتق والصدقة من أفضل الأعمال . وعن أبي حنيفة : أن العتق أفضل من الصدقة . وعند صاحبيه الصدقة أفضل . والآية أدل على قول أبي حنيفة لتقديم العتق على الصدقة . وعن الشعبي في رجل عنده فضل نفقة : أيضعه في ذي قرابة أو يعتق رقبة ؟ قال : الرقبة أفضل ; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من فك رقبة فك الله بكل عضو منها عضوا من النار .
تفسير الطبريحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ) ثم أخبر عن اقتحامها فقال: (فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ).واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قرّاء مكة وعامة قرّاء البصرة، عن ابن أبي إسحاق، ومن الكوفيين: الكسائي ( فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ أطْعَمَ ) وكان أبو عمرو بن العلاء يحتجّ فيما بلغني فيه بقوله: ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا كأن معناه: كان عنده، فلا فكّ رقبة ولا أطعم، ثم كان من الذين آمنوا. وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والكوفة والشام ( فَكُّ رَقَبَةٍ ) على الإضافة (أَوْ إِطْعَامٌ) على وجه المصدر.والصواب من القول في ذلك: أنهما قراءتان معروفتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، وتأويل مفهوم، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. فقراءته إذا قرئ على وجه الفعل تأويله: فلا اقتحم العقبة، لا فكّ رقبة، ولا أطعم، ثم كان من الذين آمنوا، (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ) على التعجب والتعظيم وهذه القراءة أحسن مخرجا في العربية، لأن الإطعام اسم، وقوله: ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا فعل، والعرب تُؤثِر ردّ الأسماء على الأسماء مثلها، والأفعال على الأفعال، ولو كان مجيء التَّنزيل ثم إن كان من الذين آمنوا، كان أحسن، وأشبه بالإطعام والفكّ من ثم كان، ولذلك قلت: ( فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ أطْعَمَ ) أوجه في العربية من الآخر، وإن كان للآخر وجه معروف، ووجهه أنْ تضمر " أنْ " ثم تلقي، كما قال طرفة بن العبد:ألا أيُّهَا ذَا الزَّاجِرِي أحْضُرَ الْوَغَىوأنْ أشْهَدَ اللَّذَّاتِ هلْ أنتَ مُخْلِدي (2)بمعنى: ألا أيهاذا الزاجري أن أحضر الوغى. وفي قوله: " أن أشهد " الدلالة البينة على أنها معطوفة على أن أخرى مثلها، قد تقدّمت قبلها، فذلك وجه جوازه. وإذا وُجِّه الكلام إلى هذا الوجه كان قوله: (فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ) تفسيرًا لقوله: ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ) كأنه قيل: وما أدراك ما العقبة؟ هي فكّ رقبة ( أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ) كما قال جلّ ثناؤه: وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ، ثم قال: نَارٌ حَامِيَةٌ مفسرا لقوله: فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ، ثم قال: وما أدراك ما الهاوية؟ هي نار حامية.------------------------الهوامش:(2) ‌البيت من معلقة طرفة بن العبد البكري ( مختار من الشعر الجاهلي بشرح مصطفى السقا طبعة الحلبي 317 ) قال : أحضر : رواه البصريون برفع الراء ، ورواه الكوفيون بنصبها ، على تقدير ( أن ) في غير المواضع العشرة المعروفة . والوغى : الحرب . وأصله أصوات المحاربين . يقول : أيها الإنسان الذي يلومني على حضور الحرب ، وحصول اللذات ، هل تخلدني في الدنيا إذا كففت عنها . ا ه .
أَوۡ إِطۡعَٰمٞ فِي يَوۡمٖ ذِي مَسۡغَبَةٖ  ١٤
التفسير الميسرأو إطعام في يوم ذي مجاعة شديدة، يتيمًا من ذوي القرابة يجتمع فيه فضل الصدقة وصلة الرحم، أو فقيرًا معدمًا لا شيء عنده.
تفسير السعدي أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ أي: مجاعة شديدة، بأن يطعم وقت الحاجة أشد الناس حاجة.
تفسير ابن كثيروقوله : ( أو إطعام في يوم ذي مسغبة ) قال ابن عباس : ذي مجاعة . وكذا قال عكرمة ، ومجاهد ، والضحاك ، وقتادة ، وغير واحد . والسغب : هو الجوع .وقال إبراهيم النخعي : في يوم الطعام فيه عزيز .وقال قتادة : في يوم يشتهى فيه الطعام .
تفسير القرطبيقوله تعالى : أو إطعام في يوم ذي مسغبة أي مجاعة . والسغب : الجوع . والساغب الجائع . وقرأ الحسن أو إطعام في يوم ذا مسغبة بالألف في ذا - وأنشد أبو عبيدة :فلو كنت جارا يا ابن قيس بن عاصم لما بت شبعانا وجارك ساغباوإطعام الطعام فضيلة ، وهو مع السغب الذي هو الجوع أفضل . وقال النخعي في قوله تعالى : أو إطعام في يوم ذي مسغبة قال : في يوم عزيز فيه الطعام . وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من موجبات الرحمة إطعام المسلم السغبان .
تفسير الطبريوقوله: ( أَوْ أَطْعَمَ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ )يقول: أو أطعم في يوم ذي مجاعة، والساغب: الجائع.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( أو أطْعَمَ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ) يوم مجاعة.حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثني خالد بن حيان الرقي أبو يزيد، عن جعفر بن برقان، عن عكرِمة في قول الله ( أو أطْعَمَ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ) قال: ذي مجاعة.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ) قال: الجوع.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( أو أطْعَمَ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ) يقول: يوم يُشْتَهَى فيه الطعام.حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن عثمان الثقفي، عن مجاهد، عن ابن عباس ( فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ) قال: مجاعة.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عثمان بن المُغيرة، عن مجاهد، عن ابن عباس، مثله.حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: في قوله: ( فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ) قال: مجاعة.
يَتِيمٗا ذَا مَقۡرَبَةٍ  ١٥
التفسير الميسرأو إطعام في يوم ذي مجاعة شديدة، يتيمًا من ذوي القرابة يجتمع فيه فضل الصدقة وصلة الرحم، أو فقيرًا معدمًا لا شيء عنده.
تفسير السعدي يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أي: جامعًا بين كونه يتيمًا، فقيرًا ذا قرابة.
تفسير ابن كثيروقوله : ( يتيما ) أي : أطعم في مثل هذا اليوم يتيما ، ( ذا مقربة ) أي : ذا قرابة منه . قاله ابن عباس ، وعكرمة ، والحسن ، والضحاك ، والسدي . كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد :حدثنا يزيد ، أخبرنا هشام ، عن حفصة بنت سيرين ، عن سليمان بن عامر قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " الصدقة على المسكين صدقة ، وعلى ذي الرحم اثنتان ، صدقة وصلة " .وقد رواه الترمذي والنسائي وهذا إسناد صحيح .
تفسير القرطبييتيما ذا مقربة أي قرابة . يقال : فلان ذو قرابتي وذو مقربتي . يعلمك أن الصدقة على القرابة أفضل منها على غير القرابة ، كما أن الصدقة على اليتيم الذي لا كافل له أفضل من الصدقة على اليتيم الذي يجد من يكفله . وأهل اللغة يقولون : سمي يتيما لضعفه . يقال : يتم الرجل يتما : إذا ضعف . وذكروا أن اليتيم في الناس من قبل الأب . وفي البهائم من قبل الأمهات . وقد مضى في سورة ( البقرة ) مستوفى ، وقال بعض أهل اللغة : اليتيم الذي يموت أبواه . وقال قيس بن الملوح :إلى الله أشكو فقد ليلى كما شكا إلى الله فقد الوالدين يتيم
تفسير الطبريوقوله: ( يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ) يقول: أو أطعم في يوم مجاعة صغيرًا لا أب له من قرابته، وهو اليتيم ذو المقرَبة؛ وعُنِي بذي المقربة: ذا القرابة.كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ) قال: ذَا قرابة.
أَوۡ مِسۡكِينٗا ذَا مَتۡرَبَةٖ  ١٦
التفسير الميسرأو إطعام في يوم ذي مجاعة شديدة، يتيمًا من ذوي القرابة يجتمع فيه فضل الصدقة وصلة الرحم، أو فقيرًا معدمًا لا شيء عنده.
تفسير السعدي أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ أي: قد لزق بالتراب من الحاجة والضرورة.
تفسير ابن كثيروقوله : ( أو مسكينا ذا متربة ) أي : فقيرا مدقعا لاصقا بالتراب ، وهو الدقعاء أيضا .قال ابن عباس : ( ذا متربة ) هو المطروح في الطريق الذي لا بيت له ، ولا شيء يقيه من التراب - وفي رواية : هو الذي لصق بالدقعاء من الفقر والحاجة ، ليس له شيء - وفي رواية عنه : هو البعيد التربة .قال ابن أبي حاتم : يعني الغريب عن وطنه .وقال عكرمة : هو الفقير المديون المحتاج .وقال سعيد بن جبير : هو الذي لا أحد له .وقال ابن عباس ، وسعيد ، وقتادة ، ومقاتل بن حيان : هو ذو العيال .وكل هذه قريبة المعنى .
تفسير القرطبيقوله تعالى : أو مسكينا ذا متربة أي لا شيء له ، حتى كأنه قد لصق بالتراب من الفقر ، ليس له مأوى إلا التراب . قال ابن عباس : هو المطروح على الطريق ، الذي لا بيت له . مجاهد : هو الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره . وقال قتادة : إنه ذو العيال . عكرمة : المديون . أبو سنان : ذو الزمانة . ابن جبير : الذي ليس له أحد . وروى عكرمة عن ابن عباس : ذو المتربة البعيد التربة يعني الغريب البعيد عن وطنه . وقال أبو حامد الخارزنجي : المتربة هنا : من التريب وهي شدة الحال . يقال ترب : إذا افتقر . قال الهذلي :وكنا إذا ما الضيف حل بأرضنا سفكنا دماء البدن في تربة الحالوقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي : ( فك ) بفتح الكاف ، على الفعل الماضي . ( رقبة ) نصبا لكونها مفعولا ( أو أطعم ) بفتح الهمزة ونصب الميم ، من غير ألف ، على الفعل الماضي أيضا لقوله : ثم كان من الذين آمنوا فهذا أشكل ب فك أو إطعام . وقرأ الباقون : فك رفعا ، على أنه مصدر فككت . رقبة خفض بالإضافة . أو إطعام بكسر الهمزة وألف ورفع الميم وتنوينها على المصدر أيضا . واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ; لأنه تفسير لقوله تعالى : وما أدراك ما العقبة ؟ ثم أخبره فقال : فك رقبة أو إطعام . المعنى : اقتحام العقبة : فك رقبة أو إطعام . ومن قرأ بالنصب فهو محمول على المعنى أي ولا فك رقبة ، ولا أطعم في يوم ذا مسغبة فكيف يجاوز العقبة . وقرأ الحسن وأبو رجاء : ذا مسغبة بالنصب على أنه مفعول إطعام أي يطعمون ذا مسغبة ويتيما بدل منه . الباقون ذي مسغبة فهو صفة ليوم . ويجوز أن يكون قراءة النصب صفة لموضع الجار والمجرور ; لأن قوله : في يوم ظرف منصوب الموضع ، فيكون وصفا له على المعنى دون اللفظ .
تفسير الطبريوقوله: ( أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ( ذَا مَتْرَبَةٍ ) فقال بعضهم: عُنِيَ بذلك: ذو اللصوق بالتراب.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، قال: أخبرني المُغيرة، عن مجاهد، عن ابن عباس ( أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) قال: الذي ليس له مأوى إلا التراب.حدثنا مطرِّف بن محمد الضبيّ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا شعبة، عن المُغيرة، عن مجاهد، عن ابن عباس، مثله.حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن حُصين، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قول الله: ( أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) قال: الذي لا يُواريه إلا التراب.حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا أبو عاصم، عن شعبة، عن المُغيرة، عن مجاهد، عن ابن عباس ( ذَا مَتْرَبَةٍ ) قال: الذي ليس له مَأوًى إلا التراب.حدثنا ابن حميد، قال: ثني جرير، عن مغيرة، عن مجاهد، عن ابن عباس ( مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) قال: الذي ليس له مَأوًى إلا التراب.قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله: ( أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) قال: المسكين؛ المطروح في التراب.حدثني أبو حصين قال: ثنا عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عَبْثَرٌ، عن حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس، قوله: ( أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) قال: الذي لا يقيه من التراب شيء.حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا حصين والمغيرة كلاهما، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال في قوله: ( أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) قال: هو اللازق بالتراب من شدّة الفقر.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو بن أبي قيس، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس ( أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) قال: التراب الملقى على الطريق على الكُناسة.حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا طَلق بن غنام، عن زائدة، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس ( أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) قال: هو المسكين الملقى بالطريق بالتراب.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الحصين، عن مجاهد ( أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) قال: المطروح في الأرض، الذي لا يقيه شيء دون التراب.حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس ( أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) قال: هو المُلزق بالأرض، لا يقيه شيء من التراب.حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حصين وعثمان بن المُغيرة، عن مجاهد عن ابن عباس ( أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) قال الذي ليس له شيء يقيه من التراب.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( ذَا مَتْرَبَةٍ ) قال: ساقط في التراب.حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن جعفر بن برقان، قال: سمع عكرِمة ( أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) قال: الملتزق بالأرض من الحاجة.حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن عكرِمة، في قوله: ( أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) قال: التراب اللاصق بالأرض.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عثمان بن المُغيرة، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: المُلقى في الطريق الذي ليس له بيت إلا التراب.وقال آخرون: بل هو المحتاج، كان لاصقا بالتراب، أو غير لاصق؛ وقالوا: إنما هو من قولهم: تَرِب الرجل: إذا افتقر.* ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ( أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) يقول: شديد الحاجة.حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن عكرِمة، في قوله: ( أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) قال: هو المحارَف الذي لا مال له.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) قال: ذا حاجة، الترب: المحتاج.وقال آخرون: بل هو ذو العيال الكثير الذين قد لصقوا بالتراب من الضرّ وشدّة الحاجة.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) يقول: مسكين ذو بنين وعيال، ليس بينك وبينه قرابة.حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر بن أبي المُغيرة، عن سعيد بن جُبير، في قوله: ( أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) قال: ذا عِيال.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) كنا نحدّث أن الترب هو ذو العيال الذي لا شيء له.حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) ذا عيال لاصقين بالأرض، من المسكنة والجهد.وأولى الأقوال في ذلك بالصحة قول من قال: عُنِيَ به: أو مسكينا قد لصق بالتراب من الفقر والحاجة؛ لأن ذلك هو الظاهر من معانيه. وأن قوله: ( مَتْرَبَةٍ ) إنما هي" مَفْعَلةٍ " من ترب الرجل: إذا أصابه التراب.
ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡمَرۡحَمَةِ  ١٧
التفسير الميسرثم كان مع فِعْل ما ذُكر من أعمال الخير من الذين أخلصوا الإيمان لله، وأوصى بعضهم بعضًا بالصبر على طاعة الله وعن معاصيه، وتواصوا بالرحمة بالخلق.
تفسير السعدي ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا أي: آمنوا بقلوبهم بما يجب الإيمان به، وعملوا الصالحات بجوارحهم. من كل قول وفعل واجب أو مستحب. وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ على طاعة الله وعن معصيته، وعلى أقدار المؤلمة بأن يحث بعضهم بعضًا على الانقياد لذلك، والإتيان به كاملًا منشرحًا به الصدر، مطمئنة به النفس. وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ للخلق، من إعطاء محتاجهم، وتعليم جاهلهم، والقيام بما يحتاجون إليه من جميع الوجوه، ومساعدتهم على المصالح الدينية والدنيوية، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه.
تفسير ابن كثيروقوله : ( ثم كان من الذين آمنوا ) أي : ثم هو مع هذه الأوصاف الجميلة الطاهرة مؤمن بقلبه ، محتسب ثواب ذلك عند الله - عز وجل - . كما قال تعالى : ( ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ) [ الإسراء : 19 ] وقال ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ) الآية [ النحل : 97 ] .وقوله : ( وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ) أي : كان من المؤمنين العاملين صالحا ، المتواصين بالصبر على أذى الناس ، وعلى الرحمة بهم . كما جاء في الحديث : " الراحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " وفي الحديث الآخر : " لا يرحم الله من لا يرحم الناس " .وقال أبو داود : حدثنا [ أبو بكر ] بن أبي شيبة ، حدثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن ابن عامر عن عبد الله بن عمرو - يرويه - قال : " من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا ، فليس منا " .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ثم كان من الذين آمنوا يعني : أنه لا يقتحم العقبة من فك رقبة ، أو أطعم في يوم ذا مسغبة ، حتي يكون من الذين آمنوا أي صدقوا ، فإن شرط قبول الطاعات الإيمان بالله . فالإيمان بالله بعد الإنفاق لا ينفع ، بل يجب أن تكون الطاعة مصحوبة بالإيمان ، قال الله تعالى في المنافقين : وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله . وقالت عائشة : يا رسول الله ، إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ، ويطعم الطعام ، ويفك العاني ، ويعتق الرقاب ، ويحمل على إبله لله ، فهل ينفعه ذلك شيئا ؟ قال : " لا ، إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين " . وقيل : ثم كان من الذين آمنوا أي فعل هذه الأشياء وهو مؤمن ، ثم بقي على إيمانه حتى الوفاة نظيره قوله تعالى : وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى . وقيل : المعنى ثم كان من الذين يؤمنون بأن هذا نافع لهم عند الله تعالى . وقيل : أتى بهذه القرب لوجه الله ، ثم آمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وقد قال حكيم بن حزام بعدما أسلم ، يا رسول الله ، إنا كنا نتحنث بأعمال في الجاهلية ، فهل لنا منها شيء ؟ فقال - عليه السلام - : " أسلمت على ما أسلفت من الخير " . وقيل : إن ثم بمعنى الواو أي وكان هذا المعتق الرقبة ، والمطعم في المسغبة ، من الذين آمنوا .وتواصوا أي أوصى بعضهم بعضا .بالصبر أي بالصبر على طاعة الله ، وعن معاصيه وعلى ما أصابهم من البلاء والمصائب .وتواصوا بالمرحمة بالرحمة على الخلق فإنهم إذا فعلوا ذلك رحموا اليتيم والمسكين .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17)يقول تعالى ذكره: ثم كان هذا الذي قال: أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا من الذين آمنوا بالله ورسوله، فيؤمن معهم كما آمنوا( وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) يقول: وممن أوصى بعضهم بعضا بالصبر على ما نابهم في ذات الله ( وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ) يقول: وأوصى بعضهم بعضًا بالمرحمة.كما حدثنا محمد بن سنان والقزّاز، قال: ثنا أبو عاصم عن شبيب، عن عكرِمة، عن ابن عباس ( وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ) قال: مَرْحَمة الناس.
أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ  ١٨
التفسير الميسرالذين فعلوا هذه الأفعال، هم أصحاب اليمين، الذين يؤخذ بهم يوم القيامة ذات اليمين إلى الجنة.
تفسير السعديأولئك الذين قاموا بهذه الأوصاف، الذين وفقهم الله لاقتحام هذه العقبة أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ لأنهم أدوا ما أمر الله به من حقوقه وحقوق عباده، وتركوا ما نهوا عنه، وهذا عنوان السعادة وعلامتها.
تفسير ابن كثيرقوله تعالى "أولئك أصحاب الميمنة" أى المتصفون بهذه الصفات من أصحاب اليمين.
تفسير القرطبيأولئك أصحاب الميمنة أي الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم قاله محمد بن كعب القرظي وغيره . وقال يحيى بن سلام : لأنهم ميامين على أنفسهم . ابن زيد : لأنهم أخذوا من شق آدم الأيمن . وقيل : لأن منزلتهم عن اليمين قاله ميمون بن مهران .
تفسير الطبريوقوله: ( أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ) يقول: الذين فعلوا هذه الأفعال التي ذكرتها، من فكّ الرقاب، وإطعام اليتيم، وغير ذلك، أصحاب اليمين، الذين يؤخذ بهم يوم القيامة ذات اليمين إلى الجنة.
من نحن

موقع الحياة بالإسلام هو موقع إسلامي، يقدم لكم العديد من المواضيع الاسلامية على منهاج الكتاب و السنة، كما يتضمن بعض قراءات القران الكريم بالرسم العثماني بأصوات اشهر القراء حول العالم

عرض المزيد
إشارات

التين , سُورَةُ هُودٍ , سُورَةُ الجُمُعَةِ , الكوثر , معيض الحارثي , القارئ سيلمان الشبيبي , القارئ عبدالرحمن الشحات , محمد عبدالحكيم سعيد العبدالله , قراءة يعقوب الحضرمي بروايتي رويس وروح , المصحف المعلم , قالون عن نافع من طريق أبي نشيط , خلف عن حمزة ,

عرض المزيد